الرئيسية بلوق الصفحة 173

الفتاوى الشاذة والباطلة، أسباب الإفتاء بها، وحكم العمل بما فيها

السؤال:

سؤالي هو: أننا – النساء – نواجه في هذه الفترة شبهات كثيرة حول اللباس، فمن النساء من تلبس القصير وتلبس تحته بنطالًا – مثلًا -، وأخرى تلبس البنطال، وأخرى تلبس العاري، وإذا أردنا الإنكار على هذه أو تلك: ردت علينا بأن الشيخ الفلاني قد أباح والشيخ الفلاني قد أجاز والآخر رخص في هذا اللبس، وهكذا تتوالى علينا الشبهات في اللباس، فما العمل مع هؤلاء الناس؟ وهل ننكر عليهن أم لا

 

الجواب:

الحمد لله

  1. لا بدَّ من التفريق بين ما يختلف فيه العلماء مما تحتمله نصوص الشرع وتسعه قواعدها وأصولها، وبين ما يُخترع من أقوال وأحكام لم يقل بها أحد من سلف الأمة، ولم يدل عليها نص من كتاب أو سنَّة، فالأول يمكن للمقلِّد الجاهل أن يتبع فيه فتوى من يثق بعلمه ودينه كائنًا ما كان القول، وأما الثاني : فالقول به من ” الشيخ “! أصلًا محرَّم لا يحل له، واتباعه في قوله من جاهل يغتر به ليس عليه إثم، وأما من يعرف حال المسألة ويعرف حال القائل به وأنه لا يحل له القول بها: فإن الأخذ بها اتباع للهوى، فيأثم هو وشيخه!.
  2. ومتبع هواه على خلاف نصوص الوحي لا شك في ضلاله، قال تعالى ( فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ) القصص/ 50.

ومتبع هواه لا ينفعه سماع الأدلة من الشرع، ولا أقوال العلماء المستندة إلى الكتاب والسنَّة؛ لأنه – وللأسف – يقوده هواه، وقد جعل هواه له إلهاً يأمره وينهاه، فلا ينقص هؤلاء علم بالأدلة، ولذا فإن الله تعالى يعاقبهم بمثل ذنبهم، فيختم على سمعه وقلبه، ويجعل على بصره غشاوة، قال تعالى ( أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ ) الجاثـية/ 23.

وقد توعَّد الله تعالى متبعي الهوى بأشد العذاب، قال تعالى وقد قال تعالى: (وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ ) ص/ 26.

  1. ولا ينبغي تسمية تلك المسائل بـ ” الرُّخص “! بل هي ” شذوذات وأباطيل “؛ فإن الرخصة مستندها النص المحكم ليس هوى النفس، وما جاء ذِكره في السؤال ليس من ذلك في شيء؛ فإن خلاف العلماء المعتبر هو في وجوب تغطية الوجه وعدمه، ليس في كشف الشعر، ولا لبس القصير، ولا الضيِّق الذي يفصِّل العورة، ولا القصير الذي يظهر مفاتن البدن، بل هذه أفعال أهل الفجور والانحراف ومن المعيب على مشتغل بالعلم أن ينسب ذلك للشرع بأنه يجيزه ولا يمنعه.
  2. ولا ينتفع العامي المقلِّد إن كان متبعاً لشهوته وهواه، فالتي تعلم أن ذلك الشيخ قد أفتى بالباطل والمخالف من الأقوال فاتبعته عليه: فلن تسلم من الإثم، وتكون محكِّمةً لهواها، محتالةً على الشرع.

* قال الشاطبي – رحمه الله -:

وأما إن كان عاميًّا: فهو قد استند في فتواه إلى شهوته وهواه، واتباع الهوى عين مخالفة الشرع ….

ولا ينجيه من هذا أن يقول: ما فعلتُ إلا بقول عالم؛ لأنه حيلة من جملة الحيَل التي تنصبها النفس وقاية عن القال والقيل، وشبكة لنيل الأغراض الدنيوية، وتسليط المفتي العامي على تحكيم الهوى بعد أن طلب منه إخراجه عن هواه: رمي في عماية، وجهل بالشريعة، وغش في النصيحة، وهذا المعنى جارٍ في الحاكم وغيره، والتوفيق بيد الله تعالى. ” الموافقات ” ( 5 / 96 ، 97 ).

فإذا أردتم الحديث مع أولئك المتبرجات أو المخالفات للشرع: فترفقوا معهن، وأعلموهن بواقع أمرهن وأنه اتباع للهوى وليس للدليل، وأنه لا يعفيهن من الإثم أن قال بذلك القول فلان وفلان؛ لأنهن – غالبًا – يعلمن من أنفسهن أن ما اخترنه من الأقوال إنما لأنه وافق هواهن، وأما من كانت لا تعلم الحق في المسألة فيبيَّن لها الأدلة على المسألة ويُذكر لها اختيار العلماء الثقات الكبار فيها، وتؤمر باجتناب مفتي التمييع باسم ” التيسير “!.

  1. وأما النصيحة لأولئك الذين يفتون بالشاذ والباطل من الأقوال: فنقدمها له من الإمام ابن القيم رحمه الله، حيث يقول له:

ولما كان التبليغ عن الله سبحانه يعتمد العلم بما يبلغ والصدق فيه: لم تصلح مرتبة التبليغ بالرواية والفتيا إلا لمن اتصف بالعلم والصدق، فيكون عالمًا بما بلَّغ، صادقًا فيه، ويكون مع ذلك حَسَن الطريقة، مرضي السيرة، عدْلًا في أقواله وأفعاله، متشابه السر والعلانية في مدخله ومخرجه وأحواله، وإذا كان منصب التوقيع عن الملوك بالمحل الذي لا يُنكر فضله ولا يجهل قدره وهو من أعلى المراتب السنيَّات: فكيف بمنصب التوقيع عن رب الأرض والسموات، فحقيق بمن أُقيم في هذا المنصب أن يعدَّ له عدته، وأن يتأهب له أُهبته، وأن يعلم قدْر المُقام الذي أقيم فيه، ولا يكون في صدره حرج من قول الحق والصدع به، فإن الله ناصره وهاديه، وكيف وهو المنصب الذي تولاه بنفسه رب الأرباب فقال تعالى ( وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ ) النساء/ 127، وكفى بما تولاه الله تعالى بنفسه شرفًا وجلالةً إذ يقول في كتابه ( يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ ) النساء/ 176، وليَعلم المفتي عمَّن ينوب في فتواه، وليوقن أنه مسئول غداً وموقوف بين يدي الله.  ” إعلام الموقعين ” ( 1 / 10 ، 11 ).

 

والله أعلم.

 

التعليق على طريقة خرافية في طرد النمل من المنزل بمخاطبتها!

السؤال:

قرأت في أحد المنتديات أن طريقة عجيبة تستخدم لطرد النمل، فعندما يقتحم النمل منزلك من الممكن مخاطبته! قال الله الحكيم في محكم كتابه الكريم: ( وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ. حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ. فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ … ) النمل/ 17 – 19. لقد أشار القرآن الكريم إلى حقيقة علمية كبيرة وهي ذكاء النمل وقدرته على المحاكمة العقلية والفكرية ومواجهة الأخطار وذلك من خلال هذه القصة التي حدثت مع نبي الله سليمان على نبينا وآله وعليه أفضل الصلاة والسلام، فقد استطاعت نملة صغيرة من تحديد مكان سليمان والطريق الذي سوف يمر به وهذا لم يكن ليتم لولا هذه القدرات الخارقة التي يتمتع بها النمل.

ولقد كشف العلم الحديث عن بعض العجائب من سلوك النمل الذكي وتطور جهازها العصبي، فعند دراسته تحت المجهر يظهر لنا أن دماغ النملة يتكون من فصَّين رئيسيين يشبه مخ الإنسان، ومن مراكز عصبية متطورة وخلايا حساسة.

قصة مجربة:

أجد أني شخصيًّا أتروى كثيرًا عندما أرى قبيلة من النمل تقتحم المطبخ أو صالة المعيشة أو غرف النوم في منزلي، ولا أميل أبداً أن أهلكها وأبيدها بكل بساطة وسهولة باستخدام المبيدات الحشرية معها، ولكني أقف عاجزة ماذا أفعل؟.

– هل أستخدم المبيدات الحشرية؟.

– أو أتركها تفعل ما تشاء وتنتشر في أرجاء المنزل؟.

إلى أن اهتديت بحمد الله وتوفيقه إلى وسيلة: ألا وهي مخاطبة النمل!.

أتعجبون؟.

نعم، لقد تعجبت في بداية الأمر.

ذكر لنا أحد أقربائنا أنه اطلع على عبارات تخاطب فيها النمل ليخرج من منزلك، وذكر لنا أن نكرر هذه العبارة ( 3 مرات ) مع النفخ بصورة خفيفة على مكان خط سير النمل، وهي:

” يا نملة يا بنت النمال، أخرجي من بيتي في الحال، وإلا أرسلت عليك جنود سليمان”.

طبعًا لم أستوعب في بداية الأمر أن يكون لهذه الكلمات تأثير ما، ولكن أعطيت نفسي – التي تتألم لاضطرارها في بعض المرات لقتل مملكة نمل كاملة – فرصة للتجربة فهي خير برهان، جربت مخاطبتها وكلما أمر على المكان أعيد الكلمات عليها، فرأيت أن النمل يتضاءل قليلًا قليلًا، وفي اليوم الثاني يختفي لا أثر لوجوده نهائيًّا ( وللأمانة قد أجد 3 أو 4 نملات فأعيد عليهم الخطاب ).

لم أنقل هذه التجربة إلا بعد قيامي بها عشرات المرات والحمد لله تعالى لم أستعمل منذ ( 3 سنوات ) أي مبيد حشري مع النمل.

والله جل وعلا على ما أقول شهيد. فما توجيهكم لي؟.

 

الجواب:

الحمد لله

هذه القصة المنتشرة في مواقع الإنترنت والذي جاء ذِكرها في السؤال مما يُزعم أنها طريقة مجربة لإخراج النمل من البيوت: بادية عليها آثار الخرافة! ولنا عليها تعليقات:

أولًا: الحديث مع الحيوانات وفهم كلامها ليس لآحاد الناس، بل هو آية من آيات الله تعالى وهبها الله تعالى لأنبيائه داود وسليمان ومحمد عليهم الصلاة والسلام.

قال تعالى ( وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ ) النمل/ 16.

* قال ابن كثير – رحمه الله -:

وقوله ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ )، أي: أخبر سليمان بنعَم الله عليه فيما وهبه له من الملك التام، والتمكين العظيم، حتى إنه سَخَّر له الإنس والجن والطير، وكان يعرف لغة الطير والحيوان أيضاً، وهذا شيء لم يُعطَه أحد من البشر – فيما علمناه – مما أخبر الله به ورسوله ….

ولكن الله سبحانه وتعالى كان قد أفهم سليمان عليه السلام ما يتخاطب به الطيور في الهواء، وما تنطق به الحيوانات على اختلاف أصنافها، ولهذا قال: (عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ) أي: مما يحتاج إليه الملك.

( إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ ) أي: الظاهر البيِّن لله علينا.

” تفسير ابن كثير ” ( 6 / 182 ).

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: أَرْدَفَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَلْفَهُ ذَاتَ يَوْمٍ فَأَسَرَّ إِلَيَّ حَدِيثًا لَا أُحَدِّثُ بِهِ أَحَدًا مِنْ النَّاسِ وَكَانَ أَحَبُّ مَا اسْتَتَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحَاجَتِهِ هَدَفًا أَوْ حَائِشَ نَخْلٍ قَالَ: فَدَخَلَ حَائِطًا لِرَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ فَإِذَا جَمَلٌ فَلَمَّا رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَنَّ وَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَسَحَ ذِفْرَاهُ فَسَكَتَ فَقَالَ: ( مَنْ رَبُّ هَذَا الْجَمَلِ؟ لِمَنْ هَذَا الْجَمَلُ؟ ) فَجَاءَ فَتًى مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ: ( أَفَلَا تَتَّقِي اللَّهَ فِي هَذِهِ الْبَهِيمَةِ الَّتِي مَلَّكَكَ اللَّهُ إِيَّاهَا؛ فَإِنَّهُ شَكَا إِلَيَّ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وَتُدْئِبُهُ ).

رواه أبو داود ( 2594 ) وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

* قال الخطَّابي – رحمه الله -:

الهدف: كل ما كان له شخص مرتفع من بناء وغيره.

والحائش: جماعة النخل الصغار لا واحد له من لفظه.

والذفري من البعير: مؤخر رأسه، وهو الموضع الذي يعرق من قفاه.

وقوله تدئبه: يريد: تكده وتتعبه.

” معالم السنن ” ( 2 / 248 ).

ثانيًا: قولهم في مخاطبة النمل ” يا نملة يا بنت النمال، أخرجي من بيتي في الحال، وإلا أرسلت عليك جنود سليمان “: فيه كذب واضح! فمن أين للقائل جنود سليمان ليرسلها على النمل؟! وإن من جنود سليمان الجن والطير كما قال تعالى ( وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ) النمل/ 17، وهذا من الملك الذي لا ينبغي لأحد بعد سليمان عليه السلام، كما قال تعالى ( قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ ) ص/ 35، فمن أين لهذا القائل هذا الملك وهذه الجنود التي اختص الله تعالى بها سليمان عليه السلام؟!.

ثالثًا: ولا يصح قياس هذا الفعل على التحريج على الحيات؛ فإن ذلك كان في وقت خاص وفي بقعة خاصة، حيث أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه من الممكن أن تكون تلك الحيات من الجن الذي أسلموا في ذلك الوقت.

عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِي قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ( إِنَّ بِالْمَدِينَةِ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ قَدْ أَسْلَمُوا فَمَنْ رَأَى شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْعَوَامِرِ فَلْيُؤْذِنْهُ ثَلاَثًا فَإِنْ بَدَا لَهُ بَعْدُ فَلْيَقْتُلْهُ فَإِنَّهُ شَيْطَانٌ ). رواه مسلم ( 2236 ).

وبما ذكرناه يتبين للجميع أنه لا يجوز للمسلم العاقل أن يصنع مثل ما جاء في السؤال، والنمل في البيوت يُدفع بما تيسر من الطرق دون قتله؛ لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فإن لم يندفع إلا بالقتل جاز قتله بالمبيدات وغيرها، دون الحرق.

 

والله أعلم.

حكم صناعة تمثال لذات روح من الثلج

أعلمُ أن الإسلام يحرم التصوير والتشكيل لكل ذي روح ، ولكني أريد أن أعرف حكم تشكيل رجل الثلج ، فإن هناك الكثير من الآباء الذي يمرحون مع أبنائهم فيقومون بعمل هذا التمثال ، فالذي أعلمه أنه ليس هناك مخلوق يشبه رجل الثلج ، فهل يعني هذا أنه يجوز تشكيله ( بعمل عينين وأنف وفم ) ؟ .

 

الجواب

الحمد لله.

أولاً:

صور ذوات الأرواح المرسومة باليد ، أو المنحوتة على خشب أو نحاس ، أو مشكَّلة بجص : لا يُشك في حرمتها ، وهي داخلة في نصوص الوعيد للمصورين .

ثانياً:

وما سبق ذِكره من صناعة التماثيل بما يدوم استمراره وتطول إقامته هو محل اتفاق بين العلماء ، وأما صناعة التماثيل بما لا يدوم استمراره ولا تطول إقامته ، كمثل المصنوع من عجين ، أو قشر بطيخ ، أو حلاوة : فلم نجد لهذه المسألة ذِكراً في كتب الفقه إلا عند المالكية والشافعية ، ووجدنا فيها خلافاً يسيراً عند المالكية ، والأكثر على حرمتها ، وأما الشافعية فقد حرَّموا صناعتها وجوَّز بعضهم بيعها ! وردَّ الرملي – من كبار فقهائهم – على من قال بالجواز .

ومثله يقال في التمثال المصنوع من الثلج الوارد ذِكره في السؤال .

قال عليش المالكي – رحمه الله – :

ويحرم تصوير ما استوفى الشروط المتقدمة إن كان يدوم ، كخشب وطين وسكر وعجين إجماعاً ، وكذا إن كان لا يدوم كقشر بطيخ ، خلافاً لأصبغ .

” مِنَح الجليل شرح مختصر خليل ” ( 3 / 529 ) .

وقال أبو العباس أحمد الصاوي – رحمه الله – :

وفيما لا يطول استمراره خلاف ، والصحيح : حرمته .

” حاشية الصاوي على الشرح الصغير ” ( 2 / 501 ) .

وقال أحمد النفراوي – رحمه الله – :

وأما لو جُعل التمثال صورة مستقلة لها ظل ، كما لو صنع صورة سبُع أو كلب أو آدمي ، ووضعها على الحائط أو على الأرض : فإن ذلك حرام , حيث كانت الصورة كاملة ، سواء صنعت مما تطول إقامته كحجر أو خشب ، أو مما لا تطول إقامته , كما صنع صورة السبُع أو الفرس من عجين أو حلاوة مما لا تطول إقامته .

” الفواكه الدواني ” ( 2 / 315 ) .

وفي ” حاشية قليوبي ” ( 3 / 298 ) – من كتب الشافعية – :

قوله : ( ويحرم تصوير حيوان ) ولو على هيئة لا يعيش معها ما لا نظير له – كما مرَّ – أو من طين ، أو من حلاوة , ويصح بيعها ، ولا يحرم التفرج عليها ، ولا استدامتها ، قاله شيخنا الرملي ، وخالفه شيخنا الزيادي في الأخيرين فحرمهما .

انتهى

والذي يظهر رجحانه أنه لا فرق في تحريم صناعة التماثيل بين ما يطول بقاؤه ، وما لا يطول ، وقد روي عن المشركين في الجاهلية أنهم كانوا يصنعون تماثيل يعبدونها من دون الله من التمر ! ثم إذا جاع أكلها ! مما يؤكد أنه لا فرق في التسمية والحكم بين ما صنع من تماثيل من مواد يطول بقاؤها ، ومواد لا يطول بقاؤها .

وبمثل الراجح عند المالكية والشافعية قال علماؤنا المعاصرون :

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – :

إن الصور التي تحرُم هي الصورة التي مثل التمثال ، يعني : يصنع إنسان من العجين ، أو من الجبس ، أو من الجص ، أو غيرها من المواد ، يصنع شيئاً على صورة إنسان ، أو حيوان : فهذا حرام .

وأما الأشجار وشبهها : فإنه لا بأس به على القول الراجح الذي عليه جمهور العلماء .

” شرح رياض الصالحين ” ( 6 / 207 ) .

وقال الشيخ صالح آل الشيخ – حفظه الله – :

وقد تقرر في اللغة أنَّ الصنم صورة منحوتة ، يعني : ما نُحِت على شكل صورة ، وإذا كان كذلك : فإن الصنم إما أن يكون حجَراً ، وإما أن يكون خشباً ، وإما أن يكون عجيناً ، وإما أن يكون تمراً إلى آخر ذلك .

” شرح كشف الشبهات ” ( شريط رقم 8 ) .

ثالثاً:

وأما قول الأخ السائل ” فالذي أعلمه أنه ليس هناك مخلوق يشبه رجل الثلج ” : فإن هذا وإن كان صحيحاً في نفسه ، لكنه لا يغيِّر من الحكم الشرعي ؛ فليس ثمة رجل من نحاس ، ولا من خشب ، ولا من جبس ، ولا من تمر ، والمقصود أنهم يصنعون من هذه المواد صورة لذات روح ، فيضعون له الأنف والعينين والرأس ، وهذا هو سبب التحريم ، ولو أنهم صنعوا من تلك المواد ما لا روح فيه لما توجه لهم إنكار ، أو يمكنهم صناعة ما فيه روح مع عدم صناعة رأس له ، ومع ذلك الوضوح في الحكم فقد نصَّ العلماء على تحريم صناعة التماثيل للصور الخيالية للإنسان والحيوان ! إلا إن كان ذلك لعبة للأطفال .

ففي ” الموسوعة الفقهية ” ( 12 / 111 ) :

ينص الشافعية على أن الصور الخيالية للإنسان أو الحيوان داخلة في التحريم . قالوا : يحرم ، كإنسان له جناح ، أو بقر له منقار ، مما ليس له نظير في المخلوقات ، وكلام صاحب ” روض الطالب ” يوحي بوجود قول بالجواز .

وواضح أن هذا في غير اللعب التي للأطفال ، وقد ورد في حديث عائشة رضي الله عنها : أنه كان في لعبها فرس له جناحان ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم ضحك لما رآها حتى بدت نواجذه .

انتهى

بل لو قيل إنه أشد تحريماً مما له نظير، كما ذهب إلى ذلك بعض أهل العلم ، لما كان بعيداً.

قال الماوردي الشافعي – رحمه الله – :

ولا فرق في تحريم صور ذوات الأرواح من صور الآدميين والبهائم ، ولا فرق بين ما كان مستحسناً منها أو مستقبحاً ، أو ما كان منها عظيماً أو مستصغراً ، إذا كانت صور حيوان مشاهد .

أما صورة حيوان لم يُشاهد مثله حكم الصور ، مثل صورة طائر له وجه إنسان ، أو صورة إنسان له جناح طير : ففي تحريمه وجهان : أحدهما : يحرم ، بل يكون أشد تحريماً ؛ لأنه قد أبدع في خلق الله تعالى ، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( يؤمر بالنفخ فيه وليس بنافخ فيه أبداً ) .

والوجه الثاني – وهو قول أبي حامد المروزي – : لا تحرم ؛ لأنه يكون بالتزاويق الكاذبة أشبه منه بالصور الحيوانية .

فعلى الوجه الأول : يحرم عليه أن يصوِّر وجه إنسان بلا بدن ، وعلى الوجه الثاني : لا يحرم.

” الحاوي الكبير ” ( 9 / 565 ) .

والخلاصة :

أنه لا يجوز صناعة تمثال من الثلج ولو على سبيل المرح واللعب ، وقد جعل الله للناس سعة في صناعة ما يشاؤون ، مما لا روح فيه ، كالأشجار والسفن والثمار والبنايات ونحوها .

والله أعلم

هل يجوز صنع تمثال من الثلج ؟

1

هل يجوز تمثال الثلج؟

 

الحمد لله.

لجواب :

إن كان تمثال الثلج لا يتضمن معالم واضحة للوجه من عين وأنف وفم ، وإنما هو مجرد مجسَّم لا معالم فيه ، كتمثال الفزاعة الذي ينصبه المزارعون لطرد الطيور ، وكذلك ما يُجعل في بعض الطرقات للتنبيه على أعمال الطرق.. فهذا كله لا بأس به.
وكذلك لا حرج فيما يصنعه الأطفال للَّعب به ؛ لأنه من قبيل الممتهن ، ومعلوم حاجة الأطفال النفسية للعب وإدخال السرور على نفوسهم ، والابتهاج خصوصا في الأماكن التي لا ينزل فيها الثلج إلا نادرا .
وأما إذا كان تمثال الثلج مشتملاً على تفاصيل الوجه ، فقد ذهب جمهور أهل العلم إلى تحريمه لعموم النهي الوارد عن صناعة التماثيل كما سبق تفصيله في السؤال رقم (146628) ، وكذلك القول في ما صُنع من العجين والحلوى ونحو ذلك.
مع كونها بلا شك أهون من التماثيل التي من طبيعتها البقاء والديمومة ؛ وأخفّ من جهة تعرضها للامتهان الذي ينالها ، ومعلوم أن الممنوع درجات ، وعموم الأدلة الشرعية جاءت بالنهي عن التماثيل.
والمعتبر في التمثال : الرأس ، فإذا قُطع الرأس أو طُمست معالمه زالت الحرمة ، كما روى البيهقي (14580) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ : (الصُّورَةُ الرَّأْسُ ، فَإِذَا قُطِعَ الرَّأْسُ فَلَيْسَ بِصُورَةٍ ) .
وقال ابن قدامة رحمه الله : ” إذَا كَانَ فِي ابْتِدَاءِ التَّصْوِيرِ صُورَةُ بَدَنٍ بِلَا رَأْسٍ ، لَمْ يَدْخُلْ فِي النَّهْي ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِصُورَةِ حَيَوَانٍ ” انتهى من ” المغني” (7/282) .
وفي “سنن أبي داود” (4158) عن أبي هُريرة، قال: قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلم : أتاني جبريلُ عليه السلام، فقال لي: أتيتُكَ البارحَةَ فلم يمنعْني أن أكونَ دخلتُ إلا أنَّه كانَ على الباب تماثيلُ..، فَمُرْ برأسِ التِّمثَالِ الذي على بابِ البيت يقْطَعُ فيصيرُ كهيئةِ الشجرة.. ففعل رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلم .
قال المباركفوري في “تحفة الأحوذي” (8/73): ” فيه دليل على أن الصورة إذا غُيرت هيئتها بأن قُطعت رأسها أو حُلت أوصالها حتى لم يبق منها إلا الأثر على شبه الصور فلا بأس به “. انتهى
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : ” إذا لم تكن الصورة واضحة ، أي : ليس فيها عين ، ولا أنف ، ولا فم ، ولا أصابع : فهذه ليست صورة كاملة ، ولا مضاهية لخلق الله عز وجل ” .
وقال: “أما مسألة القطن والذي ما تتبين له صورة رغم ما هنالك من أعضاء ورأس ورقبة ولكن ليس فيه عيون وأنف فما فيه بأس ؛ لأن هذا لا يضاهي خلق الله” انتهى من مجموع فتاوى الشيخ (2/278).
والله أعلم .

تعليقًا على مقطع الفيديو المنتشر (فيه تلاوة طلاب وطالبات لآية التعدد في أول سورة النساء)

تعليقًا على مقطع الفيديو المنتشر (*فيه تلاوة طلاب وطالبات لآية التعدد في أول سورة النساء*)

*لا تجوز هذه الطريقة في قراءة القرآن*؛ للأسباب الآتية:

١. لما فيها من استعمال آيات الله تعالى في المكايدة والمقاهرة، وكأنهما فريقان خصمان متضادان يستدل كل واحد منهما بجزء من الآية على ما يريد.

٢. نزع التعبد بالتلاوة للآيات وعدم تعظيم الرب تعالى حين القراءة.

٣. آية إباحة التعدد واحدة متصل بعضها ببعض تلاوة ومعنى، وفعلهم جعلها مقطعة ذات معان مختلفة متضادة.

٤. واضح من ردود الإناث إنكارهم لإباحة التعدد! بدليل ذكرهم لقوله تعالى (*ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم*) وهذه الآية ليست بعد تلك الآية تلاوة.

*ومما يجب التنبيه عليه* في معنى الآية:
أنه ليس معناها منع التعدد، بل معناها لا يمكن العدل في “*الحب القلبي*” لأنه لا يُملك، وهذا مثل العدل بين الأولاد لا يجب عدل القلب في الحب، وإنما يجب عدل الظاهر في العطية.
وكذلك العدل بين الزوجات:
إذ لا يجب في عدل القلب في الحب، *ويجب عدل الظاهر في النفقة والكسوة والمبيت*.

٥. واضح تأثير “*النسوية*” في هذا المقطع من خلال ردود الإناث وتفاعلهن في موضوع التعدد.

لذا :
فعلى من صنع هذا المقطع ودرب عليه المشاركين التوبة والاستغفار، وعلى من يصل له هذا المقطع أن ينكره بقلبه ولسانه ويده، فيحذفه ويرسل لمرسله هذه الفتوى.
والله أعلم

*إجابة إحسان العتيبي *
٠٨ جمادى الآخر ١٤٤٣ هـ

هل يأثم السمسار إذا كانت المعاملة يتم فيها دفع رشوة؟

السؤال:

أنا وسيط عقاري، وهناك ما يسمى بـ ” صكوك التطبيق والتعويض “، الطرف الأول: صاحب الصك، والطرف الثاني: صاحب الأرض، تكون الأرض بدون صك لمشكلة ما، ويكون هناك عقد بين الطرفين على أن يتحمل صاحب الأرض مسؤوليتها القانونية في حالة المساءلة، ويضمن صاحب الصك خلوه من الشوائب ونفوذه، ويتحمل صاحب الصك كامل التكاليف: ما بين البلدية، لاستخراج الكروكي، وما بين كتابة عدل.

وأنا كوسيط عقاري لا أتدخل في شيء، وإنما مجرد الربط بين الطرفين.

السؤال:

إذا كانت هناك رشوة تدفع من أحد الطرفين لإتمام الموضوع، سواء كان في البلدية، أو كتابة عدل، وهذا شيء متوقع، فهل عليَّ ذنب؟ وهل أنا طرف في الإثم؟.

 

 

الجواب:

الحمد لله

الرشوة من كبائر الذنوب؛ لما رواه الترمذي ( 1337 ) وقال: حسن صحيح، وأبو داود ( 3580 ) , وابن ماجه ( 2313 ) عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو – رضي الله عنهما – قَالَ: ” لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّاشِي وَالْمُرْتَشِي “، والحديث صححه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

والراشي: هو الذي يدفع المال ليتوصل به لأخذ ما ليس له به حق، أو ليوصل الضر والأذى لغيره ممن لا يستحقه، والمرتشي هو من يأخذ ذلك المال لفعل تلك الأعمال.

وفي بعض الأحيان لا يتوصل المسلم لأخذ حقه إلا بأن يبذل مالا لمن يجلب له ذلك الحق، أو لا يستطيع التخلص من الظلم إلا بأن يدفع مالًا لمن يخلصه منه، ففي هذين الحالين لا يكون من دفع مالا ” راشيًا “، ويكون الحرام على من سلبه ماله، وهو ” المرتشي “.

قال الشيخ محمد الصالح بن عثيمين – رحمه الله -:

يجب أن تعلم أن الرشوة المحرَّمة هي التي يتوصل بها الإنسان إلى باطل، كأن يرشي القاضي – مثلا – ليحكم له بالباطل، أو يرشي الموظف ليسامحه على أمرٍ لا تسمح به الدولة، أو ما أشبه ذلك، هذا هو المحرَّم.

أما الرشوة التي يتوصل بها الإنسان إلى حقِّه، كأن لا يمكنه الحصول على حقِّه إلا بشيءٍ من المال: فإنّ هذا حرام على الآخذ، وليس حرامًا على المُعطي؛ لأن المعطي إنما أعطى من أجل الوصول إلى حقِّه، لكن الآخذ الذي أخذ تلك الرشوة هو الآثم لأنه أخذ ما لا يستحق. ” فتاوى إسلاميَّة ” ( 4 / 302 ).

ومن كان له أرض يملكها شرعًا، ولا يستطيع إثبات ذلك في الأوراق الرسمية إلا بأن يبذل مالا لكاتب عدل! أو موظف في دائرة الأراضي: فإن الإثم يكون على الآخذ لا على الباذل؛ لأن الباذل يريد تحصيل حقه، ودفع الظلم عن نفسه، وقد تعذر ذلك عليه إلا ببذل مالٍ لأولئك المرتشين، والذين يملكون دفع الظلم عنه، وتحصيل الحق له دون أخذ مال، لكن تأبى نفوسهم الدنيَّة إلا بسلب أصحاب الحقوق أموالهم، فعليهم إثم ذلك الأخذ، وهو سحت يأكلونه، وينبتون أجسادهم به، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: ” كُلُّ جَسَدٍ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ “. رواه الطبراني، وصححه الألباني في ” صحيح الجامع ” ( 4519 ).

قال المناوي – بعد أن ذكر الحديث -:

هذا وعيد شديد يفيد أن أكل أموال الناس بالباطل: من الكبائر.

” فيض القدير ” ( 5 / 23 ).

واعلم أنه يجوز للوسيط بين البائع والمشتري للأرض أن يستوفي مالا من الطرفين أو من أحدهما مقابل عمله في ” السمسرة “، وما يحدث من دفعٍ للمال للمرتشي لتحصيل الحق: لا دخل فيه للوسيط، فهو أخذ عمولة مقابل عملٍ يستحقه.

والحال التي لا يجوز له أن يستوفي مالًا هي:

أ. إن كانت الأرض ليست ملكاً لواضع يده عليها، والذي يريد تسجيلها باسمه، فقد يكون هذا الرجل مغتصباً للأرض من غيره، أو محتالاً فيها على صاحبها، فهنا لا يجوز للوسيط أن يساهم معه في بيعها، أو في تسجيلها باسمه.

ب. إن كان وسيطًا بين الباذل للمال لتحصيل حقه، وبين ذلك المرتشي الآخذ للمال، وما يأخذه الوسيط في هذه الحال: سحت، لا يحل له، وعليه أن يرجعه لصاحبه، وعمله هنا واجب عليه؛ ليدفع الظلم عن صاحب الحق، ولا يحل له استيفاء مال مقابل فعله لما أوجبه الله عليه من النصرة لأخيه لجلب حقه, أو دفع الظلم عنه.

 

والله أعلم.

طلب أجرة السمسرة ثلث الربح من العقار دائمًا، فهل هذا من حقه؟

السؤال:

  1. اتفقتُ مع صديق لي بأن يدلني على أي طريق استثماري حسب ما يتناسب مع وضعي المالي على أن يكون ثلث الأرباح له، كوني لا يوجد لدي أية خبرة في مجال الاستثمار في ذلك الوقت، وكان الاتفاق شفهيًّا في جلسة خاصة.
  2. بحث صديقي ووجد لي عقارًا يكون بالتقسيط الشهري لمدة ( 6 سنوات ) بمعدل (2500 ريال ) شهريًّا.
  3. طلبتْ مني قريبة لي أن أبحث لها عن عقار وأعطتني توكيلًا بذلك وحرية التصرف بالمبلغ المقدم لي فعرضتُ الأمر على صديقي ووجد لها عقارًا حسب المبلغ المتوفر عندها إلا أن هذا الصديق طلب مني أن يأخذ الفرق له شخصيًّا من المبلغ إذا تمكن من إقناع البائع بتخفيض المبلغ عن السيولة المقدمة لي من قريبتي، وبالفعل أقنع البائع بتخفيض أقل بحدود ( 13 ألف ريالًا )، أخذ هذا الصديق المبلغ كاملًا له حسب اتفاقنا إضافة للسعي.

ذكَّرني بالاتفاق بعد سنتين وأخبرته بأني أعترض عن الاتفاق للأسباب التالية:

أ. أني وافقت على أخذه للفرق من المبلغ المقدم من قريبتي وكان بإمكاني أن أتقاسم المبلغ معه.

ب. لأني رأيت أن الاتفاق السابق بيننا فيه جشاعة وطمع واستغلال وغرر عليَّ لعدم فهمي لعالَم العقار حيث أقوم أنا بسداد أقساط شهرية لمدة ( 6 سنوات ) بمعدل ( 30  ألف ) سنويًّا وهو يأخذ الأرباح باردة مبردة لشرط غير منطقي.

طبعا صديقي غضب، وأنا الآن بين نارين، نار الاتفاق القديم ونار استغلاله لي وجهلي في ذلك الوقت واعتبار المبلغ المالي الذي وافقت على تقديمه له ليس له علاقه بالشرط.  فما رأيكم؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

السمسار هو الوسيط بين البائع والمشتري لتسهيل صفقة بيع وشراء.

وقد اختلف العلماء في تكييف عمل ” السمسرة “، فذهب الحنفية إلى أنَّ السمسرة من قبيل الإجارة، وذهب المالكية إلى أنها من باب الجعالة أو الوكالة، وأما الشافعية فقالوا: إن كان العمل مضبوطاً فهو إجارة، وإن كان غير مضبوط فهو جعالة، ويرى الحنابلة أنَّ السمسرة تدور بين الجعالة والإجارة.

والسمسرة أقرب ما تكون إلى ” الجعالة ” – بتثليث الجيم -، ويدلُّ على ذلك: جوازها على العمل المجهول، وتوقف استحقاق العوض فيها على الفراغ من العمل.

وعلى هذا أكثر العلماء والمجامع الفقهية والباحثين اليوم.

 

ثانيًا:

وجمهور العلماء اشترط في أجرة ” السمسرة ” أن تكون معلومة، ولذا منعوا من تجويز أن تكون أجرة السمسرة نسبة من الربح، وخالفهم في ذلك الحنابلة وبعض المالكية، فأجازوا ذلك، وقالوا إن مآل هذه النسبة إلى علم فليس ثمة جهالة، وقولهم هو الصواب، وقد قال به الإمام محمد بن سيرين من فقهاء التابعين، فقد روى عنه البخاري – معلقًا – قوله ” إذا قال: بِعْه بكذا فما كان من ربح فهو لك أو بيني وبينك: فلا بأس به “.

ومن فقه الإمام البخاري رحمه الله أن أعقب قول ابن سيرين بقوله- ( 2 / 794 ) -: وَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ( الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ ). انتهى.

والحديث رواه أبو داود ( 3594 ) وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

ويقصد البخاري رحمه الله: أن ما اشترطه البائع على نفسه للسمسار يلزمه الوفاء به، حتى لو كان نسبة من الربح؛ لأن قول ابن سيرين ” بيني وبينك ” يعني أنه جعل للسمسار نصف الربح، وهذا قد يجعله يتراجع عن الوفاء بما التزم به له لما يراه من ارتفاع المبلغ، ولعلَّ هذا ما حصل مع الأخ السائل وذاك الصديق السمسار.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وإذا كانت إجارة بالمعنى العام التي هي ” الجعالة “: فهنالك إن كان العوض شيئاً مضموناً من عيْن أو ديْن: فلا بد أن يكون معلومًا، وأما إن كان العوض مما يحصل من العمل: جاز أن يكون جزءًا شائعًا فيه كما لو قال الأمير في الغزو: مَن دلَّنا على حصن كذا فله منه كذا، فحصول الجعل هناك مشروط بحصول المال مع أنه جعالة محضة لا شركة فيه. ” مجموع الفتاوى ” ( 29 / 104 ، 105 ).

* وقال الشيخ منصور البهوتي الحنبلي – رحمه الله -:

( يجوز أن يستأجر سمسارا ليشتري له ) أي: للمستأجر ( ثيابًا ) لأنه منفعة مباحة كالبناء ( فإن عيَّن العمل دون الزمان فجعل له من كل ألف درهم شيئًا معلومًا صح ) العقد. ” كشاف القناع ” ( 4 / 11 ).

* وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

ولو قال: إذا رددتَ بعيري الشارد: فلك نصفه: فهذا معلوم، لكنه معلوم بالنسبة؛ لأنه جزء مشاع، فلا بأس؛ كالمضارب تعطيه المال وتقول: اتجر به ولك نصف الربح، فربما يتجر به اتجاراً شاقّاً عظيماً ولا يحصل ربح وربما تظن أنه لن يربح إلا قليلاً فيربح كثيرًا.

فالمعلوم إذًا إما أن يكون بالتعيين بالعدد والوصف، وإما أن يكون بالمشاع أي: بالسهم. ” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 10 / 345 ، 346 ).

وعليه: فما التزمتَ به لصاحبك من أن له ثلث الربح الناتج من العقار الذي دلَّك عليه: يلزمك الوفاء به ما دام العقار يؤجَّر وتستفيد منه، وكان يمكنك جعل أجرته نسبة من الربح أقل من هذا، وكان يمكنك جعلها مقطوعة لمرة واحدة، وكان يمكنك تحديد تلك النسبة بسنوات محددة، وكل ذلك لم يكن منك ولا ذنب له فيه، فهو يستحق ما اتفقتَ عليه معه، فإذا بعتَ العقار انقطع حقُّه في ثلث الربح، وكذا لو حصلت لأحدكما وفاة، فالتزم بالوعد، وأوف بالعهد، ولا تطمع بما في حق غيرك يبارَك لك في مالك إن شاء الله، وجهلك بالعقار لم يؤثر على العقد من حيث صحته وبطلانه ولكنه أثَّر من حيث قدر ربحك وربح صديقك، وهذا تتحمله أنت، ولو كان ظلمًا لرفعته الشريعة عنك، ولكنه ليس كذلك، حتى يتنازل هو عن نسبته بالكلية أو جزء منها.

 

ثالثًا:

والصفقة الأخرى التي جاء بها صديقك لقريبتك من حقه أن يأخذ الفرق بين السعرين والذي وفَّره من المبلغ المدفوع للمشتري، وقد كان هذا المبلغ سيُدفع من طرفكم أصلاً للبائع، وقد وافقتَ أنت على إعطائه ما يخصمه على البائع، إلا أننا نرى أن هذا هو سعيه من طرفك، وليس له المطالبة بسعي غيره منك، وله الحق في السعي من الطرف الآخر أي: البائع.

هذا الذي يظهر لنا، ولستَ بحاجة لأن تكون بين نارين، ولا نار واحدة حتى، فصديقك كان سببًا في وجود عقار تملكه، وهذا العقار يدر عليك ربحًا، فلا تفرط في صديقك؛ فإن الصداقة الحقيقية تُشتري بالغالي والنفيس، وإن الصديق الحق هو من يبذل ما عنده ليضعه في جيب صديقه، فكيف إذا كان هذا حقّه الذي كفلته له الشريعة؟!.

ونسأل الله تعالى أن يؤلف بين قلبيكما، وأن يزيد ما بينكما من ود ومحبة، ونشكرك إذ عرضت الأمر علينا، ونظن بك خيرًا أنك ستلتزم بالحكم الذي حكمنا به، ونسأل الله أن يبارك لكما فيما رزقكما وأن يقيكما عذاب النار.

 

والله أعلم.

أحكام ومسائل القنوت في الصلاة

السؤال:

[ أريد بيان ] كل ما يتعلق بالقنوت في الصلوات؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا: للقنوت عدة معانٍ، ومنها ما يتعلق بالصلاة ومنها ما هو خارجها.

* قال الحافظ ابن حجر:

ذكر ابن العربي أن القنوت ورد لعشرة معان، فنظمها شيخنا الحافظ زين الدين العراقي فيما أنشدنا لنفسه إجازة غير مرة:

ولفظ القنوت اعدد معانيه تجد     مزيدًا على عشر معاني مرضيه

دعاء خشوع والعبادة طاعـة     إقـامتها إقـراره بالـعبوديـه

سكوت صلاة والقيام وطوله      كذاك دوام الطاعة الرابح القـنيه

” فتح الباري ” ( 2 / 491 ).

ثانيًا:

وما يتعلق بما في داخل الصلاة: الخشوع، وطول القيام في القراءة وبعد الركوع، وقنوت النوازل، وقنوت الوتر.

أ. عن أبي عمرو الشيباني قال: قال لي زيد بن أرقم: إنْ كنا لنتكلم في الصلاة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم يكلِّم أحدنا صاحبه بحاجته حتى نزلت { حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين } فأُمرنا بالسكوت.

رواه البخاري ( 1142 ) ومسلم ( 539 ) وزاد – في آخره -: ” ونهينا عن الكلام “.

ب. عن جابر قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الصلاة أفضل؟ قال طول القنوت.

رواه مسلم ( 756 ).

* قال النووي:

قوله صلى الله عليه وسلم: ” أفضل الصلاة طول القنوت “: المراد بالقنوت هنا القيام باتفاق العلماء فيما علمت، وفيه دليل للشافعي ومن يقول كقوله: إن تطويل القيام أفضل من كثرة الركوع والسجود, وقد سبقت المسألة قريبًا، وأيضًا في أبواب صفة الصلاة.

” شرح مسلم ” ( 6 / 35، 36 ).

ج. عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت بعد الركعة في صلاة شهرًا إذا قال: سمع الله لمن حمده يقول في قنوته: اللهم أنج الوليد بن الوليد، اللهم نجِّ سلمة بن هشام، اللهم نج عياش بن أبي ربيعة، اللهم نجِّ المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف.

قال أبو هريرة: ثم رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الدعاء بعدُ، فقلت: أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ترك الدعاء لهم، قال فقيل: وما تراهم قد قدموا.

رواه البخاري ، ومسلم ( 675 ).

د. عن الحسن بن علي رضي الله عنهما قال: علَّمَني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات أقولهن في الوتر: ” اللهم اهدني فيمن هديت وعافني فيمن عافيت وتولني فيمن توليت وبارك لي فيما أعطيت وقني شر ما قضيت فإنك تقضي ولا يقضى عليك وإنه لا يذل من واليت تباركت ربنا وتعاليت “. رواه الترمذي ( 464 ) وحسَّنه والنسائي ( 1745 ) وأبو داود ( 1425 ) وابن ماجه ( 1178 )، وصححه الشيخان: أحمد شاكر في ” تحقيق المسند ” ( 1718 )، والألباني في ” الإرواء ” ( 2 / 172 ).

ثالثًا:

قنت النبي صلى الله عليه وسلم في نازلة على بعض المشركين شهرًا، فإذا حصل للمسلمين نازله: جاز الدعاء في كل الصلوات، ولم يقنت في الفجر خاصة إلى أن توفي، بل الوارد في ذلك ضعيف، وليس من السنة المداومة على قنوت الوتر بل يفعل ويترك.

* قال الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى:

لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يقنت في الصبح بصفة دائمة لا بالدعاء المشهور: ” اللهم أهدنا فيمن هديت…… الخ ” ولا بغيره، وإنما كان صلى الله عليه وسلم يقنت في النوازل أي إذا نزل بالمسلمين نازلة من أعداء الإسلام قنت مدة معينة يدعو عليهم ويدعو للمسلمين هكذا جاءت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وثبت من حديث سعد بن طارق الأشجعي أنه قال لأبيه: يا أبت إنك قد صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلف أبي بكر وعمر وعلي رضي الله عنهم أفكانوا يقنتون في الفجر؟ فقال أي بني محدث…… أخرجه الإمام أحمد والترمذي والنسائي وجماعة بإسناد صحيح.

أما ورد من حديث أنس رضي الله عنه ” أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقنت في الصبح حتى فارق الدنيا “، فهو حديث ضعيف عند أئمة الحديث.

” فتاوى إسلامية ” ( 1/169 ).

 

* وقال الشيخ ابن عثيمين حفظه الله تعالى:

هذا السؤال تضمن مسألتين:

 المسألة الأولى: القنوت في صلاة الفجر:

وهذه المسألة قد اختلف فيها أهل العلم وهي مبنية على ما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام ” أنه قنت يدعو لقوم أو يدعو على قوم “، فقنت يدعو للمستضعفين من المؤمنين في مكة وقنت يدعو على من قتلوا أصحابه القراء عليه الصلاة والسلام قنت شهرًا يدعو الله عليهم، ومن تأمَّل سنَّة الرسول عليه الصلاة والسلام: وجد أنَّ القول الصواب في هذه المسألة أنه لا قنوت في الفرائض إلا إذا نزلت بالمسلمين نازلة وحدثت حادثة تحتاج إلى الابتهال إلى الله عز وجل على اجتماع فإنه يقنت، وظاهر الأدلة أن القنوت ليس خاصًّا بصلاة الفجر عند نزول النوازل بل هو عام في كل الصلوات وعلى هذا فإذا كان القنوت في صلاة جهرية جهر به وإن كان في صلاة سرية يسر به، والذي نراه أن الحوادث المهمة يقنت وقت حدوثها ثم إذا صارت مستمرة فلا يقنت.

أما القنوت في الوتر وهو الشق الثاني من السؤال:

فإن القنوت في الوتر سنة لكن الاستمرار عليه دائمًا ليس من السنَّة بل إذا قنت أحيانًا فهو خير وإذا ترك فهو خير لأن القنوت علمه عليه الصلاة والسلام لابن ابنته الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما ولكنه عليه الصلة والسلام لا أعلم أنه كان يقنت في وتره.

” فتاوى إسلامية ” ( 1 / 246 ).

 

رابعًا:

ويسن رفع اليدين في القنوت.

وهو مذهب أكثر الشافعية,‏ قال ابن المنذر وروينا عن عمر بن الخطاب وابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم قال:‏ وبه قال أحمد وإسحاق وأصحاب الرأي.

* قال الشيخ ابن عثيمين – في مباحث قنوت الوتر -:

والصحيح أنه يرفع يديه؛ لأن ذلك صحَّ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وعمر بن الخطاب رضي الله عنه أحد الخلفاء الراشدين الذين لهم سنَّة متبعة بأمر النبي صلى الله عليه وسلم، فيرفع يديه. ” الشرح الممتع ” ( 4 / 24 ، 25 ).

 

خامسًا:

ولا يسن مسح الوجه بعد الدعاء لا في الصلاة ولا خارجها.

* قال النووي:

لا يمسح وهذا هو الصحيح‏,‏ صححه البيهقي والرافعي وآخرون من المحققين‏،‏ قال البيهقي: لست أحفظ في مسح الوجه هنا عن أحد من السلف شيئا,‏ وإن كان يروى عن بعضهم في الدعاء خارج الصلاة‏,‏ فأما في الصلاة فهو عمل لم يثبت فيه خبر ولا أثر ولا قياس،‏ فالأولى أن لا يفعله ويقتصر على ما نقله السلف عنهم من رفع اليدين دون مسحهما بالوجه في الصلاة.

” المجموع ” ( 3 / 462 ).

 

سادسًا:

والسنة أن يكون قنوت الوتر قبل الركوع، وقنوت النوازل بعده، ومن جعلهما بعد الركوع: فلا حرج في ذلك.

عن عاصم الأحول قال: سألت أنس بن مالك عن القنوت، فقال: قد كان القنوت قلت قبل الركوع أو بعده؟ قال: قبله، قال: فإن فلاناً أخبرني عنك أنك قلت بعد الركوع، فقال: كذب، إنما قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الركوع شهرًا، أراه كان بعث قوما يقال لهم القرَّاء زهاء سبعين رجلًا إلى قوم من المشركين دون أولئك، وكان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فقنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرًا يدعو عليهم.

رواه البخاري ( 957 ) ومسلم ( 677 ).

 

سابعًا:

ولا بأس من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في آخر دعاء قنوت الوتر.

* قال الشيخ الألباني – رحمه الله -:

ثم اطلعتُ على بعض الآثار الثابتة عن بعض الصحابة وفيها صلاتهم على النبي صلى الله عليه وسلم في آخر قنوت الوتر فقلت بمشروعية ذلك.

” إرواء الغليل ” ( 2 / 177 ).

 

والله أعلم.

الطرق الصوفية وحكم الانضمام إليها

السؤال:

في الطرق الصوفية يوجد طريقة تسمى: سياريا (syari’a)، طريقة، حقيقة، معرفة، هل صحيح أن الرسول صلى الله عليه وسلم علَّم أصحابه هذه الطرق وبنفس ما تعنيه هذه الطرق لدى الصوفية؟.

 

الجواب:

الحمد لله

لا بد أن نعلم أن النسبة إلى الصوفية هي إلى لبس الصوف لا إلى شيء آخر.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

واسم الصوفية هو نسبة إلى لباس الصوف، وقد قيل إنه نسبة إلى صفوة الفقهاء، وقيل إلى صوفة بن أد بن طابخة قبيلة من العرب كانوا يعرفون بالنسك، وقيل إلى أهل الصفة، وقيل إلى الصفا، وقيل إلى الصفوة، وقيل إلى الصف المقدم بين يدي الله؛ وهذه الأقوال: ضعيفة فإنه لو كان كذلك لقيل صفي أو صفائي أو صفوي أو صفي ولم يقل صوفي.

” مجموع الفتاوى ” ( 11 / 195 ).

ولم يظهر التصوف إلا بعد القرون الثلاثة التي أثنى علها الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله:” خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ….” – رواه البخاري ( 2652 )، ومسلم ( 2533 ) من حديث ابن مسعود -.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

وأما لفظ الصوفية فإنه لم يكن مشهورًا في القرون الثلاثة وإنما اشتهر التكلم به بعد ذلك.

” مجموع الفتاوى ” ( 11 / 5 ).

وهذه الطريقة ومثيلاتها من الطرق المبتدعة المخالفة للكتاب والسنَّة ولما كان عليه خير القرون، فقد اخترع كل شيخٍ لهذه الطرق وردًا وحزبًا وطريقة في العبادة يُميِّز بها نفسه عن غيره، مخالفًا للشرع، ومفرقًا للصف.

وقد امتن الله على الأمَّة بأكمل لها دينها وأتمَّ عليه نعمته، فكل من جاء بعبادة وطريقة لم يأتِ بها الشرع فهو مكذب بما قاله الله تعالى متهم للنبي صلى الله عليه وسلم بالخيانة.

وقد يكون مع ابتداعهم هذا كذبٌ أيضاً بأن زعم زاعمهم أنهم تلقوا طريقتهم هذه من النبي صلى الله عليه وسلم أو أنهم على طريق وهدي الخلفاء الراشدين.

* وقد سئل علماء اللجنة الدائمة:

هل يوجد في الإسلام طرق متعددة مثل: الطريقة الشاذلية، والطريقة الخلوتية، وغيرهما من الطرق، وإذا وجدت هذه الطرق فما هو الدليل على ذلك؟ وما معنى قول الحق تبارك وتعالى {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } [ الأنعام / 153 ]، وما معنى قوله أيضًا: { وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ } [ النحل / 9 ]، ما هي السبل المتفرقة، وما هو سبيل الله، ثم ما معنى قول الرسول صلى الله عليه وسلم في حديثه الذي رواه عنه ابن مسعود أنه خط خطّاً ثم قال: ” هذا سبيل الرشد ” ثم خطَّ عن يمينه وعن شماله خطوطًا ثم قال: ” هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه “؟

 فأجابوا:

لا يوجد في الإسلام شيء من الطرق المذكورة، ولا من أشباههما، والموجود في الإسلام هو ما دلت عليه الآيتان والحديث الذي ذكرتَ وما دلَّ عليه قوله صلى الله عليه وسلم: ” افترقت اليهود على إحدى وسبعين فِرقة، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فِرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فِرقة، كلها في النار إلا واحدة “، قيل: من هي يا رسول الله؟ قال: ” من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي “، وقوله عليه الصلاة والسلام: ” لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة، لا يضرُّهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك “، والحق هو اتباع القرآن الكريم والسنَّة النبويَّة الصحيحة الصريحة، وهذا هو سبيل الله، وهو الصراط المستقيم، وهو قصد السبيل، وهو الخط المستقيم المذكور في حديث ابن مسعود، وهو الذي درج عليه أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم وعن أتباعهم من سلف الأمَّة ومن سار على نهجهم، وما سوى ذلك من الطرق والفِرق هي السبل المذكورة في قوله سبحانه وتعالى: { وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ } [ الأنعام / 153 ].

الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 2 / 283، 284 ).

 

والله أعلم.

هل يجوز للشخص أن يستحم عريانا؟

السؤال:

هل يجوز للشخص أن يستحم عريانا؟

 

الجواب:

الحمد لله

نعم يجوز للشخص أن يستحم عريانًا لما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم كما روت عنه ميمونة رضي الله عنها أنها اغتسلت هي والنبي صلى الله عليه وسلم في قصعة فيها أثر عجين وثبت عنه في غير ما موضع كما في البخاري ومسلم واغتساله مع عائشة رضي الله عنها.

ولا يصح في وجوب الاستتار حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن /كان بعض السلف يؤثر الاستتار عند الاغتسال لكن الشرع لا يوجبه. وهذا يكون بعيداً عن أنظار الناس.

وقد استدل بعض العلماء بحديث الصحيحين في اغتسال موسى عليه السلام عريانًا – البخاري ( 274 ) ومسلم ( 339 )، وعليه بوب النووي جواز الاغتسال عريانًا في الخلوة في صحيح مسلم.

– وكذا اغتسال أيوب عليه السلام عرياناً كما في صحيح البخاري ( 275 ).

* قال الإمام النووي:

وقد قدمنا في الباب السابق أنه يجوز كشف العورة في موضع الحاجة في الخلوة وذلك كحالة الاغتسال وحال البول ومعاشرة الزوجة ونحو ذلك فهذا كله جائز فيه التكشف في الخلوة، وأما بحضرة الناس: فيحرم كشف العورة في كل ذلك.

قال العلماء: والتستر بمئزر ونحوه في حال الاغتسال في الخلوة أفضل من التكشف والتكشف جائز مدة الحاجة في الغسل ونحوه والزيادة على قدر الحاجة حرام على الاصح كما قدمنا في الباب السابق أن ستر العورة في الخلوة واجب على الأصح إلا في قدر الحاجة والله أعلم. ” شرح مسلم ” ( 4 / 32 ).

– قلت: ولا دليل على ما نقله في الأفضلية.

 

والله أعلم.