الرئيسية بلوق الصفحة 52

كلمة حول ما يطلق عليه ” علم قراءة الوجه “

كلمة حول ما يطلق عليه ” علم قراءة الوجه ”

السؤال:

هل قراءة الوجه حرام أو هل يعتبر على أية حال شرك؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

يمكن لبعض من آتاهم الله بصيرة التعرف على بعض حقائق الناس من خلال تعابير وجوههم، وإليه الإشارة في قوله تعالى ( لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ ) البقرة/ 273، وقوله ( سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ) الفتح/ 29، أو من خلال كلامهم، وإليه الإشارة في قوله تعالى ( وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ ) محمد/ 30.

* قال ابن القيم – رحمه الله – في تفسير هذه الآية -:

والمقصود: أنه سبحانه أقسم على معرفتهم من لحن خطابهم؛ فإن معرفة المتكلم وما في ضميره من كلامه: أقرب من معرفته بسيماه وما في وجهه؛ فإن دلالة الكلام على قصد قائله وضميره: أظهر من السيماء المرئية، والفراسة تتعلق بالنوعين: بالنظر، والسماع. ” مدارج السالكين ” ( 2 / 483 ).

* وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

وكثير من الناس يعطيهم الله سبحانه وتعالى علمًا بالفراسة، يعلمون أحوال الإنسان بملامح وجهه، ونظراته، وكذلك بعض عباراته، كما قال الله عز وجل: (ولتعرفنهم في لحن القول ) محمد/ 30. ” تفسير سورة البقرة ” ( 3 / 368 ).

وقد سمَّى ابن القيم رحمه الله هذه الفراسة ” الفراسة الإيمانية “، وقال في بيان سببها، وحقيقتها، وأصلها:

وسببها: نور يقذفه الله في قلب عبده، يفرق به بين الحق والباطل، والحالي والعاطل، والصادق والكاذب.

وحقيقتها: أنها خاطر يهجم على القلب، ينفي ما يضاده، يثب على القلب كوثوب الأسد على الفريسة، … وهذه الفراسة على حسب قوة الإيمان، فمن كان أقوى إيمانًا: فهو أحدُّ فراسة ….

وأصل هذا النوع من الفراسة: من الحياة والنور اللذين يهبهما الله تعالى لمن يشاء من عباده فيحيا القلب بذلك، ويستنير، فلا تكاد فراسته تخطئ، قال الله: ( أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا ) الأنعام/ 122، كان ميْتا بالكفر والجهل فأحياه الله بالإيمان والعلم، وجعل له بالقرآن والإيمان نورًا يستضيء به في الناس على قصد السبيل، ويمشي به في الظلم، والله أعلم “. ” مدارج السالكين ” ( 2 / 483 – 486 ) باختصار.

 

ثانيًا:

وما ذكرناه سابقًا لا تعلق له بخِلقة الشخص من حيث عرض وجهه، أو طول ذقنه، فهل يمكن الاستدلال بالخِلقة على الخلُق؟ هذا ما يقصده مروجو علم ” قراءة الوجه “، وهذه القراءة للوجه داخلة في نوع من أنواع الفراسة يطلق عليه ” الفراسة الخَلقية “.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

الفراسة الثالثة: ” الفراسة الخَلْقية “، وهي التي صنف فيها الأطباء وغيرهم، واستدلوا بالخَلْق على الخُلُق؛ لما بينهما من الارتباط الذي اقتضته حكمة الله، كالاستدلال بصغر الرأس الخارج عن العادة على صغر العقل، وبكبره وبسعة الصدر وبعد ما بين جانبيه: على سعة خُلُق صاحبه واحتماله وبسطته، وبضيقه على ضيقه، وبخمود العين وكلال نظرها على بلادة صاحبها وضعف حرارة قلبه، وبشدة بياضها مع إشرابه بحمرة وهو الشكل على شجاعته وإقدامه وفطنته، وبتدويرها مع حمرتها وكثرة تقلبها على خيانته ومكره وخداعه.

ومعظم تعلق الفراسة بالعين؛ فإنها مرآة القلب وعنوان ما فيه، ثم باللسان؛ فإنه رسوله وترجمانه، وبالاستدلال بزرقتها مع شقرة صاحبها على رداءته، وبالوحشة التي ترى عليها على سوء داخله وفساد طويته.

وكالاستدلال بإفراط الشعر في السبوطة على البلادة، وبإفراطه في الجعودة على الشر، وباعتداله على اعتدال صاحبه.

وأصل هذه الفراسة: أن اعتدال الخلقة والصورة: هو من اعتدال المزاج والروح، وعن اعتدالها يكون اعتدال الأخلاق والأفعال، وبحسب انحراف الخلقة والصورة عن الاعتدال: يقع الانحراف في الأخلاق والأعمال، هذا إذا خليت النفس وطبيعتها.  ” مدارج السالكين ” ( 2 / 487، 488 ).

وهذا النوع من الفراسة وتلك القراءة للوجه فيها حق وباطل، وخطأ وصواب، وما يذكرونه من صفات لخلقة معينة للوجه لا يلزم أن يكون صحيحًا مطلقًا، وأظهر خطأ فيها: أنهم يجعلون صاحب الخلقة المعينة يلزم أخلاقًا وأوصافًا لا تتغير! وهذا باطل قطعًا، فالكافر يسلم، والنشيط يكسل، والغني يفقر، والعاصي يتوب، والقلق يهنأ، والمكروب يزول كربه، واعكس ذلك كله، وأضف إلى القائمة ما شئت من أوصاف وأخلاق وفعال، وهذا مشاهد مجرَّب معروف، ومن هنا فقد أكمل ابن القيم رحمه الله كلامه السابق بقوله:

” ولكن صاحب الصورة والخِلقة المعتدلة يكتسب بالمقارنة والمعاشرة أخلاق من يقارنه ويعاشره، ولو أنه من الحيوان البهيم! فيصير من أخبث الناس أخلاقًا وأفعالًا، وتعود له تلك طباعًا ويتعذر أو يتعسر عليه الانتقال عنها.

وكذلك صاحب الخِلقة والصورة المنحرفة عن الاعتدال يكتسب بصحبة الكاملين بخلطتهم أخلاقًا وأفعالًا شريفةً تصير له كالطبيعة؛ فإن العوائد والمزاولات تعطي الملكات والأخلاق.

فليُتأمل هذا الموضع، ولا يعجل بالقضاء بالفراسة دونه؛ فإن القاضي حينئذ يكون خطؤه كثيرًا؛ فإن هذه العلامات أسباب لا موجبة، وقد تتخلف عنها أحكامها لفوات شرط، أو لوجود مانع. ” مدارج السالكين ” ( 2 / 488 ).

وما ذكرناه من نوعي الفراسة هو أشهر ما قيل فيها وأدقه، وهو – كما رأينا -إما أنها تتعلق بالإيمان والبصيرة، وهذه لا سبيل لتعلمها، بل هي نور يقذفه الله في قلب عبده المؤمن، والنوع الآخر قواعد استقرائية يمكن تعلمها، ويشترك فيها المسلم والكافر، وفيها خطأ وصواب، ولا يُبنى عليها علم، ولا تنفع في دين ولا دنيا، وقد يستثمر ذلك بعض المنتفعين ليجعل منها سبيلًا يأكل به أموال الناس بالباطل، فيسوقها على صورة ” كهانة “! ولذا لا ننصح المسلم أن يتعلم شيئًا منها، ومن باب أولى أن لا يمارسها؛ ففيه تضييع للأوقات، ومشابهة لعمل الكهان، وهي تختلف عن ” قراءة الكف ” من وجهين:

الأول: أن الكف يلزم حالًا واحدًا لا يتغير، والوجه تختلف خلقته من واحد لآخر، وتختلف تعابيره وتتنوع في الأشخاص، كما هو مشاهد معروف.

الثاني: أن قراءة الكف يخبر أصحابها عن المستقبل، فصارت كهانة بلا ريب، بخلاف قراءة الوجه فإنها إخبار عن حال صاحبه تبعًا لخلقته أو تعابير وجهه.

 

والله أعلم.

هل يتعين الماء لإزالة النجاسات أم يجزئ غيره معه؟

هل يتعين الماء لإزالة النجاسات أم يجزئ غيره معه؟

السؤال:

شكت الصحابيات أن جلبابهن يتسخ فقال لهن النبي صلى الله عليه وسلم (يطهره ما بعده ). نحن الآن في هذا الوقت إذا مشينا في الشارع وقطعنا رطوبة هي نجاسة بيارة – أكرمكم الله – هل إذا مشينا وأكملنا الطريق على الأسفلت أو ركبنا السيارة هذا يطهِّر العباءة.

سؤالي:

ما الذي يطهر العباءة: التراب أم مجرد المشي على أرض جافة، أم ماذا؟.

 

الجواب:

الحمد لله

هذه المسألة من مسائل الخلاف المشتهرة بين العلماء، فجمهور العلماء على أن النجاسة إن وُجدت في ثوب أو في نعل فإنه لا يطهرها إلا إزالتها بالماء، وذهب الحنفية إلى أن أي مزيل يزيل تلك النجاسة فإنه يجزئ في ذلك، ووافقهم شيخ الإسلام ابن تيمية، وجمع من المحققين من علمائنا المعاصرين، وهو القول الصواب.

عَنْ أُمِّ وَلَدٍ لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّهَا سَأَلَتْ أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: إِنِّي امْرَأَةٌ أُطِيلُ ذَيْلِي وَأَمْشِي فِي الْمَكَانِ الْقَذِرِ، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( يُطَهِّرُهُ مَا بَعْدَهُ ).

رواه الترمذي ( 143 ) وأبو داود ( 383 ) وابن ماجه ( 531 ).

والحديث صححه الشيخ الألباني في ” صحيح الترمذي “.

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَلْيَنْظُرْ فَإِنْ رَأَى فِي نَعْلَيْهِ قَذَرًا أَوْ أَذًى فَلْيَمْسَحْهُ وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا ).

رواه أبو داود ( 650 ) وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

فهذان حديثان صحيحان فيهما الإذن بإزالة النجاسة بغير الماء، فثبت عدم تعينه في إزالتها، وقد تأولهما بعض المانعين على النظافة من القذر لا الطهارة من النجاسة، وهو تأويل بعيد، كما قال بعضهم: إن التطهير تعبُّد ولم نؤمر إلا بإزالة النجاسة بالماء، وهذان الحديثان يردان على القول بحصر إزالة النجاسة بالماء، ويبيحان إزالتها بكل مزيل من تراب، أو ريح، أو شمس، والمهم في الشرع أن تزول عين النجاسة.

* قال ابن عبد البر – رحمه الله -:

اختلف الفقهاء في طهارة الذيل على المعنى المذكور في هذا الحديث فقال مالك: معناه في القشب اليابس والقذر الجاف الذي لا يتعلق منه بالثوب شيء، فإذا كان هكذا: كان ما بعده من المواضع الطاهرة حينئذ تطهيرًا له، وهذا عنده ليس تطهيرًا من نجاسة؛ لأن النجاسة عنده لا يطهرها إلا الماء، وإنما هو تنظيف؛ لأن القشب اليابس ليس ينجس ما مسه، ألا ترى أن المسلمين مجمعون على أن ما سفت الريح من يابس القشب والعذرات التي قد صارت غبارًا على ثياب الناس ووجوههم لا يراعون ذلك ولا يأمرون بغسله ولا يغسلونه؛ لأنه يابس، وإنما النجاسة الواجب غسلها: ما لصق منها وتعلق بالثوب وبالبدن.

فعلى هذا المحمل حمل مالك وأصحابه حديث طهارة ذيل المرأة، وأصلهم: أن النجاسة لا يزيلها إلا الماء، وهو قول زفر بن الهذيل والشافعي وأصحابه وأحمد وغيره: أن النجاسة لا يطهرها إلا الماء ؛ لأن الله تعالى سمَّاه طهورًا ولم يقل ذلك في غيره.

قال أبو بكر الأثرم: سمعت أبا عبد الله – يعني: أحمد بن حنبل – سئل عن حديث أم سلمة ( يطهره ما بعده ) قال: ليس هذا عندي على أنه أصابه بول فمرَّ بعده على الأرض أنها تطهره، ولكنه يمر بالمكان يتقذره فيمر بمكان أطيب منه فيطهره هذا، ذلك ليس على أنه يصيبه شيء.

وقال أبو حنيفة: يجوز غسل النجاسة بغير الماء، وكل ما زال به عينها: فقد طهرها، وهو قول داود، وبه قال جماعة من التابعين، ومن حجتهم الحديث المذكور في هذا الباب في ذيل المرأة.

” التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد ” ( 13 / 105، 106 ).

وقول أبي حنيفة والظاهرية هو الصواب إن شاء الله.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

والسنَّة قد جاءت بالأمر بالماء في قوله لأسماء (حُتِّيهِ ثُمَّ اُقْرُصِيهِ ثُمَّ اغْسِلِيهِ بِالْمَاءِ ) – رواه الترمذي وأبو داود والنسائي بإسناد صحيح -، وقوله في آنية المجوس (ارْحَضُوهَا ثُمَّ اغْسِلُوهَا بِالْمَاءِ ) – رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجه بإسناد صحيح بلفظ ( فَارْحَضُوهَا بِالْمَاءِ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا ) ومعنى ” ارحضوها “: اغسلوها، وهو في آنية أهل الكتاب، لا المجوس – وقوله في حديث الأعرابي الذي بال في المسجد (صُبُّوا عَلَى بَوْلِهِ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ ) – متفق عليه – فأمر بالإزالة بالماء في قضايا معينة، ولم يأمر أمرًا عامًّا بأن تزال كل نجاسة بالماء.

 وقد أذن في إزالتها بغير الماء في مواضع:

– منها: الاستجمار بالحجارة.

– ومنها: قوله في النعلين ( ثُمَّ لِيُدَلِّكَهُمَا بِالتُّرَابِ فَإِنَّ التُّرَابَ لَهُمَا طَهُور ) – رواه أبو داود وصححه الألباني، ولفظه ( إِذَا وَطِئَ أَحَدُكُمْ بِنَعْلِهِ الْأَذَى فَإِنَّ التُّرَابَ لَهُ طَهُورٌ ).

ومنها: قوله في الذيل ( يُطَهِّرُهُ مَا بَعْدَهُ ).

– ومنها: ” أن الكلاب كانت تقبل وتدبر وتبول في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لم يكونوا يغسلون ذلك ” – رواه البخاري من قول عبد الله بن عمر رضي الله عنهما -.

– ومنها: قوله في الهر ( إنَّهَا مِنْ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ ) – رواه الترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه بإسناد صحيح – مع أن الهر في العادة يأكل الفأر ولم يكن هناك قناة ترِد عليها تطهر بها أفواهها بالماء بل طهورها ريقها.

– ومنها: أن الخمر المنقلبة بنفسها تطهر باتفاق المسلمين.

وإذا كان كذلك: فالراجح في هذه المسألة: أن النجاسة متى زالت بأي وجه كان: زال حكمها؛ فإن الحُكم إذا ثبت بعلة: زال بزوالها، لكن لا يجوز استعمال الأطعمة والأشربة في إزالة النجاسة لغير حاجة؛ لما في ذلك من فساد الأموال، كما لا يجوز الاستنجاء بها.

والذين قالوا ” لا تزول إلا بالماء ” منهم من قال: ” إن هذا تعبد “، وليس الأمر كذلك، فإن صاحب الشرع أمر بالماء في قضايا معينة لتعينه لأن إزالتها بالأشربة التي ينتفع بها المسلمون إفساد لها وإزالتها بالجامدات كانت متعذرة كغسل الثوب والإناء والأرض بالماء، فإنه من المعلوم أنه لو كان عندهم ماء ورْد وخل وغير ذلك: لم يأمرهم بإفساده، فكيف إذا لم يكن عندهم.

ومنهم من قال ” إن الماء له من اللطف ما ليس لغيره من المائعات فلا يلحق غيره به “، وليس الأمر كذلك، بل الخل وماء الورد وغيرهما يزيلان ما في الآنية من النجاسة كالماء وأبلغ، والاستحالة له أبلغ في الإزالة من الغسل بالماء، فإن الإزالة بالماء قد يبقى معها لون النجاسة فيعفى عنه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ( يَكْفِيك الْمَاءُ وَلَا يَضُرُّك أَثَرُهُ ) – رواه أبو داود بإسناد صحيح – وغير الماء يزيل الطعم واللون والريح. ” مجموع الفتاوى ” ( 21 / 474 – 476 ).

 

فتبين مما سبق أن المرأة التي يصاب ذيل ثوبها بنجاسة إنها إن مرَّت بعده بأرض أو أسفلت أو شارع أو بلاط فزالت عين تلك النجاسة أن ثوبها صار بذلك طاهرًا، وأنه لا يتعين الماء لإزالة تلك النجاسة.

 

والله أعلم.

 

حكم تناول حبوب من مواد طبيعية لزيادة حجم بعض أعضاء الجسم

حكم تناول حبوب من مواد طبيعية لزيادة حجم بعض أعضاء الجسم

السؤال:

هل يجوز لامرأة مسلمة أن تأخذ حبوبا تحتوي على 100 % أعشاب طبيعية لإفراز الأستروجين في الجسم وينتج عنه زيادة في الفخذين والأرداف ومنطقة الصدر؟.

وسؤالي هو: هل كون الحبوب مصنوعة من مكونات حلال يجعلها حلالا؟ لكن لا تزال هناك مشكلة النمو الزائد في مواضع الإثارة للمرأة، فهو يزيد من حجم الفخذين والأرداف وحجم الصدر بمقدار كأس أو أكثر، فهل صارت بذلك حراما تناولها؟.

وهذا كل ما يتعلق بالحبوب:

فالحبوب تتألف من خليط من الأعشاب الطبيعية والأدوية الغذائية التي تساعد على تعزيز نمو الأرداف، والخليط النباتي من الأعشاب الطبيعية ينشط عمل الأستروجين في الجسم، ومع استثارة الاستروجين فإن جسم المرأة سيكون أكثر إثارة ومتوهجا، وتلك الحبوب معدة من المنتجات الطبيعية التي تحتوي على كميات هائلة من ” ديسجينين ” و ” بات استروجين ” طبيعي، والتي ثبت أنها وراء كبر حجم الثدي والأرداف والأفخاذ، وكذلك السيقان يزداد حجمها بنفس درجة زيادة الأفخاذ مما ينتج عنه توهج وتناسق جسم المرأة.

ومكونات تلك الحبوب هي: روز هيب، يام المكسيكي البري، ماء، مكا، فيتامين س ( مثل كالسيوم أسكوربيت)، دونج كواي، ساو مالميتون، فينجريك، سوي انسوفلافونيس، فيتامين د، أملاح بيوفلافونيدس، كالسيوم، جينستين.

وكل المكونات السابقة هي أعشاب طبيعية، وسؤالي – كما قلت من قبل – هو أن مكونات تلك الحبوب حلال في ذاتها، لكنها معدة للاستخدام في تعزيز مناطق الإثارة عند المرأة، لذلك فسؤالي لا يتعلق بالمكونات الحلال للحبوب لكن يتعلق في استخدامها في زيادة نمو المرأة مثل ثدييها وأردافها وخلافه، فهل هذا حرام؟.

 

الجواب:

الحمد لله

إن تناول الحبوب المصنعة من مواد طبيعية أو مباحة لزيادة حجم بعض أعضاء الجسم منه ما هو جائز، ومنه ما هو حرام.

والضابط النافع لمعرفة الحكم الشرعي للأخت السائلة – ولغيرها – في ذلك هو التفريق بين من فعلت ذلك من أجل إزالة عيب، أو فعلت ذلك طلباً لزيادة الحسن والجمال، فيكون تغييرا لخَلْق الله.

فمن تناولت الحبوب المباحة من أجل زيادة حجم أعضاء جسمها بسبب هزال، أو ضعف نمو فيها: فإنه لا حرج عليها في فعلها، وهو من التطبّب المباح، ولا شك أن تناول الحبوب في هذه الحال خير من فعل ذلك بعملية جراحية لما في العمليات من اطلاع على العورات.

 

ومن تناولت تلك الحبوب لأجل زيادة الحسن والجمال، وكان حجم الأعضاء طبيعيًّا: ففعلها حرام، وهو من تغيير خلق الله، كمن تنفخ شفتيها، وتكبر حجم ثدييها، وليس شيء من ذلك فيه نقص في الخلقة إنما تريد تقليد الغربيات الكافرات في تغييرهن لخلق الله.

 

قال الله تعالى – مخبرا بقول الشيطان -: ( وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آَذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ) ثم أعقب الله تعالى ذلك بالوعيد لمن استجاب للشيطان فقال: ( وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا) النساء/ 119.

 

والله أعلم.

 

 

متحير في اختيار بيئة تناسب أخته لتحافظ على دينها ويطلب النصح

متحير في اختيار بيئة تناسب أخته لتحافظ على دينها ويطلب النصح

السؤال:

إنني مسلم أبلغ من العمر 21 عامًا، أعيش في بيت بعيدًا كل البعد عن الإسلام، ولد أبي وزوجته مسلميْن، ولكنهما لا يلتزمان به نهائيّا ولا بتعاليمه، فأبي لا يصلي، وزوجته بدأت تصلي بعدما رأتني أصلي، إنها لا ترتدي الحجاب، وهي تغتاب الناس بشكل كبير، ولا تبقى في بيتها، وتسمح لبناتها بأن يرتدين ملابس الكفار، وأن يسمعن الموسيقى المثيرة للاشمئزاز، ولا تقوم بتعليم أولادها تعاليم الإسلام أو أساليبه.

تبلغ أختي غير الشقيقة 12 عاما، وتعيش معنا في البيت، وليس لأحد في البيت علاقة بها غيري، ولكنني لا أذهب للبيت سوى يوم أو يومين أسبوعيّا، وعندما لا أكون هناك فإنها تتعامل بشدة مع زوجة أبي، ويقع اللوم عليها في أن كل شيء في البيت ليس على ما يرام، وكذلك عليها أن تقوم بأعمال البيت الشاقة، وفي بعض الأوقات تقوم زوجة أبي بضربها لأسباب تافهة، وأنا حزين أن أبي لا يقوم بتقويم زوجته أو تصحيح أخطائها.

أما عن والد أختي فهو خارج الصورة، ولكن أمي لا زالت تعيش خارج بلدتنا، وهي على علاقة طيبة بأسرتنا، وتقوم بزيارتنا عدة مرات في الأسبوع، وهي تفتقد ابنتها كثيرا، وهي آسفة أنها تتركها تعيش مع زوج أمها وزوجته، وهي تشعر أنها مجبرة من قبل هذه المرأة والتي تريد أن تصطحب ابنتها وأن يراها الناس تفعل عملاً صالحا ( من خلال أن تجعل ابنتها تعيش في بيت كبير ).

أما زوجة أبي هذه: فطاغية، ولا تسمع أبداً لنصيحة، والأسوأ من ذلك: أنني أخاف أن أنصحها حيال أختي فتقوم هي بإيذائها عندما أذهب، وقد جعلها هذا الإيذاء تبقى صامتة على ما تعانيه من إيذاء في الماضي.

والحقيقة – يا شيخنا – أن هذه المرأة تكرر مع أختي ما فعلته معي في طفولتي، فهي تكرر نفس الوضع الذي عشته من سن الخامسة وحتى الخامسة عشر.

والدتنا كافرة، وهي تحبني كثيرا، غير أنها لا تبدي أي استعداد لاعتناق الإسلام، وهي كذلك امرأة ضعيفة الإرادة بحيث تشهد أبناءها يهانون ولا تفعل لهم شيء، وكذلك أبي يشهد ما يحدث ولا يفعل شيئا.

وأنا لا أريد أن أكون ثالث ثلاثة لأمي وأبي وأن يحاسبني الله على صمتي وتركي لهذا الظلم أن يقع بأختي، ولكن – كما ذكرت – فإن أمي غير قادرة على أن تقوم بضبط وتقويم ابنتها فهي لا تعرف شيئًا عن تعاليم الإسلام ولا أخلاقه أو مبادئه.

أرجو أن تخبروني – يا شيخنا – أي بيئة أفضل لأختي: أن تعيش مع امرأة تقمعها وتؤذيها وليست أمها، أم تعيش في بيئة يملؤها الحب والاحترام ولكنها منحلة؟.

وكذلك لا يوجد أحد غيري يعلمها الإسلام، وأنا أقضي معظم أيام الأسبوع بعيدا؛ لأنني في الجامعة، من هو ولي هذه الفتاة؟ فإذا بقيت أختي هل أُلام على ما تعانيه؟ هل إذا ما نقلتها لأمها فهل يكون عليَّ لوم لما يحدث لها من عواقب في تلك البيئة الجديدة المنحرفة؟ ما هو الواجب عليَّ وما هو المستحب؟.

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نسأل الله تعالى أن يفرج عنكم كربكم، وأن ييسر أمركم، وأن يهديكم لما فيه خير دينكم ودنياكم.

والذي ننصح به هو أن تكون أختك مع أهلها، وأن تخرج من بيئة الظلم والقهر التي تعيش في وسطها؛ وذلك لأن أثر الظلم على النفس وخيم، وقد يجر وراءه مشكلات لا حصر لها، وقد يكون منها بُعدها عن دينها، وعدم استقامتها، فما تخاف منه في البيئة الأخرى قد يقع ما هو شر منه بمراحل في بيئتها الحالية، وقد رأينا وسمعنا قصص من كنَّ يعشن في بيئات القهر والاستبداد وكيف أدَّى بهن الأمر إلى الانحلال التام، وترك دينهن، فالذي يعيش في بيئة يكون فيها مظلومًا مقهورًا لا يفكر إلا بالتخلص من تلك البيئة والفرار منها، ولو كان ما سيذهب إليه أسوأ مما هو فيه، لكنَّه لأنه لم يجرب البيئة الأخرى فإن كل همِّه ينصبُّ على ترك بيئته الحالية.

وقد رأينا وسمعنا قصص كثيرين عاشوا مع أهاليهم من الكفار أو الفسَّاق وخرجوا بفضل الله سالمين، كما ساهم كثيرون في إخراج أهاليهم من ظلمة الكفر وشؤم المعصية.

لذا فإننا نرى أن بقاء أختك مع أهلها أهون من بقائها في بيئتها الحالية، ونضع عليك مسئولية متابعة أمرها، والعناية بها، وتربيتها تربية سليمة، وهذا أمر تُسأل عنه يوم القيامة، وتوفر سبل كثيرة للاتصالات لا يعفيك من مهمة متابعتها، فتستطيع متابعتها يوميّا، وبالصوت والصورة أينما كنتَ في العالَم، وذلك عن طريق الإنترنت.

وتقوية إيمانها وهي وسط أهلها، وتعليمها العلم الشرعي، ورعايتها نفسيّا قد يكون له أبلغ الأثر في استقامتها على الهداية، وفي نقل تلك الهداية لأهل بيتها.

نحن نعلم أن الاختيار صعب، والأمر لا يعدو كونه اجتهادا لا في اختيار الأصلح بل اختيار الأقل ضررًا وسوءً، ورأينا أن الجانب النفسي السيء خطره شديد وعظيم، فنحاول بنصحنا تجنبه؛ لما نرى له من آثار على البدن والنفس والدين.

 

 

 

ثانيًا:

وولي أختك في النكاح هو والدها، فإن كان والدها تاركًا للصلاة بالكلية: فتسقط ولايته وتنتقل لغيره، وإذا كنت أقرب أوليائها لها فتكون أنت وليها.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

تارك الصلاة كافر، الذي يترك الصلاة تركًا مطلقًا، ولا يصلي لا في الليل ولا في النهار، ولا في البيت ولا في المسجد، ولا جمعة ولا غيرها: فهذا كافر، خارج عن الإسلام، لا يجوز أن نزوجه امرأة مسلمة، ولا يجوز أن يتولى العقد لبناته؛ لأنه لا ولاية لكافر على مسلم، وإذا مات: لا يجوز أن ندعو له بالرحمة والمغفرة؛ لأنه كافر – والعياذ بالله -.

” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 17 / 122).

 

– وللوقوف على معرفة بعض الخطوات العملية لحماية الأسرة من الضياع في الغرب: انظر أجوبتنا الأخرى داخل الموقع.

 

والله أعلم.

 

 

التعليق على نشرة بعنوان ” مكياج يدخل صاحبته الجنة إن شاء الله “!

التعليق على نشرة بعنوان ” مكياج يدخل صاحبته الجنة إن شاء الله “!

السؤال:

يوجد في بعض المنتديات هذا القول، فهل يجوز بهذه الصيغة:

” مكياج يدخل صاحبته الجنة إن شاء الله ”

أختي العزيزة لا تدعي الفرصة تفوتك … فالعرض شائق … والوقت محدود واجعلي ( غض البصر ) كحلاً لعينيك فتزداد صفاء ورونقا. ضفي لمسات من (الصدق) على شفتيك.

أما احمرار الخدود فاستعمليه من ماركة ( الحياء ) وهو يباع في محلات الإيمان بالله. واستعملي صابون ( الاستغفار ) لإزالة أي ذنوب تشكين منها.

أما تقصف شعرك ( فاحميه بالحجاب الإسلامي ).

أما الإكسسوار فأنصحك بالآتي:

ضعي في أذنيك سماع ( الكلمة الطيبة ) ترفع من مقامك أمام رب العالمين.

وضعي حول عنقك قلادة العز والمعروف والكرم.

وزيني أصبعك بخاتم الإباء ورفض المنكرات.

وهذه الاكسسوارات الجميلة لا تجدينها إلا في سوق الإسلام العظيم، ومحلات الأخلاق الحميدة.

أخواتي: اغتنموا هذه الفرصة فإننا نعيش مرة واحدة فقط في هذه الحياة الفانية.

فأفيقوا من هذه الغفلة.

 

الجواب:

الحمد لله

لا نود أن نمنع المسلمين من كل جديد يسوقون فيه النصح والوعظ للناس، لكننا نرى من إخواننا وأخواتنا إفراطًا في الوسائل المستعملة لذلك حتى جعلوا شرع الله تعالى مجالاً للسخرية والاستهزاء من قبل أصحاب القلوب المريضة.

ولذا فنحن نعتب على أولئك الدعاة والداعيات الذين ينشرون مثل تلك النشرات فتنتشر في عالم الإنترنت وفي البريد الإلكتروني ولا يكلِّف أحدهم نفسه أن يرجع لعالِم يستفتيه قبل نشرها، أو قبل كتابتها.

ومن هذه النشرات التي لا ينبغي نشرها:

  1. ” نشرة البطاقة الشخصية وشروط الرحلة “.

وفيها: البطاقة الشخصية:

الاسم: الإنسان ابن آدم، الجنسية: من تراب، العنوان: كوكب الأرض.

 

 

بيانات الرحلة:

محطة المغادرة: الحياة الدنيا، محطة الوصول: الدار الآخرة، شروط الرحلة السعيدة: على حضرات المسافرين الكرام اتباع التعليمات الواردة في كتاب الله وسنة رسوله، مثل طاعة الله، ومحبته، وخشيته، التذكر الدائم للموت، الانتباه إلى أنه ليس في الآخرة إلا جنة أو نار، بر الوالدين، أن يكون مأكلك ومشربك وملبسك من حلال.

لمزيد من المعلومات يرجى الاتصال بكتاب الله وسنَّة رسوله الكريم.

ملاحظة: الاتصال مباشر ومجانًا، لا داعي لتأكيد الحجز، الوزن الزائد من أعمال صالحة: مسموح به.

 

* وقد سئل عن تلك النشرة الشيخ العثيمين رحمه الله فأجاب:

أرى أن هذه الطريقة محرمة؛ لأنه يجعل الحقائق العلمية الدينية كأنها أمور حسية، وفيها نوع من السخرية في الواقع.

هذه – أيضًا – نفس الشيء: أرى أن من رآها مع أحد: فليمزقها، جزاه الله خيرًا، ويقول : إن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فوق رحلات الطائرات، وفوق الاتصالات، وما أشبه ذلك، نسأل الله أن يعيذنا من الفتن.

” اللقاء الشهري ” ( 43 / السؤال رقم 33 ).

وحذَّر منها أيضا – بتفصيل أوفى – في ” مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين ”

( 2 / 328 – 330 ).

 

  1. نشرة بعنوان ” بندول، علاج الذنوب “.

وفيها قولهم:

” دواء فعَّال لعلاج جميع الذنوب، والهموم، والآلام والأحزان “!.

وكتب على غلافه: ” دواء فعّال لجميع الفئات العمرية “.

وقد حذَّرنا من هذه النشرة في جواب آخر فلينظر.

 

  1. نشرة بعنوان ” الرقم الخاص بالملِك “:

وفيها قولهم:

اتصل على هذا الرقم فهذا الرقم الخاص بالملِك – ( أي: الله! ) – الرقم هو: 222 فقط وبدون مفتاح للدولة وبدون مفتاح للمدينة، هل تريد معرفة كيفية الاتصال؟ إذًا تفضل معي لنبدأ الاتصال معًا! الرقم الأول ( 2 ) يعني الساعة ( 2 ) بعد منتصف الليل، الرقم الثاني ( 2 ) يعني ركعتين، الرقم الثالث ( 2 ) يعني دمعتين ومعناها ركعتين الساعة ( 2 ) في آخر الليل مع دمعتين.

وقد حذَّرنا من هذه النشرة في جواب آخر فلينظر.

وهذه النشرات فيها تنقص من شعائر الإسلام العظيمة، وفيها فتح باب للسخرية والاستهزاء بها، وبغيرها، وقد حصل ذلك بالفعل، فأُخرج للناس نشرة بعنوان ” كريم الأذكار “!، كتب أسفله: ” يحفظك من الشر ويُبعد عنك كل ما ضر “، وأُخرجت نشرة بعنوان: ” مضاد للخطايا “! كتب أسفله: ” فعّال يحط جميع خطاياك، ولو كانت مثل زبد البحر “، وكتب بعضهم: ” ملك جمال العالَم ” ثم وضع صورة للقرآن الكريم!.

 

ولم نجد أحدًا من العلماء الثقات الأثبات إلا وأنكر هذه النشرات أو كرهها، أو منع منها سدًّا للذريعة.

 

ويلحق بتلك النشرات النشرة موضوع السؤال، وهي التي بعنوان ” ” مكياج يدخل صاحبته الجنة إن شاء الله “! وهي بالإضافة لانطباق ما ذكرناه عن النشرات السابقة عليها: فإن فيها من الأخطاء ما ينبغي التنبيه عليه، ومنها:

أ. قولهم ” ضفي لمسات من ( الصدق ) على شفتيك “.

والصدق والكذب ليست الشفتان محلاًّ لهما، بل هو اللسان، لكن لأن اللسان ليس له مادة تجميل لم يذكروه وذكروا الشفتين!.

 

ب. قولهم ” أما احمرار الخدود فاستعمليه من ماركة ( الحياء ) وهو يباع في محلات الإيمان بالله “.

والحياء إنما هو في القلب، لا على الخدود! ويقال فيها ما قيل في الشفتين.

مذهب أهل السنة والجماعة: أن العمل داخل في الإيمان، وهذا أحد أدلتهم، ومن الدليل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: ( الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الْإِيمَانِ ) – متفق عليه -، فقول: ( لا إله إلا الله ) من أعمال اللسان، و

( إماطة الأذى عن الطريق ) من أعمال الجوارح، وقوله صلى الله عليه وسلم:

( الحياء شعبة من الإيمان ) من أعمال القلوب.

” تفسير سورة البقرة ” ( 2 / 121 ، 122 ).

 

ج. قولهم ” واستعملي صابون ( الاستغفار ) لإزالة أي ذنوب تشكين منها “.

والاستغفار ليس فقط من فعل الذنوب، بل يكون من التقصير في الطاعة، ويكون بعد العبادات ، كالحج والصلاة.

 

 

وعلى كل حال:

فنرى أنه لا يجوز استعمال هذه النشرات في باب الدعوة إلى الله، ويكفينا كتاب الله وسنة رسوله الله عليه وسلم وقصص العفيفات الصالحات لنشر الفضيلة والحث على محاسن الأخلاق، وقد انتفع بتلك الوسائل خلق لا يُحصون، فلا ينبغي للدعاة النزول في مستوى المخاطبة مع الآخرين حتى استعملت ألفاظ أجنبية كـ: الماكياج ” و ” الإكسسوارات “! وخلت تلك النشرة وأخواتها من آيات قرآنية وأحاديث نبوية.

 

والله أعلم.

 

هل يشرع الدعاء بعد الصلاة؟ وحكم تخصيص صيغة من الأذكار لكل صلاة

هل يشرع الدعاء بعد الصلاة؟ وحكم تخصيص صيغة من الأذكار لكل صلاة

السؤال:

بعد أن أنتهى من أذكار ما بعد الصلاة كلها ( الاستغفار 3، والتسبيح، ودعاء ” اللهم أنت السلام … “، ودعاء ” اللهم أعني على ذكرك … “، ودعاء ” اللهم لا مانع لما أعطيت … “، وأيضا آية الكرسي والإخلاص والمعوذتين … ): هل يجوز لي أن أدعو بأدعية معينه وأنا لا أزال في المسجد؟ أدعية مثل ” اللهم يا مقلب القلوب … ” ، ” اللهم إني أسألك الفردوس … “، ” اللهم اغفر للمؤمنين … “، ” الصلاة على النبي ” )؟ وهل يجوز أن أجعل لها عددًا معينًا مثلًا 7 أو 3 مرات؟.

سؤال آخر يتعلق بأذكار الصلاة:

بالنسبة لصيغ التسبيح بعد الصلاة الواردة عن رسولنا صلى الله عليه وسلم بأنواعها, هل يجوز لي أن أربط صيغة معينة بصلاة معينه، مثلًا: أجعل لصلاة الفجر هذه الصيغة ( سبحان الله 33 مرة، الحمد لله 33 مرة، الله أكبر 33 مرة، وتمام المائة لا إله إلا الله وحده … “, وأجعل لصلاة الظهر ( سبحان الله 10 مرات، الحمد لله 10 مرات، الله أكبر 10 مرات ), وأجعل لصلاة العصر ( سبحان الله 33 مرة، الحمد لله 33 مرة، الله أكبر 34 مرة, وصلاة المغرب ( سبحان الله 25 مرة، الحمد لله 25 مرة، لا إله إلا الله 25 مرة، الله أكبر 25 مرة، وصلاة العشاء كصلاة الظهر ( سبحان الله 33 مرة، الحمد لله 33 مرة، الله أكبر 33 مرة، وتمام المائة لا إله إلا الله وحده … ) ؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

ثمة أذكار وأدعية ثبت الترغيب بها بعد السلام من الفريضة، فهذه لا تشرع أن تقال جماعة، ولا تُرفع فيها الأيدي.

وثمة أذكار وأدعية مطلقة لم تشرع بعد السلام من الفريضة، فهذا لا يشرع للمسلم أن يجعل شيئًا منها بعد سلامه من صلاته قبل ما ورد في السنَّة، كما لا يشرع فيها أن تكون جماعة، وهل يصح أن تقال بعد الإتيان بالمشروع من الأذكار والأدعية؟ والجواب على ذلك: نعم، يُشرع، ولا حرج في ذلك، بل قد ورد ترغيب في الشرع بالدعاء في تلك الحال.

عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ الدُّعَاءِ أَسمَعُ؟ قَالَ: ( جَوفُ الّليلِ الآخِرِ، وَدُبُرُ الصَّلَواتِ المَكتُوبَاتِ ). رواه الترمذي ( 3499 ) وقال: هذا حديث حسن، وحسَّنه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

 

قال ابن القيم – رحمه الله -:

هاهنا نكتة لطيفة، وهو أن المصلي إذا فرغ من صلاته وذكر الله وهلله وسبحه وحمده وكبره بالأذكار المشروعة عقيب الصلاة: استُحب له أن يصلِّي على النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك، ويدعو بما شاء، ويكون دعاؤه عقيب هذه العبادة الثانية، لا لكونه دبر الصلاة؛ فإن كل مَن ذكر الله وحمده وأثنى عليه وصلَّى على رسول الله صلى الله عليه وسلم: استُحب له الدعاء عقيب ذلك، كما في حديث فضالة بن عبيد: ( إذا صلى أحدكم ، فليبدأ بحمد الله والثناء عليه، ثم ليصل على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ليدع بما شاء ) قال الترمذي: حديث صحيح.

” زاد المعاد ” ( 1 / 258 ).

وكان قد فهم بعض الحنابلة قديمًا وحديثًا أن ابن القيم رحمه الله يمنع من الدعاء بعد الصلاة مطلقًا، وكلامه واضح في استحباب ذلك لكن لمن جاء بالمشروع الثابت بعد الصلاة أولًا.

قال ابن حجر – رحمه الله -:

وفهم كثير ممن لقيناه من الحنابلة أن مراد ابن القيم نفي الدعاء بعد الصلاة مطلقًا، وليس كذلك، فإن حاصل كلامه أنه نفاه بقيد استمرار استقبال القبلة وإيراده بعد السلام، أما إذا انفتل بوجهه وقدَّم الأذكار المشروعة: فلا يمتنع عنده الإتيان بالدعاء حينئذ. ” فتح الباري ” ( 11 / 134 ).

 

ثانيًا:

تبين لك أخي السائل – إن شاء الله – أنه يجوز لك الدعاء بما ذكرتَ وأنت في المسجد، وبعد انتهائك من الإتيان بالمشروع من الأذكار بعد تسليمك من الصلاة.

وأما قولك ” وهل يجوز أن أجعل لها عددًا معيَّنًا مثلًا 7 أو 3 مرات “: فالجواب عليه: أنه لا يجوز لك فعل ذلك.

واعلم أن الأدعية والأذكار الثابتة باسنَّة الصحيحة قسمان:

الأول: ما ثبت منها تقييده بعدد معين، مثل بعض الأذكار الواردة بعد الصلاة، وبعض أذكار المساء والصباح، فهذا يُلتزم بما ورد فيه عدده، ولا يُحصِّل أجور تلك الأذكار إن أتى بعدد ناقص أو زائد.

الثاني: ما ثبت منها مطلقًا غير مقيِّد بعدد معين، فهذا لا يشرع فيه التزام عدد معين؛ لما في ذلك من إحداث صفة في العبادة لم ترد، فيقع فاعل ذلك فيما أطلق عليه بعض العلماء ” البدعة الإضافية “.

 

 

 

قال علماء اللجنة الدائمة:

العبادات مبنيَّة على التوقيف، فلا يجوز أن يقال إن هذه العبادة مشروعة من جهة أصلها أو عددها أو هيئاتها أو مكانها إلا بدليل شرعي يدل على ذلك.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 3 / 73 – 75 ) مختصرًا.

وقالوا:

الأصل في الأذكار والعبادات: التوقيف، وألا يُعبد الله إلا بما شرع، وكذلك إطلاقها، أو توقيتها، وبيان كيفياتها، وتحديد عددها، فيما شرعه الله من الأذكار، والأدعية، وسائر العبادات مطلقًا عن التقييد بوقت، أو عدد، أو مكان، أو كيفية: لا يجوز لنا أن نلتزم فيه بكيفية، أو وقت، أو عدد، بل نعبده به مطلقًا كما ورد، وما ثبت بالأدلة القولية، أو العملية تقييده بوقت، أو عدد، أو تحديد مكان له، أو كيفية: عبدنا الله به، على ما ثبت من الشرع له … . الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود .

” مجلة البحوث الإسلامية ” ( 21 / 53 )، و ” فتاوى إسلامية ” ( 4 / 178 ).

 

ثالثًا:

وأما سؤالك عن تحصيص صيغة معينة من الصيغ الثابتة للذكر بعد الصلاة وجعل كل صلاة تختص بصيغة معينة: فلا يختلف جواب المسألة هذه عن أختها آنفة الذكر؛ فإنه يجمعهما أن الفعل هذا بدعة، فها أنت تريد أن تتخصص صيغة معينة لصلاة معينة، وهو ما لم يرد في الشرع، فتقييد المطلق من الأذكار وتخصيص عامه كل ذلك داخل في البدعة.

واعلم أن العبادات والأذكار التي وردت على وجوه متنوعة قسمان:

الأول: ما يسوغ فعل جميع تلك الوجوه الثابتة في وقت واحد، ولا تتنافى جمع بعضها مع بعض في عبادة واحدة أو في زمان واحد: فهنا لا بأس أن تُجمع جميعًا، وذلك مثل أذكار الركوع والسجود، والأدعية قبل السلام.

الثاني: ما لا يسوغ جمع تلك الوجوه في عبادة واحدة أو في زمان واحدٍ: فهنا لا يجوز جمع أكثر من صيغة، وذلك مثل الاستفتاحات، وأنواع التشهد، وألفاظ الأذان والإقامة، ولا شك أن جمعها جميعًا لم يثبت في السنَّة، ثم هو سيخرجها عن سياقها الذي شُرعت من أجله.

والصيغ الثابتة في الأذكار بعد الصلاة مما ذكرته في سؤالك داخل في القسم الثاني، فلا يشرع لك فعل أكثر من صيغة، ولا يشرع لك تخصيص صيغة معينة لصلاة معينة، بل افعل ما يتيسر لك بحسب همتك ونشاطك، على أن تحرص على الإتيان بجميع ما ثبت من تلك الصيغ موزعة على صلواتك من غير تخصيص صيغة لصلاة، ومثله يقال في صيغ الأذان والإقامة فلا يشرع تخصيص صيغة معينة منها لصلاة معينة، ويستمر على ذلك، أما إن فعل ذلك مرة أو مرتين، ثم لم يجعل ذلك ديدنًا: فلا يظهر المنع من ذلك، وأما مع الاستمرار فإنه يصير مشرِّعًا، ويقع في البدعة، من غير شك.

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

والعلماءُ رحمهم الله اختلفوا في العبادات الواردة على وجوهٍ متنوِّعة، هل الأفضل الاقتصار على واحدة منها، أو الأفضل فِعْلُ جميعها في أوقات شتَّى، أو الأفضل أنْ يجمعَ بين ما يمكن جَمْعُه؟ والصَّحيح: القول الثاني الوسط، وهو أن  العبادات الواردة على وجوهٍ متنوِّعة تُفعل مرَّة على وجهٍ، ومرَّة على الوجه الآخر، فهنا الرَّفْعُ وَرَدَ إلى حَذوِ منكبيه، ووَرَدَ إلى فُرُوع أُذنيه، وكُلٌّ سُنَّة، والأفضل: أن تَفعلَ هذا مرَّة، وهذا مرَّة؛ ليتحقَّقَ فِعْلُ السُّنَّةِ على الوجهين، ولبقاء السُّنَّةِ حيَّة؛ لأنك لو أخذت بوجهٍ وتركت الآخر: مات الوجهُ الآخر، فلا يُمكن أن تبقى السُّنَّةُ حيَّة إلا إذا كُنَّا نعمل بهذا مرَّة، وبهذا مرَّة، ولأن الإِنسان إذا عَمِلَ بهذا مرَّة وبهذا مرَّة: صار قلبُه حاضرًا عند أداء السُّنَّة، بخلاف ما إذا اعتاد الشيء دائمًا فإنه يكون فاعلًا له كفعل الآلة – عادة -، وهذا شيء مشاهد، ولهذا مَن لزم الاستفتاح بقوله: ” سبحانك اللهمَّ وبحمدك ” دائمًا: تجده مِن أول ما يُكبِّر يشرع بـ ” سبحانك اللهم وبحمدك ” مِن غير شعور؛ لأنه اعتاد ذلك، لكن لو كان يقول هذا مرَّة والثاني مرَّة: صار منتبهًا.

ففي فِعْلِ العباداتِ الواردة على وجوهٍ متنوِّعة فوائد:

  1. اتِّباعُ السُّنَّة.
  2. إحياءُ السُّنَّة.
  3. حضورُ القلب.

وربما يكون هناك فائدة رابعة:

إذا كانت إحدى الصِّفات أقصرَ مِن الأخرى، كما في الذِّكرِ بعد الصَّلاةِ: فإن الإِنسان أحيانًا يحبُّ أن يُسرع في الانصراف، فيقتصر على ” سبحان الله ” عشر مرات، و ” الحمد لله ” عشر مرات، و ” الله أكبر ” عشر مرات، فيكون هنا فاعلًا للسُّنَّة قاضياً لحاجته، ولا حَرَجَ على الإِنسان أن يفعل ذلك مع قصد الحاجة، كما قال تعالى في الحُجَّاج: ( لَيْسَ  عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ ) البقرة/ 198.

” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 3 / 29 – 31 ).

 

 

والله أعلم.

هل الحج والتوبة تسقطان حقوق الله وحقوق العباد وحق المقتول؟

هل الحج والتوبة تسقطان حقوق الله وحقوق العباد وحق المقتول؟

السؤال:

أريد أن أسال: بعد قضاء فريضة الحج نعلم أنه يكفِّر عن الذنوب والكبائر، أي: يغفر الله عن حقه، ولكن كما أعلم أنا أنه لا يسقط حقوق العباد، وسؤالي: لقد أجبتم في سؤال سابق أن من يتوب عن ذنب أو كبيرة مهما وصلت فإن الله يغفرها إن كان صادقًا بتوبته، ودليلكم: قال تعالى: ( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) الزمر/ 53، وقال عز وجل – في بيان مغفرته لأعظم الذنوب -: ( وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً. يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً. إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ) الفرقان/ 68 – 70.

وروى البخاري ومسلم ( 2766 ) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا ….. الخ ) الحديث، ولكن أين حق العباد؟ وهل الذي يقتل وتاب يغفر له؟ كما نعلم أنه من قتل متعمدًا دخل جهنم، أنا فقط أريد أن أسال ولا غير ذلك؟ وكيف نوفق بين الحديث الأخير القاتل تسعة وتسعين نفسا وأكمل المئة متعمدًا ودخل الجنة وأين حقوق الذين قتلهم؟.

وبارك الله فيكم.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

ما قرأته أن الحج يكفر الذنوب الكبائر كلها صحيح، وثمة خلاف في هذه المسألة، وما نرجحه أنها تُغفر كلُّها إن شاء الله إن كان الحج مبرورًا.

ولكنك لم تفرِّق بين ” الذنوب ” و ” الحقوق “، فالذي وقع فيه الخلاف هو مغفرة ” الذنوب “، وما قلنا إنها تُكفَّر هو تلك الذنوب الكبائر، أما ” الحقوق ” فلا يُسقطها الحج – ولا الجهاد، ولا الهجرة، ولا التوبة – ولا غير ذلك من الطاعات، ولا نقصد بالحقوق فقط حقوق العباد، بل حتى حقوق الله تعالى، فإنها تبقى في ذمة من جاء بالحج المبرور، ونعني به: ما في ذمته من قضاء، أو نذر، أو كفارات، وكلا الأمرين متفق عليه بين العلماء من غير خلاف، وهو ما ذكرناه في بعض أجوبتنا السابقة، ومما جاء فيها:

” ورد في فضل الحج أحاديث كثيرة تدل على أنه يمحو الذنوب، ويكفر السيئات، ويرجع منه الإنسان كيوم ولدته أمه … لكن هذا الفضل والثواب لا يعني سقوط الحقوق الواجبة، سواء كانت حقوقا لله تعالى، كالكفارات والنذور، وما ثبت في ذمة الإنسان من زكاة لم يؤدها، أو صيام يلزمه قضاؤه، أو كانت حقوقًا للعباد كالديون ونحوها، فالحج يغفر الذنوب، ولا يسقط هذه الحقوق باتفاق العلماء … “.

فنرجو النظر في تلك الإجابة ففيها بيان شافٍ في المسألة، ولعلك الآن قد علمت الفرق بين ” الذنوب ” و ” الحقوق “، فإن الأولى تُسقطها توبةٌ صادقة ولو كانت الذنوب من الكبائر، وتسقطها – كذلك – عبادة نصَّت الشريعة على تكفيرها لعموم الذنوب، لكن ” الحقوق ” لا تَسقط بتلك الطاعة، وإذا استحق العبد ذنبًا على تأخير ذلك الحق الذي لله تعالى أو لعبدٍ من عباده: فإن ذلك الذنب يسقط، دون الحق، وهذا أيضًا مبيَّن في الجواب المحال عليه، وفيه قولنا:

” فمن كان عليه صلاة أو كفارة ونحوها من حقوق الله تعالى لا تسقط عنه; لأنها حقوق لا ذنوب، إنما الذنب تأخيرها، فنفس التأخير يَسقط بالحج لا هي نفسها، فلو أخرها بعده تجدد إثم آخر, فالحج المبرور يسقط إثم المخالفة لا الحقوق “. انتهى.

وما ذكرناه توضيحًا لك ها هنا هو محل إجماع بين أهل العلم – كما سبق – لا نعلم من يخالف فيه.

سئل شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

فيمن تركَ الصلاةَ عامدًا أو غيرَ عامدٍ، ووجبتْ عليه الزكاةُ ولم يُزَك، وعاق والديه، وقَتَلَ نفسًا خطأ، وقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( مَن حج هذا البيتَ فلم يَرْفُثْ ولم يَفْسُقْ خرجَ من ذنوبِه كيومِ وَلَدتْه أمُّه ) وقد قصدَ الحج، فهل يُسْقِط هذا جميعَه ومَظالِمَ العباد؟.

فأجاب:

أجمعَ المسلمون لا يَسقُط حقوقُ العباد كالدَّيْن ونحوِ ذلك، ولا يَسقُط ما وجب عليه من صلاةٍ، وزكاةٍ، وصيامٍ، وحق المقتول عليه، وإن حجَّ، والصلاة التي يَجبُ عليه قضاؤُها: يَجبُ قضاؤُها، وإن حَج، وهذا كلُّه باتفاق العلماء.

” جامع المسائل ” ( 4 / 123 ).

 

ثانيًا:

وفي نقلنا عن شيخ الإسلام ابن تيمية السابق جواب على سؤالك عن حق المقتول لمن تاب، وهو قوله بأنه لا يسقط حق المقتول وإن حج القاتل، ونقول: وإن تاب القاتل، والمقصود: بقاء حق القاتل، وإن تاب، فكيف يحصِّل ذلك المقتول هذا الحق من ذلك التائب؟ والجواب: أن الله تعالى يتفضل عليه من خزائنه يوم القيامة.

 

 

 

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

القاتل إذا كثرت حسناته: أُخذ منه بعضُها ما يرضى به المقتول، أو يعوضه الله من عنده إذا تاب القاتل توبةً نصوحًا . ” مجموع الفتاوى ” ( 34 / 138 ).

وقال ابن القيم – رحمه الله -:

والتحقيق فى المسألة: أن القتل يتعلق به ثلاثة حقوق: حق لله، وحق للمظلوم المقتول، وحق للولي.

فإذا سلَّم القاتل نفسه طوعًا واختيارًا إلى الولي ندمًا على ما فعل، وخوفًا من الله، وتوبة نصوحًا: يسقط حق الله بالتوبة، وحق الولي بالاستيفاء، أو الصلح، أو العفو.

وبقي حق المقتول: يعوضه الله عنه يوم القيامة عن عبده التائب المحسن، ويصلح بينه وبينه، فلا يبطل حقُّ هذا، ولا تَبطل توبةُ هذا.

” الجواب الكافي ” ( ص 102 ).

وبمثله قال الشيخ العثيمين رحمه الله في ” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 14 / 7 ).

 

والله أعلم.

 

 

هل تأثر ابن تيمية بابن حزم؟ وهل تأثر ابن حزم بابن عبد البر؟

هل تأثر ابن تيمية بابن حزم؟ وهل تأثر ابن حزم بابن عبد البر؟

السؤال:

قال لي صديق متعلم ويشتغل في طلب العلم: أن الإمام ابن تيمية قد تأثر بالإمام ابن حزم الظاهري، وابن حزم قد تأثر بالإمام ابن عبد البر، فهل هذا صحيح؟.

أرجو أن تتكرموا بالإجابة على هذا السؤال بشيء من التفصيل.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

ابن تيمية:

هو شيخ الإسلام أحمد تقي الدين أبو العباس بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن تيمية الحراني.

ولد يوم الاثنين، عاشر – وقيل: ثاني عشر – من ربيع الأول سنة 661هـ، في حرّان.

قال تلميذه ابن عبد الهادي رحمه الله عنه: ” ثم لم يبرح شيخنا رحمه الله في ازدياد من العلوم وملازمة الاشتغال والإشغال، وبث العلم ونشره، والاجتهاد في سبل الخير حتى انتهت إليه الإمامة في العلم والعمل، والزهد والورع، والشجاعة والكرم، والتواضع والحلم والإنابة، والجلالة والمهابة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسائر أنواع الجهاد، مع الصدق والعفة والصيانة، وحسن القصد والإخلاص، والابتهال إلى الله وكثرة الخوف منه، وكثرة المراقبة له، وشدة التمسك بالأثر، والدعاء إلى الله، وحسن الأخلاق، ونفع الخلق والإحسان إليهم، والصبر على من آذاه والصفح عنه والدعاء له، وسائر أنواع الخير.

امتحن الشيخ مرات، فأوذي، ودخل السجن عدة مرات بسبب حسد الأقران.

وفي ليلة الاثنين لعشرين من ذي القعدة من سنة ( 728 هـ ) توفي شيخ الإسلام بقلعة دمشق التي كان محبوساً فيها.

ثانيًا:

ابن حزم:

هو أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن صالح بن خلف الفارسي الأصل، ثم الأندلسي القرطبي.

ولد بـ ” قرطبة ” لآخر يوم من رمضان، في سنة أربع وثمانين وثلاث مائة.

نشأ في تنعم ورفاهية، وكان والده وزيرًا من كبراء أهل قرطبة، وكذلك وزر أبو محمد في أول حياته.

قال أبو عبدالله الحميدي: ” كان ابن حزم حافظًا للحديث وفقهه، مستنبطًا للأحكام من الكتاب والسنة، متفننًا في علوم جمة، عاملًا بعلمه، ما رأينا مثله فيما اجتمع له من الذكاء، وسرعة الحفظ، وكرم النفس، والتدين، وكان له في الأدب والشعر نفسٌ واسع، وباع طويل، وما رأيت مَن يقول الشعر على البديهة أسرع منه”.

ومن أشهر كتبه: ” المحلَّى ” و ” الإحكام لأصول الأحكام ” و ” الفِصَل في الملل والأهواء والنَّحَل “.

وقد امتحن لتطويل لسانه في أهل العلم، وشرد عن وطنه، وأحرقت كثير من كتبه.  قال الذهبي رحمه الله: وأخضع لفرط ذكائه وسعة علومه.

توفي عشية يوم الأحد لليلتين بقيتا من شعبان، سنة ست وخمسين وأربع مائة.

ثالثًا:

ابن عبد البر:

هو الحافظ يوسف بن عبدالله بن محمد بن عبدالبر بن عاصم، أبو عمر النَّمَري القرطبي الأندلسي، فهو عربي الأصل.

ولد ابن عبدالبر بـ ” قرطبة ” يوم الجمعة، في ربيع الآخر، سنة ثمان وستين وثلاثمائة.

نشأ ابن عبد البر في أسرة علمية، فأبوه وجده كانا من العلماء، ونشأ في مدينة معروفة بالعلم وكثرة العلماء، كانت يومئذٍ عاصمة الخلافة بالأندلس.

سمع ابن عبد البر من كثير من علماء الأندلس، وأخذ عنهم شتى العلوم.

قال الذهبي رحمه الله: ” وكان في أصول الديانة على مذهب السلف، لم يدخل في علم الكلام، بل قفا آثار مشايخه رحمهم الله “.

وقال الحميدي: ” أبو عمر، فقيه حافظ، مكثر، عالم بالقراءات وبالخلاف في الفقه، وبعلوم الحديث والرجال، قديم السماع كثير الشيوخ “.

أشهر مؤلفاته: ” التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد ” و ” الاستيعاب في معرفة الأصحاب ” و ” جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله “.

توفي يوم الجمعة، في ربيع الآخر، سنة ثلاث وستين وأربعمائة من الهجرة بمدينة ” شاطبة ” في شرق الأندلس.

 

 

 

 

 

رابعًا:

تلك هي تراجم مختصرة لأولئك الأعلام الثلاثة، وللإجابة على ما سأل عنه السائل الفاضل نقول:

إننا لم نجد في ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية تأثرًا بالإمام ابن حزم رحمهما الله، بل يلفت نظر الباحث أمرين:

الأول: نرى انتقاد شيخ الإسلام ابن تيمية لابن حزم – رحمهما الله – في جوانب كثيرة، من أهمها:

أ. اعتقاده في الصفات الذي خالف فيه أهل السنَّة.

ب. تمسكه بالظاهر في مسائل الفقه مع نفي القياس الجلي وعدم النظر إلى المعاني.

ج. إطالة لسانه بالطعن والثلب في أئمة الهدى والعلم.

ولا شك أن إمامًا كابن تيمية لا يمكن أن يتأثَّر بهذه الشخصية وهي متصفة بتلك الصفات، ولها ذلك المنهج، والاعتقاد.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

لكن قد خالط من أقوال الفلاسفة والمعتزلة في مسائل الصفات ما صرفه عن موافقة أهل الحديث في معاني مذهبهم في ذلك، فوافق هؤلاء في اللفظ وهؤلاء في المعنى، وبمثل هذا صار يذمه من يذمه من الفقهاء والمتكلمين وعلماء الحديث باتباعه لظاهر لا باطن له، كما نفى المعاني في الأمر والنهي والاشتقاق، وكما نفى خرق العادات ونحوه من عبادات القلوب، مضمومًا إلى ما في كلامه من الوقيعة في الأكابر، والإسراف في نفي المعاني، ودعوى متابعة الظواهر.

” مجموع الفتاوى ” ( 4 / 19 ).

وللأسف فبعض المتعصبة من الظاهريين المعاصرين لم يكونوا منصفين في ادعائهم بتأثر شيخ الإسلام ابن تيمية بالإمام ابن حزم، بل رأينا لواحد من غلاتهم مقولة بشعة تنضح بالتعصب والغلو حيث قال ” لولا ابن حزم ما راح ابن تيمية ولا جاء “! والعجيب من بعض أولئك الغلاة أنهم كتموا كلام شيخ الإسلام هذا في ابن حزم، فنقلوا ما قبله، وما بعده، وأوهم الناس أن الكلام في موضعين، مع أنه في موضع واحد، وفي الصفحة نفسها، ونحن إنصافًا لابن حزم سنذكره بعد قليل، وهو يدل على عدل شيخ الإسلام رحمه الله في حكمه على الآخرين.

الثاني: الثناء على ابن حزم في سعة اطلاعه، وتمسكه بالنصوص، وتمييزه بين الحديث الصحيح والضعيف، وفي مخالفته للمرجئة والأشاعرة في معظم مسائل ” الإيمان “، وفي ” القدَر “.

 

 

 

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وإن كان ” أبو محمد بن حزم ” في مسائل الإيمان والقدر أقوم من غيره وأعلم بالحديث وأكثر تعظيما له ولأهله من غيره … .

وإن كان له من الإيمان والدين والعلوم الواسعة الكثيرة ما لا يدفعه إلا مكابر؛ ويوجد في كتبه من كثرة الاطلاع على الأقوال، والمعرفة بالأحوال، والتعظيم لدعائم الإسلام، ولجانب الرسالة ما لا يجتمع مثله لغيره، فالمسألة التي يكون فيها حديث يكون جانبه فيها ظاهر الترجيح، وله من التمييز بين الصحيح والضعيف والمعرفة بأقوال السلف ما لا يكاد يقع مثله لغيره من الفقهاء.

” مجموع الفتاوى ” ( 4 / 19 ، 20 ).

وشيخ الإسلام ابن تيمية بحر من بحور العلم، ولم يحصِّل ذلك العلم إلا بالقراءة والاطلاع، ومن ضمن ذلك اطلاعه على كتب ابن حزم رحمه الله، ومما يدل على أنه قرأها وأحاط بها علمًا: نقده لما فيها من أخطاء، واستدراكه على اعتقاد ابن حزم ومنهجه في الفقه، وتعقبه في الحديث ومسائل الإجماع وغيرها، وهذا لا يكون إلا ممن نظر واطلع على تلك المصنفات لذلك الإمام، لكنه لم يكتسب صفاته في شدته على أئمة الهدى، ولم يعتقد ما يعتقده ابن حزم في الصفات وغيرها مما خالف فيه أهل السنَّة، بل لم يقل بقوله في ” نفي القياس “، فأين ذلك التأثر المزعوم من أولئك الغلاة؟!.

وقد زعم بعض الكتَّاب أن ابن تيمية تأثر بحدة ابن حزم رحمه الله! وهذا أيضًا غير صحيح، فابن حزم كان حادًّا على رؤوس أهل السنَّة وأئمتها، سليط اللسان عليهم، وأما شيخ الإسلام فهو يجلهم ويعظمهم، وما كان منه من حدَّة فهي على رؤوس بعض أهل البدع والضلال.

 

خامسًا:

وأما عن تأثر ابن حزم بابن عبد البر: فقد وجدنا بينهما من العلاقة ما يجعل ابنَ حزم مستفيدًا من ابن عبد البر، وكيف لا وهو من شيوخه، ويبدو أن التأثير العلمي والأدبي هو الأبرز في هذه العلاقة، ويبدو ذلك من خلال أمور:

أ. تلقى ابن حزم عن ابن عبدالبر علم الحديث.

ب. صاحبه في الأخذ عن شيوخه كذلك أمثال: ابن الفرضي وابن الجسور، ولذا كان يطلق عليه – أحيانًا – لفظة ” صاحبنا “.

ج. روى عن ابن عبدالبر في مواضع عدة من كتبه بلفظ السماع مرة، وبلفظ الإجازة مرة أخرى.

 

 

قال القاضي عياض – رحمه الله – في ترجمة ابن عبد البر -:

وسمع منه أبو محمد ابن حزم.

” ترتيب المدارك وتقريب المسالك ” ( 8 / 128 ).

د. كان ابن حزم يذكر ابن عبد البر في مصنفاته، ويطلق عليه صفة: ” الإمامة ” و ” الاجتهاد “.

هـ . كان يذكر بعض كتب ابن عبد البر ويثني عليها في مصنفاته.

ومن ذلك قوله – وهو يسرد كتب علماء الأندلس -:

ومنها: كتاب ” التمهيد ” لصاحبنا أبي عمر يوسف بن عبد البر، وهو الآن في الحياة، لم يبلغ سن الشيخوخة، وهو كتاب لا أعلم في الكلام على فقه الحديث مثله أصلًا، فكيف أحسن منه.

ومنها: كتاب ” الاستذكار “، وهو اختصار التمهيد المذكور.

ولصاحبنا أبي عمر ابن عبد البر المذكور كتب لا مثل لها:

منها: كتابه المسمى بـ ” الكافي ” في الفقه على مذهب مالك وأصحابه، خمسة عشر كتابًا اقتصر فيه على ما بالمفتي الحاجة إليه وبوَّبه وقربه فصار مغنيًا عن التصنيفات الطوال في معناه.

ومنها: كتابه في الصحابة سمَّاه كتاب ” الاستيعاب ” في أسماء المذكورين في الروايات والسير والمصنفات من الصحابة رضي الله عنهم والتعريف بهم وتلخيص أحوالهم ومنازلهم وعيون أخبارهم، على حروف المعجم، اثنا عشر جزءًا، ليس لأحد من المتقدمين مثله على كثرة ما صنفوا في ذلك. ” رسائل ابن حزم ” ( 2 / 179 ، 180 ) بعنوان ” في فضل الأندلس و ذكر رجالها “.

قال الدكتور ليث سعود جاسم – وفقه الله -:

أما طبيعة العلاقة بين ابن حزم وابن عبد البر: فقد كانت علاقة تلمذة وصداقة, فقد تلقّى ابن حزم عن ابن عبد البر علمَ الحديث, وصاحَبه في الأخذ عن شيوخه كذلك، أمثال: ابن الفرضي وابن الجَسور, ولو تصفّحنا كتاب ” الأحكام في أصول الأحكام ” لابن حزم لوجدنا أنّه يروي عن ابن عبد البر في مواضع عدة من الكتاب, بلفظ السماع مرة, وبلفظ الإجازة مرة أخرى.

وقد توهّم البعض في أنَّ ابن عبد البر كان تلميذًا لابن حزم, ولعلّ ذلك سبب شهرة ابن حزم التي نالها لعلمه, فضلًا عن الظروف السياسيةِ التي مر بها, والمناظرات الحادة التي ناظر بها علماء عصره, ولكن بتتبـّع ما كتبه ابن عبد البر من الكتب المطبوعة, وبعض ما وقعت عليه من المخطوط لم أجد إشارة تشير إلى أنه قد نُقل عن ابن حزم أو رَوى عنه.

 

 

ثم إن ابن حزم يَذكر ابن عبد البر في بعض رسائله, ويُضفي عليه صفة الإمامة والاجتهاد. ” وحسبك بأبي محمد مثنيًا “, وكان من أقرانه, وجرت بينهما مناظرات ومنافرات, ومع ذلك فيروي عنه بالإجازة، وكان يثني على مؤلفات ابن عبد البر, وقد قدّم لنا ابن حزم في رسالته ” فضل الأندلس ” قائمة بهذه المؤلفات القيمة.

ويبدو أنه لم يتعرّض لابن عبد البر بلفظ شديد أو جارح، على ما عُرف عنه ابن حزم, على الرغم من أنَّ ابن عبد البر قد ردّ على ابن حزمٍ في كتابه ” التمهيد “، و ” الاستذكار “، لكن هذه الردود كانت تلميحًا وليست تصريحًا، ومع هذا الاختلاف في الرأي: فإن ابن عبد البر كان ” ينبسط لابن حزم، ويأنس به “.

” ابن عبد البر الأندلسي وجهوده في التاريخ ” ( ص 148 ، 149 ).

 

والله أعلم.

 

ردود على شبهات في مسألة تحريم الاستمناء – العادة السيئة –

ردود على شبهات في مسألة تحريم الاستمناء – العادة السيئة –

السؤال:

شيخنا الفاضل

يا ليت تفيدني بدليل قاطع يحرم الاستمناء؛ لأن كل الأدلة التي سمعت بها لم أرَ فيها دليلًا قاطعًا للتحريم، ففي قوله تعالى ( وَاَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ. فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمْ الْعَادُونَ ): فهذه الآية قد قيل إنها تخاطب الرجال دون النساء، وفي حديث رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم ( يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنّه له وجاء ): الرسول صلى الله عليه وسلم هنا أعطانا الحل الأفضل ولم يقل فقط الصوم.

وإن قيل هناك أضرار في عملها: فما الأمر مع المحتلم لأن كليهما متشابهان: الاحتلام والعادة السرية.

وأيضا يوجد من العلماء من أحل أن المرأة يجوز أن تفعلها للرجل لأنه مثل التقبيل، إذًا من هنا وضح أنه لا يوجد ضرر، فكيف يوجد ضرر إذا فعلها بيده وإن فعلتها الزوجة للزوج لا يوجد؟!.

وإن قيل: فيه إهدار لماء الرجل: فنقول: وماذا عن الاحتلام؟! وأيضا قال تعالى: ( ألم نخلقكم من ماء مهين ) والشيء المهان لا يلام ولا يسأل صاحبه.

وأيضا نحن مغتربون ونرى كل يوم ماهو كفيل لإثارة شهوتنا ونحن عزاب.

فرجائي يا شيخ أنك تعطيني الأدلة التي إن شاء الله تزيل عني اللبس الحاصل عندي.

وجزاكم الله ألف خير.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

من الجيد أن يكون المسلم باحثًا في الأدلة في مسألة، متقصيًّا لأقوال العلماء فيها، حتى يصل إلى حكم الله تعالى، فمثل هذا الباحث يؤجر حتى لو أخطأ في إصابة الحق أجرًا واحدًا.

ويأثم المسلم إذا كان يقوده هواه في بحث المسائل، ويتعسف في الاستدلال، ويتحكم في النصوص قبولًا وردًّا لها لا وفق قواعد البحث العلمي بل وفق هواه ومشتهاه.

ونسأل الله أن يكون الأخ السائل من الصنف الأول، ونعيذه أن يكون من الصنف الآخر.

 

ثانيًا:

وسنقف معك أيها الأخ السائل فيما ذكرته بالتفصيل، فليس ثمة أدلة يمكننا اختراعها حتى نقنعك بحرمة الاستمناء، فليس عندنا إلا ما ذكرته من أدلة، ولكننا سننازعك فيما فهمته منها واستبعدت دلالتها على التحريم، ونجزم أن قلبك سيطمئن للحق والصواب إن تجرد من رواسب سابقة تؤثر في بحثك وتحريك للحق، فنقول:

  1. قال تعالى: ( وَاَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ. إلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ. فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمْ الْعَادُونَ ) المؤمنون/ 5 – 7، المعارج/ 39 – 31.

وأنت تقول في سؤالك ” فهذه الآيه قد قيل إنها تخاطب الرجال دون النساء “.

والجواب عليه:

أ. وهل تعلم أحدًا ينازع في أن الآية في الرجال دون النساء؟! وهل تدري أنه لا يقول عاقل أنها تشمل النساء وإلا لكان فيها إباحة العبد أن تستمتع بها سيدته! وهذا منكر لا يمكن أن تأتي به الشريعة، ولذلك كانت الآيات في سورة ” المؤمنون ” تشمل الرجال والنساء إلا هذه الآية.

قال ابن العربي – رحمه الله -:

من غريب القرآن: أن هؤلاء الآيات العشر هي عامة في الرجال والنساء، كسائر ألفاظ القرآن التي هي محتملة لهم، فإنها عامة فيهم، إلا قوله: ( وَاَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ) فإنه خطاب للرجال خاصة دون النساء، بدليل قوله: ( إلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ )، ولا إباحة بين النساء وبين ملك اليمين في الفرج.

” أحكام القرآن ” ( 5 / 464 ).

لكننا نسألك: هل يعني هذا أن المرأة غير مطالبة بحفظ فرجها؟! ونعتقد أنك ستقول بل هي مطالبة بذلك من نصوص أخرى، وهذا يكفي للدلالة على أن حفظ الفرج واجب على الرجال والنساء وأن من تعدَّى المباح لهم فهو ظالم لنفسه.

وقد أكمل الإمام ابن العربي كلامه السابق بقوله:

وإنما عُرف حفظُ المرأة فرجها من أدلة أخر، كآيات الإحصان عمومًا وخصوصًا، وغير ذلك من الأدلة . ” أحكام القرآن ” ( 5 / 464 ).

ومن هذه النصوص:

أ. قوله تعالى ( وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ ) النور/ من الآية 31.

ب. وقوله تعالى ( وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ) النور/ من الآية 33.

والعجيب أن يستدل بهذه الآية الثانية من يقول بجواز الاستمناء لأن فيها عفافًا عن الزنى! وهو فهم خطأ، وإنما المقصود بها إعفاف الفرج عن تصريف شهوته في الحرام.

قال الشافعي – رحمه الله -:

فإن ذهب ذاهب إلى أن يحله لقول الله تعالى ( وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله ) فيشبه أن يكونوا إنما أُمروا بالاستعفاف عن أن يتناول المرء بالفرج ما لم يبح له به، فيصبر إلى أن يغنيه الله من فضله فيجد السبيل إلى ما أحل الله، والله أعلم.

وهو يشبه أن يكون في مثل معنى قول الله عز وجل في مال اليتيم ( وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ) وإنما أراد بالاستعفاف: أن لا يأكل منه شيئًا.” الأم ” ( 5 / 145 ).

ولو كان ما قاله من استدل بالآية على جواز الاستمناء لكان حكمها الوجوب! لأن الله تعالى جعل الاستعفاف واجبًا، وهذا وحده كفيل برد ذلك الاستدلال بل واستقباحه.

فأي فائدة جناها من قال إن الآية في الرجال دون النساء ليمنع الاستدلال بها على تحريم الاستمناء؟! فكون الآية في الرجال دون النساء محل إجماع، والأمر بحفظ الفرج قدر مشترك بين الجنسين بلا شك ولا ريب.

ب. والآية الكريمة واضحة الدلالة على تحريم قضاء الشهوة الجنسية في غير الزوجة والأمَة، فكل من قضى شهوته من الرجال باللواط أو مع بهيمة أو بالاستمناء فهو قد ابتغى غير الحلال الذي شرعه الله تعالى، فيكون ظالمًا لنفسه ، متجاوزًا للحدِّ الشرعي، والمرأة إذا قضت شهوتها الجنسية مع غير الزوج، كالسحاق، أو مع بهيمة، أو بالاستمناء: فتكون ظالمة لنفسها، متجاوزة للحد الشرعي، ودلالة الآية القرآنية التي ذكرتَها واضحة على استنباط هذه الأحكام منها.

قال الشافعي – رحمه الله -:

فكان بيِّنًا في ذِكر حفظهم لفروجهم إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم تحريم ما سوى الأزواج وما ملكت الأيمان.

وبيِّنٌ أن الأزواج وملك اليمين من الآدميات، دون البهائم.

ثم أكدها فقال ( فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمْ الْعَادُونَ ) فلا يحل العمل بالذَّكَر إلا في زوجة أو في مِلك اليمين، ولا يحل الاستمناء، والله أعلم .

” أحكام القرآن ” ( 1 / 195 ).

وقال أبو حيان الأندلسي – رحمه الله -:

ويشمل قوله ( وَرَاءَ ذَلِكَ ): الزنا، واللواط، ومواقعة البهائم، والاستمناء.

ومعنى ( وَرَاءَ ذَلِكَ ): وراء هذا الحد الذي حدَّ من الأزواج ومملوكات النساء.

” تفسير البحر المحيط ” ( 6 / 391 ).

ثالثًا:

  1. عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ ). رواه البخاري ( 4779 ) ومسلم ( 1400 ).

وأنت تقول: ” الرسول صلى الله عليه وسلم هنا أعطانا الحل الأفضل ولم يقل فقط الصوم “.

والجواب عليه:

أننا لا ندَّعي الحصر بالصوم لمن لم يستطع النكاح، بل ثمة أشياء أخرى لكن يجمعها أنها كلها قد أوصت بها الشريعة، ومن ذلك:

  1. التسري بالإماء.

قال تعالى: ( وَاَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ. فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمْ الْعَادُونَ ) المؤمنون/ 5، المعارج/ 39.

  1. نكاح الأمَة.

قال تعالى: ( وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ) النساء/ من الآية 25.

  1. الصبر.

قال تعالى: ( وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) النساء/ من الآية 25.

  1. الاستعفاف.

قال تعالى: ( وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ) النور/ من الآية 33.

  1. الصوم.

فهذه خمس أفعال أوصت بها الشريعة لمن لم يقدر على النكاح، وكان الاستمناء معروفًا عند العرب، فأين الوصية به؟!.

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

هذه العادة  – الاستمناء – لو كانت جائزة لأرشد إليها النبي صلّى الله عليه وسلّم؛ لأنها أهون من الصوم، لا سيما عند الشباب؛ ولأنها أيسر؛ ولأن الإنسان ينال فيها شيئًا من المتعة، فهي جامعة بين سببين يقتضيان الحل لو كانت حلالًا، والسببان هما: السهولة، واللذة، والصوم فيه مشقة وليس فيه لذة، فلو كان هذا جائزًا: لاختاره النبي عليه الصلاة والسلام وأرشد إليه؛ لأنه موافق لروح الدين الإسلامي لو كان جائزًا، وعلى هذا فيكون الحديث دليلًا على التحريم.

” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 14 / 320 ).

 

ولو قال قائل إن الاستمناء لا يغض بصرًا ولا يحفظ فرجًا لما كان قوله بعيدًا عن الصواب؛ فإن فاعل تلك العادة السيئة يبحث عما يهيِّج شهوته من المناظر المحرمة، فهو يُطلق بصرَه في النظر المحرَّم، فصارت هذه العادة لا تغض بصر فاعلها ولا تحفظ فرجها، وكيف توصي الشريعة بما فيه ضرر على فاعلها؟! فصار ما أوصت به الشريعة المطهرة هو النافع للشاب الذي لا يجد قدرة على الزواج.

فائدة:

وقد سمعنا من يقول إنه لا أثر للصوم في القضاء على الشهوة، وأنه إن قضى عليها الصوم في النهار فما حالنا مع الليل؟!.

والجواب على ذلك:

قال الشيخ عبد الله الجبرين – رحمه الله -:

وقد ذكر لنا كثير من الشباب أنهم يُكثرون الصوم ومع ذلك لم يجدوا خفة في الشهوة، بل الشهوة لا تزال عندهم قوية، والغلمة والشبق دافع قوي، ويقول أحدهم: إنه يضطر إلى الاستمناء – وهو عمل العادة السرية – حتى لا تدفعه الشهوة إلى فعل جريمة الزنا أو نحوها، ويقول: ما وجدت للصيام أثرًا لتخفيف الشهوة.

نقول:

سبب ذلك:

أولًا: قوة الشهوة في بعض الشباب، حيث تكون الشهوة عندهم قوية جدًّا.

ثانيًا: أن هناك مقويات لها، فلا شك أن كثرة المآكل وتنوع الأطعمة وكثرة اللحوم وأكل الفواكه وما أشبهها مما يقوي الشهوة، وكان الصوم في القديم مختلفًا عن وقتنا ، كان الصائم إنما يجد العلقة من الطعام، فيأكل في وقت السحر لقيمات أو تمرات قليلة، ثم هو في وسط النهار يشتغل إما في حرفته أو مع غنمه أو نحو ذلك، ثم إذا جاء الإفطار لم يجد إلا تمرات أو ماءً أو نحو ذلك، وعند العشاء إنما يأكل رغيفًا أو نصف رغيف فيكون هذا الجوع هو الذي يكسر حدة الشهوة.

فنقول: الذي يريد أن تنكسر حدة الشهوة عليه أن يقلل من الأكل عند الإفطار، وفي السحور، وفي الليل، وأن يتجنب المشتهيات، وكثرة الفواكه واللحوم المتنوعة وأنواع المأكولات الشهية؛ فإنها لاشك تقوي هذه الشهوة وتمكنها، فلا يخففها الصيام الذي لا يحصل معه هذا الجوع، ولا هذا التعب، ولا هذه المشقه.

وعلى كل حال: فهو إرشاد من النبي صلى الله عليه وسلم إلى ما يخفف الشهوة، إلى أن يتمكن الإنسان من النكاح الذي يعف به نفسه.

” شرح عمدة الأحكام ” ( الدرس رقم 60 ).

 

 

 

رابعًا:

قول الأخ السائل: ” وإن قيل هناك أضرار في عملها: فما الأمر مع المحتلم لأن كليهما متشابهان: الاحتلام والعادة السرية “.

وقوله: ” وإن قيل: فيه إهدار لماء الرجل: فنقول: وماذا عن الاحتلام؟! “: نقول:

إنه ثمة اختلاف كبير بين الاستمناء والاحتلام:

أ. فالاحتلام يخرج من غير إرادة صاحبه؛ لأنه نائم، بخلاف المستمني المستيقظ.

ب. وهو غير مؤاخذ عليه، بخلاف الاستمناء.

ج. والاحتلام تفريغ طبيعي للمنيّ من البدن، بخلاف الاستمناء الذي يستجلب بفعله منيَّه ليخرجه، فافترقا.

د. والمحتلم لا يستعمل يده، ولا يحتك بشيء، بخلاف صاحب العادة السيئة.

هـ. ليس للاحتلام أية آثار سيئة، ولا أعراض مرضية، لا بدمية ولا نفسية، بخلاف الاستمناء.

 

خامسًا:

قول الأخ السائل: ” وأيضًا يوجد من العلماء من أحلَّ أن المرأة يجوز أن تفعلها للرجل لأنه مثل التقبيل، إذًا من هنا وضح أنه لا يوجد ضرر، فكيف يوجد ضرر إذا فعلها بيده وإن فعلتها الزوجة للزوج لا يوجد ؟! “: فالجواب عليه:

أن هذا قياس مع الفارق، فلا يقاس ما حرَّمه الله على ما أباحه، ولا يقاس ما يفعله المستمني مع نفسه على ما تفعله الزوجة مع زوجها، بل ولا يقاس ما يخرج من الماء في العلاقة المباحة على ما يخرج من الفعل المحرَّم، وما يفعله الزوج مع حليلته إما أن يكون إيلاجًا في فرجها فلا كلام عليه، أو يكون مباشرة لها في غير فرجها، كما لو كانت حائضًا أو مريضة، حتى لو كان قضاء شهوته بيدها – على الراجح خلافًا لمن منعه – أو بأي مكان من بدنها ما عدا الدبر، وهو فعل مباح.

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يباشر نساءه اللاتي يجامعهن في الحيض، فيأمرها أن تتزر ويجامعها، ولا يختلف العلماء في إباحته، وليست العبرة ها هنا باستعمال يد الزوجة بل بخروج المني وقضاء شهوته إما بتقبيلها أو بضمها مع الإنزال، أو بمباشرتها على بدنها، وهو استمتاع مباح للطرفين.

فاستمناء الزوج بيد زوجته – والعكس – لا تكلف فيه ولا جهد في استجلاب الشهوة، بخلاف صاحب العادة السيئة عندما يستدعي الشهوة بيده، فإنه يتكلف ويبذل في ذلك جهدًا.

 

 

قال الشيخ زكريا الأنصاري – رحمه الله -:

( وله الاستمناء بيد زوجته وجاريته ) كما يستمتع بسائر بدنهما ( لا يده ) لقوله تعالى ( وَاَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ. إلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ ) إلى قوله ( فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمْ الْعَادُونَ ) وهذا مما وراء ذلك.

” أسنى المطالب ” ( 3 / 186 ).

وقال الشيخ منصور البهوتي – رحمه الله -:

( وله أن يستمني بيد زوجته وجاريته ) المباحة له لأنه كتقبيلها.

” كشاف القناع ” ( 6 / 125 ).

وإذا كان ثمة فرق بين الماء الخارج بالاستمناء والماء الخارج بمباشرة الزوجة: فأولى أن يوجد فرق بين ماء الاستمناء وماء الجماع في الفرج.

قال الشيخ مقبل بن هادي الوادعي – رحمه الله -:

فإن قلتَ: لماذا هذه الأمراض كلها بسبب الاستمناء ولا يحدث منها شيء عند الجماع المعتاد؟.

فالجواب: أن الاستمناء طلب خروج المني فربما يكون خروجه بتكلف, وأيضًا: لا يخرج كله فيبقى شيء في الخصيتين وفي بقية العروق, وأما الجماع المعتاد: فإنه يكون عن استثارة للشهوة، وعن رغبة ملحة للجماع, وأيضًا: فقد جعل الله في فرج المرأة ما يمتص المني من الذَّكَر والبيضتين فيشعر المجامع بلذة وراحة نفسية وإن أعقبه فتور.

“تُحَفةُ الشَّابِّ الرَّبَّاني في الرّدّ على الإمامِ محمَّد بن علي الشوكانيّ ” ( ص 87 ).

 

سادسًا:

قول الأخ السائل ” قال تعالى: ( أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ ) المرسلات/ 20، والشيء المهان لا يلام ولا يسأل صاحبه “: لا يسلم لك؛ لأن معنى ( مَهِين ) في الآية ” ضعيف “، ومنه قوله تعالى: ( ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ ) السجدة/ 8.

وقد قال هذا المعنى لتلك الكلمة: ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والطبري وابن كثير، وغيرهم كثير. قال البخاري رحمه الله في ” صحيحه ” ( 4 / 1793 ): وقال مجاهد ( مَهِين ): ضعيف، نطفة الرجل. انتهى.

وقال الطبري – رحمه الله -:

قول تعالى ذكره: ( أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ ) أيها الناس ( مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ) يعني: من نطفة ضعيفة…عن ابن عباس، قوله: ( أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ) يعنى بالمهين: الضعيف.

” تفسير الطبري ” ( 24 / 132 ).

 

 

ونقله عن قتادة ومجاهد في ” تفسيره ” ( 20 / 173 )، وقال:

ومهين: فعيل، من قول القائل: مهن فلان، وذلك إذا زلّ وضعف. انتهى.

– وكذا قال ابن كثير في ” تفسيره ”  ( 5 / 466 ).

وفي ( 8 / 229 ) قال – رحمه الله -:

( إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ ) أي: من المني الضعيف، كما قال: ( أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ). انتهى.

وقال ابن القيم – رحمه الله -:

فالمَهين ههنا: الضعيف، ليس هو النجس الخبيث.

” بدائع الفوائد ” ( 3 / 640 ) .

سابعًا:

وقد رأينا من يقول إن قوله تعالى ( فَأُولَئِكَ هُمْ الْعَادُونَ ) لا ينطبق على فاعل الاستمناء؛ لأنه لا يعتدي على أحدٍ غيره!.

والجواب عليه:

أن اللفظة في الآية ( الْعَادُونَ ) وليس ” المعتدون “، ومعناها: الظالم، والمتجاوز حدَّه.

ومنه قوله تعالى: ( أَتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ. وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ ) الشعراء/ 165،166.

قال البغوي – رحمه الله -:

( فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ) الظالمون المتجاوزون من الحلال إلى الحرام.

” تفسير البغوي ” ( 5 / 410 ).

وقال أبو جعفر النحاس – رحمه الله -:

يقال: عدا، إذا تجاوز في الظلم.

” معاني القرآن ”  ( 5 / 99 ).

ثامنًا:

والخلاصة في حكم العادة السيئة: أنها حرام إن كانت لاستجلاب الشهوة الكامنة، وأنها جائزة – بل قد تجب – إن كانت لدفع الشهوة الهائجة، والتي يخشى أن يقع صاحبها في الحرام كالزنا أو اللواط أو السحاق.

قال ابن عابدين الحنفي – رحمه الله -:

قوله ( الاستمناء حرام ) أي بالكف إذا كان لاستجلاب الشهوة, أما إذا غلبته الشهوة وليس له زوجة ولا أمة ففعل ذلك لتسكينها فالرجاء أنه لا وبال عليه كما قاله أبو الليث, ويجب لو خاف الزنا. ” حاشية ابن عابدين ” ( 4 / 27 ).

– وانظر : ” الموسوعة الفقهية ” ( 4 / 98 ).

 

– ولمعرفة حكم الاستمناء – العادة السيئة – وكيفية علاجها: انظر في أجوبتنا الأخرى.

– وقد ذكرنا في أجوبة كثيرة مسألة الإقامة في بلاد الكفر، والمفاسد المترتبة على ذلك، والشروط الواجب توفرها في المقيم إن أقام لعذر شرعي يبيح له تلك الإقامة.

– ونرجو الاطلاع على جواب لنا فيه بيان الوسائل التي تعين على غض البصر.

 

والله أعلم.

الطرق المثلى في التعامل مع الغاضبين ساعة غضبهم

الطرق المثلى في التعامل مع الغاضبين ساعة غضبهم

السؤال:

ما هي الطرق التي يتبعها المرء عندما يتعامل مع شخص غاضب؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الغضب ليس مذمومًا كله، بل يُحمد الغضب إذا غضبًا لله تعالى، كأن تُنتهك محارم الله عز وجل.

والمذموم منه ما كان غضبًا لدنيا، وخاصة أنه يترتب عليه أذى أو ضرر وشر، كقتل، وضرب، وطلاق، وشتم، وقذف.

عن أَبي مَسْعُودٍ أَنَّ رَجُلًا قَالَ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ مِنْ أَجْلِ فُلَانٍ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْهُ يَوْمَئِذٍ ثُمَّ قَالَ إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ فَأَيُّكُمْ مَا صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيَتَجَوَّزْ فَإِنَّ فِيهِمْ الضَّعِيفَ وَالْكَبِيرَ وَذَا الْحَاجَةِ. رواه البخاري ( 670 ) ومسلم ( 466 ).

وبوَّب عليه البخاري بقوله: ” باب ما يجوز من الغضب والشدة لأمر الله “، وبوَّب عليه النووي في ” رياض الصالحين ” بقوله ” باب الغضب إذا انتهكت حرمات الشرع والانتصار لدين الله تعالى “.

قال الشيخ العثيمين – رحمه الله -:

والغضب له عدة أسباب منها: أن ينتصر الإنسان لنفسه يفعل أحد معه ما يغضبه فيغضب لينتصر لنفسه، وهذا الغضب منهي عنه؛ لأن رجلًا سأل النبي صلى الله عليه وسلم قال له أوصني قال: ( لا تغضب ) فردَّد مرارًا يقول: أوصني، وهو يقول: ( لا تغضب ).

والثاني من أسباب الغضب: الغضب لله عز وجل، بأن يرى الإنسان شخصًا يَنتهك حرمات الله فيغضب غيرة لدين الله، وحمية لدين الله، فإن هذا محمود ويثاب الإنسان عليه؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان هذا من سنَّته، ولأنه داخل في قوله تعالى: ( وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِنْدَ رَبِّهِ )، ( وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ )، فتعظيم شعائر الله وتعظيم حرمات الله: أن يجدها الإنسان عظيمة، وأن يجد امتهانها عظيمًا، فيغضب، ويثأر لذلك حتى يفعل ما أمر به من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك.

” شرح رياض الصالحين ” ( 3 / 615 ، 616 ).

 

 

ثانيًا:

وأما التعامل مع الشخص الغاضب: فله عدة اتجاهات وقواعد، منها:

  1. إذا رأيتَ من يغضب الغضب الشرعي، فيغضب لانتهاك حرمات الله، ويغضب لفعل الناس الموبقات: فاتركه على حاله، فهو مأجور بغضبه، وفعله لن يكون له عواقب وخيمة كغضب الناس على دنياهم.
  2. إذا رأيتَ من يغضب لنفسه، أو لدنيا، وتعلم منه تعظيمه للدين، ووقوفه عند حدود الشرع: فذكِّره أثناء غضبه بربه تعالى، وذكره بوصية النبي صلى الله عليه وسلم ( لا تغضب )، وذكره بفضيلة ملك النفس عند الغضب، وفضل العفو.

عن ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَدِمَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ فَنَزَلَ عَلَى ابْنِ أَخِيهِ الْحُرِّ بْنِ قَيْسٍ – وَكَانَ مِنْ النَّفَرِ الَّذِينَ يُدْنِيهِمْ عُمَرُ – وَكَانَ الْقُرَّاءُ أَصْحَابَ مَجَالِسِ عُمَرَ وَمُشَاوَرَتِهِ كُهُولًا كَانُوا أَوْ شُبَّانًا، فَقَالَ عُيَيْنَةُ لِابْنِ أَخِيهِ: ” يَا ابْنَ أَخِي هَلْ لَكَ وَجْهٌ عِنْدَ هَذَا الْأَمِيرِ فَاسْتَأْذِنْ لِي عَلَيْهِ؟ ” قَالَ: ” سَأَسْتَأْذِنُ لَكَ عَلَيْهِ “، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَاسْتَأْذَنَ الْحُرُّ لِعُيَيْنَةَ فَأَذِنَ لَهُ عُمَرُ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ: هِيْ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ فَوَاللَّهِ مَا تُعْطِينَا الْجَزْلَ وَلَا تَحْكُمُ بَيْنَنَا بِالْعَدْلِ! فَغَضِبَ عُمَرُ حَتَّى هَمَّ أَنْ يُوقِعَ بِهِ، فَقَالَ لَهُ الْحُرُّ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ ) وَإِنَّ هَذَا مِنْ الْجَاهِلِينَ، وَاللَّهِ مَا جَاوَزَهَا عُمَرُ حِينَ تَلَاهَا عَلَيْهِ، وَكَانَ وَقَّافًا عِنْدَ كِتَابِ اللَّهِ. رواه البخاري ( 4366 ).

  1. إذا رأيتَ من يغضب لنفسه أو لدنياه، وليس عنده تعظيم للشرع، لكنه لا يتطاول في غضبه على الشرع، وإنما يصب غضبه عليك أنت: فخير لك السكوت، حتى ينتهي من تفريغ شحنات غضبه في الهواء، فإن أجبته لم تكسب خيرًا، ولم تُصلح حالًا، بل تزيد الأمر شرًّا وسوءً – غالبًا -.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا شَتَمَ أَبَا بَكْرٍ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ فَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْجَبُ وَيَتَبَسَّمُ فَلَمَّا أَكْثَرَ رَدَّ عَلَيْهِ بَعْضَ قَوْلِهِ فَغَضِبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَامَ فَلَحِقَهُ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَانَ يَشْتُمُنِي وَأَنْتَ جَالِسٌ فَلَمَّا رَدَدْتُ عَلَيْهِ بَعْضَ قَوْلِهِ غَضِبْتَ وَقُمْتَ، قَالَ: ( إِنَّهُ كَانَ مَعَكَ مَلَكٌ يَرُدُّ عَنْكَ فَلَمَّا رَدَدْتَ عَلَيْهِ بَعْضَ قَوْلِهِ وَقَعَ الشَّيْطَانُ فَلَمْ أَكُنْ لِأَقْعُدَ مَعَ الشَّيْطَانِ ) ثُمَّ قَالَ: ( يَا أَبَا بَكْرٍ ثَلَاثٌ كُلُّهُنَّ حَقٌّ مَا مِنْ عَبْدٍ ظُلِمَ بِمَظْلَمَةٍ فَيُغْضِي عَنْهَا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا أَعَزَّ اللَّهُ بِهَا نَصْرَهُ … ). رواه أحمد ( 15 / 390 )، وحسَّنه المحققون، وجوَّد إسناده الألباني في ” السلسلة الصحيحة ” ( 2232 ).

وهذه القاعدة يمكن أن نجعلها عامَّة في معاملة كل غاضب، فنسكت عنه حتى يفرِّغ ما عنده، ولا نرد عليه، ولا نحمل في قلوبنا شيئًا عليه بسبب ما قال، ثم إذا هدأ ذكَّرنا بقبح وسوء ما فعل وقال، وهذا ما يوصي به الحكماء.

 

قال ابن الجوزي – رحمه الله -:

الغضبان كالسكران لا يُؤاخذ بما يقول.

متى رأيت صاحبك قد غضب وأخذ يتكلم بما لا يصلح: فلا ينبغي أن تعقد على ما يقوله خنصرًا – ( أي: لا تعتد بكلامه ) -، ولا أن تؤاخذه به؛ فإن حاله حال السكران، لا يدري ما يجري، بل اصبر لفورته، ولا تعول عليها؛ فإن الشيطان قد غلبه، والطبع قد هاج، والعقل قد استتر.

ومتى أخذت في نفسك عليه، أو أجبته بمقتضى فعله: كنت كعاقل واجه مجنونًا، أو كمفيق عاتب مغمى عليه، فالذنب لك.

بل انظر بعين الرحمة، وتلمح تصريف القدر له، وتفرج في لعب الطبع به، واعلم أنه إذا انتبه: ندم على ما جرى، وعرف لك فضل الصبر.

وأقل الأقسام: أن تسلمه فيما يفعل في غضبه إلى ما يستريح به.

وهذه الحالة ينبغي أن يتلمحها الولد عند غضب الوالد، والزوجة عند غضب الزوج، فتتركه يشتفي بما يقول، ولا تعول على ذلك، فسيعود نادماً معتذرًا.

ومتى قوبل على حالته ومقالته: صارت العداوة متمكنة، وجازى في الإفاقة على ما فعل في حقه وقت السكر.

وأكثر الناس على غير هذه الطريق: متى رأوا غضبان: قابلوه بما يقول ويعمل، وهذا على غير مقتضى الحكمة، بل الحكمة ما ذكرته، ( وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ ) العنكبوت/ 43.  ” صيد الخاطر ” ( ص 295 ، 296 ).

 

  1. إذا كان الغاضب هو الزوج فلتصبر الزوجة على غضبه، ولا ترد عليه في فورته، ولتؤجل ترضيته، فإذا جاء الليل فلتأخذ بيده وتقول له: ” لا أنام حتى ترضى”.

عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أَلَا أُخبِرُكُم بِنِسَائِكُم فِي الجَنَّةِ؟ ) قُلنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ( وَدُودٌ وَلُودٌ إِذَا غَضِبَت أَو أُسِيءَ إِلَيهَا أَو غَضِبَ زَوجُهَا قَالَت: هَذِهِ يَدِي فِي يَدِكَ، لَا أَكتَحِلُ بِغِمضٍ حَتَّى تَرضَى). رواه الطبراني في ” المعجم الأوسط ” ( 2 / 206 )، وحسَّنه الألباني في ” السلسلة الصحيحة ( 3380 )، ورواه النسائي في ” الكبرى ” ( 5 / 361 ) من حديث ابن عباس بلفظ ( والله لاَ أَذُوقُ غُمْضاً حَتَّى تَرْضَى ).

قال المناوي – رحمه الله – :

( لا أذوق غُمضا ) بالضم أي: لا أذوق نومًا.

فمن اتصفت بهذه الأوصاف منهن فهي خليقة بكونها من أهل الجنة، وقلما نرى فيهن مَن هذه صفاتها، فالمرأة الصالحة كالغراب الأعصم.

” فيض القدير” ( 3 / 106 ).

  1. إذا كان الغاضب هو الأب على ابنه، أو المدير على موظفه، أو الجار على جاره، أو صديق على صديقه: فالأنسب هنا:

أ. أن نُبعد الطرف الآخر أن يراه ذلك الغاضب؛ لأن سورة الغضب تشتعل وتتأجج بوجوده، فإذا ما أبعدناه عنه: خفَّ الغضب، وزال بسرعة.

ب. مجاراته في توعده بعقوبته، أو تهديده بقتله، أو ما يشبه ذلك من العقوبات، فيُجارى، ولا يُنفَّذ له طلب.

قال ابن القيم – رحمه الله -:

ولهذا يأمر الملوك وغيرهم عند الغضب بامور يعلم خواصهم أنهم تكلموا بها دفعًا لحرارة الغضب، وأنهم لا يريدون مقتضاها، فلا يمتثله خواصهم، بل يؤخرونه، فيحمدونهم على ذلك إذا سكن غضبهم.

وكذلك الرجل وقت شدة الغضب يقوم ليبطش بولده او صديقه فيحول غيره بينه وبين ذلك فيحمدهم بعد ذلك كما يحمد السكران والمحموم ونحوهما من يحول بينه وبين ما يهم بفعله في تلك الحالة.

” إغاثة اللهفان في طلاق الغضبان ” ( ص 47 ).

 

ونسأل الله أن يحفظ جوارحنا، وأن يقينا شرور أنفسنا.

 

والله أعلم.