شرح دعاء القنوت في الوتر

شرح دعاء القنوت في الوتر
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم : فإن من جوامع الأدعية التي علمنا إياها النبي صلى الله عليه وسلم دعاء القنوت في الوتر , ومن تأمل كلمات دعاء القنوت على قلة كلماتها لوجد أنها لم تترك شيئا من خير الدنيا والآخرة ولو استحضر الإنسان هذه المعاني لكفته عن كثير من التطويل والاعتداء في الدعاء .
– تأمل معي قول الحسن بن علي : عَلَّمَنِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ فِي الوِتْرِ .. .
التعليم فيه معنى العناية والاهتمام , وتأمل أن هذا التعليم من نبينا عليه الصلاة والسلام لحبه الحسن بن علي رضي الله عنهما , والعلم هو وسيلة من وسائل التقرب إلى الله ونيل المنازل العليا والتحصل على خشية الله .
– وتأمل أن هذه الكلمات تأتي في ختام طاعة وقربة عظيمة وهي قيام الليل , وأقرب ما يكون العبد من ربه في الثلث الأخير من الليل وهو وقت هبوب الرحمات ونزول البركات وقبول الدعوات , والعبرة بالختام , والخواتيم بمنزلة العطية العظمى والجائزة وإتمام الثواب .
– قوله في بداية القنوت : اللهم , والتي فيها الدعاء باسمه الله , وهو اسم الله الأعظم على قول , والميم قال بعض أهل اللغة : عوض عن يا النداء والمعنى أمنا بخير أي اقصدنا وخصنا وأولنا بالخير .
– قوله : اهدني فيمن هديت . وهذه الكلمة لو لم تكن إلا هي في دعاء القنوت لكانت كافية , فحاجة الإنسان إلى هداية الرب أكثر من حاجته إلى الطعام والشراب , وهل يستغني العبد عن هداية الله بمقدار طرفة عين , وتتضمن التوفيق للإيمان والتقوى والأعمال الصالحة وانشراح الصدر بها وإعانة وقوة عليها , ومحبة وطمأنينة بها وإحسان فيها من إخلاص و حسن اتباع في أدائها وتتضمن كذلك كل ما يندرج تحت الهداية من أعمال للقلوب والجوارح ونفع الناس ونصحهم وإرشادهم وغير ذلك مما لا عدل له ولا حصر .
– وفي قوله : فيمن هديت .! استحضار هداية الله للرسل والأنبياء وهي المقيدة في قوله تعالى : { صراط الذين أنعمت عليهم } وهم المشار إليهم في قوله تعالى :{ من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا } وسبيلهم هو الذي عليه مدار سعادة العبد في الدنيا والآخرة .
– قوله : وعافني فيمن عافيت . والعافية أعظم ما رزقه العبد بعد الإيمان واليقين كما جاء في الحديث عن معاذ بن رفاعة عن أبيه قال: قام أبو بكر الصديق على المنبر ثم بكى فقال: قام فينا رسولُ الله – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عامَ أوَّلِ على المنْبَر، ثُمَّ بَكى: فقال: “سَلوا الله العَفْوَ والعافِيَةَ، فإَنَّ أحداً لَمْ يُعْطَ بعدَ اليقينِ خَيْراً مِنَ العافِيَةِ”. الترمذي وحسنه الألباني .
– وتأمل العافية واستحضر العافية في الدين والاعتقاد والسلامة من الشرك والكفر والنفاق والبدع وكل ما نهى الله عنه من المعاصي والذنوب والشرور , والعافية من شرور وسيئات الأعمال في الدنيا والآخرة والعافية في النفس من الأسقام البدنية وأمراض الشهوات والشبهات بل والعافية في المال والأهل والولد والعافية من شرور شياطين الإنس والجن والعافية من سخط الرب وغضبه وعذابه في الدنيا والآخرة بل والعافية من تسلط الأعداء وشماتة الأعداء والارتداد بعد الإيمان والغواية بعد الرشاد , وقس على ذلك ما تحت هذه الكلمة من السلامة والرشاد والصلاح من كل الشرور والآفات وفساد الحال ,
– والعافية مأخوذة كذلك من العفو , والعفو همن معنيه الزيادة كما قال تعالى { ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو} واستحضر أنك تطلب الزيادة والبركة في الإيمان والتقوى والهداية والثبات على الصراط المستقيم ومزيد التوفيق والتسديد في الأعمال والأقوال والنيات .
– قوله : وتولنا فيمن توليت . وتأمل أن كلمة التولي أعظم من كلمة والاه , فتولاه أعظم من والاه , وتأمل ما تحت هذه الكلمة من إعانة وإحاطة ورعاية وكلاءة وحفظ وتيسير أمور وتسديد وتأييد وتمكين في الأرض ونصر على الأعداء وإعزاز ورفعة في الدنيا والآخرة , وتأمل ما تحت معنى التولي من المحبة والمودة وطلبها من الرب وما يترتب على ذلك من الرحمة والإحسان والفضل والرزق والمغفرة والرأفة وكل أنواع الجود والعطاء في الدنيا والآخرة , وتأمل القيد : فيمن توليت ! , فأنت تسأل تولي الله وموالاته لأهل فضله وإحسانه وهم الرسل والأنبياء والصديقين والشهداء وهم أحبابه وأولياءه وأهل كرمه نصرته وجوده في الدنيا والآخرة .
– وتأمل قوله : وبارك لنا فيما أعطيت ! .
وتأمل أن البركة بمعنى دوام الخير وكثرته وزيادته , وتأمل هذا الخير الذي تطلب ثباته وزيادته من إيمان وتقوى واستقامة وتوفيق للأعمال الصالحة وإحسان لخلقه , واستحضر كذلك البركة في البدن والعمر والوقت والمال والأهل والرزق بل والعلم والنفع للغير وبذل المعروف ومضاعفة الحسنة والأجر والثواب .
– وقوله : وقنا شر ما قضيت . وما أعظمها من كلمة ؛ ففيها الإيمان والإذعان بقدر الله , وأن الله هو المتفرد في ربوبيته وأفعاله , وأنه لا يجري شئ بغير تقديره وإرادته , وفيها تنزيه الرب عن الشر , فالشر ليس في فعل الله كما في الحديث : والشر ليس إليك . وإنما الشر في المقضي , فأفعال الله كلها صادرة عن حكمة بل غاية في الحكمة والإتقان , وفيها إذعان للعبد وتسليم لله وأن الهداية وضدها والخير وضده بيده , وأن العباد يتقلبون في فضله وعدله , وأن العبد يستمد من الله العون والتوفيق والهداية والرشاد وأنه لا غنى للعبد عن الله بمقدار طرفة عين , ومن استغنى عن الله بمقدار طرفة عين هلك , وأنه هو المتفضل على عبده بصرف السوء والشر والغواية والضلالة , فما أعظم هذه الكلمة وما تضمنته من معاني عظيمة .
– وتأمل قوله : فإنك تقضي ولا يقضى عليك . ففيها إقرار واعتراف من العبد بفقره وضعفه وذله , وإثبات لصفات الكمال والجلال والعظمة وإثبات لربوبية الله وألوهيته .
– ثم تأمل كلمات التمجيد والثناء على الله : وإنه لا يعز من عاديت , ولا يذل من واليت . لتعلم أن الله هو القوي الذي لا يغالب والعزيز الذي لا يرام والقهار الذي لا ينازع والملك الذي لا يضام , وأن مآل العزة لأهل الإيمان وأن الذل والهوان لأهل الكفر والطغيان والعصيان , وأنه المتصف بصفات العظمة والعزة والقهر , وأنه لا يتخلى عن أوليائه , وأنه هو سبحانه المأمول والمرجو والمتوكل عليه في إعزاز أهل دينه , وأن القلوب يجب أن لا تتطلع لسواه ولا تطلب العزة والتمكين بغير سبيله وطريقه .
– ثم تأمل خاتمة هذا الدعاء : تباركت ربنا وتعاليت . وأن هذا الوصف لازم له وهو أحق من اتصف به , و{ تبارك} يدور معناها على :
– إثبات الكمال له وتجدده له سبحانه , فهو بمعنى الثبات والدوام والتجدد
– أنه تنزه وتقدس عن الشبيه والنظير والمماثلة فله الأسماء الحسنى والصفات العليا التي تتنزه عن النقص والعيب ومن ذلك نفي الشبيه والنظير .
– وتأمل أن { تباركت } { وتعاليت } جاءت على بناء السعة والمبالغة الدال على كمال العلو ونهايته , وعلى كمال بركته وعظمها وسعتها
– ومن معاني البركة : أن تجيء البركات من قبله, فالبركة كلها منه.
– وبمعنى: كثرة خيره وإحسانه إلى خلقه .
– وبمعنى اتسعت رأفته ورحمته بهم .
– وتأمل كلمة : تعاليت . والتي تدل على إثبات العلو لله في أسمائه وصفاته وأفعاله , وأنها بلغت الغاية العظمى في الحسن والجمال والجلال والحكمة , وأن ما دلت عليه من المعاني في ثبات بل وفي كمال متجدد ودوام مستمر !! .
– أقول : هذا شئ يسير مما تدل عليه كلمات القنوت , وما دلت عليه أعظم مما سطره القلم , لتعلم أن أبلغ الكلمات ما ورد به النص وأن كلمات الوحي تختصر كثيرا من كلمات ودعوات البشر مهما تزينت بالألفاظ أو تجملت بالفصيح من الجمل .
كتبه / أبو عبدالرحمن الغريب

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

ابقَ على إتصال

2,282المشجعينمثل
28,156أتباعتابع
12,600المشتركينالاشتراك

مقالات ذات صلة