الرئيسية بلوق الصفحة 51

هل يجوز تعمد الإتيان بعمرة يومي الاثنين أو الخميس؛ لأن الأعمال تُعرض فيهما على الله؟

هل يجوز تعمد الإتيان بعمرة يومي الاثنين أو الخميس؛ لأن الأعمال تُعرض فيهما على الله؟

السؤال:

حكم من يقول سآتي بعمرة يوم الخميس أو الاثنين لكي يرفع عملي وأنا أعتمر، والحديث خصص بالصيام، فما الحكم في ذلك؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا شك أن هذا القائل قد أخطأ خطأ بيِّنًا؛ وذلك لاعتقاده بوجود فضل لعمرة يوم الاثنين أو الخميس، وهو ظن خطأ، وفهمه للحديث ليس صوابًا، وسيأتي توضيح مقصوده قريبًا.

وهذا الذي يريد تأخير العمرة من الجمعة إلى الاثنين، أو من الثلاثاء إلى الخميس: إنما يخالف حثَّ الشريعة المطهرة بالمسارعة بالخيرات، والمسابقة بالأعمال الصالحة.

قال تعالى: ( وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ) آل عمران/ 133.

عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنْ الدُّنْيَا ). رواه مسلم ( 118 ).

ومن جهة أخرى: فإنه قد ذهل ذلك القائل عن أمرٍ مهم وهو أنه ثمة رفع للأعمال كل يوم مرتين، فتَرفع الملائكةُ عملَ الليل في النهار، وعملَ النهار في الليل، فكيف يضيِّع على نفسه فرصة رفع عمل صالح ويؤجله إلى ما لا فضل خاص به؟! ثم إن أداءه للعمرة يوم الجمعة يعني رفعها لله تعالى، ثم تُعرض عليه عز وجل يوم الاثنين، فالرفع للأعمال أولًا، ثم يكون العرض.

عَنْ أَبِى مُوسَى قَالَ قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ فَقَالَ: ( إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لاَ يَنَامُ وَلاَ يَنْبَغِى لَهُ أَنْ يَنَامَ يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ ).

رواه مسلم ( 179 ).

قال النووي – رحمه الله -:

وأما قوله صلى الله عليه وسلم ( يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل ) وفي الرواية الثانية ( عمل النهار بالليل وعمل الليل بالنهار ) فمعنى الأول – والله أعلم -: يُرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار الذي بعده، وعمل النهار قبل عمل الليل الذي بعده، ومعنى الرواية الثانية: يُرفع إليه عمل النهار في أول الليل الذي بعده، ويرفع إليه عمل الليل في أول النهار الذي بعده؛ فإن الملائكة الحفظة يصعدون بأعمال الليل بعد انقضائه في أول النهار، ويصعدون بأعمال النهار بعد انقضائه في أول الليل، والله أعلم. ” شرح مسلم ” ( 3 / 13 ).

وقال المباركفوري – رحمه الله -:

قال ابن الملك وهذا لا ينافي قوله عليه السلام ( يرفع عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل ) للفرق بين الرفع والعرض؛ لأن الأعمال تُجمع في الأسبوع، وتُعرض في هذين اليومي .

” تحفة الأحوذي ” ( 3 / 375 ).

 

ثانيًا:

وأما الحديث الوارد في عرض الأعمال يوم الاثنين والخميس: فنذكر نصَّه وما يدل عليه:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( تُعْرَضُ الأَعْمَالُ يَوْمَ الاِثْنَيْنِ وَالخَمِيسِ، فَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ ).

رواه الترمذي ( 747 ) وحسَّنه، وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

وسئل صلى الله عليه وسلم عن صيام يَوْمَ الاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ قَال: ( ذَانِكَ يَوْمَانِ تُعْرَضُ فِيهِمَا الأَعْمَالُ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ فَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ ).

رواه أبو داود ( 2436 ) والنسائي ( 2358 ) وابن ماجه ( 1740 ) من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنه، وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود  “.

فالحديث لا يعني بحال أن يؤخر المسلم قيامه بالأعمال الصالحة ليوم الاثنين أو الخميس، لا الصيام، ولا غيره من الأعمال، لكن لمَّا كان عرض الأعمال على الله تعالى في هذين اليومين لم يُرِد النبي صلى الله عليه وسلم أن يخليهما من عملٍ يستغرق اليوم كله، وهو لا يدري متى بالضبط تُعرض تلك الأعمال على الله، وليس مثل الصوم عبادة تستغرق اليوم كلَّه، لذا بادر إلى الصيام واستحبه فيهما.

قال الشيخ أبو الحسن المباركفوري – رحمه الله -:

( فأحبُّ أن يُعرض عملي وأنا صائم ) أي: طلبًا لزيادة رفع الدرجات، قال في ” اللمعات “: لعله إنما اختار الصوم لفضله، ولأنه لا يدري في أية ساعة تعرض، والصوم يستوعب النهار، ولأنه يجتمع مع الأعمال الأخر بخلاف ماعداه من الأعمال. انتهى.

” مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ” ( 7 / 85 ).

 

 

وهذا الفضل للصيام في هذين اليومين لا يعني البتة تأخير الصيام حتى يجيئا، بل ثمة حث من الشرع على الصوم على مدار أيام الأسبوع إلا ما نهت عنه الشريعة.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ صَائِمًا ) قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَا، قَالَ: ( فَمَنْ تَبِعَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ جَنَازَةً ) قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَا، قَالَ: ( فَمَنْ أَطْعَمَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ مِسْكِينًا ) قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَا، قَالَ: ( فَمَنْ عَادَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ مَرِيضًا ) قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( مَا اجْتَمَعْنَ فِي امْرِئٍ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ ).

رواه مسلم ( 1028 ).

أليس في هذا الحديث حثٌّ على الصيام من غير تخصيصه بيومي الاثنين والخميس؟ فيتبين أن ما فهمه ذلك القائل هو بعيد عن الصواب.

والمسلم إذا علم أن عمله يُرفع إلى الله تعالى كل يوم مرتين فإنه يحرص على أن لا يكون فيه سوء وشر، ويحرص على إتقانه وتكثيره، وهكذا إذا علم بموعد عرض الأعمال على ربه تعالى فإنه يُصلح أعماله ويكثرها، وينقيها من السوء والشر، وهذا ما يُستفاد من الحديث، وهو معنى لا نكاد نسمعه ونقرؤه من المتحدثين والوعاظ.

قال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

( هذه الأحاديث ) تدل على فضل صوم الاثنين والخميس، وأنهما يومان عظيمان، تُعرض فيهما الأعمال على الله، فينبغي الإكثار فيهما من الخير، ومن الخير: صيامهما، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتحرى صيامهما إلا أن يشغله شاغل. ” شرح رياض الصالحين ” ( شريط رقم 10 ).

ومما يدل على أهمية إنقاء الأعمال من الشر والسوء وقت عرضها على الله تعالى ما جاء عن أبي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( تُعْرَضُ الأَعْمَالُ فِى كُلِّ يَوْمِ خَمِيسٍ وَاثْنَيْنِ فَيَغْفِرُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِى ذَلِكَ الْيَوْمِ لِكُلِّ امْرِئٍ لاَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا إِلاَّ امْرَأً كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ فَيُقَالُ ارْكُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا ارْكُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا ). رواه مسلم ( 2565 ).

– اركوا: أي أخِّروا.

وفي لفظ:

( تُعْرَضُ أَعْمَالُ النَّاسِ فِى كُلِّ جُمُعَةٍ مَرَّتَيْنِ يَوْمَ الاِثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ … ).

فصار في إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بأن الأعمال تُعرض على الله تعالى يومي الاثنين والخميس فائدتان: الإكثار من الطاعات، وإنقاء الأعمال مما يشوبها من السوء والشر.

 

 

ومما يقوي ذلك ويؤيده:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( إِنَّ أَعْمَالَ بَنِي آدَمَ تُعْرَضُ كُلَّ خَمِيسٍ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ فَلَا يُقْبَلُ عَمَلُ قَاطِعِ رَحِمٍ ).

رواه أحمد في ” مسنده ” ( 16 / 191 ) وحسنه المحققون.

قال عبد الرؤوف المناوي – رحمه الله – في أوجه معنى الحديث -:

ويحتمل وهو أقرب: أن الحكم بعدم القبول يؤخَّر إلى ليلة الجمعة في العشية المذكورة، فإن رجع إلى الحق وتاب: قُبل العمل عشية الخميس، وإلا رُدَّ.

وفيه إشارة إلى أن الشخص ينبغي له تفقد نفسه في تلك العشية ليلقى ليلة الجمعة على وجه حسن. ” فيض القدير ” ( 2 / 541 ).

وقال – رحمه الله -:

( إن أعمال العباد تعرض ) زاد في رواية ( على رب العالمين ) ( يوم الإثنين ويوم الخميس ) فليستح عبدٌ أن يَعرض على من أنعم عليه مِن عمله ما نهاه عنه.

” فيض القدير ” ( 2 / 540 ).

قال ابن رجب الحنبلي – رحمه الله -:

وكان ” إبراهيم النخعي ” يبكي إلى امرأته يوم الخميس وتبكي إليه ويقول: اليوم تعرض أعمالنا على الله عز وجل ….

كان ” الضحَّاك ” يبكي آخر النهار ويقول: لا أدري ما رُفع من عملي.

يا من عمله معروض على مَن يعلم السرَّ وأخفى لا تبهرج فإن الناقد بصير.

السقم على الجسم له ترداد *** والعمر ينقص والذنوب تزاد

ما أبعد شقتي ومالي زاد *** ما أكثر بهرجي ولي نقاد

” لطائف المعارف ” ( ص 127 ).

– وقد قلنا في جواب سابق:

” وقد دلت أحاديث عرض الأعمال على الله تعالى: على الترغيب في الازدياد من الطاعات في أوقات العرض “. انتهى.

والخلاصة:

أننا نحث أنفسنا وإخواننا المسلمين على الازدياد من الطاعات كل يوم، وخاصة يومي الاثنين والخميس، والدعوة هنا لإكثار الأعمال الصالحة لا تأسيس أعمال خاصة فيهما، إلا الصوم؛ لما نصَّ عليه النبي صلى الله عليه وسلم، ولما ذكرناه من حكمة ذلك، مع التنبيه على عدم تأخير الطاعات متعمدًا لذينك اليومين، وليكن على بالنا أن الأعمال ترفع إلى الله تعالى كل يوم مرتين، فليكن منَّا إتقان لها مع إخلاص.

 

والله أعلم.

ماذا يجوز ويستحب للمسلمين فعله في الأعياد؟ وحكم ” العيدية “

ماذا يجوز ويستحب للمسلمين فعله في الأعياد؟ وحكم ” العيدية ”

السؤال:

  1. من المعتاد بين مسلمى الغرب فى العيد أن يقوموا بإعطاء مال إلى صغار العائلة، كما لو قلنا إن هناك عائلة تتكون من زوج وزوجة و 5 أبناء ( 2 من الأبناء متزوجان ولديهما أطفال ) ولهذا يقوم الزوج والزوجة بإعطاء عيدية ( وهى الكلمة التى يقومون باستخدامها ) إلى أبنائهما الخمس، كما يقومون بإعطاء أحفادهما، ومن المفترض أن يقوم ابناهما المتزوجان بإعطاء عيدية إلى صغار أسرة زوجاتهم، وإلى أبناء وبنات الإخوة، فهل مفهوم إعطاء العيدية جائز فى الإسلام أم أنه بدعة ويجب تجنبها؟.
  2. أرجو أن تسدونى النصح حول كيفية احتفال الأسرة بالعيد ( ومع خالص احترامى فأرجو ألا تذكروا ” لا تفعلوا أيًّا من المحرمات كالذهاب إلى الأماكن المختلطة والسينمات …إلخ ” فهذه الأمور لن يتم فعلها ) هل بوسعكم تقديم أمثلة على النحو الذى يجب أن يكون عليه العيد عند المؤمنين؟ وما هي الأنشطة التى يجب أن يشاركوا فيها؟ وهل يجوز للزوج والزوجة الخروج معًا وتناول وجبة لذيذة فى أحد الأماكن؟ وكيف يحتفل علماء الدين يبوم العيد؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

إعطاء الصغار والكبار ما يسمَّى ” العيدية ” – وعادة يكون مبلغًا من المال – لا حرج فيه، وهو من محاسن الأخلاق، وجميل العادات، لكن ننبه على أمور قد تخفى في المسألة:

  1. مراعاة العدل في الإعطاء، فلا يصلح إعطاء بعض الأبناء دون الباقين، ولا بعض الأخوات دون الباقيات؛ لما يسببه ذلك من إيغار الصدور، وإيقاع الحسد والبغضاء في الأسرة الواحدة.
  2. لا يلزم إعطاء قدر المبلغ نفسه لكل أفراد الأسرة، بل يراعى في ذلك الأعمار، فيُعطى للكبير ما لا يعطى للصغير، ويُعطى للمتزوج ما لا يعطى للأعزب، والعدل الذي ذكرناه أولًا في اشتراكهم جميعهم في الإعطاء لا تساويهم في مبلغ العيدية.
  3. مراقبة الأولاد الصغار في مجالات صرف العيديات التي يأخذونها من أهلهم وأقربائهم؛ لأنه تكثر في الأعياد الخروج لأماكن اللهو، واللعب بألعاب فيها ميسر وقمار، وتفتح النوادي والسينمات أبوابها، فيحتاج الأولاد لمراقبة إنفاق أموالهم.

 

 

ثانيًا:

وأيام العيدين أيام فرح وسرور، ولا يجوز للمسلم أن تمر عليه أيام العيد كغيرها من الأيام ، ومما يجوز فعله أو يستحب في العيدين:

  1. الاغتسال:

ولم يثبت فيه شيء مرفوع للنبي صلى الله عليه وسلم، لكنه صحَّ عن بعض الصحابة.

عن زاذان قال: سأل رجلٌ عليًّا رضي الله عنه عن الغسل قال: اغتسل كل يوم إن شئت، فقال: ” لا، الغسل الذي هو الغسل “، قال: ” يوم الجمعة، ويوم عرفة، ويوم النحر، ويوم الفطر “. رواه الشافعي في ” مسنده ” ( ص 385 ) ومن طريقه البيهقي في ” سننه ” ( 3 / 278 )، وصححه الألباني في ” إرواء الغليل ” ( 1 / 176 ).

  1. لبس ثياب جديدة يتجمل بها.

عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: أَخَذَ عُمَرُ جُبَّةً مِنْ إِسْتَبْرَقٍ تُبَاعُ فِي السُّوقِ فَأَخَذَهَا فَأَتَى بِهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْتَعْ هَذِهِ تَجَمَّلْ بِهَا لِلْعِيدِ وَالْوُفُودِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا هَذِهِ لِبَاسُ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ.

رواه البخاري ( 906 ) ومسلم ( 2068 ).

الخلاق: الحظ والنصيب.

وبوب عليه البخاري بقوله: ” باب في العيدين والتجمل فيهما “.

قال ابن قدامة – رحمه الله -:

وهذا يدل على أن التجمل عندهم في هذه المواضع كان مشهورًا.

” المغني ” ( 2 / 370 ).

وقال ابن رجب الحنبلي – رحمه الله -:

وقد دل هذا الحديث على التجمل للعيد، وأنه كان معتادا بينهم .

” فتح الباري ” لابن رجب ( 6 / 67 ).

وقال الشوكاني – رحمه الله -:

ووجه الاستدلال بهذا الحديث على مشروعية التجمل للعيد: تقريره صلى الله عليه وسلم لعمر على أصل التجمل للعيد، وقصر الإنكار على من لبس مثل تلك الحلة لكونها كانت حريرًا. ” نيل الأوطار ” ( 3 / 349 ).

وهو ما جرى عليه العمل عند الصحابة رضي الله عنهم وأهل العلم.

قال ابن رجب الحنبلي – رحمه الله -:

وخرج البيهقي بإسناد صحيح عن نافع أن ابن عمر كان يلبس في العيدين أحسن ثيابه . ” فتح الباري ” لابن رجب ( 6 / 68 ).

وهذا التزين في الثياب حتى لو لم يخرج المسلم به للصلاة، وحتى الأطفال والنساء.

قال ابن رجب – رحمه الله -:

وهذا التزين في العيد يستوي فيه الخارج إلى الصلاة، والجالس في بيته، حتى النساء، والأطفال .

” فتح الباري ” لابن رجب ( 6 / 72 ).

وقال بعض أهل العلم إنه من كان معتكفًا فيخرج للعيد بثياب اعتكافه، وهو قول مرجوح.

قال الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله -:

السنَّة في العيد أن يتجمل سواء كان معتكفًا أم غير معتكف.

” أسئلة وأجوبة في صلاة العيدين ” ( ص 10 ).

  1. التطيب بأحسن الطيب.

وقد صح عن ابن عمر أنه ” كان يتطيب يوم الفطر “، كما في ” أحكام العيدين ” للفريابي ( ص 83 ).

وقال ابن رجب الحنبلي – رحمه الله -:

وقال مالك: سمعت أهل العلم يستحبون الزينة والطيب في كل عيد .

واستحبه الشافعي .

” فتح الباري ” لابن رجب ( 6 / 68 ).

وتحذر النساء أن تخرج من بيتها في ثياب زينة، وتحذر من أن تخرج وهي متطيبة، لكن تتزين وتتطيب لزوجها وللنساء ولأهل بيتها ومحارمها.

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 31 / 116 ):

ويستوي في استحباب تحسين الثياب والتنظيف والتطيب وإزالة الشعر والرائحة الكريهة: الخارج إلى الصلاة، والقاعد في بيته؛ لأنه يوم الزينة فاستووا فيه، وهذا في حق غير النساء  .

وأما النساء إذا خرجن: فإنهن لا يتزين، بل يخرجن في ثياب البذلة، ولا يلبسن الحسن من الثياب، ولا يتطيبن؛ لخوف الافتتان بهن، وكذلك المرأة العجوز، وغير ذوات الهيئة، يجري ذلك في حكمها، ولا يخالطن الرجال بل يكن في ناحية منهم.

انتهى.

  1. التكبير.

ويسنُّ لكم التكبير حتى وأنتم في بيتكم مع أسرتكم، في كل وقت، وأدبار الصلوات.

ففي عيد الفطر: يبتدئ التكبير من رؤية الهلال؛ لقوله تعالى: ( وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبّرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ )، وإكمال العدة يكون بغروب الشمس من ليلة العيد، وانتهاؤه: إذا خرج الإمام للخطبة.

وفي الأضحى: يبتدئ التكبير من صبح يوم عرفة إلى آخر عصر أيام التشريق وهو الثالث عشر من ذي الحجة.

  1. الزيارات.

ويستحب لكم في العيد زيارة الأقارب والجيران والأصدقاء.

وقد ثبت في الصحيحين من حديث عائشة زيارة والدها أبي بكر لها – كما سيأتي -، وقيل إن ذلك من حكَم تغيير الطريق في الرجوع من مثلى العيد.

مخالفة الطريق:

ذهب أكثر أهل العلم إلى استحباب الذهاب إلى صلاة العيد في طريق، والرجوع في طريق عن جابر بن عبد الله قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان يوم عيد خالف الطريق. رواه البخاري ( 943 ).

قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله – في الحكَم من ذلك -:

وقيل ليزور أقاربه الأحياء والأموات وقيل ليصل رحمه.

” فتح الباري ” ( 2 / 473 ).

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 31 / 117 ):

ونقل في ” فتح الباري ” في الحكمة من مخالفته صلى الله عليه وسلم الطريق يوم العيد أقوالًا منها: ليزور أقاربه من الأحياء والأموات، ولم يضعِّفه كما فعل مع بعضها، ومثله في ” عمدة القاري “. انتهى.

  1. التهنئة:

وهي من شعار الأعياد، وتكون بأي لفظ شرعي مباح، وأفضلها ” تقبل الله منا ومنكم “، وما أشبه ذلك من عبارات التهنئة.

عن جبير بن نفير قال: كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا التقوا يوم العيد يقول بعضهم لبعض: تقبل الله منا ومنك.

وحسَّن الحافظ إسناده في ” فتح الباري ” ( 2 / 446 ).

وسئل مالك رحمه الله: أيُكره للرجل أن يقول لأخيه إذا انصرف من العيد: تقبل الله منا ومنك، وغفر الله لنا ولك، ويرد عليه أخوه مثل ذلك؟ قال: لا يكره.

” المنتقى شرح الموطأ ” للباجي ( 1 / 322 ).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

التهنئة يوم العيد يقول بعضهم لبعض إذا لقيه بعد صلاة العيد: ” تقبل الله منا ومنكم “، و ” أحاله الله عليك “، ونحو ذلك، فهذا قد روي عن طائفة من الصحابة أنهم كانوا يفعلونه، ورخص فيه الأئمة كأحمد وغيره، لكن قال أحمد: أنا لا ابتدئ أحدًا، فإن ابتدرني أحدٌ أجبته؛ وذلك لأن جواب التحية واجب.

وأما الابتداء بالتهنئة: فليس سنَّة مأمورًا بها، ولا هو أيضًا مما نُهي عنه، فمن فعله فله قدوة، ومن تركه فله قدوة.

” مجموع الفتاوى ” ( 24 / 253 ).

  1. التوسعة في الطعام والشراب.

فيستحب لكم التوسعة في الطعام والشراب وأكل اللذيذ والطيب من الطعام، وشرب الشراب المباح، سواء كان ذلك في بيتكم، أو خرجتم للأكل في مطعم خارج البيت، وغير خافٍ عليك أنه لا يجوز أن يكون ذلك في مطعم تدار فيه كؤوس الخمور، ولا مطعم تصدح الموسيقى في أرجائه، ولا أن يكون بحيث يرى الأجانب نساءكم، ولذا فنفضل أن يكون لكم خرج إلى برٍّ أو رحلة إلى بحر، تسمتعون فيها أكثر، وتبتعدون عن المخالفات الشرعية.

عَنْ نُبَيْشَةَ الْهُذَلِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ لِلَّهِ ). رواه مسلم ( 1141 ).

  1. اللهو المباح.

ولا مانع من أخذ الأسرة في رحلة برية أو بحرية، أو زيارة أماكن جميلة، أو ذهاب إلى مكان فيه ألعاب، كما لا مانع من أن الاستماع للأناشيد الخالي من المعازف.

عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ تُغَنِّيَانِ بِغِنَاءِ بُعَاثَ، فَاضْطَجَعَ عَلَى الْفِرَاشِ وَحَوَّلَ وَجْهَهُ، وَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَانْتَهَرَنِي وَقَالَ: ” مِزْمَارَةُ الشَّيْطَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم؟ ” فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَقَالَ: ( دَعْهُمَا ) فَلَمَّا غَفَلَ، غَمَزْتُهُمَا فَخَرَجَتَا، وَكَانَ يَوْمَ عِيدٍ يَلْعَبُ السُّودَانُ بِالدَّرَقِ وَالْحِرَابِ، فَإِمَّا سَأَلْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَإِمَّا قَالَ ( تَشْتَهِينَ تَنْظُرِينَ ) فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَأَقَامَنِي وَرَاءَهُ خَدِّي عَلَى خَدِّهِ، وَهُوَ يَقُولُ ( دُونَكُمْ يَا بَنِي أَرْفِدَةَ) حَتَّى إِذَا مَلِلْتُ قَالَ: ( حَسْبُكِ؟ ) قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: ( فَاذْهَبِي ).

رواه البخاري ( 907 ) ومسلم ( 829 ).

وفي رواية:

عن عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ ( لَتَعْلَمُ يَهُودُ أَنَّ فِي دِينِنَا فُسْحَةً إِنِّي أُرْسِلْتُ بِحَنِيفِيَّةٍ سَمْحَةٍ ).

” مسند أحمد ” ( 50 / 366 ) وحسَّنه المحققون وجوَّد الألباني إسناده في ” السلسلة الصحيحة ” ( 4 / 443 ).

 

 

وقد ترجم البخاري رحمه الله على هذا الحديث في صحيحه بقوله: ” باب الحراب والدَّرَق يوم العيد “.

وبوَّب عليه النووي رحمه الله بقوله : ” بَاب الرُّخْصَةِ فِي اللَّعِبِ الَّذِي لَا مَعْصِيَةَ فِيهِ فِي أَيَّامِ الْعِيدِ “.

قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

وفي هذا الحديث من الفوائد: مشروعية التوسعة على العيال في أيام الأعياد بأنواع ما يحصل لهم بسط النفس، وترويح البدن من كلف العبادة، وأن الإعراض عن ذلك أولى.

وفيه: أن إظهار السرور في الأعياد من شعائر الدين.

” فتح الباري ” ( 2 / 443 ).

قال الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله -:

ويفعل في هذا العيد أيضًا أن الناس يتبادلون الهدايا يعني يصنعون الطعام ويدعو بعضهم بعضًا، ويجتمعون ويفرحون، وهذه عادة لا بأس بها؛ لأنها أيام عيد، حتى إن أبا بكر رضي الله عنه لما دخل على بيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وذكر الحديث -.

وفي هذا دليل على أن الشرع – ولله الحمد – من تيسيره وتسهيله على العباد: أن فتح لهم شيئًا من الفرح والسرور في أيام العيد.

” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 16 / 276 ، 277 ).

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 14 / 166 ):

تتأكد مشروعية التوسعة على العيال في أيام الأعياد بأنواع ما يحصل به لهم بسط النفس، وترويح البدن من كلف العبادة، كما أن إظهار السرور في الأعياد شعار هذا الدين، واللعب والزفن في أيام العيدين مباح، في المسجد وغيره، إذا كان على النحو الوارد في حديث عائشة رضي الله عنها في لعب الحبشة بالسلاح . انتهى.

 

ونسأل الله تعالى أن يتقبل منا ومنكم صالح أعمالنا، وأن يهدينا وإياكم لما فيه الخير لديننا ودنيانا.

 

والله أعلم.

 

ما الطريقة المثلى لدعوة المتصوفة لطريق أهل السنَّة والجماعة؟

ما الطريقة المثلى لدعوة المتصوفة لطريق أهل السنَّة والجماعة؟

السؤال:

كيف نقوم بدعوة الصوفيين حتى يهتدوا لطريق الحق؟ وما هي الآيات والأحاديث التي يمكن أن نستعين بها كأدلة في دعوتنا لهم؟.

 

الجواب:

الحمد لله

هذا سؤال جيد، وهو يدل على عقل وافر، ورحمة بالمسلمين، فما أحوجنا إلى من يدلنا على الطرق المناسبة لدعوة المنحرفين عن سواء السبيل.

والصوفية كلمة يدخل تحتها ألوان وأصناف من العقائد والمناهج، غالبها ضلَّ سواء السبيل، وهم درجات في الانحراف والضلال، وهم أحوج من مرضى الأبدان للعلاج، فكيف السبيل لدعوتهم والسير بهم نحو طريق الهداية؟ هذا ما سنعرفه في النقاط الآتية:

  1. لا ينبغي أن يقوم بدعوة أولئك المتصوفة إلا من يملك العلم الكافي من الشرع، وخاصة العلم بأحوال المتصوفة وعقائدهم؛ وذلك خشية من أن يُنكر ما هو حق عندهم، أو يقبل ما هو باطل في الشرع، كما أن العلم واقٍ من الانسياق وراء شبهاتهم والتأثر بها، بإذن الله.
  2. ومع العلم الكافي عند ذلك الداعي لا بدَّ من أن يتحلَّى بالخلق الرصين، فيكون في قلبه رحمة على أولئك المخالفين، ورغبة قوية في هدايتهم.
  3. فإذا جمع ذلك الداعي تلك الصفات: فحتى ينجح في دعوته فإن عليه أن يدعوهم بالحسنى، فلا يقسو في العبارة، ولا يتجهم في المقابلة، بل يحنو ويعطف عليهم، ويتودد لهم بالهدايا والإكرام بما يتيسر له.
  4. ومن الضروري في دعوتهم عدم التعرض لرموزهم وأئمتهم بالطعن والتجريح، بل يُمدح الأنبياء والمرسلون أمامهم، ويُثنى على الصحابة والتابعين، ويبيَّن فضل ومنزلة الأئمة الأربعة وكبار العلماء من سلف هذه الأمة، ويفضَّل ذِكر بعض الأئمة الذين عُرفوا بالمنهج المستقيم ممن ينسب إليهم المتصوفة مثل إبراهيم بن أدهم، وعبد القادر الجيلاني، وهذا الأمر سيكون في ذهنه قاعدة من الأشخاص المتفق على عدالتهم وفضلهم، وهم قاسم مشترك بين الداعية وبين المدعوين، فالملاحظ على عامة المتصوفة أنهم لا يذكرون الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة وغيرهم من سلف الأمة، ويُراد من رموزهم تجهيلهم بهم، فلنكرَّ على قواعد أولئك بالذِّكر الحسن لأئمة الهدى، ومصابيح الدجى.
  5. يفضَّل في الداعية أن يذكر قواعد الإسلام الكلية، وعقائده الناصعة الجلية، في بداية دعوة أولئك المتصوفة، وأن يبتعد عن النقد لعقائدهم ومناهجهم مباشرة، وإن من شأن تلك القواعد الحقَّة أن تهدم قواعد الباطل والجهل، وكلما قوية قواعد الحق، وازداد أولئك علمًا بالشرع ساهم ذلك في التخلص من رواسب الباطل والضلال.
  6. وندعو الدعاة الأفاضل إلى قطع الطريق أمام رموز أولئك المتصوفة وذلك بالإكثار من ذِكر النبي صلى الله عليه وسلم، وسيرته، وشمائله؛ إذ يُكثر أولئك الرموز كثيرًا من الطعن بعلماء أهل السنَّة والجماعة بأنهم لا يحبُّون النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يصلون عليه! وهذا كذبٌ رخيص، لكنه مصدَّق – وللأسف – عند عامة أولئك المتصوفة، فليكن التكذيب لتلك المزاعم بالواقع العملي.
  7. كما ندعو الدعاة الأفاضل للإكثار – حتى من غير دعوة أولئك المتصوفة – من الحديث عن القلوب، وأحوالها، ومن الكلام في الرقائق، فما أحوجنا حقّا لترقيق قلوبنا بمواعظ القرآن والسنَّة وكلام سلف هذه الأمَّة، وهذا الطريق سلكه أهل البدع من المتصوفة فسلبوا قلوب العوام حتى تعلقت قلوبهم بذلك المنهج، وذلَّت أبدانهم لخدمة رموز المتصوفة.
  8. وقد يسَّر الله تعالى في زماننا هذا دعاة أفاضل من أهل السنَّة والجماعة برزوا للناس في الفضائيات، فأحبهم الناس وتعلقت بهم قلوبهم، فليستثمر هذا بذِكر اعتقاد أولئك الدعاة ومنهجهم، وإهداء المتصوفة أشرطتهم وكتبهم، وهذا طريق سهل يسير على إخواننا الدعاة، وثمرته نافعة قريبة بإذن الله تعالى.
  9. وعلى الدعاة تجنب دلالة أولئك المتصوفة على كتب تطعن صراحة في أئمة التصوف، أو تسخر من منهجهم ومن كرامات رموزهم – المزعومة -، فأول الأمر يكون ذلك ثقيلا على النفس، فإذا اطمأنَّ الداعية إلى مقابله وأنه صار مهيئا لتقبل الحق بمرارته فليدله على الكتب التي تنقض اعتقاد التصوف المنحرف عن الحق، وليُسمعه الأشرطة التي تبيُّن الحق بدلائله الصريحة.
  10. وليُكثر الداعية من الدعاء بصدق وإخلاص أن يهدي الله ضالَّ المسلمين، وليحرص على مشاورة أهل العلم من أهل الخبرة بدعوة المبتدعة، وليبق على اتصال بهم، حتى لا يُعجب بنفسه فيهدم ما بنى، أو حتى يُعان أصلاً على البذر.

ونسأل الله تعالى أن يوفقكم لما فيه لإصلاح الناس وأن ييسر أمركم وأن يكف عنكم الشر والأذى والضرر.

وننصح بالاطلاع على هذه المجموعة الطيبة من توجيهات الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله في الدعوة إلى الله، وتراها هنا:

  1. أهمية الدعوة إلى الله ” مقطع صوتي “:

https://binbaz.org.sa/audios/951/%D8%A7%D9%87%D9%85%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%B9%D9%88%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%87

  1. الدعوة إلى الله فرض كفاية ” فتوى “:

https://binbaz.org.sa/fatwas/2322/%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%B9%D9%88%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%87-%D9%81%D8%B1%D8%B6-%D9%83%D9%81%D8%A7%D9%8A%D8%A9

  1. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مسئولية الجميع ” مقطع صوتي “:

https://binbaz.org.sa/fatwas/2147/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%85%D8%B1-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D8%B1%D9%88%D9%81-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%87%D9%8A-%D8%B9%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%86%D9%83%D8%B1-%D9%85%D8%B3%D9%89%D9%88%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D9%8A%D8%B9

  1. الدعوة إلى الله وأثرها في المجتمع ” فتوى “:

https://binbaz.org.sa/fatwas/19769/%D8%A7%D8%AB%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%B4%D9%88%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%B9

  1. وصية للشباب والدعاة بالحكمة في الدعوة إلى الله ” مقطع صوتي “:

https://binbaz.org.sa/fatwas/15265/%D9%88%D8%B5%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D9%84%D8%B4%D8%A8%D8%A7%D8%A8-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%B9%D8%A7%D8%A9-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%83%D9%85%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%B9%D9%88%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%87

 

والله أعلم.

يسأل لماذا خلقنا؟ ولماذا أمرنا بالعبادة؟ ولماذا نُبتلى بسبب الحرب بين الله والشيطان؟

السؤال:

لقد قاومت هذه الأسئلة لمدة طويلة حتى أنني لا أملك من الشجاعة ما يمكنني أن أتكلم به مع إمام مسجدنا، وأظن أنه ليس لديه ما يصبر به عليَّ، وكذلك من المعرفة ما يمكنه أن يجيب على تلك الأسئلة، أرجو أن تبذلوا قصارى جهدكم للإجابة على أسئلتي، وشكرًا.

لماذا خُلقنا؟ وكذلك لماذا خلق الشيطان؟ وإن كان الرب لا يحتاج إلى عبادتنا فلماذا خلَقَنا وأمرنا بعبادته؟ ولماذا يحتاج الله لصلواتنا لتعظيمه وهو الرب سبحانه وتعالى؟.

وإذا كانت هناك حرب بين الله والشيطان فلماذا نحن نعاني بسببها؟ ألا يجب على الله والشيطان أن يسووا تلك الحرب بينهم بأنفسهم بينما يغرينا الشيطان ونُبتلى ونُختبر من الله دون أي سبب؟ لماذا ينال بعض الناس الفضائل وينال الآخرون المثالب؟ بعضهم يولدون أغنياء وآخرون فقراء، البعض مشوهون والآخرون مكفوفون، البعض أصحاء والآخرون مرضى، لماذا لا ننال كلنا الفضائل كالآخرين؟ إذا لم يكن الله عادلاً فكيف يتوقع  منَّا أن نكون منصفين عادلين؟! أليست قسوة من الله أن يخلقنا ثم يتسبب لنا في الألم والجوع والمشقة … إلى غير ذلك؟ وكيف يتسلى في حين يبتلينا نحن بل ونقع في الضلال وذلك عن طريق أحد مخلوقاته ألا وهو الشيطان؟ وإذا أصغينا للشيطان واستسلمنا لإغراءاته فكيف نعاقب على ذلك؟ ولماذا يجب علينا ألا نسأل من أين أتى الله؟ ففي القرآن يأمرنا الله بالتأمل والتفكر في خلقه وكذلك في ذاته، وإذا كان الله خلقني وكذلك خلق عقلي وأنا أستخدمه لأتأمل في قوته وعجائبه ومن أين حصل على تلك القوة: كيف يكون هذا معصية؟.

أشك بدرجة عالية أنك تستطيع أن تجيب على أسئلتي، ولكني قد أخرجتها من داخلي، ولكن على الأقل حاول أن تجيب ولو على بعضها.

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

سننطلق معك في إجابة مسائلك من خلال ” بطاقتك الشخصية ” التي ذكرتَ فيها أنك ” مسلم “، ومن خلال كلماتك التي سطرتها أعلاه، فأنت ذكرت في كلامك ألفاظ ” الله ” ” الرب سبحانه وتعالى ” وذكرت ” أن الله خلقنا ” و ” خلق الشيطان “، وفي آخر كلامك قلت ” وأسأل الله أن يرزقني وكل المسلمين المعرفة والحكمة “.

ونحن نقول لك: هذا الرب الذي تؤمن به إلها وخالقا وتعتقد أنه يملك خزائن السموات والأرض ألا تعتقد أنه حكيم بأفعاله ؟! فعجيب منك اعتقادك به تلك الاعتقادات ثم تعترض على بعض أفعاله ظانّاً أنها ظلم أو أنها عبث! وهذا غاية في الجحود والضلال.

ودعنا نسألك سؤالا راجين منك الإجابة بصدق، لو أنك فتحت جهازك ” الحاسوب ” من الداخل فرأيت تلك القطع المرصوصة فيه، ورأيت الأسلاك عن اليمين والشمال: ألا تسلِّم لتلك العقول التي صنعته بالعلم، والإبداع؟ ثم هل سيخطر في بالك أنه ثمة ” قطعة ” في الجهاز وُضعت ” عبثًا ” وأنه يمكنك إزالتها وطرحها من الجهاز؟ نظن أنه لست بفاعل ذلك، وأنك ستسلم أنه لم توضع قطعة فيه إلا لسبب وأن صانعيه لم يجعلوا فيه شيئًا يمكن طرحه وإزالته من غير أن يؤثر على عمل الجهاز، ونظن أن هذا هو واقع كل عاقل، فهل يا ترى تسلم بالعلم الإبداع لعقول مخلوقة علمها مستمد من تعليم الله لها، وتسلم لها بالحكمة في صنع الأشياء وأنها قد وضعتها في مكانها الصحيح، ثم لا يكون منك ذلك الاعتقاد وذلك التسليم لرب العالمين الذي خلق الكون كله، جعل فيه الإنس والجن، والصحيح والسقيم، والفقير الغني، والعزيز والذليل؟! وهل تظن أن قطعة في جهاز من بشر مخلوق لها حكمة في وجودها في مكانها وكل ذلك من رب العالمين لا حكمة فيه؟!.

– وانظر في الحكم الجليلة من خلق السموات والأرض وخلق البشر وخلق الجانّ في أجوبتنا الأخرى.

ثانيًا:

قلتَ: ” ولماذا يجب علينا ألا نسأل من أين أتى الله؟ “.

والجواب:

أن هذا السؤال متناقض في نفسه، فكيف يكون ” الله ” ثم تسأل من أين أتى؟! فالله تعالى هو الأول وليس قبله شيء – كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه مسلم – ولو كان قبله شيء، أو كان ثمة من جاء به: لم يكن ربّاً ولا إلهًا، ولرجعنا للذي قبله، حتى نصل إلى الأول الذي ليس قبله شيء، وهو الله تعالى، فهل تظن أنه بسؤالك ستنحل عقدٌ وتزول إشكالات؟! إن الله الذي نعبده ( لم يلد ولم يولد ) وهو ( الأول فليس قبله شيء ) وقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم عن مثل سؤالك ذاك وأنه ليس له مصدر إلا الشيطان، وأنه لا يزال يتدرج في وساوسه حتى يصل بصاحبه إلى الشك في وجود ربه تبارك وتعالى وفي ألوهيته، ولك أن تتأمل في سؤالك ” مِن أين أتى الله “؟ وهذا – بالضبط – ما يريد الشيطان أن يوصلك إليه لتقطع إيمانك بالله تعالى فتصير ملحدًا متشككًا في وجوده عز وجل.

عن أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ مَنْ خَلَقَ كَذَا مَنْ خَلَقَ كَذَا حَتَّى يَقُولَ مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ، فَإِذَا بَلَغَهُ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ وَلْيَنْتَهِ ). رواه البخاري ( 3102 ) ومسلم ( 134 ).

– وفي لفظ عند مسلم ( 134 ): ( فَمَنْ وَجَدَ مِنْ ذلكَ شَيْئاً فَلْيَقُلْ آمَنْتُ بِالله ).

ففي هذا الحديث بيان مصدر هذه الأسئلة وهو الشيطان، وبيان طريقة علاج وسوسته وكيده بالانتهاء والكف عن الانسياق وراء هذه الوساوس، وبالاستعاذة بالله من الشيطان، وبإعلان الإيمان بالله تعالى.

ثالثًا:

وقولك ” وإذا كانت هناك حرب بين الله والشيطان فلماذا نحن نعاني بسببها؟ ألا يجب على الله والشيطان أن يسووا تلك الحرب بينهم بأنفسهم بينما يغرينا الشيطان ونُبتلى ونُختبر من الله دون أي سبب؟ “: في غاية الوقاحة والجهل، وسواء كنت مسلمًا أم كافرًا: فإن هذا الكلام لا يقوله إلا ملحد، لا يؤمن بالله تعالى ربًّا، ولا ندري أي إسلام تعتنقه وأنت تقول مثل هذا الكلام وتعتقد أن الشيطان ندٌّ لله تعالى وأنه ثمة حربٌ بينهما وأن عليهما أن يسويا الأمور بينهما؟! ولو أنك لم تعرِّف على نفسك بأنك مسلم لكان لنا جواب آخر معك إن كنا سنجيبك، لكن أن تعرف نفسك بأنك مسلم ثم يصدر منك هذا الكلام وغيره: فهذا الذي نتعجب منه، فأي ربِّ تؤمن به حتى تظن أن الشيطان الرجيم ندٌّ لله تعالى وداخل في حرب معه؟! ألا تعلم إن كنت مسلمًا- بل ويهودي أو نصراني – أن الله تعالى قد طرد الشيطان من الجنة، وأنه تعالى هو الذي أمهله ليعيش هذه المدة الطويلة؟ ألا تعلم أن الله تعالى قد جعل كيد الشيطان ضعيفًا وأن أتباعه إنما يتبعون أهواءهم وهو لم يكن صاحب سلطان عليهم بل ما كان منه إلا دعوتهم للضلال والكفر والفجور فما كان منهم إلا اتباعه؟ وهل تعلم أن الشيطان لا يعتقد في نفسه ما تعتقده أنت وغيرك ممن ألحد في ألوهية الله تعالى؟! نعم، إن الشيطان يعتقد الله تعالى هو ربُّ كل شيء، وأن مالك الملك، فلذا توجَّه إليه تعالى بربوبيته يطلب منه أن يمهله وأن يؤخر أجله، بينما ثمة كثير من الناس عبدوا شجرًا وحجرًا واعتقدوا في الأموات والأصنام أنها تهب الحياة وتسلبها من الناس!.

فإن كنتَ مسلمًا فاعلم أن ما قلته هو إلحاد برب العالمين، وإن كنت ملحدًا فليس لنا إلا أن ندعوك إلى الإسلام والتوحيد، ونقيم بذلك الحجة عليك.

رابعًا:

وقولك ” لماذا ينال بعض الناس الفضائل وينال الآخرون المثالب؟ بعضهم يولدون أغنياء وآخرون فقراء، البعض مشوهون والآخرون مكفوفون، البعض أصحاء والآخرون مرضى، لماذا لا ننال كلنا الفضائل كالآخرين؟ إذا لم يكن الله عادلاً فكيف يتوقع  منَّا أن نكون منصفين عادلين؟! أليست قسوة من الله أن يخلقنا ثم يتسبب لنا في الألم والجوع والمشقة … إلى غير ذلك؟ “: يؤكد لنا أنك ملحد، تريد فقط أن تتخذ هذا المنبر لتسب الله تعالى.

والله أعلم.

أحوال وأحكام مشاركة المسلم في احتفالات المسلمين والكفار

أحوال وأحكام مشاركة المسلم في احتفالات المسلمين والكفار

السؤال:

أكتب لأن هناك بعض المسلمين في مسجد ما حدث منهم أمر غريب: ذلك وأني كنت من الذين حضروا لقاءً خاصّا مع وزير نصراني الأسبوع الماضي، وشاء الله أن أكون هناك، ففي هذا اللقاء قام شيخ وثلاث من الأخوات بمحاولة الترتيب لحفل ديني وذلك عن طريق حمل الشموع مع معتنقي ديانات أخرى، ثم قاموا بالطواف حول البحيرة التي كان يقام عندها الحفل.

لذا أرجو توضيح كيف أبين لهم أن هذا الأمر بدعة؟ وكيف أثبت لهم أن هذا الأمر ليس صحيحًا بالقرآن والسنّة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

يختلف أحوال الاحتفالات وتختلف تبعاً لذلك أحكامها، سواء كانت تلك الاحتفالات مقامة من مسلمين أم من كفار، وينتظم الكلام عليها في النقاط الآتية:

  1. لا يحل لمسلم المشاركة في الاحتفالات الدينية للكفار، ولا يحل تهنئتهم بها مطلقا، وهذا أشد حالات الاحتفالات إثما؛ إذ قد يؤدي بفاعله إلى الكفر.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

وأما التهنئة بشعائر الكفر المختصة به: فحرام بالاتفاق، مثل أن يهنئهم بأعيادهم، وصومهم، فيقول: ” عيد مبارك عليك “، أو ” تهنأ بهذا العيد “، ونحوه، فهذا إن سلم قائله من الكفر: فهو من المحرمات، وهو بمنزلة أن يهنئه بسجوده للصليب، بل ذلك أعظم إثمًا عند الله وأشد مقتا من التهنئة بشرب الخمر، وقتل النفس، وارتكاب الفرج الحرام ، ونحوه. ” أحكام أهل الذمة ” ( 3 / 211 ).

* وقال الذهبي – رحمه الله -:

فإذا كان للنصارى عيدٌ ولليهود عيد: كانوا مختصين به، فلا يشركهم فيه مسلم، كما لا يُشاركهم في شرعتهم، ولا في قبلتهم.

” تشبيه الخسيس بأهل الخميس “، منشور في ” مجلة الحكمة ” عدد 4، ص 193.

  1. اختلف العلماء في حكم حضور احتفالات الكفار في مناسباتهم الشخصية، كزواج، أو شفاء من مرض، أو رجوع من سفر، وأرجح الأقوال القول بالجواز بشرط وجود مصلحة شرعية، كتأليف قلوبهم للإسلام، أو دعوتهم إلى الدين.
  2. في المناسبات والاحتفالات الخاصة بالكفار لا يحل للمسلم التشبه بالكفار في لباس، أو تناول طعام معيَّن، أو هيئة خاصة، ومنه: إيقاد الشموع والطواف بها.

 

 

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

لا يحل للمسلمين أن يتشبهوا بهم في شيءٍ مما يختص بأعيادهم، لا من طعام، ولا لباس، ولا اغتسال، ولا إيقاد نيران، ولا تبطيل عادة، من معيشة، أو عبادة، أو غير ذلك.

ولا يحل فعل وليمة، ولا الإهداء، ولا البيع بما يستعان به على ذلك لأجل ذلك.

ولا تمكين الصبيان ونحوهم من اللعب الذي في الأعياد، ولا إظهار زينة.

وبالجملة: ليس لهم أن يخصوا أعيادهم بشيء من شعائرهم، بل يكون يوم عيدهم عند المسلمين كسائر الأيام لا يخصه المسلمون بشيء من خصائصهم.

” مجموع الفتاوى ” ( 25 / 329 ).

  1. لا يجوز للمسلم حضور احتفال لكفار ولا لمسلمين فيه تسويق لدينٍ أو مذهبٍ باطل، أو ثناء على فكر أو عقيدة منحرفة.
  2. لا يجوز للمسلم حضور احتفال لكفار ولا لمسلمين يكون احتفالا متكررا كل عام، كعيد الميلاد، وعيد الأم.
  3. لا يجوز للمسلم حضور احتفال لكفار ولا لمسلمين يكون احتفالا محرَّما من حيث مناسبته، كعيد الحب، وعيد ميلاد طاغية، أو مناسبة إنشاء حزب كافر أو فاجر.
  4. لا يجوز للمسلم حضور احتفال لكفار ولا لمسلمين يكون فيه اختلاط مع النساء، أو فيه موسيقى، أو يُتناول فيه طعام محرَّم.

إذا علمتَ ما سبق بيانه تبين لك حرمة ذلك الاجتماع وما حصل فيه من احتفال بسبب تعظيم ذلك الوزير النصراني، ووجود الاختلاط، والتشبه بالكفار في إيقاد الشموع والطواف بها، مع ما فيه من تسويق للديانات المحرفة، ليس بالسكوت عنها فحسب بل بتبجيلها وإقرار شعائرها في ذلك الاحتفال المحرَّم، وفيما ذكرناه لك آنفاً وما أحلناك عليه من إجابات كفاية لمن بحث عن الحق ورغب تجنب سخط الله تعالى عليه.

 

والله أعلم.

خرجت من بيت زوجها دون إذنه وطلبت الطلاق فطلقها ويريد منَّا نصحها

خرجت من بيت زوجها دون إذنه وطلبت الطلاق فطلقها ويريد منَّا نصحها

السؤال:

الحمد لله رُزقت بثلاث زوجات جميلات، ولي منهن أولاد، غير أن الزوجة الثالثة طلبت مني الطلاق مؤخرًا، وحجتها في ذلك حجة لا أساس لها من الشرع، إنها تقول إنني لا أغضب لها عندما تتشاجر مع إحدى نسائي الأخريات، أنا في ذلك أتبع هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وقصة عائشة رضي الله عنها عندما تشاجرت مع إحدى نسائه صلى الله عليه وسلم وكسرت الإناء قصة معروفة، وكيف أن النبي صلى الله عليه وسلم عالج ذلك الأمر بحكمة ولم يغضب لأيٍّ منهن، قلت لها: إن الجميع زوجاتي، وإن ما كان من خلاف بينهن فإنه يُحل ولا يمكنني أن أغضب لواحدة فقط لمجرد أنها تشاجرت مع ضرتها، ولكنها تصر على الطلاق لا سيما بعد آخر حادث عندما كنت بعيدًا عن البيت وتشاجرتْ مع إحداهن، وقالت: إنها أهانتها وأرادت الدخول إلى غرفتها، تدخل والدها في حل القضية، وهو إمام المسجد في الحي، ولكنها أصرت على موقفها، وتدخل أخ أخر، وكلاهما يرى أن لا حق لها في طلب الطلاق، وجميع نسائي بما فيهن هذه يرين أنني أقوم بحقهن كزوج على أتم وجه، ولكنها تقول إن ذلك ليس كافيًا، قمت بتحذيرها بحديث النبي صلى الله عليه وسلم أن من طلبت الطلاق دون سبب شرعي فإنها لا تشم رائحة الجنة، ولكنها ما زالت متمسكة برأيها وتريد الطلاق، عندما رأت أني رفضت الانصياع لرأيها تركت البيت وكبَّرت القضية وتدخلت أطراف أخرى وانتهى الأمر بأن طلقتها، فهل من نصيحة لها؟ لا سيما وأن لدي منها طفلين ولا أريدهما أن يكونا ضحية طلاق أُجبرت عليه، ولا أساس له من العقل والشرع، كما أني أكره أن يبقيا بعيدًا عني.

وجزاكم الله خيرًا على نصحكم.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

قد أحسنتَ في معاملتك لزوجاتك وفق هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وفعلك هذا يستحق الثناء والإشادة، ولا تجعل مما حصل مع زوجتك الثالثة سبباً لتغيير تلك المعاملة، وتلك الأخلاق النبيلة، فنحن أحوج ما نكون لمعددين قدوات نقدمهم للناس ليروا فيهم القدوة الحسنة المتبعة لهدي النبي صلى الله عليه وسلم.

ونراك أخطأتَ بتطليق زوجتك، وقد كنت في سعة من أمرك أن تفعل ذلك، فالمرأة معروفة عند الغضب أنها تسارع بالتلفظ بطلب الطلاق، ولم يجعل الله تعالى الطلاق بيد الزوج إلا وهو يعلم – سبحانه – مَن خلق وما يصلح لهم من أحكام، ولو جُعل الطلاق بيد النساء لرأيت الأسَر مفرقة والبيوت مهدمة.

أمَا وقد حصل منك ذلك فلتبادر إلى إرجاعها قبل انتهاء وقت عدتها، ولا يشترط وجودها في بيتك، كما لا يشترط رضاها في الرجعة، قال تعالى: ( وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلاَحًا ) البقرة/ من الآية 228.

 

ثانيًا:

وأما الزوجة الثالثة والتي أصرَّت على الطلاق فنقول لها:

  1. لم يكن لك عذر – بحسب ما قال زوجك – في طلبك للطلاق، وقد أخطأتِ بطلبه، وعرَّضتِ نفسك للوعيد الشديد الذي ورد في مثل هذا.

عَنْ ثَوْبَانَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا طَلاقًا فِي غَيْرِ مَا بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّة ). رواه الترمذي ( 1187 ) وأبو داود ( 2226 ) وابن ماجه ( 2055 ) وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

  1. وقد أخطأتِ في الخروج من المنزل دون إذن زوجك ودون رضاه.

وقد بوَّب البخاري رحمه الله في صحيحه قوله: ” باب استئذان المرأة زوجها في الخروج إلى المسجد وغيره ” وروى حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إِذَا اسْتَأْذَنَتْ امْرَأَةُ أًَحَدِكُم إِلَى المَسْجِدِ فَلاَ يَمْنَعْهَا ).

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

فالمرأة عند زوجها تشبه الرقيق والأسير, فليس لها أن تخرج من منزله إلا بإذنه، سواء أمرها أبوها، أو أمها، أو غير أبويها، باتفاق الأئمة.

” الفتاوى الكبرى ” ( 3 / 148 ).

* وقال ابن مفلح الحنبلي – رحمه الله -:

ويحرم خروج المرأة من بيت زوجها بلا إذنه إلا لضرورة، أو واجب شرعي. ” الآداب الشرعيَّة ” ( 3 / 375 ).

  1. وحتى مع وقوع الطلاق الرجعي فإنه لا يحل لك البقاء الآن في بيت أهلك، وإن عليك الرجوع إلى بيت زوجك، فخروج المطلقة الرجعية من بيتها محرَّم، وإخراجها من قبَل زوجها محرَّم أيضًا، والحكمة في ذلك معروفة، وهي أنه لعلَّ الله أن يرقق القلوب، ويزيل الإشكالات بالبقاء، فترجع الزوجة لعصمة زوجها، كما أن في البعد فتح الباب لأهل الشر والسوء لإذكاء نار الفتنة والوقيعة بين الزوجين.

قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا ) الطلاق/ 1.

  1. واعلمي أيتها الزوجة الفاضلة أن الأصل في الطلاق أنه مكروه، وأنك بطلبك له من الزوج والدفع باتجاه الانفصال عنه: أنك تحققين للشيطان سعادة غامرة؛ فليس ثمة عمل من أعمال جنوده أحب إليه من أن يتم التفريق بين الزوج وزوجته، لما في تلك الفرقة من آثار سيئة على الفرد والأسرة والمجتمع.

عن جابر رضي اللهُ عنه: قالَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلّمَ: ( إِنَّ إبليسَ يضعُ عرشَهُ على الماءِ، ثُمَّ يَبْعَثُ سراياهُ، فَأَدناهُم مِنهُ مَنزِلَةً: أَعظَمُهُم فِتنَةً، يَجِيءُ أَحَدُهُم فَيقُولُ: فعلتُ كَذَا وَكَذا، فيقولُ: مَا صَنَعتَ شَيئًا، قالَ: ثُمَّ يَجِيءُ أَحَدُهم فَيقُولُ: مَا تَركتُهُ حتّى فَرَّقتُ بَينَه وَبَينَ امرَأَتِهِ، قالَ: فَيُدنِيهِ مِنهُ، ويقولُ: نِعْمَ أنتَ، فَيَلتَزِمُهُ ).

رواه مسلم ( 2813 ).

* قال الإمام ابن القيِّم – رحمه الله -:

فالشيطان وحزبه قد أُغرُوا بإيقاع الطلاق، والتفريق بين الرجلِ وزوجتِه، والطلاق إنَّما أجازته الشريعةُ للحاجة، ومعلومٌ أنّ الحاجةَ تُقَدَّرُ بقدرِها.

” إغاثة اللهفان ” ( 1 / 208 ).

  1. واعلمي أنك بطلاقك من زوجك أنك تفقدين منصب ” الملكة “! وذلك بانتقالك إلى رتبة أقل، فالزوجة في بيت زوجها ملكة، يأتيها رزقها رغدًا من كل مكان، من غير تعب ولا نصب، وهي آمنة مطمئنة، فإذا ما طلقت فإنها قد تصير خادمة في عند أشقائها، وقد تصبح ذليلة عند زوجة والدها، كما أنها قد تشقى وتتعب لتحصيل لقمة عيشها، فلتقارني بين حال الزوجة معززة مكرمة في بيت زوجها وبين حال كثيرات ممن فقدن هذه النعمة.
  2. واعلمي أنك بطلاقك ستكونين عبئاً على أهلك، وسينظر لك المجتمع نظرة سيئة، فما يذكره زوجك من سبب لطلبك الطلاق لن تجدي أحدًا ينصرك فيه، ولن تجدي داعماً لك في موقفك، اللهم إلا أحدًا يريد لك السوء، ويحسدك على ما أنت فيه من نعمة وخير، والمرأة التي تطلب الطلاق لسوء خلق زوجها، ولقلة دينه: تكون محط إعجاب من العقلاء، ومحل احترام من أهلها وأقربائها، وتكون فرص تزوجها من آخر كثيرة، بخلاف ما لو لم يكن ثمة سبب شرعي لطلب الطلاق، فإن الأزواج يفرون منها خشية تكرر الحدث معهم.
  3. واعلمي أنك بطلاقك من زوجك أنك تتسببين في دمار طفليك! فتربية الأطفال بعيدًا عن والدهم لها آثار سيئة كثيرة وعظيمة، ومعروف أن وجود الأب في حياة أبنائه – ولو كان مقعدًا – له آثار طيبة في توجيه الأولاد وحسن رعايتهم وتربيتهم، فهل تستطيعين تعويضهما فقدان أبيهما؟! وهل تستطيعان ضبط تصرفاتهما وتوجيههما بما ينفعهما؟! وهل تستطيعين متابعة أحوالهما في المدرسة ومع زملائهما في الحارة؟! إن كثيرًا من أعمال التربية لا يجيدها إلا الأب، فلا تكابري وتتسببي في دمار حياة طفليك، فقد وهبك الله نعماً جليلة، زوجاً يحبك ويرغب بوجودك في حياته، وطفلين في عمر الزهور بحاجة لأبيهم مع أمهم، وبيتًا تستقرين فيه، وحياة هنيئة لا تشقين فيها، فلا تضيعي كل تلك النعَم بسورة غضب، فيضيع عليك خير عظيم، وقد يقع منك الندم في وقت لا تستطيعين فيه تحصيل ما فاتك من تلك النعَم ، فقد تخبو رغبة زوجك بك، وقد يتزوج ويمتنع من مراجعتك، فلا تكوني كالتي نقضت غزلها وقد تعبت في غزله، وهدمت بيتها وقد شقيت حتى أتمته.

ونسأل الله تعالى أن يصلح قلبك، ويهديك لما في خير لدينك ودنياك، وأن يجمع بينك وبين زوجك على خير.

 

والله الموفق.

 

ما الحكمة من خلق الله تعالى آدم عليه السلام من مراحل مع قدرته على خلقه بكلمة؟

ما الحكمة من خلق الله تعالى آدم عليه السلام من مراحل مع قدرته على خلقه بكلمة؟

السؤال:

كما هو معلوم بأن الله خلق كل شيء من العدم بكلمة واحدة وهي كلمة ” كن “، فلماذا خلق آدم عليه السلام من صلصال ولم يخلقه من العدم بنفس الكلمة؟ لم أستطع فهم هذه المسألة فأرجو الشرح والتوضيح.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

ما يوجد في القرآن الكريم أنه عليه السلام خُلق من تراب، أو من صلصال، أو من طين: فإنما هي مراحل في خلقه، وتُذكر كل مرحلة في مكانها المناسب في كتاب الله تعالى.

وأما ترتيب مراحل خلق الله سبحانه وتعالى لآدم: فإنها بدأت بـ ” التراب “، ثم أضيف إليه  ” الماء ” فصار: ” طينًا ” ، ثم صار هذا الطين ” حمأ مسنونًا ” أي: أسود متغيِّرًا، فلما يبس هذا الطين – من غير أن تمسه النار – صار ” صلصالًا ” – والصلصال هو الطين اليابس  لم تمسه نار، ثم نفخ الله سبحانه وتعالى، في مادة الخلق هذه من روحه، فصار هذا المخلوق بشرًا، وهو آدم عليه السلام.

قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله -:

إذا عرفت هذا فاعلم أن الله جل وعلا أوضح في كتابه أطوار هذا الطين الذي خلق منه آدم، فبين أنه أولًا تراب، بقوله: ( إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ )، آل عمران/ 59، وقوله: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ) الحج/ 5، وقوله: ( هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ) الآية غافر/ 67، إلى غير ذلك من الآيات.

ثم أشار إلى أن ذلك التراب بُلَّ فصار طينًا يعلق بالأيدي في مواضع أخر، كقوله: ( إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ ) الصافات/ 11، وقوله: ( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ) المؤمنون/ 12، وقوله: ( وَبَدَأَ خَلْقَ الْأِنْسَانِ مِنْ طِينٍ ) السجدة/ 7، إلى غير ذلك من الآيات.

وبيَّن أن ذلك الطين أسودَّ، وأنه متغير بقوله هنا: ( حَمَأٍ مَسْنُونٍ ).

وبيَّن أيضًا أنه يبس حتى صار صلصالًا، أي: تسمع له صلصلة من يبسه بقوله: ( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ ) الآية الحِجر/ 26، وقوله: ( خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ ) الآية الرحمن / 14، والعلم عند الله تعالى.

” أضواء البيان ” ( 2 / 274 ، 275 ).

 

ثانيًا:

ومما شك فيه أن الله تعالى لا يقدِّر شيئًا ولا يخلقه ولا يشرعه إلا لحَكم بالغة، فهو الحكيم سبحانه وتعالى، ومن صفاته الحكمة، لكنَّه تعالى لم يُطلع خلقه على حكَم كل ما شاءه أو شرعه، والشريعة تأتي بما تحار به العقول لا بما تحيله العقول، والعلماء حاولوا تلمس الحكَم فيما لم يطلعهم ربهم تعالى على حكَمه، فمنه ما استطاعوا الكلام فيه، ومنه ما عجزوا عنه، وفي كل الحالات سلَّموا الأمر لله تعالى أنه الحكيم في خلقه وشرعه، وإن كانت المسائل شرعية بادروا لفعل الأمر، والكف عن فعل النهي، وهذا هو مقتضى العبودية.

والمسلم يعتقد جازمًا أن أمر الله تعالى للشيء مهما بلغت عظمته إذا أراد خلقه وإيجاده أن يقول له ” كن ” فيكون، كما جاء ذلك في مثل قوله تعالى ( أَوَ لَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ. إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) يس/ 81، 82، وتأمل هاتين الآيتين فإنهما في سياق خلق السموات والأرض وخلق البشر، فليس يعجزه – سبحانه – خلق، فإذا شاء وجوده قال له ” كن كذا ” فيكون، فإذا أخبرنا الخالق أنه خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام فلا شك أن في ذلك حكمًا عظيمة وهكذا خلق أبينا آدم عليه فهو قادر – سبحانه – أن يوجده بكلمة ” كن بشرًا ” – مثلًا -، لكنه تعالى شاء أن يخلقه في أطوار، ولا شك أن في ذلك حكمًا جليلة، وقل مثل ذلك في خلق الجنين في بطن أمه في أطوار مختلفة.

 

ثالثًا:

ومن ذلك المنطلق المهم فإن بعض العلماء أورد مثل ذلك السؤال على نفسه، أو نقله عن غيره، وكان من الإجابات الواردة:

  1. ” أن الله تعالى فعل ذلك لمجرد المشيئة “، وهذا جواب كافٍ لمن أراد أن يقطع عن نفسه الشبهات والوساوس.

قال ابن عادل الحنبلي – رحمه الله -:

واعلم أنه تعالى قادر على خلقه – أي: آدم عليه السلام – من أي جنس أراد، بل هو قادرٌ على خلقه ابتداء، وإنما خلقه على هذا الوجه: إما لمحض المشيئة، أو لما فيه من دلالة الملائكة؛ لأنَّ خلق الإنسان من هذه الأمور أعجب من خلقِ الشَّيءِ من جنسه. ” اللباب في علوم الكتاب ” ( 11 / 451 ).

  1. أن الله تعالى خلقه من التراب والطين لإظهار عظيم قدرته.

والمقصود من ذكر هذه الأشياء: التنبيه على عجيب صنع الله تعالى إذ أخرج من هذه الحالة المهينة نوعًا هو سيد أنواع عالم المادة ذات الحياة.

” التحرير والتنوير ” ( 14 / 42 ).

  1. ولاختلاف حال خلقه اختلف أصل خلقتهم، فكان خلْقُه للملائكة من نور، وخلْقُه للشياطين من نار، وخلقه لآدم من تراب، ومنه يُعلم أنه لما كان حال أولئك الخلق مختلفًا: كان أصل خِلقتهم مختلفًا، فلما كان الملائكة للعبادة والتسبيح والطاعة: ناسب أن يكون خلقهم من نور، ولما كان حال الشياطين للوسوسة والكيد والفتنة: ناسب أن يكون خلقهم من نار، ولما كان الإنسان معمِّرًا للأرض وفيه سهولة وليونة وصعوبة وشدة وطيب وخبث: ناسب أن يكون خلقه من مادة تحوي ذلك كله، فالنار شيء واحد، والنور شيء واحد، لكن التراب يختلف من مكان لآخر وهذا هو حال الإنسان، وبذلك نطق النبي صلى الله عليه وسلم:

عن أَبي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ مِنْ قَبْضَةٍ قَبَضَهَا مِنْ جَمِيعِ الْأَرْضِ فَجَاءَ بَنُو آدَمَ عَلَى قَدْرِ الْأَرْضِ جَاءَ مِنْهُمْ الأَحْمَرُ وَالأَبْيَضُ وَالْأَسْوَدُ وَبَيْنَ ذَلِكَ وَالسَّهْلُ وَالْحَزْنُ وَالْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَبَيْنَ ذَلِكَ ). رواه الترمذي ( 2955 ) وأبو داود ( 4693 ) وصححه الترمذي والألباني في ” صحيح الترمذي “.

قال المباركفوري – رحمه الله -:

قال الطيبي: لمَّا كانت الأوصاف الأربعة ظاهرة في الإنسان والأرض: أجريت على حقيقتها، وأُولت الأربعة الأخيرة لأنها من الأخلاق الباطنة، فإن المعنى بالسهل: الرفق واللين، وبالحزن: الخرق والعنف، وبالطيب الذي يعني به الأرض العذبة: المؤمن الذي هو نفع كله، وبالخبيث الذي يراد به الأرض السبخة: الكافر الذي هو ضر كله.  ” تحفة الأحوذي ” ( 8 / 234 ).

  1. ومن أعظم الحكَم أن الله تعالى أراد تمييز آدم عن جميع خلقه بأن يخلقه بيده الكريمة مباشرة، وهذا لا يكون إذا كان خلقه من العدم، فكل خلقه من الملائكة والجن مخلوق من العدم، ولا يقال فيه إنه خلقهم بيده، وهو ما احتج الله تعالى على إبليس عندما أبى السجود لآدم عليه السلام، قال تعالى ( قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ ) ص/ 75، وسبق في حديث أبي موسى قول رسول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ مِنْ قَبْضَةٍ قَبَضَهَا مِنْ جَمِيعِ الْأَرْضِ … )، وعندما يأتي الناس إلى أبيهم آدم عليه السلام للشفاعة للفصل بين الناس يقولون ( أَلَا تَرَوْنَ إِلَى مَا أَنْتُمْ فِيهِ إِلَى مَا بَلَغَكُمْ أَلَا تَنْظُرُونَ إِلَى مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ أَبُوكُمْ آدَمُ فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُونَ يَا آدَمُ أَنْتَ أَبُو الْبَشَرِ خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ وَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ وَأَسْكَنَكَ الْجَنَّةَ أَلَا تَشْفَعُ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ وَمَا بَلَغَنَا … ) رواه البخاري ( 3162 ) ومسلم ( 194 ).

 

 

 

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وإنما ذكروا ذلك له في النعَم التي خصه الله بها من بين المخلوقين دون الذي شورك فيها، فهذا بيان واضح، دليل على فضله على سائر الخلق.

” مجموع الفتاوى ” ( 4 / 366 ).

 

ولمثل هذا الإكرام لأبينا آدم في خلقه باشر الله تعالى خلقه بيده، وأما لو كان خلقه بكلمة ” كن ” لكان مثل عيسى عليه السلام، وهو الذي يسمى ” كلمة الله “، ولا شك أن خلق آدم عليه السلام أجل وأعظم.

 

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وكان خلْق آدم وحواء أعجب من خلق المسيح؛ فإن حواء خُلقت من ضلع آدم، وهذا أعجب من خلق المسيح في بطن مريم، وخلْق آدم أعجب من هذا وهذا، وهو أصل خلق حواء. ” الجواب الصحيح لمن بدَّل دين المسيح ” ( 4 / 55 ).

 

– هذا اجتهادنا في الجواب، ونسأل الله تعالى أن نكون قد وفقنا فيه.

 

والله أعلم.

 

 

كلمة حول حديث ( خَلَقَ الله التُّربَةَ يَوْمَ السَّبْت ) وتعليق على ” عمر الأرض “

كلمة حول حديث ( خَلَقَ الله التُّربَةَ يَوْمَ السَّبْت ) وتعليق على ” عمر الأرض ”

السؤال:

هناك بعض المخطوطات الإسلامية التي تقول إن الله خلق السموات والأرض من العدم في ستة أيام، ثم خلق آدم أبا البشر في اليوم السابع، ثم خلق محمدًا صلى الله عليه وسلم بعد عشرة أجيال من ذلك الحين، فعلى اعتبار أن عمر الجيل الواحد ثلاثون سنة نضربها في تسعين مضافًا إليها المدة الزمنية من مولد النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليوم سينتج لدينا أن الله خلق السموات والأرض فقط منذ 4137 سنة أو عدد مقارب لهذا، ولكن في الحقيقة هذا لا يتوافق مع ما يقوله العلماء والمختصون إذ يقولون إن عمر الأرض أكثر من ثلاثة بلايين سنة، فما القول الفصل في هذه المسألة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

قول الأخ السائل ” هناك بعض المخطوطات الإسلامية التي تقول … “: لا يُعتمد عليه، ولا يُلتفت إليه، وذلك أن المخطوطات والمطبوعات التي تنسب الأقوال إلى الإسلام كثيرة، وليس العبرة بهذه النسبة، بل العبرة بالتدليل عليها من نصوص الوحي، فما لم يكن موثَّقًا بدليل من القرآن والسنَّة فلا يُلتفت إليه، سواء كان الكلام في مخطوطة أو مطبوعة.

 

ثانيًا:

قول الأخ السائل – نقلًا عن المخطوط -: ” إن الله خلق السموات والأرض من العدم في ستة أيام “: نقول: إن خلق السموات والأرض – بل وما بينهما – من العدم في ستة أيام لا يحتاج لأن نعرفه من كتاب مخطوط، فقد جاء ذلك منصوصًا عليه في كتاب ربنا تعالى في أكثر من موضع.

ففي الخلق من العدم قال تعالى: ( بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) البقرة/ 117.

قال القرطبي – رحمه الله -:

( بديع السموات والأرض ) أي: منشؤها، وموجدها، ومبدعها، ومخترعها على غير حدٍّ، ولا مثال، وكل من أنشأ ما لم يسبق إليه: قيل له ” مبدع “، ومنه ” أصحاب البدع “، وسميت البدعة بدعة لأن قائلها ابتدعها من غير فعل أو مقال إمام.

” تفسير القرطبي ” ( 2 / 86 ).

وفي كون ذلك الخلق كان في ستة أيام قال تعالى: ( وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ ) ق/ 38.

وقد جاء في القرآن الكريم تفصيل الخلق في هذه الأيام الستة، فقال تعالى: (قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا ) فصلت/ 9 – 12.

قال الشيخ الشنقيطي – رحمه الله -:

الظاهر أن معنى قوله هنا في ( أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ ): أي: في تتمة أربعة أيام.

وتتمة الأربعة حاصلة بيومين فقط؛ لأنه تعالى قال: ( قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرض فِي يَوْمَيْنِ ) فصلت/ 9، ثم قال ( في أربعة أيام ) أي: في تتمة أربعة أيام.

ثم قال: ( فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ ) فصلت/ 12, فتضم اليومين إلى الأربعة السابقة فيكون مجموع الأيام التي خلق فيها السماوات والأرض وما بينهما ستة أيام.

وهذا التفسير الذي ذكرنا في الآية لا يصح غيره بحال؛ لأن الله تعالى صرح في آيات متعددة من كتابه بأنه خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام … .

” أضواء البيان ” ( 7 / 12 ).

– وانظر في أجوبتنا الأخرى لتعلم جواب السؤال المشهور ” لماذا خلق الله السموات والأرض في ستة أيام مع قدرته على خلقها في أقل من هذه المدة؟ “.

ثالثًا:

قول الأخ السائل – نقلًا عن المخطوط – ” ثم خَلَق آدم أبا البشر في اليوم السابع “: هذا مما لا يصلح أن يقال من غير تنبيه وتوضيح، فقد سبق أن الله تعالى خلق السموات والأرض في ستة أيام، وأما خلق آدم عليه السلام فقد اختلف فيه أهل العلم على قولين، وعلى كلا القولين لا يكون ثمة معارضة بين عدد الأيام التي خلق الله فيها السموات والأرض وأنها ستة:

القول الأول: أن يوم الجمعة من الأيام الستة، وعليه تكون بداية الخلق في يوم الأحد، ونهايته يوم الجمعة، وفيه خُلق آدم.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

ثبت بالكتاب والسنَّة والإجماع: أن الله تعالى خلق السموات والأرض في ستة أيام، وأن آخر ما خلقه هو آدم، وكان خلقُه يوم الجمعة.

” مجموع الفتاوى ” ( 1 / 256 ).

القول الثاني: أن يوم الجمعة زائد على الأيام الستة، فبداية الخلق كانت يوم السبت، ونهايته: يوم الخميس، وقد تمَّ الخلق في ستة أيام، ثم بعد فترة – الله أعلم بمدتها – خلق اللهُ آدمَ عليه السلام، وكان ذلك في يوم الجمعة.

ومما يؤيد القول الثاني هذا ويقويه أمران:

  1. أن الله تعالى قبل خلق آدم عليه السلام ذكر أنه خلق الأرض، فقال: ( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ) البقرة/30، وهذا يعني أنه خلق آدم عليه السلام لا دخل له في الأيام الستة التي خلق الله فيها السموات والأرض وما بينهما.
  2. أن آدم عليه السلام لا يدخل في خلق السموات ولا في الأرض، بل هو مخلوق من الأرض، فمن الطبيعي أن يكون خلقه بعد خلق الأرض التي خُلِق منها.

وثمة حديث استدل به أصحاب هذا القول:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِي فَقَالَ: ( خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ، وَخَلَقَ فِيهَا الْجِبَالَ يَوْمَ الْأَحَدِ، وَخَلَقَ الشَّجَرَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَخَلَقَ الْمَكْرُوهَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ، وَخَلَقَ النُّورَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ، وَبَثَّ فِيهَا الدَّوَابَّ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَخَلَقَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَام بَعْدَ الْعَصْرِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فِي آخِرِ الْخَلْقِ فِي آخِرِ سَاعَةٍ مِنْ سَاعَاتِ الْجُمُعَةِ فِيمَا بَيْنَ الْعَصْرِ إِلَى اللَّيْلِ ).

رواه مسلم ( 2789 ) وأعلَّه بعض أهل العلم وجعله من كلام كعب الأحبار، وردَّ ذلك الشيخان المعلِّمي اليماني والألباني وغيرهما.

قال العلامة المعلمي – رحمه الله -:

ليس في هذا الحديث أنه خلق في اليوم السابع غير آدم، وليس في القرآن ما يدل على أن خلق آدم كان في الأيام الستة، بل هذا معلوم البطلان.

وفي آيات خلق آدم أوائل البقرة وبعض الآثار ما يؤخذ منه أنه قد كان في الأرض عُمَّار قبل آدم، عاشوا فيها دهرًا، فهذا يساعد القول بأن خلق آدم متأخر بمدة عن خلق السموات والأرض.

فتدبر الآيات والحديث على ضوء هذا البيان، يتضح لك إن شاء الله أن دعوى مخالفة هذا الحديث لظاهر القرآن قد اندفعت ولله الحمد.

” الأنوار الكاشفة ” ( ص 187 ، 188 ).

فالأيام السبعة التي في حديث أبي هريرة ليست هي الأيام الستة التي في القرآن؛ إذ ليس في الحديث ذِكر لخلق السموات، وكل ما فيها يتعلق بالأرض وصلاحيتها للسكنى، فهي غير أصل الخلق، وهي من أيامنا، وتلك الستة من أيام الله.

 

 

قال الشيخ الألباني – رحمه الله -:

وليس هو بمخالف للقرآن بوجه من الوجوه خلافًا لما توهمه بعضهم؛ فإن الحديث يفصل كيفية الخلق على وجه الأرض وأن ذلك كان في سبعة أيام، ونص القرآن على أن خلق السماوات والأرض كان في ستة أيام لا يعارض ذلك؛ لاحتمال أن هذه الأيام الستة غير الأيام السبعة المذكورة في الحديث، وأنه – أعني الحديث – تحدث عن مرحلة من مراحل تطور الخلق على وجه الأرض حتى صارت صالحة للسكنى، ويؤيده: أن القرآن يذكر أن بعض الأيام عند الله تعالى كألف سنة، وبعضها خمسون ألفا، فما المانع من أن تكون الأيام الستة من هذا القبيل؟ والأيام السبعة من أيامنا هذه كما هو صريح الحديث، وحينئذ فلا تعارض بينه وبين القرآن.

” مشكاة المصابيح ” ( 3 / 1597 ).

وثمة حديث يقوِّي ما ذهب إليه من فرَّق بين الأيام الستة، والأيام السبعة:

عن أبي هريرة قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ بيدي فقال: ( يا أبا هريرة إن الله خلق السموات والأرضين وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش يوم السابع وخلق التربة يوم السبت والجبال يوم الأحد والشجر يوم الإثنين والشر يوم الثلاثاء والنور يوم الأربعاء والدواب يوم الخميسن وآدم يوم الجمعة في آخر ساعة من النهار بعد العصر خلقه من أديم الأرض بأحمرها وأسودها وطيبها وخبيثها من أجل ذلك جعل الله من آدم الطيب والخبيث ).

رواه النسائي في ” السنن الكبرى ” ( 6 / 428 ).

وقال عنه الشيخ الألباني في ” مختصر العلو ” ( ص 75 ): ” جيد الإسناد “، وجعله مؤيدًا للجمع الذي نقلناه عنه.

ومن أبى ما قلناه وجعل ذِكر آدم في الحديث هو المشكلة: فنقول له: إن خلق آدم عليه السلام منفصل عن سابقه من الأشياء، فإن جعلت ما سبق هو الأيام الستة فافصل عنه خلق آدم، فهو غير داخل في ” السموات ” و ” الأرض “، كما هو الحال في خلق ” الملائكة ” و ” إبليس ” و ” الشياطين “، بل إن ظاهر القرآن أن خلق السموات والأرض وما بينهما كان قبل خلق ذلك كله.

قال الطاهر بن عاشور – رحمه الله -:

واعلم أن الله تعالى خلق السماوات والأرض قبل أن يخلق لهما سكانَهما كما دل عليه قوله: (قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ … ).

” التحرير والتنوير ” ( 15 / 343 ).

وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

السموات والأرض مخلوقتان قبل الشياطين.

” تفسير سورة الكهف ” ( ص 93 ).

ولذلك كان من فقه الإمام النووي رحمه الله أن بوَّب على الحديث بقوله ” باب ابتداء الخلق ، وخلق آدم عليه السلام “.

ومن أبى ما قلناه وجعل الحديث كله مشكلًا: فيقال له: إن ما ذُكر في الحديث لا تعلق له بخلق السموات ولا بخلق الأرض، فالنور والمكروه والشجر والدواب والجبال والتربة ليس كل ذلك سموات ولا أرض، كما هو الحال في خلق آدم عليه السلام، وخلْق الله تعالى لم يتوقف بعد خلق السموات والأرض بل لا يزال الرب تعالى يخلق المخلوقات ويوجدها، بل في الحديث نفسه لفظة ( وَبَثَّ فِيهَا الدَّوَابَّ يَوْمَ الْخَمِيسِ ) وهو يعني أنها مخلوقة من قبل، وإنما كان تفريقها في الأرض يوم الخميس.

وعلى كل حال:

ليس يختلف أهل الإسلام في أن الله تعالى خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام، لا سبعة، ولا ثمانية، ولا يختلفون أن خلق آدم عليه السلام خلق يوم الجمعة، ومن العلماء من جعله مخلوقًا في الأيام الستة، ومنهم من قال إنه خلق بعد خلق السموات والأرض بمدة، وليس في اليوم السابع.

 

رابعًا:

قول الأخ السائل “، ثم خلق محمدًا صلى الله عليه وسلم بعد عشرة أجيال من ذلك الحين “: غير صحيح ، وخاصة على قوله ” عمر الجيل الواحد ثلاثون سنة “! فالمدة بين آدم عليه السلام وولادة النبي صلى الله عليه وسلم لا تعرف على وجه التحديد.

 

خامسًا:

قول الأخ السائل ” فعلى اعتبار أن عمر الجيل الواحد ثلاثون سنة … “: غير صحيح، فنوح عليه السلام مكث في قومه يدعوهم ألف سنة إلا خمسين عامًا، فكم يكون إذن عمر ذلك الجيل؟!.

وما بني عليه بعده من حساب ليس بصحيح، وهو قولك ” سينتج لدينا أن الله خلق السموات والأرض فقط منذ 4137 سنة أو عدد مقارب لهذا “!.

وثمة خلط كبير عند الأخ السائل – وعند كثيرين – وهو جعلهم عمر الأرض هو عمر الإنسان! وخطأ ذلك بيِّن عند أدنى تأمل، فالأرض مخلوقة قطعًا ويقينًا قبل الإنسان، وحساب المدة بين آدم عليه السلام وبين وقتنا الحالي لا يعني قطعًا أن هذا هو عمر الأرض، فليتنبه لهذا، ولا يُخلط بين الأمرين.

وإذا كان عسيرًا على الباحثين ضبط عمر الإنسان بين آدم ومحمد عليهما السلام فإن ضبط عمر الأرض أعسر، ولذلك اختلف المعاصرون في عمرها اختلافًا يدل على أن الأمر ليس فيه غلبة ظن، ولا قريب من ذلك، وأما القطع واليقين فهو أبعد شيء عن الواقع، فقد قال بعضهم إن عمر الأرض 3 بلايين سنة، وقال آخرون 4,5 بليون سنة! وقال فريق ثالث إن عمرها يتجاوز 13 بليون سنة! وكلها تخرصات لا قيمة لها وما يعتقدون دالًا على عمر الأرض كالغازات والإشعاعات كله من باب الظن، وكله قابل للنقض، وانظر إلى الفروقات الهائلة في كلامهم في عمر الأرض ليتعلم أنه ينبغي نبذ كلامهم كله، وصدق الله إذ يقول: ( مَا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا ) الكهف/ 51.

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

وفي هذه الجملة دليل على أن كل مَن تكلم في شيء مِن أمر السموات والأرض بدون دليل شرعي أو حسي: فإنه لا يُقبل قوله، فلو قال: إن السموات تكونت من كذا، والأرضُ تكونت من كذا، وبعضهم يقول: الأرض قطعة من الشمس، وما أشبه ذلك من الكلام الذي لا دليل على صحته: فإننا نقول له: إن الله ما أشهدك خلق السموات والأرض، ولن نقبل منك أيَّ شيء من هذا، إلاَّ إذا وجدنا دليلًا حسيًّا لا مناص لنا منه، حينئذٍ نأخذ به؛ لأن القرآن لا يعارض الأشياء المحسوسة.

” تفسير سورة الكهف ” ( ص 93 ، 94 ).

 

والله أعلم.

بيان صفات الاستواء والوجه والساق لله تعالى، وهل ” الجسم ” من صفاته تعالى

بيان صفات الاستواء والوجه والساق لله تعالى، وهل ” الجسم ” من صفاته تعالى

السؤال:

سمعت أن السلفيين يؤمنون بالمعنى الحرفي لصفات الله، أي أنهم يؤمنون بأن الله يعتلي على العرش، وأن له جسدًا، ووجهًا، وساقًا … والعياذ بالله، فهل هذا صحيح؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

من الجيد أنك راسلتنا لتقف بنفسك على حقيقة اعتقاد ” السلفيين ” فتعرف ما يؤمنون به في باب صفات الله تعالى، وتقرأ ما ينفونه عن أنفسهم مما ألصقه بهم أعداؤهم وخصومهم والجهلة بهم.

 

ثانيًا:

قاعدة السلفيين في أسماء الله تعالى وصفاته هي قاعدة من سبقهم من سلف هذه الأمة، وعلى رأسهم الصحابة الكرام والتابعون الأجلاء، وهي:

أ. أنهم يثبتون ما أثبته الله تعالى لنفسه، وما أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم، من غير تحريف، ولا تمثيل، ولا تعطيل.

ب. وينفون عنه تعالى ما نفاه عن نفسه، وما نفاه عنه رسوله صلى الله عليه وسلم.

ج. وما لم يرِد فيه نفي ولا إثبات فإنهم يتوقفون فيه حتى يُعرف المعنى المراد منه، فإن كان معنى فاسدًا نفوا لفظه ومعناه، وإن كان معنى صحيحًا أثبتوا المعنى دون اللفظ.

 

ثالثًا:

ولنطبِّق عمليًّا تلك القاعدة العظيمة على ما ذكرته من صفات، فنقول:

  1. أثبت الله تعالى لنفسه صفة ” الاستواء على العرش ” في أكثر من موضع من القرآن، فقال تعالى: ( الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى ) طه/ 5، وقال تعالى ( ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ ) الأعراف/ 54، يونس/ 3، الرعد/ 2، الفرقان/ 59، السجدة/ 4، الحديد/ 4.

فالاستواء صفة فعلية للرب تعالى، أثبتها أهل السنَّة والجماعة بالمعاني اللائقة له عز وجل، من غير تحريف لمعناها أنها ” الاستيلاء “!، ولا تمثيلها باستواء الملِك على عرشه، ومن غير تعطيل لها.

ولا تزال كلمة الإمام مالك بن أنس رضي الله في هذه الصفة الجليلة قاعدة عند أهل السنَّة فيها وفي غيرها من صفات الله تعالى ، فقد سئل عن استواء الله تعالى كيف هو فأجاب:

” الاستواء معلومٌ – في لغة العرب – ، والكيف مجهولٌ ، والإيمان به – أي: بالكيف – واجبٌ ، والسؤال عنه – أي : عن الكيف – بدعة .  رواه اللالكائي في ” شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ” ( 3 / 441) والبيهقي في ” الأسماء والصفات ” ( ص 408 )، وصححه الذهبي، وشيخ الإسلام، والحافظ ابن حجر.

انظر: ” مختصر العلو ” ( ص 141 ) ، ” مجموع الفتاوى ” ( 5 / 365 ) ، ” فتح الباري ” ( 13 / 501 ) وللجملة ألفاظ متقاربة بمعنى متحد.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

أصل الاستواء على العرش: ثابت بالكتاب والسنة واتفاق سلف الأمة وأئمة السنة بل هو ثابت في كل كتاب أنزل على كل نبي أرسل.

” مجموع الفتاوى ” ( 2 / 188 ).

وقال ابن القيم – رحمه الله – ردًّا على من حرَّف صفة الاستواء وعطَّلها -:

هذا الذي قالوه باطل من اثنين وأربعين وجها:

أحدها: إن لفظ الاستواء في كلام العرب الذي خاطبنا الله تعالى بلغتهم، وأنزل بها كلامه: نوعان: مطلق ومقيد، فالمطلق: ما لم يوصل معناه بحرف، مثل قوله: ( وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى ) القصص/ 14، وهذا معناه: كمل وتمَّ، يقال: استوى النبات، واستوى الطعام.

أما المقيد: فثلاثة أضرب:

أحدها: مقيد بـ ” إلى “، كقوله: ( ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ ) البقرة/ 29، وهذا بمعنى العلو والارتفاع، بإجماع السلف.

الثاني: مقيَّد بـ ” على “، كقوله تعالى: ( لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ) الزخرف/ 13، وهذا أيضًا معناه العلو والارتفاع والاعتدال، بإجماع أهل اللغة.

الثالث: المقرون بـ ” واو ” مع التي تعدي الفعل إلى المفعول معه، نحو: استوى الماء والخشبة، بمعنى ساواها.

وهذه معاني الاستواء المعقولة في كلامهم، ليس فيها معنى ” استولى ” ألبتة، ولا نقله أحد من أئمة اللغة الذين يعتمد قولهم، وإنما قاله متأخرو النحاة ممن سلك طريق المعتزلة والجهمية. ” مختصر الصواعق ” ( ص 371 ، 372 ).

  1. أثبت الله تعالى لنفسه صفة ” الوجه “، وأثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم، فالقاعدة الشرعية هنا: أن نثبت هذه الصفة لله تعالى من غير تحريف لمعناها أنها ” الذات “، ولا تمثيل لها فنجعله كوجه أحدٍ من خلقه، ولا تعطيل لهذه الصفة بالكلية.

 

دليل هذه الصفة – ونكتفي بدليل واحد من الكتاب ودليل من السنَّة -:

أ. قوله تعالى ( وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ) الرحمن/ 27.

قال أبو الحسن الأشعري – رحمه الله – :

وقال عز وجل ( وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ )، فأخبر أنَّ له وجهًا لا يفنى ولا يلحقه ه‍لاك.  ” الإبانة ” ( ص 77 ).

وقال – أيضا -:

فمَن سَأَلَنا فقال: أتقولون إنَّ لله سبحانه وجهًا؟ قيل: نقول ذلك، خلافًا لما قاله المبتدعون، وقد دلَّ على ذلك قوله عز وجل ( وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ).

‍‍” الإبانة ” ( ص 78 ، 79 ).

وقال ابن جرير الطبري – رحمه الله -:

يقول تعالى ذِكره: ” كل من على ظهر الأرض من جن إنس فإنه هالك ويبقى وجه ربك يا محمد ( ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ )، و ( ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ) من نعت الوجه، فلذلك رفع ( ذو ) وقد ذُكر أنها في قراءة عبد الله بالياء ” ذي الجلال والإكرام ” من نعتِ الربِّ وصفتِه. ” جامع البيان ” ( 27 / 134 ).

وما نسب إلى ابن مسعود رضي الله عنه لا يصح عنه، بل هي بالرفع إجماعًا.

قال الشيخ عبد الفتاح القاضي – رحمه الله -:

قرأ ابن عامر: ( تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ) آخر السورة بالواو، وقرأ غيره ( ذِي الْجَلَالِ ) بالياء، وهو مرسوم بالواو في مصحف الشاميين، وبالياء في مصحف غيرهم.

وأما قوله تعالى: ( وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ) فقد اتفقوا على قراءته بالواو, وقد رُسم بالواو في جميع المصاحف العثمانية.

” الوافي في شرح الشاطبية ” ( ص 366 ).

وقال ابن القيم – رحمه الله -:

فتأمل رفعَ قولِه ( ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ) عند ذكر ” الوجه “، وجرَّه في قوله ( تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ) الرحمن/ 78، فـ ( ذو ) الوجه المضاف بالجلال والإكرام لما كان القصد الإخبار عنه، و ( ذي ) المضاف إليه بالجلال والإكرام في آخر السورة لما كان المقصود عين المسمى دون الاسم، فتأمله.

‍‍” مختصر الصواعق ” ( ص 409 ).

ب. قال البخاري رحمه الله: ” باب قول الله عز وجل ( كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ) القصص/ 88 “.

ثم روى – ( 4352 ) حديث جابر بن عبد الله رضى الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية ( قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ ) قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم ( أَعُوذُ بِوَجْهِكِ ) فقال ( أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ) فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم ( أَعُوذُ بِوَجْهِكَ ) قال ( أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا ) الأنعام/ 65، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم ( هذا أَيْسَرُ ).

قال الإمام ابن خزيمة – رحمه الله -:

فنحن وجميع علمائنا، من أهل الحجاز، وتهامة، واليمن، والعراق، والشام، ومصر، مذهبنا: أنَّا نثبت لله ما أثبته الله لنفسه، نقرُّ بذلك بألسنتنا، ونصدِّق ذلك بقلوبنا، من غير أن نشبِّه وَجْه خالقنا بوَجْه أحدٍ من المخلوقين، عزَّ ربُّنا أن يشبه المخلوقين، وجلَّ ربُّنا عن مقالة المعطلين.  ” كتاب التوحيد ” ( 1 / 18 ).

  1. أثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم لربه تعالى صفة ” الساق “، فالقاعدة الشرعية هنا: أن نثبت هذه الصفة لله تعالى من غير تحريف لمعناها أنها ” الشدة “، ولا تمثيل لها فنجعلها كساق أحدٍ من خلقه، ولا تعطيل لهذه الصفة بالكلية.

ومن أدلة هذه الصفة:

حديث أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( … فَيَكْشِفُ عَنْ سَاقِهِ فَيَسْجُدُ لَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ ) رواه البخاري ( 7001 ).

قال ابن القيم – رحمه الله -:

والذين أثبتوا ذلك صفةً كاليدين والإصبع: لم يأخذوا ذلك من ظاهر القرآن، وإنما أثبتوه بحديث أبي سعيد الخدري المتفق على صحته، وهو حديث الشفاعة الطويل وفيه ( فيكشف الرب عن ساقه فيخرون له سجَّدًا ) ومن حمل الآية على ذلك قال: قوله تعالى ( يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود ) القلم/ 42 مطابق لقوله ( فيكشف عن ساقه فيخرون له سجدًا ) وتنكيره للتعظيم والتفخيم، كأنه قال: يكشف عن ساق عظيمة جلَّت عظمتها وتعالى شأنها أن يكون لها نظير أو مثيل أو شبيه، قالوا: وحمل الآية على الشدة لا يصح بوجه؛ فإن لغة القوم في مثل ذلك أن يقال كشفت الشدة عن القوم لا كشف عنها كما قال الله تعالى ( فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون ) الزخرف/ 5 ، وقال: ( ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر ) المؤمنون/ 75.

فالعذاب والشدة هو المكشوف لا المكشوف عنه، وأيضًا: فهناك تحدث الشدة وتشتد ولا تُزال إلا بدخول الجنة، وهناك لا يدعون إلى السجود وإنما يدعون إليه أشد ما كانت الشدة. ” الصواعق المرسلة ” ( 1 / 252 ، 253 ).

  1. لم يرِد إثبات ولا نفي لصفة ” الجسد “، فلا نثبته لربنا تعالى، ولا ننفيه عنه، ونستفصل من مورده علينا معناه، فإن قصد به الجسد الذي يتكون من أعضاء وأجزاء ويحتاج بعضه لبعض: فهو معنى فاسد، فننفي اللفظ ومعناه، وإن قصد به ” الذات ” فالمعنى هذا ثابت لله تعالى فيكفينا إثبات معناه الثابت دون لفظه المخترع.

 

 

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

مسألة الجسمية لم ترد لا في القرآن ولا في السنَّة إثباتًا ولا نفيًا، ولكن نقول بالنسبة للفظ: لا ننفي ولا نثبت، لا نقول: جسم وغير جسم، لكن بالنسبة للمعنى نفصِّل ونستفصل، ونقول للقائل: ماذا تعني بالجسم؟ هل تعني أنه الشيء القائم بنفسه المتصف بما يليق به الفاعل بالاختيار القابض الباسط؟ إن أردت هذا: فهو حق ومعنى صحيح، فالله تعالى قائم بنفسه فعَّال لما يريد، متصف بالصفات اللائقة به، يأخذ ويقبض ويبسط، يقبض السماوات بيمينه ويهزها، وإن أردت بالجسم الشيء الذي يفتقر بعضه إلى بعض ولا يتم إلا بتمام أجزائه: فهذا ممتنع على الله؛ لأن هذا المعنى يستلزم الحدوث والتركيب، وهذا شيء ممتنع على الله عز وجل.

” شرح العقيدة السفارينية ” ( ص 18 ، 19 ).

فها قد رأيت – أخي السائل – أن السلفيين هم أسعد الناس بالكتاب والسنَّة، فلم يعتقدوا شيئًا في ذات ربهم إلا ومعهم أدلة من الوحيين، ومن عداهم فليس منهجه في الاعتقاد إلا رد هذه النصوص، وأكثرهم يعتمد على أبيات من الشعر لنصارى! لإثبات عقيدتهم في صفات ” الكلام ” و ” الاستواء ” لله رب العالمين، فهل ثمة أعجب من هذا؟!.

وأهل السنَّة والجماعة عندما يثبتون صفة لله تعالى فإن قاعدتهم في ذلك (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) الشورى/ من الآية11، بل إنهم أجمعوا أنَّ من شبَّه الله تعالى بخلقه فقد كفر، فلا تلتفت لكلام المغرضين، واستمسك بالعروة الوثقى من نصوص الوحي تسلم في اعتقادك، وتتشرف بأن تكون من الفرقة الناجية.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة -:

فلا ينفون عنه ما وصف به نفسه، ولا يحرِّفون الكلِم عن مواضعه، ولا يلحدون في أسماء الله وآياته، ولا يكيِّفون، ولا يمثِّلون صفاته بصفات خلقه؛ لأنه سبحانه لا سميَّ له، ولا كفؤ له، ولا نِدَّ له، ولا يقاس بخلْقه سبحانه وتعالى؛ فانه سبحانه أعلم بنفسه، وبغيره، وأصدق قيلا، وأحسن حديثًا مِن خلقه.

” مجموع الفتاوى ” ( 3 / 130 ).

 

والله أعلم.

مسلمة حديثًا وعندها إشكالات في ” المساواة ” و ” العمل ” و ” الطلاق ” في الإسلام

مسلمة حديثًا وعندها إشكالات في ” المساواة ” و ” العمل ” و ” الطلاق ” في الإسلام

السؤال:

أسلمت منذ عامين حيث قابلت زوجي وتزوجنا، وقد جعلني أسلم، ولكنني لم أكن مستعدة لقبول الإسلام بعد، وقلت له: إنني حتى لا أقرأ القرآن ( معانيه بالإنجليزية ) ولكنه قال لي: إنه لا مشكلة، وإنه ليس بالضرورة عليَّ قراءته.

والآن أبحث عن معلومات عن الإسلام، وأشعر أنه دين جيد ولكن لدي بعض العوائق، عندما أصلي أشعر بتحسن، وفي بعض الأوقات أشعر أنه عليَّ أن أصلي، ولكنني عندما أبدأ في الصلاة تأتيني الهواجس القديمة مرة أخرى.

وأغلب هذه الهواجس بسبب ” سورة النساء ” فلماذا يقال دائما إن الرجل والمرأة لا فرق بينهما عندما أقرأ عن الإسلام والله يقول في قرآنه ” إن الرجال قوامون على النساء لأن المرأة لا تعمل وأنه لا يجوز لها أن تعمل “.

والأمر الآخر: أن للرجل أن يضرب المرأة ضربًا غير مبرح إلا الوجه، بالسواك وهكذا، ولكن هذه الأقوال أقوال العلماء وليس قول الله، فالله يقول في القرآن بضرب الزوجات، كما أنني لا أفهم علماء المسلمين الذين ينصحون نساء المسلمين اللواتي تشكين من أزواجهن بسبب ضربهن أن يبقين مع أزواجهن لأن الله يختبرهن، ربما لا أفكر بوضوح في هذا الأمر لأن أبي يضرب أمي لمدة عشر سنوات، وإذا كنت طفلا ورأيت هذا المنظر فإنه من الصعب أن تتخطى هذا الأمر ويظل نقطة سوداء في حياتك، فلماذا لا يفكر علماء المسلمين في ذلك عندما ينصحون بشيء كهذا؟.

وهناك أمر ما: إنني كامرأة لا أستطيع أن أتزوج من آخر، وهناك أحاديث أظن أنها غير صحيحة وأحاديث أخرى جيدة في حق النساء.

وأنا لا أفهم عن الشريعة الإسلامية كثيرًا، لماذا يمكن للرجل أن يطلق المرأة ثلاث مرات؟ أين المساواة؟.

وماذا حدث ما دامت المرأة لا تمتلك أية حقوق، أو ليس لها حق لأولادها ( وهي لا تعمل، وفقيرة، وليس مكان للعيش )، أم أن الرجل وحده له حق في العيش، ويتمتع بمزيد من الحقوق؟.

سأكون شاكرة جدًّا إذا أجبتموني.

 

 

 

 

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نحمد الله تعالى ونشكره أن يسَّر الله خيرًا عظيمًا، وهو الدخول في دينه عز وجل، فهي نعمة جليلة امتنَّ الله تعالى بها عليك، والباحثون عن الحقيقة كثيرون، لكن من ذا الذي يوفَّق لها؟! انظري حولك كم من الملايين تقدِّس البقر وتعبدها! وكم الملايين يعبدون أصنامًا! وكم من الملايين يعبدون بشرًا! وهؤلاء مليارات من البشر ضلُّوا عن دين الفطرة، ورضوا لأنفسهم بتلك الآلهة المخلوقة أن تكون ربًّا لهم، وأنتِ قد وفقك الله لخاتم الأديان، وهو دين إبراهيم وموسى وعيسى وإخوانهم الأنبياء والمرسلين، وأنتِ تعبدين ربَّ الأرض والسماء، فيا لها من نعمة جليلة، فلا تفرطي فيها، واحرصي عليها أن تضيع منك؛ إذ فيها سعادتك في الدنيا والآخرة.

 

ثانيًا:

واعلمي أنه لا يسعك ولا يسع زوجك ولا يسع أحدًا من المسلمين ترك الصلاة، فليس المسلم بالخيار يصلي أو يترك، بل هي واجبة عليه، وفرض افترضها الله على المسلمين، ولعظم هذه العبادة فإن الله تعالى فرضها على نبيه صلى الله عليه وسلم بالكيفية التي هي عليها الآن فرضها عليه في السماء، ومباشرة دون واسطة جبريل عليه السلام، نعم، وفي أدائها راحة عظيمة، وشعور جميل يشعر به المصلي، يطمئن قلبه، وتهدأ جوارحه، ويهنأ باله، وكان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يقول لبلال مؤذنه ” أرحنا بها يا بلال ” – رواه أبو داود ( 4958 ) بإسناد صحيح -، فالصلاة راحة القلب، وقرة العين، وعلاج الهموم والأحزان.

 

ثالثًا:

وكان الواجب على زوجك أن يعلمك أحكام الصلاة، وأن يحفِّظك شيئًا من القرآن، وخاصة سورة ” الفاتحة “؛ فإنه لا تصح ركعة دون قراءتها، وكان الواجب عليك أن يوقفك على تعاليم الإسلام وشرائعه، ولا يدعك في حيرة وتيه.

 

رابعًا:

ومن الجيد أنكِ راسلتنا حتى نساهم في إيصال رسالة الإسلام النقية لك، ونحن نجزم أنه لا يوجد عاقل على وجه الأرض يتجرد من هواه ورواسب جاهليته إلا ويسلِّم لهذا الدين بالعظمة والجلالة، وإذا أردتِ واقعًا عمليًّا فانظري كم دخل في هذا الدِّين من المثقفين والسياسيين والعلماء والقساوسة وغيرهم ممن كانوا على الكفر أو الإلحاد، وفي المقابل لن ترين عالم دين مسلم واحد خرج من الإسلام ليلتحق بدينٍ آخر.

فنحن على أتم الاستعداد لبيان شرائع هذا الدين وشعائره لكِ، ونشعر أن الله تعالى أراد بك خيرًا آخر لا يقل عظمة على الخير الأول وهو أنك وفقك لاختيار موقعنا لندلك من خلاله على دين الله تعالى، فنحن نعتمد في كلامنا على القرآن والسنَّة الصحيحة، على فهم علماء ثقات من السلف والمعاصرين، نعلم منهم الدِّين والاتباع والعلم، وهذا من توفيق الله تعالى لنا.

 

خامسًا:

وقولك ” فلماذا يقال دائما إن الرجل والمرأة لا فرق بينهما عندما أقرأ عن الإسلام “: يحتاج لتفصيل، فالرجل والمرأة لا فرق بينهما في الإسلام في أمور، وثمة فروق بينهما في أمور أخرى.

أ. ومن أعظم ما تستوي فيه المرأة مع الرجل: المشاركة في التكليف، وفي الجزاء الدنيوي والأخروي.

أما في التكليف: فكل نص من القرآن والسنَّة فيه الأمر بالصلاة والصيام والزكاة والحج وغير ذلك من التكاليف الشرعية فهو يشمل النساء، إلا ما استثناه الشرع من التخفيف عليهم، وليس بزيادة التكليف، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ( إِنَّمَا النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ ) رواه الترمذي ( 105 ) وأبو داود ( 204 ) من حديث عائشة، وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

وفي الجزاء الدنيوي والأخروي نقرأ قول الله تعالى: ( مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ) النحل الآية 97، وقوله تعالى: (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ) آل عمران الآية 195.

ب. وأما الفروقات التي بين المرأة والرجل فإنها موجودة في تشريع رب العالمين، ولسنا نخجل من وجودها، بل نفخر بتشريعها، وأن الله تعالى جعل للمرأة رسالة في حياتها تختلف عن الرجل، ولا يقول إن المرأة مساوية للرجل إلا ناقص العقل أو فاقده، فالفروقات في الخلقة والتكوين والصوت والهيئة لا يُنكر، وإذا ثبتت تلك الفروقات في تلك الأشياء فمن الطبيعي أن يكون ثمة فروقات في الأحكام، وإننا لنرى في عالم الغرب تناقضات كثيرة في هذا الباب، فها هم يفرقون حتى في ” ديكور ” غرف الذكور عن الإناث! وفي ألعاب كل واحد منهم! وما ذاك إلا للفروقات في الخلقة والعقل والتفكير والعاطفة وغير ذلك مما يعرفه الآباء والأمهات من أولادهم الذكور والإناث، لذا فلسنا نقول بالمسواة المطلقة، بل لكل واحد من الذكور والإناث رسالة يؤديها في حياته، فيتبع ذلك اختلافات في الأحكام.

قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله -:

فمحاولة استواء المرأة مع الرجل في جميع نواحي الحياة: لا يمكن أن تتحقق؛ لأن الفوارق بين النوعين كونًا وقدرًا أولا، وشرعًا منزَّلًا ثانيًا تمنع من ذلك منعاً باتًّا.

ولقوة الفوارق الكونية والقدرية والشرعية بين الذكر والأنثى: صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لعن المتشبه من النوعين بالآخر، ولا شك أن سبب هذا اللعن هو محاولة من أراد التشبه منهم بالآخر لتحطيم هذه الفوارق التي لا يمكن أن تتحطم.

وقد ثبت في صحيح البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: (لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال ).

وقد قدمنا هذا الحديث بسنده في سورة ” بني إسرائيل “، وبينَّا هناك أن من لعنه رسول الله صلى الله عليه وسلم: فهو ملعون في كتاب الله، فلو كانت الفوارق بين الذكر والأنثى يمكن تحطيمها وإزالتها: لم يستوجب من أراد ذلك اللعن من الله ورسوله.

ولأجل تلك الفوارق العظيمة الكونية القدرية بين الذكر والأنثى: فرَّق الله جل وعلا بينهما في الطلاق فجعله بيد الرجل دون المرأة، وفي الميراث، وفي نسبة الأولاد إليه، وفي تعدد الزوجات دون الأزواج … .

” أضواء البيان ” ( 7 / 415 ).

– ولينظر في أجوبتنا الأخرى لمعرفة ” هل الإسلام يساوي بين الرجل والمرأة “؟ وفيه بيان لبعض الفروقات بين الرجال والنساء.

 

سادسًا:

قلتِ ” والله يقول في قرآنه ” إن الرجال قوامون على النساء لأن المرأة لا تعمل وأنه لا يجوز لها أن تعمل “! وهذا القول فيه صواب وخطأ: أما الصواب: فقوامة الرجال، والمقصود بهم هنا: الأزواج، وهذا ثابت في قوله تعالى ( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء ) النساء/ من الآية 34.

والخطأ في أمرين:

  1. قولك ” لأن المرأة لا تعمل “! وهذا ليس مذكورًا في القرآن ولا في السنَّة ، وإن أردتِ أن الزوج ينفق على زوجته: فهذا حق، وهو جزء من الحقيقة، والحقيقة أن الله تعالى جعل القِوامة للزوج لأمرٍ وهبي وآخر كسبي، أما الوهبي: فهو ما فضَّل به الرجل في خلقته على المرأة ليكون قائد البيت ومسئولًا عن أفراد أسرته، وأما الكسبي: فهو ما أوجبه الله تعالى من النفقة على أولئك الأفراد من أسرته، وعلى رأسهم: زوجته، وقد قال تعالى ( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ) النساء/ من الآية 34.

قال الشيخ محمد الشربيني – رحمه الله -:

( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء ) أي: يقومون عليهنّ قيام الولاة على الرعية، وعلَّل ذلك بأمرين: أحدهما وهبيّ، والآخر كسبيّ، وقد ذكر الأوّل بقوله تعالى: ( بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ) أي: بسبب تفضيله الرجال على النساء بكمال العقل، وحسن التدبير، ومزيد القوّة في الأعمال والطاعات، ولذلك خُصوا بالنبوّة، والإمامة، والولاية، وإقامة الشعائر، والشهادة في مجامع القضايا، ووجوب الجهاد، والجمعة، والتعصيب، وزيادة السهم في الميراث، والاستبداد بالفراق والرجعة وعدد الأزواج، وإليهم الانتساب، وهم أصحاب اللحى والعمائم.

ثم ذكر الثاني بقوله تعالى: ( وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ) في نكاحهنّ، كالمهر، والنفقة.  ” تفسير السراج المنير ” ( 1 / 345 ).

  1. وقولك ” وأنه لا يجوز لها أن تعمل “! وهذا خطأ آخر، فالإسلام لا يمنع المرأة من العمل، فنحتاجها طبيبة ، ومعلمة، ومربية، لكنه يضع ضوابط لعملها كما يضعه لعمل الرجل .

ونرجو من كل امرأ أن تسأل نفسها ” لماذا أصبحت بعض الأعمال ملتصقة بالأنثى ، نحو: ” سكرتيرة “، ” مذيعة “، ” راقصة “، ” مضيفة “؟! هذه هي الأعمال التي يريد الغرب المنحل والشرق المقلد له، ومن يتأمل واقع عمل المرأة لا يكاد يجده خارج ما ذكرنا، وكل ذلك من أجل تسلية أصحاب الفجور والفساد، وإلا فما دخل صدر ” المذيعة الفضائية ” بنشرة الأخبار لتكشفه؟! وهل رأيتم مذيعًا من الرجال يكشف رقبته فضلا عن صدره؟! ولماذا الإصرار على ” السكرتيرة ” أن تكون حسنة المظهر؟! نأسف أشد الأسف على حال المرأة أن صارت رخيصة حتى صار أولئك المفسدون يتاجرون بها بأبخس الأثمان.

وأما عمل المرأة في الإسلام فهو يعطي المرأة حقها فيه، ويحافظ على كرامتها، ويراعي أنوثتها، ولا يعرضها للاحتقار والابتذال، فهي معلمة للطالبات، وهي ممرضة وطبيبة للنساء، وهذه أشرف الأعمال، وبها يكون صلاح المجتمعات، ويكون الحفاظ على أعراض أخواتهن من النساء.

– وفي جواب لنا سابق رددنا على من قال ” إن بقاء المرأة في بيتها تعطيل لنصف المجتمع! ” وهو جواب مهم غاية.

 

 

 

 

 

 

سابعًا:

وأما بخصوص ضرب الزوجة: فقد أشبعنا المسألة بحثا في جواب سؤال بعنوان:

– ” ضرب الزوجة، أنواعه، وأحكامه، وآثاره ” فلينظر.

 

ثامنًا:

وأما بخصوص تشريع الطلاق في الإسلام فهو غاية في الحكمة:

  1. فمن حيث أصل تشريعه فإن فيه فك عقد الوثاق بين الزوجين إذا تعذر الوئام بينهما، ولو أن الطلاق لم يشرَّع – كما هو الحال في بعض الديانات -: لوقعت مفاسد كثيرة في حياة الناس، فماذا يفعل من يرى خيانة زوجته لفراش الزوجية أمام ناظريه؟ وماذا تفعل الأمر في حال خيانة زوجها أو ضربه لها؟ وكيف يتم التخلص من الشريك صاحب الضرر؟ لذا يلجأ أولئك المظلومون المقهورون لقتل الطرف الآخر أحيانًا، أو لفعل الأمر نفسه الذي يفعله شريكه، فترى الزوجة تحضر عشيقها لبيت الزوجية! وهو في المقابل يحضر عشيقته لبيته! فأي حياة يمكن تخيلها وهي في هذا الواقع المر الأليم؟.
  2. ومن حيث تشريع العدد فإنه غاية في الحكمة أيضًا، فقد يتسرع الزوج فيقع منه تطليق لزوجته، وقد يكون ثمة سبب يدعوه لذلك، ثم يزول السبب، أو يزول الغضب، فلو أن عقد الزوجية يُحكم عليه بالزوال من أول مرة لتهدم البيت، ولتفرقت الأسرة، فلذا لم يكن الطلاق مرة واحدة، وأيضًا ليس هو إلى ما لا نهاية؛ لأن فيه إضرارًا بالزوجة وإهانة لها، والزوج الذي يطلق ثلاث مرات ليس أهلًا للبقاء معه، لذا كان الطلاق الذي يملك فيه الزوج الرجعة: مرتين، فإذا أوقع الثالثة حرمت عليه زوجته، فكان تشريع الطلاق بعدد الثلاث غاية في الحكمة.

قال الشيخ الطاهور بن عاشور – رحمه الله -:

وحكمة هذا التشريع العظيم: ردع الأزواج عن الاستخفاف بحقوق أزواجهم، وجعلهن لُعبًا في بيوتهم، فجعل للزوج الطلقة الأولى هفوة، والثانية تجربة، والثالثة فراقًا، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث موسى والخضر: ( فَكَانَتْ الأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَاناً وَالثَّانِيَة شَرْطاً والثَّالثَةُ عَمْدًا، فَلذلك قال له الخضر في الثالث: ( هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنك ) الكهف/ 78 – رواه أحمد ( 35 / 56 ) وصححه المحققون -. ” التحرير والتنوير ” ( 2 / 415 ).

  1. ومن حيث كون الطلاق بيد الزوج: أيضًا هو في غاية الحكمة؛ فإن المرأة تعتريها العاطفة كثيرًا، وفي كثير من الأحيان تغلبها على جانب العقل، فلو كان الطلاق بيد النساء لرأيت الأسرة مفرقة مشتتة لكثرة ما سيقع من طلاق.

 

قال ابن الهمام الحنفي – رحمه الله -:

ومنها جعله بيد الرجال دون النساء لاختصاصهن بنقصان العقل وغلبة الهوى، وعن ذلك ساء اختيارهن وسرع اغترارهن، ونقصان الدين، وعنه كان أكثر شغلهن بالدنيا وترتيب المكايد وإفشاء سر الأزواج وغير ذلك.

– انظر ” شرح فتح القدير ” ( 3 / 465 ) للشيخ كمال الدين السيواسي.

ونحن على أتم الاستعداد – إن شاء الله – للرد على استفساراتك، وما ينقدح في ذهنك من إشكالات، وما يطرأ على عقلك من شبهات، ولكن نرجو منك أولًا التأمل جيِّدًا فيما ذكرناه لك هنا، وما أحلناك عليه، ونسأل الله أن يوفقك لما فيه رضاه، وأن يثبتك على الحق.

 

والله أعلم.