الرئيسية بلوق الصفحة 165

طالبة نصرانية تعترض على حكم القتل في الإسلام، كلامها، وجوابنا عليه

طالبة نصرانية تعترض على حكم القتل في الإسلام، كلامها، وجوابنا عليه

السؤال:

لماذا أحلَّ الإسلام القتلَ حتى لو كان ضمن شروط تقتضي القتل؟ أليست هذه الروح ملك الله وحده؟ أنا لا أصدِّق ما ورد في القرآن عن القتل، جاوبوني منطقيًّا؟.

 

الجواب:

الحمد لله

  1. من الجيِّد أن تتوجه أسئلة غير المسلمين للمختصين بعلوم الشرع لسؤالهم عن أحكام الإسلام وحِكَمه، وهذا خير لهم من أخذ ذلك من عامة المسلمين ممن قد تغلبهم عواطفهم فيتكلمون بغير علم، وإننا لنرجو – مع هذا – أن يكون ثمة استعداد من السائلة لقبول الحق إذا وقفت عليه مما سنذكره في جوابنا لها، لا أن يكون سؤالها لمجرد النقد والاعتراض، ونرجو أن لا يخيب رجاؤنا بها.
  2. ولنبدأ جوابنا منطلقين مما جاءت به السائلة، وهو قولها ” أليست هذه الروح ملك الله وحده؟ ” ونقول: نعم، هي ملك لله وحده، وإذا رأيتِ في شرع الله تعالى قتلاً لنفس ليست بإذن الله تعالى فسيكون إحراجًا لنا لأنك بذلك تقيمين الحجة علينا! ولذا فكل ما نقول به من أن فلاناً يستحق القتل أو يقام عليه حد القتل فعلاً فهو مما شرعه الله تعالى مالك النفوس والأرواح ولا يكون ذلك من المسلمين إلا بإذن ربِّهم، ومن خالف ذلك فهو متوعد بأشد الوعيد في الدنيا والآخرة.
  3. وهل تعلمين – أيتها السائلة – لمن يصلح توجيه هذا السؤال الجيد له؟ إنه يصلح لطوائف من الناس، منهم:

أ. المنتحر! وهو الذي يقتل نفسه بأي طريقة، سواء مباشرة بإطلاق الرصاص على نفسه أو بإلقاء نفسه في البحر، أو بطريقة غير مباشرة كمثل شارب الخمر وشارب السجائر والذين يتسببون بإزهاق أنفسهم بتناول تلك الخبائث المحرَّمة.

وللعلم: فقد ذكرت صحيفة ” يو إس إيه توداي ” الأمريكية في عددها الصادر في التاسع من مارس 2005 م إحصائية لعدد المنتحرين في أمريكا فبلغت ( 29  ألف ) حالة انتحار سنويًّا! أي: بواقع ( 80  ) حالة يوميًّا!

ب. أمريكا! وذلك بسبب أنها قتلت مئات الملايين في العالَم في تاريخها الأسود، فقد قتلت فيتناميين، وكوريين، ويابانيين، وفلبينيين، وأفغان، وعراقيين، وغيرهم الكثير الكثير، فنرجو أن يكون منك سؤال لأولئك العصابة الإجرامية: لماذا تقتلون النساء والأطفال والشيوخ والمدنيين والعزَّل في العالَم؟ أليست هذه الأرواح ملك الله وحده فلماذا تزهقونها؟!.

ج. الروس والهندوس واليهود! وذلك لقتلهم – مجموعين – لمئات ملايين من المسلمين خلال سنوات حكمهم واستعمارهم لبلاد المسلمين، ويقال لهم: أليست هذه الأرواح ملك الله وحده فلماذا تزهقونها؟.

وثمة غيرهم كثير يصلح توجيه ذاك السؤال لهم، وإنما قصدنا بما ذكرناه من أمثلة مدى الظلم في ترك كل أولئك وتوجيه ذاك السؤال للمسلمين فقط إذا قتلوا من يستحق القتل بأمر ربهم عز وجل، نعم لو وُجد مسلمون ظالمون يقتلون الناس بغير حق فنحن معك في توجيه السؤال لهم وهنا لن يكون لدينهم علاقة بالموضوع بخلاف من ذكرنا لكِ ممن دفعهم دينهم لإزهاق أرواح المسلمين ظلمًا وبغيًا، أو دفعتهم السادية وروح الإجرام وحب المال لقتل الناس عموماً كما تفعله الشركات الحاكمة لأمريكا ! فتحتل الدول الضعيفة من أجل إفادة شركات السلاح، فتهدم البلاد على أهلها، فتأتي شركات الإعمار لبنائها!، ثم تأتي شركات النفط لسرقة خيرات البلاد، ثم تُختم بالشركات الأمنية بعد الانسحاب لتقوم بدورها في تلك البلاد المنهوبة المستعمرة، أليس هؤلاء أولى بتوجيه الأسئلة لهم ومحاسبتهم على ما يقومون به من قتل وإبادة للناس؟!.

  1. ليس ثمة دين أنزل الله تشريعاته منذ أن خلق الله تعالى الخلق إلا جاء في تشريعاته المحافظة على ” الضرورات الخمس ” وهي: الدين، والعقل، والعرض، والعقل، والمال، ولا يمكن لتشريع رباني أن يتساهل في هذه الضرورات فيكون سبباً في إتلافها أو فنائها أو نقصها، ومن هنا نجد تحريم القتل، وتحريم الخمر، وتحريم الزنا، وتحريم السرقة، وتحريم الإساءة للدين من القواسم المشتركة بين كل الأديان، فهل سيكون الإسلام خاتم الأديان يجيء فيه من الأحكام ما يخالف ما سبقه من الأديان في ضرورة المحافظة على تلك الضرورات الخمس؟! الجواب: لا لا يكون ذلك كذلك، بل تجدين في الإسلام أعدل الأحكام وأشملها وأقومها وأصلحها لحياة الناس، وذلك لائق بالإسلام لأنه خاتم الأديان، وقد أُمر الناس جميعهم بالدخول فيه، فهو صالحة أحكامه لكل زمان ومكان.
  2. ومن أحكام الإسلام الجليلة التي جاء فيها الحفاظ على حياة الناس:

أ. تحريم الانتحار وقتل النفس.

ب. تحريم كل ضار بالبدن مما يؤدي إلى إتلاف النفس، كالخمور والمخدرات.

ج. تحريم الإجهاض!.

د. تحريم قتل النفس بغير حق، وقد ورد الوعيد الشديد في قتل النفوس الآمنة، ومن ذلك: ما قاله الله عز وجل ( وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ) النساء/93، ويشمل هذا حتى النفوس غير من المعاهدين والذميِّين، وفي ذلك يقول نبيُّنا محمد صلى الله عليه وسلم ( مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا ) رواه البخاري (2995).

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

والمراد به: مَن له عهد مع المسلمين، سواء كان بعقد جزية، أو هدنة من سلطان، أو أمان من مسلم. ” فتح الباري ” ( 12 / 259 ).

هـ. درء الحدود بالشبهات، فكل حدِّ قتل فيه شبهة فإنه لا يقتل معها صاحب الحد لوجود تلك الشبهة التي تدفع حد القتل عنه.

و. حصر حد القتل في العظيم من الجرائم كالردة والزنا للمحصن وقتل النفوس بغير حق؛ تعظيما لشأن الدين والعرض والنفس، وثمة ذنوب كثيرة عظيمة الذنب ليس حدها القتل، كالربا، والسرقة، وقذف المحصنات، والغيبة، وغيرها كثير، ولو كان الإسلام كما يصوِّره الإعلام الغربي الظالم لكان حد القتل على كل معصية وجريمة، وحاشا الإسلام أن يكون كذلك وهو يشتمل على أقوم الأحكام وأعدلها.

ز. فتح الباب للتائبين من القتل، ووعدهم بتكفير سيئاتهم، ولنا في قصة الذي قتل تسعًا وتسعين نفسًا عبرة؛ فإنه لما أخبره عابد جاهل أنه ليس له توبة قتله! وكمَّل به المائة، ولكنه لما التقى بعالِم فأخبره أن له توبة توقف عن القتل، وهذه القصة رواها لنا النبي صلى الله عليه وسلم عن أحد الناس من الأمم السابقة.

ح. الترهيب الشديد من القتل وأنه قد يؤدي بالقاتل إلى الكفر المخرج من الملة؛ وذلك حين يستحل ذلك القتل ولا يحرمه بسبب ما وقع منه من جرأة على قتل نفس معصومة، وفي ذلك يقول نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ( لَنْ يَزَالَ الْمُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا ) رواه البخاري ( 6469 ).

ط. لم يُجعل حد القتل في الإسلام لمستحقه يقوم به آحاد الناس، بل هو من اختصاص القضاء الشرعي، وولاة الأمر.

* قال القرطبي – رحمه الله -:

لا خلاف أن القصاص في القتل لا يقيمه إلا أولو الأمر الذين فرض عليهم النهوض بالقصاص وإقامة الحدود وغير ذلك. ” تفسير القرطبي ” ( 2 / 245 ).

ولو جُعل القتل للناس ليأخذ كل واحد حقَّه لتجاوز الأمر القاتل، ولحصل كما كان الأمر في الجاهلية، فيُقتل عشرة مقابل واحد، ويُقتل رجل أو أكثر مقابل امرأة، وكل هؤلاء المقتولين إنما قٌتلوا ظلماً، وأما في الإسلام فلا بدَّ من ثبوت القتل على القاتل، ولا بدَّ من انتفاء الشبهة، ثم يصير مستحقّاً للقتل، ولا يقف الأمر عند هذا، بل يُرغَّب أهل المقتول بالعفو مجانًا عن القاتل، أو بقبول الدية، والشرع المطهر قد رغَّب أولياء المقتول بالعفو، ووعدهم بالأجر الجزيل إن هم قاموا به، وأذن لهم بالصلح بأكثر من الدية الشرعية من أجل كسب موافقتهم بعدم إيقاع القتل على القاتل، وبالطبع لا يكون مثل هذا الترغيب بالعفو ولا الترغيب بالشفاعة عند أولياء المقتول فيما لو كان القاتل مجرمًا عتيدًا لا يظهر عليه أثر التوبة والندم على فعله، بل مثل هذا يَحرم الشفاعة فيه؛ وبقتله يأمن الناس على أنفسهم، وفي ذلك يقول الله تعالى (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) البقرة/ 179، وهذه الجملة البليغة تلخِّص الحكمة من القصاص من القاتل، وهي أبلغ وأعظم دلالة مما كان يقوله الجاهليون في جاهليتهم بكلمة نحوها.

* قال الشيخ الشنقيطي – رحمه الله -:

ومن هدي القرآن للتي هي أقوم: القصاص؛ فإن الإنسان إذا غضب وهمَّ بأن يقتل إنسانًا آخر فتذكر أنه إن قتله قُتل به: خاف العاقبة فترك القتل، فحيي ذلك الذي كان يريد قتله، وحيي هو؛ لأنه لم يَقتل فيُقتل قصاصًا، فقتْل القاتل يحيا به ما لا يعلمه إلا الله كثرة، كما ذكرنا، قال تعالى ( وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( البقرة/ 79، ولا شك أن هذا من أعدل الطرق وأقومها، ولذلك يشاهَد في أقطار الدنيا قديمًا وحديثًا قلة وقوع القتل في البلاد التي تحكم كتاب الله؛ لأن القصاص رادع عن جريمة القتل؛ كما ذكره الله في الآية المذكورة آنفًا.

وما يزعمه أعداء الإسلام من أن القصاص غير مطابق للحكمة لأن فيه إقلال عدد المجتمع بقتل إنسان ثان بعد أن مات الأول، وأنه ينبغي أن يعاقب بغير القتل فيحْبس، وقد يولد له في الحبس فيزيد المجتمع: كله كلام ساقط، عار من الحكمة؛ لأن الحبس لا يردع الناس عن القتل، فإذا لم تكن العقوبة رادعة: فإن السفهاء يكثر منهم القتل فيتضاعف نقص المجتمع بكثرة القتل. ” أضواء البيان ” ( 3 / 31 ، 32 ).

  1. ومن المعروف في عالَم الاجتماع والأدب والسلوك قاعدة ” من أمن العقوبة أساء الأدب ” فلنتخيل أنه ليس ثمة قتل يستحقه القاتل للنفوس البريئة فما الذي سيردع القاتل إذًا؟ ها هو الحبس لا يردع ذلك، وها هي الغرامات والتعزيرات لا تفعل ذلك، وها نحن نرى معدل الاغتصاب والجريمة – في أمريكا مثلًا – يُحسب بالدقائق! – وللعلم: ففي عام 2005 م بلغ عدد ضحايا جرائم القتل في أمريكا ( 16500 ) شخصًا، وقد ذكرت ” منظمة العفو الدولية ” في تقرير لها بعنوان ” أوقفوا العنف ضد المرأة ” لعام 2004 أنه في كل 90 ثانية تُغتصب امرأة في أمريكا وحدها! – فأي حياة يعيشها المرء وهو يرى حوله من هو آمن من عقوبة القتل ؟ ولتنظري إلى عقوبات ” قوانين المرور ” – مثلًا – في الدول الغربية وغيرها كيف أنها ساهمت – إلى حدٍّ كبير – في ضبط الناس وجعلتهم يلتزمون بقواعد السير والمرور، ولكِ أن تتخيلي – ولو للحظات – كيف سيكون الحال لو أنك تلك الدول قالت لشعبها ” سنرفع عقوبات قوانين المرور لمدة 3 ساعات ” فكيف سيكون الحال؟ في ظننا أنه سيكون كذاك الحال لما انقطعت الكهرباء عن إحدى ولايات أمريكا لمدة نصف ساعة؟!!.
  2. ولا ندري ما الذي يضير الإنسان لو أن دولةً من الدول سنَّت أعظم العقوبات في حق من قتل غيره ظلمًا، أليس هذا من مصلحة الجميع وسيعيش الناس آمنين مطمئنين على حياتهم وعلى حياة أولادهم في ذهابهم إلى المدرسة وعلى حياة بناتهم عندما يزورن جيرانهم أو أقاربهم؟! فلماذا النقد والاعتراض على قانون يضمن نفسي وأسرتي كما هو الحال في قوانين البلديات وقوانين المرور وقوانين الغذاء والدواء وغير ذلك كثير مما لو لم تُجعل العقوبات الرادعة في تلك القوانين لضاعت أنفس الناس بالحوادث والأطعمة والأشربة والأدوية.

إنه لا يعترض على قوانين السلامة إلا السفيه في قيادته، ولا يعترض على قوانين عقوبات التحرش بالأطفال إلا الشاذ، ولا يعترض على قوانين حماية الغذاء والدواء إلا غاش، ولا يعترض على قوانين حماية الأرواح من القتل إلا قاتل مجرم، هذا هو الحال وإن عاند معاند أو كابر مكابر، وإلا فكل قانون يحفظ على الناس دينهم وعرضهم ونفوسهم فإن من شأنه أن يؤيَّد ويرعى لا أن يُنقد ويُعترض عليه؛ لأنه بذلك الاعتراض ينتشر الفساد.

  1. واعلمي أن عدد من قُتل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم من المسلمين والكفار لم يتجاوز الألف شخص من الطرفين! وأنه لم يقتل النبي صلى الله عليه وسلم بيده الشريفة أحدًا من الكفار! مع أنه كان مشاركًا في الحروب معهم؛ وذلك لأن قتله للناس تتعارض مع عظيم رسالته الداعية للنجاة من النار والجالبة لهم سعادتي الدنيا والآخرة، بينما كان عدد القتلى في الحرب العالمية الأولى حوالي ( 14 ) مليونًا والحرب العالمية الثانية حوالي ( 55 ) مليونًا! فهل كان قتل هؤلاء على يد المسلمين؟! وهل كان ” هتلر ” و ” تشرشل ” و ” موسوليني ” مسلمين؟!.
  2. واعلمي – أخيرًا – أن الله تعالى حكيم عليم، لم يشرع القتل ولا غيره من الأحكام إلا لما يعلمه تعالى من أنه لا صلاح للناس إلا بالأخذ به، ولذا نرى أن كل مجتمع يتحلل من الأحكام الشرعية تقع فيه المآسي والأمراض والجرائم والتفكك والانحراف، ونظرة يسيرة إلى أي مجتمع غربي متحلل تجدين صدق القول، فهذه الأمراض الجنسية قد فتكت بهم، وهذه الجرائم قد انتشرت انتشار النار في الهشيم، وهذه الأسر قد تفككت، وهؤلاء الأبناء قد انفصلوا عن أهليهم فأفسدوا في الأرض، وقد عصم الله تعالى المجتمعات المسلمة القديمة من هذه الآفات وما انتشرت في مجتمع إلا بسبب بُعده عن تعاليم دينه وأخذه من تعاليم الغرب وطرق حياتهم.

فنرجو أن يكون ما ذكرناه كافيًا، وفي جعبتنا كلام أكثر من هذا لكن ظننا الحسن بك أنه يكفيك القليل من الكلام المؤصَّل عن الكثير العاطفي الخالي من الأدلة والمنطق، ومع ذلك فما ترينه يحتاج لتوضيح أو تدليل بالأدلة الشرعية فنحن على أتم الاستعداد للإجابة عنه، وسترين – إن شاء الله – في نهاية المطاف أن لا صلاح للفرد والمجتمعات إلا بالتمسك بالإسلام، وأنه الطريق الوحيد الموصل إلى رضوان الله تعالى وجنَّته.

والله أعلم.

توفي الأب ثم توفت ابنته بعده فهل يرثها أولادها؟

توفي الأب ثم توفت ابنته بعده فهل يرثها أولادها؟

السؤال:

توفي الأب وترك محلات تجارية، وبعده بثمان سنوات توفت ابنته – التي هي والدتي -، هل يحق لأبناء ابنته المتوفية بعده أن يرثوا والدتهم من تركة جدهم؟.

 

الجواب:

الحمد لله

لا شك أن أمَّكم ترث من أبيها، ولا خلاف بين العلماء في ذلك؛ فهي من أصحاب الفروض، ويكون نصيبها بحسب ما في أسرتها من أشقاء وشقيقات.

وهذا النصيب التي ورثته أمُّكم من أبيها إن كان مالًا أو عقارًا: فقد صار ملكًا لها، وتورِّثه لمن خلفها مِن ورثتها بعد موتها.

وأولادها – الذكور والإناث – وزوجها، ووالداها، كل أولئك ممن يرثها بعد موتها.

ولا يُعرف خلاف فيما ذكرناه لك فيما سبق.

ولا يرث الأحفاد – ذكورًا وإناثًا – من جدِّهم مع وجود أعمام لهم، ويرثون ما بقي بعد ميراث عماتهم إن لم يكن لهم أعمام، ويرثون جدَّهم بالكامل في حال عدم وجود أعمام وعمات لهم، ويقومون – والحالة هذه – مقام أولاد الجد، فيرثون للذكر مثل حظ الأنثيَيْن.

وما يوجد في بعض المذاهب من توريث الأحفاد من جدهم حصة والدهم: قول ضعيف، ليس له أصل في الكتاب والسنَّة.

ويمكن للجد قبل وفاته أن يوصي بما دون ثلث تركته لأحفاده، كما يُرغَّب الأعمامُ بإعطاء أولاد أخيهم المتوفى ما تطيب به أنفسهم من غير إلزام.

 

والله أعلم.

تقدير انتهاء الأجل بين أهل السنَّة والمعتزلة

تقدير انتهاء الأجل بين أهل السنَّة والمعتزلة

السؤال:

لديَّ سؤال صغير يتعلق بالموت: فقد سمعتُ من كثيرين: أن كل شخص يموت في الموعد الذي حدده الله من قبل، وهذا يعني أن الله قد حدد موعدًا معينًا بالفعل لوفاة كل شخص، وأن الملائكة تقوم حينها بأخذ روحه، فهل يعني هذا أنه كلما مات شخص فإن أجله يكون قد حان لترك الدنيا وهو الأجل الذي حدده الله من قبل بالفعل حتى وإن كان قد مات مقتولًا أو جرَّاء حادث؟ وأنا في حيرة بالغة من هذا الأمر فهل بوسعكم توضيحه؟

الجواب:

الحمد لله

خلق الله تعالى الخلق وقضى لهم آجالهم في ساعة معينة، وقد أعلم الله تعالى الملَك الذي يأتي الجنين في بطن أمه بهذا الأجل، فإذا جاء أجلهم – بموت طبيعي أو مرض أو قتل أو حادث – فإنه لا يتقدم عن الموعد ولا يتأخر، وفي تلك الكتابة الكونية التي لا تتغير قطع على تعلق الناس بغير الله في زيادة عمر أحدٍ أو إنقاصه، وليس الذي حافظ على صحته قد أطال عمر نفسه، بل الله تعالى قدَّر له ذلك، وليس الذي قتلَ أحداً قد أنقص عمره، بل الله تعالى قدَّر ذلك أزلًا، ويُحاسب القاتل على تعديه على الحكم الشرعي إن كان قتَل بغير حق.

وقالت المعتزلة – وهي من فرق الضلال-: إن الإنسان لو لم يمت بالقتل أو المرض لطال عمره! وهذا باطل ليس عليه دليل من كتاب ولا سنَّة، ولا هو قول أحد من أهل السنَّة، بل قد قدَّر الله أجل كل أحد من خلقه وقدَّر السبب الذي ينتهي به أجله، وهو أجل واحد، وهو معلوم لله تعالى، وقد أعلمه ملائكته التي أمرها بكتابة أجل الإنسان في بطن أمه، ومعنى قول المعتزلة: أن الله تعالى جعل للمقتول – مثلًا – أجلَين! أجلًا مقدَّرًا مكتوبًا وأجلًا واقعًا على الحقيقة وهو الوقت الباقي له لو لم يُقتل! ومثل هذا تنزَّه عن المجيء بمثله الشريعة، فكيف يقدِّر الله تعالى لعبده أجلًا يعلم أنه لن يبلغه بل يموت قبله؟! والقاتل إنما يُقتل لا لأنه قطع على المقتول أجله – كما يفترون – بل لأنه ارتكب محظورًا شرعيًّا، ولذلك لو كان القاتل غير مكلف – كالمجنون مثلًا – فإنه لا يُقتل، وكل ذلك منهم للتهرب من القول بأن الله تعالى خلق فعل العبد فقالوا كيف يخلق الله فعل القتل ويحاسبه عليه؟! فافتروا أن القتل إنما استحقه القاتل لأنه قطع أجل المقتول! والرد عليهم في قوله تعالى ( وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ) الصافات/ 96، وكما أنه لا يلزم من التقدير المحبة فكذا لا يلزم من الكتابة ولا الخلق للفعل المحبة من الله تعالى، وإنما المحبَّة فيما يأمر الله تعالى به ويحث عليه من الأفعال، وقد يكون القتل منه كمن قتل كافرًا محاربًا! وقد يكون قتلًا مباحًا كقتل القصاص.

* قال الشيخ ابن أبي العز الحنفي – رحمه الله -:

الله سبحانه وتعالى قدَّر آجال الخلائق بحيث إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون، قال تعالى ( فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ) الأعراف/ 34 والنحل/ 61، وقال تعالى ( وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا ) آل عمْران/ 145.

وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود قال: قَالَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ زَوْجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: اللَّهُمَّ أَمْتِعْنِي بِزَوْجِي رَسُولِ اللَّهِ، وَبِأَبِي أَبِي سُفْيَانَ، وَبِأَخِي مُعَاوِيَةَ، قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( قَدْ سَأَلَتِ اللَّهَ لِآجَالٍ مَضْرُوبَةٍ، وَأَيَّامٍ مَعْدُودَةٍ، وَأَرْزَاقٍ مَقْسُومَةٍ، لَنْ يُعَجِّلَ شَيْئًا قَبْلَ أَجَلِهِ، وَلَنْ يُؤَخِّرَ شَيْئًا عَنْ أَجَلِهِ، وَلَوْ كُنْتِ سَأَلْتِ اللَّهَ أَنْ يُعِيذَكِ مِنْ عَذَابٍ فِي النَّارِ وَعَذَابٍ فِي الْقَبْرِ كَانَ خَيْرًا وَأَفْضَلَ ).

فالمقتول ميت بأجله، فعلَم الله تعالى وقدَّر وقضى أن هذا يموت بسبب المرض، وهذا بسبب القتل، وهذا بسبب الهدم، وهذا بسبب الحرق، وهذا بالغرق، إلى غير ذلك من الأسباب، والله سبحانه خلق الموت والحياة، وخلق سبب الموت والحياة.

وعند المعتزلة: المقتول مقطوع عليه أجله، ولو لم يُقتل لعاش إلى أجله! فكان له أجلان، وهذا باطل؛ لأنه لا يليق أن يُنسب إلى الله تعالى أنه جعل له أجلًا يعلم أنه لا يعيش إليه البتة، أو يجعل أجلَه أحد الأمرين، كفعل الجاهل بالعواقب.

ووجوب القصاص والضمان على القاتل لارتكابه المنهي عنه ومباشرته السبب المحظور.

وعلى هذا يخرج قوله صلى الله عليه وسلم ( صِلَةُ الرَّحِم تَزِيدُ فِي العُمُرِ ) أي: سبب طول العمر، وقد قدر الله أن هذا يصِلُ رحمه فيعيش بهذا السبب إلى هذه الغاية، ولولا ذلك السبب لم يصل إلى هذه الغاية، ولكن قدَّر هذا السبب وقضاه، وكذلك قدَّر أن هذا يقطع رحمه فيعيش إلى كذا، كما قلنا في القتل وعدمه.

” شرح العقيدة الطحاوية ” ( ص 100، 101 ).

* وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – في شرح قوله تعالى ( ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ):

وأما أجل الموت: فهذا تعرفه الملائكة الذين يكتبون رزق العبد وأجله وعمله وشقي أو سعيد، كما قال في الصحيحين عن ابن مسعود قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم – وهو الصادق المصدوق -: ( إنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خُلُقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يُبْعَثُ إلَيْهِ الْمَلَكُ فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ فَيُقَالُ: اُكْتُبْ رِزْقَهُ وَأَجَلَهُ وَعَمَلَهُ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ ) فهذا الأجل الذي هو أجل الموت قد يُعلمه الله لمن شاء من عباده، وأما أجل القيامة المسمى عنده: فلا يعلمه إلا هو. ” مجموع الفتاوى ” ( 14 / 489 ).

* سئل شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

عن المقتول: هل مات بأجله؟ أم قطع القاتل أجلَه؟.

فأجاب:

المقتول كغيره من الموتى لا يموت أحدٌ قبل أجله ولا يتأخر أحد عن أجله، بل سائر الحيوان والأشجار لها آجال لا تتقدم ولا تتأخر، فإن أجل الشيء هو نهاية عُمُره، وعمره: مدة بقائه، فالعمُر: مدة البقاء، والأجل: نهاية العمر بالانقضاء، وقد ثبت في صحيح مسلم وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( قَدَّرَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفِ سَنَةٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ)، وثبت في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ وَخَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ )، وفي لَفْظٍ ( ثُمَّ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ )، وقَد قَالَ تَعَالَى ( فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ )، والله يعلم ما كان قبل أن يكون، وقد كتب ذلك فهو يعلم أن هذا يموت بالبطن أو ذات الجنب أو الهدم أو الغرق أو غير ذلك من الأسباب وهذا يموت مقتولًا : إما بالسم وإما بالسيف وإما بالحجر وإما بغير ذلك من أسباب القتل، وعلْم الله بذلك وكتابتُه له بل مشيئته لكل شيء وخلقه لكل شيء لا يمنع المدح والذم والثواب والعقاب؛ بل القاتل إن قتل قتيلًا أمر الله به ورسوله – كالمجاهد في سبيل الله – : أثابه الله على ذلك، وإن قتل قتيلًا حرَّمه الله ورسوله – كقتل القطاع والمعتدين – : عاقبه الله على ذلك، وإن قتل قتيلًا مباحًا – كقتيل المقتص – : لم يُثب ولم يعاقب إلا أن يكون له نية حسنة أو سيئة في أحدهما.

والأجل أجلان: ” أجل مطلق ” يعلمه الله ” وأجل مقيد ” وبهذا يتبين معنى قوله صلى الله عليه وسلم ( مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ ) فإن الله أمر الملك أن يكتب له أجلًا وقال: ” إن وصل رحمه زدته كذا وكذا ” والملك لا يعلم أيزداد أم لا؛ لكن الله يعلم ما يستقر عليه الأمر فإذا جاء ذلك لا يتقدم ولا يتأخر.

ولو لم يُقتل المقتول: فقد قال بعض القدرية: إنه كان يعيش! وقال بعض نفاة الأسباب: إنه يموت! وكلاهما خطأ؛ فإن الله علم أنه يموت بالقتل فإذا قدر خلاف معلومه كان تقديرًا لما لا يكون لو كان كيف كان يكون، وهذا قد يعلمه بعض الناس وقد لا يعلمه، فلو فرضنا أن الله علم أنه لا يُقتل أمكن أن يكون قدر موته في هذا الوقت وأمكن أن يكون قدر حياته إلى وقت آخر، فالجزم بأحد هذين على التقدير الذي لا يكون: جهل، وهذا كمن قال: لو لم يأكل هذا ما قُدر له من الرزق: كان يموت أو يرزق شيئًا آخر، وبمنزلة من قال: لو لم يحبل هذا الرجل هذه المرأة هل تكون عقيمًا أو يحبلها رجل آخر؟ ولو لم تزرع هذه الأرض هل كان يزرعها غيره أم كانت تكون مواتًا لا يزرع فيها؟ وهذا الذي تعلم القرآن من هذا لو لم يعلمه : هل كان يتعلم من غيره أم لم يكن يتعلم القرآن ألبتة؟ ومثل هذا كثير.

” مجموع الفتاوى ” ( 8 / 516 – 518 ).

والله أعلم.

التوفيق بين آيات قرآنية تثبت السمع والكلام للكفار في الحشر تارة وتنفيه عنهم تارة أخرى

التوفيق بين آيات قرآنية تثبت السمع والكلام للكفار في الحشر تارة وتنفيه عنهم تارة أخرى

السؤال:

يتحدث الله تعالى في سورة مريم ( الآية 38 ) عن المشركين حينما يقول (أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ ).

وفي سورة الإسراء ( آية 97 ) ذكر الله سبحانه ( وَمَن يَهْدِ اللّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاء مِن دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا  وَصُمًّا مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا ).

ليس هناك من احتمالية التناقض في القرآن لكني ليس لدي العلم الأساسي لفهم ذلك، فلو ألقيت الضوء على هذا الأمر فلربما ساهم في ارتقاء إيماني؟.

 

الجواب:

الحمد لله

ليس بحمد الله في نصوص الوحي ما يعارض بعضه بعضًا، وقد يسَّر الله تعالى لكتابه من يُعنى به تفسيرًا لكلماته وتوضيحًا لمشكلاته وبيانا لما ظاهره التعارض، وهؤلاء هم الراسخون في العلم الذين فقهوا مراد ربِّهم تعالى في كتابه فوضعوا الأمور في نصابها وبيَّنوا للناس ما أغلق فهمه عليهم.

والإشكال الذي ذكره الأخ قديم الإيراد، وقد أجاب عليه العلماء أجوبة محكمة مسددة، أبرزها جوابان:

الجواب الأول:

أن مشاهد اليوم الآخر ومراحله كثيرة، ففي بعضها يكون الكفار عميًا وبكمًا وصُمًّا على الحقيقة، وفي بعضها الآخر يرون ويتكلمون ويسمعون.

وهو قول أبي حيان وابن القيم وابن كثير والشنقيطي وغيرهم كثير.

* قال الإمام الطبري – رحمه الله -:

فإن قال قائل: وكيف وصف الله هؤلاء بأنهم يحشرون عميًا وبكمًا وصُمًّا وقد قال ( وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا ) فأخبر أنهم يرون، وقال ( إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا. وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا ) فأخبر أنهم يسمعون وينطقون؟.

قيل: جائز أن يكون ما وصفهم الله به من العَمى والبكم والصمم يكون صفتهم في حال حشرهم إلى موقف القيامة، ثم يجعل لهم أسماع وأبصار ومنطق في أحوال أُخَر غير حال الحشر. ” تفسير الطبري ” ( 17 / 559 ، 560 ).

 

 

* وقال ابن كثير – رحمه الله -:

وقوله: ( عُمْيًا ) أي: لا يبصرون ( وَبُكْمًا ) يعني: لا ينطقون ( وَصُمًّا ): لا يسمعون. وهذا يكون في حال دون حال؛ جزاء لهم كما كانوا في الدنيا بكمًا وعميًا وصمًّا عن الحق، فجوزوا في محشرهم بذلك أحوج ما يحتاجون إليه.

” تفسير ابن كثير ” ( 5 / 123 ).

* وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله -:

قوله تعالى ( وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمّا ) الآية، هذه الآية الكريمة يدل ظاهرها على أن الكفار يُبعثون يوم القيامة عميًا وبكمًا وصمًّا، وقد جاءت آيات أخر تدل على خلاف ذلك كقوله تعالى ( أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا ), وكقوله ( وَرَأى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا )، وكقوله ( رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا) الآية، والجواب عن هذا من أوجه:

الوجه الأول: هو ما استظهره أبو حيان من كون المراد مما ذكر حقيقته، ويكون ذلك في مبدأ الأمر ثم يرد الله تعالى إليهم أبصارهم ونطقهم وسمعهم فيرون النار ويسمعون زفيرها وينطقون بما حكى الله تعالى عنهم في غير موضع.

الوجه الثاني: أنهم لا يرون شيئاً يسرهم، ولا يسمعون كذلك، ولا ينطقون بحجة، كما أنهم كانوا في الدنيا لا يستبصرون ولا ينطقون بالحق ولا يسمعونه، وأخرج ذلك ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس، وروي أيضًا عن الحسن كما ذكره الألوسي في تفسيره، فنزَّل ما يقولونه ويسمعونه ويبصرونه منزلة العدم لعدم الانتفاع به كما تقدم نظيره.

الوجه الثالث: أن الله إذا قال لهم ( اخْسَئوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ ) وقع بهم ذاك العمى والصم والبكم من شدة الكرب واليأس من الفرج، قال تعالى ( وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ )، وعلى هذا القول تكون الأحوال الثلاثة مقدَّرة.

” دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ” ( ص 143 ).

وفي ” أضواء البيان ” ( 4 / 129 ) قال: أظهرها عندي: الأول.

والجواب الثاني:

أن النظر والكلام والسمع المُثبت لهم خاص بما لا فائدة لهم فيه، والمنفي عنهم خاص بما لهم فيه فائدة فهم لا يرون ولا يسمعون شيئًا يسرهم، ولا ينطقون بحجة.

وهو مروي عن ابن عباس والحسن البصري.

* قال الإمام الطبري – رحمه الله -:

ويجوز أن يكون ذلك، كما روي عن ابن عباس قوله ( وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا ) ثم قال ( وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا ) وقال

( سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا ) وقال ( دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا )، أما قوله ( عُمْيًا ): فلا يرون شيئًا يسرّهم، وقوله ( بُكْما ): لا ينطقون بحجة، وقوله ( صُمًّا ): لا يسمعون شيئًا يسرّهم. ” تفسير الطبري ” ( 17 / 560 ).

والقول الأول أظهر وأقوى، وقد فصَّل ابن القيم رحمه الله الحال الذي يُحشرون فيه على وجوههم عميًا وبكمًا وصمًّا وهو من موقف الحشر إلى وقت دخولهم النار، وأنهم يكونون قبل ذلك يرون ويتكلمون ويسمعون.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

 وفصل الخطاب: أن الحشر هو الضم والجمع، ويراد به تارة: الحشر إلى موقف القيامة كقوله النبي صلى الله عليه وسلم ( إنكم محشورون إلى الله حفاة عراة غرلًا ) وكقوله تعالى ( وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ )، وكقوله تعالى ( وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا ) يراد به: الضم والجمع إلى دار المستقر، فحشر المتقين: جمعهم وضمهم إلى الجنة، وحشر الكافرين: جمعُهم وضمُّهم إلى النار، قال تعالى ( يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا )، وقال تعالى ( احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ. مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ ) فهذا الحشر هو بعد حشرهم إلى الموقف وهو حشرهم وضمهم إلى النار؛ لأنه قد أخبر عنهم أنهم قالوا ( يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ. هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ) ثم قال تعالى ( احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ ) وهذا الحشر الثاني، وعلى هذا: فهم ما بين الحشر الأول من القبور إلى الموقف والحشر الثاني من الموقف إلى النار، فعند الحشر الأول: يسمعون ويبصرون ويجادلون ويتكلمون، وعند الحشر الثاني: يُحشرون على وجوههم عميًا وبكمًا وصمًّا، فلكل موقف حال يليق به ويقتضيه عدل الرب تعالى وحكمته، فالقرآن يصدِّق بعضُه بعضًا، ( وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا ).

” مفتاح دار السعادة ” ( 1 / 45 ، 46 ).

 

والله أعلم.

أُعطيت له وجبة إفطار فهل يأخذ أجر تفطير صائم إذا بذلها لغيره؟

أُعطيت له وجبة إفطار فهل يأخذ أجر تفطير صائم إذا بذلها لغيره؟

السؤال:

أعمل بمكان يوزع وجبات إفطار للموظفين، وأنا آخذ من الوجبات، هل لو أعطيت الوجبة لشخص آخر محتاج أكون قد فطَّرتُ صائمًا؟.

 

الجواب:

الحمد لله

قد ذكرنا ثواب من فطَّر صائمًا وأن له مثل أجر الصائم لا ينقص من أجر الصائم شيئًا، وأن ذلك الثواب هو لمن أشبع الصائم ذاك.

وبما أنك تملكتَ الوجبة التي أُعْطيت لك : فلكَ أجر تفطير صائم – إن شاء الله- إذا دفعتَها لصائم يفطر عليها، وقد كان بعض السلف تُدفع إليهم الهدية أو الصدقة فيدفعونها لغيرهم تصدقاً بها أو إهداء لها، يبتغون بذلك الأجر، ولهم ذلك لأنهم أصبحوا لها مالكين، ويُكتب لهم – إن شاء الله – أجر ما بذلوه لغيرهم، وإذا كان ذلك البذل معه حاجة لذلك الطعام وتعلق للنفس به: فإنه يَعظم الأجر ولا شك.

قال ابن عمر رضي الله عنهما: أُهدي لرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رأس شاة فقال: أخي فلان أحوج مني إليه، فبعث به إليه فبعثه ذلك الإنسان إلى آخر فلم يزل يبعث به واحد إلى آخر حتى رجع إلى الأول بعد أن تداوله سبعة . انظر ” إحياء علوم الدِّين ” ( 2 / 174 ).

*  الشيخ العثيمين – رحمه الله -:

الفقير إذا أخذ الصدقة وهو من أهلها، أو الزكاة وهو من أهلها : فإنه يملكها ملكًا تامًّا يتصرف فيها بما يشاء. ” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 21 / 103 ).

ومما يؤكد ذلك في السنَّة وأن المتملك للشيء حر التصرف يه: ما حصل من بريرة مولاة عائشة، ونسيبة الأنصارية – رضي الله عنهما -، فقد تُصدِّق عليهما بلحم، وتصرفتا به إهداءً للنبي صلى الله عليه وسلم، وهو محرَّم عليه الصدقة مما يدل على أن الحكم للمالك الثاني لا للأول من جهة، ومن جهة أخرى فيه حرية التصرف فيما بُذل له.

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: أُتِىَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِلَحْمٍ فَقِيلَ تُصُدِّقَ عَلَى بَرِيرَةَ قَالَ ( هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ، وَلَنَا هَدِيَّةٌ ). رواه البخاري ( 2438 ) ومسلم ( 1074 ).

وعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ رضي الله عنها قَالَتْ: بُعِثَ إِلَى نُسَيْبَةَ الأَنْصَارِيَّةِ بِشَاةٍ فَأَرْسَلَتْ إِلَى عَائِشَةَ رضي الله عنها مِنْهَا فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ( عِنْدَكُمْ شَيْءٌ ) فَقُلْتُ  لاَ إِلاَّ مَا أَرْسَلَتْ بِهِ نُسَيْبَةُ مِنْ تِلْكَ الشَّاةِ فَقَالَ ( هَاتِ فَقَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا ).

رواه البخاري ( 1377 ) ومسلم ( 1076 ).

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

وقوله ( قد بلغت محِلَّها ) فيه: أن الصدقة يجوز فيها تصرف الفقير الذي أعطيها بالبيع والهدية وغير ذلك. ” فتح الباري ” ( 5 / 205 ).

وبه تَعلم أنك قد تملكت تلك الوجبة بإعطائها لك، وأنه يجوز التصرف بها إهداء لها وتصدقًا بها، وأن لك أجر تفطير صائم إن دفعتها لصائم يأكلها، واعلم أنّ الصدقة في وقت الحاجة والمجاعة أفضل من التطوع بالعمرة، فلينظر.

وكل ما تُحصله من أجور بفعلك ذاك فللأول الذي ملَّكك الوجبة مثل أجرك لا ينقص من أجرك شيءٌ.

 

والله أعلم.

 

 

 

 

أسئلة مهمة حول اعتقاد أهل السنَّة في أسماء الله تعالى وصفاته

أسئلة مهمة حول اعتقاد أهل السنَّة في أسماء الله تعالى وصفاته

السؤال:

هل صفات الله كلها متشابهة أم أنها صفات متعددة ومختلفة وكل صفة تختلف عن الأخرى؟ وكذلك الأسماء هل كلها معناها واحد ومتشابهة أم أن كل اسم يدل على معنى مغاير للآخر؟ وهل يجوز أن نقول إن صفات الله لا منتهى لها وكذلك الأسماء أم أن لها نهاية وهي محصورة وأن الله قد علمها وأحصاها؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا شك أن صفات الله تعالى متباينة من حيث معانيها، فصفة ” القدرة ” ليست هي صفة ” العزة ” وليست هي صفة ” العلم “، ولا يقول عاقل بأنها متشابهة من حيث معانيها، وسيأتي توضيح ذلك وتبيينه فيما يأتي.

 

ثانيًا:

ومن اعتقاد أهل السنَّة والجماعة في أسماء الله تعالى: أنها مترادفة من حيث دلالتها على ذاته عز وجل، ومتباينة من حيث دلالتها على معانيها.

ولتوضيح ذلك نقول: إن أسماءه تعالى ” القدير ” ” العليم ” ” العزيز ” ” الحكيم ” – مثلًا – كلها تدل على ذات واحدة وهي ذات الله المقدَّسة، فهي بهذا الاعتبار مترادفة.

وفي الوقت نفسه فإن صفة ” القدرة ” ” العلم ” ” العزة ” ” الحكمة ” تختلف بعضها عن بعض، فهي بهذا الاعتبار متباينة.

– فصارت أسماء الله تعالى الحسنى: أعلام مترادفة وأوصاف متباينة.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

فالله سبحانه أخبرنا أنه عليم، قدير، سميع، بصير، غفور، رحيم، إلى غير ذلك من أسمائه وصفاته، فنحن نفهم معنى ذلك، ونميز بين العلم والقدرة، وبين الرحمة والسمع والبصر، ونعلم أن الأسماء كلها اتفقت في دلالتها على ذات الله، مع تنوُّع معانيها، فهي متفقة متواطئة من حيث الذات، متباينة من جهة الصفات.

” مجموع الفتاوى ” ( 3 / 59 ).

* وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

أسماء الله تعالى أعلام وأوصاف، أعلام باعتبار دلالتها على الذات، وأوصاف باعتبار ما دلت عليه من المعاني، وهى بالاعتبار الأول مترادفة لدلالتها على مسمى واحد وهو الله عز وجل، وبالاعتبار الثاني متباينة لدلالة كل واحد منهما على معناه الخاص

فـ ” الحي، العليم، القدير، السميع، البصير، الرحمن، الرحيم، العزيز، الحكيم ” كلها أسماء لمسمّى واحد وهو الله سبحانه وتعالى، لكن معنى ” الحي ” غير معنى ” العليم “، ومعنى ” العليم ” غير معنى ” القدير “، وهكذا.

وإنما قلنا بأنها أعلام وأوصاف لدلالة القرآن عليها، كما في قوله تعالى ( وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ )، وقوله ( وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ ) فإن الآية الثانية دلت على أن الرحيم هو المتصف بالرحمة، ولإجماع أهل اللغة والعرف أنه لا يقال: ” عليم ” إلا لمن علم، ولا ” سميع ” إلا لمن سمع، ولا ” بصير ” إلا لمن له بصر، وهذا أمر أبين من أن يحتاج إلى دليل. ” القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى ” ( ص 8 ).

وهكذا يقال في أسماء القرآن وأسماء النبي صلى الله عليه وسلم وأسماء اليوم الآخر، فهي مترادفة من حيث دلالتها على شيء واحد – القرآن أو الرسول أو اليوم الآخر-، وهي في الوقت نفسه متباينة من حيث أن كل اسم من أسماء ما سبق يحمل صفة غير الأخرى، فصار الأسماء باعتبار معاني الأسماء متباينة.

 

ثالثًا:

ومن معتقد أهل السنة والجماعة في أسماء الله الحسنى- على القول الراجح الصحيح -: أنها غير محصورة بعدد معيَّن، وهكذا القول في صفاته تعالى؛ فإن لله تعالى أسماء قد استأثر بها في علم الغيب عنده، وهذه الأسماء تحمل صفات، فصارت أسماؤه وصفاته غير محصورة بعدد معيَّن.

ومما يستدل به على هذا الاعتقاد:

  1. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مسْعُود قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( مَا أَصَابَ أَحَدًا قَطُّ هَمٌّ وَلَا حَزَنٌ فَقَالَ ” اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ نَاصِيَتِي بِيَدِكَ مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ أَوْ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي وَنُورَ صَدْرِي وَجِلَاءَ حُزْنِي وَذَهَابَ هَمِّي “: إِلَّا أَذْهَبَ اللَّهُ هَمَّهُ وَحُزْنَهُ وَأَبْدَلَهُ مَكَانَهُ فَرَجًا، قَالَ: فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا نَتَعَلَّمُهَا؟ فَقَالَ: بَلَى يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهَا أَنْ يَتَعَلَّمَهَا ) رواه أحمد ( 3704 ) وصححه الألباني في ” السلسلة الصحيحة “( 199).

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

الأسماء الحسنى لا تدخل تحت حصر، ولا تحد بعدد؛ فإن لله تعالى أسماء وصفات استأثر بها في علم الغيب عنده لا يعلمها ملَك مقرب ولا نبي مرسل، كما في الحديث الصحيح ( أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ أَوْ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ )، فجعل أسماءه ثلاثة أقسام:

قسم سمَّى به نفسه فأظهره لمن شاء من ملائكته أو غيرهم ولم ينزل به كتابه.

وقسم أنزل به كتابه فتعرف به إلى عباده.

وقسم استأثر به في علم غيبه فلم يطلع عليه أحد من خلقه، ولهذا قال (اسْتَأْثَرْتَ بِهِ ) أي: انفردت بعلمه، وليس المراد انفراده بالتسمِّي به لأن هذا الإنفراد ثابت في الأسماء التي أنزل الله بها كتابه. ” بدائع الفوائد ” ( 1 / 174 – 176 ).

* وقال ابن كثير – رحمه الله -:

ليُعلم أن الأسماء الحسنى غير منحصرة في تسعة وتسعين.

” تفسير ابن كثير ” ( 2 / 328 ).

ولينظر – للفائدة –  ” مجموع الفتاوى ” لابن تيمية ( 22 / 482 – 486 ).

  1. عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: فَقَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةً مِنْ الْفِرَاشِ فَالْتَمَسْتُهُ فَوَقَعَتْ يَدِي عَلَى بَطْنِ قَدَمَيْهِ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ وَهُمَا مَنْصُوبَتَانِ وَهُوَ يَقُولُ ( اللَّهُمَّ أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ ). رواه مسلم ( 486 ).

فالصفات – كما ذكرنا – تتبع الأسماء، فكل اسم ثابت لله تعالى فيه صفة تليق بجلاله عز وجل.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

فأخبر أنه لا يُحصي ثناء عليه، ولو أحصى أسماءه لأحصى صفاته كلها فكان يُحصي الثناء عليه؛ لأن صفاته إنما يعبَّر عنها بأسمائه.

” درء تعارض العقل والنقل ” ( 3 / 332 ، 333 ).

  1. ومن أسمائه تعالى ما يجوز أن يُشتق منها أفعال، وأفعال الله لا منتهى لها.

وصفات الله عزَّ وجلَّ ذاتِيَّة وفعليَّة، والصفات الفعليَّة متعلقة بأفعاله تعالى، وأفعال الله لا منتهى لها.

* قال الشيخ العثيمين – رحمه الله -:

من الصفات ما يتعلق بأفعال الله تعالى، وأفعاله لا منتهى لها، كما أن أقواله لا منتهى لها، قال الله تعالى ( وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) لقمان/ 27.

” القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى ” ( ص 21 ).

* وقال الشيخ علوي السقاف – حفظه الله -:

القاعدة العاشرة:

” صفات الله عَزَّ وجَلَّ ذاتِيَّة وفعليَّة، والصفات الفعليَّة متعلقة بأفعاله، وأفعاله لا منتهى لها “، ( وَيَفْعَلُ اللهُ مَا يَشَاءُ ).

” صفات الله عز وجل الواردة في الكتاب والسنة ” ( ص 22 ).

* وقال – أيضًا -:

القاعدة الحادية والعشرون:

” صفات الله عَزَّ وجَلَّ لا حصر لها؛ لأن كل اسم يتضمن صفة – كما مرَّ في القاعدة الثامنة -، وأسماء الله لا حصر لها، فمنها ما استأثر الله به في علم الغيب عنده. ” صفات الله عز وجل الواردة في الكتاب والسنة ” ( ص 26 ).

وقد ظنَّ بعضهم أن أسماء الله تعالى محصورة بعدد معين وهو العدد تسعة وتسعون! وقد نقل النووي رحمه الله اتفاق العلماء على أن أسماء الله تعالى غير محصورة في هذا العدد، وقد سبق في جواب السؤال رقم ( 41003 ) الدليل على نفي الحصر بهذا العدد، مع ذِكر أقوال أهل العلم في الرد على من فهم أن أسماء الله تعالى محصورة في هذا العدد.

والخلاصة في هذا الباب: أن أسماء الله تعالى وصفاته وأفعاله لا حصر لها، ولا يشك بهذا من اطلع على أدلة الكتاب والسنَّة ووقف على اعتقاد أهل السنَّة والجماعة، وضبط اعتقاده في الأسماء والصفات بقواعد منضبطة.

 

والله أعلم.

أحوال شرب المرأة دواء لتنزيل دم الحيض وأحكامها

أحوال شرب المرأة دواء لتنزيل دم الحيض وأحكامها

السؤال:

أنا ممن يعانين بمرض يسمَّى ” فشل المبايض المبكر ” وهو عدم نزول الدورة الشهرية إلا بعلاج، فهل يجوز لي أنزل الدورة في شهر رمضان، حيث إنه يمكنني أيضًا عدم إنزالها إذ خيار الدورة الشهرية بيدي؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

– إن استعمال علاج أو شرب دواء يسبِّب نزول دم الحيض لا يخلو من أحوال ثلاثة:

الأولى: أن يكون من أجل تنزيل دم الحيض في موعده المعتاد.

الثاني: أن يكون من أجل تنزيله في غير موعده.

الثالثة: أن يكون من أجل تنزيله علاجًا، وهو لا ينزل أصلًا إلا بشرب دواء.

أما الحالة الأولى: فلا إشكال في جوازها، ولدم الحيض حينئذٍ أحكامه المعروفة.

وأما الحالة الثانية: وهي إذا ما كان من أجل تنزيل دم الحيض في غير موعده: فإننا نقول: إنه يجوز للمرأة استعمال علاج أو شرب دواء يسبِّب نزول دم الحيض، على أن ذلك مشروط بشروط:

  1. أن يكون الدواء مباحًا – وهو شرط مشترك مع الحالة الأولى والثالثة -.
  2. أن يكون تنزيل دم الحيض لمقصود مباح ، كعلاج.

فإن كان الدواء محرَّمًا أو كان لغير مقصود شرعي – كتعجيل عدة طلاق، أو كإفطار في رمضان -: حرُم استعمال ذلك العلاج، وحرم شرب ذلك الدواء، ويكون حكم فعل ذلك – بخصوص الإفطار في رمضان – كحكم من تعمَّد السفر من أجل الإفطار.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

ويجوز التداوي لحصول الحيض، إلا في رمضان لئلّا تفطر، قاله أبو يعلى الصغير. ” الفتاوى الكبرى ” ( 5 / 315 ).

* وقال الشيخ منصور البهوتي – رحمه الله -:

( ويجوز ) لأنثى ( شرب دواء ) مباح ( لحصول الحيض لا قرب رمضان لتفطره ) كالسفر للفطر. ” كشاف القناع ” ( 1 / 218 ).

وهل إذا فعلت المرأة ذلك لذلك المقصود غير الشرعي تنطبق أحكام الحيض عليها، ويكون دمها دم حيض؟ خلاف بين العلماء، وقد ذهب المالكية إلى عدم اعتبار الدم دم حيض، وإلى أنها تعدُّ طاهرة ويلزمها الصوم – مع قضائه احتياطًا – والصلاة، ولا تنقضي به عدة.

والأصح عند الشافعية اعتبار دمها دم حيض تنطبق عليها أحكامه.

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 18 / 327 ، 328 ):

صرَّح الحنابلة بأنه يجوز للمرأة شرب دواء مباح لقطع الحيض إن أمن الضرر، وذلك مقيد بإذن الزوج؛ لأن له حقا في الولد، وكرهه مالك مخافة أن تدخل على نفسها ضررًا بذلك في جسمها.

كما صرحوا بأنه يجوز للمرأة أن تشرب دواء مباحًا لحصول الحيض، إلا أن يكون لها غرض محرم شرعًا كفطر رمضان: فلا يجوز.

ثم إن المرأة متى شربت دواء وارتفع حيضها: فإنه يحكم لها بالطهارة، وأما إن شربت دواء ونزل الحيض قبل وقته: فقد صرح المالكية بأن النازل غير حيض وأنها طاهر، فلا تنقضي به العدة، ولا تحل للأزواج، وتصلِّي وتصوم؛ لاحتمال كونه غير حيض، وتقضي الصوم دون الصلاة احتياطاً لاحتمال أنه حيض

وقد صرح الحنفية بأنه إذا شربت المرأة دواء فنزل الدم في أيام الحيض: فإنه حيض وتنقضي به العدة. انتهى.

* وقال النووي – رحمه الله -:

ولو شربت دواء للحيض فحاضت: لم يلزمها القضاء، وكذا لو شربت دواء لتلقي الجنين فألقته ونفِست: لم يلزمها قضاء صلوات مدة النفاس على الصحيح من الوجهين. ” المجموع ” ( 3 / 10 ).

وعند الشافعية – أيضًا – اعتبار نزول الدم بشرب الدواء في باب العدة.

* سئل ابن حجر الهيتمي الشافعي – رحمه الله -:

عن من استعجلت حيضها بدواء فهل تنقضي به عدتها أم لا؟.

فأجاب بقوله:

نعم، كما صرحوا، ومن ثمَّ صرحوا أيضًا بأنها لو استعجلته: لم تقض أيامه.

” الفتاوى الفقهية الكبرى ” ( 4 / 162 ).

والذي يظهر لنا: التفريق بين الصلاة والصوم وبين العدَّة؛ لأن مقصود العدة براءة الرحم وليس ذات نزول الحيض، ولتعلق انقضاء العدة بحق غيرها، فينبغي معاملتها بنقيض قصدها، فتترك الصلاة والصوم إذا شربت دواء لتنزل دم الحيض في غير أوانه، ولا تنقضي به عدتها.

وفي ” مواهب الجليل لشرح مختصر الخليل ” ( 1 / 537 ):

ثم أجاب شيخنا لما سُئل عن امرأة عالجت دم المحيض هل تبرأ من العدة؟ بأن الظاهر: أنها لا تحل.

وتوقَّف عن ترك الصلاة والصيام، والظاهر – على بحثه – أن لا يُتركا، وإنما قال ” الظاهر ” لاحتمال أن استعجاله لا يخرجه عن الحيض كإسهال البطن انتهى.

قلت: لا يلزم من إلغائه في باب العدة إلغاؤه في العبادة؛ إذ لا ملازمة بين البابين؛ فإن الدفعة حيض في باب العبادات وليست حيضًا في باب العدة، والفرق بين البابين: أن المقصود في العدة براءة الرحم وإذا جعل له دواء لم يدل على البراءة لاحتمال أنه لم يأت إلا بالدواء، وأما في باب العبادات فيحتمل أن لا يلغى بما قال إن استعجاله لا يخرجه عن كونه حيضًا كإسهال البطن انتهى. والله أعلم.

ويحتمل أن يُلغى؛ لأنه لم يخرج بنفسه، وهذا إذا جعل له دواء استعجل به قبل أوانه. انتهى.

 

ثانيًا:

وليُعلم أن ما سبق ذِكره هو في المرأة التي لها موعد لحيضتها فتستعجل إنزاله في غير وقته، وهل الأمر كذلك مع الأخت السائلة – وحالتها هي الحالة الثالث-؟ والجواب: لا؛ لأنَّ الدم عندها لا ينزل أصلًا لمرض، ولا ينزل إلا بدواء، فليس ثمة موعد لحيضتها تستبقه، فلا ينطبق ما ذكرناه سابقًا عليها.

وكيف يكون حكمها إذًا؟ الجواب: فيه تفصيل:

  1. فإن كان إنزال الدم لا يتعيَّن عليها كل شهر مرَّة أو في أيام رمضان: فلا تشرب الدواء لإنزال دم الحيض من أجل الإفطار، وإن فعلت فتكون كمن له سفرة غير متعيَّن موعدها فجعلها في رمضان قاصًدا الفطر فيها، فيأثم على قصده، وإن فعلت ذلك فحكمها كما فصَّلناه في الحالة الثانية.
  2. وإن كان إنزال الدم يتعيَّن عليها – طبيًّا وعلاجيًّا – في كل شهر مرة، أو تحديداً في وقت معيَّن وكان ذلك شهر رمضان: فلا يظهر لنا في فعلها أي حرج؛ لأن عادة النساء نزول دم الحيض مرة كل شهر، والجواز إما أن يكون من باب ضرورة العلاج، أو من باب إزالة العيب بإرجاعها إلى أصل الخلقة، وهي لم تستعجل تنزيل دم حيضها عن وقته لأنه لا وقت له سابق أصلاً، فليس ما سبق من كلام وأحكام ينطبق عليها ساعتئذٍ، وينطبق عليها جميع أحكام الحيض من حيث أحكام الصلاة والصيام والعدَّة.

وأما ما وجدناه من كلام أهل العلم مما ينطبق عليها : فهو ما رأيناه عند المالكية.

ففي ” مواهب الجليل لشرح مختصر الخليل ” ( 1 / 537 ، 538 ):

وأما إذا تأخر عن وقته ولم يكن بالمرأة ريبة حمل فجعل له دواء ليأتي : فالظاهر أنه حيض؛ لأن تأخير الحيض إذا لم يكن حمل: إنما يكون لمرض، فإذا جعل دواء لرفع المرض: لم يخرجه عن كونه حيضاً، وقد يتلمح ذلك من قول المصنف ” استعجاله “، فتأمله، والله تعالى أعلم. انتهى.

 

 

 

فالخلاصة:

إذا كان لا يتعيَّن شرب ذلك الدواء وتناول ذلك العلاج عليكِ في شهر رمضان: فلا يحل لكِ فعل ذلك، وتلزمك أحكام الحيض في باب العبادات دون باب العدة.

وإن كان يتعيَّن عليك شرب ذلك الدواء وتناول ذلك العلاج في شهر رمضان: فافعلي ذلك من غير أدنى حرج.

 

والله أعلم.

يعمل في مجال بيع بضائع معيَّنة ويريد بيع غيرها لزبائن شركته لحسابه الشخصي

يعمل في مجال بيع بضائع معيَّنة ويريد بيع غيرها لزبائن شركته لحسابه الشخصي

السؤال:

أعمل عند رجل في بيع المستلزمات الطبية الخاصة بجراحات العيون، فهو يبيع مستلزمات العمليات فقط كالمشارط والخيوط وما أشبهه، فهل يجوز لي المتاجرة في العدسات اللاصقة لحسابي الشخصي خارج نطاق العمل مع هذا الرجل، علماً بأني سأستفيد من خبراتي التي استفدتها معه وسأبيع لنفس العملاء؟.

وللتوضيح: فمجال التجارة فيما يخص العيون فيه عدة مجالات منفصلة عن بعضها قد تقوم بالجمع بينها أو بين بعضها بعض الشركات وقد تتخصص في مجال معين من هذه المجالات، مثلًا: مجال العدسات اللاصقة، مجال النظارات، مجال مستلزمات العمليات، مجال الأدوية، مجال الأجهزة الطبية الخاصة بتجهيز أقسام العيون في المستشفيات والعيادات.

الرجاء من سعادتكم شرح الأمور بشيء من التفصيل، ولكم جزيل الشكر، وجزاكم الله خير الجزاء.

 

الجواب:

الحمد لله

لم يظهر لنا مانع من العمل الذي ذكرتَ على أن تلتزم بشروط الجواز، وهي:

  1. أن لا يكون منك عملٌ لمصلحتك الشخصية أثناء وقت دوامك؛ لأن الموظف أجير خاص، والأجير الخاص هو من قُدّر نفعه بالزمن فيلزمه تفريغ هذا الزمن للعمل فقط.

 

  1. أن لا تبيع شيئًا مما تبيعه شركتك – أي: المستلزمات الطبية الخاصة بجراحات العيون -؛ لأنك مؤتمن على بيع ذلك لحساب شركتك، ودُفع لك الراتب من أجل هذا، وبيع شيء من ذلك لمصلحتك لا يحل لك، وما عدا ذلك من البضائع المتعلقة بغير مجال مستلزمات جراحة العيون فلا حرج من بيعك لزبائن شركته وغيرهم، ولو كنتَ عرفتهم عن طريق شركتك.

 

والله أعلم.

 

هل يحل المال الذي تدفعه الشركة شهريًّا لموظفيها في أنظمة التقاعد؟

هل يحل المال الذي تدفعه الشركة شهريًّا لموظفيها في أنظمة التقاعد؟

السؤال:

أعيش وأعمل هنا في ” سيرلانكا “، وهي دولة غير مسلمة – كما هو معلوم -، ومعظمنا يعمل في القطاعات الخاصة والتي لا تضمن لموظفيها ما يسمَّى ” معاش التقاعد “، غير أن هذه القطاعات ملزمة من الحكومة باتباع إحدى طريقين لضمان توفير مبلغ من المال للموظف لما بعد التقاعد، هاتان الطريقتان هما: الأولى: ما يسمَّى ” صندوق الادخار “، وهذه طريقة تتولى الإشراف عليها الحكومة نفسها، حيث يقوم الموظف بتحويل ( 20 – 25 % ) من مرتبه إلى هذا الصندوق، يقوم هو بدفع ( 8 % ) والشركة التي يعمل لديها ( 12 % ) في حالة الـ ( 20 % )، أو ( 10 % ) والشركة التي يعمل لديها ( 15 % ) في حالة الـ ( 25 % ).

والطريقة الثانية: هي ما يسمَّى بـ ” صندوق القطاع الخاص ” والذي يشرف عليه البنك المركزي، وفي هذه الطريقة تقوم الشركة بتحويل مبلغ مالي شهري من راتب الموظف إلى الصندوق.

والفرق بين الطريقتين: أن الموظف في الحالة الأولى لا يستطيع الاستفادة من هذه المدخرات إلا عند بلوغ سن التقاعد وهو ( 55 سنة )، أما الطريقة الثانية: فإن الموظف يمكنه استرجاع جميع الأموال التي استقطعت من راتبه بمجرد انتهاء عقده مع الشركة التي يعمل لديها أو بمجرد خروجه منها.

وفي كلتا الحالتين تقوم الجهات المشرفة على هذه الأموال بالمتاجرة ودخول سوق الأسهم .. الخ، بما يعني أن أموالنا المدخرة لديهم لم تكن جامدة وبالتالي فإن فوائد هذه المبالغ تضاف سنويّاً إلى المبلغ الأصلي، وتستمر هذه العملية هكذا إلى أن يتقاعد الموظف ( في الحالة الأولى ) أو يخرج من الشركة ( في الحالة الثانية )، عند ذلك له الحق في أخذ الأموال المدخرة طوال السنين الماضية مضافاً إليها فوائد تلك السنوات.

السؤال هو: ما حكم أخذ هذه الفوائد؟.

بالطبع نحن كموظفين ليس لنا الخيار في هذا الاستقطاع الشهري، سواءً كان في الطريقة الأولى أو الثانية، فكل الموظفين ملزمون باتباع إحدى الطريقتين، لكن في حالتي – والحمد لله – فالشركة التي أعمل فيها تتبع الطريقة الثانية، بما يعني أني سآخذ مدخراتي بمجرد خروجي من الشركة، فما حكم أخذي للفوائد التي ستأتي مع المبلغ الأصلي؟ والتي تُقدر بنسبة ( 10 % ) للموظف و ( 15% ) للشركة، فإذا كان أخذ هذه الفوائد لا يجوز: فمعنى ذلك أن أموال هذا الموظف المسكين كانت راكدة لا قيمة لها طوال السنين التي كان يعمل فيها! فما رأيكم؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

مما لا شك فيه أن أنظمة التقاعد المذكورة في السؤال هي أنظمة محرَّمة لا يحل للموظف أن يشترك بها طوعًا واختيارًا؛ لأنها تقوم على المقامرة والاستثمار المحرَّم، وقد بينَّا حرمة هذه الأنظمة في إجابات كثيرة.

وقد بينَّا في بعض تلك الأجوبة أنه لا إثم على من أُجبر على الدخول في أنظمة التقاعد المحرَّمة، لكن ليس له مما يُدفع له إلا ما استقطع من راتبه طوال عمله، وأما ما جاءه من زيادة محرَّمة على ما أُخذ منه فهو مال خبيث عليه أن يتخلص منه في أي وجوه الخير شاء على أن لا يرجع نفع ذلك المال له، فلا يقضي به ديْنًا, ولا يبذله لأحد ممن يجب عليه نفقته.

 

ثانيًا:

وأما ما تدفعه الشركة لموظفها ليُستثمر المال كله في جهات يَحرم الاكتساب منها كالادخار في البنوك الربوية، والمضاربة بالأسهم الربوية والمحرمة، والاستثمار في أماكن اللهو والفساد: فله أحوال:

  1. أن تدفعه الشركة من طيب نفسٍ منها لموظفيها زيادة على رواتبهم، فهذا المال يجوز للموظفين أخذه دون ما زاد عليه من الفوائد الربوية والربح من مجالات محرَّمة.
  2. أن تدفعه الشركة عن غير طيب نفسٍ منها بل بقوة القانون، ويكون هذا المال من مالها الخاص، فهذا المال لا يجوز للموظفين أخذه لا عند التقاعد ولا عند انتهاء العمل في الشركة، بل عليهم إرجاعه للشركة نفسها، فتوزَّع الزيادة المحرَّمة في وجوه الخير وترد الأموال التي دفعتها الشركة مكرَهة إليها، إلا أن تطيب نفوسهم فيما بعد بأن يتملكها الموظف فتكون حلالًا له.
  3. أن تدفعه الشركة للموظف لكنه يكون في الأصل جزء من راتب الموظف نفسه! وهذا ما تفعله بعض الشركات والمصانع، فإنها تخصم هذه الزيادة – التي تُلزمها بها الحكومات – من رواتب موظفيها ثم تردها إليهم على أنها من أموالها، وهنا تحل هذه الزيادة التي تدفعها الشركة لأنها حق مسلوب للموظف من تلك الشركة.

 

 

ثالثًا:

وأما تعطيل المال وتجميده بما لا يعود نفعه على الموظف: فهذا ليس عذرًا حتى يلج باب المحرمات ويأخذ تلك الفوائد الربوية والزيادة الخبيثة من الكسب المحرَّم.

وليوصِ كل موظف اشترك في مثل هذه الأنظمة المحرَّمة أهلَه بأن يطيبوا كسبهم فلا يأخذوا لأنفسهم ما زاد عن الحق الذي لهم بعد موتهم.

 

– ونسأل الله أن ييسر لك الخير حيث كان، وأن يعينك على ذِكره وشُكره وحُسن عبادته.

 

والله أعلم.

 

 

 

 

 

 

هل يحضرون عرسًا يَدفع فيه أهلُ العروس مهرًا! لأهل العريس أم يقاطعونه؟

هل يحضرون عرسًا يَدفع فيه أهلُ العروس مهرًا! لأهل العريس أم يقاطعونه؟

السؤال:

هناك نظام عندنا في الهند تتبعه الكثير من الأسر، هذا النظام هو: أن أسرة العريس يطلبون مهرًا من أسرة العروس، قد يكون هذا المهر مبلغاً ماليّاً، أو قد يكون أمرًا عينيًّا إما أثاث أو ما شابه ذلك، نعم بالتأكيد فالعريس يدفع مهر العروس ولا مشكلة في هذا الأمر، ولكنهم يصرون على أخذ هذا المهر الذي ما أنزل الله به من سلطان، وقد قرأنا فتواكم حول هذا الموضوع وخلصنا إلى أن هذا الفعل يتنافى مع تعاليم الإسلام.

لكن سؤالي هو في جواز حضور عرس أو وليمة من يأخذ هذا المهر؛ لأن بعض الأسر تستفيد من هذا المبلغ في عمل الوليمة، فهل يجوز لنا حضور مثل هذه الوليمة إذا علمنا أنهم استخدموا هذا المبلغ في وليمتهم؟ وماذا لو كان صاحب العرس أحد الأقارب فلم نذهب للوليمة، ألا يُعد ذلك قطعا للرحم؟.

 

الجواب:

الحمد لله

إن العادة السيئة المنتشرة في ” الهند ” والتي تقضي بدفع أهل العروس مهر! – مالًا أو أثاثًا – لأهل العريس هي في الأصل عادة هندوسية، ونأسف أن يكون توارثها عنهم شريحة كبيرة من المجتمعات المسلمة، وقد صدرت فتاوى متعددة من علماء المسلمين هناك في تحريم هذا الفعل، كما صدر قانون رسمي يمنع منها، ولكن لا يستجيب كثيرون لهذين الأمرين.

فهذا الدفع لأهل العريس محرّم، وذكرنا في جوابِ آخر وجوب تضافر الجهود للحد من هذه الظاهرة السيئة ومنعها، ونرى أن من أعظم ما يمكن فعله للمساهمة في الحد من تلك الظاهرة هو: مقاطعة ذلك العرس الذي يَبذل فيه أهل العروس – ظلمًا – مهرًا – مالًا أو متاعًا – لأهل العريس، ونرى أن حضور مثل تلك الأعراس يتعارض وإنكارنا عليها، ورغبتنا في الحد منها، ولو كان أهل العريس من الأقرباء أو الأرحام أو الأصدقاء؛ فإنه لا ينبغي أن يكون لذلك تأثير في منع أنفسنا من حضور تلك الأعراس، وخاصة إذا علمنا أن المال قد استعمل في صناعة وليمة للعرس؛ فإن الطعام – حينئذٍ – يكون محرَّمًا؛ لأنه مال أُخذ بغير طيب نفسٍ فيكون سحتًا ومحرَّمًا.

عَنْ عَمْرِو بْنِ يَثْرِبِيٍّ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ ( أَلَا وَلَا لاَ يَحِلُّ مَالُ امْرئٍ مُسْلِمٍ إِلاَّ بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ ). رواه أحمد ( 34 / 560 )، وصححه الألباني في ” إرواء الغليل ” ( 1459 ).

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ ( لاَ يَحْلُبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ امْرِئٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تُؤْتَى مَشْرُبَتُهُ فَتُكْسَرَ خِزَانَتُهُ فَيُنْتَقَلَ طَعَامُهُ فَإِنَّمَا تَخْزُنُ لَهُمْ ضُرُوعُ مَوَاشِيهِمْ أَطْعِمَاتِهِمْ فَلاَ يَحْلُبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ). رواه البخاري ( 2303 ) ومسلم ( 1726 ).

* قال الصنعاني – رحمه الله -:

والأحاديث دالَّة على تحريم مال المسلم إلا بطيبة من نفسه وإن قلَّ، والإجماع واقع على ذلك . ” سبل السلام ” ( 3 / 61 ).

ولعلَّ في انتشار مقاطعة العلماء وطلبة العلم والعقلاء لمثل هذه الأعراس أن يساهم في الحد من ظاهرة أخذ أموال الناس بغير حق، والأرحام والأقرباء أولى الناس بالإنكار لأن دعوتهم للحق أوجب عليكم من غيرهم، وحضوركم لأعراس تعرفون ما فيها منكر يُضعف إنكاركم بل يقضي عليه، فاستعينوا بالله تعالى، وليقوِّ بعضكم بعضاً في الإنكار والمقاطعة لتلك الأعراس، وعسى الله أن يجعل في ذلك خيرًا كثيرًا.

 

والله أعلم.