تعقيب على الشيخ عبدالإله العرفج في لمزه للعلامة الألباني رحمه الله – بقلم : عبد الباسط الغريب

تعقيب

على الشيخ عبدالإله العرفج في لمزه للعلامة الألباني  رحمه الله

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم : فقد أرسل بعض الإخوة  مقطعا مرئيا  للشيخ عبدالإله العرفج يتعرض فيه باللمز للعلامة الألباني رحمه الله في عدة مسائل اختارها ورجحها , وأنه خالف فيها المذاهب الأربعة , والإجماع  وفي مسألة للعلامة ابن عثيمين رحمه الله , وتعرضه لهذين الإمامين إنما هو ذريعة للمز منهج السلف , وهذا يفهم من فلتات لسانه ,  وسوف أبين أنه ما من مسألة من المسائل التي نقدها على الشيخ الألباني وزعم تفرده فيها وأنه خالف فيها الإجماع إلا والشيخ الألباني مسبوق بقول عالم من العلماء حتى في مسألة وجوب الأخذ فيما زاد عن القبضة في اللحية , وصيام السبت  وغيرها , مع بيان أن قوله رحمه الله ليس بملازم لأحد وكل يؤخذ من قوله ويرد إلا نبينا عليه الصلاة والسلام .  

وهنا أشير إلى أن أئمتنا ومشايخنا لم يخالفوا الأئمة الأربعة في اعتقادهم  ولله الحمد والمنة بل في مسائل علمية فرعية , تحتمل الأخذ والرد , وأما الذي ينبغي أن يشنع عليه هو من خالفهم في الاعتقاد كما هو الحال عند الأشاعرة  !!.

وقبل ذلك نشير إلى بعض المسائل بين يدي التعقيب .

  • أولا : من قواعد أهل السنة والجماعة أنه كل يؤخذ من قوله ويرد إلا نبينا – صاحب هذا القبر – كما قال الإمام مالك , فليس قول عالم  بلازم لأحد  , وهذه أقوال العلماء على مر العصور بين الأخذ والرد والمباحثة والمناقشة وقد قال شيخ الإسلام أن أقوال العلماء يحتج لها ولا يحتج بها .
  • ثانيا : الشيخ ابن باز والشيخ الألباني والشيخ ابن عثيمين رحمهم الله , وغيرهم من أئمة أهل السنة في زماننا – نحسبهم والله حسيبهم-  , هم  محنة واختبار ! يعرف السني من المبتدع من خلالهم ؛ فلا ترى مبتدعا إلا وهو يلمز هؤلاء ويحط من قدرهم ويتتبع عثراتهم .

وقد قال الإمام أحمد في حماد بن سلمة : حماد عندنا محنة لا يبغضه إلا مبتدع !! .

  • ثالثا : مسألة أن يتفرد عالم بمسائل ليس أمرا جديدا , فلا يزال العلماء يبحثون في تفردات العلماء كما في تفردات شيخ الإسلام ابن تيمية أو الإمام أحمد أو غيرهم , ولم يجعل أحد هذا التفرد سبيلا للمز العالم أو الحط من علمه ومنهجه , وكم من مسألة تفرد بها عالم  لم يأخذ بها الأئمة الأربعة في القديم أخذ بها من بعدهم وجعلوها قانونا يحتكم إليه القضاة كما في طلاق الثلاث , وطلاق المعلق عند ابن تيمية وغيرها من المسائل .
  • رابعا : هل العلماء ملزمون ألا يخرجوا عن أقوال المذاهب الأربعة ؟ هذا يدندن به بعض متعصبي المذاهب , وإلا فأقوال المحققين أن الحجة في الكتاب والسنة .

قال شيخ الإسلام: أهل السنة لم يقل أحد منهم إن إجماع الأئمة الأربعة حجة معصومة ولا قال إن الحق منحصر فيها وإن ما خرج عنها باطل بل إذا قال من ليس من أتباع الأئمة كسفيان الثوري والأوزعي والليث بن سعد ومن قبلهم ومن بعدهم من المجتهدين قولا يخالف قول الأئمة الأربعة رد ما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله وكان القول الراجح هو القول الذي قام عليه الدليل .

منهاج السنة (3/412)

وقال شيخ الإسلام : وليعلم أنه ليس أحد من الأئمة-المقبولين عند الأمة قبولاً عاماً- يتعمد مخالفة رسول الله صلى الله عيله وسلم شيء من سنته، دقيق ولا جليل. فإنهم متفقون اتفاقاً يقينياً على وجوب اتباع الرسول، صلى الله عليه وسلم، وعلى أن كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله، صلى الله عليه وسلم .

رفع الملام (9)

ولا بعني ذلك أن الأمر مفتوح لمن شاء وإنما هو لمن رسخت قدمه في العلم , وعرف بعلمه واجتهاده .

  •  خامسا : يؤخذ بالحديث ويستدل به وإن لم يعمل به أحد ؟

وقد يظن البعض أن هذا القول من محدثات المعاصرين ! , مع أنه من تقريرات الشافعي رحمه الله

قال “الشافعي” رحمه الله : لما كان معروفاً – والله أعلم – عند عمر أن النبي قضى في اليد بخمسين وكانت اليد خمسة أطراف مختلفةِ الجمال والمنافع: نزَّلها منازِلَها، فحكم لكل واحد من الأطراف بقَدْره من دية الكفِّ، فهذا قياس  على الخبر.

فلما وجدنا كتاب آل عمرو بن حزم فيه: أن رسول الله قال: وفي كل إصبع مما هنالك عشرٌ من الإبل صاروا إليه.

ولم يقبلوا كتاب آل عمرو بن حزم – والله أعلم   حتى يثبت لهم أنه كتاب رسول الله.

وفي الحديث دلالتان: أحدهما: قبول الخبر، والآخر: أن يُقبل الخبر في الوقت الذي يثبت فيه، وإن لم يمضي عمل من الأئمة بمثل الخبر الذي قبلوا.

ودلالةٌ على أنه مضى أيضاً عملٌ من أحد من الأئمة، ثم وَجَدَ خبراً عن النبي يخالف عملَه لترك عمله لخبر رسول الله صلى اله  عليه وسلم .

ودلالةٌ على أن حديث رسول الله يثبت بنفسه لا بعمل غيره بعده.

الرسالة (420)

وقال الشافعي أيضا : وَنَكْتَفِي بِالْخَبَرِ عَنْ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مِنْ أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ بَعْدَهُ قَالَ بِهِ، وَلَا يَكُونُ فِي أَحَدٍ قَالَ بِخِلَافِ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – حُجَّةٌ، وَلَا فِي أَنْ لَمْ يُرْوَ إلَّا مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ إذَا كَانَ الْوَجْهُ مَعْرُوفًا.

الأم (7/202)

وقال الحافظ ابن رجب : “فالواجب على كل من بلغه أمر الرسول، صلى الله عليه وسلم، وعرفه أن يبينه للأمة وينصح لهم ويأمرهم بإتباع أمره، وإن خالف ذلك رأي عظيم من الأمة، فإن أمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أحق أن يُعظَّم ويُقتدى به من رأي أي مُعظَّم قد خالف أمره في بعض الأشياء خطأ، ومن هنا رد الصحابة ومن بعدهم على كل مخالف سنة صحيحة، وربما أغلظوا في الرد لا بغضاً له بل هو محبوبٌ عندهم مُعظَّم في نفوسهم، لكن رسول الله أحب إليهم وأمره فوق أمر كل مخلوق، فإذا تعارض أمر الرسول وأمر غيره فأمر الرسول أولى أن يُقدَّم ويُتَّبع، ولا يمنع من ذلك تعظيم من خالف أمره وإن كان مغفوراً له، بل ذلك المخالف المغفور له لا يكره أن يخالف أمره إذا ظهر أمر الرسول، صلى الله عليه وسلم، بخلافه”.

إيقاظ الهمم( 93)

  • سادسا : الشيخ الألباني رحمه الله  كان حريصا أن يعمل بقول الإمام أحمد لتلميذه أبي الحسن الميموني : إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام . فكان الشيخ يحرص على أن يكون اختياره مسبوقا بقول عالم من علماء الأمة من قبله , وهذا قرره كثيرا .

قال الألباني -رحمه الله-  : «عند شرحه لحديث جابر بن عبد الله :  كنا في سفر مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلما قدمنا المدينة قال لي: ائت المسجد فصلِّ فيه ركعتين :«وظاهر الأمر يفيد وجوب صلاة القدوم من السفر في المسجد، لكني لا أعلم أحدا من العلماء ذهب إليه، فإن وجد من قال به صرنا إليه، والله أعلم  .

الثمر المستطاب (2/628)

وقال مستدركا على ابن القيم في مسألة فناء النار:

ولقد كان من الواجب عليه أن يلتزم بقول إمامه الذي قال ناصحاً لكل سلفي: «إياك أن تتلكم في مسألة ليس لك فيها إمام». وكان في المحنة يقول: «كيف أقول ما لم يقل؟»

رفع الأستار» (41)

وهذا كان منهج الشيخ رحمه الله في اختياراته .

وهكذا الأمر بالنسبة للشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله

هذه مقدمة بين يدي الرد والله الموفق والهادي للحق والصواب .

تعقيب على كلام الشيخ عبدالإله العرفج

أولا  : ذكر أنه كان يتعجب من بعض الفتاوى التي تخرج من هنا أو هناك التي تخالف مما أجمع عليه الفقهاء أو تخالف المذاهب الأئمة الأربعة .

التعليق : قدمنا الجواب على هذا الكلام في المقدمة , وقد قال ابن القيم رحمه الله : وَأَبْعَدُ مِنْهُ قَوْلُ مَنْ قَالَ: يَلْزَمُهُ أَنْ يَتَمَذْهَبَ بِأَحَدِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ. فَيَالَلَّهِ الْعَجَبُ، مَاتَتْ مَذَاهِبُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَمَذَاهِبُ التَّابِعِينَ وَتَابِعَيْهِمْ وَسَائِرُ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ، وَبَطَلَتْ جُمْلَةٌ إلَّا مَذَاهِبَ أَرْبَعَةِ أَنْفُسٍ فَقَطْ مِنْ بَيْنَ سَائِرِ الْأَئِمَّةِ وَالْفُقَهَاءِ، وَهَلْ قَالَ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ أَوْ دَعَا إلَيْهِ أَوْ دَلَّتْ عَلَيْهِ لَفْظَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ كَلَامِهِ عَلَيْهِ؟

إعلام الموقعين (4/202)

وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة ما نصه :”  .. ولم يدعُ أحد منهم إلى مذهبه ، ولم يتعصب له ، ولم يُلزِم غيره العمل به أو بمذهب معين ، إنما كانوا يدعون إلى العمل بالكتاب والسنة ، ويشرحون نصوص الدين ، ويبينون قواعده ويفرعون عليها ويفتون فيما يسألون عنه دون أن يلزموا أحدا من تلاميذهم أو غيرهم بآرائهم ، بل يعيبون على من فعل ذلك ، ويأمرون أن يضرب برأيهم عرض الحائط إذا خالف الحديث الصحيح ، ويقول قائلهم ” إذا صح الحديث فهو مذهبي ” رحمهم الله جميعا .

ولا يجب على أحد اتباع مذهب بعينه من هذه المذاهب ، بل عليه أن يجتهد في معرفة الحق إن أمكنه ، أو يستعين في ذلك بالله ثم بالثروة العلمية التي خلفها السابقون من علماء المسلمين لمن بعدهم ، ويسروا لهم بها طريق فهم النصوص وتطبيقها . ومن لم يمكنه استنباط الأحكام من النصوص ونحوها لأمر عاقه عن ذلك سأل أهل العلم الموثوق بهم عما يحتاجه من أحكام الشريعة لقوله تعالى ” فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ” وعليه أن يتحرى في سؤاله من يثق به من المشهورين بالعلم والفضل والتقوى والصلاح .. “.

فتاوى اللجنة الدائمة (5/43)

ثانيا : قال الشيخ العرفج : على سبيل المثال منها أني حاولت أن أتتبع مجموعة فتاوى للشيخ الألباني رحمه الله ..

التعليق : هنا الشخ عبدالإله العرفج سيذكر المسائل والتي قدم لها بأنها فتاوى خالف فيها الإجماع .. .

وسوف أبين أن الشيخ في هذه المسائل التي اختارها , ليس فيها إجماع وأنه مسبوق بقول عالم من علماء الأمة , وأن حادي الشيخ في اختياره لها هو الدليل والحديث الصحيح .

وهذه المسائل التي ذكرها عبدالإله العرفج عن الشيخ الألباني كالآتي :

  • المسألة الأولى :  وجوب التمتع وأنه يجب على من لم يسق الهدي.

التعليق : هذه  ليست من المسائل التي لم يسبق إليها الألباني فقد سبقه إلى ذلك ابن عباس رضي الله عنهما وابن حزم وابن القيم وغيرهم .

وهي المسألة التي كان يقول فيها  ابْنُ عَبَّاسٍ لِمَنْ كَانَ يُعَارِضُهُ فِيهَا بأبي بكر وعمر: يُوشِكُ أَنْ تَنْزِلَ عَلَيْكُمْ حِجَارَةٌ مِنَ السَّمَاءِ، أَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ – وَتَقُولُونَ قَالَ أبو بكر وعمر .

انظر زاد المعاد (2/182)

فالشيخ مسبوق بهذا القول وليس متفردا بذلك .

قال الشيخ الألباني : لأن المناسك قد وقع فيها من الخلاف – مع الأسف – ما وقع في سائر العبادات من ذلك مثلا: هل الأفضل أن ينوي في حجه التمتع أم القران أم الإفراد؟ على ثلاثة مذاهب والذي نراه من ذلك إنما هو التمتع فقط كما هو مذهب الإمام أحمد وغيره بل ذهب بعض العلماء المحققين إلى وجوبه إذا لم يسق معه الهدي منهم ابن حزم وابن القيم تبعا لابن عباس وغيره من السلف .

حجة النبي صلى الله عليه وسلم (10)

وقال الشيخ الألباني : والجواب: أنه سبق أن بينا أن التمتع إنما يجب على من لم يسق الهدي وأما من ساق الهدي فلا يجب عليه ذلك بل لا يجوز له وإنما عليه أن يقرن وهو الأفضل وأو يفرد فيحتمل أن ما ذكر عن الخلفاء من الإفراد إنما هو لأنهم كانوا ساقوا الهدي. وحينئذ فلا منافاة والحمد لله .

حجة النبي صلى الله عليه وسلم (18)

فدعوى الإجماع يرده قول ابن عباس رضي الله عنه , واختيار ابن حزم وابن القيم .

  • المسألة الثانية التي مثل بها الشيخ عبدالله العرفج على تفرد الشيخ الألباني رحمه الله , وهي وجوب قص ما زاد عن القبضة في اللحية

التعليق : أولا أنقل كلام الشيخ الألباني رحمه الله في المسألة ثم أعلق على كلام الشيخ العرفج

قال الشيخ الألباني : واعلم أنه لم يثبت في حديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم الأخذ من اللحية ، لا قولا، كهذا، ولا فعلا كالحديث المتقدم .. نعم ثبت ذلك عن بعض السلف، وإليك المتيسر منها:

  1. عن مروان بن سالم المقفع قال: ” رأيت ابن عمر يقبض على لحيته فيقطع ما زاد على الكف “.

رواه أبو داود وغيره بسند حسن؛ كما بينته في ” الإرواء ” (920) ،و” صحيح أبي داود ” (2041) .

2 – عن نافع: أن عبد الله بن عمر كان إذا أفطر من رمضان وهو يريد الحج، لم يأخذ من رأسه ولا من لحيته شيئا حتى يحج.

وفي رواية: أن عبد الله بن عمر كان إذا حلق في حج أوعمرة أخذ من لحيته وشاربه.

أخرجه مالك في ” الموطأ ” (1/353) .

وروى الخلال في ” الترجل ” (ص 11 – المصورة) بسند صحيح عن مجاهد قال: رأيت ابن عمر قبض على لحيته يوم النحر، ثم قال للحجام: خذ ما تحت القبضة.

قال الباجي في ” شرح الموطأ ” (3/32) : ” يريد أنه كان يقص منها مع حلق رأسه، وقد استحب ذلك مالك رحمه الله، لأن الأخذ منها على وجه لا يغير الخلقة من الجمال، والاستئصال لهما مثلة “.

3 – عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: ” وليقضوا تفثهم “:

” التفث: حلق الرأس، وأخذ الشاربين، ونتف الإبط، وحلق العانة، وقص الأظفار، والأخذ من العارضين، (وفي رواية: اللحية) ، ورمي الجمار، والموقف بعرفة والمزدلفة “. رواه ابن أبي شيبة (4/85) وابن جرير في ” التفسير ” (17/109) بسند صحيح.

4 – عن محمد بن كعب القرظي أنه كان يقول في هذه الآية: ” ثم ليقضوا تفثهم ” ، فذكر نحوه بتقديم وتأخير، وفيه: وأخذ من الشاربين واللحية “.

رواه ابن جرير أيضا، وإسناده صحيح، أوحسن على الأقل.

5 – عن مجاهد مثله بلفظ:” وقص الشارب … وقص اللحية “.

رواه ابن جرير بسند صحيح أيضا.

6 – عن المحاربي (وهو عبد الرحمن بن محمد) قال: سمعت رجلا يسأل ابن جريج عن قوله: ” ثم ليقضوا تفثهم “، قال:

” الأخذ من اللحية ومن الشارب … “.

7 – في ” الموطأ ” أيضا أنه بلغه: أن سالم بن عبد الله كان إذا أراد أن يحرم، دعا بالجملين، فقص شاربه وأخذ من

لحيته قبل أن يركب، وقبل أن يهل محرما.

8 – عن أبي هلال قال: حدثنا شيخ – أظنه من أهل المدينة – قال:

رأيت أبا هريرة يحفي عارضيه: يأخذ منهما. قال: ورأيته أصفر اللحية.

قلت- الألباني – : وفي هذه الآثار الصحيحة ما يدل على أن قص اللحية، أو الأخذ منها كان أمرا معروفا عند السلف، خلافا لظن بعض إخواننا من أهل الحديث الذين يتشددون في الأخذ منها، متمسكين بعموم قوله صلى الله عليه وسلم: ” وأعفوا اللحى “، غير منتبهين لما فهموه من العموم أنه غير مراد لعدم جريان عمل السلف عليه وفيهم من روى العموم المذكور، وهم عبد الله بن عمر، وحديثه في ” الصحيحين “، وأبو هريرة، وحديثه عن مسلم، وهما مخرجان في ” جلباب المرأة المسلمة (ص185 – 187/ طبعة المكتبة الإسلامية)، وابن عباس، وحديثه في ” مجمع الزوائد

” (5/169) .

ومما لا شك أن راوي الحديث أعرف بالمراد منه من الذين لم يسمعوه من النبي صلى الله عليه وسلم، وأحرص على اتباعه منهم. وهذا على فرض أن المراد بـ (الإعفاء) التوفير والتكثير كما هو مشهور، لكن قال الباجي في ” شرح الموطأ ” (7/266) نقلا عن القاضي أبي الوليد: ” ويحتمل عندي أن يريد أن تعفى اللحى من الإخفاء. لأن كثرتها أيضا ليس بمأمور بتركه، وقد روى ابن القاسم عن مالك: لا بأس أن يؤخذ ما تطاير من اللحية وشذ. قيل لمالك: فإذا طالت جدا؟ قال: أرى أن يؤخذ منها وتقص. وروي عن عبد الله بن عمر وأبي هريرة أنهما كانا يأخذان من اللحية ما فضل عن القبضة “.

قلت –الألباني – : أخرجه عنهما الخلال في ” الترجل ” (ص 11 – مصورة) بإسنادين صحيحين، وروى عن الإمام أحمد أنه سئل عن الأخذ من اللحية؟ قال: كان ابن عمر يأخذ منها ما زاد على القبضة، وكأنه ذهب إليه. قال حرب: قلت له : ما الإعفاء؟ قال: يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: كان هذا عنده الإعفاء.

وإسناده صحيح على شرط مسلم.

قلت –الألباني – :  ومن المعلوم أن الراوي أدرى بمرويه من غيره، ولا سيما إذا كان حريصا على السنة كابن عمر، وهو يرى نبيه صلى الله عليه وسلم – الآمر بالإعفاء – ليلا نهارا. فتأمل.

ثم روى الخلال من طريق إسحاق قال: ” سألت أحمد عن الرجل يأخذ من عارضيه؟ قال: يأخذ من اللحية ما فضل عن القبضة.

قلت –الألباني – :   حديث النبي صلى الله عليه وسلم: ” احفوا الشوارب، وأعفوا اللحى “؟ قال: يأخذ من طولها ومن تحت حلقه. ورأيت أبا عبد الله يأخذ من طولها ومن تحت حلقه “. قلت: لقد توسعت قليلا بذكر هذه النصوص عن بعض السلف والأئمة؛ لعزتها، ولظن الكثير من الناس أنها مخالفة لعموم: ” وأعفوا اللحى “، ولم يتنبهوا القاعدة أن الفرد من أفراد العموم إذا لم يجر العمل به، دليل على أنه غير مراد منه، وما أكثر البدع التي يسميها الإمام الشاطبي بـ (البدع الإضافية) إلا من هذا القبيل، ومع ذلك فهي عند أهل العلم مردودة، لأنها لم تكن من عمل السلف، وهم أتقى وأعلم من الخلف، فيرجى الانتباه لهذا فإن الأمر دقيق ومهم.

سلسلة الأحاديث الضعيفة (5/380)

التعليق : هذا كلام الشيخ رحمه الله في المسألة , فهو :

  • أولا : يقرر أنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم الأخذ منها في حديث مرفوع .
  • ثانيا : يقرر الشيخ أنه ثبت عن الصحابة الأخذ ما زاد عن القبضة ومنهم ابن عمر وابن عباس وأبو هريرة , وهم رواة الأمر بإعفاء وإرخاء اللحية .

وثبت كذلك عن بعض التابعين في ذلك كما تقدم .

ونقل عن بعض العلماء في جواز الأخذ منها كما في نقله عن الإمام مالك والإمام أحمد .

فالشيخ في قوله متبع للآثار , ويرى أن الراوي أدرى بمرويه من غيره، ولا سيما إذا كان حريصا على السنة كابن عمر.

فالشيخ معظم للسنة , متحر لأقوال السلف من الصحابة والتابعين مع اعترافه أنه لم يقف على حديث مرفوع عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك .

وانظر كلامه كذلك في سلسلة الأحاديث الضعيفة رقم (6203)

ثالثا : إن القول بوجوب أخذ ما زاد عن القبضة قال به بعض علماء الأحناف ولم يتفرد به الشيخ رحمه الله .

جاء في البحر الرائق  : وَقَدْ صَرَّحَ فِي النِّهَايَةِ بِوُجُوبِ قَطْعِ مَا زَادَ عَلَى الْقُبْضَةِ بِالضَّمِّ وَمُقْتَضَاهُ الْإِثْمُ بِتَرْكِهِ .

البحر الرائق (2/302) والدر المختار (148)

لتعلم من يتهم الشيخ بمخالفة الإجماع , ومن يهرف بما لا يعرف .

ومع ذلك فقول الشيخ غير ملزم , وقد خالفه في هذه المسألة كثير من محبيه وتلامذته وأصحابه , وكل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر نبينا عليه الصلاة والسلام .

رابعا : قول الشيخ عبدالله العرفج عن الألباني أنه لا يكترث بالخلف وقد ذم الخلف ..

التعليق :صدق في الشيخ العرفج , قول السلف : ما أسر أحد سريرة إلا أظهرها الله على فلتات لسانه ..

فهذه الكلمة أظهرت وجه تحامله على الشيخ الألباني رحمه الله , وأنه ينقم من الشيخ نصرته لمذهب السلف وذمه لمنهج الخلف .

قال شيخ الإسلام : ثم هذا القول إذا تدبره الإنسان وجده في غاية الجهالة، بل في غاية الضلالة. كيف يكون هؤلاء المتأخرون ـ لا سيما والإشارة بالخلف إلى ضرب من المتكلمين ـ الذين كثر في باب الدين اضطرابهم، وغلظ عن معرفة الله حجابهم، وأخبر الواقف على نهايات إقدامهم بما انتهى إليه من مرامهم

الفتوى الحموية الكبرى (191)

المسألة الثالثة التي مثل بها الشيخ عبدالله العرفج على تفرد الشيخ الألباني رحمه الله , وهي وجوب الاقتصار على إحدى عشرة ركعة في صلاة التراويح

التعليق : هذه المسألة من المسائل الخلافية , وقد حقق الشيخ رحمه الله أن الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة التراويح أنه ما زاد عن إحدى عشرة ركعة وكذا الثابت عن الصحابة كعمر رضي الله عنه  لما جمع الناس في صلاة التراويح أنه ما زاد على ذلك , وكل ما ورد في الزيادة عن إحدى عشرة ركعة فهو ضعيف كما حققه هو , وغيره كالمباركفوري في تحفة الأحوذي .

قال المباركفوري : الْقَوْلُ الرَّاجِحُ الْمُخْتَارُ الْأَقْوَى مِنْ حَيْثُ الدَّلِيلُ هُوَ هَذَا الْقَوْلُ الْأَخِيرُ الَّذِي اخْتَارَهُ مَالِكٌ لِنَفْسِهِ أَعْنِي إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً وَهُوَ الثابت عن رسول الله بِالسَّنَدِ الصَّحِيحِ بِهَا أَمَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَأَمَّا الْأَقْوَالُ الْبَاقِيَةُ فَلَمْ يَثْبُتْ وَاحِدٌ مِنْهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ وَلَا ثَبَتَ الْأَمْرُ بِهِ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ خَالٍ عَنِ الْكَلَامِ .

تحفة الأحوذي (3/440)

ولهذا المأخذ وهو مواظبة النبي صلى الله عليه وسلم وفعل الصحابة , قال بعض العلماء أنه لا يبعد القول بالوجوب إذا كان لا بد من الحد  ! .

قال ابن العربي المالكي : والصّحيحُ أنّ يصَلِّى إحدى عشر ركعة صلاة النّبيِّ -عليه السّلام- وقيامه. فأمّا غير ذلك من الأعداد فلا أَصْلَ له، ولا حدَّ فيه، فإذا لم يكن بدّ من الحدِّ، فما كان النّبيُّ يصلِّي، ما زادَ النّبيُّ -عليه السّلام- في رمضان ولا في غيره على إحدى عشر ركعة، وهذه الصّلاة هي قيام اللّيل، فوَجَبَ أنّ يُقْتَدَى فيها بالنّبيِّ -عليه السّلام-“.

عارضة الأحوذي (4/16)

وقد نص الصنعاني على بدعية الزيادة

قال الصنعاني : إذَا عَرَفْتَ هَذَا عَلِمْتَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْعِشْرِينَ رِوَايَةٌ مَرْفُوعَةٌ بَلْ يَأْتِي حَدِيثُ عَائِشَةَ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ قَرِيبًا ” أَنَّهُ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ – مَا كَانَ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا غَيْرِهِ عَلَى إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً ” فَعَرَفْت مِنْ هَذَا كُلِّهِ أَنَّ صَلَاةَ التَّرَاوِيحِ عَلَى هَذَا الْأُسْلُوبِ الَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ بِدْعَةٌ .

سبل السلام (1/345)

مع أن الشيخ لا يبدع من قال بالزيادة كما نص على ذلك

قال الشيخ الألباني : إذا عرفت ذلك فلا يتوهمن أحد أننا حين اخترنا الاقتصار على السنة في عدد ركعات التراويح وعدم جواز الزيادة عليها أننا نضلل أو نبدع من لا يرى ذلك من العلماء السابقين واللاحقين كما قد ظن ذلك بعض الناس واتخذوه حجة للطعن علينا توهما منهم أنه يلزم من قولنا: بأن الأمر الفلاني لا يجوز أو أنه بدعة أن كل من قال بجوازه واستحبابه فهو ضال مبتدع كلا فإنه وهم باطل وجهل بالغ لأن البدعة التي يذم صاحبها وتحمل عليه الأحاديث الزاجرة عن البدعة إنما هي ” طريقة في الدين مخترعة تضاه الشيعة يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه ” فمن ابتدع بدعة يقصد بها المبالغة في التعبد وهو يعلم أنها ليست من الشرع فهو الذي تنصب عليه تلك لأحاديث وأما من وقع فيها دون أن يعلم بها ولم يقصد بها المبالغة في التعبد فلا تشمله تلك الأحاديث مطلقا ولا تعنيه البتة وإنما تعني أولئك المبتدعة الذي يقفون في طريق انتشار السنة ويستحسنون كل بدعة بدون علم ولا هدى ولا كتاب منير بل ولا تقليدا لأهل العلم والذكر بل اتباعا للهوى وإرضاء للعوام وحاشا أن يكون من هؤلاء أحد من العلماء المعروفين بعلمهم وصدقهم وصلاحهم وإخلاصهم ولا سيما الأئمة الأربعة المجتهدين رضي الله عنهم أجمعين فغننا نقطع بتنزههم أن يستحسنوا بدعة مبالغة منهم في التعبد كيف وهم قد نهوا عن ذلك كما سنذكر نصوصهم في ذلك في الرسالة الخاصة بالبدعة إن شاء الله تعالى .

صلاة التراويح (41)

وهذه المسألة لا تعدوا أن تكون المسائل , التي رجحها الشيخ وسبق بها , مع بيان أن قوله غير ملزم , وكثير من أحبائه وتلامذته يخالفونه .

المسألة الرابعة  التي مثل بها الشيخ عبدالله العرفج على تفرد الشيخ الألباني رحمه الله , حرمة الذهب المحلق على النساء .

التعليق : الشيخ الألباني لم يتفرد بذلك بل سبقه بعض العلماء في ذلك .

قال رحمه الله في آداب الزفاف : أما ومسألتنا ليست من هذا القبيل فإن فيها نصوصا صريحة محكمة لم يأت ما ينسخها – كما سبق بيانه – فلا يجوز ترك العمل بها للعذر المذكور ولا سيما أننا قد ذكرنا من قال بها مثل بي هريرة رضي الله عنه وولي الله الدهلوي وغيرهما كما تقدم ولا بد أن يكون هناك غير هؤلاء ممن عمل بهذه الأحاديث لم نعرفهم لأن الله تعالى لم يتعهد لنا بحفظ أسماء كل من عمل بنص ما من كتاب أو سنة وإنما تعهد بحفظهما فقط كما قال: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} فوجب العمل بالنص سواء علمنا من قال به أو لم نعلم ما دام لم يثبت نسخه كما هو الشأن في مسألتنا هذه.

آداب الزفاف (267)

ونص كلام ولي الله الدهلوي : وَنهى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النِّسَاء عَن غير المقطع من الذَّهَب وَهُوَ مَا كَانَ قِطْعَة وَاحِدَة كَبِيرَة، قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:” من أحب أَن يحلق حَبِيبه حَلقَة من النَّار فليحلقه حَلقَة من ذهب ” وَذكر على هَذَا الأسلوب الطوق السوار. وَكَذَا جَاءَ التَّصْرِيح بقلادة من ذهب، وخرص من ذهب. وسلسلة من ذهب، وَبَين الْمَعْنى فِي هَذَا الحكم حَيْثُ قَالَ: ” أما إِنَّه لَيْسَ مِنْكُن امْرَأَة تحلي ذَهَبا تظهره إِلَّا عذبت بِهِ ” وَكَانَ لأم سَلمَة رَضِي الله عَنْهَا أوضاع من ذهب، وَالظَّاهِر أَنَّهَا كَانَت مقطعَة، وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” حل الذَّهَب للاناث ” مَعْنَاهُ الْحل فِي الْجُمْلَة.

هَذَا مَا يُوجِبهُ مَفْهُوم هَذِه الأحديث وَلم أجد لَهَا مُعَارضا .

حجة الله البالغة (2/295)

قارن بكلام الشيخ الذي تحته خط وبكلام الشافعي الذي ذكرناه في المقدمة وأنه يعمل بالحديث ولو لم يعمل به أحد قط .

ومع هذا فكلام الشيخ غير ملزم , وقد خالفه عدد من تلامذته وأصحابه , فلم محاولة التشنيع على الشيخ .

المسألة الخامسة:  التي مثل بها الشيخ عبدالله العرفج على تفرد الشيخ الألباني رحمه الله , وهي منع الاعتكاف في غير المساجد الثلاثة .

التعليق : الشيخ رحمه الله استدل بقول حذيفة لما أنكر على المعتكفين في غير المساجد الثلاثة , وصحح الشيخ رفع الحديث وانظر كلامه في السلسلة الصحيحة (2786)

ولفظ الطبراني في الكبير (9/301)  : عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: جَاءَ حُذَيْفَةُ إِلَى عَبْدِ اللهِ، فَقَالَ: أَلَا أُعَجِّبُكَ مِنْ نَاسٍ عُكُوفٍ بَيْنَ دَارِكَ، وَبَيْنَ دَارِ الْأَشْعَرِيِّ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: «فَلَعَلَّهُمْ أَصَابُوا، وَأَخْطَأْتَ» ، قَالَ حُذَيْفَةُ: ” مَا أُبَالِي أَفِيهِ أَعْتَكِفُ أَمْ فِي سُوقِكُمْ هَذِهِ، وَإِنَّمَا الِاعْتِكَافُ فِي هَذِهِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ: مَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ، وَمَسْجِدِ الْأَقْصَى “، وَكَانَ الَّذِينَ اعْتَكَفُوا فَعَابَ عَلَيْهِمْ حُذَيْفَةُ فِي مَسْجِدِ الْكُوفَةِ الْأَكْبَرِ .

وقد نقل الشيخ من سبقه بهذا القول فقال : وقد قال به من السلف فيما اطلعت حذيفة بن اليمان, وسعيد بن المسيب, وعطاء, إلا أنه لم يذكر المسجد الأقصى .

قيام رمضان (37)

المسألة السادسة:  التي مثل بها الشيخ عبدالله العرفج على تفرد الشيخ الألباني رحمه الله , وهو احتمالية وقوع الزنا من زوجات الأنبياء , وهذه المسألة كانت سبب خلاف بين الشيخين :  الألباني ومحمد نسيب الرفاعي.. فالشيخ الألباني قال إن وقوع الزنا من زوجات الأنبياء – من الناحية النظرية –  , واستدل بحادثة الإفك .

قال الشيخ الألباني :  ولكنه سبحانه صان السيدة عائشة رضي الله عنها وسائر أمهات المؤمنين من ذلك كما عرف ذلك من تاريخ حياتهن، ونزول التبرئة بخصوص السيدة عائشة رضي الله عنها، وإن كان وقوع ذلك ممكناً من الناحية النظرية لعدم وجود نص باستحالة ذلك منهن، ولهذا كان موقف النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – في القصة موقف المتريث المترقب نزول الوحي القاطع للشك في ذلك الذي ينبئ عنه قوله – صلى الله عليه وآله وسلم – في حديث الترجمة: «إنما أنت من بنات آدم، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله .. »، ولذلك قال الحافظ في صدد بيان ما في الحديث من الفوائد: ” وفيه أن النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – كان لا يحكم لنفسه إلا بعد نزول الوحي, نبه عليه الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة نفع الله به “, يعني أن النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – لم يقطع ببراءة عائشة رضي الله عنها إلا بعد نزول الوحي, ففيه إشعار قوي بأن الأمر في حد نفسه ممكن الوقوع، وهو ما يدندن حوله كل حوادث القصة وكلام الشراح عليها.

ولا ينافي ذلك قول الحافظ ابن كثير (8/ 418) في تفسير قوله تعالى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلاَ النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِين} (التحريم:10). ” وليس المراد بقوله: {فخانتاهما} في فاحشة، بل في الدين، فإن نساء الأنبياء معصومات عن الوقوع في الفاحشة لحرمة الأنبياء كما قدمنا في سورة النور “. أقول: فلا ينافي هذا ما ذكرنا من الإمكان، لأن المقصود بـ ” العصمة ” الواردة في كلامه رحمه الله وما في معناها إنما هي العصمة التي دل عليها الوحي الذي لولاه لوجب البقاء على الأصل، وهو الإمكان المشار إليه، فهي بالمعنى الذي أراده النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – بقوله: «فالمعصوم من عصمه الله» في حديث أخرجه البخاري وغيره، وليس المراد بها العصمة الخاصة بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهي التي تنافي الإمكان المذكور، فالقول بهذه في غير الأنبياء إنما هو من القول على الله بغير علم، وهذا ما صرح به أبو بكر الصديق نفسه في هذه القصة خلافا لهواه كأب، فقد أخرج البزار بسند صحيح عن عائشة رضي الله عنها أنه لما نزل عذرها قبل أبو بكر رضي الله عنها رأسها، فقالت: ألا عذرتني؟ فقال: أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني إن قلت ما لا أعلم؟! وهذا هو الموقف الذي يجب على كل مسلم أن يقفه تجاه كل مسألة لم يأت الشرع الحنيف بما يوافق هوى الرجل، ولا يتخذ إلهه هواه… إلى آخر كلامه .

السلسلة الصحيحة (2507)

 فكلام الشيخ كان يدور على قول النبي صلى الله عليه وسلم ” أما بعد يا عائشة! فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا، [إنما أنت من بنات آدم]، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تاب الله عليه. وفي رواية: فإن التوبة من الذنب الندم “. البخاري ومسلم .

وعلى غيرها من الأدلة .

وكل منصف يقرأ كلام الشيخ يعلم أن الشيخ من المعظمين لأزواج الأنبياء , ويقطع ببراءتهن وأن الشيخ يبحث في مسألة نظرية  وقد وقع الخلاف بينه وبين الشيخ محمد نسيب الرفاعي في ذلك , كما تقدم والبحث كان من خلال الأدلة وليس كما صوره الشيخ العرفج وحاول أن يشنع على الشيخ رحمه الله .

المسألة السادسة: ومن المسائل التي يذكرها البعض في تفردات الشيخ الألباني رحمه الله , وهي مسألة المنع من صيام السبت في غير الفريضة .

التعليق : كذلك هذه المسألة من المسائل التي لم يتفرد بها .

فقد سئل شيخنا -رحمه الله- عمن قال قبله في مسألة النهي عن صيام السبت؟  فأجاب -رحمه الله- : بعض أهل الحديث  , وقد أشار إليهم الطحاوي في رده عليهم  في شرح معاني الآثار .

انظر شرح معاني الآثار (2/80)  .

 المسألة السابعة : والتي مثل بها الشيخ عبدالله العرفج على تفرد الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله  , وهي في مسألة الترخص في الجمع والقصر للمسافر ولو طالت مدة إقامته .

التعليق : تأمل أن الشيخ العرفج  تحول من الشيخ الألباني إلى الشيخ ابن عثيمين في نقده , لتعلم أن المقصود ليست المسائل وإنما المراد  لمزه  لمنهج السلف , وعلمائه وأئمته في هذا العصر .

ثانيا : هذه المسألة ليست من مفردات الشيخ ابن عثيمين بل قال بها أئمة من علماء الحنابلة وغيرهم .

فقد قال بها شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وغيرهم

قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : وهذه المسألة من مسائل الخلاف التي كثرت فيها الأقوال فزادت على عشرين قولاً لأهل العلم، وسبب ذلك أنه ليس فيها دليل فاصل يقطع النزاع، فلهذا اضطربت فيها أقوال أهل العلم .

الشرح الممتع (4/374)

وقال أيضا : القول الراجح ما ذهب إليه شيخ الإِسلام ابن تيمية رحمه الله من أن المسافر مسافر ما لم ينوِ واحداً من أمرين:

1 ـ الإِقامة المطلقة.

2 ـ أو الاستيطان.

الشرح الممتع (4/378)

وقال أيضا : ولنا في هذا رسالة بيّنّا فيها من اختار هذا القول من العلماء أمثال: شيخ الإِسلام ابن تيمية، وابن القيم، والشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، وشيخنا عبد الرحمن بن سعدي، والشيخ محمد رشيد رضا، وعلى كل حال نحن لا نعرف الحق بكثرة الرجال، وإنما نعرف الحق بموافقة الكتاب والسنّة.

الشرح الممتع (4/379)

وقال أيضا : ولهذا ما أحسن قول صاحب المغني رحمه الله لما ذكر أن تحديد السفر بالمسافة مرجوح قال: إن التحديد توقيف، أي: أنه حد من حدود الله يحتاج إلى دليل، فأي إنسان يحدد شيئاً أطلقه الشارع فعليه الدليل .

الشرح الممتع (4/379)

هذه هي المسائل التي نقدها الشيخ عبدالإله العرفج على الشيخ الألباني وعلى الشيخ ابن عثيمين رحمهم الله ,في مقطعه المرئي المشار إليه , وهي كما قدمنا ليست من تفرداتهم وإنما سبقوا بقول أئمة وعلماء قبلهم .

وكل من نظر بعين الإنصاف في تدليل هؤلاء العلماء على المسائل المذكورة , علم أن علماءنا من المعظمين للسنة والآثار , وأن الحكم في ذلك ليس الهوى ولا التعصب الأعمى الذي أعمى أبصار المتعصبة , وأن مثل هذه الانتقادات إنما هي ذريعة للهجوم والتنقص من مذهب السلف عقيدة ومنهجا !! .

وإلا فمن تتبع آراء المتمذهبة في هذا العصر لرأى العجب العجاب , من الحيل على الشرع ومن تتبع الرخص , ومن التحايل على الشرع , والإفتاء بأغرب الأقوال التي لا تستند إلى أدلة أو براهين إلا مجرد الهوى ونيل عرض من أعراض الدنيا .

و حال الشيخ العرفج  كحال من قال عنهم  الإمام ابن قتيبة : وقد تدبرت رحمك الله مقالة أهل الكلام، فوجدتهم: يقولون على الله ما لا يعلمون، ويفتنون الناس بما يأتون، ويبصرون القذى في عيون الناس , وعيونهم تطرف على الأجذاع !.

تأويل مختلف الحديث (1|13)

هذا والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

وكتبه / عبدالباسط الغريب 12شعبان 1442

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

ابقَ على إتصال

2,282المشجعينمثل
28,156أتباعتابع
12,600المشتركينالاشتراك

مقالات ذات صلة