هل إذا تدخل المرأة في نكاح التحليل إذا نوت المرأة فراق الزوج الثاني لتعود لزوجها الأول؟
السؤال
منذ سبعة أشهر طلقت زوجتي ، والتي هي أم لولدين بيننا ، كنت أحبُّها حبّاً شديداً ، لكن نظراً لبعض الوسواس : طلقتها ، وندمت على ذلك ، بعد ذلك بمدة : تزوجتْ من شخص آخر ، ثم طلقها ، فحمدتُ الله على ذلك ، فتزوجتها من جديد ، منذ عدة أيام وجدتها تبكي ، فعندما سألتها في ذلك قالت : إنها ما تزوجت ذلك الرجل إلا ليطلقها ، وقد أخبرته بذلك بعد الزواج ، وقالت له : أنا لا أحبك ، وإنما أحب رجلاً آخر ، فقال لها : طالما أنك تحبين رجلاً آخر فأنتِ طالق .
طبعاً أنا لا أعلم شيئاً عن هذا ، حتى أني لا أعرف زوجها الذي تزوجته ، فهل زواجنا هذا صحيح ، أم أننا ندخل من ضمن الذين لعنهم النبي صلى الله عليه وسلم ( لعن الله المحلِّل والمحلَّل له ) ؟ . أفتونا مأجورين ، وجزاكم الله خيراً .
الجواب
الحمد لله
أولاً:
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : ( لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُحِلَّ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ ) .
رواه الترمذي ( 1120 ) وصححه ، والنسائي ( 3416 ) .
قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله – :
وصححه ابن القطان ، وابن دقيق العيد على شرط البخاري .
” التلخيص الحبير ” ( 3 / 372 ) .
قال ابن القيم – رحمه الله – :
ولعنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لهما : إما خَبَر عن الله تعالى بوقوع لعنته عليهما ، أو دُعاء عليهما باللعنة ، وهذا يدلُّ على تحريمه ، وأنه من الكبائر . ” زاد المعاد في هدي خير العباد ” ( 5 / 672 ) .
عن عُقْبَة بْنِ عَامِرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِالتَّيْسِ الْمُسْتَعَارِ ) قَالُوا : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : ( هُوَ الْمُحَلِّلُ لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ ) . رواه ابن ماجه ( 1936 ) وحسنه الألباني في ” صحيح ابن ماجه ” .
قال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله – :
وهذا من أقبح الباطل ، ومن أعظم الفساد ، وهو زانٍ في المعنى ؛ لأنه ما تزوجها لتكون زوجة ، لتعفه ولتبقى لديه لتحصنه ، ليرجو منها وجود الذرية لا ، إنما جاء تيساً مستعاراً ، ليحللها لمَن قبله ، بوطء مرة واحدة ، ثم يفارقها وينتهي منها ، هذا هو المحلل ، ونكاحه باطل ، وليس بشرعي ، ولا تحل للزوج الأول إذا علم هذا ، فإنه يستحق أن يؤدب ، ويعزر بالتعزير البليغ ، الذي يردعه وأمثاله ، وهذه الزوجة لا تحل بذلك ، بل يعزر أيضاً المحلِّل ، وهي كذلك ، إذا كانت راضية ، كلهم يعزرون لهذا العمل السيئ ؛ لأنه نكاح فاسد ، نكاح خبيث ، نكاح منكر ومعصية ، فوجب أن يعزر القائمون به : المحلِّل والمحلِّلة ، والمحلَّل له أيضاً ، كلهم سواء ، فالمرأة إذا كانت راضيةً ، وعالمة بهذا الشيء : فهي أيضاً تستحق التعزير ، والتأديب ؛ لرضاها بالمعصية ، ومواطأتها عليها ، ولو أراد أن يبقى عندها : لم تحل له ، ما دام نكحها بهذه النية ، وبهذا القصد ؛ فإنه نكاح فاسد ، ولا تحل له ، ولا تحل للزوج الأول ؛ لأن هذا ليس بزواج ، والله قال : ( حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ) ، وهذا تيس مستعار ، وليس بزوج شرعي ، فلا يحللها للزوج الأول . ” فتاوى الشيخ ابن باز ” (20 / 277 ، 278 ) .
ثانياً:
– والأطراف في مسألة نكاح التحليل ثلاثة : الزوج الأول ، والثاني ، والمرأة – أو المرأة ووليها – .
والمعلوم : أنه إن اتفق الأول والثاني على إنشاء عقد ترجع به المرأة للأول : أنهما ملعونان ، وأن النكاح الثاني فاسد ، ولا تحل للأول ، ومثله : لو نوى الثاني أنه يتزوج المرأة ليرجعها لزوجها ، دون علم الأول .
والمرأة إن كانت جزءً من الاتفاق السابق : كانت مشتركة معهم في الإثم ، واللعن ، وإن كانت عالمة بنية الثاني : كانت كذلك .
وبقيت علينا مسألة ، وهي : ماذا لو نوت المرأة – أو المرأة ووليها – أنها تتزوج من آخر ، لترجع لزوجها الأول دون علم الأول والثاني ؟ .
لا شك أنها آثمة بهذا الفعل ، هل لكن لنيتها تأثير في العقد ؟ فيه خلاف بين العلماء :
– منهم من يرى أنه لا تأثير لنية المرأة ؛ لأنها لا تملك الفراق من زوجها ، ويقولون ” من لا فُرقة بيده لا أثر لنيَّته ” ، وهو قول الحنفية ، والمالكية ، والحنابلة ، وأحد أقوال الشافعي .
– والقول الثاني : أن لنيتها تأثيراً ، وهو قول بعض التابعين .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – :
قال إبراهيم النخعي : ” إذا همَّ الزوج الأول , أو المرأة , أو الزوج الأخير , بالتحليل : فالنكاح فاسد . رواهما حرب الكرماني .
وعن الحسن , وإبراهيم النخعي , قالا : ” إذا هم أحد الثلاثة بالتحليل فقد فسد العقد ” . رواهما سعيد . ” إقامة الدليل على إبطال التحليل ” ( ص 8 ، 9 ) .
والصواب : التفصيل ، وهو أن يقال : إن تزوجت المرأة من الثاني بقصد الرجوع للأول ، مع السعي في أسباب طلاقها منه ، أو مخالعته بغير وجه حق ، أو بالخديعة والمكر : كان فعلها محرَّماً ، وله تأثير ، فلا ترجع للأول ، إما لدخولها في ” التحليل ” ، أو من باب ” العقوبة بنقيض القصد ” ، ولا يجوز له إرجاعها إن علم نيتها ، أما مجرد الرغبة في الرجوع للأول : فهذا لا حرج فيها ، ولا تأثم بهذه النية ، ومثله يقال فيمن يشترك معها ممن لا يملك الفرقة ، وهو الزوج الأول ، وأولياؤها ، فمجرد رغبة هؤلاء برجوع المرأة لزواجها الأول : لا حرج فيه ، وأما مع سعيهم لتطليقها من الثاني ، بالدسائس والمكائد ، وبذل الأموال : فهذا مؤثِّر ، ولا شك ، ويمنع من إرجاع المرأة لزواجها الأول ؛ لأن العقد الثاني ينبغي أن يكون بقصد الدوام ، لا التأقيت ، ولذا جاء هنا قوله تعالى ( حتَّى تَنكِح زَوْجاً غَيْرَه ) ولم يقل ” حتى تُنكح من زوجٍ غيره ” ! ولعل هذا هو مقصود من قال بأنه لا تأثير لنية المرأة على العقد ، وهو الذي رجحه شيخ الإسلام رحمه الله ، حيث قال :
والكلام في هذا الموضع يظهر بيان حال المرأة في النية ، وهي مراتب :
الأولى : أن تنوي أن هذا الزوج الثاني إن طلقها ، أو مات عنها ، أو فارقها بغير ذلك : تزوجت بالأول ، أو ينوي المطلق ذلك أيضاً ، فينوي أن هذا الثاني إن طلقها ، أو فارقها بغير ذلك : تزوجها ، فهذا قصد محض لما أباحه الله ، لم يقترن بهذا القصد فعل منها في الفرقة ، وإنما نوت أن تفعل ما أباحه الله ، إذا أباحه الله : فقد قصدت فعلاً لها معلقاً على وجود الفرقة ، وصار هذا مثل أن ينوي الرجل أن فلانا إن طلق امرأته ، أو مات عنها : تزوجها ، أو تنوي المرأة التي لم تطلَّق أنها إن فارقها هذا الزوج تزوجت بفلان .
فهذه الصور كلها لم تتعلق بهذا العقد ، ولا بفسخه ، فلم تؤثر فيه ، وإنما تعلقت بفعل لها إن رفع العقد ، أو قصد صاحبه رفعه ، فلهذا لم يُشترط أن يكون نكاح المرأة نكاح رغبة ، فإنها إذا ملكت نفسها للزوج فسواء عليه كانت راغبة أو غير راغبة إذا لم تسبب في الفرقة : فإنه ليس بيدها فرقة .
المرتبة الثانية : إن تسبب إلى أن يفارقها من غير معصية غير الاختلاع ، ولا خديعة توجب فراقها ، مثل أن تسأله أن يطلقها ، أو أن يخلعها ، وتبذل له مالاً على الفرقة ، أو تظهر له محبتها للأول ، أو بغضها المقام معه حتى يفارقها : فهذا ينبني على الانتزاع والاختلاع من الرجل ، فنقول : إذا كانت المرأة تخاف أن لا تقيم حدود الله : جاز لها الاختلاع ، وإلا نهيت عنه نهي تحريم ، أو تنزيه ، فإن كانت لم تنو هذا الفعل إلا بعد العقد : فهي كسائر المختلعات ، يصح الخلع ، ويباح أن تتزوج بغيره ، هذا إذا كان مقصودها مجرد فرقته ، وهنا مقصودها التزوج بغيره ، فتصير بمنزلة المرأة التي تختلع من زوجها لتتزوج بغيره ، وهذا أغلظ من غيره .
وإن كانت حين العقد تنوي أن تتسبب إلى الفرقة بهذه الطرق : فهذه أسوأ حالاً من التي حدث لها إرادة الاختلاع لتتزوج بغيره مع استقامة الحال ، فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد قال ( المُخْتَلِعات والمُنْتَزِعَات هُنَّ المُنَافِقَات ) : فالتي تختلع لتتزوج بغيره لا لكراهته : أشد ، وأشد ، ومن كانت من حين العقد تريد أن تختلع وتنتزع لتتزوج بغيره : فهي أولى بالذم ، والعقوبة ؛ لأن هذه غارَّة للرجل ، مدلِّسة عليه ، ولو علم أنها تريد أن تتسبب في فرقته : لم يتزوجها ، فكيف إذا علم أن غرضها أن تتزوج بغيره ، بخلاف التي حدث لها الانتزاع ، فإنها لم تخدعه ولم تغره ، وهذا نوع من الخلابة ، بل هو أقبح الخلابة ، ولا تحل الخلابة لمسلم ، وهذه الصورة لا يجب إدخالها في كلام أحمد رضي الله عنه ، فإنه إنما رخص في مطلَق نية المرأة ، ونية المرأة المطلَّقة إنما تتعلق بأن تتزوج الأول ، وذلك لا يستلزم أن تنوي اختلاعا من الثاني لتتزوج الأول ، فإن هذا نية فعل محرم في نفسه لو حدث ، وغايته أن يقال : هو نية مكروهة ، تسوية بينه وبين الاختلاع المطلق – على إحدى الروايتين – ، فأما إذا قارن العقد : فتحريمه ظاهر ؛ لأن ذلك يمنع رغبتها في النكاح وقصدها له ، والزوجة أحد المتعاقدين ، فإذا قصدت بالعقد أن تسعى في فسخه : لم يكن العقد مقصوداً ، بخلاف من قصدت أن العقد إذا انفسخ : تزوجت الأول ، وتحريم هذا أشد من تحريم نية الرجل من وجه ، وذلك التحريم أشد من وجه آخر ، فإن المحلل إذا نوى الطلاق : فقد نوى شيئاً يملكه ، والمرأة تعلم أنه يملك ذلك ، وهذه المرأة الاختلاع والانتزاع لتعود إلى غيره ، وكراهة الاختلاع أشد من كراهة طلاق الرجل ابتداء ، والاختلاع لتتزوج غيره : أشد من مطلق الاختلاع ، وإرادة الرجل الطلاق لا يوقعه في محرم ، فإنه يملك ذلك فيفعله ، وإرادة المرأة الاختلاع قد يوقعها في محرم ، فإنها إذا لم تختلع ربما تعدت حدود الله ، ونية التحليل ليس فيها من خديعة المرأة ما في نية المرأة من خديعة الرجل ، وإنما حرمت تلك النية لحق الله سبحانه ، فإن الله حرم استباحة البضع إلا بملك بنكاح أو ملك يمين، والعقد الذي يقصد رفعه ليس بعقد نكاح، وهذا حال المرأة إذا تزوجت بمن تريد أن يطلقها كحالها إذا تزوجت بمن بدا له طلاقها فيما بعد ، من حيث إنه في كلا الموضعين قطع النكاح عليها ، وهذا جائز له ، وليس تعلق حقها بعينه كتعلق حقه بعينها ؛ فإن له أن يتزوج غيرها ولا حرام عليه إذا كانت محبته لتلك واستمتاعه بها أكثر إذا عدل بينهما في القسْم ، والمرأة إذا تزوجت قاصدة للتسبب في الفُرقة : فهذا التحريم لحقِّ الزوج ؛ لما في ذلك من الخلابة والخديعة له ، وإلا فهو يملكها بهذا العقد ، ويملك أن لا يطلقها بحال ، ومن هذا الوجه صارت نية التحليل : أشد ؛ فإن تلك النية تمنع كون العقد ثابتاً من الطرفين ، وهنا العقد ثابت من جهة الزوج ، بأنه نكح نكاح رغبة ، ومن جهة المرأة فإنها لا تملك الفرقة ، فصار الذي يملك الفرقة لم يقصدها ، والذي قصدها لم يملكها ، لكن لما كان من نية المرأة التسبب إلى الفرقة : صار هذا بمنزلة العقد الذي حرم على أحد المتعاقدين لإضراره بالآخر .
المرتبة الثالثة : أن تتسبب إلى فرقته ، مثل أن تبالغ في استيفاء الحقوق منه ، والامتناع من الإحسان إليه ، لست أعني أنها تترك واجباً تعتقد وجوبه ، أو تفعل محرَّماً تعتقد تحريمه ، لكن غير ذلك مثل أن تطالبه بالصداق جميعه ، ليفسخ ، أو يُحبس ، أو …. .
– فظهر أنه لا يجوز اختلاعها رغبة في نكاح غيره ولا العقد بهذه النية ولا يحل أمرها .
المرتبة الرابعة: أن تتسبب إلى فرقته بمعصية مثل أن تنشز عليه ، أو تسيء العشرة ، بإظهار الكراهة في بذل حقوقه ، أو غير ذلك ، مما يتضمن ترك واجب ، أو فعل محرم ، مثل طول اللسان ، ونحوه : فإن هذا لا ريب أنه من أعظم المحرمات ، وكل ما دل على تحريم النشوز ، وعلى وجوب حقوق الرجل : فإنه يدل على تحريم هذا ، وهذا حرام من ثلاثة أوجه : من جهة أنه في نفسه محرم ، ومن جهة أنها تقصد به أن تزيل ملكه عنها بفعل هو فيه مكرَه إذا طلق ، أو خلَع مفادياً من شرها ، والاحتيال على إبطال الحقوق الثابتة : حرام بالاتفاق ، ومن جهة أن مقصودها أن تتزوج غيره ، لا مجرد التخلص منه ، وقريب من هذا : أن تُظهر معصيةً تنفِّره عنها ليطلقها ، مثل أن تريه أنها تتبرج للرجال الأجانب ، ويكونوا في الباطن ذوي محارمها ، فيحمله ذلك على أن يطلقها ؛ فإن هذا الفعل حرام في نفسه ؛ إذ لا يحل للمرأة أن تُري زوجها أنها فاجرة ، كما لا يحل لها أن تفجر ؛ فإن هذا أشد إيذاء له من نشوزها عنه ، فهذا أشد تحريماً، وأظهر إبطالاً للعقد الثاني من خِطبة الرجل على خطبة أخيه .
وبالجملة : فهذه قصدت الفسخ بفعل محرم ، فالواجب أن تلحق بالتي قبلها ، إذ لا فرق بين أن يكون الفعل المحرم يوجب الفسخ مباشرة ، أو بطريق التسبب المفضي إليه غالباً ، أو السبب المغلب بالمباشرة .
المرتبة الخامسة : أن تفعل هي ما يوجب فرقتها ، مثل أن ترتد ، أو ترضع امرأة صغيرة حتى تصير من أمهات النساء ، أو تباشر أباه ، أو ابنه ، وقد قدمنا أن مثل هذه المرتدة : لا ينبغي أن ينفسخ نكاحها ، فأما الإرضاع والمباشرة : فينفسخ بهما النكاح ، فهذا أيضاً تحريمه مقطوع به ، وهذا قد أزيل نكاحه بغير فعل منه ، كما صرف الخاطب بغير فعل منه ، ثم إزالة النكاح الذي قد حصل : ليس مثل منع المنتظر ، فإذا كانت قد قصدت هذا حين العقد : فقد تعددت المحرمات ، وفساد العقد الثاني هذا أظهر من فساد عقد الخاطب الثاني بكثير ، وفساد العقد الأول هنا محتمل ؛ فإن هذه بمنزلة المحلِّل حيث نوت أن تفعل ما يوجب الفرقة ، كما نوى الرجل الفرقة ، ولا فرق بين نية الفرقة ونية سبب الفرقة .
وبالجملة : فهذه قصدت الفسخ بفعل محرم ، فالواجب أن تلحق بالتي قبلها ؛ إذا لا فرق بين أن يكون الفعل المحرم يوجب الفسخ مباشرة ، أو بطريق التسبب المفضي إليه غالباً ، أو السبب المغلب بالمباشرة .
المرتبة السادسة : أن تقصد وقت العقد الفرقة بسبب تملكه بغير رضى الزوج ، مثل أن تتزوج بفقير تنوي طلب فرقته بعد الدخول بها : فإنها تملك ذلك في إحدى الروايتين عن أحمد وغيره ، فإنها إذا رضيت بمعسر ثم سخطته : ففي ثبوت الفسخ قولان معروفان ، فهذه إلى المحلَّل أقرب من التي قبلها ، إذ السبب هنا مملوك لها شرعاً ، كطلاق المحلِّل ، بخلاف ما لو قالت : لم أعلم أنه معسر ، أو : لم أعلم أنه ناقص عني ليس بكفء ، أو لم أعلم أنه معيب : فإن هذا يثبت لها الفسخ ، لكن إذا نوت ذلك : فقد نوت الكذب ، فتصير من جنس التي قبلها إذا نوت الإرضاع ، أو المباشرة .
– ومتى تزوجت على هذا الوجه ، وفارقت : فهي كالرجل المحلِّل ، وأسوأ ، فلا يحل …
لكن نيتها تؤثر في جانبها خاصة فلا يحصل لها بهذا النكاح حلُّها للأول ، حيث لم تقصد أن تَنْكِح ، وإنما قصدت أن تُنْكح ، والقرآن قد علَّق الحلَّ بأن تَنْكِحَ زوْجاً غيره ، وقد تقدم أن قوله : ( حتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ ) : يقتضي أن يكون هناك نكاح حقيقة من جهتها لزوج هو زوج حقيقة ، فإذا كان محلِّلا لم يكن زوجاً بل تيساً مستعاراً ، وإذا كانت قد نوت أن تفعل ما يرفع النكاح : لم تكن ناكحة حقيقة ، وهذه المسائل المتعلقة بهذا النوع من الأحكام دقيقة المسلك وتحريرها يستمد من تحقيق اقتضاء النهي .
وهذه المراتب التي ذكرناها في نية المرأة لا بد من ملاحظتها ، ولا تحسبن أن كلام أحمد وغيره من الأئمة أن نية المرأة ليست بشيءٍ يعم ما إذا نوت أن تفارق بطريقٍ تملكه ؛ فإنهم عللوا ذلك بأنها لا تملك الفرقة ، وهذه العلة منتفية في هذه الصورة ، ثم إنهم قالوا : إن نية المرأة ليست بشيء ، فأما إذا نوت وعمِلت ما نوت : فلم ينفوا تأثير العمل مع النية ، على أن النية المطلقة إنما تتعلق بما يملكه الناوي ، فعلم أنهم أرادوا بالنية أن تتزوج بالأول ، ولا ريب أنها إذا نوت أن تتزوج بالأول : لم يؤثر ذلك شيئاً كما تقرر ؛ فإن هذه النية لا تتعلق بنكاح الثاني ، ولم يكن اللفظ يقتضي ذلك ؛ فإن العرف قد دل على أن نية المرأة عند الإطلاق هي نية مراجعة الأول إذا أمكنت ، فأما إذا نوت فعلاً محرَّماً ، أو خديعة ، أو مكراً ، وفعلت ذلك : فهذا نوع آخر ، وبهذا التقسيم يظهر حقيقة الحال في هذا الباب ، ويظهر الجواب عما ذكرناه من جانب من اعتبر نية المرأة مطلقاً ، والمسألة تحتمل أكثر من هذا ، ولكن هذا الذي تيسر الآن .
الفتاوى الكبرى – (6 / 304 – 320 ) باختصار .
وهو الذي رجحه الشيخ العثيمين رحمه الله ، حيث قال :
وماذا لو نوته الزوجة ، فوافقت على التزوج بالثاني من أجل أن تحل للأول ؟ فظاهر كلام المؤلف : أنه لا أثر لنية الزوجة ؛ ووجهه : أنه ليس بيدها شيء ، والزوج الثاني لا يطلقها ؛ لأنه تزوجها نكاح رغبة ، فليس على باله هذا الأمر ، فإن لم تنوه هي ، ولكن نواه وليها : فكذلك .
ولهذا قال بعض الفقهاء عبارة تعتبر قاعدة ، قال : ” مَن لا فُرقة بيده : لا أثر لنيته ” ، فعلى هذا تكون الزوجة ووليها لا أثر لنيتهما ؛ لأنه لا فُرقة بيدهما .
وذهب بعض أهل العلم إلى أن نية المرأة ووليها : كنية الزوج ، وهو خلاف المذهب ، وسلموا بأنه لا فرقة بيدهما ، لكن قالوا : بإمكانهما أن يسعيا في إفساد النكاح ، بأن تنكِّد على الزوج حتى يطلقها ، أو يغروه بالدراهم ، والنكاح عقد بين زوج وزوجة ، فإذا كانت نية الزوج مؤثرة : فلتكن نية الزوجة مؤثرة أيضاً .
فعندنا ثلاثة : الزوج ، والزوجة ، والولي ، والذي تؤثر نيته منهم هو : الزوج ، على المذهب ، والقول الراجح : أن أي نية تقع من واحدٍ من الثلاثة : فإنها تبطل العقد ؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم : ( إنما الأعمال بالنيات ) والولي حينما عقد لم ينوِ نكاحاً مستمراً دائماً ، وكذلك الزوجة .
فإذا قال قائل : امرأة رفاعة القرظي تزوجت عبد الرحمن بن الزَّبير رضي الله عنهما ، وجاءت تشكو للرسول عليه الصلاة والسلام أن ما معه مثل هدبة الثوب ، فقال لها : ( أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة ؟ ) ، فقالت : ” نعم ” : ألا يدل ذلك على أن نية الزوجة لا تؤثر ؟ نقول : هذه الإرادة ، هل هي قبل العقد ، أو حدثت بعد أن رأت الزوج الثاني بهذا العيب ؟ الذي يظهر : أنها بعد أن رأته ؛ لأن كون الرجل يتزوجها ويدخل بها ، وليس عندها أي ممانعة ، ثم جاءت تشتكي : فظاهر الحال : أنه لولا أنها وجدت هذه العلة ما جاءت تشتكي ، والله أعلم ، وإن كان الحديث فيه احتمال . ” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 12 / 177 ، 178 ) .
وهذا القول هو الراجح ، وبه يُعلم الجواب عن مسألتك ، في حكم تزوج زوجته من الثاني ، وطلب الطلاق منه ، وأن حالها أن نوت أصلاً في العقد الثاني عدم الديمومة ، وأنها فعلت ما لا تسبب في طلاقها ، وهو ما لا يحتمله الأزواج من قول الزوجة له إنها لا تحبه ، وتحب أحداً غيره ! ومن ذا الذي يرضى بإمساك مثل هذه المرأة ؟! فنرى أن طلاقها من الثاني صحيح ، وأنك أنت والثاني لستما داخليْن في اللعن الوارد في الحديث ، وأما هي : فنعم هي داخلة فيه ، ولا يحل لها التزوج بك ، ونرى أن عليك فسخ النكاح ، وعليها أن ترجع ما أخذته منك من مال ومهر – إن أردتَ ذلك – ؛ لأنها هي الخادعة لك ، والمتسببة بفسخ نكاحك منها .
ونوصي الجميع بالاطلاع على الكتاب العلمي المتقن ” إقامة الدليل على إبطال نكاح التحليل ” لشيخ الإسلام ابن تيمية، فقد أفرد للمسألة ذلك الكتاب الخاص، فأبدع، وأجاد، وأفاد.
والله أعلم.


