حكم شرب العصير المسمَّى ” سوبيا ” ؟
السؤال
ماحكم شرب ” السوبيا ” المصنوعه من الشعير في رمضان ؟ قيل إنها مكروه شربها في رمضان لأنها مخمَّرة ، هل هذا صحيح ؟ .
الجواب
الحمد لله
أولاً:
– ” السوبيا ” – وتكتب ” سوبية ” – عصير يطلق على أكثر من صفة ومكوِّن ، ومن أشهره :
- ” سوبيا ” مكة – وهو المراد بالسؤال – وهو عصير زبيب ، أو شعير ، ويخلط معهما : خميرة ، وهال ، وقرفة ، وسكَّر .
- ” سوبيا ” مصر ، وهو مكوَّن من لبَن ، وجوز الهند ، وسكَّر .
ثانياً:
لو ثبت المنع من شرب شيء لكونه محرَّماً : فلا يكون التحريم في شهر رمضان دون غيره ، بل يحرم شربه في الشهور كلها .
ثالثاً:
وأما بخصوص حكم شرب عصير السوبيا المنتج في ” مكة ” – أصلاً – : فالظاهر حلُّه ، وعدم المنع منه ، بشرط أن لا يشتد فيتخمر ، وإلا صار حكمه التحريم .
وحكم هذا النوع من العصير نجده في كتب أهل العلم في الكلام على ” النبيذ ” ، وقد كان يفعله النبي صلى الله عليه وسلم ، فكان يُنقع له التمر ، أو الزبيب ، في ماء ، ثم يشربه بعد ذلك ، وقد يستمر النقع إلى ثلاثة أيام .
ومما نبَّه عليه النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب :
- أن لا يستمر النقع إلى أكثر من ثلاثة أيام .
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُنْقَعُ لَهُ الزَّبِيبُ فَيَشْرَبُهُ الْيَوْمَ وَالْغَدَ وَبَعْدَ الْغَدِ إِلَى مَسَاءِ الثَّالِثَةِ ثُمَّ يَأْمُرُ بِهِ فَيُسْقَى أَوْ يُهَرَاقُ . رواه مسلم ( 2004 ) .
- أن لا يصل النبيذ إلى حد الغليان – وهو الاختمار – .
عن بُرَيْدَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ( نَهَيْتُكُمْ عَنِ النَّبِيذِ إِلاَّ فِى سِقَاءٍ فَاشْرَبُوا فِى الأَسْقِيَةِ كُلِّهَا وَلاَ تَشْرَبُوا مُسْكِراً ) . رواه مسلم ( 1999 ) .
- أن لا يُخلط نوعان يؤثِّر بعضهما على بعض .
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِىِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُنْبَذَ التَّمْرُ وَالزَّبِيبُ جَمِيعًا ، وَنَهَى أَنْ يُنْبَذَ الرُّطَبُ وَالْبُسْرُ جَمِيعًا . رواه مسلم ( 1968 ) .
وأما أقوال العلماء والمذاهب فقد اختلفت تبعاً لاختلافهم في الاستدلال ، وصحته ، وفهمه :
- فالحنابلة أجازوا شرب النبيذ ما لم يختمر ، أو ما دام دون ثلاثة أيام .
- والمالكية والشافعية لم يعتبروا المدة ، ولا التخمير ، بل جعلوا الجواز مستمرّاً ما لم يصل إلى حد الإسكار .
- وذهب المالكية إلى تحريم أي خليطين يقبلان الانتباذ ، وإن لم يكن الشراب مسكراً ؛ سدّاً للذريعة .
- وقال جمهور العلماء بكراهة الخليطين من الأشياء المنصوصة ، وشبهها ؛ لأن الإسكار يسرع إلى الخليطين أكثر من الأنواع إذا انتبذت وحدها ، وقد يظنه الشارب ليس مسكراً ، ويكون مُسكِراً .
وتنظر مذاهب العلماء وأقوالهم في ” الموسوعة الفقهية ” ( 5 / 20 ) ، و ” شرح مسلم ” للنووي ( 13 / 154 ) .
* والراجح من تلك الأقوال – إن شاء الله – جواز انتباذ جميع ما أباحه الله من الأطعمة ، كالتمر ، والزبيب ، والشعير ، وجواز خلط الأنواع جميعاً في إناء واحد ، وعدم التقيد بأيام معينة لذلك النقع ، وكل ذلك الجواز مشروط بعدم التخمير ، ومن هنا نعلم الحكمة في إباحة الانتباذ في الأسقية دون الأوعية – كجرار الفخار ، والقرع ، والإناء المطلي بالزفت – ؛ وذلك لمعرفة اشتداد النبيذ بحل وكاء السقاء ، فقد روى مسلم ( 1997 ) عن ابن عمر رضي الله عنه قال : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْجَرِّ وَالدُّبَّاءِ وَالْمُزَفَّتِ ، وَقَالَ : ( انْتَبِذُوا فِي الْأَسْقِيَةِ ) ، ثمَّ وسَّع الله تعالى على الأمة في جواز الانتباذ في أي وعاء ، وأُبقي على المنع من شرب ما اشتد منه فصار مسكِراً ، وقد روى مسلم ( 1999 ) عن بريدة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : ( كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنِ الأَشْرِبَةِ فِى ظُرُوفِ الأَدَمِ فَاشْرَبُوا فِى كُلِّ وِعَاءٍ غَيْرَ أَنْ لاَ تَشْرَبُوا مُسْكِراً ) .
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – :
هل يَحْرُم عصير العنب ، وعصير البرتقال ، وما أشبه ذلك ، أم لا ؟ .
الجواب :
هذا حلال ليس فيه شك ، إلا إذا غلا – أي : تخمر – بأن يكون فيه زَبَد : صار حراماً ، أو إذا أتى عليه ثلاثة أيام على المشهور من المذهب ، وإن لم يغلِ : فإنه يكون حراماً ؛ قالوا : لأن ثلاثة الأيام يغلي فيها العصير غالباً ، ولما كان الغليان قد يخفى : أنيط الحكم بالغالب لظهوره ، وهو ثلاثة أيام .
والصحيح : خلاف ذلك ، فالصحيح : أنه لا يحرم إذا أتى عليه ثلاثة أيام ، لا سيما في البلاد الباردة ، أما إذا كان في البلاد الحارة : فإنه بعد ثلاثة أيام ينبغي أن يُنظر فيه ، والاحتياط أن يُتجنب ، وأن يُعطى البهائم ، أو ما أشبه ذلك ؛ لأنه يخشى أن يكون قد تخمر ، وأنت لا تعلم به . ” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 14 / 305 ، 306 ) .
والخلاصة :
جواز شرب ” السوبيا ” ما لم يشتد ، ويصل لحد الغليان – وهو التخمير – ، فحينئذٍ يصير حراماً ؛ لوجود علة الإسكار ، وقد قال صلى الله عليه وسلم ( كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ ) رواه البخاري ( 239 ) ومسلم ( 2001 ) ، ولا فرق حينئذٍ بين قليل وكثير ؛ لقوله صلى الله ( مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ ) رواه الترمذي ( 1865 ) وأبو داود ( 3681 ) والنسائي ( 5607 ) وابن ماجه ( 3393 ) وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي ” .
والله أعلم.


