الرئيسية بلوق الصفحة 207

زواج المتعة والزواج العرفي

السؤال:

أنا أريد أن أتزوج من بنت مسلمة، ولكن بعد ثلاثة أعوام، ولا أريد في أن أرتكب الخطأ معها، فأردت أن أتزوجها عرفيًّا، أو زاوج متعة حتى أستطيع الزواج بها فيما بعد على الطريقة الشرعية، فماذا عليَّ أن أفعل عندما أريد زاوجها شرعيًّا من بعد هذا الزواج؛ لأني أخاف الله، ولا أريد الوقوع في الخطأ، فهذه هي أفضل وأحل طريقة، والله أعلم، فماذا أفعل؟.

 

الجواب:

الحمد لله

لم يكن السؤال واضحًا، وقد احتمل كلام الأخ السائل أكثر من شيء فيما يتعلق بنيته في العقد الذي يسأل عن حكمه، فهو يقول مرة إنه ” زواج عرفي ” وأخرى يقول إنه ” متعة “، فإذا عُلم أن ” الزواج العرفي ” له صورتان مشهورتان: احتمل السؤال ثلاث صور، وسنجيب على احتمالات السؤال كلها.

أما زواج المتعة:

فهو التزوج على مدة معينة بمعرفة الطرفين، بمهر مقدَّر، وينفسخ العقد بانتهاء المدة. وهو عقد محرَّم.

وأما ” الزواج العرفي ” فله صورتان:

الصورة الأولى: تزوج المرأة في السر، ودون موافقة وليها، وإذا كان كذلك: فهو عقد باطل؛ لأن موافقة الولي من شروط صحة العقد.

والصورة الثانية: التزوج بموافقة المرأة ووليها، لكن دون إعلان أو إشهار، أو دون توثيقه في المحاكم الشرعية أو النظامية، بشرط الإشهاد عليه، وإذا كان كذلك: فهو عقد صحيح من حيث شروطه وأركانه، لكنه مخالف للأمر الشرعي بوجوب الإعلان، ويترتب على عدم توثيقه ضياع لحقوق الزوجة من حيث المهر والميراث، وقد يحصل حمل وإنجاب فكيف سيثبت هذا الولد في الأوراق الرسمية؟ وكيف ستدفع المرأة عن عرضها أمام الناس؟.

هذا مع العلم أنه قد قال بعض الفقهاء بأن الإعلان عن النكاح سواء عند العقد أو عند الدخول من شروط النكاح، وهو قول ليس بعيدًا عن الصواب، وقد عللوا ذلك بكون الإعلان يُعلم به الفرق بين النكاح والسفاح، ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم ” فصْل ما بين الحلال والحرام الدف والصوت في النكاح ” رواه الترمذي ( 1088 ) والنسائي ( 3369 ) وابن ماجه ( 1896 ). وحسَّنه الشيخ الألباني في ” إرواء الغليل ” ( 1994 ).

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية:

فالذي لا ريب فيه أن النكاح مع الإعلان: يصح, وإن لم يشهد شاهدان، وأما مع الكتمان والإشهاد: فهذا مما ينظر فيه، وإذا اجتمع الإشهاد والإعلان: فهذا الذي لا نزاع في صحته، وإن خلا عن الإشهاد والإعلان: فهو باطل عند العامة، فإن قدِّر فيه خلاف فهو قليل، وقد يظن أن في ذلك خلافًا في مذهب أحمد; ثم يقال بم يميز هذا عن المتخذات أخدانًا؟ وفي المشترطين للشهادة من أصحاب أبي حنيفة من لا يعلل ذلك بإثبات الفراش; لكن كان المقصود حضور اثنين تعظيما للنكاح، وهذا يعود إلى مقصود الإعلان، وإذا كان الناس ممن يجهل بعضهم حال بعض, ولا يعرف من عنده هل هي امرأته أو خدينه, مثل الأماكن التي يكثر فيها الناس المجاهيل: فهذا قد يقال: يجب الإشهاد هنا. ” الفتاوى الكبرى ” ( 3 / 191 ).

* وقال ابن القيم:

إن الشارع اشترط للنكاح أربعة شروط زائدة عن العقد تقطع عنه شبهة السفاح: كالإعلان، والولي، ومنع المرأة أن تليه بنفسها، وندب إلى إظهاره حتى استحب فيه الدف والصوت والوليمة؛ لأن في الإخلال بذلك ذريعة إلى وقوع السفاح بصورة النكاح، وزوال بعض مقاصده من جحد الفراش، ثم أكد ذلك بأن جعل للنكاح زمنًا من العدة يزيد على مقدار الاستبراء وأثبت أحكامًا من المصاهرة وحرمتها من الوراثة زائدة على مجرد الاستمتاع، فعلم أن الشارع جعله سببًا وصلة بين الناس بمنزلة الرحم كما جمع بينهما في قوله تعالى { وهو الذي خلق من الماء بشرًا فجعله نسبًا وصهرًا }، وهذه المقاصد تمنع شَبَهَه بالسفاح.

” إعلام الموقعين ” ( 3 / 113 ).

 

والله أعلم.

كتاب ( فتاة الضباب )

2

كتاب‬⁩ (فتاة الضباب) :

كتاب جديد في الفكرة؛ يتناول قضية الفهم المغلوط لأحاديث زعم بعضهم أن ظاهرها الانتقاص من المرأة !
‏قامت مجموعة من الباحثات المتخصصات في الحديث وعلومه بمعالجة هذه القضية .

‏( قضايا المرأة بقلم المرأة ) 👇🏻

يريد الزواج من فتاة ووالدها يرفض

السؤال:

أريد أن أتزوج فتاة وكلانا موافق، ولكن المشكلة أن والدها لا يريد تزويجها لشخص ليس من بلدهم، ماذا أفعل؟ أحبها كثيرًا والعائق الوحيد من زواجي بها هو أبوها، وهي لا تريد أن تحضر أحدًا من الشيوخ ليكلم والدها وينصحه لأنها تخشى من أن يغضب منها ولا يكلمها، هل يجوز لي أن أخاطبها عن طريق الإنترنت؟ أعلم أنه لا يجوز الحديث مع الفتيات ولكننا ننوي الزواج.

– هذا الأمر يحيرني وأرجو أن تساعدني فيه.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا بدَّ أن تعلمي أن الشرع قد اشترط الولي لصحة العقد لأدلة كثيرة منها قوله صلى الله عليه وسلم ” لا نكاح إلا بولي “، رواه الترمذي( 1101) وأبو داود( 2085 ) وابن ماجه( 1881 ) وهو صحيح كما في ” إرواء الغليل ” للألباني رحمه الله ( 6 / 235 ).

ثانيًا:       

لا يجوز لك أن تخاطبها لا عبر الانترنت ولا بالهاتف ولا بغيره من طرق المراسلة أو المحادثة؛ وذلك لأنها أجنبية عنك، وإذا كان والدها قد رفض تزوجك منها فلا حاجة بعده للكلام ولا للمراسلة.

ولك أن توسط من تظن أنه قد يقنع والدها بالزواج، وإذا أصرَّ والدها على الرفض: فننصحك أن تبحث عن غيرها، فلعل الله يريد صرفك عنها وصرفها عنك لخير يريده لكما، فلا تبتأس ولا تنزعج.

 

والله أعلم.

يدرس في جدة ويقيم في الرياض وينوي العمرة بعد الاختبارات فمن أين يحرم؟

السؤال:

أنا موظف في الرياض وأدرس منتسبًا في جدة وأنوي العمرة من الرياض، ولكن بعد الاختبارات، فهل يجب عليَّ أن أذهب من جدة إلى ” السيل الكبير ” وأحرم للعمرة أو أني أحرم من جدة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أوجب النبي صلى الله عليه وسلم على من أراد العمرة أو الحج الإحرام من المواقيت، وإذا قصد المسلم جدة أو مكة لعملٍ، أو دراسة، أو تجارة ثم بدا له أن يعتمر فإنه يحرم من حيث أنشأ النية، وإذا كان في الحرم فعليه الخروج للحل ليحرم منه.

* قال علماء اللجنة الدائمة:

من مرَّ على أي واحد من المواقيت التي ثبتت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو حاذاه جوًّا أو برًّا أو بحرًا وهو يريد الحج أو العمرة: وجب عليه الإحرام، وإذا كان لا يريد حجًّا ولا عمرة: فلا يجب عليه أن يحرم، وإذا جاوزها بدون إرادة حج أو عمرة، ثم أنشأ الحج أو العمرة من مكة أو جدة: فإنه يحرم بالحج من حيث أنشأ من مكة أو جدة – مثلًا-.

الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن قعود. ” فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ” ( 11 / 122 ).

* وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين:

ولا يجوز لمن مر بهذه المواقيت وهو يريد الحج أو العمرة أن يتجاوزها إلا محرمًا، وعلى هذا فإذا كان في الطائرة وهو يُريد الحج أو العمرة، وجب عليه الإحرام إذا حاذى الميقات من فوقه، فيتأهب ويلبس ثياب الإحرام قبل محاذاة الميقات، فإذا حاذاه: عقد نية الإحرام فورًا.

ولا يجوز له تأخيره إلى الهبوط في جُدّة، لأن ذلك من تعدي حدود الله تعالى، وقد قال سبحانه: { وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لاَ تَدْرِى لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا }، { وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّـلِمُونَ اللَّهِ }، { وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَـلِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَـلِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ }.

ومن مَرّ بالمواقيت وهو لا يريد حَجًّا ولا عمرة، ثم بدا له بعد ذلك أن يعتمر أو يحج فإنه يُحرم من المكان الذي عزم فيه على ذلك لأن في ” الصحيحين ” من حديث ابن عباس رضي الله عنهما في ذكر المواقيت قال: ومن كان دون ذلك فَمِن حيث أنشأ، وإذا مرّ بهذه المواقيت وهو لا يريد الحج ولا العمرة وإنما يريد مكة لغرض آخر كطلب علم، أو زيارة قريب، أو علاج مرض، أو تجارة أو نحو ذلك: فإنه لا يجب عليه الإحرام إذا كان قد أدى الفريضة، لحديث ابن عباس السابق وفيه: ” هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن لمن كان يريد الحج والعمرة “، فإن مفهومه أن من لا يريدهما لا يجب عليه الإحرام.

” مناسك الحج والعمرة ” ( ص 27 ).

والذي يظهر أنك تريد أداء الامتحانات وأن هذا هو سبب ذهابك لجدة، فينبغي التفريق بين من ذهب لجدة لحاجة ثم من المحتمل أن يعتمر، وبين من ذهب للعمرة وذهب لجدة لحاجة، فالأول لا يلزم بالإحرام من الميقات، والثاني يلزم به.

 

والله أعلم.

هل يقدم الحاقن الصلاة على الوقت والجماعة؟

السؤال هو:

أني مصاب بضعف وارتخاء في عضلات المثانة، وإذا تبولت – أكرمك الله – تظهر قطرات بعد البول ولا يطهر الذكر إلا بعد ( 15 ) دقيقة تقريبًا، فأنا أضع حائلًا بينه وبين ملابسي، وإذا انقطعت القطرات أتوضأ وأصلي، ولكن في كثير من المرات أصحو وأنا محتقن وإقامة الصلاة قريبة جدًّا، فماذا أفعل؟ هل أصلي مع الجماعة وأنا محتقن من البول؟ أو أتبول وأنتظر حتى يطهر الذكر وأصلي في البيت وتضيع علي الجماعة، مع العلم أني – والحمد لله – حريص جدًّا على صلاة الجماعة -؟. أفتوني مأجورين، وماذا أفعل في الصلوات التي صليتها وأنا محتقن؟.

 

الجواب:

الحمد لله

نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كل ما يشغل المصلي في صلاته، ومنه: نهيه عن الصلاة بحضرة الطعام لمن تتوق نفسه للطعام، ومنه: الصلاة وهو يدافعه الأخبثان – البول والغائط -.

عن عائشة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ” لا صلاة بحضرة الطعام، ولا هو يدافعه الأخبثان “. رواه مسلم ( 560 ).

* وقد اختلف العلماء في حكم صلاة الحاقن:

فذهب الحنفية والحنابلة – وهو رأي للشافعية – إلى أن صلاة الحاقن مكروهة, وحملوا النهي في الحديث على الكراهة.

وقال بعض الشافعية: إذا كانت مدافعة الأخبثين شديدة لم تصح الصلاة، أخذًا بظاهر الحديث وهو التحريم ونفي الصحة.

أما المالكية: فقد ذهبوا إلى أن الحقن الشديد ناقض للوضوء, فتكون صلاته باطلة.

وإذا كان في الوقت متسع فينبغي أن يقضي حاجته من بول أو غائط, ثم يشرع في الصلاة.

* فإن خاف فوت وقت الصلاة ففي المسألة رأيان:

فقد ذهب الحنفية والحنابلة – وهو رأي للشافعية – إلى أنه يصلي وهو حاقن, ولا يترك الوقت يضيع منه.

وذهب الشافعية – في رأي آخر – إلى أنه يقضي حاجته أولًا ويتوضأ وإن خرج الوقت, ثم يقضيها, لظاهر الحديث; ولأن المراد من الصلاة الخشوع, فينبغي أن يحافظ عليه وإن فات الوقت، وهو الأرجح من القولين.

وإذا كان الراجح أنه يقدِّم حضور القلب على الوقت: فأولى أن يقدمه على صلاة الجماعة، فحضور الجماعة ليس عذرًا لأن يصلي وهو حاقن.

* قال الخرقي الحنبلي:

( وإذا حضرت الصلاة, وهو يحتاج إلى الخلاء, بدأ بالخلاء ).

* وعلّقَ عليه ابن قدامة بقوله:

يعني إذا كان حاقنًا كرهت له الصلاة حتى يقضي حاجته, سواء خاف فوات الجماعة أو لم يخف، لما ذكرنا من حديث عائشة … والمعنى في ذلك: أن يقوم إلى الصلاة وبه ما يشغله عن خشوعها، وحضور قلبه فيها, فإن خالف وفعل: صحت صلاته في هذه المسألة. ” المغني ” ( 1 / 880 ).

* قال الشيخ ابن عثيمين:

فلهذا قال أهل العلم: إنه لا يجوز للإنسان أن يخرج من المسجد بعد الأذان إلا لعذر مثل أن يخرج ليتوضأ ويرجع، إلا أنه إذا كان يخشى أن تفوته الجماعة فإنه لا يخرج ما لم يكن مدافعًا للبول أو الغائط، فإن كان مدافعًا للبول أو الغائط فليخرج ولو فاتت الصلاة لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ” لا صلاة بحضرة طعام ولا وهو يدافعه الأخبثان “.

فإذا فرضنا أن أحدًا ينتظر الصلاة ثم حصر ببول أو غائط أو بريح أيضًا؛ لأن بعض الناس قد يكون عنده غازات تشغله فلا حرج عليه أن يخرج ويقضي حاجته، ثم يرجع إن أدرك الجماعة فبها ونعمت، وإن لم يدركها فلا حرج عليه.

” مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين ” ( 12 / السؤال 127 ).

* فائدة: قال شيخ الإسلام ابن تيمية:

وإذا كان على وضوء وهو حاقن يحدث ثم يتيمم, إذ الصلاة بالتيمم وهو غير حاقن أفضل من صلاته بالوضوء وهو حاقن.

” الفتاوى الكبرى ” ( 5 / 311 ).

 

والله أعلم.

هل يسعى الإنسان للبحث عن زوجة أم أن هذا من القدر؟

السؤال:

هل يعتبر للإنسان دخل في زواجه- أي كما يقول البعض ” اسعَ يا عبد وأنا أسعى معاك ” أم أنه لا دخل للإنسان تمامًا وأنه نصيب من عند الله؟.

 

الجواب:

الحمد لله

لا شك أن للإنسان دخلًا في زواجه، فهو يتزوج بمحض إرادته، ويبحث عمن تناسبه من ذوات الدين أو الجمال أو النسب، وهو يلام إن فرَّط في اختيار ذات الدين، ويؤجر إن أحسن الاختيار لنفسه ولأبنائه.

وليس يعني حرية اختياره للزوجة أنه لم يكن يعلم الله تعالى به أولًا، ويُكتب ذلك في اللوح المحفوظ، فكل شيء قدَّره الله أزلًا كما قال تعالى: { إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ } [ القمر / 49 ]، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ” إن أولَّ ما خلق الله القلم فقال له: اكتب، فجرى بما هو كائن إلى الأبد ” رواه الترمذي ( 3319 ) وصححه، فليس هذا مختصًّا بالزواج وحده بل وفي كل أفعال الخلق.

والرزق قدَّره الله أزلًا وكتبه على عبده، ومع ذلك أُمر العبد بالسعي لتحصيله، وهو يبذل وسعه في حسن اختيار الوظيفة الملائمة من حيث العمل والراتب.

والأجل قدَّره الله تعالى أزلًا، وكتبه على عبده، ومع ذلك يسعى العبد لحفظ حياته بالبعد عن التهلكة، وأكل وشرب ما يلائم هذا الحفظ.

والسعادة والشقاوة قدَّرها الله تعالى أزلًا، وكتبهما على عباده، ومع ذلك لا يرضى الخلق لأنفسهم الشقاوة، ويسعون لتحصيل السعادة وبذل الأموال في تحصيلها.

وهكذا الأمر في الزواج، فهو وإن كان قد قدَّره الله عز وجل أزلًا، فإن هذا لا يعني أن لا يبذل الزوج الأسباب للزواج من ذات الدين، وهو بذلك يسعى لتحصيل مقصود الشرع.

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:” تُنكح المرأة لأربعٍ: لمالها ولحسبها وجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك” رواه البخاري ( 4802 ) ومسلم ( 1466 ).

والأمر كذلك بالنسبة للزوجة وأوليائها، فليس أول من يطرق باب الزواج يُزوَّج، بل لا بدَّ من اختيار صاحب الخلق والدين، والبحث والسؤال عمن يتقدم للزواج.

عن أبي حاتم المزني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض ” رواه الترمذي ( 1084 ) وحسنه الشيخ الألباني في ” إرواء الغليل ” ( 1868 ).

وقد عرض عمر بن الخطاب ابنته حفصة على عثمان بن عفان وعلى أبي بكر الصدِّيق – رضي الله عنهما – كما رواه البخاري ( 3783 ).

وأما ما يتناقله بعض العامة من قول الله تعالى: ” اسعَ يا عبدي وأنا أسعى معك ” فليس هو آية ولا حديثًا قدسيًّا، ومقصود الجملة صحيح، وهو الطلب من العبد أن يبذل الأسباب في الرزق والزواج وغيرهما.

 

والله أعلم.

هل يقدِّم النصراني عليه في وظيفة إدارية حكومية؟

السؤال:

أنا موظف – والحمد لله – في قطاع حكومي، ولكن هذه الأيام وجد منصب مرموق في الجهة التي أعمل بها شاغر، ولكنه منصب ذو تبعات ومشقة، وأنا لا أرغب في العمل به لأني مرتاح في منصبي الحالي، ولكن رشح لهذا المنصب شخص مسيحي الديانة، وهذا المنصب يتحكم من خلاله في عدد من المرؤوسين المسلمين.

هل أنا أؤثم على امتناعي عن العمل في هذا المنصب؟

 

الجواب:

الحمدلله

الذي ينبغي عليك هو قبول هذا المنصب، وعدم تمكين ذلك النصراني منه – ولا يقال ” مسيحي ” بل نصراني فهم ليسوا أتباع المسيح -، ما لم يكن هذا العمل مشتملًا على شيءٍ محرَّم يُفعل من خلاله.

وخاصة أنك تقول إن العمل سيكون فيه ولاية على المسلمين، وهو مما لا ينبغي أن يُمكَّن منه الكفار؛ لقوله تعالى { ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلًا }، وقد قال بعض أهل العلم إنها خبر بمعنى النهي، والمعنى: لا تجعلوا للكافرين على المؤمنين سبيلًا، ومنه: الولايات سواء كانت عامة أم خاصة.

وإذا كان النبي صلى الله عليه قد أمرنا أن لا نفسح لهم في الطريق إكراماً لهم فأولى أن لا يُفسح لهم المجال ليتولوا على المسلمين.

عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” لا تبدءوا اليهود ولا النصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه “.

رواه مسلم ( 2167 ).

* قال النووي:

قوله صلى الله عليه وسلم: ” وإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه “: قال أصحابنا: لا يترك للذمي صدر الطريق, بل يضطر إلى أضيقه إذا كان المسلمون يطرقون, فإن خلت الطريق عن الزحمة فلا حرج، قالوا: وليكن التضييق بحيث لا يقع في وهدة, ولا يصدمه جدار ونحوه، والله أعلم.

” شرح مسلم ” ( 14 / 147 ).

بل قد كان بعض السلف ينهى عن توليتهم أي وظيفة لما في ذلك من إكرامهم بما لا يستحقونه؛ ولأنه لا يُؤمن جانبهم.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية:

فروى الإمام أحمد – بإسناد صحيح – عن أبي موسى الأشعري – رضي الله عنه – قال: قلت لعمر – رضي الله عنه -: إن لي كاتبًا نصرانيًا، قال: “مالك قاتلك الله، أما سمعت الله يقول: { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض } ألا اتخذت حنيفًا ً”، قال: قلت: يا أمير المؤمنين لي كتابته وله دينه، قال: ” لا أكرمهم إذ أهانهم الله، ولا أعزهم إذ أذلهم الله، ولا أدنيهم إذ أقصاهم الله “. ” اقتضاء الصراط المستقيم “( ص 50 ).

* وقال القرطبي:

وعن عمر – رضي الله عنه – قال: ” لا تستعملوا أهل الكتاب فإنهم يستحلون الرشا، واستعينوا على أموركم وعلى رعيتكم بالذين يخشون الله تعالى “.

وقيل لعمر رضي الله عنه: إن ههنا رجلًا من نصارى الحيرة لا أحد أكتبَ منه ولا أخطَّ بقلم، أفلا يكتب عنك؟ فقال: ” لا آخذ بطانة من دون المؤمنين “.

فلا يجوز استكتاب أهل الذمة، ولا غير ذلك من تصرفاتهم في البيع والشراء والاستنابة إليهم.

قلت: وقد انقلبت الأحوال في هذه الأزمان باتخاذ أهل الكتاب كتبة وأمناء، وتسودوا بذلك عند الجهلة الأغبياء من الولاة والأمراء.

” تفسير القرطبي ” ( 4 / 179 ).

* وقال ابن تيمية – رحمه الله -:

ولا يستعان بأهل الذمة في عمالة ولا كتابة لأنه يلزم منه مفاسد أو يفضي إليها.

وسئل أحمد – في رواية أبي طالب -: في مثل الخراج؟ فقال: لا يستعان بهم في شيء، ومن تولى منهم ديوانًا للمسلمين أينقض عهده؟ ومن ظهر منه أذى للمسلمين أو سعى في فساده لم يجز استعماله، وغيره أولى منه بكل حال، فإن أبا بكر الصديق رضي الله عنه عهد أن لا يستعمل من أهل الردة أحدًا، وإن عاد إلى الإسلام لما يخاف من فساد ديانتهم. ” الفتاوى الكبرى ” ( 4 / 610 ).

 

والله أعلم.

هل يجوز للمسلم أن يتزوج كتابية؟

السؤال:

هل يحق للرجل المسلم الزواج من امرأة نصرانية أو يهودية كما تزوج الرسول صلى الله عليه وسلم بمارية القبطية؟.

 

الجواب:

الحمد لله

لم يتزوج النبي صلى الله عليه وسلم مارية القبطية، بل كانت أمَة له، وكان قد أهداها له المقوقس صاحب مصر، وذلك بعد صلح الحديبية.

والزواج من نصرانية أو يهودية جائز بقوله تعالى: { الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آَتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ } [ المائدة / 5 ].

* قال ابن القيم:

ويجوز نكاح الكتابية بنص القرآن، قال تعالى: { والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم }، والمحصنات هنا هن العفائف، وأما المحصنات المحرمات في سورة النساء فهن المزوجات، وقيل: المحصنات اللاتي أُبحن هن الحرائر، ولهذا لم تحل إماء أهل  الكتاب، والصحيح: الأول لوجوه – وذكرها -.

والمقصود: أن الله سبحانه أباح لنا المحصنات من أهل الكتاب، وفعله أصحاب نبينا صلى الله عليه وسلم، فتزوج عثمان نصرانية، وتزوج طلحة بن عبيد الله نصرانية، وتزوج حذيفة يهودية.

* قال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن المسلم يتزوج النصرانية أو اليهودية، فقال: ما أحب أن يفعل ذلك، فإن فعل فقد فعل ذلك بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. ” أحكام أهل الذمة ” ( 2 / 794 ، 795 ).

ونحن وإن قلنا بالجواز، ولا نشك بذلك للنص الواضح فيه، إلا أننا لا نرى أن يتزوج المسلم كتابية، وذلك لأمور:

الأول: أن من شروط التزوج من الكتابية أن تكون عفيفة، وقلَّ أن يوجد في تلك البيئات من هن عفيفات.

والثاني: أن من شروط التزوج من الكتابية أن تكون الولاية للمسلم، والحاصل في هذا الزمان أن من يتزوج من بلد كافر فإنه يتزوجهن وفق قوانينها، فيطبقون عليه نصوص قوانينهم وفيها من الظلم والجور الشيء الكثير ، ولا يعترفون بولاية المسلم على زوجته وأولاده، وإذا ما غضبت المرأة من زوجها هدمت بيته وأخذت أولادها بقوة قانون بلدها، وبإعانة سفاراتها في كافة البلاد، ولا يخفى الضعف والعجز في مواجهة تلك البلاد وسفاراتها في بلدان المسلمين.

والثالث: أن النبي صلى الله عليه وسلم رغَّبنا بذات الدين من المسلمات، فلو كانت مسلمة توحد الله لكنها ليست ذات دين وخلق فإنه لا يرغب بزواجها، لأن الزواج ليس هو الاستمتاع بالجماع فقط، بل هو رعاية لحق الله وحق الزوج، وحفظ لبيته وعرضه وماله، وتربية لأولاده، فكيف يأمن من يتزوج كتابية على تربية أبنائه وبناته على الدين والطاعة، وهو تارك لهم بين يدي تلك الأم التي تكفر بالله تعالى وتشرك معه آلهة؟.

لذا وإن قلنا بجواز التزوج من كتابية إلا أننا لا نحبذه ولا ننصح به، بل لا ننصح بأي مسلمة إلا أن تكون صاحبة دين.

 

والله أعلم.

يشتكون ممن يطعن في العلماء والدعاة وينكر الكلام في الرقائق

السؤال:

فيا شيخنا المبارك إننا جماعة من طلاب العلم في أحد البلاد الإسلامية نشكو إلى الله عز وجل من قلة الدروس التربوية التي يلقيها علماؤنا في بلدنا، بل إننا نخرج من هذه الدروس وقد زادت قسوة قلوبنا حيث أن المشايخ في بلدنا – ونشهد لله بأنهم يملكون علمًا كثيرًا – في دروسهم تتاح الفرصة أحيانًا لغيبة بعض العلماء والدعاة بدعوى التحذير والجرح والتعديل، بل إنهم يصرحون بأن الرقائق ليست من الدين في شيء، وكثيرًا ما يتهمون غيرهم من الدعاة الذين يعظون الناس ويؤثرون فيهم بأنهم مبتدعون في بكائهم كالصوفية!!

الشاهد يا شيخنا الفاضل: أننا يعلم الله أننا نتعطش لطلب العلم ولكننا نفتقر إلى التربية التي كنا نعهدها من علماء رحلوا عن الدنيا وعلماء آخرين نسمعهم في الأشرطة, فما السبيل؟ هل نعتزل حلق العلم هذه أم ماذا؟.

 

الجواب:

الحمد لله

الذي تشكو منه – أخي الفاضل – يشكو منه كثير من الشباب في بلدان متفرقة، وقد ابتليت الأمة بمن جعل همَّه وديدنه التحذير من أهل العلم وأهل الخير، وتنفير الناس منهم، ومن تأمل المسائل التي من أجلها يحذرون وينفرون ويهجرون وجدها مسائل اجتهادية تدور بين الأجر والأجرين، ووجد أكثر يقول بها أهل العلم المعاصرون، وإن خالفوا فليس موقفهم من المخالف كموقف هؤلاء الذين لم يتربوا على خلق ولم يتعلموا علمًا ينفعهم وينفعون به الناس.

وقولهم إن الرقائق ليست من الدين قول فاسد منحرف، بل هو قول كفر، ومع إنكارنا عليهم إلا أننا لا نرى أنهم يقولون بمثل هذا القول، وهل يغفل أحد عما في كتاب الله تعالى من الرقائق؟ وهل يجهل أحد ما كان يعظ به النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه فتذرف عيونهم وتوجل قلوبهم؟ بل إن البخاري – رحمه الله – قد استعمل هذه الكلمة بعينها في صحيحه فجعل فيه كتابًا كاملًا وسماه ” كتاب الرقائق “، فأين هم عن هذا؟.

لكن تربية هؤلاء قاصرة ناقصة، وعلمهم الذي معهم ليس هو علم السلف، فقد قال الإمام أحمد – رحمه الله – ” رأس العلم خشية الله ” فأين هم من أخلاق السلف؟ وأين هم من علم السلف؟.

وها هم علماؤنا وأئمتنا قديمًا وحديثًا يحذرون من هذا المنهج المنحرف، والذي يصد عن سبيل الله تعالى، ويعظون المتكلمين في العلماء والدعاة، فلماذا لا يسمع هؤلاء كلامهم ولا يتبعونه وهم يزعمون أنهم يجلونهم ويأخذون عنهم؟.

وفي بيان أهمية التربية، وأن العلم من غير تربية ضرره أكثر من نفعه: قال الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله -:

والحاصل إن إحسان العشرة مع الأهل والأصحاب والأقارب كل ذلك من حسن الخلق، وينبغي لنا في هذه المراكز الصيفية أن نستغل وجود الشباب بحيث نمرنهم على إحسان الخلُق لتكون هذه المراكز مراكز تعليم وتربية؛ لأن العلم بدون تربية يكون ضرره أكثر من نفعه، لكن مع التربية يكون العلم مؤدِّيًا لنتيجته المقصودة، ولهذا قال الله تعالى: ) مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ ) [ آل عمران / 79 ]، هذه فائدة العلم أن يكون الإنسان ربانيًّا بمعنى مربيًا لعباد الله على شريعة الله. ” كتاب العلم ” ( ص 251 ).

وفي بيان تحريم الطعن في العلماء وتنفير الناس منهم:

* سئل الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله -:

ما رأي فضيلتكم فيمن صار ديدنهم تجريح العلماء وتنفير الناس عنهم والتحذير منهم، هل هذا عمل شرعي يثاب عليه أو يعاقب عليه؟.

فأجاب بقوله:

الذي أرى أن هذا عمل محرَّم، فإذا كان لا يجوز للإنسان أن يغتاب أخاه المؤمن وإن لم يكن عالمًا: فكيف يسوغ له أن يغتاب إخوانه العلماء من المؤمنين؟ والواجب على الإنسان المؤمن أن  يكف لسانه عن الغيبة في إخوانه المؤمنين، قال الله تعالى: ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ ) [ الحجرات / 12 ]، وليعلم هذا الذي ابتلي بهذه البلوى أنه إذا جرَّح العالم فسيكون سببًا في رد ما يقوله هذا العالم من الحق، فيكون وبال رد الحق وإثمه على هذا الذي جرح العالم؛ لأن جرح العالم في الواقع ليس جرحًا شخصيًّا بل هو جرح لإرث محمد صلى الله عليه وسلم.

فإن العلماء ورثة الأنبياء فإذا جرح العلماء وقدح فيهم لم يثق الناس بالعلم الذي عندهم وهو موروث عن رسوله الله صلى الله عليه وسلم، وحينئذٍ لا يثقون بشيء من الشريعة التي يأتي بها هذا العالم الذي جُرح، ولست أقول إن كل عالم معصوم، بل كل إنسان معرض للخطأ، وأنت إذا رأيت من عالم خطأ فيما تعتقده، فاتصل به وتفاهم معه، فإن تبين لك أن الحق معه وجب عليك اتباعه، وإن لم يتبين لك ولكن وجدت لقوله مساغًا وجب عليك الكف عنه، وإن لم تجد لقوله مساغًا فحذر من قوله؛ لأن الإقرار على الخطأ لا يجوز، لكن لا تجرحه وهو عالم معروف مثلًا بحسن النية، ولو أردنا أن نجرح العلماء المعروفين بحسن النية لخطأ وقعوا فيه من مسائل الفقه: لجرحنا علماء كبارًا، ولكن الواجب هو ما ذكرت، وإذا رأيت من عالم خطأ فناقشه وتكلم معه، فإما أن يتبين لك أن الصواب معه فتتبعه أو يكون الصواب معك فيتبعك، أو لا يتبين الأمر ويكون الخلاف بينكما من الخلاف السائغ، وحينئذ يجب عليك الكف عنه وليقل هو ما يقول ولتقل أنت ما تقول.

والحمد لله، الخلاف ليس في هذا العصر فقط، الخلاف من عهد الصحابة إلى يومنا، وأما إذا تبين له الخطأ ولكنه أصر انتصارًا لقوله وجب عليك أن تبين الخطأ وتنفر منه، لكن لا على أساس القدح في هذا الرجل وإرادة الانتقام منه؛ لأن هذا الرجل قد يقول قولًا حقًّا في غير ما جادلته فيه.

فالمهم أنني أحذر إخواني من هذا البلاء، وهو تجريح العلماء والتنفير منهم، وأسأل الله لي ولهم الشفاء من كل ما يعيبنا أو يضرنا في ديننا ودنيانا.

” كتاب العلم ” ( السؤال 113 ).

* وسئل فضيلة الشيخ ابن عثيمين:

ما قولكم فيمن يتخذ من أخطاء العلماء طريقًا للقدح فيهم ورميهم بالبهتان؟ وما النصيحة التي توجهها لطلبة العلم في ذلك؟.

فأجاب بقوله:

العلماء – بلا شك – يخطئون ويصيبون، وليس أحد منهم معصومًا، ولا ينبغي لنا ، بل ولا يجوز أن نتخذ من خطئهم سلمًا للقدح فيهم، فإن هذه طبيعة البشر كلهم أن يخطئوا إذا لم يوفقوا للصواب، ولكن علنيا إذا سمعنا عن عالم أو عن داعية من الدعاة أو عن إمام من أئمة المساجد إذا سمعنا خطأ أن نتصل به، حتى يتبين لنا لأنه قد يحصل في ذلك خطأ في النقل عنه، أو خطأ في الفهم لما يقول، أو سوء قصد في تشويه سمعة الذي نقل عنه هذا الشيء، وعلى كل حال: فمن سمع منكم عن عالم أو عن داعية أو عن إمام مسجد أو أي إنسان له ولاية، من سمع منه ما لا ينبغي أن يكون: فعليه أن  يتصل به وأن يسأله: هل وقع ذلك منه أم لم يقع، ثم إذا كان قد وقع فليبين له ما يرى أنه خطأ، فإما أن يكون قد أخطأ فيرجع عن خطئه، وإما أن يكون هو المصيب، فيبين وجه قوله حتى تزول الفوضى التي قد نراها أحيانًا ولا سيما بين الشباب.

وإن الواجب على الشباب – وعلى غيرهم – إذا سمعوا مثل ذلك أن يكفوا ألسنتهم وأن يسعوا بالنصح، والاتصال بمن نُقل عنه ما نُقل حتى يبين الأمر، أما الكلام في المجالس – ولا سيما في مجالس العامة – أن يقال ما تقول في فلان؟ ما تقول في فلان الآخر الذي يتكلم ضد الآخرين؟ فهذا أمر لا ينبغي بثه إطلاقًا؛ لأنه يثير الفتنة والفوضى، فيجب حفظ اللسان، قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل – رضي الله عنه -: ” ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قلت: بلى يا رسول الله، فأخذ بلسان نفسه، وقال: كف عليك هذا، قلت: يا رسول الله إنا لمؤاخذون بما نتكلم به، قال: ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجهوهم – أو قال: على مناخرهم – إلا حصائد ألسنتهم “.

وأنصح طلبة العلم وغيرهم أن يتقوا الله وألا يجعلوا أعراض العلماء والأمراء مطية يركبونها كيف ما شاءوا، فإنه إذا كانت الغيبة في عامة الناس من كبائر الذنوب فهي في العلماء والأمراء أشد وأشد، حمانا الله وإياكم عما يغضبه، وحمانا عما فيه العدوان على إخواننا، إنه جواد كريم.

” كتاب العلم ” ( السؤال 100 ).

والخلاصة: أنه يجب عليكم أن تنصحوا هؤلاء المتكلمين في العلماء والدعاة بغير حق، وأن تأخذوا على أيديهم، وأن تبينوا لهم خطر تنفيرهم الناس عنهم، وأن هذا التنفير لا يؤدي إلا إلى زيادة فساد الناس وانحرافهم، وهم يعلمون أنهم ومن يعظمون ليس لهم نصيب في دعوة العامة، وليس لهم أثر يُذكر في وعظهم ودلالتهم على ما ينفعهم، وها هي أشرطتهم ومحاضراتهم ليس فيها كلام عن الحجاب ولا عن التبرج ولا عن ترك الصلاة ولا غيرها مما يفع من الناس من مخالفات، بل إذا تكلموا في بعض تلك المسائل تكلموا في المخالفين لهم ممن يرى وجوب الخمار أو كفر تارك الصلاة، وعدوا تبنيهم لتلك الأقوال هو المنكر!.

وننصحكم أن تبحثوا عن النافع الصالح لكم، فإن لم يستجيبوا لكم ويكفوا ألسنتهم عن الطعن والتنفير والتحذير: ففي تركهم والالتفاف على غيرهم ممن يتحلى بحسن الخلق نفع عظيم لكم، ويمكنكم الاجتماع على أشرطة أهل العلم والاستفادة منها، كما يمكنكم متابعة الدروس المنهجية والوعظية التي تعقد في الانترنت – البال توك – وتستفيدون منها غاية الاستفادة.

ونحمد الله تعالى أن هدى الكثيرين من هؤلاء الطاعنين، وأرجعهم إلى صوابهم، ونسأله تعالى أن يهدي الباقين، ويجمع شمل المسلمين على ما يحب ويرضى.

 

والله الهادي.

متحيِّر من اختلاف صفة الصلاة بين الشيخين ابن باز والألباني

السؤال:

وجدت في الإنترنت صفتين لصلاة النبي صلى الله عليه وسلم، إحداهما للشيخ ابن باز والأخرى للألباني، وهناك فرق كبير بينهما، فالشيخ ابن باز يقول بوجوب وضع اليدين على الصدر بعد الركوع ثم السجود على الركبتين أولًا، أما الشيخ الألباني فيقول بإسدال اليدين ووضع اليدين على الأرض أولًا حين السجود، وقال الألباني بالاعتماد على الأرض حين الرفع للركعة التالية باليدين، أما ابن باز فيقول بالاعتماد على الركب في النهوض، فأي من هاتين الصفتين لصلاة النبي صلى الله عليه وسلم نتبع؟.

أظن بأن هناك صفة واحدة لصلاة النبي صلى الله عليه وسلم ولكن لا يعلمها أحد، هل يمكن أن نخلط بين تلك الصفتين بحيث نسدل اليدين بعد الركوع ونعتمد على الركب في النهوض أو العكس؟ أم أننا يجب أن نتبع صفة واحدة من أحد العلماء؟.

أريد أن أصلي بنفس الصفة التي كان يصلي بها النبي صلى الله عليه وسلم فأرجو المساعدة.

الجواب:

الحمد لله

من الخطأ البالغ حصر الخلاف في مسائل الفقه بين المشايخ المعاصرين، فما قاله الشيخ الألباني ورجَّحه من النزول على اليدين هو قول الإمام مالك وجماعة من أهل العلم، وما قاله الشيخ ابن باز من أن النزول على الركبتين هو قول الأئمة: أحمد والشافعي وأبي حنيفة، فلمَ يحصر الخلاف ويجعل بين المعاصرين فقط وكأنه لا قائل بقولهم من قبل؟.

والأمر الثاني الذي نود التنبيه عليه: هو أن الخلاف بين العلماء ليس فقط في صفة الصلاة، بل وفي الصيام والحج وغيرها من أبواب العلم.

والمرجع في مثل هذه الخلافات هو: الكتاب والسنَّة، والعلماء يجتهدون في البحث والتفقه للوصول إلى صفة صلاته وصومه وحجه صلى الله عليه وسلم، فمن يصيب منهم الحق: فله أجران، ومن لم يُصب: فله أجر واحد ، فهم دائرون– إذن – بين الأجر والأجرين.

وما على غيرهم إلا البحث والاجتهاد لمعرفة أي الفريقين قد أصاب السنَّة، وقد يكون نتيجة ذلك أن يجمع بين ما يرجحه كلا العالِمَين – ابن باز والألباني-، فإن لم يكن قادرًا على البحث والاجتهاد: فليقلِّد من يرى أكثرهم علمًا ودينًا.

       

والله أعلم.