مبحث كلام الله تعالى والرد على سعيد فودة – الشيح عبد الباسط الغريب

من المسائل التي أثارها سعيد فودة حول شيخ الاسلام ابن تيمية في كتابه الكاشف مسألة كلام الله تعالى  , وسوف أبين في هذه المقاطع عقيدة أهل السنة والجماعة في كلام الله ومذهب الأشاعرة كما بينه سعيد فودة وبعض كذبه على شيخ الإسلام وبيان اعتراف كبار علماء الأشاعرة بتناقض مذهب الأشاعرة في مسألة كلام الله وسوف أبين أنه ما من  مسألة من المسائل التي قررها الأشاعرة في كلام الله  إلا ونقدها ولم يقبلها بعض علمائهم.

المسألة الأولى :  مذهب أهل السنة والجماعة في كلام الله تعالى.

”  صفة الكلام  صفة ذاتية قديمة قائمة بذاته تعالى باعتبار نوع الكلام , وهي صفة فعل تتعلق بها مشيئة الله تعالى باعتبار أفراد الكلام.

وكلام الله حقيقة ليس مجازا , والكلام في لغة العرب يتناول اللفظ والمعنى , وهو بصوت لا يشبه الأصوات.

 هذا المعنى  , وهذا الفهم  : هو المأثور عن أئمة الحديث والسنة ,  وهم الفرقة الناجية التي تمسكت بما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم فيما نعتقد.

فنستطيع أن نلخص عقيدة أهل السنة في كلام الله كالآتي  :

كلام الله حقيقة لا مجاز.

كلام الله اللفظ والمعنى ( الحرف والمعنى ).

كلام الله بمشيئته واختياره .

كلام الله  بصوت لا يشبه الأصوات.

كلام الله قديم النوع حادث الآحاد.

  • أولا : كلام الله حقيقة لا مجاز

لأن الأصل في الألفاظ الحقيقة ولا يصار إلى المجاز إلا إذا تعذرت الحقيقة وعلى ذلك لا يصح أن يقال القرآن مخلوق كما قالت المعتزلة , ولا أن يقال حكاية أو عبارة عن كلام , كما ذكر ذلك الكلابية والأشاعرة .

قال الإمام الطحاوي : وَأَيْقَنُوا أَنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى بِالْحَقِيقَةِ، لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ كَكَلَامِ الْبَرِيَّةِ.

قال ابن أبي العز الحنفي : وَفِي قَوْلِهِ: “بِالْحَقِيقَةِ”رَدٌّ عَلَى مَنْ قَالَ: إِنَّهُ مَعْنًى وَاحِدٌ قَامَ بِذَاتِ اللَّهِ لَمْ يُسْمَعْ مِنْهُ وَإِنَّمَا هُوَ الْكَلَامُ النَّفْسَانِيُّ، لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ لِمَنْ قَامَ بِهِ الْكَلَامُ النَّفْسَانِيُّ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ: أَنَّ هَذَا كَلَامٌ حَقِيقَةً، وَإِلَّا لَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْأَخْرَسُ مُتَكَلِّمًا، وَلَزِمَ أَنْ لَا يَكُونَ الَّذِي فِي الْمُصْحَفِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ هُوَ الْقُرْآنُ وَلَا كَلَامَ اللَّهِ، وَلَكِنْ عِبَارَةً عَنْهُ لَيْسَتْ هِيَ كَلَامَ اللَّهِ، كَمَا لَوْ أَشَارَ أَخْرَسُ إِلَى شَخْصٍ بِإِشَارَةٍ فَهِمَ بِهَا مَقْصُودَهُ، فَكَتَبَ ذَلِكَ الشَّخْصُ عِبَارَتَهُ عَنِ الْمَعْنَى الَّذِي أَوْحَاهُ إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَخْرَسُ، فَالْمَكْتُوبُ هُوَ عِبَارَةُ ذَلِكَ الشَّخْصِ عَنْ ذَلِكَ الْمَعْنَى.

وقال شيخ الإسلام : وأَنَّ اللهَ تَكَلَّمَ بِهِ حَقِيقَةً، وَأَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم هُوَ كَلامُ اللهِ حَقِيقَةً، لاَ كَلامَ غَيْرِهِ. وَلا يَجُوزُ إِطْلاقُ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ حِكَايَةٌ عَنْ كَلاَمِ اللهِ، أَوْ عِبَارَةٌ؛ بَلْ إِذَا قَرَأَهُ النَّاسُ أَوْ كَتَبُوهُ فِي الْمَصَاحِفِ؛ لَمْ يَخْرُجْ بِذَلِكَ عَنْ أَنْ يَكُونَ كَلامَ اللهِ تَعَالَى حَقِيقَةً، فَإِنَّ الْكَلاَمَ إِنَّمَا يُضَافُ حَقِيقَةً إِلَى مَنْ قَالَهُ مُبْتَدِئًا، لاَ إلَى مَنْ قَالَهُ مُبَلِّغًا مُؤَدِّيًا.

أقول : ومن أقوى الأدلة على أن الله يتكلم حقيقة قوله تعالى {وكلم الله موسى تكليما} حيث أكد الكلام بالمصدر المثبت للحقيقة النافي للمعنى المجازي  , وهو أسلوب معروف عند أهل اللغة ؛ فمن قال قتلت العدو قتلا لا يفهم من كلامه إلا القتل الحقيقي الذي هو  إزهاق الروح بخلاف ما لو قال قتلت العدو فسكت ؛ فإنه يحتمل القتل الحقيقي , ويحتمل الضرب الشديد المؤلم جدا .

ثانيا : كلام الله اللفظ والمعنى ( الحرف والمعنى )

قال ابن شيخ الحزامين في عقيدته : وَأما مَسْأَلَة الْحَرْف وَالصَّوْت .. فَإِن الله تَعَالَى قد تكلم بِالْقُرْآنِ الْمجِيد وبجميع حُرُوفه فَقَالَ تَعَالَى {الم} وَقَالَ {المص} وَقَالَ {ق وَالْقُرْآن الْمجِيد} وَكَذَلِكَ جَاءَ فِي الحَدِيث (فينادي يَوْم الْقِيَامَة بِصَوْت يسمعهُ من بعد كَمَا يسمعهُ من قرب) وَفِي الحَدِيث (لَا أَقُول آلم حرف وَلَكِن ألف حرف لَام حرف مِيم حرف).

قال شيخ الإسلام : وهذا هو “الصواب الذي عليه سلف الأمة كالإمام أحمد، والبخاري صاحب الصحيح في كتاب خلق أفعال العباد، وغيره، وسائر الأمة قبلهم، وبعدهم أتباع النصوص الثابتة، وإجماع سلف الأمة، وهو أن القرآن جميعه كلام الله حروفه، ومعانيه ليس شيء من ذلك كلاماً لغيره، ولكن أنزله على رسوله، وليس القرآن اسماً لمجرد المعاني، ولا لمجرد الحروف بل لمجموعهما، وكذلك سائر الكلام ليس هو الحروف فقط، ولا المعاني فقط، كما أن الإنسان المتكلم الناطق ليس هو مجرد الروح، ولا مجرد الجسد بل مجموعهما”.

وقال : “والله – تعالى – قد سمى نفس مجموع اللفظ، والمعنى قرآناً، وكتاباً، وكلاماً، فقال – تعالى -: {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وقرآن مُبِينِ} [الحجر: 1] ، وقال: {طسم تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ} [الشعراء: 1- 2] ، وقال: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ} [الأحقاف: 29] إلى قوله – تعالى-: {قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا} فبين أن الذي سمعوه هو القرآن، وهو الكتاب، وقال: {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ} [البروج: 21] الآية … “1، وقد أخبر – سبحانه – عن تكليمه موسى في آيات عديدة، وقد “وكد تكليمه لموسى بالمصدر”، وفي ذلك “دليل على تكليم سمعه موسى، والمعنى المجرد لا يسمع بالضرورة، ومن قال إنه يسمع فهو مكابر”.

  • ثالثا : كلام الله بمشيئته واختياره .

تكلمنا عن هذه المسألة في مقاطع حلول الحوادث , ونشير إليها هنا إشارة .

قال شيخ الإسلام : وَأَمَّا السَّلَفُ فَقَالُوا: لَمْ يَزَلْ اللَّهُ مُتَكَلِّمًا إذَا شَاءَ وَأَنَّ الْكَلَامَ صِفَةُ كَمَالٍ وَمَنْ يَتَكَلَّمُ أَكْمَلُ مِمَّنْ لَا يَتَكَلَّمُ كَمَا أَنَّ مَنْ يَعْلَمُ وَيَقْدِرُ أَكْمَلُ مِمَّنْ لَا يَعْلَمُ وَلَا يَقْدِرُ وَمَنْ يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ أَكْمَلُ مِمَّنْ يَكُونُ الْكَلَامُ لَازِمًا لِذَاتِهِ لَيْسَ لَهُ عَلَيْهِ قُدْرَةٌ وَلَا لَهُ فِيهِ مَشِيئَةٌ وَالْكَمَالُ إنَّمَا يَكُونُ بِالصِّفَاتِ الْقَائِمَةِ بِالْمَوْصُوفِ لَا بِالْأُمُورِ الْمُبَايَنَةِ لَهُ وَلَا يَكُونُ الْمَوْصُوفُ مُتَكَلِّمًا عَالِمًا قَادِرًا إلَّا بِمَا يَقُومُ بِهِ مِنْ الْكَلَامِ وَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَمَنْ لَمْ يَزَلْ مَوْصُوفًا بِصِفَاتِ الْكَمَالِ أَكْمَلُ مِمَّنْ حَدَثَتْ لَهُ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ مُتَّصِفًا بِهَا لَوْ كَانَ حُدُوثُهَا مُمْكِنًا فَكَيْفَ إذَا كَانَ مُمْتَنِعًا؟ فَتَبَيَّنَ أَنَّ الرَّبَّ لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ مَوْصُوفًا بِصِفَاتِ الْكَمَالِ مَنْعُوتًا بِنُعُوتِ الْجَلَالِ؛ وَمِنْ أَجَلِّهَا الْكَلَامُ.

ومن الأدلة على ذلك : أن الله ذكر في كتابه أن كلامه لا بنفد كما قال تعالى : ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام .. . وقد تعدد الأشخاص الذي كلمهم الله في أوقات شتى ومناسبات مختلفة وبألفاظ ومعاني مختلفة.

فالكلام الذي خاطب الله به نوحا عليه السلام في شأن ابنه {إني أعظك أن تكون من الجاهلين} غير الكلام الذي خاطب به موسى عليه السلام {أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين}.

وهو غير الكلام الذي خاطب به عيسى عليه السلام {يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله}.

وهذا الكلام كله غير الكلام الذي خاطب الله به خاتم رسله وإمامهم محمدا عليه الصلاة والسلام ليلة الإسراء والمعراج في شأن الصلاة : ” لقد خففت على عبادي وأمضيت فريضتي”. البخاري(3207) ومسلم (164).

 وهذا كله غير القرآن الذي أنزله عليه وختم به كتبه .

وقال شيخ الاسلام : وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ} فَالْأَبْحُرُ إذَا قُدِّرَتْ مِدَادًا تَنْفَدُ وَكَلِمَاتُ اللَّهِ لَا تَنْفَدُ؛ وَلِهَذَا قَالَ أَئِمَّةُ السُّنَّةِ لَمْ يَزَلْ اللَّهُ مُتَكَلِّمًا كَيْفَ شَاءَ وَبِمَا شَاءَ كَمَا ذَكَرَتْ الْآثَارُ بِهَذِهِ الْمَعَانِي عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ وَأَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِمَا.

رابعا : كلام الله  بصوت لا يشبه الأصوات

قال شيخ الإسلام : هَذَا وَقَدْ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ عَنْ نَفْسِهِ بِالنِّدَاءِ فِي أَكْثَرِ مِنْ عَشَرَةِ مَوَاضِعَ فَقَالَ تَعَالَى: {فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ} {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ} وَذَكَرَ سُبْحَانَهُ نِدَاءَهُ لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي سُورَةِ ” طَه ” وَ ” مَرْيَمَ ” وَ ” اُلْطُسْ الثَّلَاثِ ” وَفِي سُورَةِ ” وَالنَّازِعَاتِ ” وَأَخْبَرَ أَنَّهُ نَادَاهُ فِي وَقْتٍ بِعَيْنِهِ فَقَالَ تَعَالَى {فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} وَقَالَ تَعَالَى: {هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى} {إذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى} وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إذْ نَادَيْنَا} وَاسْتَفَاضَتْ الْآثَارُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ يُنَادِي بِصَوْتِ: نَادَى مُوسَى وَيُنَادِي عِبَادَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَوْتِ وَيَتَكَلَّمُ بِالْوَحْيِ بِصَوْتِ وَلَمْ يُنْقَلُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ أَنَّهُ قَالَ: إنَّ اللَّهَ يَتَكَلَّمُ بِلَا صَوْتٍ أَوْ بِلَا حَرْفٍ وَلَا أَنَّهُ أَنْكَرَ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ بِصَوْتِ أَوْ بِحَرْفِ كَمَا لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ إنَّ الصَّوْتَ الَّذِي سَمِعَهُ مُوسَى قَدِيمٌ وَلَا إنَّ ذَلِكَ النِّدَاءَ قَدِيمٌ وَلَا قَالَ أَحَدٌ مِنْهُمْ: إنَّ هَذِهِ الْأَصْوَاتَ الْمَسْمُوعَةَ مِنْ الْقُرَّاءِ هِيَ الصَّوْتُ الَّذِي تَكَلَّمَ اللَّهُ بِهِ؛ بَلْ الْآثَارُ مُسْتَفِيضَةٌ عَنْهُمْ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الصَّوْتِ الَّذِي يَتَكَلَّمُ اللَّهُ بِهِ وَبَيْنَ أَصْوَاتِ الْعِبَادِ. وَكَانَ أَئِمَّةُ السُّنَّةِ يَعُدُّونَ مَنْ أَنْكَرَ تَكَلُّمَهُ بِصَوْتِ مِنْ الْجَهْمِيَّة كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَد لَمَّا سُئِلَ عَمَّنْ قَالَ إنَّ اللَّهَ لَا يَتَكَلَّمُ بِصَوْتِ فَقَالَ: هَؤُلَاءِ جهمية إنَّمَا يَدُورُونَ عَلَى التَّعْطِيلِ.

ومن الأدلة على ذلك  :

  • حديث  أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يقول الله: يا آدم. فيقول: لبيك وسعديك، فينادي بصوت إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثاً إلى النار”. أخرجه البخاري.

و حديث عبد الله بن أنيس – رضي الله عنه – قال :  سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول :”  يحشر الله العباد فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب أنا الملك أنا الديان.

البخاري في صحيحه معلقاً باب قول الله تعالى :{ولا تنفع الشفاعة عنده } وهو صحيح بشواهده.

وقال الإمام أحمد بن حنبل لما سأله ابنه عبد الله عن قوم يقولون: إن الله لم يتكلم بصوت، فقال: “بلى تكلم بصوت”.

  • خامسا : كلام الله قديم النوع حادث الآحاد.

وقال شيخ الإسلام : وأما السلف والأئمة فقالوا: إن الله يتكلم بمشيئته وقدرته  , وإن كان مع ذلك قديم النوع بمعنى أنه لم يزل متكلماً إذا شاء ؛  فإن الكلام صفة كمال ,  ومن يتكلم أكمل ممن لا يتكلم  , ومن يتكلم بمشيئته وقدرته أكمل ممن لا يكون متكلماً بمشيئته وقدرته ,  ومن لا يزال متكلماً بمشيئته وقدرته أكمل ممن يكون الكلام ممكناً له بعد أن يكون ممتنعا منه أو قرر أن ذلك ممكن فكيف إذا كان ممتنعاً لامتناع أن يصير الرب قادراً بعد أن لم يكن وأن يكون التكلم والفعل ممكنا بعد أن كان غير ممكن. “مجموع الفتاوى” (12/372).

والسبب في قول السلف أن جنس الكلام قديم لأن الله هو الأول بذاته وأسمائه وأفعاله ولا يتصور أنه كان ممتنعا عن الكلام حتى تكلم كما يقول الأشاعرة.

قلت : وأما الأشاعرة فقالوا عن كلام الله أن جنسه حادث بمعنى أن الله تكلم به أن لم يكن متكلما.

قال شيخ الاسلام : كالكلام عند من يقول: إنه حادث الجنس فإنه يقول: إن الله صار متكلماً بعد أن لم يكن متكلماً، فيكون جنس الكلام محدثاً.

بيان مذهب الأشاعرة في كلام الله

قال سعيد فودة يقرر مذهب الأشاعرة في كلام الله الكاشف (342) : قول الأشاعرة إن الله يتصف بصفة الكلام , هذه الصفة واحدة في ذاتها , وهي ليست عين المدلول اللغوي للقرآن المنزل على سيدنا محمد ؛ بل القرآن المنزل دال على بعض مدلولات هذه الصفة – ما دل على المعنى –  والقرآن المنزل على سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام مؤلف من حروف وكل ما هو مؤلف  فهو حادث بلا شك وكل حادث لا بد له من محدث وقد صرح السادة الأشاعرة إن كل حادث فهو مخلوق بلا ريب والله سبحانه لا يقوم في ذاته الشريفة حوادث ولا مخلوقات إذن لا بد أن يكون الله قد أحدث القرآن العربي في بعض مخلوقاته .

وقال : والقرآن صادر من الله ابتداء بحروفه ومعانيه على سبيل الخلق.

قلت : إذن : يقوم مذهب الأشاعرة على أن :-

1-. أنه قديم أزلي قائم بذات الله كحياته وعلمه  , ولذا فهو لا يتعلق بمشيئة الله وقدرته ولا يتكلم إذا شاء متى شاء.

2- كلام الله معنى قائم بالنفس دون الحروف والألفاظ , وهذا ما يسمونه بالكلام النفسي .

3-إنه معنى واحد لا يتجزأ هو الأمر بكل مأمور ,والنهي عن كل منهي عنه , والخبر عن كل مخبر عنه  ؟ إن عبر عنه بالعربية كان قرآناً  , وإن عبر عنه بالعبرية كان توراة  , وإن عبر عنه بالسريانية كان إنجيلاً.

4-إن القرآن عبارة عن كلام الله وهو مخلوق أتى به جبريل أو محمد صلى الله عليه وسلم أو أوجده في شي من مخلوقاته كما قرره فودة.

أما المسألة الأولى : أنه قديم أزلي قائم بذات الله كحياته وعلمه  , ولذا فهو لا يتعلق بمشيئة الله وقدرته ولا يتكلم إذا شاء متى شاء.

أقول : شبهة من نفى إن يكون الله يتكلم بمشيئته وقدرته كالأشاعرة وغيرهم.

وهذه المسألة تكلمنا عليها في مقاطع حلول الحوادث , ونشير إليها هنا اختصارا:

من أصول الإيمان عند الاشاعرة مسألة حدوث العالم أو ما يسمى بدليل الحدوث وهذا الدليل أصل بلية التعطيل وقد دخل على الأشاعرة من المعتزلة كما ذكر ذلك ابن حجر في فتح الباري نقلا عن أبي جعفر السمناني.

وملخص هذا الدليل أنه قائم على مقدمات:

منها : مالا يخلو من الحوادث فهو حادث .

والمقصود هنا أن أولئك المتكلمين لما راموا إثبات وجود الصانع وخلق العالم، سلكوا الطريقة التي ابتدعوها من الاستدلال.

 فشبهة أولئك جاءت أنهم قالوا:  ” لو اتصف الرب بالصفات الفعلية التي يفهم منها التجدد ,  لقامت به الحوادث .

قالوا :   أي صفة لها بداية ونهاية فهي من الحوادث فقالوا هذه من صفات المحدثات أي شئ يعرض عليه الوجود والفناء فهو حادث والله لا يصح أن تقوم به الحوادث ولما نظروا لصفات الله وجدوا من صفات الله وهي الفعلية لها معنى الحدوث الذي التزموه – بداية ونهاية – مثل كلام الله لموسى لآدم , المجئ,  الاتيان الخ فترتب على ذلك نفي صفات الله تبارك وتعالى التي يفهم منها التجدد أو التي تسمى عند أهل السنة والجماعة بالصفات المتعلقة بمشيئته واختياره.

قال شيخ الاسلام : . وإذا قالوا: (لا تحله الحوادث) أوهموا الناس أن مرادهم أنه لا يكون محلاً للتغيرات والاستحالات ونحو ذلك من الأحداث التي تحدث للمخلوقين فتحيلهم وتفسدهم، وهذا معنى صحيح، ولكن مقصودهم بذلك أنه ليس له فعل اختياري يقوم بنفسه، ولا له كلام ولا فعل يقوم به يتعلق بمشيئته وقدرته، وأنه لا يقدر على استواء أو نزول أو إتيان أو مجيء، وأن المخلوقات التي خلقها لم يكن منه عند خلقها فعل أصلاً، بل عين المخلوقات هي الفعل، ليس هناك فعل ومفعول، وخلق ومخلوق، بل المخلوق عين الخلق، والمفعول عين الفعل، ونحو ذلك.

بيان  كيف نشأ مذهب الأشاعرة :

 كان الناس قبل ابن كلاب – شيخ الأشعري – في الصفات على قولين:

1-قول أهل السنة الذين يثبتون جميع الصفات كالعلم والحياة والقدرة والإرادة والكلام والوجه واليدين والعين والمجيء …دون أن يفرقوا بين صفات الذات  , وصفات الفعل المتعلقة بمشيئته وقدرته.

2- وقول الجهمية والمعتزلة الذين ينفون جميع هذه الصفات دون تفريق.

 ولم يكن هناك قول ثالث حتى جاء ابن كلاب فأثبت الصفات المعنوية والذاتية كالعلم والإرادة والكلام والوجه واليدين  , ونفى ما يتعلق بمشيئته وإرادته من الصفات الاختيارية,  وتبعه على ذلك الأشعري, وجمهور الأشاعرة.

وقد نقل شيخ الإسلام عن أبي نصر السجزي في رسالته المعروفة إلى أهل زبيد والتي تسمى باسم الرد على من أنكر الحرف والصوت  ؛ بين فيه نشأة قول ابن كلاب ومن اتبعه في كلام الله  فقال :”  اعلموا – أرشدنا اله وإياكم – أنه لم يكن خلاف بين الخلق على اختلاف نحلهم من أول الزمان إلى الوقت الذي ظهر فيه ابن كلاب والقلانسي و الأشعري ,  وأقرانهم الذين يتظاهرون بالرد على المعتزلة  , وهم معهم … من أن الكلام لا يكون إلا حرفاً وصوتاً ذا تأليف واتساق  , وإن اختلفت به اللغات , وعبر عن هذا المعنى الأوائل الذي تكلموا في العقليات  , وقالوا : الكلام حروف متسقة وأصوات مقطعة وقالت – يعني علماء العربية – : الكلام اسم وفعل وحرف جاء لمعنى ؛  فالاسم مثل زيد وعمرو والفعل مثل جاء وذهب , والحرف الذي يجيء لمعنى مثل هل وبل وقد  , وما شاكل ذلك فالإجماع منعقد بين العقلاء على كون الكلام حرفا وصوتا  ؛ فلما نبغ ابن كلاب وأضرابه  , وحاولوا الرد على المعتزلة من طريق مجرد العقل , وهم لا يخبرون أصول السنة , ولا ما كان السلف عليه  , ولا يحتجون بالأخبار الواردة في ذلك زعماً منهم أنها أخبار آحاد ,  وهي لا توجب علما , وألزمتهم المعتزلة الاتفاق على أن الاتفاق حاصل على أن الكلام حرف وصوت ويدخله التعاقب والتأليف , وذلك لا يوجد في الشاهد إلا بحركة وسكون ,  ولا بد له من أن يكون ذا أجزاء وأبعاض ,  وما كان بهذه المثابة لا يجوز أن يكون من صفات ذات الله تعالى لأن ذات الحق لا توصف بالاجتماع والافتراق والكل والبعض والحركة والسكون…

قال : فضاق بابن كلاب وأضرابه النفس عند هذا الإلزام لقلة معرفتهم بالسنن وتركهم قبولها ,  وتسليمهم العنان إلى مجرد العقل.

فالتزموا ما قالته المعتزلة ,  وركبوا مكابرة العيان , وخرقوا الإجماع المنعقد بين الكافة : المسلم والكافر  , وقالوا للمعتزلة : الذي ذكرتموه ليس بحقيقة الكلام ,وإنما سمي ذلك كلاما على المجاز لكونه حكاية أو عبارة عنه. “درء التعارض”  (2|86).

ثم قال شيخ الإسلام  معلقا على ذلك : وإنما اضطر ابن كلاب و الأشعري  , ونحوهما إلى هذا الأصل : أنهم لما اعتقدوا أن الله لا يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته لا فعل ولا تكلم  , ولا غير ذلك  , وقد تبين لهم فساد قول من يقول : ( القرآن مخلوق ) ولا يجعل لله تعالى كلاماً قائماً بنفسه بل يجعل كلامه ما خلقه في غيره  , وعرفوا أن الكلام لا يكون مفعولاً منفصلاً عن المتكلم , ولا يتصف الموصوف بما هو منفصل عنه بل إذا خلق الله شيئاً من الصفات ,  والأفعال بمحل كان ذلك صفة لذلك المحل لا لله ؛  فإذا خلق في محل الحركة كان ذلك المحل هو المتحرك بها  , وكذلك إذا خلق فيه حياة كان ذلك المحل هي الحي بها  , وكذلك إذا خلق علما أو قدرة كان ذلك المحل هو العالم القادر بها  ؛ فإذا خلق كلاماً في غيره كان ذلك المحل هو المتكلم به . “درء التعارض”(2|115).

 “موقف ابن تيمية من الأشاعرة”  (3|1266) بتصرف يسير.

وقد ذكرنا في مقاطع حلول الحوادث  كلام الرازي في هذه المسألة والتي قرر فيها أن القول بحلول الحوادث يلزم جميع الطوائف بمن فيهم الأشاعرة , ونقل كلامه ابن حجر  رحمه الله   في الفتح  فقال : وذكر الفخر الرازي في” المطالب العالية” :  أن قول من قال أنه تعالى متكلم بكلام يقوم بذاته وبمشيئته واختياره هو أصح الأقوال نقلاً وعقلاً  ! , وأطال في تقرير ذلك .

المسألة الثانية : – كلام الله معنى قائم بالنفس دون الحروف والألفاظ , وهذا ما يسمونه بالكلام النفسي و قد استدلوا على ذلك:

1-قوله تعالى  :{ ويقولون في أنفسهم }  وما في معناها.

2-وقول عمر : “زورت في نفسي مقالة أردت أن أقولها ” البخاري  (6830).

3- وقول الأخطل :  إن الكلام لفي الفؤاد.

وقد ناقش شيخ الإسلام هذه الأدلة  , وبين أنه لا دليل لهم عليها :

أما قوله تعالى  :{ويقولون في أنفسهم }  فالجواب

  1. أنه قيده بالنفس , وإذا قيد القول بالنفس كان دلالة المقيد خلاف دلالة المطلق  , والدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم : إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل. البخاري (5269), ومسلم (127).

2-وأما قول عمر :   زورت في نفسي مقالة أردت أن أقولها.

فهي حجة عليهم.

 قال أبو عبيد  : التزوير إصلاح الكلام وتهيئته  ,  … وقال غيره : زورت فى نفسى مقالة أى :  هيأتها لأقولها  ؛ فلفظها يدل على أنه قدر في نفسه ما يريد أن يقوله  , ولم يقله  , فعلم أنه لا يكون قولاً إلا إذا قيل باللسان , وقبل ذلك لم يكن قولاً لكن كان مقدرا في النفس يراد أن يقال كما يقدر الإنسان في نفسه أنه يحج  , وأنه يصلي وأنه يسافر إلى غير ذلك فيكون لما يريده من القول والعمل صورة ذهنية مقدرة في النفس , ولكن لا يسمى قولا وعملا إلا إذا وجد في الخارج كما أنه لا يكون حاجا ومصلياً إلا إذا وجدت هذه الأفعال في الخارج ….  . وهذا يدل عليه الحديث السابق : إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها مالم تتكلم أو تعمل.

وأما البيت المنسوب إلى الأخطل ففيه ما فيه من ناحية صحة نسبته إليه حتى ألفاظ البيت حرفت لتوافق مقصود من استشهد به من أهل الكلام.

وقد تعجب شيخ الإسلام من هؤلاء الذين يحتجون بهذا البيت الذي قاله نصراني , ولم يثبت عنه فقال : ولو احتج محتج في مسألة بحديث أخرجاه في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم  لقالوا هذا خبر واحد , ويكون مما اتفق العلماء على تصديقه وتلقيه بالقبول , وهذا البيت لم يثبت نقله عن قائله بإسناد صحيح لا واحد ولا أكثر من واحد , ولا تلقاه أهل العربية بالقبول فكيف يثبت به أدنى شيء من اللغة فضلاً عن مسمى الكلام ثم يقال مسمى الكلام. “مجموع الفتاوى”  (7|138)، “موقف ابن تيمية من الأشاعرة”  (3|1271) بتصرف.

المسألة الثالثة :

وأما الرد عليهم في مسألة إنكارهم للحرف والصوت

قال ابن قدامة المقدسي -رحمه الله- في جزئه  المسمى” الصراط المستقيم في إثبات الحرف القديم” .

” وكلام الله تعالى الذي تكلم به والكلام هو الحروف المنظومة والكلمات المفهومة والأصوات المعلومة.

 والدليل على ذلك من وجهين :

فبعد أن ذكر أدلة من الكتاب والسنة قال:

وأما الإجماع : فإن الناس في أشعارهم ومنثور كلامهم وعرفهم وأحكامهم على أن الكلام النطق، ولهذا قال قائلهم : (إن كان الكلام من فضة فالصمت من ذهب)

 وأشباه هذا كثير:

وأجمعوا على أنه لو حلف لا يتكلم لم يحنث إلا أن ينطق ، ولو قال: امرأته طالق إن بدأ بها بالكلام ، لم يتعلق ذلك إلا بالبداية بالنطق.

وقال أهل العربية: الكلام من اسم وفعل وحرف.

وقالوا : الكلام ما أفاد، ولا يكون إلا من جملة فعلية ومبتدأية ، ولا ينتظم إلا من اسمين ، أو اسم وفعل أو اسم وحرف في النداء خاصة  ….

واعترضوا على هذا من وجوه:

أحدها : أن الأخطل قال:

إن الكلام من الفؤاد وإنما             جعل اللسان على الكلام دليلا

وقالوا : إن الحروف لا تخرج إلا من مخارج وأدوات والصوت لا يكون إلا من جسم  , والله تعالى يتعالى عن هذا.

وقالوا  : أن الحروف يدخلها التعاقب فالباء تسبق السين والسين تسبق الميم وكل مسبوق مخلوق.

قلنا الجواب عن الأول من وجوه:

الأول : يحتاجون إلى إثبات هذا الشعر ببيان إسناده ,  ونقل الثقات له ولا نقنع بشهرته فقد يشتهر الفاسد .

وقد سمعت شيخنا أبا محمد بن الخشاب إمام أهل العربية في زمانه يقول :  قد فتشت دواوين الأخطل الكبيرة فلم أجد هذا البيت فيها .

الثاني : لا نسلم أن لفظه هكذا إنما قال:

إن البيان من الفؤاد فحرفوه

 وقالوا الكلام. ……

وأما قولهم أن الحروف تحتاج إلى مخارج وأدوات .

قلنا :  احتياجها إلى ذلك في حقنا لا يوجب ذلك في كلام الله تعالى الله عن ذلك .

فإن قالوا بل يحتاج الله كحاجتنا قياسا له علينا أخطئوا من وجوه :

أحدها : أنه يلزمهم في سائر الصفات التي سلموها كالسمع والبصر والعلم والحياة فلا يكون ذلك في حقنا إلا في جسم , ولا يكون البصر إلا في حدقة ولا السمع إلا في انخراق , والله تعالى بخلاف ذلك .

الثاني: أن بعض المخلوقات لم تحتج إلى مخارج في كلامها كالأيدي والأرجل والجلود التي تتكلم يوم القيامة ,  والحجر الذي سلم على النبي صلى الله عليه وسلم , والحصى الذي سبح في كفه , والذراع المسمومة التي كلمته.

 وقال ابن مسعود : كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يأكل .

ولا خلاف في أن الله تعالى قادر على إنطاق الحجر الأصم بلا أدوات ؛ فكيف عجزوا الله تعالى عن الكلام بلا أدوات.

المسألة الرابعة : إنه معنى واحد لا يتجزأ هو الأمر بكل مأمور ,والنهي عن كل منهي عنه , والخبر عن كل مخبر عنه  ؟ إن عبر عنه بالعربية كان قرآناً  , وإن عبر عنه بالعبرية كان توراة  , وإن عبر عنه بالسريانية كان إنجيلاً.

وأما الرد عليهم

  إن هذا من أعجب ما في مذهب الأشاعرة ,  وأشده غرابة حيث إنه مخالف لبداهية العقول  , ولواقع الأمر أيضا …ولذلك اعترف بعض أعلامهم بما في المذهب الأشعري من إشكالات  حتى قال العز بن عبد السلام لما سئل في مسألة القرآن : كيف يعقل شيء واحد هو أمر ونهي وخبر واستخبار ,  فقال أبو محمد : ما هذا بأول إشكال ورد على مذهب الأشعري .

وقد رد شيخ الإسلام على قولهم هذا بما يلي :

1- إن هذا القول انفردوا به عن سائر الفرق كما ذكره الرازي .

2- يقال للأشاعرة موسى لما كلمه الله أفهم كلامه كله أو بعضه إن قلتم كله  ؛ فقد صار موسى يعلم علم الله  , وهذا من أعظم الباطل  , وإن قلتم بعضه فقد تبعض كلام الله , وأنتم تقولون إنه لا يتبعض  ,وفي هذا إبطال لقولكم.

3- إلزامهم أن يقولوا في الصفات ما قالوه في الكلام وبالعكس  ,  وذلك أنه إذا جاز أن يجعلوا الحقائق المتنوعة كآية الدين وآية الكرسي وقصة موسى وقصة نوح , والأمر بالصلاة , والنهي عن الزنا , وعن الربا , والقرآن,  والتوراة , والإنجيل شيئاً واحداً ؛  فيلزمهم أن يجوزوا أن يكون العلم والقدرة والكلام والسمع والبصر والحياة والإرادة صفة واحدة ….

4- يقال لمن قال إن القرآن حروف وأصوات قديمة أزلية , وأن الباء ليست قيل السين : هذا بعينه وارد عليك فيما أثبته من المعاني وهو المعنى القائم بالذات ؛ فإن الذي نعلمه بالضرورة في الحروف نعلم نظيره بالضرورة في المعاني فالمتكلم منا إذا تكلم ببسم الله الرحمن الرحيم فهو بالضرورة ينطق بالاسم الأول لفظاً ومعنى قبل الثاني ؛ فيقال في هذه المعاني نظير ما قاله في الحروف . “التسعينية”  (188)

5- إن النصوص قد وردت بما يدل على تعدد الكلام , وبطلان قول من زعم أنه معنى واحد ومنها:

 أ- الآيات الواردة بأنها كلمات ,  ومنها قوله تعالى :{ وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته } وقوله تعالى : {ما نفدت كلمات الله}.

ب- ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :” إن الله جزأ القرآن ثلاثة أجزاء فجعل قل هو الله أحد جزءا من أجزاء القرآن . مسلم (811).

المسألة الخامسة : القرآن عبارة عن كلام الله

أقول : وهذا يلزم أن الله غير قادر أن يعبر عن نفسه حتى يخلق كلاما في غيره ليعبر عنه  وهذا من أبطا الباطل.

 قال شيخ الاسلام : فَمَنْ قَالَ أَيْضًا: إنَّهُ لَا يُعَبِّرُ عَمَّا فِي نَفْسِهِ مِنْ الْمَعَانِي إلَّا بِعِبَارَةِ تَقُومُ بِغَيْرِهِ فَقَدْ شَبَّهَهُ بِالْأَخْرَسِ الَّذِي لَا يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ إلَّا بِعِبَارَةِ تَقُومُ بِغَيْرِهِ وَهَذَا قَوْلٌ يَسْلُبُهُ صِفَةَ الْكَمَالِ وَيَجْعَلُ غَيْرَهُ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ أَكْمَلَ مِنْهُ. وَقَدْ قُرِّرَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ: أَنَّ كُلَّ كَمَالٍ يَثْبُتُ لِمَخْلُوقِ فَالْخَالِقُ أَوْلَى بِهِ وَكُلُّ نَقْصٍ تَنَزَّهَ عَنْهُ مَخْلُوقٌ؛ فَالْخَالِقُ أَوْلَى بِالتَّنَزُّهِ عَنْهُ وَكَانَ هَذَا مِنْ الْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى إثْبَاتِ صِفَاتِ الْكَمَالِ لَهُ كَالْحَيَاةِ وَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ؛ فَإِنَّ هَذِهِ صِفَاتُ كَمَاله.

وقال : وجمهور عقلاء بني آدم يقولون: إن فساد هذا معلوم بضرورة العقل وفطرة بني آدم، وهؤلاء عندهم: إن الملائكة تعبر  عن المعنى القائم بذات الله، وأن الله نفسه لا يعبر بنفسه عن نفسه، وذلك يشبه -من بعض الوجوه- الأخرس الذي يقوم بنفسه معان، فيعبر غيره عنه بعبارته، وهم في ذلك مشاركون للجهمية الذين جعلوا غير الله يعبر عنه من [غير]  أن يكون الله يتكلم، لكن هؤلاء يقولون: قام بنفسه معنى فتجعله كالأخرس، والجهمية تجعله بمنزلة الصنم الذي لا يقوم به معنى ولا لفظ.

هذا مجمل المسائل التي قررها الأشاعرة في كلام الله .

وسنتحدث الآن على المسائل التي أثارها سعيد فودة في كتابه الكاشف .

المسألة الأولى  : لفظة الحدوث والحادث

سعيد فودة دندن كثيرا حول مسألة الحدوث وحاول أن يلصق بشيخ الإسلام أنه يقول أن الله خلق كلامه في نفسه .

وهذا من الكذب كما سنبين ذلك :

  • قال سعيد فودة ص (326) بعد أن نقل كلاما لشيخ الإسلام : – – وهو –  قال شيخ الاسلام : وهو الذي يوافق الأدلة العقلية الصريحة، أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، فهو المتكلم بالقرآن والتوراة والإنجيل وغير ذلك من كلامه ليس مخلوقاً منفصلاً عنه، وهو سبحانه يتكلم بمشيئته وقدرته، فكلامه قائم بذاته، ليس مخلوقاً بائناً عنه .

قال سعيد فودة : تأمل في قول ابن تيمية وكلامه قائم بذاته ليس مخلوقا بائنا عنه فهو يريد بهذه العبارة أن الكلام مخلوق قائم بذات الله وهذه هي الفائدة الوحيدة لهذا القيد .. فهو يريد نفي كونه مخلوقا مطلقا بل أنه ينفي كونه مخلوقا بائنا عنه؟.

ثم قال :مما يفهم منه أن ابن تيمية قائل بأن القرآن مخلوق قائم بذات الله وغاية ما في الأمر عند ابن تيمية هو أنه لا يطلق لفظ المخلوق على القرآن بل يقول هو محدث وحادث في ذات الله وعلى كل الأحوال فإن هذا المعنى لا شك أنه يلزم ابن تيمية ولا يلزمنا الاتيان بنص صرح به هو لأنه يقول إن القرآن وكلام الله من متعلقات القدرة أي حادثة بقدرة الله وكل ما هو حادث بقدرة الله فهو مخلوق.

مع أنه قال ص (321) : والحدوث هو الخلق عند العقلاء وإن كان ابن تيمية يفرق بينهما كما سنوضح لك لاحقا فيكون ابن تيمية في الحقيقة يقول بخلق كلمات الله أي بأن كلمات الله مخلوقة  قائمة في ذاته.

وقال ص (314) وقد نقل كلاما لشيخ الاسلام –وهو- : وقد علم أن المخلوقات لا يتصف بها الخالق فلا يتصف بما يخلقه في غيره من الألوان والأصوات والروائح والحركة العلم والقدرة والسمع والبصر، فكيف يتصف بما يخلقه في غيره من الكلام.

قال فودة :انظر هنا في هذه الفقرة وتأمل كيف يقول ابن تيمية إن الله لا يتصف بما يخلقه في غيره واعلم أن كلمة في غيره هنا مقصودة لابن تيمية وهي قيد مهم في الكلام ليفيد بعد ذلك أنه تعالى يمكن أن يتصف بشئ يخلقه في ذاته والمستحيل عند ابن تيمية هو أن يتصف الله بسمع أو كلام مخلوقين في ذاته ثم قال : فهي صفات مخلوقة أي حادثة على عدم الفرق بين المخلوق والحادث.

وقال ص (345) : ابن تيمية يدعي أن الفرق بين المحدث  والمخلوق أن المخلوق هو ما أوجده الله في غيره والمحدث هو ما أوجده الله في ذاته..

ثم قال : تعلم بهذا لماذا يقول ابن تيمية في سائر كتبه القرآن غير مخلوق ولا يصرح بأن القرآن غير محدث .

قلت : مع أنه نقل كلام شيخ الإسلام ص (349) وهو : الفرق بين المخلوق والمحدث هو اصطلاح أئمة أهل الحديث وهو موافق للغة التي نزل بها القرآن.

هذا كلامه ؟؟؟

الجواب على ذلك :

  • أولا : إن شيخ الاسلام نص أن الله لم يخلق القرآن لا في ذاته ولا منفصلا عنه

قال شيخ الإسلام في التسعينية (1/337) نقلا عن الإمام أحمد : إن الله لم يخل من العلم والكلام، وليسا من الخلق، لأنه لم يخل منهما، ولم يزل الله متكلمًا عالمًا، فقد نفى عنهما الخلق في ذاته، أو غير ذاته، وبين أنه لم يخل منهما، وهذا  يبين أنه لم يخلق القرآن لا في ذاته، ولا خارجًا عنه، وفي كلامه دليل على أن قول القائل: تحله الحوادث أو لا تحله الحوادث، كلاهما منكر عنده، وهو مقتضى  أصوله.

  • ثانيا : من الردود عليه أن شيخ الإسلام نقل التفريق بين المحدث والمخلوق , ونقل عن السلف ردهم على من جعل معنى محدث بمعنى المخلوق.

قال شيخ الإسلام : وهذا ابن الثلاج كان من أصحاب بشر المريسي فأظهر التوبة من ذلك، وأظهر الوقف في لفظ المخلوق، دون لفظ المحدث، كما حكاه الأشعري عنه ، ومقصوده مقصود من يقول: هو مخلوق، وعرف الأئمة حقيقة حاله، فلم يقبل الإمام أحمد وسائر أهل السنة هذه التوبة، لأنها توبة غير صحيحة ..

ثم قال شيخ الإسلام : وظهر  أن محمد بن شجاع -إمام الواقفة  – هو وأصحابه الذين لا يقولون: القرآن مخلوق ولا غير مخلوق، يطلقون عليه أنَّه محدث بمعنى أنَّه أحدثه في غيره، وهو معنى قول  من قال: إنه مخلوق ليس بينهما فرق إلّا في اللفظ، وقد سلك هذا المسلك طوائف من أهل البدع من الرافضة وغيرهم يقولون: هو محدث مجعول، ولا يقولون: هو مخلوق.

ثم قال شيخ الاسلام: الفرق بين المخلوق والمحدث، هو اصطلاح أئمة أهل الحديث، وهو موافق للغة التي نزل بها القرآن .. قال البُخاريّ في صحيحه  في كتاب الرد على الجهمية -في أثناء أبواب القرآن- باب ما جاء به في تخليق السماوات والأرض وغيرها من الخلائق: (وهو فعل الرَّبّ وأمره، فالرب  بصفاته وفعله وأمره وكلامه هو الخالق المكون  غير مخلوق، وما كان بفعله وأمره وتخليقه وتكوينه فهو مفعول مخلوق مكون).

  • ثالثا : إن أهل السنة يتحروا وينتقوا الألفاظ التي تضاف لله ويبتعدوا عن كل ما يوهم المعنى الباطل كما في هذه المسألة فشيخ الإسلام لم يعبر عن صفة الكلام أن الله يخلقها في نفسه وإنما عبر بلفظ أن صفة الكلام قائمة بذاته فكلامه صفة له ولا يتصور الله أنه بدون صفاته حتى يقال أنه خلقها في ذاته .
  • رابعا : تقدم أن الرازي قال بقيام الحوادث بذات الله وقرر أنه يلزم جميع الطوائف بمن فيهم الأشاعرة.

كذلك الآمدي اعترف أن حجج أصحابه ضعيفة في منع قيام الصفات الاختيارية بالله قال: “وقد احتج أهل الحق على امتناع قيام الحوادث به بحجج ضعيفة: الأولى“.

وقد تقدم ذكر هذه المسألة في مقطع حلول الحوادث .

خامسا : أن شيخ الإسلام بين معنى الحادث وهو بمعنى المتجدد

قال شيخ الإسلام: أن يقال: تسمية هذا متجددا وهذا حادثا فرق لفظي لا معنوي ولا ريب أن أهل السنة والحديث لا يطلقون عليه سبحانه وتعالى أنه محل للحوادث ولا محل للأعراض ونحو ذلك من الألفاظ المبتدعة التي يفهم منها معنى باطل؛ فإن الناس يفهمون من هذا أن يحدث في ذاته ما سمونه هم حادثا كالعيوب والآفات والله منزه عن ذلك سبحانه وتعالى وإذا قيل: فلان ولي على الأحداث أو تنازع أهل القبلة في أهل الأحداث فالمراد بذلك: الأفعال المحرمة كالزنا والسرقة وشرب الخمر وقطع الطريق والله أجل وأعظم من أن يخطر بقلوب المؤمنين قيام القبائح به والمقصود أن تفرقة المفرق بين المتجدد والحادث أمر لفظي لا معنى عقلي ولو عكسه عاكس فسمى هذا متجددا وهذا حادثا لكان كلامه من جنس كلامه.

المسألة الثانية : زعمه أن كلام الله خلقه في غيره

قال سعيد فودة يقرر مذهب الأشاعرة في كلام الله (342) : قول الأشاعرة إن الله يتصف بصفة الكلام .. والقرآن المنزل على سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام مؤلف من حروف وكل ما هو مؤلف  فهو حادث بلا شك وكل حادث لا بد له من محدث وقد صرح السادة الأشاعرة إن كل حادث فهو مخلوق بلا ريب والله سبحانه لا يقوم في ذاته الشريفة حوادث ولا مخلوقات إذن لا بد أن يكون الله قد أحدث القرآن العربي في بعض مخلوقاته.

الجواب :

أقول : وهذا نص كلام المعتزلة الذين رد عليهم الإمام أحمد .

قال الإمام أحمد في كتابه الرد على الجهمية : بيان ما أنكرت الجهمية أن  يكون الله كلم موسى صلى الله عليه وعلى نبينا وعلى سائر الأنبياء: قلنا لم أنكرتم ذلك؟ قالوا: لأن  الله لم يتكلم ولا يتكلم، إنما كوّن شيئًا فعبر عن الله، …. فقلنا: فهل [يجوز] لمكون أو لغير الله أن يقول لموسى: {لَا إِلَهَ إلا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} (و {إِنِّي أَنَا رَبُّكَ}  فمن زعم ذلك فقد زعم أن غير الله ادعى الربوبية ولو كان  كما زعم الجهمية أن الله كون شيئًا كان يقول ذلك المكون: {يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}.

وقال شيخ الإسلام : ولا ريب أن هذا يوجب أن تكون الشجرة هي القائلة: {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا أَنَا فَاعْبُدْنِي} ، إذ المتكلم بالكلام هو الذي يقوم به، كما أن المتحرك بالحركة، والعالم بالعلم، وغير ذلك من الصفات والأفعال وغيرها هو من يقوم به الصفة، ولا يجوز أن يكون الشيء  متكلمًا بكلام يقوم بغيره ولا يقوم به أصلًا، كما لا يكون عالمًا قادرًا بعلم وقدرة لا تقوم إلَّا بغيره.

وقال : وذلك أنَّه من المعلوم ببدائه  العقول أن الحي لا يكون حيًّا إلّا بحياة تقوم به، ولا يكون  حيًّا بلا حياة أو بحياة تقوم بغيره، وكذلك العالم والقادر لا يكون عالمًا قادرًا إلّا بعلم وقدرة تقوم به، ولا يكون  عالمًا قادرًا بلا علم ولا قدرة، أو بعلم وقدرة تقوم بغيره.

كذلك من المعلوم ببدائه  العقول أن الكلام والإرادة والعلم والقدرة لا تقوم إلّا بمحل، إذ هذه الصفات  لا تقوم بأنفسها، ومن المعلوم ببدائه  العقول أن المحل الذي يقوم به  العلم يكون عالمًا، والذي تقوم به القدرة يكون قادرًا، والذي يقوم به الكلام يكون متكلمًا والذي تقوم به الرحمة يكون رحيمًا…. فهذه الأمور مستقرة  في فطر النَّاس، تعلمها قلوبهم علمًا فطريًّا ضروريًّا، والألفاظ المعبرة عن هذه المعاني هي من اللغات التي اتفق عليها بنو آدم فلا يسمون عالمًا قادرًا إلَّا من قام به العلم والقدرة، ومن قام به العلم والقدرة سموه عالمًا قادرًا، وهذا معنى قول من قال من أهل الإثبات: إن الصفة إذا قامت  بمحل عاد حكمها على ذلك المحل دون غيره.

من الأدلة في الرد عليهم في مسألة خلق القرآن

  • وقال الإمام أحمد :

فلما ظهرت عليه الحجة قال:أقول: إن الله قد  يتكلم ولكن كلامه مخلوق. قلنا: وكذلك بنو آدم كلامهم مخلوق [فقد شبهتم الله -تبارك وتعالى- بخلقه حين زعمتم أن كلامه مخلوق] ، ففي مذهبكم أن الله قد كان في وقت من الأوقات لا يتكلم حتى خلق التكلم، وكذلك بنو آدم كانوا لا يتكلمون حتى خلق لهم كلامًا، فقد  جمعتم بين كفر وتشبيه فتعالى  الله عن هذه الصفة .

  •  قال شيخ الاسلام : ولهذا احتج الإمام أحمد وغيره على أن كلام الله غير مخلوق بأن النبي – صلى الله عليه وسلم – استعاذ بكلمات الله التامات في غير حديث فقال: أعوذ بكلمات الله التامة.

ففي صحيح البخاري، عن ابن عباس، قال: كان النبي – صلى الله عليه وسلم – يعوذ الحسن والحسين: “أعيذكما بكلمات الله التامة” وذكر الحديث.

وفي صحيح مسلم عن خولة بنت حكيم أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: “لو أن أحدكم إذا نزل منزلًا قال: أعوذ بكلمات الله التامات..

قال أحمد وغيره: ولا يجوز أن يقال: أعيذك بالسماء أو بالجبال أو بالأنبياء أو بالملائكة أو بالعرش أو بالأرض، أو بشيء مما خلق الله، ولا يتعوذ إلّا بالله أو بكلماته.

وقد ذكر الاحتجاج بهذا البيهقي في كتاب الأسماء والصفات .

قال البيهقي : (ولا يصح أن يستعيذ بمخلوق من مخلوق ، فدل على أنه استعاذ بصفة من صفات ذاته، وهي غير مخلوقة، كما أمره الله أن يستعيذ بذاته، وذاته غير مخلوقة .

ثم قال : (وبلغني عن أحمد بن حنبل أنه كان يستدل بذلك على أن القرآن غير مخلوق، قال: وذلك أنه ما من مخلوق إلا وفيه نقص).

  • كلام الله من علمه وعلمه غير مخلوق

وهذا مما استدل به الإمام أحمد

قال شيخ السلام : بل علمه من لوازم خبره…. ولهذا أخبر الله بأنَّ القرآن من علمه  فقال: {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ} ، وقال: {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ} .

وهذا ممَّا احتج به الأئمة  في تكفير من قال بخلق القرآن، وقالوا قولهم يستلزم أن يكون علم الله مخلوقًا، لأنَّ الله أخبر أن هذا الذي جاءه من العلم، ولم يعن علم غيره، فلا بد أن يكون عني أنَّه من علمه ومن جعل علم الله مخلوقًا قائمًا بغيره فهو كافر .

المسألة الثالثة : قولهم عن كلام الرب أنه واحد , وبيان إنكار كبار أئمة الأشاعرة لذلك .

قال سعيد فودة يقرر مذهب الأشاعرة في كلام الله (342) : قول الأشاعرة إن الله يتصف بصفة الكلام هذه الصفة واحدة في ذاتها .

الجواب :

قال شيخ الإسلام : فجعلت هذه الطائفة معنى واحدًا قائمًا بذات الرَّبّ، هو أمر ونهي وخبر واستخبار، وهو معنى التوراة والإنجيل والقرآن وكل ما تكلم [الله]  به، هو معنى آية الكرسي، وآية الدين، وجمهور عقلاء بني آدم يقولون: إن فساد هذا معلوم بضرورة العقل وفطرة بني آدم، وهؤلاء عندهم: إن الملائكة تعبر  عن المعنى القائم بذات الله، وأن الله نفسه لا يعبر بنفسه عن نفسه، وذلك يشبه -من بعض الوجوه- الأخرس الذي يقوم بنفسه معان، فيعبر غيره عنه بعبارته، وهم في ذلك مشاركون للجهمية الذين جعلوا غير الله يعبر عنه من [غير]  أن يكون الله يتكلم، لكن هؤلاء يقولون: قام بنفسه معنى فتجعله كالأخرس، والجهمية تجعله بمنزلة الصنم الذي لا يقوم به معنى ولا لفظ.

قال شيخ الإسلام: أن هذا المعنى القائم بالذات الذي زعموا أنه كلام، وخالفوا في إثباته جميع فرق الإِسلام، كما يقرون هم على أنفسهم بذلك، كما ذكره الرازي وغيره من أن إثباتهم لهذا يخالفهم فيه سائر فرق الأمة، قد قال أكثرهم: هو معنى واحد ، وقال بعضهم: هو خمسة معان: أمر، ونهي، وخبر، واستخبار، ونداء …

ومن المعلوم أن مجرد تصور هذا القول يوجب العلم الضروري بفساده كما اتفق على ذلك سائر العقلاء،

  • كبار الأشاعرة ينكرون هذا القول

وقال شيخ الإسلام : واعتبر ذلك بما ذكره أبو محمد عبد الله بن يوسف الجويني والد أبي المعالي  في آخر كتاب صنفه  سماه (عقيدة أصحاب الإمام المطلبي الشافعي وكافة أهل السنة  والجماعة)  وقد نقل هذا منه الحافظ أبو القاسم بن عساكر  في مناقبه الذي سماه (تبيين كذب المفتري فيما ينسب إلى الشيخ أبي الحسن الأشعري) وجمع فيه ما أمكنه من مناقبه، وأدخل في ذلك أمورًا أخرى يقوي بها ذلك.

قال أبو محمد الجويني: “ونعتقد أن المصيب من المجتهدين في الأصول والفروع واحد، … ثم قال :  وأبو الحسن أحد أصحاب الشافعي – رضي الله عنه –  فإذا خالفه في شيء أعرضنا عنه [فيه] ومن هذا القبيل قوله: أن لا صيغة للألفاظ ..

و قال شيخ الإسلام : إن إمامهم المتأخر وهو أبو عبد الله الرازي اعترف في أجل كتبه  أن القول بكون  الطلب هو الخبر باطل على القول بنفي الحال ، ونفي الحال هو مذهب الأشعري نفسه ومحققيهم ..

وكلامه في نهاية العقول للرازي كما نقل محقق التسعينية الشيخ العجلان .

قال العز بن عبد السلام لما سئل في مسألة القرآن : كيف يعقل شيء واحد هو أمر ونهي وخبر واستخبار ,  فقال أبو محمد : ما هذا بأول إشكال ورد على مذهب الأشعري .

المسألة الرابعة : تفريقهم بين اللفظ والمعنى في كلام الله

قال فودة (343): فالحاصل أن الأشاعرة يقولون إن القرآن لفظ يطلق على أمرين :الأول : الكلام النفسي الأزلي القائم بذات الله وهو صفة من صفاته وهذه ليست مخلوقة ولا حادثة ولا محدثة بل أزلية .

والثاني : القرآن العربي المنزل على سيدنا محمد والمؤلف من الكلمات والحروف العربية فهذا هو الحادث .

الجواب :

قال شيخ الإسلام : السلف والمعتزلة جميعًا اتفقوا على أن كلام الله ليس هو مجرد هذا المعنى الَّذي تثبتونه أنتم، بل الَّذي سمته المعتزلة كلام الله وقالوا: إنه مخلوق، وافقهم السلف على أنَّه كلام الله، لكن قالوا: إنه غير مخلوق، وأنتم تقولون: إنه ليس بكلام الله، فكان قولك خرقًا لإجماع السلف والمعتزلة، وذلك خرق  لإجماع الأمة جميعها، إذ  لم يكن في عصر السلف إلّا هذان القائلان .

وقال شيخ الإسلام : ولذلك ذكر الشهرستاني  -وهو من أخبر الناس بالملل والنحل والمقالات- في (نهاية الإقدام)  أن القول بحدوث حروف القرآن قول محدث وأن مذهب سلف الأمة نفي الخلق عنها، وهو من أعيان الطائفة القائلة بحدوثها.

ونص كلامه في نهاية الإقدام  “قالت السلف والحنابلة: قد تقرر الاتفاق على أن ما بين الدفتين كلام الله وأن ما نقرؤه ونسمعه ونكتبه عين كلام الله، فيجب أن تكون الكلمات والحروف هي بعينها كلام الله، ولما تقرر الاتفاق على أن كلام الله غير مخلوق، فيجب أن تكون الكلمات أزلية غير مخلوقة، ولقد كان الأمر في أول الزمان على قولين:

أحدهما: القدم.

والثاني: الحدوث.

والقولان مقصوران على الكلمات المكتوبة والآيات المقروءة بالألسن، فصار =

الآن إلى قول ثالث، وهو حدوث الحروف والكلمات، وقدم الكلام والأمر الَّذي تدل عليه العبارات. .

فكانت السلف على إثبات القدم والأزلية لهذه الكلمات، دون التعرض لصفة أخرى وراءها.

وكانت المعتزلة على إثبات الحدوث والخلقية لهذه الحروف والأصوات، دون التعرض لأمر وراءها.

فأبدع الأشعري قولًا ثالثًا، وقضى بحدوث الحروف، وهو خرق الإجماع، وحكم بأن ما نقرؤه كلام الله مجازًا لا حقيقة، وهو عين الابتداع”.

وقال الرازي  عن  الكلام النفسي

كما  في كتابه “محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين” ص: 174: “. . وأما المعنى الَّذي يقول أصحابنا فهو غير مجمع عليه، بل لم يقل به أحد إلا أصحابنا”.

وقال الإيجي في المواقف (3|129) : إذا عرفت هذا فاعلم أن ما يقوله المعتزلة  , وهو خلق الأصوات والحروف وكونها حادثة قائمة ؛ فنحن نقول به  , ولا نزاع بيننا وبينهم في ذلك .

وما نقوله من كلام النفس فهم ينكرون ثبوته .. .

المسألة الخامسة : كلامه على الأحاديث التي فيها إثبات كلام الله

قال ص (336) : ولكن ما جاء يعني من الأحاديث من أن الله متكلم ويكلم عباده وينادي بصوت .

قال : ما جاء منها وفيه نسبة الصوت إليه تعالى إما أن يكون معناه إن الله يبعث ملكا ينادي بصوته وينسب إلى الله لأنه أمر به أو أن الله يخلق صوتا وحرفا يعبر به عن كلامه الأزلي ولكن لا يجوز القول إن هذا الصوت وقيامه بالذات قد جاءت به الأحاديث أنه قائم بذات الله فهذا كذب على الله ورسوله .

الجواب : أي قيمة لكلام الله وكلام الرسول عند هؤلاء , فمن السهل بمكان تأويل الحديث أو رده أو تكذيبه لأنه لم يوافق عقولهم فلا تستغرب بعد ذلك قول الرازي : نصوص الكتاب والسنة ظنية الدلالة، ولا تفيد اليقين إلا إذا سلمت من عشرة عوارض.

منها: الإضمار والتخصيص والنقل والاشتراك والمجاز … إلخ، وسلمت بعد هذا من المعارض العقلي، بل قالوا: من احتمال المعارض العقلي! .

المسألة السادسة : زعمه أن ابن تيمية يقول إن الكلام أثر من آثار القدرة والإرادة

قال فودة ص (309) : والكلام عنده صفة فعل أي صفة فعل ناتجة عن القدرة والإرادة

وقال ص (310) :ابن تيمية لا يفهم الكلام إلا إذا كان حرفا وصوتا ولا يفهم الحرف والصوت إلا إذا كانا حادثين ولا يفهم الحوادث إلا أن تكون مستندة إلى قدرته وإرادته .

وقال ص (326) : وكلام الله من متعلقات القدرة أي حادثة بقدرة الله وكل ما هو حادث بقدرة الله فهو مخلوق .

وهذا من خلطه وجهله بكلام شيخ الإسلام ؛ فالأشاعرة هم الذين يقولون الكلام أثر القدرة والإرادة فالتخليق والترزيق والكلام أثر القدرة أما كلام شيخ الإسلام فهو يريد أن الكلام حقيقي ليس هو أثر قدرة الله وإنما المقصود أنه الله قادر على الكلام في كل وقت لا كما يقول الأشاعرة أنه كان غير قادر حتى كلام فانقلب من الامتناع إلى الإمكان .

قال شيخ الإسلام ” ” الْكُلَّابِيَة ” يَقُولُونَ: هُوَ مُتَّصِفٌ بِالصِّفَاتِ الَّتِي لَيْسَ لَهُ عَلَيْهَا قُدْرَةٌ وَلَا تَكُونُ بِمَشِيئَتِهِ؛ فَأَمَّا مَا يَكُونُ بِمَشِيئَتِهِ فَإِنَّهُ حَادِثٌ وَالرَّبُّ – تَعَالَى – لَا تَقُومُ بِهِ الْحَوَادِثُ. وَيُسَمُّونَ ” الصِّفَاتِ الِاخْتِيَارِيَّةَ ” بِمَسْأَلَةِ ” حُلُولِ الْحَوَادِثِ “.

وقال : وَمِنْهُمْ مَنْ يُثْبِتُ الصِّفَاتِ وَيَقُولُ لَا يَقُومُ بِذَاتِهِ شَيْءٌ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ؛ فَيَقُولُ: إنَّهُ لَا يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وَاخْتِيَارِهِ وَيَقُولُ: لَا يَرْضَى وَيَسْخَطُ وَيُحِبُّ وَيُبْغِضُ وَيَخْتَارُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَيَقُولُ: إنَّهُ لَا يَفْعَلُ فِعْلًا ” هُوَ الْخَلْقُ ” يَخْلُقُ بِهِ الْمَخْلُوقَ وَلَا يَقْدِرُ عِنْدَهُ عَلَى فِعْلٍ يَقُومُ بِذَاتِهِ بَلْ مَقْدُورُهُ لَا يَكُونُ إلَّا مُنْفَصِلًا مِنْهُ .

وقال : وَ (الْمَقْصُودُ أَنَّ هَؤُلَاءِ كُلَّهُمْ الَّذِينَ يَمْنَعُونَ أَنَّ الرَّبَّ لَمْ يَزَلْ يُمْكِنُهُ أَنْ يَفْعَلَ مَا شَاءَ وَيَقُولُونَ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ وُجُودَ حَوَادِثَ لَا تَتَنَاهَى وَذَلِكَ مُحَالٌ فَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ صَارَ الْفِعْلُ مُمْكِنًا لَهُ بَعْدَ أَنْ كَانَ مُمْتَنِعًا عَلَيْهِ وَحَقِيقَةُ قَوْلِهِمْ إنَّهُ صَارَ قَادِرًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ قَادِرًا.

وقال : فَإِنَّ هَؤُلَاءِ لَمَّا اعْتَقَدُوا (1) أَنَّ الرَّبَّ فِي الْأَزَلِ كَانَ يَمْتَنِعُ مِنْهُ الْفِعْلُ وَالْكَلَامُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ – وَكَانَ حَقِيقَةُ قَوْلِهِمْ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَادِرًا فِي الْأَزَلِ عَلَى الْكَلَامِ وَالْفِعْلِ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ لِكَوْنِ ذَلِكَ مُمْتَنِعًا لِنَفْسِهِ، وَالْمُمْتَنِعُ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْمَقْدُورِ ..

المسألة السابعة  : زعمه أن المراد بجنس الكلام أمرا ذهنا وأمرا اعتبارا ليس له حقيقة خارج الذهن .

قال فودة (322) من كاشفه :دعواه أن الفرق بين النوع والفرد مما قرره القرآن فهذه إحدى دعاويه العارية عن الحقيقة وإلا فإن الناس لا يعلمون النوع إلا تجريدا ذهنيا وأمرا اعتباريا ليس موجودا بذاته في الخارج بل العجب منه خاصة لأنه من أكثر الناس تشنيعا على من قال من الفلاسفة بوجود الأنواع والأمور الكلية في الخارج .

الجواب :هذا الذي يدعي التخصص في الفلسفة يخلط في مسائلها , فالكلام الذي أنكره شيخ الإسلام على الفلاسفة أنهم يثبتون المطلق بشرط الإطلاق  -العاري عن أي قيد–  والذي لا حقيقة له في الخارج بل وجوده ذهنيا .

قال شيخ الإسلام : فمتى جوز الإنسان أن يكون هذا المطلق ثابتا في الخارج بشرط الإطلاق بحيث يكون وجود ذلك الوجود لا قائم بنفسه ولا قائم بغيره ولا قديم ولا محدث ولا واجب ولا ممكن ولا خالق ولا مخلوق ولا واحد ولا متعدد ولا جوهر ولا عرض ولا صفة ولا موصوف ولا ثابت ولا منتفي كان هذا مع ما فيه من مكابرة العقل وجحد الضروريات ..

ثانيا : بين شيخ الإسلام المراد بجنس الكلام أو نوع الكلام:

بمعنى تعاقب شيئا بعد شيء .

قال رحمه الله : ويراد بالقديم الشيء الذي يكون شيئا بعد شيء فنوعه المتوالي قديم- أي نوعه وجنسه – وليس شيء منه بعينه قديما ولا مجموعه قديم ولكن هو في نفسه قديم بهذا الاعتبار فالتأثير الدائم الذي يكون شيئا بعد شيء وهو من لوازم ذاته هو قديم النوع وليس شيء من أعيانه قديما فليس شيء من أعيان الآثار قديما لا الفلك ولا غيره ولا ما يسمى عقولا ولا نفوسا ولا غير ذلك .انتهى.

وهو على هذا الاعتبار ليس شيئا ذهنيا أي نوع الكلام كالمطلق بشرط الإطلاق الذي ذكره الفلاسفة وادعاه المعترض ليس له حقيقة في الخارج بل يصدق على أفراد وآحاد متحققة في الخارج .

وقال رحمه الله  : لِأَنَّ الدَّوَامَ تَعَاقُبُ الْأَفْرَادِ، وَهَذَا أَمْرٌ يَخْتَصُّ بِهِ الْمَجْمُوعُ، لَا يُوصَفُ بِهِ الْوَاحِدُ .

ثالثا : عند المناطقة إن من الكليات ما يكون ذهنيا ولكن يصدق على أفراد وآحاد في الخارج

قال رحمه الله : أما المطلق لا بشرط فهو الذي يصدق على الأعيان وهو الذي يسمى الكلي الطبيعي .. فهذا يوجد في الخارج معينا مقيدا ومن ظن أنه يوجد كليا في الخارج فقد غلط – يقصد كلفظ – وإنما يوجد في الخارج جزئيا معينا فهو كلي في الذهن وأما في الخارج فلا يوجد إلا جزئيا وسمي كليا كما يسمى الاسم عاما والمعنى الذي في النفس عاما لشموله الأفراد الثابتة في الخارج لا لأنه في حال وجوده في الخارج يكون عاما أو مطلقا فإن هذا ممتنع فليس في الخارج إلا ما له حقيقة تخصه لا عموم فيها ولا إطلاق والمنطقيون يقولون الكلي سواء كان جنسا أو فصلا أو نوعا أو خاصة أو عرضا عاما له ثلاثة اعتبارات طبيعي ومنطقي وعقلي فالطبيعي هو المطلق لا بشرط.. والتحقيق أنه ليس لها وجود في الخارج منفصل عن وجود الأعيان .

الصفدية

رابعا : إن الأشاعرة قالوا إن جنس الكلام  حادث وليس قديم وهذه نقطة الخلاف فهم يقولون إن الله صار قادرا على الكلام بعد أن لم يكن قادرا.

قال شيخ الإسلام : كالكلام عند من يقول: إنه حادث الجنس فإنه يقول: إن الله صار متكلماً بعد أن لم يكن متكلماً، فيكون جنس الكلام محدثاً .

ومن العجب أن ذلك ما قرره سعيد فودة فقال ص (313) من كاشفه : كل حرف وصوت فلا بد أن يكون حادثا لأن له أولا ونهاية ويدعي ويهرب من أن يكون الله متصف بصفة حادثة الجنس فقد قال هنا بأن الكلام القديم بجنسه ونوعه وإن سلم بحدوث أفراده .

فتامل فهو بين أمرين إما أنه وقع فيما ادعاه في قول ابن تيمية فيكون قد جعل جنس الكلام اعتباريا وإما أنه يقصد حدوث نوع الكلام الذي يصدق على آحاد في الخارج فيكون قد ناقض نفسه وهو الذي استدرك على شيخ الإسلام ذلك .

المسألة العاشرة : قال في تسجيل وقد سئل عن قوله تعالى : وكلم الله موسى تكليما .

: هو الله سبحانه وتعالى قال:  وكلم الله موسى تكليما . المسألة هنا أنه صار هناك كلام بين الله تعالى وبين موسى … الماتريدية الأحناف قالوا : الله سبحانه وتعالى خلق صوتا دل به سيدنا موسى على كلامه بهذا فهم موسى عليه السلام كلام الله بهذه الطريقة ..فقال له السائل : لكن مش كلم موسى عليه السلام فقال فودة : خلقه ما هو بمعنى كلمه بصوت يعني خلق له صوتا مش أنه أقام صوتا في نفسه خلق صوتا دله على كلامه كما أنه خلق القرآن وأنزله إلى سيدنا محمد ليدلنا على كلامه النفسي .

هذا القرآن حادث مخلوق موجود في اللوح المحفوظ أحدثه الله بعد أن لم يكن ليش لنستدل بهذا القرآن على كلام الله سبحانه وتعالى .. إذن غاية الأمر أن الماتريدية قالوا إن الله سبحانه خلق صوتا وحرفا مش في ذاته مش قائمة بذاته خلقها في مكان في هذه المخلوقات نفسها .. في نفس المخلوقات هذه الأصوات التي خلقها الله سبحانه وتعالى دلت سيدنا موسى على بعض مدلولا كلامه القائم بذاته .

ثم قال : الإمام الأشعري قال : ليس بهذه الكيفية بل إنما فهمه إياه بخلق مباشر فيه . بلا توقف خلق كلام صوت وحرف كيف ؟ يعني لم يخلق لم يفهم موسى عليه السلام كلام الله بتوقف سماعه للحرف والصوت بل إن الله خلق فيه فهما لكلامه بأن خلق فيه ادراك هذا الفهم مباشرة في نفسه يعني كيف أن الله سبحانه يخلق فيك مثلا رؤيا في المنام وأنت غير فاتح للعينين خلقها خلقا مباشرا .. مثل الإلهام فالإمام الأشعري قال بل الله سبحانه وتعالى خلق إدراكا خلق فهما , إدراك معين في نفس موسى عليه السلام فهم موسى مراد الله أو كلامه بلا توقف سماع حرف وصوت بلا توقف خلق وسماع حرف وصوت هذا هو غاية الخلاف بين الماتريدية والأشاعرة .انتهى

الجواب 1– تأمل تصريحه : خلقه ما هو بمعنى كلمه بصوت يعني خلق له صوتا مش أنه أقام صوتا في نفسه خلق صوتا دله على كلامه كما أنه خلق القرآن وأنزله إلى سيدنا محمد ليدلنا على كلامه النفسي .

لتعرف أنه لا فرق بين قولهم وقول المعتزلة في كلام الله .

  • تأمل تصريحه بأن الله اتصف بهذه الصفة بعد أن لم يكن : هذا القرآن حادث مخلوق موجود في اللوح المحفوظ أحدثه الله بعد أن لم يكن ليش لنستدل بهذا القرآن على كلام الله سبحانه وتعالى.
  • 3-    قوله : ليس بهذه الكيفية بل إنما فهمه إياه بخلق مباشر فيه . بلا توقف خلق كلام صوت وحرف كيف ؟ يعني لم يخلق لم يفهم موسى عليه السلام كلام الله بتوقف سماعه للحرف والصوت

قلت : لا شك أن القائل بالحرف والصوت أقرب إلى المعقول من القول بخلق الإدراك لأن الحرف والصوت تعبير القرآن والسنة .

  • بل إن الله خلق فيه فهما لكلامه بأن خلق فيه ادراك هذا الفهم مباشرة في نفسه يعني كيف أن الله سبحانه يخلق فيك مثلا رؤيا في المنام وأنت غير فاتح للعينين خلقها خلقا مباشرا .. مثل الإلهام فالإمام الأشعري قال بل الله سبحانه وتعالى خلق إدراكا خلق فهما , إدراك معين في نفس موسى عليه السلام فهم موسى مراد الله أو كلامه بلا توقف سماع حرف وصوت بلا توقف خلق وسماع حرف وصوت .

قلت : أولا – القولان متغايران فالماتريدية قالوا يخلق صوتا أو كلاما بحرف وصوت يعبر عن المعنى القائم بذات الله وهذا الذي رجحه فودة في كاشفه والثاني : يخلق إدراكا في نفس موسى أي فهما للمعنى القائم بذات الله , وهما قولان مختلفان فهذه من المسائل التي التي اختلف فيها الماتريدي والأشعري .

  ثانيا – اختياره مرة لقول الماتريدي كما رجحه في الكاشف ومرة لقول الأشعري دليل على اضطرابه وتذبذبه في هذه المسألة .

ثالثا : يلزم  أَنْ يَكُونَ تَكْلِيمُ اللَّهِ …َلِوسَى وَلِخَلْقِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَيْسَ إِلَّا مُجَرَّدَ خَلْقِ إِدْرَاكٍ  لَهُمْ لَمَّا كَانَ أَزَلِيًّا لَمْ يَزَلْ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ النُّصُوصَ دَلَّتْ عَلَى ضِدِّ ذَلِكَ، وَلَا نَقُولُ إِنَّهُ صَارَ مُتَكَلِّمًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ مُتَكَلِّمًا، فَإِنَّ هَذَا وَصْفٌ لَهُ  بِالْكَمَالِ بَعْدَ النَّقْصِ، وَأَنَّهُ صَارَ مَحَلًّا لِلْحَوَادِثِ الَّتِي كَمُلَ بِهَا بَعْدَ نَقْصِهِ. ثُمَّ حُدُوثُ ذَلِكَ الْكَمَالِ  لَا بُدَّ لَهُ مِنْ سَبَبٍ، [وَالْقَوْلُ فِي الثَّانِي كَالْقَوْلِ فِي الْأَوَّلِ فَفِيهِ تَجَدُّدُ (* كَمَالٍ بِلَا سَبَبٍ] ، وَوَصْفٌ لَهُ بِالنَّقْصِ الدَّائِمِ مِنَ الْأَزَلِ إِلَى أَنَّ تَجَدَّدَ لَهُ مَا لَا سَبَبَ لِتَجَدُّدِهِ  ، وَفِي ذَلِكَ تَعْطِيلٌ لَهُ عَنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ.

رابعا : قال شيخ الإسلام : وهؤلاء يقولون تكليمه لموسى ليس إلا خلق إدراك يفهم به موسى ذلك المعنى، فقيل لهم: أفهم كل الكلام أم بعضه؟ إن كان فهمه كله فقد علم علم الله، وإن كان فهم بعضه فقد تبعض، وعندهم كلام الله لا يتبعض ولا يتعدد.

خامسا : الله تعالى فرق بين إيحائه وتكليمه كما في قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ} (الشورى: من الآية51) ، وغيرها، وكذا تكليم عباده يوم القيامة، وغير ذلك من النصوص، وكلها تدل على تجدد تكليم من جهته تعالى .

وقال في تسجيل آخر  : فالكلام أعم من أن يكون حرفا وصوتا أعم من أن يكون فعلا أعم من أن يكون حركة بالعين أو بالوجه أو بغير ذلك أعم من أن يكون رمزا أو خطا بل هو دال  على كل ما يدل على المعنى القائم بالنفس إذن حقيقة الكلام كما قال كثير من الأشاعرة هو المعنى القائم بالنفس وكل ما سواه مما يدل عليه فيطلق عليه الكلام مجازا هكذا صارت حقيقة المعاني زيد يتكلم في نفسه وإن لم ينطق يتكلم في نفسه,  الأخرس هل تستطيع أن تقول لا يتكلم .. فكأن السائل قال لا يتكلم فقال له : حرام عليك الأخرس يتكلم يتكلم الأخرس يتكلم ولكن لا ينطق هو يتكلم مع نفسه الطفل قبل أن يخاطب أباه وأمه بأول كلمه يحكيها فيه عنده كلام نفساني  ولكن لا يستطيع التعبير عنه لا يستطيع التعبير , يعني دلالتك لا يستطيع أن يدلك على ما يقوم في نفسه من معان إلا بعد أن يتقن إصدار الحروف والأصوات على النمط المعتاد بين الناس , ..الكلام النفساني – يتطور أو يتصور – عنده بحسب تطور علمه بحسب تطور استحضاره للأشياء ثم بعد ذلك يصير عنده كلام بحرف وصوت .

الجواب :

أولا : قوله : فالكلام أعم من أن يكون حرفا وصوتا أعم من أن يكون فعلا أعم من أن يكون حركة بالعين أو بالوجه أو بغير ذلك أعم من أن يكون رمزا أو خطا بل هو دال  على كل ما يدل على المعنى القائم بالنفس .

قلت : وهذا كما تقدم خالفوا فيه جميع الطوائف بل ولغة العرب فالكلام في لغة العرب : هو اللفظ المركب .. كما قال ابن مالك وغيره كلامنا لفظ مفيد كاستقم .

أن كبار الأشاعرة اعترفوا بمخالفة الأشعري لجميع الطوائف في هذه المسألة

ثانيا : زعمه أن الأخرس يتكلم وحتى لما رد عليه السائل بفطرته أنه لا يتكلم قال له حرام عليك يتكلم .

ثالثا :اعترافه أن كل ما يعبر عنه عما في النفس من حركة أو رمز أو إشارة أو خط يسمى كلام من باب المجاز وليس الحقيقة .

ثالثا :تأمل تشبيه الله بالطفل الصغير الذي لا يحسن الكلام فيعبر عن نفسه لواديه بالحركة لأنه لا يستطيع النطق ثم يصير قادرا على الكلام .

فهو يشبه الكلام النفسي لله بحال هذا الطفل الصغير الذي لا يقدر على التعبير حتى يتعلم الكلام , تأمل قوله : الطفل قبل أن يخاطب أباه وأمه بأول كلمه يحكيها فيه عنده كلام نفساني  ولكن لا يستطيع التعبير عنه لا يستطيع التعبير , يعني دلالتك لا يستطيع أن يدلك على ما يقوم في نفسه من معان إلا بعد أن يتقن إصدار الحروف والأصوات على النمط المعتاد بين الناس , ..الكلام النفساني – يتطور أو يتصور – عنده بحسب تطور علمه بحسب تطور استحضاره للأشياء ثم بعد ذلك يصير عنده كلام بحرف وصوت .

ومعلوم أن حال الطفل بعد تكلمه وتعبيره بالكلام أكمل من تعبيره بالإشارة أو البكاء فيكون الله حاله كحال هذا الطفل في أنقص حالتيه حين لا يستطيع التعبير عن نفسه إلا بالإشارة أو البكاء .

وتأمل اعترافه أن الكلام تبع للعلم  : الكلام النفساني – يتطور أو يتصور – عنده بحسب تطور علمه بحسب تطور استحضاره للأشياء ثم بعد ذلك يصير عنده كلام بحرف وصوت .

وهذا مقتضى كلام أهل السنة أن كلام الله من علمه .

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

ابقَ على إتصال

2,282المشجعينمثل
28,156أتباعتابع
12,600المشتركينالاشتراك

مقالات ذات صلة