الرئيسية بلوق الصفحة 352

حكم الإسلام في عمل المرأة في بلاد الكفر

حكم الإسلام في عمل المرأة في بلاد الكفر

السؤال:

أنا مسلمة ، أبلغ من العمر 31 عاما ، وقد تلقيت أساسيات عن الإسلام لكن بطريقة غربية عموما – فقد تعلمت في الخارج في جامعة أوروبية ، وعملت بعد ذلك في شركة عالمية كبيرة تتبنى الطريقة المعروفة بـ”سبيل الكفاءات! Career path”.

وقد دأب والداي وأسلوب الحياة التي رُبيت بها على تشجيع طريقة الحياة هذه.

وعلاوة على ذلك ، فأنا أعول عائلتي لأنهما (والدي ووالدتي) لا يعملان حاليا . وأنا أعيش الآن بمفردي في بلد غربي لا عرب فيه ولا مسلمين.  وحيث أني نشأت نشأة إسلامية ، فأنا أجد نفسي منعزلة عن المجتمع من حولي فأنا لا أرغب في حضور الحفلات أو الذهاب إلى البارات أو الخروج في مواعيد مع رجال …الخ.

والخياران المتوفران أمامي هما : إما أن أعود إلى البيت وأعيش تحت مظلة الأب والأم وأبحث عن أي عمل يشغلني وإذا كنت محظوظة فسأجد شخصا أتزوج به.

وسيعني ذلك التضحية بالدخل لفترة محددة على الأقل مما سيؤثر سلبا على عائلتي بالإضافة على التضحية بالمنصب المرموق في الشركة التي أعمل فيها . أو يكون الخيار الثاني وهو الاستمرار في الوظيفة وأعيش على أمل أن أجد مسلما صالحا يوما ما يساعدني في أن أعيش حياة إسلامية.

– ما هو رأي الإسلام حول هذا الموضوع ؟

– آمل أن ترد على سؤالي في أقرب وقت ممكن حيث أني بحاجة للقيام ببعض التغييرات الجادة بسرعة .

 

الجواب:

الحمد لله

  1. إن الخيارين المطروحين من قِبَل الأخت السائلة هما خياران بين الدين والدنيا ، بين الصواب والخطأ .

لذا فإننا لا يمكن لنا أن نشير على أختنا السائلة إلا بحفظ رأس مالها وهو دينها وعفافها وأن تظل بين أهلها تحافظ على نفسها وتكون بين من يحميها ، ولعل الله أن ييسر لها عملاً شرعياً وزوجاً صالحاً ، ونبشرها بحديث النبي صلى الله عليه وسلم ” من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه ”  – وهو حديث صححه الشيخ الألباني رحمه في ” حجاب المرأة المسلمة ” ( ص 49 ) .

  1. فكم من أخ وأخت تركوا ما هم عليه من الأعمال والبيئات وقد كانوا يكسبون فيها المال الوفير، فما هو إلا أن تركوا ذلك لله تعالى بعد علمهم بما هم عليه من المخالفات: حتى فتح الله لهم طرقاً كثيرة في الرزق ، ووسَّع الله عليهم ، وهدى قلوبهم لأحسن مما كانوا عليه .

ونذكر الأخت السائلة بوالديها ، وأنها ينبغي لها أن تفكر فيها ، وأن بقاءها بجانبهما والقيام على رعايتهما أفضل بكثير من الفراق لهما ، ولا تهتم بما يريدانه منها من العمل غير الشرعي ، فالعامة يحرصون على الدنيا ، وقد لا يخطر ببالهم المحاذير الشرعية التي تحيط بعمل بناتهم وأولادهم .

  1. وأما السعي في هذه الدنيا الفانية على حساب الدين فهذا لا نرضاه لأخواتنا وبناتنا فكيف نرضاه للأخت السائلة .
  2. ولا عليك من كون الشركة عالمية أو أن معاشها مغرٍ ، فإن ذلك لا يسوى شيئاً إذا كان في سخط الله تعالى ، ويكفي أن معك رجال أجانب في العمل ، فضلا عن كونك في بلدٍ ليس فيه مسلمون ، فالمحاذير في عملك كثيرة تبدأ بسفرك وحدك من غير محرم ، ثم بياتك وحدك في شقة أو غرفة ، ثم الاختلاط مع الأجانب الكفار ، ثم بقاؤك في بلاد الشرك والكفر ، وكل هذه محاذير دلَّ الدليل على حرمتها .
  3. وانعزالك عن الناس قد لا يدوم كثيراً بسبب كثرة المغريات ، وقلة المعين والناصح.

وطريق الشر يبدأ بخطوة ، فإذا سلكه الإنسان قد يصعب عليه التفكير بنفسه وآخرته .

ومن فضل الله عليكِ أن سخر لك الطريق هنا لسؤال ناصح يهمه أمر دينك وآخرتك ، وأما الدنيا فلا يؤسف عليها ، والشيء اليسير يكفي القانع ، لكنه الطمع الذي يهلك ، ولا يبقي عقلا للتفكير ، ولا ورعاً في السؤال .

ونسأل الله تعالى أن يأخذ بيدكِ لما فيه نفعك ، وأن يحفظ عليكِ دينكِ ،هو ولي ذلك ، ولا مسئول غيره .

 

والله أعلم .

حكم من تركب مع السائق منفردة

السؤال :
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
هناك مشاركات في أحد مراكز تحفيظ القران يتم تجميعهم بحافلة والسائق لا يوجد معه محرم كزوجته والسؤال هو: بالنسبة للراكبة الأولى صباحاً والأخيرة ظهراً
ج 10374
الحمد لله
تتابعت فتاوى أهل العلم على تحريم خلوة السائق بالمرأة الأجنبية ، للنص على تحريم الخلوة بالأجنبية ، ولما ترتب على ذلك من مفاسد لا تخفى على أحد ، سواء كان الذهاب إلى مراكز التحفيظ أو إلى المساجد ، ومن باب أولى إلى الأسواق وما شابهها ، وهذا الحكم يتعلق – كما في السؤال – بالراكبة الأولى صباحاً ، وبالأخيرة ظهراً ، وحتى يرتفع الحرج هنا فينبغي أن تركب طالبتان صباحاً معاً ، وتنزل طالبتان ظهراً معاً ، وهذه بعض فتاوى أهل العلم :
1. قال الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله :
لم يبق شك في أن ركوب المرأة الأجنبية مع صاحب السيارة منفردة بدون محرم يرافقها : منكر ظاهر ، وفيه عدة مفاسد لا يستهان بها ، سواء كانت المرأة خفرة أو برزة ، والرجل الذي يرضى بهذا لمحارمه ضعيف الدين ، ناقص الرجولة ، قليل الغيرة على محارمه ، وقد قال صلى الله عليه وسلم ” ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما ” ، وركوبها معه في السيارة أبلغ من الخلوة بها في بيت ونحوه ؛ لأنه يتمكن من الذهاب بها حيث شاء من البلد أو خارج البلد ، طوعاً أو كرهاً ، ويترتب على ذلك من المفاسد أعظم مما يترتب على الخلوة المجردة .
ولا يخفى آثار فتنة النساء والمفاسد المترتبة عليها ؛ ففي الحديث ” ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء ” ، وفي الحديث الآخر ” اتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء ” .
لهذا وغيره مما ورد في هذا الباب ، وأخذاً بما تقتضيه المصلحة العامة ويحتمه الواجب الديني علينا وعليكم : نرى أنه يتعيَّن البت في منع ركوب أي امرأة أجنبية مع صاحب التاكسي بدون مرافق لها مِن محارمها أو مَن يقوم مقامه مِن محارمها أو أتباعهم المأمونين المعروفين .. ..
” فتاوى المرأة المسلمة ” ( 2 / 553 ، 554 ) .
2. وقال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله :
لا يجوز ركوب المرأة مع سائق ليس محرماً لها وليس معهما غيرهما ؛ لأن هذا في حكم الخلوة ، وقد صحَّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ” لا يخلونَّ رجل بامرأةٍ إلا ومعها ذو محرَم ” ، وقال صلى الله عليه وسلم : ” لا يخلونَّ رجل بامرأة ، فإن الشيطان ثالثهما” .
أما إذا كان معهما رجل آخر أو أكثر أو امرأة أخرى أو أكثر : فلا حرج في ذلك إذا لم يكن هناك ريبة ؛ لأن الخلوة تزول بوجود الثالث أو أكثر .
وهذا في غير السفر ، أما في السفر : فليس للمرأة أن تسافر إلا مع ذي محرَم ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ” لا تسافر امرأة إلا مع ذ محرَم ” متفق على صحته .
ولا فرق بين كوْن السفر من طريق الأرض أو الجو أو البحر ، والله ولي التوفيق .
” فتاوى المرأة المسلمة ” ( 2 / 556 ) .
3. وقال الشيخ محمد الصالح العثيمين :
أقول وأنا كاتبه محمد الصالح العثيمين : إنه لا يجوز للرجل أن ينفرد بالمرأة الواحدة في السيارة إلا أن يكون محرَماً لها ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال ” لا يخلونَّ رجل بامرأة إلا مع ذي محرم ” .
أما إذا كان معه امرأتان فأكثر : فلا بأس ؛ لأنه لا خلوة حينئذٍ بشرط أن يكون مأموناً وأن يكون في غير سفرٍ ، والله الموفق .
” فتاوى المرأة المسلمة ” ( 2 / 554 ، 555 ) .
4. وقال الشيخ صالح الفوزان حفظه الله :
لا يجوز للمرأة أن تركب السيارة وحدها مع سائق غير محرم ، لا في الذهاب إلى المسجد ولا إلى غيره ؛ لما جاء من النهي الشديد عن خلوة الرجل بالمرأة التي لا تحل له .
وإذا كان مع السائق جماعة من النساء : فالأمر أخف لزوال الخلوة المحذورة ، لكن يجب عليهن التزام الأدب والحياء ، وعدم ممازحة السائق والتبسط معه ؛ لقوله تعالى { فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولاً معروفاً } [ الأحزاب / 32 ] .
” فتاوى المرأة المسلمة ” ( 2 / 556 ، 557 ) .

والله أعلم

الدليل على حرمة كشف الكتفين في الصلاة.

ما هو الدليل على تحريم كشف الكتفين في الصلاة؟ ولماذا خالف الأئمة الثلاثة الإمام أحمد بن حنبل حول المسألة؟
الحمد لله
صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى المصلِّي عن كشف عاتقيه – منكبيه – ، وقد أخذ الإمام أحمد بظاهر الحديث وأرجع النهي إلى ذات العبادة فرأى بطلان الصلاة في مثل هذه الحال ، لأن النهي يقتضي الفساد .
والجمهور جعلوا النهي للتنزيه ، وجعلوه معَّللاً باحتمال انكشاف عورة المصلي ، فلم يحكموا ببطلان الصلاة في مثل هذه الحال .
والنهي المذكور قد جاء في حديث أبي هريرة قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ” لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقيه شيء ” . رواه البخاري ( 325 ) ومسلم ( 516 ) .
1. قال النووي :
قوله صلى الله عليه وسلم : ” لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء ” قال العلماء : حكمته أنه إذا ائتزر به ولم يكن على عاتقه منه شيء لم يؤمن أن تنكشف عورته بخلاف ما إذا جعل بعضه على عاتقه ، ولأنه قد يحتاج إلى إمساكه بيده أو يديه فيشغل بذلك ، وتفوته سنة وضع اليد اليمنى على البدن وموضع اليسرى تحت صدره ، ورفعهما حيث شرع الرفع ، وغير ذلك ، لأن فيه ترك ستر أعلى البدن وموضع الزينة وقد قال الله تعالى : { خذوا زينتكم } ثم قال مالك وأبو حنيفة والشافعي رحمهم الله تعالى والجمهور: هذا النهي للتنزيه لا للتحريم،فلو صلى في ثوب واحد ساتر لعورته ليس على عاتقه منه شيء صحت صلاته مع الكراهة ، سواء قدر على شيء يجعله على عاتقه أم لا .
وقال أحمد وبعض السلف رحمهم الله : لا تصح صلاته إذا قدر على وضع شيء على عاتقه إلا بوضعه لظاهر الحديث .
وعن أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى رواية أنه تصح صلاته ، ولكن يأثم بتركه ، وحجة الجمهور قوله صلى الله عليه وسلم في حديث جابر رضي الله عنه : ” فإن كان واسعا فالتحف به ، وإن كان ضيقا فأتزر به ” رواه البخاري ، ورواه مسلم في آخر الكتاب في حديثه الطويل .
” شرح مسلم ” ( 4 / 2311 ، 232 ) .
2. وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله :
والصحيح أن ستر المنكبين ، أو أحدهما في الصلاة للرجل من باب تكميلها وتمامها ، وأنه ليس بشرط ، وحديث أبي هريرة ” لا يصلي الرجل في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء ” يفسِّره حديث جابر ” إن كان الثوب واسعاً فالتحِف به ، وإن كان ضيِّقاً فاتَّزِر به ، أو فخالف بين طرفيه ” ؛ ولأن المنكب ليس بعورة فستره في الصلاة من باب تكميلها كما هو قول جمهور العلماء .
“فقه الشيخ ابن سعدي ” ( 2 / 42 ) .
3. وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :
ولو أخذنا بالدليل لقلنا بوجوب [ ستر ] العاتقين جميعاً ، وما ذهب إليه المؤلف – وهو موسى الحجاوي صاحب ” زاد المستقنع ” – هو المشهور من المذهب – أي : الحنبلي – .
والقول الثاني : أن ستر أحد العاتقين سنَّة وليس بواجب ، لحديث ” إن كان ضيِّقاً فاتزر به ” ، وهذا القول هو الراجح ، وهو مذهب الجمهور ، وكونه لا بدَّ أن يكون على العاتقين شيء من الثوب ليس من أجل أن العاتقين عورة ، بل من أجل تمام اللباس وشد الإزار ؛ لأنه إذا لم تشده على عاتقيك ربما ينسلخ ويسقط ، فيكون ستر العاتقين هنا مراداً لغيره لا مراداً لذاته .
” الشرح الممتع شرح زاد المستقنع ” ( 2 / 164 ) .

والله أعلم

الحجاب أثناء الاستحمام والنوم

السؤال:

ما هي الأمور التي علينا أن نفعلها وتلك التي علينا أن نتجنبها في وقت المغرب؟  مثلا:  هل صحيح أن على الشخص أن يضيء الأنوار؟  أعلم بأنه لا يجوز أن أخرج من البيت دون أن أغطي رأسي، لكن ماذا عن الاستحمام؟  وماذا إن كنت نائمة؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا نعلم شيئًا يجب على المسلم تركه وقت المغرب – ولا نظن أن السؤال عن صلاة المغرب أو الإفطار للصائم -، وأما من حيث الفعل: فيجب كف الصبيان عن الخروج ويستمر المنع والكف إلى ما بعد العشاء، وكذا الأمر في المواشي.

عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” إذا استجنح الليل – أو قال: جنح الليل – فكفوا صبيانكم؛ فإن الشياطين تنتشر حينئذ، فإذا ذهب ساعة من العشاء فخلوهم، وأغلق بابك، واذكر اسم الله، وأطفئ مصباحك –، واذكر اسم الله، وأوكِ سقاءك، واذكر اسم الله، وخمِّر إناءك واذكر اسم الله ولو تعرُضُ عليه شيئًا. رواه البخاري ( 3106 ) ومسلم ( 2012 ).

وفي رواية للبخاري ( 3138 ) ” فإن للجن انتشاراً وخَطفة “.

وفي رواية لهما بعد الأمر بإطفاء المصابيح: ” فإن الفويسقة – أي: الفأرة – تضرم على أهل البيت    بيتهم “.

عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” لا ترسلوا فواشيكم وصبيانكم إذا غابت الشمس حتى تذهب فحمة العشاء؛ فإن الشياطين تنبعث إذا غابت الشمس حتى تذهب فحمة العشاء “. رواه مسلم ( 2013 ).

قال النووي:

” الفواشي “: كل منتشر من المال كالإبل والغنم وسائر البهائم وغيرها، وهي جمع فاشية؛ لأنها تفشو، أي: تنتشر في الأرض.

و” فحمة العشاء ” ظلمتها وسوادها، وفسرها بعضهم هنا بإقباله وأول ظلامه، وكذا ذكره صاحب نهاية الغريب، قال: ويقال للظلمة التي بين صلاتي المغرب والعشاء: الفحمة، وللتي بين العشاء والفجر العسعسة. ” شرح مسلم ” ( 13 / 186 ).

قال ابن حجر:

قال ابن العربي: ظنَّ قوم أن الأمر بغلق الأبواب عام في الأوقات كلها، وليس كذلك، وإنما هو مقيد بالليل، وكأن اختصاص الليل بذلك لأن النهار غالبًا محل التيقظ بخلاف الليل، والأصل في جميع ذلك يرجع إلى الشيطان فإنه هو الذي يسوق الفأرة إلى حرق الدار.

” فتح الباري ” ( 6 / 357 ).

 

وقد أكد هذا المعنى الإمام ابن القيم رحمه الله في فائدة جليلة يحسن ذكرها ها هنا، قال:

سبب الإستعاذة من شر الليل:

والسبب الذي لأجله أمر الله بالاستعاذة من شر الليل وشر القمر إذا وقب: هو أن الليل إذا أقبل فهو محل سلطان الأرواح الشريرة الخبيثة، وفيه تنتشر الشياطين، وفي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم ” أخبر أن الشمس إذا غربت انتشرت الشياطين “، ولهذا قال: ” فاكتفوا صبيانكم واحبسوا مواشيكم حتى تذهب فحمة العشاء “، وفي حديث آخر ” فإن الله يبث من خلقه ما يشاء “.

والليل هو محل الظلام، وفيه تتسلط شياطين الإنس والجن ما لا تتسلط بالنهار؛ فإن النهار نور والشياطين إنما سلطانهم في الظلمات والمواضع المظلمة وعلى أهل الظلمة …

ولهذا كان سلطان السحر وعظم تأثيره إنما هو بالليل دون النهار، فالسحر الليلي عندهم هو السحر القوي التأثير، ولهذا كانت القلوب المظلمة هي محال الشياطين وبيوتهم ومأواهم، والشياطين تجول فيها وتتحكم كما يتحكم ساكن البيت فيه، وكلما كان القلب أظلم: كان للشيطان أطوع، وهو فيه أثبت وأمكن.

السر في الإستعاذة برب الفلق:

ومن هاهنا تعلم السر في الاستعاذة برب الفلق في هذا الموضع؛ فإن الفلق: الصبح الذي هو مبدأ ظهور النور، وهو الذي يطرد جيش الظلام وعسكر المفسدين في الليل، فيأوي كلَّ خبيث وكلَّ مفسد وكلَّ لص وكلَّ قاطع طريق إلى سرب أو كن أو غار، وتأوي الهوام إلى أجحرتها، والشياطين التي انتشرت بالليل إلى أمكنتها ومحالها، فأمر الله تعالى عباده أن يستعيذوا برب النور الذي يقهر الظلمة ويزيلها ويقهر عسكرها وجيشها، ولهذا ذكر سبحانه في كل كتابه أنه يخرج عباده من الظلمات إلى النور ويدع الكفار في ظلمات كفرهم، قال تعالى: { الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات }، وقال تعالى: { أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها }، وقال في أعمال الكفار: { أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورًا  فما له من نور }، وقد قال قبل ذلك في صفات أهل الإيمان ونورهم: { الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء }.

فالإيمان كله نور ومآله إلى نور ومستقره في القلب المضيء المستنير والمقترن بأهله الأرواح المستنيرة المضيئة المشرقة.

والكفر والشرك كله ظلمة ومآله إلى الظلمات ومستقره في القلوب المظلمة والمقترن بها الأرواح المظلمة فتأمل الإستعاذة برب الفلق من شر الظلمة ومن شر ما يحدث فيها ونزول هذا المعنى على الواقع يشهد بأن القرآن بل هاتان السورتان من أعظم أعلام النبوة وبراهين صدق رسالة محمد ومضادة لما جاء به الشياطين من كل وجه، وإن ما جاء به ما تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم وما يستطيعون فما فعلوه ولا يليق بهم ولا يتأتى منهم ولا يقدرون عليه وفي هذا أبين جواب وأشفاه لما يورده أعداء الرسول عليه من الأسئلة الباطلة التي قصر المتكلمون غاية التقصير في دفعها وما شفوا في جوابها وإنما الله سبحانه هو الذي شفى وكفى في جوابها فلم يحوجنا إلى متكلم ولا إلى أصولي ولا أنظار فله الحمد والمنة لا نحصي ثناء عليه.

” بدائع الفوائد ” ( 2 / 445 – 447 ).

وقال النووي:

هذا الحديث فيه جمل من أنواع الخير والأدب الجامعة لمصالح الآخرة والدنيا، فأمر صلى الله عليه وسلم بهذه الآداب التي هي سبب للسلامة من إيذاء الشيطان، وجعل الله عز وجل هذه الأسباب أسباباً للسلامة من إيذائه فلا يقدر على كشف إناء ولا حل سقاء ولا فتح باب ولا إيذاء صبي وغيره إذا وجدت هذه الأسباب. ” شرح مسلم ” ( 13 / 185 ).

وقال أيضًا:

قوله صلى الله عليه وسلم ” فإن الشيطان ينتشر ” أي: جنس الشيطان، ومعناه: أنه يخاف على الصبيان ذلك الوقت من إيذاء الشياطين لكثرتهم حينئذٍ. ” شرح مسلم ” ( 13 / 185 ).

وقال الحافظ ابن حجر:

قال ابن الجوزي: إنما خيف على الصبيان في تلك الساعة لأن النجاسة التي تلوذ بها الشياطين موجودة معهم غالبًا، والذِّكر الذي يحرز منهم مفقود من الصبيان غالبًا، والشياطين عند انتشارهم يتعلقون بما يمكنهم التعلق به، فلذلك خيف على الصبيان في ذلك الوقت.

والحكمة في انتشارهم حينئذ أن حركتهم في الليل أمكن منها لهم في النهار؛ لأن الظلام أجمع للقوى الشيطانية من غيره وكذلك كل سواد، ولهذا قال في حديث أبي ذر: ” فما يقطع الصلاة؟ قال: الكلب الأسود شيطان ” أخرجه مسلم. ” فتح الباري ” ( 6 / 341 ، 342 ).

وقال القرطبي:

وقال القرطبي تضمن هذا الحديث أن الله أطلع نبيه على ما يكون في هذه الأوقات من المضار من جهة الشياطين والفأر والوباء وقد أرشد إلى ما يتقى به ذلك فليبادر إلى فعل تلك الأمور ذاكرا لله ممتثلا أمر نبيه  صلى الله عليه وسلم شاكرا لنصحه فمن فعل لم يصبه من ذلك ضرر بحول الله وقوته. ” فيض القدير ” ( 1 / 423 ، 424 ).

وإضاءة الأنوار ليست لازمة عند غروب الشمس إنما تفعل للحاجة إليها.

ثانيًا:

وأما الحجاب فلا تلزم المرأة به إلا عند خروجها من البيت، أو دخول أحدٍ من الأجانب عليها، وكشفه عند النوم مما لا بد منه، وكذا عند الاغتسال وذلك حتى يعم الماء جميع البدن.

ولا نعلم للمنع منهما أصلًا شرعيًّا، بل هو من التشدد الذي نهينا عنه.

 

والله أعلم.

ما حكم الأكل من طعام الهندوس؟

ما حكم الأكل من طعام الهندوس؟

السؤال:

هل يجوز الأكل في بيت الهندوس ؟ فقد قرأت بأنه لا يجوز مشاركة الإناء مع الكفار ولدي بعض أصدقاء الدراسة يدعونني لبيوتهم وأشعر بالخجل حين أرفض دعوتهم .

 

الجواب

الحمد لله

لا مانع من الأكل عند الهندوس وغيرهم من الكفار الوثنيين والمشركين بشرط أن لا يكون الطعام من ذبائحهم ؛ لأن الله تعالى أباح لنا ما في الأرض جميعاً وفصَّل ما حرَّم علينا ، ومما حرَّمه علينا أكْل ذبائح المشركين  – ما عدا أهل الكتاب إذا طبَّقوا الشروط الشرعية في ذبحهم – .

قال السرخسي :

ولا بأس بطعام المجوس , وأهل الشرك ما خلا الذبائح , فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يأكل ذبائح المشركين , وكان يأكل ما سوى ذلك من طعامهم , فإنه كان يجيب دعوة بعضهم تأليفا لهم على الإسلام , فأما ذبائح أهل الكتاب , فلا بأس بها لقوله تعالى { وطعام الذين أوتوا الكتاب حلٌّ لكم } …” المبسوط ” ( 24 / 28 ) .

وقال ابن قدامة :

قال –  أي : الخرقي – : ( ولا يؤكل صيد المجوسي وذبيحته , إلا ما كان من حوت فإنه لا ذكاة له ) .

أجمع أهل العلم على تحريم صيد المجوسي وذبيحته , إلا ما لا ذكاة له , كالسمك والجراد , فإنهم أجمعوا على إباحته , غير أن مالكاً , والليث , وأبا ثور , شذُّوا عن الجماعة , وأفرطوا ; فأما مالك والليث فقالا : لا نرى أن يؤكل الجراد إذا صاده المجوسي ، ورخَّصا في السمك ، وأبو ثور أباح صيده وذبيحته ; لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ” سنُّوا بهم سنَّة أهل الكتاب ” ، ولأنهم يقرون بالجزية , فيباح صيدهم وذبائحهم , كاليهود والنصارى ، واحتج برواية عن سعيد بن المسيب ، وهذا قول يخالف الإجماع , فلا عبرة به .

قال إبراهيم الحربي : خرق أبو ثور الإجماع ، قال أحمد : هاهنا قوم لا يرون بذبائح المجوس بأساً , ما أعجب هذا يعرض بأبي ثور .

وممن رويت عنه كراهية ذبائحهم : ابن مسعود , وابن عباس , وعلي , وجابر , وأبو بردة , وسعيد بن المسيب , وعكرمة , والحسن بن محمد , وعطاء , ومجاهد , وعبد الرحمن بن أبي ليلى , وسعيد بن جبير , ومرة الهمداني , والزهري , ومالك , والثوري , والشافعي , وأصحاب الرأي ، قال أحمد : ولا أعلم أحداً قال بخلافه , إلا أن يكون صاحب بدعة ؛ ولأن الله تعالى قال : { وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم } فمفهومه تحريم طعام غيرهم من الكفار , ولأنهم لا كتاب لهم , فلم تحل ذبائحهم كأهل الأوثان . … ولا خلاف في إباحة ما صادوه من الحيتان ، حكي عن الحسن البصري , أنه قال : رأيت سبعين من الصحابة يأكلون صيد المجوسي من لا يختلج في صدورهم شيء من ذلك ، رواه سعيد بن منصور .

والجراد كالحيتان في ذلك ; لأنه لا ذكاة له , ولأنه تباح ميتته , فلم يحرم بصيد المجوسي , كالحوت .

وحكم سائر الكفار , من عبدة الأوثان والزنادقة وغيرهم , حكم المجوسي , في تحريم ذبائحهم وصيدهم , إلا الحيتان والجراد وسائر ما تباح ميتته , فإن ما صادوه مباح ; لأنه لا يزيد بذلك عن موته بغير سبب ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ” أُحلَّت لنا ميتتان ; السمك , والجراد ” ، وقال في البحر : ” هو الطهور ماؤه , الحلُّ ميتته ” .

قال أحمد : وطعام المجوس ليس به بأس أن يؤكل , وإذا أُهدي إليه أن يقبل , إنما تكره ذبائحهم , أو شيء فيه دسم – يعني : من اللحم – ولم ير بالسمن والخبز بأساً .

” المغني ” ( 9 / 314 ، 315 ) .

وننبه إلى أن حديث ” سنُّوا بهم – أي : المجوس – سنَّة أهل الكتاب ” حديث ضعيف ، وقد رواه مالك في ” الموطأ ” ( 617 ) وغيره ، لكنه منقطع ، وقد ضعفه ابن كثير في ” التفسير ” ( 2 / 21 ) وابن حجر في ” فتح الباري ” ( 6 / 261 ) وغيرهما.

وننبه كذلك إلى الحذر من كثرة مخالطة أهل الكفر خشية الفتنة بدينهم ، وعليك أن تدعوهم إلى الإسلام ، وتنوي أن تكون استجابتك لدعوة الطعام عندهم هي تأليفهم ودعوتهم إلى الإسلام .

 

والله أعلم.

حكم شرب العصير المسمَّى ” سوبيا ” ؟

حكم شرب العصير المسمَّى ” سوبيا ” ؟

السؤال:

ماحكم شرب ” السوبيا ” المصنوعه من الشعير في رمضان ؟ قيل إنها مكروه شربها في رمضان لأنها مخمَّرة ، هل هذا صحيح ؟ .

 

الجواب:

الحمد لله

أولاً:

– ” السوبيا ” – وتكتب ” سوبية ” – عصير يطلق على أكثر من صفة ومكوِّن ، ومن أشهره :

  1. ” سوبيا ” مكة – وهو المراد بالسؤال – وهو عصير زبيب ، أو شعير ، ويخلط معهما : خميرة ، وهال ، وقرفة ، وسكَّر .
  2. ” سوبيا ” مصر ، وهو مكوَّن من لبَن ، وجوز الهند ، وسكَّر .

 

ثانياً:

لو ثبت المنع من شرب شيء لكونه محرَّماً : فلا يكون التحريم في شهر رمضان دون غيره ، بل يحرم شربه في الشهور كلها .

 

ثالثاً:

وأما بخصوص حكم شرب عصير السوبيا المنتج في ” مكة ” – أصلاً – : فالظاهر حلُّه ، وعدم المنع منه ، بشرط أن لا يشتد فيتخمر ، وإلا صار حكمه التحريم .

وحكم هذا النوع من العصير نجده في كتب أهل العلم في الكلام على ” النبيذ ” ، وقد كان يفعله النبي صلى الله عليه وسلم ، فكان يُنقع له التمر ، أو الزبيب ، في ماء ، ثم يشربه بعد ذلك ، وقد يستمر النقع إلى ثلاثة أيام .

ومما نبَّه عليه النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب :

  1. أن لا يستمر النقع إلى أكثر من ثلاثة أيام .

عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُنْقَعُ لَهُ الزَّبِيبُ فَيَشْرَبُهُ الْيَوْمَ وَالْغَدَ وَبَعْدَ الْغَدِ إِلَى مَسَاءِ الثَّالِثَةِ ثُمَّ يَأْمُرُ بِهِ فَيُسْقَى أَوْ يُهَرَاقُ .

رواه مسلم ( 2004 ) .

  1. أن لا يصل النبيذ إلى حد الغليان – وهو الاختمار – .

عن بُرَيْدَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ( نَهَيْتُكُمْ عَنِ النَّبِيذِ إِلاَّ فِى سِقَاءٍ فَاشْرَبُوا فِى الأَسْقِيَةِ كُلِّهَا وَلاَ تَشْرَبُوا مُسْكِراً ) . رواه مسلم ( 1999 ) .

  1. أن لا يُخلط نوعان يؤثِّر بعضهما على بعض .

عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِىِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُنْبَذَ التَّمْرُ وَالزَّبِيبُ جَمِيعًا ، وَنَهَى أَنْ يُنْبَذَ الرُّطَبُ وَالْبُسْرُ جَمِيعًا . رواه مسلم ( 1968 ) .

وأما أقوال العلماء والمذاهب فقد اختلفت تبعاً لاختلافهم في الاستدلال ، وصحته ، وفهمه :

  1. فالحنابلة أجازوا شرب النبيذ ما لم يختمر ، أو ما دام دون ثلاثة أيام .
  2. والمالكية والشافعية لم يعتبروا المدة ، ولا التخمير ، بل جعلوا الجواز مستمرّاً ما لم يصل إلى حد الإسكار .
  3. وذهب المالكية إلى تحريم أي خليطين يقبلان الانتباذ ، وإن لم يكن الشراب مسكراً ؛ سدّاً للذريعة .
  4. وقال جمهور العلماء بكراهة الخليطين من الأشياء المنصوصة ، وشبهها ؛ لأن الإسكار يسرع إلى الخليطين أكثر من الأنواع إذا انتبذت وحدها ، وقد يظنه الشارب ليس مسكراً ، ويكون مُسكِراً .

وتنظر مذاهب العلماء وأقوالهم في ” الموسوعة الفقهية ” ( 5 / 20 ) ، و ” شرح مسلم ” للنووي ( 13 / 154 ) .

* والراجح من تلك الأقوال – إن شاء الله – جواز انتباذ جميع ما أباحه الله من الأطعمة ، كالتمر ، والزبيب ، والشعير ، وجواز خلط الأنواع جميعاً في إناء واحد ، وعدم التقيد بأيام معينة لذلك النقع ، وكل ذلك الجواز مشروط بعدم التخمير ، ومن هنا نعلم الحكمة في إباحة الانتباذ في الأسقية دون الأوعية – كجرار الفخار ، والقرع ، والإناء المطلي بالزفت – ؛ وذلك لمعرفة اشتداد النبيذ بحل وكاء السقاء ، فقد روى مسلم ( 1997 ) عن ابن عمر رضي الله عنه قال : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْجَرِّ وَالدُّبَّاءِ وَالْمُزَفَّتِ ، وَقَالَ : ( انْتَبِذُوا فِي الْأَسْقِيَةِ ) ، ثمَّ وسَّع الله تعالى على الأمة في جواز الانتباذ في أي وعاء ، وأُبقي على المنع من شرب ما اشتد منه فصار مسكِراً ، وقد روى مسلم ( 1999 ) عن بريدة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : ( كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنِ الأَشْرِبَةِ فِى ظُرُوفِ الأَدَمِ فَاشْرَبُوا فِى كُلِّ وِعَاءٍ غَيْرَ أَنْ لاَ تَشْرَبُوا مُسْكِراً ) .

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – :

هل يَحْرُم عصير العنب ، وعصير البرتقال ، وما أشبه ذلك ، أم لا ؟ .

الجواب :

هذا حلال ليس فيه شك ، إلا إذا غلا – أي : تخمر – بأن يكون فيه زَبَد : صار حراماً ، أو إذا أتى عليه ثلاثة أيام على المشهور من المذهب ، وإن لم يغلِ : فإنه يكون حراماً ؛ قالوا : لأن ثلاثة الأيام يغلي فيها العصير غالباً ، ولما كان الغليان قد يخفى : أنيط الحكم بالغالب لظهوره ، وهو ثلاثة أيام .

والصحيح : خلاف ذلك ، فالصحيح : أنه لا يحرم إذا أتى عليه ثلاثة أيام ، لا سيما في البلاد الباردة ، أما إذا كان في البلاد الحارة : فإنه بعد ثلاثة أيام ينبغي أن يُنظر فيه ، والاحتياط أن يُتجنب ، وأن يُعطى البهائم ، أو ما أشبه ذلك ؛ لأنه يخشى أن يكون قد تخمر ، وأنت لا تعلم به .

” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 14 / 305 ، 306 ) .

 

 

والخلاصة :

جواز شرب ” السوبيا ” ما لم يشتد ، ويصل لحد الغليان – وهو التخمير – ، فحينئذٍ يصير حراماً ؛ لوجود علة الإسكار ، وقد قال صلى الله عليه وسلم ( كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ ) رواه البخاري ( 239 ) ومسلم ( 2001 ) ، ولا فرق حينئذٍ بين قليل وكثير ؛ لقوله صلى الله ( مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ ) رواه الترمذي ( 1865 ) وأبو داود ( 3681 ) والنسائي ( 5607 ) وابن ماجه ( 3393 ) وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي ” .

 

والله أعلم.

من هو الضيف الذي يجب إكرامه؟

من هو الضيف الذي يجب إكرامه؟ وحكم اجتماع طائفة على طعام كلٌّ يُحضر معه منه شيئاً؟

السؤال:

انتشر في الآونة الأخيرة عادة في أوساط المسلمين لا أدري من أين منشؤها ، لكن على ما يبدو أنها جُلبت من الكفار ، هذه العادة تسمَّى حفلة الطبق الواحد ، خلاصة هذه الحفلة : أن رب البيت – أو المضيّف – يطلب من كل شخص من الضيوف أن يحضر طبقاً مطبوخاً معه إلى الحفلة ، فيشترك الجميع في الأكل منه ، والغرض من ذلك : أن رب المنزل – أو صاحب الحفلة – لا يبقى عليه إلا الأشياء اليسيرة ، وأن لا يُشغَل بالطبخ وغيره ، ما جعلني أستنكر هذا النوع من الحفلات : أن ذلك مخالف لسنَّة النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان يُطعم ضيفه من أحسن ما لديه ، وكان يحث على إكرام الضيف ، والإكرام لا يتأتى إلا عن طريق الطبخ لهم ، وإعطائهم أفضل الأطعمة ، لا أن يُطلب من الضيف أن يحضر طعامه معه ، فما رأي الشرع في مثل هذه الحفلات ؟ وهل ترون أنه من المناسب الذهاب والتواصي على الحضور والمشاركة في مثل هذه الحفلات ؟ .

 

الجواب:

الحمد لله

أولاً:

إن إطعام الطعام من مكارم الأخلاق ، ونبل النفوس ، وقد حث عليه الشرع ، وفي الحديث عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلاَمٍ قَالَ : لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْمَدِينَةَ انْجَفَلَ النَّاسُ إِلَيْهِ وَقِيلَ : قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، فَجِئْتُ فِى النَّاسِ لأَنْظُرَ إِلَيْهِ فَلَمَّا اسْتَبَنْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ وَكَانَ أَوَّلَ شَىْءٍ تَكَلَّمَ بِهِ أَنْ قَالَ : ( أَيُّهَا النَّاسُ أَفْشُوا السَّلاَمَ وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نِيَامٌ تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِسَلاَمٍ ). رواه الترمذي ( 2485 ) وصححه، وابن ماجه ( 3251 ).

وقد أوجب الإسلام إكرام الضيف ، والقيام بحقه ، والدليل عليه : ما جاء في الحديث عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزاعِي قَالَ : سَمِعَتْ أُذُنَايَ وَأَبْصَرَتْ عَيْنَايَ حِينَ تَكَلَّمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ : ( مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ جَائِزَتَهُ ) قَالَ : وَمَا جَائِزَتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : ( يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ ، وَالضِّيَافَةُ ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ ، فَمَا كَانَ وَرَاءَ ذَلِكَ فَهْوَ صَدَقَةٌ عَلَيْهِ ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ ) . رواه البخاري ( 5673 ) ومسلم ( 48 ).

وفي لفظ لمسلم ( 48 ) :

( الضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ ، وَجَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ مُسْلِمٍ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَ أَخِيهِ حَتَّى يُؤْثِمَهُ ) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ يُؤْثِمُهُ؟ قَالَ: يُقِيمُ عِنْدَهُ وَلَا شَيْءَ لَهُ يَقْرِيهِ بِهِ ).

– ( حتى يؤثمه ) معناه: لا يحل للضيف أن يقيم عنده بعد الثلاث حتى يوقعه في الإثم ؛ لأنه قد يغتابه لطول مقامه ، أو يعرض له بما يؤذيه ، أو يظن به مالا يجوز .

– (  يَقريه ) أي: يضيِّفه .

قال الخطابي – رحمه الله – :

قوله ( جائزته يوم وليلة ) سئل مالك بن أنس عنه فقال : يُكرمه ، ويتحفه ، ويخصه ، ويحفظه ، يوماً وليلة ، وثلاثة أيام ضيافة .

قلت : يريد أنه يتكلف له في اليوم الأول بما اتسع له من بِر ، وألطاف ، ويقدِّم له في اليوم الثاني والثالث ما كان بحضرته ، ولا يزيد على عادته ، وما كان بعد الثلاث : فهو صدقة ، ومعروف ، إن شاء فعل ، وإن شاء ترك .

وقوله ( لا يحل له أن يثوي عنده حتى يحرجه ) يريد : أنه لا يحل للضيف أن يقيم عنده بعد الثلاث من غير استدعاء منه ، حتى يضيق صدره فيبطل أجره ، وأصل الحرج : الضيق  .” معالم السنن ” ( 4 / 238 ) .

وقال ابن القيم – رحمه الله – :

إن للضيف حقّاً على مَن نزل به ، وهو ثلاث مراتب : حق واجب ، وتمام مستحب ، وصدقة من الصدقات ، فالحق الواجب : يوم وليلة , وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم المراتب الثلاثة في الحديث المتفق على صحته من حديث أبي شريح الخزاعي – وساق الحديث السابق – . ” زاد المعاد ” ( 3 / 658 ) .

وقال ابن قدامة – رحمه الله – :

والواجب يوم ليلة ، والكمال ثلاثة أيام ؛ لما روى أبو شريح الخزاعي – وساق الحديث – .

قال أحمد : جائزته يوم وليلة ، كأنه أوكد من سائر الثلاثة ، ولم يُرد يوماً وليلة سوى الثلاثة ؛ لأنه يصير أربعة أيام ، وقد قال : وما زاد على الثلاثة : فهو صدقة ، فإن امتنع من إضافته : فللضيف بقدر ضيافته . ” المغني ” ( 11 / 91 ) .

 

 

ثانياً:

ويخلط كثيرون بين ” الضيف ” ، و ” الزائر ” ، فينزلون أحاديث الضيافة على الزائر ، وهذا خطأ ، بل مراد النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي شريح – وما في معناه – : هو ضيف السفَر ، وهو القادم من بلد آخر ، وليس الزائر له من جيرانه ، أو أصدقائه ؛ فإنه غير داخل قطعاً في الحديث السابق ، وإكرام هذا الثاني يدخل في عمومات الشريعة الحاثة على فعل الخير ، أو في الأحاديث الخاصة بإطعام الطعام ، كحديث عبد الله بن سلام الذي ذكرناه أولاً .

والضيف المسافر هو الذي له حق في طعام المضيف ، ويجب على من مروا به أن يطعمهم ، وإن لم يفعل فلهم حق في ماله ، وهذا لا ينطبق على الزائر الذي يمكن أن تقول له ” ارجعوا ” أصلاً ، كما قال تعالى : ( وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ) النور/ من الآية 28 .

* ومما يدل على ما قلناه : ما يوجد في بعض الأحاديث من التصريح بذلك ، وأن الحق للضيف إنما هو للمسافر ، وليس للمقيم ، ومنه :

عن عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قال : قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ : إنَّك تَبْعَثُنَا فَنَمُرُّ بِقَوْمٍ لَا يَقْرُونَنَا ، فَمَاذَا تَرَى ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم : ( إِنْ أَمَرُوا لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ فَاقْبَلُوا فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيْفِ الَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ ) . رواه البخاري ( 2329 ) ومسلم ( 1727 ) .

* وقد اختلف العلماء في حكم الضيافة، وعلى من تجب، ففي “الموسوعة الفقهية” ( 28 / 316، 317 ):

وقد ذهب الحنفية والمالكية والشافعية إلى أن الضيافة سنَّة ، ومدتها ثلاثة أيام ، وهو رواية عن أحمد  .

والرواية الأخرى عن أحمد – وهي المذهب – أنها واجبة ، ومدتها يوم ليلة ، والكمال ثلاثة أيام . وبهذا يقول الليث بن سعد  .

ويرى المالكية وجوب الضيافة في حالة المجتاز الذي ليس عنده ما يبلغه ويخاف الهلاك  .

والضيافة على أهل القرى والحضر ، إلا ما جاء عن الإمام مالك ، والإمام أحمد – في رواية – أنه ليس على أهل الحضر ضيافة ، وقال سحنون : الضيافة على أهل القرى ، وأما أهل الحضر فإن المسافر إذا قدم الحضر وجد نزلاً – وهو الفندق – فيتأكد الندب إليها ولا يتعين على أهل الحضر تعينها . انتهى.

والراجح – والله أعلم – أن ضيافة المسافر المجتاز – لا المقيم – واجبة ، وأن وجوبها على أهل القرى ، والأمصار ، دون تفريق .

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – في شرح قول الماتن ” وَتَجِبُ ضِيَافَةُ المُسْلِمِ الْمُجْتَازِ بِهِ فِي الْقُرَى يَوْماً وَلَيْلَةً – :

قوله : ” وتجب ضيافة المسلم ” : ” تجب ” هذا بيان حكم الضيافة ، والضيافة أن يَتلقَّى الإنسان مَن قدم إليه ، فيكرمه ، وينزله بيته ، ويقدم له الأكل ، وهي من محاسن الدين الإسلامي ، وقد سبقنا إليها إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، كما قال الله تعالى : ( هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ ) الذاريات/ 24 ، أي : الذين أكرمهم إبراهيم ، ولا يمتنع أن يقال : والذين أكرمهم الله عزّ وجل بكونهم ملائكة .

فحكم الضيافة واجب ، وإكرام الضيف – أيضاً – واجب ، وهو أمر زائد على مطلق الضيافة ، قال النبي عليه الصلاة والسلام : ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ) ، أي : من كان يؤمن إيماناً كاملاً : فليكرم ضيفه …. .

قوله : ” المجتاز به ” يعني : الذي مرَّ بك وهو مسافر ، وأما المقيم : فإنه ليس له حق ضيافة ، ولو كان المقيم له حق الضيافة : لكان ما أكثر المقيمين الذين يقرعون الأبواب ! فلا بد أن يكون مجتازاً ، أي : مسافراً ومارّاً ، حتى لو كان مسافراً مقيماً يومين ، أو ثلاثة ، أو أكثر : فلا حق له في ذلك ، بل لا بد أن يكون مجتازاً .

قوله : ” في القرى ” دون الأمصار ، والقرى : البلاد الصغيرة ، والأمصار : البلاد الكبيرة ، قالوا : لأن القرى هي مظنة الحاجة ، والأمصار بلاد كبيرة فيها مطاعم ، وفنادق ، وأشياء يستغني بها الإنسان عن الضيافة ، وهذا – أيضاً – خلاف القول الصحيح ؛ لأن الحديث عامّ ، وكم من إنسان يأتي إلى الأمصار وفيها الفنادق ، وفيها المطاعم ، وفيها كل شيء ، لكن يكرهها ويربأ بنفسه أن يذهب إليها ، فينزل ضيفاً على صديق ، أو على إنسان معروف ، فلو نزل بك ضيف – ولو في الأمصار – : فالصحيح : الوجوب . ” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 15 / 48 – 51 ) باختصار .

ثالثاً:

وعليه : فما فعله أولئك المشار إليهم في السؤال ليس مخالفاً للشرع الذي أوجب إكرام الضيف ؛ لعدم انطباق الوصف على أولئك الزائرين ومعهم طعامهم .

وأما حكم فعلهم : فنراه موافقاً للشرع ، ليس فيه ما يخالف نصّاً ، ولا يناقض مروءة ، بل هذا يدل على ترابطهم ، وقوة صلتهم ، بعضهم ببعض .

 

 

* وإنما يجب تنبيههم على أمور ينبغي مراعاتها في مثل تلك الاجتماعات ، منها :

  1. أن لا تكون اجتماعاتهم لمناسبات بدعية ، كالمولد النبوي ، ولا محرَّمة ، كأعياد الميلاد .
  2. أن لا يحتوي طعامهم وشرابهم على ما حرَّمه الله تعالى عليهم .
  3. أن لا يكون الاجتماع على الطعام للرجال والنساء ، بل يجب الفصل بينهما .
  4. أن لا يكون الاجتماع فيه سماع لموسيقى ، أو مشاهدة لأفلام أو محرمات .

وما عدا ذلك : فلا نرى في اجتماعهم ، وإحضار كل واحد منهم طعامه : أي حرج ، ويتعين ذلك الفعل في حال كانت ظروف الناس المادية فيها ضعف ، فيكون تعاونهم ذاك فيه رفع الحرج عن صاحب المنزل بالمشاركة معه في الضيافة .

وننبهك :

– أن قولك ” ما رأي الشرع ” : عبارة خطأ ، وانظر جواب السؤال رقم : ( 72841 ) لتقف على وجه خطئها .

– ونحن نشكر لك غيرتك على السنَّة ، ونسأل الله أن يفقهنا وإياك في دينه ، وأن يثبتنا على الحق .

 

والله أعلم .

اقتناء الكلاب ونجاسة لعابها

اقتناء الكلاب ونجاسة لعابه

السؤال:

قرأت الكثير من الأحاديث عن أن ترك الكلب في البيت يذهب البركة من الرجل وأنه يحرم تركه في البيت إلا إذا كان الكلب يستعمل في الصيد .

لماذا لا يجوز الاحتفاظ بالكلب في البيت كحيوان أليفٍ ولماذا يعتبر لعابه نجساً ؟

جزاكم الله خيراً

 

الجواب

الحمد لله

أولاً :

أذنَ الشرع باقتناء الكلاب لغايات متعددة ومنها : الصيد ، وحراسة الماشية ، وحفظ الزرع ، وقد قيس عليها ما هو مثلها أو أولى منها ، كحفظ البيوت في الخلاء من اللصوص ، ومثل استعمالها للكشف عن المخدرات واللصوص ، وما عدا ذلك فإن مقتنيه معرَّض للوعيد بأن يُنقص من أجره في كل يوم قيراط أو قيراطان من الأجر .

قال الشيخ يوسف بن عبد الهادي الحنبلي – ناقلاً عن بعض العلماء – :

لا شك أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم أذِن في كلب الصيد في أحاديثَ متعدِّدَةٍ ، وأخبر أنَّ متَّخذَه للصيد لا ينقص مِن أجره ، وأذِن في حديثٍ آخر : في كلـبِ الماشية ، وفي حديثٍ : في كلب الغنم ، وفي حديثٍ : في كلب الزرع ، فعُلم أنَّ العلَّة المقتضية لجواز الاتخاذ: المصلحة، والحُكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، فإذا وُجدت المصلحة:

جاز الاتخاذ ، حتى إنَّ بعضَ المصالح أهمُّ وأعظمُ مِن مصلحة الزرع ، وبعض المصالح مساوية للتي نصَّ الشارع عليها ، ولا شك أنَّ الثمار هي في معنى الزرع ، والبقر في معنى الغنم ، وكذلك الدجاج والأوز – لدفع الثعالب عنها – هي في معنى الغنم ، ولا شك أنَّ خوفَ اللصوص على النَّفس ، واتخاذه للإنذار بـها والاستيقاظ لها :

أعظم مصلحة من ذلك ، والشارع مراعٍ للمصالح ودفع المفاسد ، فحيث لم تكن فيه مصلحةٌ ففيه مفسدة …  ” الإغراب في أحكام الكلاب ” ( ص 106– 107  ).

وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :

وعلى هذا فالمنـزل الذي يكون في وسط البلد لا حاجة أنْ يتخذ الكلب لحراسته ، فيكون اقتناء الكلب لهذا الغرض في مثل هذه الحال محرَّماً لا يجوز وينتقص من أجور أصحابه كل يوم قيراط أو قيراطان ، فعليهم أنْ يطردوا هذا الكلب وألا يقتنوه ، وأما لو كان هذا البيت في البر خالياً ليس حوله أحدٌ فإنَّه يجوز أنْ يقتني الكلب لحراسة البيت ومَن فيه ، وحراسةُ أهلِ البيت أبلغُ في الحفاظ مِن حراسة المواشي والحرث.

” مجموع فتاوى ابن عثيمين ” ( 4 / 246 ) .

ثانياً :

والشرع لا يأمر ولا ينهى إلا ما فيه مصلحة للمكلفين وحكمة عظيمة علمها من علمها وجهلها من جهلها ، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإراقة الإناء الذي ولغ الكلب فيه ، وما ذاك إلا لنجاسة لعابه ، وقد أثبت الطب الحديث وجود أضرار متعددة في الماء الملوغ فيه من الكلب ، والمسلم الذي يتبع الأمر الشرعي ليس له إلا أن يستجيب للأمر ويكف عن النهي ولو لم يعلم الحكمة فيهما ، ولا مانع من تلمسها لكن لا يعلق الاستجابة على معرفته بها .

وبعض هذه الأمراض تنتقل بسبب مخالفة الشرع والأكل والشرب من آنية الكلاب ، وبعضها ينتقل بسبب حمل الكلاب للجراثيم التي تسبب هذه الأمراض .

وعلى كل حال : فالمسلم يسمع ويطيع ، والخير في الاستجابة للشرع بفعل الأوامر واجتناب النواهي .

 

والله أعلم.

 

والدها متعلق بها تعلقاً محرماً فماذا تفعل؟

والدها متعلق بها تعلقاً محرَّماً فماذا تفعل؟

السؤال:

أنا فتاة عمري 19 سنة ووالدي منجذب لي جنسيّاً ، حاول إغوائي مرة وواجهته ولكنه لا زال يفعل ، أخبرت والدتي ولكنها تصرفت وكأنها لا تدري عن الموضوع مع أنه لدي شعور بأنها تدري ، أظن بأنها لا تستطيع أن تفعل شيئاً لأننا نعيش في كندا وهي بلد جديدة بالنسبة لنا ونعتمد ماليّاً على والدي ونريده بجانبنا .

– أرجو أن تخبرني بطريقة التصرف مع والدي ، وكيف أعامله ، وهل أمتنع عن الكلام معه تماماً؟. جزاكم الله خيراً.

 

الجواب

الحمد لله

إنا لله وإنا إليه راجعون ، وهذا – والله – من المبكيات ، فهل وصلت الحال بأن تنتكس الفطرة وتتلوث بالسوء من الوالد تجاه ابنته ؟! .

وهذا الوالد لا شك أنه مريض بانحراف نفسي وجنسي ، وهو يحتاج للعلاج المكثف والسريع لقلبه وعقله ونفسه وجوارحه .

أما أنتِ فعليكِ أن تحمدي الله تعالى على أن التحرش والإغواء لم يمتد للمعاشرة كما يحدث في بعض الحالات ، وعليكِ أن تتخذي من التدابير ما يصعب على والدكِ فرصة أن يجد وقتا أو إمكانية للإغواء والتحرش ، فلا تكوني وحدكِ معه في البيت ، وأغلقي الباب عندما تكونين في غرفتك ، ولا تسمحي له بالدخول عليكِ وحده ، وهذا كله سيقلل من فرص التحرش ، أما وقف هذه الممارسة بالكلية : فلن يكون إلا بعلاج الأب أو فضحه ، وانتبهي أن عليكِ أن تستعدي لما يترتب على فضحه وكشف أمره من آثار عليكِ وعلى الأسرة كاملة ، لكن هذا خير من بقاء الأمر على ما هو عليه الآن .

ولا بدَّ لأمك أن تتقي الله تعالى ، وعدم مبالاتها لما يفعله زوجها أمر تحاسب عليه ، وهي تعتبر شريكة له في جرمه ؛ لأن بإمكانها أن تصده وتردعه عن فعله القبيح .

ويمكنكِ الاستعانة بأحد أقربائكِ الحكماء ليتدخل في الموضوع للحد من انحرافات هذا الأب المريض .

وهذه الأفعال القبيحة من الآباء لا شك أن لها أسباباً ، وأنه لا يمكن لأحدٍ أن يعالج مشكلة دون أن يقف على الأسباب ويعالجها ، وهذه الأسباب بعضها يرجع للأب وبعضها الآخر من البنت نفسها ، وأسباب أخرى تعود للبيئة المكانية والزمانية.

 

 

ومن الأسباب التي تؤدي بالأب لهذا الانحراف الخطير :

  1. ضعف الإيمان ، وقلة الخوف من الله ، وانعدام مراقبة الله .
  2. الإدمان على الخمور والمخدرات .
  3. مرض عقلي أو نفسي .
  4. مشاهدة المثيرات الجنسية في القنوات الفضائية ، ورؤية الصور الإباحية ، وبخاصة تلك الشاذة منها والواقعة من الشاذين في الشرق والغرب كمثل ممارسة الجنس مع المحارم أو مع البهائم .
  5. الفراغ والبطالة .

وأما الذي يكون من أسباب من البنت :

  1. التساهل في اللباس ، فكثير من البنات يلبسن الضيق والقصير أمام آبائهن وأشقائهن ، وفي ذلك مخالفة للشرع بيِّنة ، وفيها استثارة لقبائح الشهوات الكامنة في النفوس المريضة والتي تستثيرها من قبلُ القنوات الفضائية والصور الإباحية .
  2. التساهل في بعض الأفعال ، كمثل التقبيل من الفم ، أو المماسة المثيرة ، أو النوم على سرير واحد أو في لحاف واحد مع أبيها أو أخيها ، وهو مخالف للشرع – أيضاً – ومثير لكوامن الشر .

* وإذا أردنا العلاج لمثل هذه الأفعال المخالفة للفطرة والشرع ، فينبغي القضاء على تلك الأسباب التي تؤدي لمثل هذه الانتكاسات ، ويكون ذلك بـ :

  1. العمل على نشر الفضيلة والأخلاق بين أفراد الأسرة ، وتقوية جانب الإيمان بالله ومراقبته والخوف منه ، وذلك بالحفاظ على الصلاة والطاعات ، والابتعاد عن المنهيات ومساوئ الأخلاق .
  2. الابتعاد بالكلية عن رؤية وسماع وقراءة المثيرات من البرامج والقصص .
  3. الابتعاد عن صحبة السوء ، والتي لا تدل أصحابها إلا على الشر والسوء .
  4. ابتعاد البنت عن لبس المخالف للشرع من اللباس كلبس الضيق والقصير والشفاف ، والابتعاد عن المماسة المثيرة والتقبيل من الفم .
  5. الحرص على المسكن الواسع والذي لا تكون فيه البنت مع والدها أو أشقائها في غرفة واحدة أو في لحاف واحد .
  6. ينبغي للأم أن يكون له دورها في مثل هذه المشاكل وذلك بعدم الغفلة وعدم التساهل مع ما تراه أو تسمعه مما يخالف الشرع ولا تنتظر على الأمور حتى تسوء ولا يمكن إصلاحها ، بل عليها أن تكون متيقظة من أول الأمر ، فلا تسمح لابنتها في التساهل ، ولا لزوجها في أن يفعل ما يشاء .
  7. وينبغي إعلام الأقرباء الحكماء بمثل هذه الأفعال لوضع الأمور في نصابها ، فإن لم ينفع هذا مع الأب فيجب عليكم تقديم شكوى للقضاء الشرعي والجهات الأمنية لكف شرِّه عنكم .
  8. وعلى أختنا السائلة أن تتشدد في الأمر ولا تتراخى في علاجه ، وننصحها بالدعاء ولتتحرَّ أوقات الإجابة كالثلث الأخير من الليل أن يهدي والدكِ وأن يكف شرَّه عنكِ .
  9. ويحرم عليكِ التساهل مع أفعال والدك ويجب عليك دفعه بكل ما أوتيتِ من قوة ، وارفعي صوتك في طلب المساعدة ، ولو أدى هذا إلى فضيحته أو سجنه .
  10. فإن لم تنفع تلك الحلول فلا ننصحكِ بالبقاء في البيت ، وننصحك بالسكن مع أخوات مستقيمات أو مع أقربائكِ ممن تتوفر عندهم الظروف الشرعيَّة لسكنك معهم .

– ونسألك الله تعالى أن يفرج كربكِ ، وأن يزيل همَّك ، وأن يهدي والدكِ ، وإن لم يهده أن يريحكم منه .

 

والله الموفق.

منعها والدها من التزوج برجل فوقعت في الزنا معه!

منعها والدها من التزوج برجل فوقعت في الزنا معه!

السؤال:

أواجه مشكلة عويصة ، منذ عام تقريباً ، فأنا فتاة تركية ، أبلغ من العمر 21 عاماً ، وأعيش بألمانيا ، وبالرغم من عدم تدين أسرتي : فإني أحاول – والحمد لله – التمسك بتعاليم الإسلام ، ومع هذا : فهناك مشكلات كثيرة تنشأ بيني وبين أسرتي ، لأنهم يرفضون تمسكي بأمور الدين ، كالحجاب ، وما إلى ذلك ، وأريد الآن أن أتزوج من أفغاني ، متدين ، أيضاً ، وقد أخبرت والدي بذلك ، لكنه وطني ، متعصب ، ويرفض هذا الزواج ، وقد ضربني لهذا السبب ، ولم يعد بوسعي التحمل ، ولا تستطيع والدتي مساعدتي ؛ لأنها تخاف من والدي كثيراً ، ونحن ننتظر منذ عام ، ولم يوافق على الزواج بعدُ ، وفى أثناء هذه المدة وقعنا في الزنا ، ولا ندري ماذا نفعل ، ونحن محطمون داخليّاً ، ونريد الزواج ، لكنَّا لا نستطيع دون موافقة والدي ، ولهذا فأنا لا أدري ماذا أفعل ، فهل يجوز الزواج دون موافقة والد الفتاة ؟ .

 

الجواب:

الحمد لله

أولاً:

نعجب منكِ حين تقولين إنك تحاولين التمسك بتعاليم الإسلام ، ثم نراك تفرطين في أغلى ما تملكه الفتاة بعد دينها ، وهو عفتها ، وشرفها ! فكيف رضيتي لنفسك الدون ، والسوء ؟! وكيف أسلمتِ عرضك لأجنبي لينتهكه ؟! وهل عدم موافقة أهلك على زوج بعينه يبيح لك الوقوع في الزنا ، وارتكاب تلك الكبيرة البشعة ؟! .

والواجب عليك الآن : التوبة الصادقة مما وقعتِ به ، ويلزم من ذلك : الندم على ما حصل منك ، والعزم على عدم العوْد لمثل تلك المعصية ، وقطع العلاقة بالكلية بذلك الفاجر الأثيم ، ولا ندري كيف تطلقين عليه لفظ ” متدين ” ! وهو ينتهك العرض ، ويرتكب كبيرة من كبائر الذنوب ؟! فاقطعي علاقتك به ، ولا يحل لك محادثته ، أو مراسلته ، فضلاً عن اللقاء به ، وهذا مقتضى التوبة الصادقة التي أمر الله تعالى بها المذنبين في قوله ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ) التحريم/ من الآية 8 .

ثانياً:

واعلمي أن فعلكما هذا قد جعل زواجكما محرَّماً حتى وإن وافق والدك على الزواج ؛ ذلك أن الله تعالى لم يحل نكاح الزاني ، والزانية ، إلا أن يتوبا .

 

 

قال ابن قدامة – رحمه الله – :

وإذا زنت المرأة : لم يحلَّ لمن يعلم ذلك نكاحها إلا بشرطين :

أحدهما : انقضاء عدتها ، فإن حملت من الزنا فقضاء عدتها بوضعه ، ولا يحل نكاحها قبل وضعه … .

والشرط الثاني : أن تتوب من الزنا …

وقال :

وإذا وُجد الشرطان : حلَّ نكاحها ، للزاني ، وغيره ، في قول أكثر أهل العلم ، منهم : أبو بكر ، وعمر ، وابنه ، وابن عباس ، وجابر ، وسعيد بن المسيب ، وجابر بن زيد ، وعطاء ، والحسن ، وعكرمة ، والزهري ، والثوري ، والشافعي ، وابن المنذر ، وأصحاب الرأي . ” المغني ” ( 7 / 108 ، 109 ) .

ثالثاً:

وأما وصيتنا للأولياء عموماً : أن اتقوا الله في مولياتكم ، ولا تُقدموا على فعلٍ تندمون على آثاره طوال عمركم ، وليس الندم بنافعكم ، ( فإذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه ) ، هذه وصية نبيكم صلى الله عليه وسلم ، ( فإن لم تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير )  كما في تكملة الحديث ، فمن جاءكم راغباً بالتزوج من بناتكم أو أخواتكم فلا تضعوا العراقيل أمام تزوجه ، ولا تقدموا اللغة ، والجنس ، والعرق ، واللون ، على الدِّين ، ولا تدعوا فرصة للشيطان لأن يوقع مولياتكم في شباكه وشراكه ، واحذروا من تسويل الشيطان لهنَّ بفعل أمرين خطيرين ، وإثمين عظيمين ، وهما : الزنا ، أو الزواج من المتقدم لها والمرفوض من قبلكم بغير ولي ، وهو ما يجعل العقد فاسداً ، وها أنتم الآن أمام قصة واقعية جاءت في هذا السؤال ، فها هي الفتاة وقعت في الزنا مع المتقدم لها ، وها هي تسأل عن التزوج بغير إذن وليها ، وليس هذا بعذر لها ، لكن أنتم ما هو عذركم عند خالقكم عندما يحاسبكم على الأمانة التي توكلتم بحفظها ؟ فهل سيكون عذركم عند الله عندما تردون صاحب الدِّين إذا أراد التزوج ببناتكم ، أو أخواتكم ، وفق الكتاب والسنَّة ؟! .

ونحن لا تختلق أعذراً لتلك الفتاة ، فقد وقعتْ في إثم عظيم ، وإن هي تزوجت بغير إذن وليها فنكاحها فاسد ، ولكننا في الوقت نفسه نلوم الأولياء الذين لا يتقون ربهم تعالى ، ويفرطون في الأمانة المودعة عندهم .

ونقول للفتاة أيضاً : قد يكون من الخير لك أن يرد أهلك بعض المتقدمين لك إن رأوا مصلحة لك في دينك ودنياك ، فلا ينبغي الإصرار على شخص بعينه ، والأولياء الذين يمنعون تزوج مولياتهم بالكلية هم آثمون ، وللمرأة أن ترفع أمرها لقاضٍ شرعي ، أو من يقوم مقامه ، لينقل الولاية لغير ذلك الولي الرافض تزويجها ، فإن لم يوجد أحد يستحق الولاية غيره : كان القاضي الشرعي ، أو من يقومه مقامه : في حكم الولي ، ويزوجها هو بنفسه ، وأما أن تعقد المرأة لنفسها بغير ولي مطلقاً : فعقدها فاسد .

– وقد تم بيان أدلة فساد العقد إن كان بغير موافقة الولي ، وفوائد أخرى في أجوبة الموقع فلتنظر.

 

والله أعلم.