الرئيسية بلوق الصفحة 175

هل سوء أخلاق أخيها يمنع من التزوج بها؟

السؤال:

أنا شابة مسلمة، ومن أسرة مسلمة والحمد لله، ولكن لي أخ منحرف للأسف، ترك دراسته واتبع رفاق سوء، حتى صلاته تركها، وبسبب أعماله حتى الخطَّاب أصبحوا يفرُّون عند السماع به، فماذا يكون موقفنا من هذا الأخ – علما بأننا ننصحه دائما ولكن لا يأتينا منه إلا المشاكل -؟ .

حالي صعب يا شيخ، بالله عليك ادع لأخينا هذا بالهداية.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

فيما يتعلق بأخيك فإنه يجب عليه أن يتقي الله تعالى، وأن يرجع إلى دينه، ويجب أن يعلم أنه بتركه للصلاة قد خرج من الإسلام، وأنه لو مات لا يُغسَّل ولا يُدفن في مقابر المسلمين، وأنه لا يرث أحدًا من المسلمين، وأنه لا يحل تزويجه بمسلمة، وأنه لو ذبح فلا تؤكل ذبيحته، هذه بعض أحكام أخيك التي ترتبت عليه بعد تركه للصلاة، وينبغي له أن يخاف على نفسه من أن يموت على هذه الحال، فلعله إن علَم حكمه في الدنيا والآخرة أن يتوب ويرجع إلى دينه.

 

ثانيًا:

وفيما يتعلق بأهلك فإنه يجب عليهم مداومة النصح لأخيك، وحثه على الخير، وقد يكون ما حدث له نتيجة تقصير منهم، فعليهم أن يتداركوا هذا التقصير بمداومة أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر.

 

ثالثًا:

وفيما يتعلق بكِ فإنه يجب عليك ما يجب على أهلك من نصح أخيك وتحذيره من عاقبة مخالفته للشرع، ولا بأس أن تذكري له أن من شؤم معاصيه تعطيل زواجك، فلعل ذلك أن يكون له من الروادع عن أفعاله.

 

رابعًا:

وفيما يتعلق بالخطَّاب فإننا لا نرى لتركهم خطبتكِ وجهًا، وذلك من جوانب متعددة:

  1. أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قد تزوجوا من نساء مؤمنات صالحات، وقد كان كثير من أهاليهن لا على المعاصي فحسب بل كانوا على الشرك ومحاربة المسلمين، ولم يكن ذلك مانعاً لهم من التزوج بهن.
  2. أنه ينبغي للخطَّاب من أهل الخير والصلاح أن يقدموا على خطبة الأخوات الصالحات اللاتي يعشن في ظروف أسرية صعبة من انحراف الأب أو الأم أو الإخوة والأخوات؛ لِما فيه من إنقاذ هذه الأخت الصالحة من تلك البيئة؛ ولما قد يؤدي ترك خطبتهن من احتمال تأثرهن ببيئتهن، وأنتِ ليس عندك في البيت أحدٌ على المعصية إلا أخ واحد، وهذا ليس بعذرٍ لأحدٍ أن يترك خطبتك لهذا السبب.
  3. أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أوصى بنكاح ذات الدين، ولم يأتِ في الشرع التحذير من التزوج من المرأة الصالحة في البيئة الفاسدة إلا في أحاديث ضعيفة جدًّا كمثل الحديث المشهور ” إياكم وخضراءُ الدِّمن فقيل: ما خضراء الدِّمن؟ قال: المرأةُ الحسناء في المنبت السوء “.

قال الحافظ العراقي في ” تخريج إحياء علوم الدَّين ” ( 2 / 42 ): ضعيف، وقال الألباني في ” السلسلة الضعيفة ” ( 14 ): ضعيف جدًّا.

  1. ونحن نسأل هؤلاء الممتنعين: ماذا لو كان حالكم أنتم مثل حال هذه الأخت؟ فقد يكون لكم إخوة أو أخوات ليسوا على خلق حسن، فلماذا تتقدمون لخطبة أخوات صالحات؟ وهل يجوز للمخطوبات عدم الموافقة عليكم بسبب حال بعض أهلكم؟!.
  2. ونقول لهؤلاء الإخوة: إنه قد يكون زواجكم بهذه الأخت سببًا لهداية أخيها، وقد يكون هذا الخاطب هو مفتاح هدايته.

ونسأل الله تعالى أن يهدي أخاك، وأن يصلح حاله ، وأن ييسر لك زوجًا صالحًا، وأن يرزقك ذرية طيبة.

والله أعلم.

 

إذا صلَّت أمام الرجال فهل تصلي جالسة؟ وهل تجمع؟

السؤال:

إذا كنت خارج المنزل وجاء وقت صلاة ولم أجد مكانًا مناسبًا للصلاة هل أصلي واقفة أمام الرجال أم وأنا جالسة؟ وهل يجوز جمع الصلوات في هذه الحالة جمع تقديم؟.

الجواب:

الحمد لله

لأصل في المرأة أن تحافظ على عدم خروجها من البيت إلا لضرورة أو حاجة ملِّحة، ولتعلم أن صلاتها في مخدعها خير لها من صلاتها في بيتها، وصلاتها في بيتها خير لها من الصلاة في المسجد الحرام، لذا فإنه إن اضطرت للخروج من المنزل ولم يضق عليها وقت الصلاة فعليها أن تحرص على الصلاة في بيتها عندما ترجع له، وإن ضاق عليها الوقت فلتصل في مكانٍ طاهر، ولتحرص أن يكون بمأمنٍ عن نظر الرجال الأجانب.

ويجب على المرأة أن تستر جميع بدنها إن كانت خارج الصلاة، وإن صلَّت وكانت في مأمنٍ عن نظر الرجال لها فلتستر جميع بدنها إلا الوجه والكفين، فإن كانت في غير مأمن فلتستر جميع بدنها.

ولا يجوز لكِ أن تجمعي بين الصلاتين بعذر رؤية الرجال لكِ وأنتِ تصلين، كما لا يجوز لكِ الصلاة وأنتِ جالسة؛ لأن القيام ركن من أركان الصلاة لا يجوز التهاون به وتركه بعذر رؤية الرجال لكِ في الصلاة، فإن صلت المرأة جالسة لهذا العذر فصلاتها باطلة.

وما يعتقده بعض الناس من بطلان صلاة المرأة في الطريق إذا رآها الأجنبي: لا أصل له في الشرع.

والله أعلم.

كتاب ( بيان خطأ التأريخ الميلادي )

0

كتاب بيان خطأ التأريخ الميلادي، تأليف: عادل بن عبدالعزيز الجليفي 

حكم تهنئة النصارى بالكريسماس.

0

حكم تهنئة النصارى بالكريسماس.

كلام الشيخ عبدالعزيز الطريفي -حفظه الله- حول التهنئة والاحتفال بالكريسماس:

1- لا يجوز تهنئة النصراني بفرية ميلاد ابن الله، وإن هنأك بعيد اﻹسلام؛ ﻷن أحكام الله ليست مبادلة، فليس لك أن تعظم الصنم ﻷن الوثني دخل معك المسجد!
2- يوم ميلاد المسيح لا يثبت تحديده، والخلاف قائم لدى اﻷرثوذكس والكاثوليك إلى اليوم، فهم لم يحفظوا كتابهم، فكيف بحفظ ميلاد صاحب الكتاب !

3- يكاد يتفق آباء الكنيسة ومؤرخوها أن ميلاد المسيح حدد رسميا متأخرا بعد القرن الثالث للميلاد، وأن تحديده كان رمزيا لا توثيقا ليوم ثابت بيقين .

4- في ميلاد المسيح يتذاكر النصارى بنوّته لله:
{وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا، لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا، تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا}.
5- يُنزه النصارى رهبانهم عن الزوجة واﻷولاد، ويجعلون ذلك لله، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا .

6- الزواج من الكتابية لا يلزم منه التهنئة بعيدها، فيجوز الزواج من ابنة قاتل أبيك، ولا تقبل فرحها بمناسبة القتل، وكذلك فرحها بولادة ابن لله تعالى !

7- تهنئة النصارى (بالكريسماس) لا تجوز باتفاق المذاهب اﻷربعة، ولا أعلم قولا مخالفا في هذه المسألة إلا في الزمن المتأخر، وهي أقوال لا يُعتد بها.

8- تحريم تهنئة النصارى بعيدهم كعيد الميلاد لا يعني مقابلتهم بالتعنيف، بل يُتألف قلب العامي بدعوة لينة للتأمل بحقيقة هذا الرب المولود! تعالى الله .

9- لا يجوز للمسلم حضور أعياد المشركين الدينية بالاتفاق،
{وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ}، الزور هنا عيدهم، قاله من السلف أبو العالية وطاووس وابن سيرين .

10- تحريم حضور أعياد المشركين الدينية أجمع عليه العلماء كمالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد، نص على اﻹجماع ابن القيم وغيره في كتابه أحكام أهل الذمة .

11- لا يُجيز الصحابة حضور عيد المشركين وتهنئتهم بأعيادهم الدينية، قال عمر بن الخطاب:
(اجتنبوا أعداء الله في عيدهم)، رواه البيهقي بسند صحيح .

💎 دُرَر الطَّريفِي 💎

 

مقاطع متنوعة

IMG_0846

 

IMG_0847

 

IMG_0848

تعليق الشيخ إحسان العتيبي حول التهنئة.

 

 

هل التزام صدقة في يوم معين وبقدر معين بدعة؟.

السؤال:

هل التصدق بقدر معين – قد يكون ثابتا – في يوم معين من كل أسبوع، ولكن بدون اعتقاد سنيتها، أو على سبيل الإلزام، ولكن فقط لإتاحة الظروف لمثل هذا – يعتبر بدعة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

تخصيص عبادة بزمان أو مكان معين، لِظَرفٍ يعرض للمتعبد، يحتاج معه إلى هذا التخصيص، ليس من البدعة في شيء، ولا بأس به، فالإحداث في الدين هو الذي قصد فيه المتعبد الإحداث والاختراع بإضافة ذلك إلى الشريعة والدين، أو هو الذي يكون ذريعة مفضية إفضاء غالبًا إلى ذلك، فحينئذ يقع العامل في البدعة.

يقول الدكتور محمد حسين الجيزاني – حفظه الله -:

” للبدعة الشرعية قيودًا ثلاثة تختص بها، والشيء لا يكون بدعة في الشرع إلا بتوفرها فيه، وهي: 1- الإحداث. 2- أن يضاف هذا الإحداث إلى الدين. 3- ألا يستند هذا الإحداث إلى أصل شرعي؛ بطريق خاص أو عام …. وهذا المعنى يحصل بواحد من أصول ثلاثة: الأصل الأول: التقرب إلى الله بما لم يشرع. والثاني: الخروج على نظام الدين. ويلحق بهما أصل ثالث: وهو الذرائع المفضية إلى البدعة ” انتهى باختصار. ” قواعد معرفة البدع ” (ص/18 – 23).

أما اعتياد عبادة معينة في زمان أو مكان معينين لتيسر ظروف العبادة فيهما، من غير اعتقاد إلزام ولا مزيد فضل، فلا حرج فيه، كمن يعتاد صيام يوم الثلاثاء مثلًا لأنه يوم إجازة عن العمل، وكذلك من يعتاد قيام ليلة السبت لأنه متفرغ من عمله نهار السبت، ومثله من يعتاد قراءة القرآن بين المغرب والعشاء لتفرغه ذلك الوقت، وهكذا أمثلة كثيرة كلها جائزة، لأن شبهة الحدث في الدين منتفية، وكذلك ليس فيها ذريعة قريبة للإحداث والابتداع.

سئل الشيخ ابن باز – رحمه الله – السؤال الآتي:

” ما رأيكم حفظكم الله ونفع بعلومكم فيما يفعله بعض الأئمة من تخصيص قدر معين من القرآن لكل ركعة ولكل ليلة؟.

فأجاب:

لا أعلم في هذا شيئًا؛ لأن الأمر يرجع إلى اجتهاد الإمام، فإذا رأى أنَّ مِن المصلحة أن يزيد في بعض الليالي أو بعض الركعات لأنه أنشط، ورأى من نفسه قوة في ذلك، ورأى من نقسه تلذذا بالقراءة فزاد بعض الآيات لينتفع وينتفع من خلفه، فإنه إذا حسن صوته وطابت نفسه بالقراءة وخشع فيها ينتفع هو ومَن وراءه، فإذا زاد بعض الآيات في بعض الركعات.

أو في بعض الليالي فلا نعلم فيه بأسًا، والأمر واسع بحمد الله تعالى ” انتهى.

” مجموع الفتاوى ” (11/335).

وعليه فلا نرى عليك حرجًا في اعتياد الصدقة في يوم معين لتيسر الظروف فيه دون باقي الأيام.

والله أعلم.

 

فتاوى اللجنة الدائمة المجموعة الأولى/26 م مع الحواشي – (ج 4 / ص 32)

السؤال السابع من الفتوى رقم: ( 5519 ):

س7: عندما يعتاد المسلم قراءة القرآن في أوقات معينة مثل بعد صلاة الفجر يوميًّا أو في يوم الجمعة فهل يجب عليه قراءة حزب أو ربع حزب أو عدد آيات محددة مثل ( 30 آية ) ، ( 50 آية ) ، أو أن ذلك يعود إلى ما تيسر من آيات الذكر الحكيم؟.

ج7: يقرأ ما تيسر له، بدون التزام لعدد معين من السور أو الآيات، ويحاول المحافظة على القراءة يوميًّا إذا تيسر له ذلك؛ لما في ذلك من الخير العظيم والأجر الكبير، وليحرص على التدبر.

فتاوى اللجنة الدائمة المجموعة الأولى/26 م مع الحواشي – (ج 4 / ص 33)

والتعقل لما يقرأ، حتى يستفيد من كلام ربه سبحانه.

وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.

 

اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء

عضو … عضو … نائب رئيس اللجنة … الرئيس

عبد الله بن قعود … عبد الله بن غديان … عبد الرزاق عفيفي … عبد العزيز بن عبد الله بن باز

 

 

والله أعلم.

يجادل في حرمة الغناء، ويزعم أن الأغاني ليس لها أضرار!.

السؤال:

لي أخ في الإسلام متبع لما قاله البعض من جواز الموسيقى، وعندما طرحت عليه الدليل من القرآن والسنَّة قال: ” فأما الآية فهي لم تأتِ بتحريم الموسيقى حرفيًّا بل هو تفسير المفسرين، وأما الحديث: فلا أدري عن صحته، وسأبحث في ذلك “، وقد أتى لي بشبهة غريبة قال فيها: ” ما أعرفه أن الإسلام دين العقل، والمنطق، وهو لم يحرم شيئًا إلا وله أضرار على الشخص، فما ضرر الموسيقى؟ ولماذا تريد مني تجميد دماغي، والتسليم بالنصوص؟ “, علمًا أنني قدمت له محاضرة ” فتنة تقديم العقل على النقل ” – لفضيلتكم -، ولم ينتفع بها حتى بعد سماعها كاملة، فما الرد على مثل أخي هذا بارك الله فيكم؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

لا يحل للمسلم الذي رضي بالله ربًّا، بالإسلام دينا، وبمحمد رسولا، أن يمتنع من الاستجابة للحكم الشرعي الذي فيه الأمر بفعل طاعة، أو فيه النهي عن فعل معصية، كما ليس له أن يختار يفعل أو لا يفعل، قال تعالى: ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا ) [ الأحزاب / الآية 36 ] ، وقال عز وجل: ( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) [ النساء / الآية 65 ].

وما يريده بعض من يزعم الإسلام من أن يقتنع عقله بحكمة الأمر حتى يفعل، أو حكمة النهي حتى يكف: إنما هو دليل على نقص الإيمان أحياناً، أو زواله بالكلية في أحيان كثيرة، وليس للذي رضي بالإسلام ديناً إلا الاستجابة لما يريده منه ربه تعالى، ولا ينبغي له أن يشك في أن لأوامر الله تعالى ونواهيه حكماً جليلة، علمها من علمها، وجهلها من جهلها، لكن الاستجابة لها ليست منوطة بمعرفته لها، بل بمعرفة الحكم الشرعي ذاته.

وتحريم المعازف ليس فيه خلاف بين أئمة الإسلام، وقد اتفقت المذاهب الأربعة على التحريم، وما يُنقل فيه من خلاف فهو من الخلاف الشاذ، الذي لا يلتفت له.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

مذهب الأئمة الأربعة: أن آلات اللهو كلها حرام …، ولم يذكر أحد من أتباع الأئمة في آلات اللهو نزاعًا. ” مجموع الفتاوى ” ( 11 / 576 ، 577 ).

وقال ابن القيم – رحمه الله -:

ولا ينبغي لمن شمَّ رائحة العلم أن يتوقف في تحريم ذلك – أي: الغناء، والمعازف – فأقل ما يقال: إنَّها شعار الفساق، وشاربي الخمور.

” إغاثة اللهفان ” ( 1 / 228 ).

وقال الألباني – رحمه الله -:

ولذلك اتفقت المذاهب الأربعة على تحريم آلات الطرب كلها.

” السلسلة الصحيحة ” ( 1 / 145 ).

فليس للمسلم بعد أن يعلم هذا الحكم الشرعي إلا أن يقول: ” سمعنا وأطعنا “، وليس له أن يجادل بالباطل، ولا يتردد في الاستجابة حتى يعرض الأمر على عقله القاصر، فيرى إن كان يقبله أم لا.

ثانيا:

ونعجب من ذاك المجادل الذي يزعم أنه ليس في الموسيقى – المعازف – ضرر، وهو يرى أثر تلك الأغاني – التي لا تخلو من معازف – على المسلمين، والمسلمات، وما هذا الفساد الذي انتشر بين عامة المستمعين لتلك المحرمات إلا من تأثير تلك الأغاني، ومعازفها، فالأغاني تحوي كلمات الحب، والعشق، والغرام، والمعازف تهيِّج القلب، وتثيره، للوصول به إلى مراد أولئك الفسقة الفجرة، وأي ضرر أعظم مما نراه على أولئك المستمعين لتلك المحرمات، من فحش ألفاظ، وسوء فعال، وتشبه بالكفار والفساق في اللباس والهيئات والحركات، وغير ذلك مما لا يخفى على عاقل.

ومع ذلك: فإننا ذاكرون ما قاله أئمة العلم والهدى في أضرار المعازف، ومن ذلك:

  1. أنه ينبت النفاق في القلب.

وقد صحَّ هذا عن ابن مسعود – رضي الله عنه -، وغيره، وهذا أعظم ضرر يصيب من تعدَّى على شرع الله تعالى، وقد بيَّن الإمام ابن القيم – رحمه الله – وجه كونه الغناء منبتاً للنفاق في القلب، في كلام طويل نفيس.

قال – رحمه الله -:

فإن قيل: فما وجه إنباته للنفاق في القلب من بين سائر المعاصي؟.

قيل: هذا من أدل شيء على فقه الصحابة في أحوال القلوب، وأعمالها، ومعرفتهم بأدويتها، وأدوائها، وأنهم هم أطباء القلوب، دون المنحرفين عن طريقتهم، الذين داووا أمراض القلوب بأعظم أدوائها، فكانوا كالمداوي من السقم بالسم القاتل، وهكذا والله فعلوا بكثير من الأدوية التي ركبوها، أو بأكثرها، فاتفق قلة الأطباء، وكثرة المرضى، وحدوث أمراض مزمنة لم تكن في السلف، والعدول عن الدواء النافع الذي ركبه الشارع، وميل المريض إلى ما يقوي مادة المرض، فاشتد البلاء، وتفاقم الأمر، وامتلأت الدور، والطرقات، والأسواق من المرضى، وقام كل جهول يطبب الناس.

فاعلم أن للغناء خواص لها تأثير في صبغ القلب بالنفاق ونباته فيه كنبات الزرع بالماء، فمن خواصه:

أنه يلهي القلب، ويصده عن فهم القرآن، وتدبره، والعمل بما فيه؛ فإن القرآن والغناء لا يجتمعان في القلب أبداً؛ لما بينهما من التضاد؛ فإن القرآن ينهى عن اتباع الهوى، ويأمر بالعفة، ومجانبة شهوات النفوس، وأسباب الغي، وينهى عن اتباع خطوات الشيطان، والغناء: يأمر بضد ذلك كله، ويحسنه، ويهيج النفوس إلى شهوات الغي، فيثير كامنها، ويزعج قاطنها، ويحركها إلى كل قبيح، ويسوقها إلى وصل كل مليحة ومليح، فهو والخمر رضيعًا لبان، وفي تهييجهما على القبائح فرسا رهان؛ فإنه صنو الخمر، ورضيعه، ونائبه، وحليفه، وخدينه، وصديقه، عقد الشيطان بينهما عقد الإخاء الذي لا يفسخ، وأحكم بينهما شريعة الوفاء التي لا تنسخ، وهو جاسوس القلب، وسارق المروءة، وسوس العقل، يتغلغل في مكامن القلوب، ويطلع على سرائر الأفئدة، ويدب إلى محل التخيل، فيثير ما فيه من الهوى، والشهوة، والسخافة، والرقاعة، والرعونة، والحماقة، فبينا ترى الرجل وعليه سمة الوقار، وبهاء العقل، وبهجة الإيمان، ووقار الإسلام، وحلاوة القرآن: فإذا استمع الغناء، ومال إليه: نقص عقله، وقل حياؤه، وذهبت مروءته، وفارقه بهاؤه، وتخلى عنه وقاره، وفرح به شيطانه، وشكا إلى الله تعالى إيمانُه، وثقل عليه قرآنه، وقال: يا رب! لا تجمع بيني وبين قرآن عدوك في صدر واحد، فاستحسن ما كان قبل السماع يستقبحه، وأبدى من سره ما كان يكتمه، وانتقل من الوقار والسكينة إلى كثرة الكلام، والكذب، والزهزهة، والفرقعة بالأصابع، فيميل برأسه، ويهز منكبيه، ويضرب الأرض برجليه، ويدق على أم رأسه بيديه، ويثب وثبات الدعباب، ويدور دوران الحمار حول الدولاب، ويصفق بيديه تصفيق النسوان، ويخور من الوجد ولا كخوار الثيران، وتارة يتأوه تأوه الحزين، وتارة يزعق زعقات المجانين, ولقد صدق الخبير به من أهله حيث يقول:

أتذكر ليلة وقد اجتمعنا … على طيب السماع إلى الصباح

ودارت بيننا كأس الأغاني … فأسكرت النفوس بغير راح

فلم تر فيهم إلا نشاوى … سروراً والسرور هناك صاحي

إذا نادى أخو اللذات فيه … أجاب اللهو: حي على السماح

ولم نملك سوى المهجات شيئاً … أرقناها لألحاظ الملاح

وقال بعض العارفين: السماع يورث النفاق في قوم، والعناد في قوم، والكذب في قوم، والفجور في قوم، والرعونة في قوم، وأكثر ما يورث: عشق الصور، واستحسان الفواحش، وإدمانه يثقل القرآن على القلب، ويكرهه إلى سماعه بالخاصية، وإن لم يكن هذا نفاقاً: فما للنفاق حقيقة.

وسر المسألة: أنه قرآن الشيطان – كما سيأتي – فلا يجتمع هو وقرآن الرحمن في قلب أبدا.

وأيضا: فإن أساس النفاق: أن يخالف الظاهر الباطن، وصاحب الغناء بين أمرين: إما أن يتهتك فيكون فاجراً، أو يُظهر النسك فيكون منافقاً؛ فإنه يظهر الرغبة في الله، والدار الآخرة، وقلبه يغلي بالشهوات، ومحبة ما يكرهه الله ورسوله من أصوات المعازف، وآلات اللهو، وما يدعو إليه الغناء، ويهيجه، فقلبه بذلك معمور، وهو من محبة ما يحبه الله ورسوله وكراهة ما يكرهه: قفر، وهذا محض النفاق.

وأيضا: فإن الإيمان قول وعمل: قول بالحق، وعمل بالطاعة، وهذا ينبت على الذِّكر، وتلاوة القرآن، والنفاق: قول الباطل، وعمل البغي، وهذا ينبت على الغناء.

وأيضا: فمن علامات النفاق: قلة ذكر الله، والكسل عند القيام إلى الصلاة، ونقر الصلاة، وقلَّ أن تجد مفتوناً بالغناء إلا وهذا وصفه.

وأيضا: فإن النفاق مؤسَّس على الكذب، والغناء من أكذب الشعر؛ فإنه يحسِّن القبيح، ويزينه، ويأمر به، ويقبح الحسَن، ويزهد فيه، وذلك عين النفاق.

وأيضا: فإن النفاق غش، ومكر، وخداع، والغناء مؤسس على ذلك.

وأيضا: فإن المنافق يفسد من حيث يظن أنه يصلح، كما أخبر الله سبحانه بذلك عن المنافقين، وصاحب السماع يفسد قلبه وحاله من حيث يظن أنه يصلحه، والمغنِّي يدعو القلوب إلى فتنة الشهوات، والمنافق يدعوها إلى فتنة الشبهات، قال الضحاك: “ الغناء مَفْسدة للقلب، مسخطة للرب “.

وكتب عمر بن عبدالعزيز إلى مؤدِّب ولده: ليكُن أول ما يعتقدون من أدبك: بغض الملاهي، التي بِدؤها من الشيطان، وعاقبتها سخط الرحمن؛ فإنه بلغني عن الثقات من أهل العلم: أن صوت المعازف، واستماع الأغاني، واللهج بها: ينبت النفاق في القلب، كما ينبت العشب على الماء.

فالغناء يفسد القلب، وإذا فسد القلب هاج فيه النفاق.

وبالجملة: فإذا تأمل البصير حال أهل الغناء، وحال أهل الذكر والقرآن: تبين له حذق الصحابة، ومعرفتهم بأدواء القلوب، وأدويتها، وبالله التوفيق.

” إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان ” ( 1 / 248 – 251 ).

  1. الغناء بريد الزنى، أو رقية الزنى، أو داعية الزنى.

وهذا – أيضا – من أعظم أضرار الأغاني، والمعازف، وهو قول لبعض السلف، وقد بيَّن ابن القيم – رحمه الله – أيضا – وجه كون الغناء بريدا للزنا، فقال:

وأما تسميته رقية الزنى: فهو اسم موافق لمسمَّاه، ولفظ مطابق لمعناه، فليس في رقى الزنى أنجع منه، وهذه التسمية معروفة عن الفضيل بن عياض، قال ابن أبي الدنيا: أخبرنا الحسين بن عبد الرحمن قال: قال فضيل بن عياض: ” الغناء رقية الزنى “.

وقال يزيد بن الوليد: يا بني أمية! إياكم والغناء؛ فإنه يُنقص الحياء، ويزيد في الشهوة، ويهدم المروءة، وإنه لينوب عن الخمر، ويفعل ما يفعل السُّكر، فإن كنتم لا بد فاعلين: فجنبوه النساء؛ فإن الغناء داعية الزنى.

قال محمد بن الفضل الأزدي: نزل ” الحطيئة ” برجل من العرب، ومعه ابنته ” مليكة “، فلما جنَّه الليل: سمع غناءً، فقال لصاحب المنزل: ” كفَّ هذا عنِّي “، فقال: وما تكره من ذلك؟ فقال: ” إن الغناء رائد من رادة الفجور، ولا أحب أن تسمعه هذه، يعني: ابنته، فإن كففته: وإلا خرجت عنك “.

ثم ذكر عن خالد بن عبدالرحمن قال: كنا في عسكر سليمان بن عبد الملك فسمع غناء من الليل فأرسل إليهم بكرة فجيء بهم فقال: إن الفرس ليصهل فتستودق له الرمكة وإن الفحل ليهدر فتضبع له الناقة وإن التيس لينب فتستحرم له العنز وأن الرجل ليتغنى فتشتاق إليه المرأة ثم قال: اخصوهم فقال عمر بن عبد العزيز: هذه المثلة ولا تحل فخل سبيلهم قال: فخلى سبيلهم.

وقال ” الحطيئة ” لقومٍ نزل عندهم: ” جنبوني ندي مجلسكم، ولا تسمعوني أغاني شبيبتكم؛ فإن الغناء رقية الزنى “.

فإذا كان هذا الشاعر المفتون اللسان، الذي هابت العرب هجاءه: خاف عاقبة الغناء، وأن تصل رقيته إلى حرمته، فما الظن بغيره؟!.

ولا ريب أن كل غيور يجنِّب أهله سماع الغناء، كما يجنبهن أسباب الريَب، ومن طرَق أهلَه إلى سماع رقية الزنى: فهم أعلم بالإثم الذي يستحقه.

ومن الأمر المعلوم عند القوم: أن المرأة إذا استصعبت على الرجل: اجتهد أن يُسمعها صوت الغناء، فحينئذ تعطي الليان؛ وهذا لأن المرأة سريعة الانفعال للأصوات جدًّا، فإذا كان الصوت بالغناء: صار انفعالها من وجهين: من جهة الصوت، ومن جهة معناه، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لأنجشة حاديه: يا أنجشة! رويدك، رفقًا بالقوارير، يعني: النساء.

فأما إذا اجتمع إلى هذه الرقية: الدف، والشبابة، والرقص بالتخنث والتكسر: فلو حبلت المرأة من غناء: لحبلت من هذا الغناء!.

فلعمر الله كم مِن حرة صارت بالغناء من البغايا، وكم من حرٍّ أصبح به عبداً للصبيان، أو الصبايا، وكم من غيور تبدَّل به اسماً قبيحاً بين البرايا، وكم من ذي غنى وثروة أصبح بسببه على الأرض بعد المطارف والحشايا، وكم من معافى تعرض له فأمسى وقد حلت به أنواع البلايا، وكم أهدى للمشغوف به من أشجان وأحزان فلم يجد بدًّا من قبول تلك الهدايا، وكم جَرَع من غصة، وأزال من نعمة، وجلب من نقمة، وذلك منه من إحدى العطايا، وكم خبأ لأهله من آلام منتظرة، وغموم متوقعة، وهموم مستقبلة.

فسل ذا خبرة ينبيك عنه … لتعلم كم خبايا في الزوايا

وحاذر إن شغفت به سهاما … مريشة بأهداب المنايا

إذا ما خالطت قلبا كئيبًا … تمزق بين أطباق الرزايا

ويصبح بعد أن قد كان حرًّا … عفيف الفرج: عبدًا للصبايا

ويعطي من به يغني غناء … وذلك منه من شر العطايا

” إغاثة اللهفان ” ( 1 / 245 – 247 ) باختصار وتصرف يسير.

وفي ظننا أن العاقل يكفيه ما ذكرنا من مفسدتين مجملتين، وفي أثناء تفصيلهما: جاء ذِكر مفاسد، وأضرار كثيرة لذلك الغناء، وآلات اللهو، هذا عدا ما يذكره بعض الأطباء في هذا الزمان من أثر الموسيقى السيء على الأعصاب، وضغط الدم.

وما ذكرناه من أضرار ليس نسجاً من الخيال، بل هو كلام أئمة هدى، والغناء الذي تكلموا عن آثاره ليس هو – قطعًا – يشبه ما في زماننا! فإن ما في زماننا قد اشتكى منه أهل الفسق والفجور! من المغنين، والملحنين، حيث قاموا بمحاربة ” أغنيات الفيديو كليب ” وهي الأغاني الرائجة في هذا الزمان، وهي التي تحتوي على الصوت، والصورة المتحركة، وفيها من الفحش، والدعارة، والقذارة، والعري، ونزع الحياء: ما جعل بعض أهل الغناء يطالب بمنع عرضها على شاشات التلفاز لما تسببه من تهييج الشهوات، ونشر الفساد في البيوتات، بين الشباب والشابات! فإذا ضجَّ من أغاني هذا الزمان تلك العصابة من الفساق: فكيف يكون حال وحكم هذه الأغاني الحديثة؟!.

لذا نحن نجزم أنه لا يجادل في ضرر الأغاني إلا مبطل، أحمق، فالأمر أوضح من الشمس في رائعة النهار، من حيث حكمها، وآثارها السيئة، وأضرارها العظيمة.

 

والله أعلم.

هل يجوز للخطيب استعمال ” البروجكتر ” في خطبة الجمعة؟!

السؤال:

هل يوجد مانع شرعي من استخدام وسائل الإيضاح المرئية، والإلكترونية، كشاشات التلفاز، أو ” البروجكترات “، كأداة مساعدة للخطيب في خطبة الجمعة، من غير أن يصدر منها أي صوت يقطع صوت الخطيب؟ فالهدف من خطبة الجمعة هو تذكير الناس، ووعظهم، وتعليمهم، والتواصل معهم في أمور دينهم، وأمور حياتهم اليومية، والنابعة من بيئتهم ومجتمعهم، وأن مثل هذه الوسائل تساعد علي إيصال الخطبة بشكل أكثر فعالية للمصلين، وجذبهم للب الموضوع، مع مراعاة جميع النواحي الشرعية في الوسيلة التوضيحية، فمكبرات الصوت ساعدت على إيصال صوت الخطيب إلى عدد كبير من الناس، فهي أداة سمعية مساعدة، وبالمثل: فالشاشات، والبروجكترات هي أدوات بصرية مساعدة، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير التواصل مع أصحابه بإشارات من يديه الكريمتين لتقريب الفكرة بصريًّا، فساعة نراه عليه الصلاة والسلام يقرب بين السبابة والوسطى، وساعة نراه عليه الصلاة والسلام يرسم ثلاث خطوط على الأرض يحدد فيها الإنسان وأجله وأمله كما جاء في ” مسلم “، فهي أمور بسيطة في ذلك الزمن، ولكنها تساعد على إيضاح فكرة ما، أو تقريب الصورة إلى أذهان المستمعين.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

مخطئ من يظن أن الإسلام يتعارض في أحكامه مع ” التطور ” التقني، والاختراعات الحديثة، وما استعمال الإنترنت، والقنوات الفضائية، وأدوات الاتصال الحديثة إلا أدلة يسيرة على صدق هذا القول، لكننا لسنا عبيداً لتلك التطورات، وليست هي صالحة للدخول في كل باب من أبواب الدين، كمن أراد إدخال ” الإمام الإلكتروني ” في الصلاة بزعم مواكبة التطور والاختراعات الحديثة، فجعل من فتواه مجالاً للسخرية.

ومن ذلك: ما يسعى بعض الناس لإقراره وإثبات صلاحيته في خطبة الجمعة، وهو استعمال التقنيات الحديثة في العرض الضوئي ” البروجكتر ” على المصلين أثناء خطبة الجمعة! وقد حاول بعضهم إحراج العلماء بذِكره استعمال مكبرات الصوت في الخطبة! وهذا ليس من ذاك، ولا يشبهه، ولا يقربه، وهو يؤكد ما قلناه أولا أننا لا نمانع من استعمال ما هو جديد من التقنيات، لكن ذلك مشروط بموافقته للشرع، وعدم وجود محاذير، أو آثار سلبية.

والذي نراه أن استعمال ” البروجكتر ” في خطبة الجمعة لا يتوافق مع الشرع؛ لأسباب:

  1. أن خطبة الجمعة لها هيبتها، ومنزلتها التي سماها الله تعالى في كتابه ” ذكر الله “، فقال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) [ الجمعة / الآية 9 ] .

وإن استعمال جهاز العرض ذاك يقلل هيبتها، أو يُذهبه، ولا يتناسب مع كون الخطبة ذِكراً لله تعالى.

  1. أن السنَّة في خطبة الجمعة أنها تكون قصيرة، ومن شأن استعمال جهاز العرض فيها أن يطوِّلها، وهو مخالف للهدي النبوي.

قَالَ أَبُو وَائِلٍ: خَطَبَنَا عَمَّارٌ – أي: ابن ياسر – فَأَوْجَزَ، وَأَبْلَغَ، فَلَمَّا نَزَلَ قُلْنَا: يَا أَبَا الْيَقْظَانِ لَقَدْ أَبْلَغْتَ وَأَوْجَزْتَ فَلَوْ كُنْتَ تَنَفَّسْتَ – أي: أطلتَ -، فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ” إِنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ, وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ, مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ، فَأَطِيلُوا الصَّلَاةَ، وَاقْصُرُوا الْخُطْبَةَ، وَإِنَّ مِنْ الْبَيَانِ سِحْرًا “.

رواه مسلم ( 869 ).

وقد تتابعت كلمات العلماء على توكيد هذا الأمر، وتثبيته:

أ. قال ابن عبد البر – رحمه الله -:

وأما قصر الخطبة: فسنَّة مسنونة، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بذلك، ويفعله ، وفي حديث عمار بن ياسر: ” أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقصر الخطبة “، وكان يخطب بكلمات طيبات، قليلات، وقد كره التشدق، والتفيهق.

وأهل العلم يكرهون من المواعظ ما ينسي بعضه بعضاً لطوله، ويستحبون من ذلك ما وقف عليه السامع الموعوظ فاعتبره بعد حفظه له، وذلك لا يكون إلا مع القلة.

” الاستذكار ” ( 2 / 363 ، 364 ).

ب. وقال ابن حزم – رحمه الله -:

ولا تجوز إطالة الخطبة. ” المحلى ” ( 5 / 60 ).

  1. ثم يقال لهؤلاء المجيزين لاستعمال جهاز العرض الضوئي: أين تضعون شاشة العرض؟ وماذا عن المصلين عن يمين المسجد وعن شماله؟ وماذا عن المصلين خلف الأعمدة؟ وماذا عن المصلين خارج المسجد؟ وماذا عن النساء، هل سيشاركن في النظر؟! إن من شأن ذلك الاستعمال أن يكون لأناس دون آخرين، ومن شأنه أن يحرم طائفة من المصلين من الاستمتاع! بالمشاهدة، فأين الحكمة في ذلك الاستعمال مع ذلك الحرمان لتلك الطائفة.
  2. وإن من شأن استعمال جهاز العرض ذاك أن تُطفأ الأنوار! وأن تشغل أنوار جهاز العرض، وهو ما سيتسبب في حركة بعض المصلين الحاضرين في الإطفاء، والتشغيل، وإشغالهم بطريقة العرض، والصور المعروضة، أو الصوت الخارج منها، وهو ما يتنافى مع أحكام الجمعة، وقد حرَّم النبي صلى عليه وسلم مسَّ الحصى أثناء الخطبة، وجعل من فعل ذلك متعمداً أنه يُحرم من أجر الجمعة.

قال الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله -:

لا شك أن المسلم مأمور حالة خطبة الجمعة بالاستماع، والإنصات، وقطع الحركة، فهو مأمور بشيئين:

أولا: السكون، والهدوء، وعدم الحركة، والعبث.

ثانيًا: هو مأمور بالسكوت عن الكلام، فيحرم عليه أن يتكلم، والإمام يخطب، ويحرم عليه كذلك أن يستعمل الحركة، والعبث، أو يمسح الحصى، ويخطط في الأرض، أو ما أشبه ذلك، وما ذكرته من الحديث: ” من مسَّ الحصى فقد لغا ” فهو ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومعنى ( لغا ) : أنه ارتكب خطأ يُسبب إلغاء ثوابه، فمعنى ( لغا ) : ليس معناه أنه تبطل صلاته، وأنه يؤمر بالإعادة، وإنما معناه أنه لا ثواب له في تلك الصلاة. ” المنتقى من فتاوى الشيخ صالح الفوزان ” ( 5 / 71 ).

فالذي نراه: هو عدم جواز استعمال جهاز العرض الضوئي في خطبة الجمعة، وأما في الدروس والمواعظ والمحاضرات: فالأمر فيه واسع، ولا حرج في استعماله.

 

والله أعلم.

نبذة عن الإمام الشافعي

السؤال:

نريد نبذة عن حياة الإمام الشافعي، وإذا كان بالإمكان ترجمتها إلى الفرنسية لتعميم الفائدة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أكثر الرواة على أن الشافعي قد ولد بغزة بالشام، وعلى ذلك اتفق رأي الجمهرة الكبرى من مؤرخي الفقهاء وكاتبي طبقاتهم، ولكن وجد بجوار هذه الرواية من يقول إنه ولد بعسقلان، وهي على بعد ثلاثة فراسخ من غزة.

والرواية التي تعتنقها الكثرة العظمى من مؤرخي الفقهاء أيضًا بالنسبة لنسبه أنه ولد من أب قرشي مطلبي، واسمه محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف, فهو يلتقي مع النبي صلى الله عليه وسلم في عبد مناف.

والأخبار تتفق على أنه عاش عيشة اليتامى الفقراء، حفظ القرآن الكريم، وبدا ذكاؤه الشديد في سرعة حفظه له، ثم اتجه بعد حفظه القرآن الكريم إلى استحفاظ أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان حريصًا عليها، ويستمع إلى المحدثين فيحفظ الحديث بالسمع، ثم يكتبه على الخزف أحيانًا، وعلى الجلود أخرى، وكان يذهب إلى الديوان يستوعب الظهور ليكتب عليها، وبهذا تدل كل الروايات، أنه أغرم بالعلم، وحبب إليه حديث النبي صلى الله عليه وسلم منذ نعومة أظفاره.

خرج إلى البادية ولزم هذيلًا وهو يقول: خرجت من مكة فلازمت هذيلًا بالبادية، أتعلم كلامها، وآخذ طباعها، وكانت أفصح العرب، أرحل برحيلهم، وأنزل بنزولهم، فلما رجعت إلى مكة جعلت أنشد الأشعار، وأذكر الآداب والأخبار، ولقد بلغ من حفظه لأشعار الهذيليين وأخبارهم أن الأصمعي – ومكانته من اللغة مكانته – قال: صححت أشعار هذيل على فتى من قريش يقال له محمد بن إدريس.

طلب الشافعي العلم بمكة على من كان فيها من الفقهاء والمحدثين، وبلغ شأوًا عظيمًا، حتى لقد أذن له بالفتيا مسلم بن خالد الزنجي، وقال له: افت يا أبا عبد الله، فقد آن لك أن تفتي.

وكان ذلك في وقت انتشر اسم مالك في الآفاق، وتناقلته الركبان، وبلغ شأوًا من العلم والحديث بعيدًا، فسمت همة الشافعي إلى الهجرة إلى يثرب في طلب العلم، ولكنه لم يرد أن يذهب إلى المدينة خالي الوفاض من علم مالك – رضي الله عنه -، فقد استعار الموطأ من رجل بمكة وقرأه، والروايات تقول إنه حفظه.

ذهب الشافعي إلى مالك يحمل معه كتاب توصية من والي مكة، وبهذه الهجرة أخذت حياة الشافعي تتجه إلى الفقه بجملتها، ولما رآه مالك – وكانت له فراسة – قال له: يا محمد! اتق الله، واجتنب المعاصي، فإنه سيكون لك شأن من الشأن، إن الله تعالى قد ألقى على قلبك نورًا ، فلا تطفئه بالمعصية. ثم قال له: إذا ما جاء الغد تجيء ويجيء ما يقرأ لك. ويقول الشافعي: فغدوت عليه وابتدأت أن أقرأ ظاهرا والكتاب في يدي، فكلما تهيبت مالكًا وأردت أن أقطع أعجبه حسن قراءتي وإعرابي فيقول: يا فتى زد، حتى قرأته عليه في أيام يسيرة.

لما مات مالك وأحس الشافعي أنه نال من العلم أشطرًا، اتجهت نفسه إلى عمل يكتسب منه ما يدفع حاجته ويمنع خصاصته، وصادف في ذلك الوقت أن قدم إلى الحجاز والي اليمن، فكلمه بعض القرشيين في أن يصحبه الشافعي، فأخذه ذلك الوالي معه، ويقول الشافعي: ولم يكن عند أمي ما تعطيني ما أتمول به، فرهنت دارًا، فتحملت معه، فلما قدمنا عملت له على عمل.

تولى على نجران، فأقام العدل ونشر لواءه، ويقول هو في ذلك: وليت نجران وبها بنو الحارث بن عبد المدان، وموالي ثقيف، وكان الوالي إذا أتاهم صانعوه، فأرادوني على نحو ذلك فلم يجدوا عندي.

اتُّهِم الشافعي بأنه مع العلوية، فأرسل الرشيد أن يحضر النفر التسعة العلوية ومعهم الشافعي، ويقول الرواة أنه قتل التسعة، ونجا الشافعي بقوة حجته، وشهادة محمد بن الحسن له، كان قدومه بغداد في هذه المحنة سنة ( 184هـ ) أي وهو في الرابعة والثلاثين من عمره. ولعل هذه المحنة التي نزلت به ساقها الله إليه ليتجه إلى العلم لا إلى الولاية والسلطان.

قال ابن حجر: انتهت رياسة الفقه بالمدينة إلى مالك بن أنس، فرحل إليه ولازمه وأخذ عنه، وانتهت رياسة الفقه بالعراق إلى أبي حنيفة، فأخذ عن صاحبه محمد بن الحسن حملًا ليس فيه شيء إلا وقد سمعه عليه، فاجتمع علم أهل الرأي وعلم أهل الحديث، فتصرف في ذلك حتى أصل الأصول وقعد القواعد وأذعن له الموافق والمخالف، واشتهر أمره وعلا ذكره وارتفع قدره حتى صار منه ما صار.

بهت أهل الرأي في أول التقائه بهم في بغداد سنة ( 184هـ ) حتى قال الرازي في ذلك: انقطع بسببه استيلاء أهل الرأي على أصحاب الحديث.

ثم عاد الشافعي إلى مكة وأخذ يلقي دروسه في الحرم المكي، والتقى به أكبر العلماء في موسم الحج، واستمعوا إليه، وفي هذا الإبان التقى به أحمد بن حنبل.

ثم قدم الشافعي بغداد للمرة الثانية في سنة ( 195هـ )، وألف لأول مرة كتاب ” الرسالة ” الذي وضع به الأساس لعلم أصول الفقه، وجاء في مناقب الشافعي للرازي أنه روى أن عبد الرحمن بن مهدي التمس من الشافعي وهو شاب أن يضع له كتابًا يذكر فيه شرائط الاستدلال بالقرآن, والسنة, والإجماع, والقياس, وبيان الناسخ والمنسوخ, ومراتب العموم والخصوص، فوضع الشافعي – رضي الله عنه – كتاب ” الرسالة ” وبعثها إليه، فلما قرأها عبد الرحمن بن مهدي قال: ما أظن أن الله عز وجل خلق مثل هذا الرجل، ثم يقول الرازي: واعلم أن الشافعي – رضي الله عنه – قد صنف كتاب الرسالة وهو ببغداد، ولما رجع إلى مصر أعاد تصنيف كتاب الرسالة، وفي كل واحد منهما علم كثير.

ثم انتقل الشافعي إلى مصر، وقال الشافعي عندما أراد السفر:

لقد أصبحت نفسي تتوق إلى مصر   ومن دونها قطع المهامة والقفر

فوالله ما أدري الفوز والغنى   أساق إليها أم أساق إلى القبر

تساءل الشافعي في هذا الشعر أيساق إلى الغنى والفوز في مصر، أم يُساق إلى القبر، ولقد أجابه القدر عن سؤاله فساقه إليهما معًا، فقد نال الغنى بما كان يأخذه من سهم ذوي القربى الذي قد ناله بنسبه الشريف، ونال الفوز بنشر علمه وآرائه وفقهه، ثم ناله الموت، فكان مسوقًا إلى قبره بمصر، فقد مات في آخر ليله من رجب سنة ( 204هـ ) وقد بلغ من العمر أربعة وخمسين عامًا.

قال داود بن علي الظاهري:

” للشافعي من الفضائل ما لم يجتمع لغيره من شرف نسبه، وصحة دينه ومعتقده، وسخاوة نفسه، ومعرفته بصحة الحديث وسقيمه, وناسخه ومنسوخه, وحفظ الكتاب والسنة وسيرة الخلفاء, وحسن التصنيف “.

ولقد قال أحمد بن حنبل فيه:

” ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله عز وجل يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة رجلًا يقيم لها أمر دينها، فكان عمر بن عبد العزيز على رأس المائة، وأرجو أن يكون الشافعي على رأس المائة الأخرى “.

وقال الإمام أحمد – رحمه الله – أيضًا:

” كان الشافعي كالشمس للدنيا وكالعافية للبدن، فهل ترى لهذين من خلف، أو عنهما من عوض “.

وللتوسع عن حياة هذا الإمام وعلمه وفقهه، نحيل إلى كتاب ” الإمام الشافعي حياته ومذهبه، آراؤه وفقهه ” للشيخ محمد أبو زهرة، ومنه استفدنا هذه الترجمة.

 

والله أعلم.

كيف يزكي التاجر بضاعته التي في الطريق إليه؟ وهل يحسم ديونه من النصاب؟.

السؤال:

ما تقولون فضيلتكم في كيفية إخراج الزكاة ، حيث إنني أملك محلًا تجاريًّا لبيع الأقمشة، وقد حال الحول على البضاعة الموجودة بالمحل، وهناك ديون متعلقة بالبضاعة الموجودة، والمشتراة بالأجل، بأن تم دفع جزء من قيمتها، والباقي مؤجل، و بعض الديون على المحل، بالإضافة للمصاريف سنوية – كإيجار المحل، ورسوم رخصة سنوية … -.

وكذلك يوجد طلبيات في الطريق، فهل تحسب قيمة البضاعة حتى يومنا هذا، ويخصم منها قيمة الديون، وقيمة البضائع التي في الطريق، وتحسب قيمة الزكاة، أم فقط قيمة البضاعة حتى يومنا هذا؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

يخطئ بعض التجار في زكاة عروض التجارة، فيحسبون لبضاعتهم حوْلاً كاملاً خاصًّا! وهذا خطأ، بل بضاعتهم هي جزء من أموالهم، فعليهم إضافة قيمة البضاعة إلى ما يملكونه من أموال نقدية، ليكون حساب الزكاة على جميع ما يملكونه من مال، وبضاعة، وديون على الآخرين، فتضم البضاعة إلى المال ويكون النصاب والزكاة عليهما مجتمعيْن.

فانتبه لهذا – بارك الله عليك -، ولا تقع فيما وقع فيه غيرك.

ثانيا:

ومن أخطاء بعض التجار: أنه يقدِّر بضاعته بثمن شرائها، وهذا خطأ، بل عليه حسابها بسعر بيعها، بسعر الجملة للجملة، بسعر المفرَّق – القطاعي – للمفرَّق، فينظر وقت وجوب الزكاة عليه ويخرج الزكاة على بضاعته بسعر بيعها، فإن عجز عن الإحصاء الدقيق: فيقدِّر ذلك تقديرا يتقي الله تعالى فيه.

وانتبه – أخي السائل – إلى أن النصاب يقدَّر بالفضة، لا بالذهب، فإذا بلغ إجمالي ما عندك من مال نقدي وبضاعة قيمة ( 595 غراماً ) من الفضة: فقد بلغ مالك النصاب الشرعي الذي تجب فيه الزكاة.

ثالثا:

والديون التي عليك – أخي السائل – حكمها حكم الديون النقدية، فإن كان معه ما يقضي دينَه به، مالا، أو بضاعة: فلا يحسم الذي عليه منها, بل إما أن يقضي دينه، أو يحسب زكاة ما معه من مال أو بضاعة.

والرسوم السنوية للرخصة، وإيجار المحل: لا يمنعان من وجوب الزكاة، فإذا دَفعتَ الرسوم والإيجار قبل حلول وقت الزكاة: فلا إشكال، وإن جاء وقت الزكاة قبل وقت دفع الإيجار: فتحسب جميع ما معك من مال لتزكيه، ولا تحسم منه رسوم الرخصة، وقيمة الإيجار.

رابعا:

ويجوز لك أن تخرج زكاة بضاعتك أقمشة، ولا يجب عليك إخراجها نقوداً، فتتحرى أهل الزكاة المحتاجين للباس، فتعطيهم أقمشة يسترون بها أبدانهم.

خامسا:

وأما البضاعة المشتراة من مصدرها، وهي في طريقها إليكَ، وقد وجبت عليك الزكاة ولمَّا تصل بعدُ: فإنها تضاف على ما تملكه من مال وبضائع تحت تصرفك، لكن بقيتها بحسب مكانها الذي هي فيه عند حلول الزكاة، فإن كانت في ميناء البلد المصدِّر فلها قيمة، وإن كانت في البحر فلها قيمة، وإن كانت في ميناء بلدك فلها قيمة، وعليك معرفة مكانها عند حلول الزكاة لتخرج زكاتها مع ما معك من مال أو بضاعة.

 

والله أعلم.

علَّق طلاقها على معصيتها له فعصته في أمرٍ سابق لتعليقه, فهل يقع طلاقها؟.

السؤال:

أنا شاب متزوج، أعمل بالمملكة العربية السعودية، وزوجتي موجودة بمصر، ونشأت بيني وبين زوجتي بعض الخلافات، ونتيجة لهذه الخلافات أصبحتْ لا تطيعني في بعض الأمور، فأنا قلت لها: إذا أمرتك بشيء ليس فيه معصية لله ولم تطيعيني فيه: تكونين طالقا، وإذا كذبتِ عليَّ ثانية: تكونين طالقًا، وبعدها بأسبوع عصتني في أمر كنت قد نهيتها عنه من قبل أن أحلف عليها يمين الطلاق، فهل وقع الطلاق أم لا؟ مع العلم أنني مسافر ولن أعود إلا بعد ( 6  أشهر )، وكذلك الأمر الذي عصتني فية لا يوجد فيه معصية لله، وهذه أول مرة أحلف عليها هذا اليمين، فما هو الحل؟ .

 

الجواب:

الحمد لله

من علَّق طلاق زوجته على فعلها لشيء، وكان يقصد تطليقها إن فعلته، ثم فعلته: فقد وقع طلاقها عند جميع علماء المسلمين، ولا يُعلم بينهم في هذا اختلاف.

وما خالف فيه شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – في هذه المسألة: هو فيما إذا لم يكن يقصد الطلاق، بل الحث، أو المنع، وقد عدَّه رحمه الله بذلك يمينًا.

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 7 / 272 ، 273 ):

وقد اختلف الفقهاء في تعليق الطلاق عند تحقق شرائط الطلاق الشرعية: أنه يقع عند وقوع ما علق عليه أو لا يقع.

وللفقهاء في وقوع الطلاق المعلق، وعدم وقوعه قولين:

القول الأول: أنه يقع إذا تحقق ما علق عليه، سواء أكان جارياً مجرى اليمين أم لا، وإلى هذا ذهب الجمهور، من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة.

القول الثاني: التفرقة بين ما جرى مجرى اليمين، وما لم يجرِ مجراه.

فالأول: لا يقع، وإن وقع ما علق عليه، والثاني: يقع عند وقوع ما علق عليه، وهذا رأي ابن تيمية، وابن القيم، جمعاً بين ما روي عن الصحابة من الوقوع، وعدمه.

وهل تجب كفارة اليمين فيما جرى مجرى اليمين أو لا تجب؟.

اختار ابن تيمية وابن القيم وجوب الكفارة؛ لأنها يمين منعقدة يشملها قوله تعالى: ( ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان ).

انتهى باختصار وتصرف يسير.

والذي يظهر من سؤالك أنك قصدتَ تطليقها إن هي عصتك، أو كذبت عليك، وفي حال وقوع ذلك منها: فقد وقعت عليها طلقة.

وأما كون ذلك الأمر وقع منك قبل تعليق الطلاق: فمرجع وقوع الطلاق من عدمه راجع إلى نيتك، فإن كنتَ تقصد بقولك جميع أوامرك لها السابقة واللاحقة: وقع الطلاق، وإن كنتَ تقصد ما يأتي من أوامر بعد تعليق الطلاق: فلا يقع الطلاق.

وينبغي التنبه إلى أنها إن تكرر منها معصية أمرك المباح، أو تكرر كذبها عليك: فإنها تطلق كلما فعلت ذلك! وهذا في حال أنك علَّقت طلاقها على تكرار الفعل منها، لا على فعله مرة واحدة، واشتراط بعض الفقهاء لفظ ” كلما ” في هذه المسألة لا وجه له؛ لأن العبرة بمعنى الكلام، لا بلفظه.

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 29 / 41 ، 42 ):

إذا علَّق الزوج الطلاق على شرط: فإنه ينحل بحصول الشرط المعلق عليه مرة واحدة، مع وقوع الطلاق به على الزوجة في هذه المرة، فإذا عادت إليه ثانية في العدة أو بعدها: لم تقع عليها به طلقة أخرى؛ لانحلاله، هذا ما لم يكن التعليق بلفظ ” كلما “، وإلا وقع عليها به ثانية، وثالثة؛ لأن ” كلما ” تفيد التكرار، دون غيرها.

انتهى.

وإذا كنتَ تزعم أنك تقصد بالأوامر ما يستقبل تعليق الطلاق، أو تزعم أنك لم ترد تطليق زوجتك بقولك ذاك، أو أن التعليق للطلاق ليس على كل مرة تعصي فيها أمرك، أو تكذب عليك: فعليك مراجعة المحكمة الشرعية، ليبت القاضي في قضيتك.

وليحذر الأزواج من الاستعجال في أمر لهم فيه سعة، وليعلموا أنهم إن ورطوا أنفسهم بكلمة الطلاق أنهم لا يسعهم التراجع عنها، وأن عدد الطلاق الذي يملك به الزوج الرجعة طلقتان، وليعلقوا على فعل زوجاتهم ما لا ينبغي لهن فعله غير الطلاق كالحرمان من الخروج من المنزل، أو منعها مما تحبه مما لا يجب على الزوج توفيره لها، وغير ذلك من العقوبات غير الطلاق؛ لأن الطلاق تنهدم به الأسرة، ويضيع به الأولاد، ويفرح به الشيطان.

 

والله أعلم.