الرئيسية بلوق الصفحة 61

ما حكم الاشتراك والمشاركة في ” الفيس بوك ” ( facebook )؟

ما حكم الاشتراك والمشاركة في ” الفيس بوك ” ( facebook )؟

السؤال:

ما هو حكم ” الفيس بوك ” ( facebook )؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

موقع ” الفيس بوك ” هذا أسسه ” مارك سيكربرج “، وهو أحد طلاب جامعة ” هارفارد ” في أمريكا، وذلك في بداية عام 2004 م، وقد كان استخدامه محصورًا على طلاب الجامعة، ثم أخذت الشبكة بالتوسع لتشمل جامعات أخرى في مدينة ” بوسطن “، حتى شمل التوسع العالَم أجمع، وذلك في أواخر عام 2006 م.

فالغرض القائم على تأسيسه لأجل التعارف وبناء علاقات اجتماعية، ويعدُّ هذا الموقع أهم مجتمع افتراضي على الإنترنت، وقد بلغ عدد مستخدميه عشرات الملايين، وهو في ازدياد مضطرد، وله قبول واسع في عالمنا العربي والإسلامي، وهو متاح لأكثر من أربعين لغة، ويخطط أصحابه لإضافة لغات أخرى.

 

ثانيًا:

وعالم ” الفيس بوك ” هو عالم المواقع الكتابية ومواقع المحادثة – التشات -، فيها الشر الكثير والخير القليل، إلا أن هذا الموقع تميَّز عن غيره بأشياء، منها:

  1. توفر المعلومات الشخصية التفصيلية عن المنتسب له، وقد ترتب على هذا أشياء، منها:

أ. أنه كان السبب في إعادة العلاقات القديمة بين العشاق! مما تسبب في إرجاع تلك العلاقات وحصول خيانات وطلاقات.

وكان فريق من ” المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية ” في مصر قد أعد دراسة حول موقع ” الفيس بوك ” استغرقت عدة أسابيع خلص من خلالها لنتائج خطيرة ، ومما جاء فيها أن:

” العديد من رواد الموقع نجحوا في العثور على حبهم الأول وعلاقتهم القديمة وأعادوا إقامة الجسور المهدمة خارج حظيرة الأسرة، وهو ما ينذر بحدوث أخطار تهدد الحياة الزوجية للأسرة المسلمة “.

ب. تجنيد بعض دوائر المخابرات لبعض المنتسبين، وذلك بالنظر في سيرتهم، وحالهم الاقتصادية والمعيشية، واستغلال ذلك بالتجسس لصالحهم.

 

 

وقد كشفت بعض الصحف الأجنبية عن وجود شبكة جواسيس لليهود لتجنيد الشباب العربي والمسلم للتجسس لمصالحهم.

وجاء في موقع ” محيط ” – بتاريخ 25 جمادى الأولى 1431 هـ – وقد نقلوا عن صحيفة فرنسية خبر استغلال اليهود موقع ” الفيس بوك ” لتجنيد عملاء له -:

ويقول جيرالد نيرو الأستاذ في كلية علم النفس بجامعة ” بروفانس ” الفرنسية، وصاحب كتاب ” مخاطر الإنترنت “: ” إن هذه الشبكة تم الكشف عنها بالتحديد في مايو – أيار – 2001 م، وهي عبارة عن مجموعة شبكات يديرها مختصون نفسانيون إسرائيليون مجندون لاستقطاب شباب العالم الثالث، وخصوصا المقيمين في دول الصراع العربي الإسرائيلي، إضافة إلى أمريكا الجنوبية “.

وهذا التجنيد – بالطبع – قبل تأسيس موقع ” الفيس بوك “، وقد زادت فرص حصول تلك الشبكة – ومثيلاتها – على الشباب الصالح للتجنيد من خلال النظر في سيرتهم، ومن خلال ” الدردشة ” معهم.

ج. سرقة الحسابات المصرفية، وانتحال شخصية المنتسب من خلال السطو على معلوماته الشخصية.

  1. الانتشار الواسع للموقع جعل منه موقع محادثة عالمي يجمع أشخاصًا من شتى أصقاع الدنيا، وقد زادوا الطين بِلَّة بأن جعلوا لمنتسبي موقعهم برنامجًا يسهل تلك المحادثات من غير الدخول في الموقع كذاك الذي أنتجه موقع ” هوتميل ” وهو ” الماسنجر “، وفي المحادثات المباشرة من الفساد ما يعلمه كل مطلِّع على أحوالها في عالم الإنترنت، وخاصة أن ذلك البرنامج سيتاح من خلال الرؤية لكلا الطرفين مع الكتابة، ومن مفاسد تلك المحادثات والعلاقات الآثمة:

أ. تضييع الأوقات النفيسة في التافه من المحادثات والتعارف المجرد.

ولينتبه المسلم العاقل لعمره فإنه محدود، وإنه لن يُخلَّد في الأرض، وسيلقى ربَّه تعالى فيسأله عن شبابه فيم أبلاه، وعن عمره فيم أفناه، وليتأمل العاقل سلف هذه الأمة وعلماؤها كيف نظروا للوقت وللعمر:

فهذا ابن عقيل الحنبلي رحمه الله يقول عن نفسه: ” إنِّي لا يحل لي أن أضيع ساعة من عمري، حتى إذا تعطل لساني عن مذاكرة ومناظرة، وبصري عن مطالعة: أعملت فكري في حال راحتي وأنا مستطرح، فلا أنهض إلا وقد خطر لي ما أسطره، وإني لأجد من حرصي على العلم وأنا في عشر الثمانين أشد مما كنت أجده وأنا ابن عشرين “. نقله عنه ابن الجوزي في كتابه ” المنتظم ” ( 9 / 214 ).

 

 

 

 

* وقال ابن القيم رحمه الله: ” فوقت الإنسان هو عمُره في الحقيقة، وهو مادة حياته الأبدية في النعيم المقيم، ومادة معيشته الضنك في العذاب الأليم، وهو يمر مر السحاب، فما كان من وقت لله وبالله فهو حياته وعمره، وغير ذلك ليس محسوباً من حياته، وإن عاش فيه عيش البهائم، فإذا قطع وقته في الغفلة واللهو والأماني الباطلة، وكان خير ما قطعه به النوم والبطالة: فموت هذا خير من حياته “.

” الجواب الكافي ” ( ص 109 ).

ب. بناء علاقات آثمة بين الرجال والنساء، مما يسبب دماراً للأسرة المستقرة.

وقد جاء في دراسة ” المركز القومي ” – السابق ذِكره -أن:

” حالة من كل خمس حالات طلاق تعود لاكتشاف شريك الحياة وجود علاقة مع طرف آخر عبر الإنترنت، من خلال موقع ” الفيس بوك “.

 

ثالثًا:

ولا يُنكر وجود منافع من ذلك الموقع من بعض العقلاء الحريصين على إيصال الخير للناس، وقد أحسن هؤلاء حيث عمدوا إلى وسائل الاتصال والتواصل الحديثة – كالإنترنت والجوال والفضائيات- ودخلوا في عالَم أولئك الناس فخدموا دينهم، ودعوا إلى ربهم، وبخاصة ما كان عملًا جماعيًّا؛ لأنه أدنى أن لا يقع الداخل في ذلك العالَم في الفتنة، ومن تلك المنافع في ذلك الموقع:

  1. وجود صفحات خاصة لمشايخ ودعاة، ينصحون فيها الناس، ويجيبون على أسئلتهم، وخاصة أصحاب ” المجموعات ” – الجروبات -، ” ويستفيد صاحب المجموعة عند اجتماع عدد كبير من المشاركين في هذه المجموعة من إرسال رسائل جماعية، وفتح مواضيع للنقاش, وإضافة مقاطع فيديو بأعداد كبيرة، وإمكانيات رائعة “.
  2. القيام بحملات عالمية لتنبيه مستخدمي الموقع على حدث إسلامي عالمي طمسه وأماته الإعلام الكافر، أو لنصرة الشعوب المقهورة، أو لإغلاق موقع أو صفحة شخصية.
  3. نشر كتب ومقالات وفتاوى نافعة ومفيدة بين روَّاد ذلك الموقع.
  4. التواصل بين الأصدقاء والأقارب، وخاصة من بعدت بهم الديار، وللتواصل الهادف أثره الطيب في المحافظة على الثوابت الشرعية والأخلاق الفاضلة.

 

رابعًا:

وأما من حيث الحكم الشرعي في التسجيل في موقع ” الفيس بوك “: فنرى أنه جائز لأهل العلم وطلابه والمجموعات الدعوية؛ لما يمكنهم تقديمه من منافع للناس، ولا نراه جائزا للنساء ولا للشباب في فورة شبابهم؛ لما ذكرناه من مفاسد فيه.

 

والذي يعلم واقع زماننا هذا وما فيه فتن تقرع باب كل بيتٍ منَّا: لم يعتب على فقيه أو مفتٍ أن يمنع من شيء فيه ضرر صرف أو غالب، ولا يكون النفع القليل بمشجع لأن يقال بالجواز خشية على من دخل فيه، فإذا غلب الخير والنفع وقلَّ الشر والضرر أو اضمحل: اطمأنت النفوس للقول بالجواز، ولذلك كان من علمائنا التشديد في جلب ” الفضائيات ” أول الأمر؛ لما كان فيها من ضرر وشر صرف، فلما صار فيها خير عظيم، ووجدت قنوات إسلامية بالكامل، ووجدت ” رسيفرات ” لا تستقبل إلا تلك القنوات: صار القول بالجواز هو المتعين، بل رأينا لكثير من العلماء مشاركة في برامجها.

 

فنحن مع المنع لمن لا يستطيع أن يتحكم بنفسه في عالَم ” الفيس بوك ” وأمثاله، ونرى الجواز لمن سار وفق الضوابط الشرعية في حفظ نفسه، وعدم الانسياق وراء الهوى والشهوة، وكان عنده ما يقدِّمه للعالَم لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

 

والله أعلم.

 

 

 

لماذا كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يخافون من ربهم مع تبشيرهم بالجنة؟

لماذا كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يخافون من ربهم مع تبشيرهم بالجنة؟

السؤال:

لماذا كان الصحابة المبشَّرون بالجنة يخافون الله أشد الخوف، على الرغم أن الرسول صلى الله عليه وسلم بشرهم بالجنة، بل الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه كان أخوفهم.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا شك أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم هم خير هذه الأمة في كل خير، وفضل.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

ومِن المعلوم بالضرورة لمن تدبر الكتاب والسنَّة, وما اتفق عليه أهل السنَّة والجماعة من جميع الطوائف: أن خير قرون هذه الأمة في الأعمال، والأقوال، والاعتقاد, وغيرها من كل فضيلة: أن خيرها: القرن الأول، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه, وأنهم أفضل من الخلَف في كل فضيلة، من علم وعمل، وإيمان، وعقل، ودين، وبيان، وعبادة, وأنهم أولى بالبيان لكل مشكل، هذا لا يدفعه إلا مَن كابر المعلوم بالضرورة من دين الإسلام, وأضله الله على علم، كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ” مَن كان منكم مستنًّا فليستنَّ بمن قد مات؛ فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد أبرُّ هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم حقهم، وتمسكوا بهديهم؛ فإنهم كانوا على الهدى المستقيم “.

وما أحسن ما قال الشافعي رحمه الله في رسالته: ” هم فوقنا في كل علم، وعقل، ودين، وفضل، وكل سبب ينال به علم، أو يدرك به هدى “.

” مجموع الفتاوى ” ( 4 / 157 ، 158 ).

ثانيًا:

عبادة الله تعالى تتضمن الخوف، والرجاء، والمحبة له سبحانه تعالى؛ وهذا هو  كمال الإيمان.

 

 

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

وسبب هذا: اقتران الخوف من الله تعالى بحبِّه، وإرادته, ولهذا قال بعض السلف: ” مَن عبد الله تعالى بالحب وحده: فهو زنديق, ومن عبده بالخوف وحده: فهو حروري – أي: من الخوارج -, ومن عبده بالرجاء وحده: فهو مرجي, ومن عبده بالحب والخوف والرجاء: فهو مؤمن.

وقد جمع الله تعالى هذه المقامات الثلاثة بقوله: ( أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَه ) الإسراء/ 57، فابتغاء الوسيلة هو محبته، الداعية إلى التقرب إليه، ثم ذكر بعدها الرجاء والخوف, فهذه طريقة عباده، وأوليائه. ” بدائع الفوائد ” ( 3 / 522 ).

 

ثالثًا:

لا يستغرب أن يكون الصحابة أشد الناس خوفًا من الله، فكلما ازداد العبد إيمانًا: ازداد خوفه من الله، ألا ترى أن الله تعالى أثنى على أنبيائه، ورسله بهذه الصفة، قال تعالى: ( الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا ) الأحزاب/  39.

وقال عن الملائكة الكرام: ( وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ) الأنبياء/ 28، وقال: (يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) النحل/ 50.

وعن جابر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي بِالمَلإ الأَعْلَى  وَجِبْريلُ كَالحِلْسِ البَالِي مِنْ خَشْيَةِ الله عزَّ وَجَلَّ ) رواه الطبراني في ” الأوسط ” ( 5 / 64 )، وصححه الألباني في ” السلسلة الصحيحة ” ( 2289 ).

– والحلس البالي: الثوب البالي.

وهكذا كان الحال مع نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فقد كان أعلم هذه الأمة، وأتقاها.

عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَمَرَهُمْ أَمَرَهُمْ مِنَ الأَعْمَالِ بِمَا يُطِيقُونَ، قَالُوا: إِنَّا لَسْنَا كَهَيْئَتِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، فَيَغْضَبُ حَتَّى يُعْرَفَ الْغَضَبُ فِي وَجْهِهِ ثُمَّ يَقُولُ: ( إِنَّ أَتْقَاكُمْ وَأَعْلَمَكُمْ بِاللَّهِ أَنَا ). رواه البخاري ( 20 ) ومسلم ( 1108 ).

 

 

 

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

والمقصود: أن الخوف من لوازم الإيمان، وموجباته، فلا يختلف عنه، وقال تعالى: ( فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ ) المائدة/ 44, وقد أثنى سبحانه على أقرب عباده إليه بالخوف منه، فقال عن أنبيائه بعد أن أثنى عليهم ومدحهم: ( إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ) الأنبياء/ 90،  فالرغَب: الرجاء, والرغبة، والرهَب: الخوف، والخشية.

وقال عن ملائكته الذين قد أمَّنهم من عذابه: ( يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) النحل/ 50، وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( إني أعلمكم بالله وأشدكم له خشية )، وفي لفظ آخر: ( إني أخوفكم لله وأعلمكم بما أتقي ) – رواه مسلم -،  وكان يصلي ولصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء – رواه أبو داود والنسائي، وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود ” -.

وقد قال تعالى: ( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ) فاطر/ 28، فكلما كان العبد بالله أعلم: كان له أخوف، قال ابن مسعود: وكفى بخشية الله علمًا.

ونقصان الخوف من الله: إنما هو لنقصان معرفة العبد به؛ فأعرف الناس: أخشاهم لله, ومن عرف الله: اشتد حياؤه منه، وخوفه له، وحبه له, وكلما ازداد معرفة: ازداد حياء، وخوفًا، وحبًّا، فالخوف من أجلِّ منازل الطريق, وخوف الخاصة: أعظم من خوف العامَّة, وهم إليه أحوج، وهم بهم أليق، ولهم ألزم.

” طريق الهجرتين ” ( 423، 424 ).

فعلى ذلك فلما كان الصحابة أعلم، وأتقى لله، وأعرف به: استلزم ذلك عظم خوفهم منه تعالى، مع الرجاء، والمحبة، وهكذا حال الأنبياء الذين هم أعرف، وأعلم، وأتقى لله تعالى من غيرهم من الناس.

ويمكن تلخيص أسباب خوف النبي صلى الله عليه وسلم، وصحابته الكرام ممن بشِّر بالجنة، بما يلي:

  1. أنهم عرفوا معنى عبادة ربهم تعالى، وكان خوفهم من الله تعالى هو تحقيق لركن من أركانها، مع تحقيق ركني الرجاء، والمحبة.
  2. أنهم كانوا علماء بالله تعالى، ومن كان بالله أعلم كان منه أخوف.
  3. بحثًا عن مزيد ثواب، وعظيم أجر، من ربهم تعالى، قال تعالى: ( وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ) الرحمن/ 46.

فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم من أهل الخوف، والرجاء، والمحبة.

والله أعلم.

حكم الإقامة في بلاد الكفار، والتشبه بهم، والتبرع لجمعياتهم بالمال

حكم الإقامة في بلاد الكفار، والتشبه بهم، والتبرع لجمعياتهم بالمال

السؤال:

هناك مدرسة إسلامية بكندا، تجعل الأطفال يقومون بالمشي لمدة ساعتين؛ تضامنًا مع مرضى السرطان؛ تقليدًا لأحد الكفار الذي ابتدع هذا الأمر، ثم تبيع المدرسة ” البيتزا ” لزيادة المال، للتبرع لصالح مؤسسة خيرية كافرة تتعامل مع السرطان، فهل المشي من أجل السرطان، أو لأسباب أخرى يعتبر تشبهًا بالكفار؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

هذا السؤال يشمل مسائل ثلاث مهمة:

الأولى: حكم الإقامة في بلاد الكفر.

الثانية: أحوال التشبه بالكفار، وحكمه.

الثالثة: حكم التبرع لجمعيات الكفار.

وهذا بيان تفصيلها:

 

ثانيًا:

أما المسألة الأولى:

فقد ثبت بنصوص بأدلة القرآن والسنَّة عدم جواز السفر إلى بلاد الكفار لغير ضرورة، أو مصلحة، كما ثبت النهي عن الإقامة بين أظهرهم، إلا لمستضعف، أو ضرورة، أو مصلحة شرعية.

* قال الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله -:

والسفر إلى بلاد الكفار: محرَّم، إلا عند الضرورة – كالعلاج، والتجارة، والتعلم للتخصصات النافعة التي لا يمكن الحصول عليها إلا بالسفر إليهم – فيجوز بقدر الحاجة، وإذا انتهت الحاجة: وجب الرجوع إلى بلاد المسلمين، ويشترط كذلك لجواز هذا السفر: أن يكون مُظهِرًا لدينه ، معتزًا بإسلامه، مبتعدًا عن مواطن الشر، حذرًا من دسائس الأعداء ومكائدهم، وكذلك يجوز السفر، أو يجب، إلى بلادهم، إذا كان لأجل نشر الدعوة إلى الله ، ونشر الإسلام .

” الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد والرد على أهل الشرك والإلحاد ” ( ص 317 ).

 

* وقال – حفظه الله – أيضًا –  في بيان مظاهر موالاة الكفار -:

الإقامة في بلادهم، وعدم الانتقال منها إلى بلد المسلمين؛ لأجل الفرار بالدين؛ لأن الهجرة بهذا المعنى ولهذا الغرض: واجبة على المسلم؛ لأن إقامته في بلاد الكفر تدل على موالاة الكافرين.

ومن هنا حرَّم الله إقامة المسلم بين الكفار إذا كان يقدر على الهجرة، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا ) فلم يعذر الله في الإقامة في بلاد الكفار إلا المستضعفين الذين لا يستطيعون الهجرة، وكذلك من كان في إقامته مصلحة دينية، كالدعوة إلى الله، ونشر الإسلام في بلادهم.

” الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد والرد على أهل الشرك والإلحاد ” ( ص 316 ).

 

ثالثًا:

أما المسألة الثانية، وهي أحوال التشبه بالكفار، وحكم ذلك: فبيان ذلك يكون بتعرف التشبه المحرَّم بالكفار، وبذكر الصور التي يحرم فيها ذلك التشبه، فيكون ما عداها جائزًا.

أما تعريف التشبه المحرَّم فهو:

” مماثلة الكافرين بشتى أصنافهم، في عقائدهم، أو عباداتهم، أو عاداتهم، أو في أنماط السلوك التي هي من خصائصهم “.

” من تشبه بقوم فهو منهم ” للشيخ ناصر العقل ( ص 7 ).

فتكون أحوال التشبه المحرَّم بالكفار محصورة فيما ذكره الشيخ حفظه الله في تعريفه.

  1. فيحرم التشبه بغير المسلمين في عقائدهم، وعباداتهم، وما هو من شعائر دينهم، مثل لبس الصليب، أو الاحتفال بالأعياد الدينية.
  2. ويحرم التشبه بغير المسلمين فيما هو من خصائص عاداتهم, كلباس الرهبان، والأحبار، وغير ذلك مما يشبهه، وضابط ذلك: أنه إذا رؤي من يفعل مثل ذلك قيل هو غير مسلم.
  3. كما يحرم التشبه بغير المسلمين فيما حرَّم الله عز وجل, كالتبرج المحرم، قال تعالى: ( وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجَاهِلِيَّةِ الأُولَى ) الأحزاب/ من الآية 33, ومثله: شرب الخمور، ولبس الذهب من قبَل الرجال، والاحتفال بأعياد الميلاد، وأعياد الزواج؛ حيث حصرت الشريعة المطهرة الأعياد بعيدين اثنين، الأضحى، والفِطر.

* قال الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله -:

فيحرم التشبه بالكفار فيما هو من خصائصهم، ومن عاداتهم، وعباداتهم، وسمتهم وأخلاقهم، كحلق اللحى، وإطالة الشوارب، والرطانة بلغتهم إلا عند الحاجة، وفي هيئة اللباس، والأكل، والشرب، وغير ذلك.

” الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد والرد على أهل الشرك والإلحاد ” ( ص 316 ).

وعليه: فالمشي الذي يفعله بعض المسلمين تضامنا مع حدث، أو مع أشخاص: هو من عادات الكفار الخاصة بهم، وليس له أصل شرعي في ديننا، وليس له فائدة تُذكر، ويحصل فيه من الاختلاط، والتعرض للفتن، مع الإرهاق، والتسول من الناس أثناء المشي ما يجعل منعه هو الصواب الموافق لقواعد الشرع.

 

رابعا:

وأما المسألة الثالثة، وهي التبرع لجمعيات الكفار: ففيها تفصيل بحسب حال الجمعية:

أ. فإن كانت جمعية دينية، تدعو إلى دينها، وتفسد عقائد المسلمين، وكان من ضمن أعمالها: إعانة المرضى، والقيام على المشردين، وإيواء العجزة: فلا يجوز التبرع لهم، ولا مساعدتهم بشيء؛ لأن قيامهم بتلك الأعمال داخل في دعوتهم لدينهم، وإفساد عقائد المسلمين، ومثل هذا لا ينبغي الاختلاف فيه؛ لظهور حكمه في الشرع.

ب. وإن كانت جمعية دنيوية، ومن أعمالها ما يساهم في إفساد أخلاق الناس، كالدعوة إلى التعارف بين الرجال والنساء، أو كان من أعمالها القيام بما هو محرَّم في شرعنا، كدعم الإجهاض، وغير ذلك مما يشبهه: فلا يجوز التبرع لهم، ولو كان ثمة قسم من أقسامها لعلاج المرضى، وتقديم الأدوية، أو رعاية الأيتام؛ لأنه لا يُدرى أيذهب مال المسلم لما رغب، أو يذهب لما يحرُم عليه الإعانة عليه.

ج. أن تكون الجمعية خاصة بعلاج المرضى، وليس لها أعمال محرمة، ولا مقاصد تنشر دينها من خلالها: فيجوز التبرع لهم، وإعانتهم على علاج المرضى، وتقديم الأدوية لهم.

 

 

 

 

ونحن ننصح في هذا الباب نصيحتين:

  1. أن تكون للمسلمين جمعياتهم الخاصة بهم، وأن يقدموا من خلالها خدمات للمجتمعات التي يعيشون بينهم، مما هو مباح لهم فعله، وأن يقدموا صورة ناصعة عن الإسلام من خلال تلك الجمعيات، وأن يحرصوا على تحقيق الهدف الأسمى وهو إنقاذ الناس من الكفر، وعلاج قلوبهم من الشك، والشبهة، وهو أولى من علاج أبدانهم، ولو جمعوا بينهما لقدموا خيراً لأنفسهم، ولغيرهم.
  2. إذا لم يكن ثمة جمعية خاصة بالمسلمين في بلاد الكفر، وكانت الجمعيات القائمة على ذلك ممن يُخشى إعانتها على الكفر، والفسوق، وشعر المسلمون بحرج من عدم المشاركة في علاج المرضى: فننصح بأن تكون مشاركتهم بتقديم الأدوية، لا المال؛ خشية من استعمال المال في غير المباح، وتحقيقا لمقصود التبرع.

ويمكن الاستدلال بأصل جواز التبرع للكافر بآية، وحديث:

أما الآية : فقوله تعالى ( لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) الممتحنة/ 8، وقد استدل بها الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله بجواز التبرع للكافر بالدم، كما في جواب السؤال رقم ( 12729 ).

وأما الحديث: فما ثبت في الصحيحين، من إذن النبي صلى الله عليه وسلم لأسماء بصلة أمها، وكانت مشركة، وقد بوَّب الإمام البيهقي على الحديث بقوله ” باب صَدَقَةِ النَّافِلَةِ عَلَى الْمُشْرِكِ وَعَلَى مَنْ لاَ يُحْمَدُ فِعْلُهُ “، كما في ” سننه ” ( 4 / 191 ).

والله أعلم.

 

 

 

هل يوجد مجاز في اللغة والقرآن الكريم؟

هل يوجد مجاز في اللغة والقران الكريم؟

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

من أشهر تعاريف المجاز الاصطلاحية أنه: ” اللفظ المستعمل في غير ما وُضع له، مع وجود قرينة “.

وأصل المجاز في اللغة: اسم مكان، كالمطاف، وهو مأخوذ من قولهم: جاز هذا المكان إلى مكان آخر، إذا تخطاه، وانتقل إلى موضع آخر.

وعلاقة المعنى الاصطلاحي باللغوي: أنه انتقالٌ باللفظ من معناه الموضوع له في الأصل إلى معنى آخر، كانتقال معنى الأسد للحيوان المعروف إلى معنى الشجاعة في الرجل الشجاع.

هذا ما يقوله الذين يثبتون لفظ ” المجاز “، ومعناه، وهو ليس على إطلاقه عند الجميع، فاللفظ نفسه لم يُعرف عند الأئمة المتقدمين، وأول من عُرف عنه استعماله هو الإمام أحمد رحمه الله، وكان يعني به: ما يجوز استعماله، وليس كما هو حال تعريفه عند المتأخرين.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

ولم يُعرف لفظ ” المجاز ” في كلام أحدٍ من الأئمة، إلا في كلام الإمام أحمد؛ فإنه قال فيما كتبه من ” الرد على الزنادقة والجهمية “: ” هذا من مجاز القرآن “، وأول من قال ذلك مطلقًا: أبو عبيدة معمر بن المثنى في كتابه الذي صنفه في ” مجاز القرآن “، ثم إن هذا كان معناه عند الأولين: مما يجوز في اللغة، ويسوغ، فهو مشتق عندهم من ” الجواز “، كما يقول الفقهاء عقد ” لازم “، و ” جائز “، وكثير من المتأخرين جعله من ” الجواز ” الذي هو العبور من معنى الحقيقة إلى معنى المجاز.

” مجموع الفتاوى ” ( 12 / 277 ).

فتبين من ذلك: أن أصل كلمة ” المجاز ” عند المتقدمين: الجواز، بمعنى ” الجائز “، وعند المتأخرين: الجواز بمعنى التخطي، والانتقال، والعبور.

وينبغي التنبه قبل نسبة المجاز بالمعنى الثاني إلى من استعمله بمعناه الأول، وخاصة إن كان إمامًا مقدَّمًا في العلم.

 

 

 

ثانيًا:

وقد اختلف العلماء في ثبوت الجاز في اللغة، والقرآن، على ثلاثة أقوال:

القول الأول: ثبوت المجاز في اللغة، والقرآن، وهو مذهب جماهير العلماء، من المفسرين، والأصوليين، واللغويين.

القول الثاني: إنكار المجاز مطلقاً في اللغة، والقرآن، وقد ذهب إلى هذا القول: أبو إسحاق الاسفراييني، وأبو علي الفارسي، ووافقهما عليه: شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، ومن المعاصرين: الشيخان محمد الأمين الشنقيطي، والشيخ محمد بن صالح العثيمين، رحمهما الله.

القول الثالث: أن المجاز ثابت في اللغة، دون القرآن، وقد ذهب إلى هذا القول: الظاهرية، وابن القاصّ الشافعي، وابن خويز منداد المالكي، وأبو عبد الله بن حامد. وأبو الفضل التميمي، الحنبليان.

* وللتنبيه:

فقد نقل كثيرون أن الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله، ممن يقول بهذا القول، والصواب: أنه يقول بالقول الثاني، وهو المنع من وقوع المجاز مطلقًا.

والذي جعل الناقل عنه – رحمه الله – ينسب له القول الثالث: إنما هو وقوفه عند هذا النقل:

* قال الشنقيطي – رحمه الله -:

” والذي ندين الله به، ويَلزم قبوله كل منصف محقق: أنه لا يجوز إطلاق المجاز في القرآن مطلقًا، على كلا القولين “.

” منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز ” ( ص 6 ) طبعة عالم الفوائد.

ولو أن الناقلَ أتمَّ النقل: لعلم خطأه، ولعلم أنه -رحمه الله – يقول بالقول الثاني، وتتمة كلامه هو:

” أمَّا على القول بأنه لا مجاز في اللغة أصلًا – وهو الحق -: فعدم المجاز في القرآن واضح، وأما على القول بوقوع المجاز في اللغة العربية: فلا يجوز القول به في القرآن “. ” منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز ” ( ص 6 ) طبعة عالم الفوائد.

 

 

 

 

ثالثًا:

ومن أوضح البينات في نقض وقوع المجاز اللغة – والقرآن من باب أولى -: تعذر معرفة أصل استعمال اللفظ في اللغة؛ لاختلاف الناس في مسألة ” أصل اللغات ” على أقوال كثيرة، فمن قسَّم الكلام إلى حقيقة ومجاز: يعترف بوجود معنى أول للكلمة موضوع لها، وهم بذلك يجعلون اللغة اصطلاحية! فمن هو ذلك الواضع لذلك المعنى؟! فمن ذا الذي يستطيع الجزم أن لفظة ” الأسد ” أُطلقت أولًا على ذلك الحيوان المعروف؟! ومن ذا الذي يستطيع الجزم أن ” العمى ” أُطلِق أولًا على عمى البصر لا غير؟! .

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وهذا كله إنما يصح لو عُلم أن الألفاظ العربية وُضعت أولًا لمعانٍ ثم بعد ذلك استُعملت فيها، فيكون لها وضع متقدم على الاستعمال، وهذا إنما صح على قول من يجعل اللغات اصطلاحية فيدَّعي أن قومًا من العقلاء اجتمعوا، واصطلحوا على أن يسمُّوا هذا بكذا، وهذا بكذا، ويجعل هذا عامّاً في جميع اللغات، وهذا القول لا نعرف أحدًا من المسلمين قاله قبل أبي هاشم بن الجبائي – المعتزلي – ….

فتنازع الأشعري وأبو هاشم في مبدأ اللغات؛ فقال أبو هاشم: هي اصطلاحية، وقال الأشعري: هي توقيفية، ثم خاض الناس بعدهما في هذه المسألة، فقال آخرون: بعضها توقيفي وبعضها اصطلاحي، وقال فريق رابع بالوقف.

والمقصود هنا: أنه لا يمكن أحدًا أن ينقل عن العرب، بل ولا عن أمَّة من الأمم أنه اجتمع جماعة فوضعوا جميع هذه الأسماء الموجودة في اللغة، ثم استعملوها بعد الوضع، وإنما المعروف المنقول بالتواتر: استعمال هذه الألفاظ فيما عنوه بها من المعاني، فإن ادَّعى مدعٍ أنه يعلم وضعًا يتقدم ذلك: فهو مبطل؛ فإنَّ هذا لم ينقله أحدٌ مِن النَّاس . ” مجموع الفتاوى ” ( 7 / 90، 91 ).

* وقال – رحمه الله -:

هذا التقسيم لا حقيقة له، وليس لمن فرَّق بينهما حدٌّ صحيح يميِّزُ به بين هذا وهذا، فعُلم أنَّ هذا التقسيم باطل، وهو تقسيم من لم يتصور ما يقول، بل يتكلم بلا علم ، فهم مبتدعة في الشرع، مخالفون للعقل، وذلك أنهم قالوا: ” الحقيقة “: اللفظ المستعمل فيما وضع له، و ” المجاز “: هو المستعمل في غير ما وُضع له؛ فاحتاجوا إلى إثبات الوضع السابق على الاستعمال، وهذا يتعذر.

” مجموع الفتاوى ” ( 7 / 96 ).

 

رابعًا:

ومن أوضح البينات في نقض وقوع المجاز في القرآن: أنهم يقولون ” كل مجاز يجوز نفيه “! فبتطبيق كلامهم على القرآن: يصح عندهم نفي كلام الله تعالى المحكم، وهو ما فعله أهل البدع منهم في حقيقة الأمر في صفات الله تعالى.

* قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله -:

وأوضح دليل على منعه في القرآن: إجماع القائلين بالمجاز على أن كل مجاز يجوز نفيه، ويكون نافيه صادقًا في نفس الأمر! فتقول لمن يقول: ” رأيت أسدًا يرمي ” : ليس هو بأسد، وإنما هو رجل شجاع، فيلزم على القول بأن في القرآن مجازًا: أن في القرآن ما يجوز نفيه، ولا شك أنه لا يجوز نفي شيء من القرآن، وهذا اللزوم اليقيني الواقع بين القول بالمجاز في القرآن وبين جواز نفي بعض الصفات: قد شوهدت في الخارج صحته، وأنه كان ذريعة إلى نفي كثير من صفات الكمال، والجلال، الثابتة لله في القرآن العظيم

وعن طريق القول بالمجاز: توصل المعطلون لنفي ذلك، فقالوا: لا يد، ولا استواء، ولا نزول، ونحو ذلك في كثير من آيات الصفات؛ لأن هذه الصفات لم تُرَدْ حقائقها، بل هي عندهم مجازات! فاليد مستعملة عندهم في النعمة، أو القدرة، والاستواء في الاستيلاء، والنزول نزول أمره، ونحو ذلك، فنفوا هذه الصفات الثابتة بالوحي، عن طريق القول المجاز

مع أن الحق الذي هو مذهب أهل السنة والجماعة: إثبات هذه الصفات التي أثبتها تعالى لنفسه، والإيمان بها، من غير تكييف، ولا تشبيه، ولا تعطيل، ولا تمثيل.

” منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز ” ( ص 6 ، 7 ) طبعة عالم الفوائد.

 

خامسًا:

ومن فتاوى أهل العلم المعاصرين:

أ. * سئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

كثيرًا ما أقرأ في كتب التفاسير وغيرها بأن هذا الحرف زائد كما في قوله تعالى: ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ )، فيقولون بأن ” الكاف ” في ( كمثله ) زائدة, وقد قال لي أحد المدرسين: بأنه ليس في القرآن شيء اسمه زائد، أو ناقص، أو مجاز, فإذا كان الأمر كذلك فما القول في قوله تعالى: ( وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ )، وقوله تعالى: (وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ )؟.

 

فأجاب:

الصحيح الذي عليه المحققون: أنه ليس في القرآن مجاز، على الحد الذي يعرفه أصحاب فن البلاغة، وكل ما فيه: فهو حقيقة في محله، ومعنى قول بعض المفسرين أن هذا الحرف زائد: يعني من جهة قواعد الإعراب، وليس زائدًا من جهة المعنى, بل له معناه المعروف عند المتخاطبين باللغة العربية؛ لأن القرآن الكريم نزل بلغتهم، كقوله سبحانه: ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ )  يفيد المبالغة في نفي المثل, وهو أبلغ من قوله: ” ليس مثله شيء “، وهكذا قوله سبحانه: ( وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا ) فإن المراد بذلك سكان القرية، وأصحاب العير.

وعادة العرب: تطلق القرية على أهلها، والعير على أصحابها, وذلك من سعة اللغة العربية، وكثرة تصرفها في الكلام, وليس من باب المجاز المعروف في اصطلاح أهل البلاغة، ولكن ذلك من مجاز اللغة، أي: مما يجوز فيها، ولا يمتنع, فهو مصدر ميمي كـ ” المقام ” و ” المقال “, وهكذا قوله سبحانه: ( وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ ) يعني: حبَّه, وأطلق ذلك لأن هذا اللفظ يفيد المعنى عند أهل اللغة المتخاطبين بها, وهو من باب الإيجاز، والاختصار؛ لظهور المعنى.

” فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 4 / 382، 383 ).

ب. وعلى ذات السؤال أجاب الشيخ العثيمين رحمه الله، فقال:

نقول: إن القرآن ليس فيه شيء زائد، إذا أردنا بالزائد ما لا فائدة فيه؛ فإنّ كل حرف في القرآن فيه فائدة، أما إذا أردنا بالزائد ما لو حذف لاستقام الكلام بدونه: فهذا موجود في القرآن، ولكن وجوده يكون أفصح، وأبلغ، وذلك مثل قوله تعالى ( وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ ) فالباء هنا نقول: إنها زائدة في الإعراب، ولو لم تكن موجودة في الكلام: لاستقام الكلام بدونها، ولكن وجودها فيه فائدة، وهي زيادة تأكيد النفي، أي: نفي أن يكون الله ظالمًا للعباد، وهكذا جميع حروف الزيادة، ذَكر أهل البلاغة أنها تفيد التوكيد في أي كلام كانت، ولهذا نقول: إنها – أي: الباء – في مثل قوله تعالى ( وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ )، أو الكاف في قوله تعالى ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) نقول: إنها زائدة، بمعنى: أنها لو حذفت لاستقام الكلام بدونها، ولكنها مفيدة معنىً، ازداد بها الكلام بلاغة، وهو التوكيد.

وأما قوله: ” ليس في القرآن مجاز “: فنعم، ليس في القرآن مجاز؛ وذلك لأن من أبرز علامات المجاز – كما ذكره أهل البلاغة -: ” صحة نفيه “، وليس في القرآن شيء يصح نفيه، وتفسير هذه الجملة – ” أن من أبرز علامات المجاز صحة نفيه ” -: أنك لو قلت: ” رأيت أسداً يحمل سيفًا بتارًا ” فكلمة أسد هنا يراد بها الرجل الشجاع، ولو نفيتها عن هذا الرجل الشجاع وقلت: هذا ليس بأسد: لكان نفيك صحيحًا، فإن هذا الرجل ليس بأسد حقًّا، فإذا قلنا: إن في القرآن مجازًا: استلزم ذلك أن في القرآن ما يجوز نفيه، ورفعه، ومعلوم أنه لا يجرؤ أحد على أن يقول: إن في القرآن شيئاً يصح نفيه، وبذلك علم أنه ليس في القرآن مجاز، بل إن اللغة العربية الفصحى كلها ليس فيها مجاز، كما حقق ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وأطنب في الكلام على هذه المسألة: شيخ الإسلام في كتاب ” الإيمان “، وابن القيم في ” الصواعق المرسلة ” فمن أحب أن يراجعهما فليفعل.

وأما قوله تعالى ( وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا ): فإننا نقول: ما الذي يفهم السامع من هذا الخطاب؟ سيكون الجواب: يفهم منه أن نسأل أهل القرية كلهم، ولا يمكن لأي عاقل أن يَفهم من هذا الخطاب أننا نسأل القرية التي هي مجتمع القوم، ومساكنهم، أبدًا، بل بمجرد ما يقول: ” اسأل القرية “: ينصب الذهن، والفهم، أن المراد: اسأل أهل القرية، وعبر بـ ” القرية ” عنهم كأنهم يقولون: ” اسأل كل من فيها “.

وكذلك قوله ( أُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهم العِجْلَ ) فإنه لا يمكن لأي عاقل أن يفهم من هذا الخطاب أن العجل نفسه صار في القلب، أبدًا، وإنما يفهم منه: أن حب هذا العجل أشرب في القلوب حتى كأن العجل نفسه حل في قلوبهم، وهذا فيه من المبالغة ما هو ظاهر، أعني: من مبالغة هؤلاء في حبهم للعجل، والأمر ظاهر جدًّا، فكل ما يفهم من ظاهر الكلام: فهو حقيقته، فلتفهم هذا أيها الأخ الكريم: أن كل ما يفيده ظاهر الكلام: فهو حقيقته، ويختلف ذلك باختلاف السياق، والقرائن، فكلمة ” القرية ” – مثلًا – استعلمت في موضع نعلم أن المراد بها أهل القرية، واستعملت في موضع نعلم أن المراد بها: القرية التي هي مساكن القوم، ففي قوله تعالى ( فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ): لا شك أن المراد بذلك أهل القرية؛ لأن القرية نفسها – وهي المساكن – لا توصف بالظلم، وفي قوله تعالى ( إِنَّا مُهْلِكُواْ أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ ): لا شك أن المراد بالقرية هنا المساكن، ولهذا أضيفت إليها ” أهل “، فتأمل الآن أن ” القرية ” جاءت في سياق لا يفهم السامع منها إلا أن المراد بها: أهل القرية، وجاءت في سياق آخر لا يفهم السامع منها إلا أنها مساكن القوم، وكل ما يتبادر من الكلام: فإنه ظاهره، وحقيقته، وبهذا يندفع عنَّا ضلال كثير حصل بتأويل – بل بتحريف – الكلم عن مواضعه بادعاء ” المجاز “، فما ذهب أهل البدع في نفيهم لصفات الله عز وجل، جميعها، أو أكثرها، بل بنفيهم حتى الأسماء: إلا بهذا السلّم الذي هو ” المجاز ” .

” فتاوى نور على الدرب ” ( شريط : 170 ، وجه : ب ).

فالراجح – والله أعلم -: عدم ثبوت المجاز بالمعنى الباطل في اللغة، والقرآن، وما قدمناه يكفي لمثل هذا الجواب، ومن أراد الاستزادة: فليرجع لما رجعنا إليه من مراجع، ولما أحاله عليه الشيخ العثيمين رحمه الله.

 

والله أعلم.

 

 

الجواب عن افتراء على الشيخ ابن باز أنه لم يزر قبر النبي صلى الله عليه وسلم قط

الجواب عن افتراء على الشيخ ابن باز أنه لم يزر قبر النبي صلى الله عليه وسلم قط

السؤال:

كما هو معلوم عندكم، فإنه عند غياب العلماء الربانيين يكثر الضلال، واتخاذ الرؤوس الجهال، الذين ضلوا، وأضلوا، فهذه هي الحالة التي نعيشها هنا في بلد إفريقية، والله المستعان.

سؤالي بارك الله فيكم:

كيف الرد على من أثار شبهة حول الشيخ ابن باز لتنفير الناس عنه ألا وهي:

أن الشيخ رحمه الله مكث في مكة، أو المدينة عدة سنوات, ولم يزر قبر النبي صلى الله عليه وسلم ، فيقولون – هؤلاء الطرقيون المبتدعة – أنهم – يعني: الحجازيين – لا يحبون الرسول صلى الله عليه وسلم، فبم نجيبهم؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

بارك الله فيك أخي السائل، وجزاك الله خيرًا على حرصك على سنَّة النبي صلى الله عليه وسلم، وذبك عنها، وعلى دفاعك عن علماء أهل السنَّة والجماعة، ونسأل الله أن يوفقك وإخوانك لنشر الاعتقاد الصحيح، ونوصيكم بالرفق، والحكمة، في دعوة الناس.

 

ثانيًا:

لا بد أن يعلم المسلم أن أجر الصبر على غربة التمسك بالسنَّة: عظيم، ففي صحيح مسلم – ( 145 ) – عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( بَدَأَ الإِسْلامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا فَطُوبَى لِلْغُرَبَاء ).

وفي سنن الترمذي – ( 3058 ) – عن أبي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيَّ رضي الله عنه أن رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( … إِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّاماً الصَّبْرُ فِيهِنَّ مِثْلُ الْقَبْضِ عَلَى الْجَمْرِ لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِكُمْ ).

وفي رواية: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنَّا أَوْ مِنْهُمْ؟ قَالَ: ( بَلْ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ ).

فلا ينبغي أن يجزع المسلم من هذه الغربة، فالعاقبة للمتقين, ولمن تمسك بهدي النبي صلى الله عليه وسلم.

 

ثالثًا: 

زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم لمن كان في المدينة النبوية: مشروعة، كزيارة قبر غيره، فهي داخلة في عموم قوله صلى الله عليه وسلم: ( إني كنتُ نهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا ) رواه مسلم ( 977 ) من حديث بُرَيْدَةَ بن الحُصَيْب، وفي رواية ( فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ ) رواها مسلم ( 976 ) من حديث أبي هريرة.

وشدُّ الرحل للصلاة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة: مشروع، باتفاق المسلمين.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وشدُّ الرحل إلى مسجده: مشروع باتفاق المسلمين، كما في الصحيحين عنه أنه قال ( لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدِ الأَقْصَى ).  رواه البخاري ( 1132 ) ومسلم ( 1397 ).

وفي الصحيحين عنه أنه قال: ( صَلاَةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلاَةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلاَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ ). رواه البخاري ( 1133 ) ومسلم ( 1394 ).

فإذا أتى مسجدَ النبي صلى الله عليه وسلم: فإنه يسلِّم عليه، وعلى صاحبيه، كما كان الصحابة يفعلون. ” الفتاوى الكبرى ”  ( 5 / 146 ).

ولكن مسألة الزيارة غير مسألة شد الرحل، والسفر لزيارة قبره.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله –:

وزيارة القبور من غير شدِّ رحل إليها مسألة, وشد الرحل لمجرد الزيارة مسألة أخرى. ” مجموع الفتاوى ” ( 27 / 193 ).

فالأُولى استحبها العلماء، وندبوا إليها, وأما الثانية – وهي شد الرحل والسفر لزيارة قبره صلى الله عليه وسلم، وقبر غيره -: فهي غير مشروعة.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وأما إذا كان قصده بالسفر زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم دون الصلاة في مسجده: فهذه المسألة فيها خلاف، فالذي عليه الأئمة ، وأكثر العلماء: أن هذا غير مشروع، ولا مأمور به؛ لقوله صلى الله عليه و سلم ( لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ مَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِي هَذَا وَالْمَسْجِدِ الأَقْصَى ).

” الفتاوى الكبرى ” ( 5 / 146 ).

 

 

 

* وقال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

لا يجوز السفر بقصد زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، أو قبر غيره من الناس، في أصح قولي العلماء ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى ) متفق عليه.

والمشروع لمن أراد زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وهو بعيد عن المدينة: أن يقصد بالسفر زيارة المسجد النبوي، فتدخل زيارة القبر الشريف وقبريْ أبي بكر، وعمر، والشهداء، وأهل البقيع، تبعًا لذلك.

وإن نواهما: جاز؛ لأنه يجوز تبعًا ما لا يجوز استقلالًا، أما نية القبر بالزيارة فقط: فلا تجوز مع شد الرحال، أما إذا كان قريباً لا يحتاج إلى شد رحال، ولا يسمى ذهابه إلى القبر سفرًا: فلا حرج في ذلك؛ لأن زيارة قبره صلى الله عليه وسلم، وقبر صاحبيه، من دون شد رحال: سنَّة، وقربة, وهكذا زيارة قبور الشهداء، وأهل البقيع، وهكذا زيارة قبور المسلمين في كل مكان، سنَّة، وقُربة، لكن بدون شد الرحال؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة ) أخرجه مسلم في صحيحه.

وكان صلى الله عليه وسلم يعلِّم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: ( السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية ) أخرجه مسلم أيضًا في صحيحه.

” فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 8 / 336 ).

وأما الأحاديث التي فيها الندب للسفر، وشدِّ الرحل لزيارة قبره صلى الله عليه وسلم: فهي غير صحيحة.

 

رابعًا:

أما كلام أولئك القبوريين، والطرقيين عن الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى، وأنه لم يزر قبر النبي صلى الله عليه وسلم في فترة مكثه في المدينة: فهو كذب عليه، وشهادة زور باء بها من شهد بها، فالشيخ رحمه الله من أعظم الناس في هذا العصر – نحسبه والله حسيبه – محبة، وتعظيمًا للنبي صلى الله عليه وسلم, ولا تخفى عليه مشروعية، بل استحباب زيارة القبور، سواء أكان قبر النبي صلى الله عليه وسلم، أو قبر غيره, كيف وهو رحمه الله قد قرر ذلك كثيرًا؟! وقد يبق النقل عنه بما يؤيد ذلك، حيث قال ” زيارة قبره صلى الله عليه وسلم، وقبر صاحبيه، من دون شد رحال: سنَّة، وقربة “، ولكنَّ الشيخ على مذهب أهل السنة في التفريق بين زيارة القبر، وبين السفر، وشد الرَّحل لزيارة القبر, فالثانية هي التي يمنعها الشيخ رحمه الله, وهو القول الصواب الذي عليه أهل السنة والجماعة، كما تقدم.

ثمَّ يقال: من الذي راقب الشيخ رحمه الله طيلة مكثه في المدينة النبوية حتى شهد تلك الشهادة الزائفة الباطلة؟!.

وأما إن قصدوا أنه لم يزر قبره صلى الله عليه وسلم في كل دخول على المسجد النبوي: فنعم صحيح؛ لأنه غير مشروع.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

فلهذا كان العمل الشائع في الصحابة – الخلفاء الراشدين، والسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار – أنهم يدخلون مسجده، ويصلون عليه في الصلاة، ويسلمون عليه، كما أمرهم الله ورسوله، ويدعون لأنفسهم في الصلاة مما اختاروا من الدعاء المشروع، كما في الصحيح من حديث ابن مسعود لمَّا علَّمه التشهد قال: ( ثم ليتخير بعد ذلك من الدعاء أعجبه إليه )، ولم يكونوا يذهبون إلى القبر، لا من داخل الحجرة، ولا من خارجها، لا لدعاء، ولا صلاة، ولا سلام، ولا غير ذلك من حقوقه المأمور بها في كل مكان، فضلا عن أن يقصدوها لحوائجهم كما يفعله أهل الشرك، والبدع؛ فإن هذا لم يكن يعرف في القرون الثلاثة، لا عند قبره، ولا قبر غيره، لا في زمن الصحابة، ولا التابعين ولا تابعيهم .

فهذه الأمور إذا تصورها ذو الإيمان والعلم: عرف دين الإسلام في هذه الأمور، وفرق بين من يعرف التوحيد، والسنَّة، والإيمان، ومن يجهل ذلك.

وقد تبين أن الخلفاء الراشدين، وجمهور الصحابة: كانوا يدخلون المسجد، ويصلون فيه على النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يسلمون عليه عند الخروج من المدينة ، وعند القدوم من السفر، بل يدخلون المسجد، فيصلون فيه، ويسلمون على النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يأتون القبر، ومقصود بعضهم التحية .

وأيضا فقد استحب لكل من دخل المسجد أن يسلِّم على النبي صلى الله عليه وسلم، فيقول: ” بسم الله والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك “، وكذلك إذا خرج يقول : ” بسم الله والسلام على رسول الله اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك “، فهذا السلام عند دخول المسجد كلما يدخل: يغني عن السلام عليه عند القبر، وهو من خصائصه، ولا مفسدة فيه.

” مجموع الفتاوى ” ( 27 / 413 – 415 ).

 

 

خامسًا:

وأما زعم أولئك الطرقيين – تقليدًا لغيرهم من أهل البدع – في أن الشيخ ابن باز رحمه الله، وعموم أهل السنة السلفيين لا يحبون النبي صلى الله عليه وسلم: فيرد عليها بما يلي:

  1. أنها – والله – شهادة زور، وهم مع وقوعهم في الشرك، والبدعة، لم يكتفوا بهما حتى أضافوا الكذب، والافتراء على عباد الله.

 

  1. وليست المحبة للنبي صلى الله عليه وسلم بعمل احتفال سنوي يختلط فيه الرجال بالنساء، وتُضرب الدفوف، وتُقرع فيه الطبول، بل المحبة له صلى الله عليه وسلم تكون باتباع سنَّته، والاقتداء بهديه، والذب عن دينه، قال تعالى: ( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) آل عمران/ 31، وأين أولئك من كل هذا مع ما عندهم من بدع، وخرافات، وآثام ؟!.

 

  1. وإذا كان عدم زيارة قبره صلى الله عليه وسلم في كل دخول للمسجد النبوي، وكان عدم الاحتفال بميلاده صلى الله عليه وسلم: أن ذلك يدل على عدم محبته صلى الله وسلم : فأول المتهمين بتلك التهمة الشنيعة هم أصحابه رضي الله عنهم ، الذين لم يفعلوا شيئًا من ذلك، وحاشاهم رضي الله عنهم، بل كانوا أعظم الناس محبة لنبيهم صلى الله عليه وسلم، وإنا لنرجو أن يرزقنا الله مثل تلك المحبة كما رزقهم إياها، وذلك بتوفيقنا لأن نلتزم هديه صلى الله عليه وسلم، ونقتفي أثره.

 

  1. عدم محبة النبي صلى الله عليه وسلم هو كفر، مخرج عن الملة، فكيف تجرأ أولئك- وغيرهم – على مثل هذا التكفير لأهل السنَّة؟! وليعلموا أنهم يحكمون بذلك الكفر على صحابة النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ هم رؤوس أهل السنَّة.

* قال الشيخ أبو بكر الجزائري – حفظه الله -:

يشاع بين المسلمين أن الذين ينكرون بدعة المولد هم أناس يبغضون الرسول – صلى الله عليه وسلم – ولا يحبونه، وهذه جريمة قبيحة كيف تصدر من عبد يؤمن بالله واليوم الآخر؟ إذ بغض الرسول – صلى الله عليه وسلم – أو عدم حبه كفر بواح لا يبقى لصاحبه أية نسبة إلى الإسلام والعياذ بالله تعالى.

” الإنصاف فيما قيل في المولد من الغلو والإجحاف ” ( ص 5 ).

 

  1. وحتى تعرف مقدار حب الشيخ ابن باز رحمه الله للنبي صلى الله عليه وسلم: استمع لهذا التسجيل الصوتي له, وكيف أنه بكى لمحبة النبي صلى الله عليه وسلم، وفداه بماله وأهله ونفسه.

http://www.islamway.com/?iw_s=Lesson&iw_a=view&lesson_id=50193

والله سبحانه نسأله أن يرحمه, وأن يجزل له الأجر، والمثوبة.

 

والله أعلم.

 

مسلمة عمرها 12 عاما والدها ملحد وأمها نصرانية يسبَّان ربها ونبيَّها فماذا تصنع؟

مسلمة عمرها 12 عاما والدها ملحد وأمها نصرانية يسبَّان ربها ونبيَّها فماذا تصنع؟

السؤال:

إن سؤالي طويل، ولكنه هام بالنسبة لي، وأرجو من الله أن تدركوا هذا.

إنني أبلغ من العمر اثني عشر عامًا، وأعيش مع أب ملحد، وأم مسيحية، وقد اعتنقتُ الإسلام مؤخرًا، إن والداي لم يرحبا باعتناقي الإسلام، والأسوأ من ذلك: أنهما منعاني من قراءة القرآن، ودخول المواقع الإسلامية، وإخبار الناس بإسلامي، ومقابلة المسلمين – سواء على النت، أو في الواقع -، ومنعوني ارتداء ثياب متواضعة، وأشياء اخري كثيرة، والسبب: ” فوبيا الإسلام ” الغبية، وغير العقلانية، لقد حاولت أن أريهم كيف هو الإسلام في الحقيقة، ولكن ما من شيء أقوله، أو أفعله يغيِّر من رأيهم.

في الواقع: إنهما يحاولان الآن أن يرياني كيف يحتقران الإسلام في كل كلمة، وكل فعل، من إلقاء النكات الغبية عن الإرهاب، وحتى سب الله والرسول صلى الله عليه وسلم بأقذع الألفاظ.

إن المشكلة تزداد سوءًا؛ لأنه نظرًا لأنني ما زلت صغيرة: فأنا لا استطيع القيام بأي شيء دون مساعدة والداي، فعلى سبيل المثال: لا تباع هنا الملابس الإسلامية؛ نظرًا لوجود قلة من المسلمين، ومن ثم أضطر إلى شراء الحجاب من الإنترنت، وأحتاج إلى بطاقات الائتمان الخاصة بهما من أجل إتمام عملية الشراء، كما أنني أدرس في مدرسة مسيحية ! وأحتاج إليهما لتغييرها، حيث أنني لا أستطيع القيام بذلك بنفسي، كما أنهما لا يتركاني أغادر البيت بمفردي، لذا فأنا أحتاج إليهما لكي يقوما بتوصيلي إلى المسجد، وهكذا، لذا فإن عدم موافقتهما تعني أيضًا عدم قدرتي على اتباع الدين بالكامل.

كما أنهما يجبرانني على القيام بأشياء تخالف الإسلام، مثل: الذهاب إلى الكنيسة، والرقص، وارتداء ملابس تجعل ذراعاي، وساقاي، وشعري: عارٍ جزئيًّا، أو تمامًا.

إنني قلقة بهذا الشأن، فالقرآن يأمرنا بطاعة الوالدين، واحترامهما، والإحسان إليهما، ولكنه لا يبد أي تهاون عندما يتعلق الأمر بمن يكرهون الإسلام، وأنا لا أعلم ماذا أفعل ، فإذا أطعت والداي: فسأقوم بالكثير من الأشياء التي تخالف الإسلام، وإذا قمت باحترامهما: فإنني بذلك أحترم من لا يحترمونني كمسلمة، وسأدعهما يقولان تلك الأشياء الرهيبة عن الإسلام، ولكني إذا لم أطعهما وأحترمهما فإنني بذلك أسلك مسلكا رهيبًا من وجهة نظر الإسلام، وأنا أعتقد أن كِلا الفعلين خطأ، فما الذي يجب عليَّ فعله؟.

وبارك الله فيكم.

 

 

الجواب:

الحمد لله

  1. نحن في غاية الفرح أن وصلتنا رسالتك، وفيها البشارة بدخولك في الإسلام، ونعتقد أن فرحتك بالانتساب لهذا الإسلام هي فرحة العمر؛ لأنه لا نعمة تسامي هذه النعمة الجليلة، فضلا عن وجود ما هو أعلى وأغلى منها.
  2. وأفرحنا جدًّا حبُّكِ للإسلام، ورغبتك بالتمسك بشرائعه، ونرى أن هذا من فضل الله تعالى عليكِ، حيث أننا نشعر أنك قد تذوقت حلاوة الإيمان، في وقت حُرمها كثيرون ممن ينتسب إلى الإسلام في الاسم والصورة.
  3. وآلمنا جدًّا ما عليه والداك من الكفر بالله تعالى، وآلمنا أكثر: سبُّهم لله تعالى، ولرسوله محمد صلى الله عليه وسلم، مع أن الرب تعالى هو ربُّهم، وخالقهم، ورازقهم، والنبي محمد صلى الله عليه وسلم هو نبيهم، ومرسل إليهم، فهل يظن والداك – ومن يفعل فعلهم -أن المسلمين سيتركون دينهم من أجل سبٍّ قبيح، أو تعليق تافه، أو نكات سخيفة، في حق ربنا تعالى، ودينه الخاتم للأديان، ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم؟! بل إنهم بذلك يزيدون من بغضنا لهم، ويجعلوننا نتمسك بهذا الدين العظيم، ولا نفرِّط فيه.

فاحذري أن تكوني سببًا في ذلك السب، والاستهزاء، والسخرية، وابذلي ما تستطيعين لئلا يشتموا ويسبوا، واصبري على ما تسمعينه منهما، وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم لسنوات كثيرة الأصنام تعلو ظهر الكعبة، ورأى تعظيمها، وعبادتها، فصبر على ما رأى، حتى جاء أمر الله، ففتحت مكة، وأزيل ما على ظهرها من أصنام وأوثان.

  1. أنتِ مأمورة بحسن التعامل مع والديك، والتلطف معهما بالقول والفعل، لكنك لست مأمورة بطاعتهما فيما هو معصية، فانظري ما يأمرانك به، وما يرغبان بوجوده منك: فإن كان أمرًا محرَّمًا، ورغبة مبغوضة للشرع: فلا تطيعينهما في ذلك، ولا تلبي رغبتهما؛ وقد أخبرنا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أنه لا طاعة لأحدٍ في معصية الله، والأمر بصحبتهما في الدنيا بالمعروف لا يتناقض مع عصيان أوامرهما المحرَّمة؛ لأننا نقدِّم طاعة الله تعالى على طاعة كل أحد، كائنًا من كان.
  2. واعلمي – أختنا – أن الله تعالى لا يكلفك فوق طاقتك، ونحن نعلم أن سنَّك الصغير – قانونًا لا شرعًا – يجعلك مقيَّدة في كثير من التصرفات، ويجعلك عاجزة عن كثير من الأفعال، فاعلمي أن الله تعالى قد عذركِ فيما تعجزين عن فعله، وفيما تُكرهين على فعله من قبَل والديك، قال تعالى: ( لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا ) البقرة/ من الآية 286، وقال تعالى: ( لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا ) الطلاق/ من الآية 7، وقال تعالى: ( فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ) التغابن/ من الآية 16، وقال النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ( وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ ). رواه البخاري ( 6858 ) ومسلم ( 1337 )، وقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ) رواه ابن ماجه ( 2045 ) وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه.
  3. واعلمي أن ما تستطيعين فعله مما أمرك به الإسلام، أو تستطيعين تركه مما نهاك عنه الإسلام: فإن عليك المبادرة والطاعة، دون أن يتسبب لك ذلك بأذية، أو ضرر، ولك اختلاق الأعذار لفعل الأمر، أو ترك النهي، بما ترينه مناسبًا، حسب الحال، والظرف، والمسألة، فترفضين الخروج معهم في مناسباتهم، وترفضين الذهاب الكنيسة بحجة الدراسة – مثلًا -، وهكذا بالنسبة للحفلات، والرقص، وما لا تقدرين على فعله من الأوامر، أو تركه من المعاصي: فلست آثمة في مخالفته.

وما يجبرانك عليه من محرمات فافعلي منها الحد الأدنى، فاجعلي اللباس أستر ما يكون، ولا تسهري في مناسبتهم الحفلة كاملة، وهكذا في سائر المحرمات.

  1. وننصحك بالتواصل مع الأخوات المسلمات، سواء بالمواجهة، أو عن طريق الإنترنت، وكما ننصحك بالتواصل مع المواقع الإسلامية النافعة لك في دينك، والتي تستفيدين منها لتقوية إيمانك، وتزدادين بها علمًا، ولا تلتفتي لمنع أبويهك من هذا، فطاعتهم فيها مضرة لك في دينك، وه ي غير لازمة لك شرعًا.
  2. واعلمي – أختنا – أن من سبقك بالإسلام قد عاش طائفة منهم في ظروف قاسية، حيث تعذيب الأبوين، وضربهم، ومعنهم من حقوقهم الإنسانية، وقد صبروا على ما أوذوا، واحتملوا ما أصابهم في سبيل الله، حتى جاءهم نصر الله، فنجاهم الله مما كانوا، وانقلبوا بنعمة من الله وفضل، وكانوا من الفائزين، فلا تيأسي مما أصابك، ولا تحزني على حالك، فأنت في رعاية الله، وتحت سمعه وبصره، واثبتي على ما أنتِ عليه من الهدى والحق، كما صبر من قبلك، واعلمي أن هذا اختبار من الله تعالى ليرى صدق إيمانك، فيجازيك عليه خير الجزاء، في الدنيا، والآخرة، وعسى الله أن يجعل نصره وتأييده لك عاجلاً غير آجل.
  3. والداك بحاجة لك لإنقاذهما من نار جهنم، ومن سخط الله، فنوصيك بإظهار خير صورة للمسلمة الحقة، بحسن التصرف معهما، وبرهما، والتلطف في مخاطبتهما، والعناية بطعامهما وشرابهما، والقيام على خدمتهما، فلعلهما أن يراجعا نفسيهما، ويخففا عنك الضغط، أو يتركانه، كما نوصيك بصدق الدعاء والطلب من الله أن يهديهما للإسلام، وأن يميتهما على الإيمان، وما ذلك على الله بعزيز، واسمعي لهذه القصة:

روى مسلم ( 2491 ) عن أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: كُنْتُ أَدْعُو أُمِّي إِلَى الْإِسْلَامِ وَهِيَ مُشْرِكَةٌ، فَدَعَوْتُهَا يَوْمًا فَأَسْمَعَتْنِي فِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَكْرَهُ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا أَبْكِي، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي كُنْتُ أَدْعُو أُمِّي إِلَى الإِسْلامِ فَتَأْبَى عَلَيَّ، فَدَعَوْتُهَا الْيَوْمَ فَأَسْمَعَتْنِي فِيكَ مَا أَكْرَهُ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَهْدِيَ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( اللَّهُمَّ اهْدِ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ ) فَخَرَجْتُ مُسْتَبْشِرًا بِدَعْوَةِ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا جِئْتُ فَصِرْتُ إِلَى الْبَابِ، فَإِذَا هُوَ مُجَافٌ، فَسَمِعَتْ أُمِّي خَشْفَ قَدَمَيَّ فَقَالَتْ: مَكَانَكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، وَسَمِعْتُ خَضْخَضَةَ الْمَاءِ، قَالَ: فَاغْتَسَلَتْ وَلَبِسَتْ دِرْعَهَا وَعَجِلَتْ عَنْ خِمَارِهَا، فَفَتَحَتْ الْبَابَ ثُمَّ قَالَتْ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَيْتُهُ وَأَنَا أَبْكِي مِنْ الْفَرَحِ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَبْشِرْ، قَدْ اسْتَجَابَ اللَّهُ دَعْوَتَكَ وَهَدَى أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ خَيْرًا.

  1. ولا ننصحك بالهرب من البيت، والخروج منه ؛ فإن مفاسد ذلك أكثر من بقائك فيه، وإن من قد يؤويك فإنه يعرِّض نفسك لأقسى العقوبات في قوانين بلادكم الجائرة، فليس أمامنا من صح لك إلا الصبر، وقطع التفكير في الهروب من البيت.

 

وأخيرًا: ننبهك إلى عدم جواز إطلاق لفظ ” مسيحية ” على أمك، أو غيرها، وقد فصلنا القول في هذا من قبل.

 

ونسأل الله العلي القدير أن يثبتك على الهدى والرشاد، وأن يعافيك في دينك وبدنك، وأن يهدي أبويك للإسلام، وأن يقر عينيك بهما مؤمنين صالحين، في الدنيا، والآخرة.

 

ونرجو منك أن تبقي على تواصل معنا، ونحن أهلك، وإخوانك، وملايين المسلمين سيتأثرون لرسالتك هذه، وسيدعون لك بصدق وإخلاص، فاثبتي وأحسني الظن بربك تعالى أنه ينصرك، ويؤيدك، وعسى أن يكون ذلك قريبًا.

 

والله الموفق.

 

من كان له زوجتان وكانت إحداهما في درجة أعلى منه فهل يُلحق هو والأخرى بها؟

من كان له زوجتان وكانت إحداهما في درجة أعلى منه فهل يُلحق هو والأخرى بها؟

السؤال:

قرأت في الحديث أنه إذا كان منزلة الوالدين أعلى من منزلة الأبناء في الجنة فإن الله برحمةٍ منه وفضل يرفع الأبناء إلى درجة الوالدين، والعكس، وأنه أيضًا إذا كانت منزلة الزوجة، أو الزوج أعلى أحدهما من الآخر بما قدم من أعمال أفضل: فإن الله بفضله يرفعه إلى منزلة الآخر، ولكن السؤال هنا:

إذا كان الرجل له زوجتان، وكانت إحداهما في درجة أعلى من الأخرى: فهل تُرفع الزوجة الأقل درجة هي والزوج إلى منزلة الزوجة الأعلى درجة، مع أنها اجتهدت في الدنيا أكثر؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

ما ذكره الأخ السائل في مقدمة سؤاله ليس ثمة دليل عليه من السنَّة صحيح ، فيما نعلم، والصحيح أنها موقوفات على الصحابة، ومقطوعات على التابعين، فمَن بعدهم.

فعن عَمْرُو بنِ مُرَّةَ قال: سَأَلْت سَعِيدَ بن جُبَيْرٍ عن هذه الآيَةِ ( وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَأَتْبَعْنَاهُمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ بِإِيمَانٍ ) قال: قال ابن عَبَّاسٍ: الْمُؤْمِنُ تُرْفَعُ له ذُرِّيَّتُهُ لِيُقِرَّ اللَّهُ عز وجل عَيْنَهُ، وَإِنْ كَانُوا دُونَهُ في الْعَمَلِ. رواه االطحاوي في ” شرح مشكل الآثار ” ( 3 / 105 )، وصححه المحققون.

وقد ذكر الطحاوي رحمه الله أنه في حكم المرفوع، وكذا قال الشيخ الألباني رحمه الله، ولذلك خرجه في ” السلسلة الصحيحة ” ( 2490 ).

وقد جاء النص على مثله في كتاب الله تعالى، في قوله ( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ) الطور/ 21.

– وقد ذكرنا في جواب سابق أن الإلحاق في الجنة في الدرجات يكون لصغار الذرية، ولمن يكون مع الأسرة في ذات البيت، لا لمن استقل منهم بزواج.

ثانيًا:

والزوجة إن كانت في الجنة في درجة أعلى من زوجها: فإن الله تعالى يجمع بينها وبين زوجها فيها، بأن يلحقه بها في درجتها، دون أن يُنقص من درجتها شيئًا.

وعليه: فإن زوجها، وأولادها منه يلتحقون بتلك المرأة الصالحة – الزوجة لها، والأم لهم – في درجتها في الجنة؛ لتقر عينها، وتسعد تلك الأسرة.

وفي مثل هذه الحال فإنه يصير الزوج في درجة عالية في الجنة، ولنفرض أن له زوجة أخرى، وأولادًا منها، وهم دون تلك المنزلة التي صار فيها: فإنه يُرجى أن يقر الله عيونهم جميعًا بالالتقاء في تلك المنزلة العالية، اجتماعاً لتلك الأسرة، وتحقيقًا للسعادة التي وعدهم الله تعالى بها، ويدل عليه ما ذكرناه من الآية، وما أحلنا عليه من الأجوبة.

فتصير تلك الزوجة الصالحة سببًا في ارتفاع درجة زوجها، وأولادها منه، ثم يكون الزوج سببًا في ارتفاع درجة زوجته الأخرى، وأولادهما.

وفضل الله تعالى عظيم، ورحمته واسعة، وبما قلناه يتحقق دعاء الملائكة حملة العرش في قولهم ( رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) غافر/ 8 .

ويتحقق وعد الله تعالى لهم في قوله:  ( وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ. جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ ) الرعد/ 22 ، 23.

* قال الطاهر بن عاشور – رحمه الله -:

وفي هذه الآية بشرى لمن كان له سلف صالح، أو خلَف صالح، أو زوج صالح، ممن تحققت فيهم هذه الصلاة: أنه إذا صار إلى الجنَّة: لحِق بصالح أصوله، أو فروعه، أو زوجه، وما ذكر الله هذا إلا لهذه البشرى، كما قال الله تعالى: ( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شِيْءٍ ) الطور/ 21.

والآباء يشمل الأمهات، على طريقة التغليب، كما قالوا: الأبوين.

”  التحرير والتنوير ” ( 13 / 131، 132 ).

واجتماع الرجل بزوجاته في الجنة يدل عليه عموم الآيات السابقة، كما تدل عليه مخصوصة على أحد أقوى الأقوال فيها، ومنها:

  1. قوله تعالى ( ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ ) الزخرف/ 70.

ومعنى ( تُحبرون ): أي: تُنعَّمون، وتُسرُّون.

  1. وقوله تعالى ( إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ . هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ ) يـس/ 55، 56.

* قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله – في تفسير آية الزخرف -:

قوله تعالى في هذه الآية ( وأزواجكم ) فيه لعلماء التفسير وجهان :

أحدهما: أن المراد بأزواجهم: نظراؤهم، وأشباههم، في الطاعة، وتقوى الله، واقتصر على هذا القول: ابن كثير .

والثاني: أن المراد بأزواجهم: نساؤهم في الجنة؛ لأن هذا الأخير أبلغ في التنعم، والتلذذ، من الأول .

ولذا يكثر في القرآن، ذكر إكرام أهل الجنة، بكونهم مع نسائهم، دون الامتنان عليهم بكونهم مع نظرائهم وأشباههم في الطاعة  .

قال تعالى: ( إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ. هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ ) يـس/ 55، 56.  ” أضواء البيان ” ( 7 / 142 ).

 

ونسأل الله أن يدخلنا وإياكم الجنة، مع أهالينا، وذرارينا، من غير حساب، ولا عذاب.

 

والله أعلم.

 

 

 

معنى حياة طيبة في القرآن، وهل تتعارض مع البلاء الذي يقع على المؤمن؟

هناك بعض الأمور التي تظهر لي أن فيها تعارضًا, واحتاج منكم أن تنوروني بعلمكم، جزاكم الله خيرًا.

السؤال:

نجد أن الصالحين يُبتلوا في الدنيا، وعلى قدر قوة الإيمان يزيد البلاء، والله يقول في القرآن – من الشاهد -: ( فَلَنُحْيينَّهُم حَيَاةً طَيِّبَةً ).

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا بد أن يعلم المسلم أن شريعة الله لا يقع فيها تعارض البتة؛ لأنها وحي منه عز وجل، قال الله سبحانه وتعالى: ( وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى ) النجم/ 3، 4 ، والوحي يستحيل وقوع الاختلاف والتناقض فيه؛ لقوله تعالى: ( وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا ) النساء/ 82.

 * قال ابن جرير الطبري – رحمه الله -:

وأن الذي أتيتَهم به من التنزيل من عند ربهم، لاتساق معانيه، وائتلاف أحكامه، وتأييد بعضه بعضًا بالتصديق، وشهادة بعضه لبعض بالتحقيق: فإن ذلك لو كان من عند غير الله: لاختلفت أحكامه، وتناقضت معانيه، وأبان بعضه عن فساد بعض.

” تفسير الطبري ”  ( 4 / 182 ).

* قال الشاطبي – رحمه الله -:

كل مَن تحقق بأصول الشريعة: فأدلتها عنده لا تكاد تتعارض، كما أن كل من حقق مناط المسائل: فلا يكاد يقف في متشابه؛ لأن الشريعة لا تعارَض فيها البتة.

” الموافقات ” ( 5 / 341 ).

وقد كان الإمام ابن خزيمة رحمه الله – وهو ممن اشتهر عنه الجمع بين الأحاديث التي ظاهرها التعارض – يقول: ” لا أعرف حديثين متضادين، ومن كان عنده فليأتني به لأؤلف بينهما “.

– انظر ” تدريب الراوي ” ( 2 / 196 ).

 

 

 

 

ثانيًا:

لا شك أن عِظَم الجزاء مِن عِظَم البلاء, وأن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم, وفي الابتلاء للعبد حكَم وفوائد كثيرة، في الدنيا، والآخرة.

ثالثًا:

وأما معنى ” الحياة الطيبة ” الوارد ذِكرها في قوله تعالى: ( مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) النحل/ 97: فالأقوال فيها متنوعة، وليس منها أن  الله يفتح للمؤمن العامل للصالحات الدنيا، ويقيه الحزن، والفقر، والسوء، فالواقع يشهد بغير هذا – بل إن أولئك من أكثر الناس ابتلاء بمثل هذا – ولا قائل به من أهل التفسير، وجماع معنى الحياة الطيبة في الآية: حياة القلب، وسعادته، وانشراحه، وإذا رُزق شيئا من متاع الدنيا فيكون حلالًا يقنع به، وعلى ذلك جاءت أقوال المفسرين من أهل التحقيق.

  1. ذَكر الإمام الطبري رحمه الله أقوال العلماء في معنى ” الحياة الطيبة “، وهي:

أ. يحييهم في الدنيا ما عاشوا فيها بالرزق الحلال.

ب. يرزقهم القناعة.

ج. الحياة الطيبة: الحياة مؤمنًا بالله عاملا بطاعته.

د. الحياة الطيبة: السعادة.

هـ. الحياة في الجنة.

واختار رحمه الله من هذه الأقوال – غير المتضادة -: القول الثاني، فقال:

وأولى الأقوال بالصواب: قول من قال: تأويل ذلك: فلنحيينه حياة طيبة بالقناعة؛ وذلك أن من قنعه الله بما قسم له من رِزق: لم يَكثر للدنيا تعبُه، ولم يعظم فيها نَصَبه، ولم يتكدّر فيها عيشُه باتباعه بغية ما فاته منها وحرصه على ما لعله لا يدركه فيها.

وإنما قلت ذلك أولى التأويلات في ذلك بالآية: لأن الله تعالى ذِكْره أوعد قومًا قبلها على معصيتهم إياه إن عصوه: أذاقهم السوء في الدنيا، والعذاب في الآخرة، فقال تعالى: ( وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ) فهذا لهم في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب عظيم، فهذا لهم في الآخرة، ثم أتبع ذلك لمَن أوفى بعهد الله وأطاعه فقال تعالى: ” مَا عِِنْدَكُم في الدنيا ينفد، وما عند الله باق “، فالذي ( أوعد أهل المعاصي بإذاقتهم ) هذه السيئة بحكمته ( أراد ) أن يعقب ذلك الوعد لأهل طاعته بالإحسان في الدنيا، والغفران في الآخرة، وكذلك فَعَلَ تعالى ذكره.

وأما القول الذي رُوي عن ابن عباس أنه الرزق الحلال: فهو مُحْتَمَل أن يكون معناه الذي قلنا في ذلك، من أنه تعالى يقنعه في الدنيا بالذي يرزقه من الحلال، وإن قلّ: فلا تدعوه نفسه إلى الكثير منه من غير حله، لا أنه يرزقه الكثير من الحلال؛ وذلك أن أكثر العاملين لله تعالى بما يرضاه من الأعمال: لم نرهم رُزِقوا الرزق الكثير من الحلال في الدنيا، ووجدنا ضيق العيش عليهم أغلب من السعة.

” تفسير الطبري ” ( 17 / 291 ، 292 ).

ب. * وقال ابن القيم – رحمه الله -:

وأطيب العيش واللذة على الإطلاق: عيش المشتاقين، المستأنسين، فحياتهم: هي الحياة الطيبة في الحقيقة، ولا حياة للعبد أطيب، ولا أنعم، ولا أهنأ منها، فهي الحياة الطيبة المذكورة في قوله تعالى ( مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ) وليس المراد منها الحياة المشتركة بين المؤمنين والكفار، والأبرار والفجار، من طيب المأكل، والمشرب، والملبس، والمنكح، بل ربما زاد أعداء الله على أوليائه في ذلك أضعافًا مضاعفة، وقد ضمن الله سبحانه لكل مَن عمل صالحًا أن يحييه حياة طيبة، فهو صادق الوعد الذي لا يخلف وعده، وأي حياة أطيب من حياة اجتمعت همومه كلها، وصارت هي واحدة في مرضات الله، ولم يستشعب قلبه، بل أقبل على الله، واجتمعت إرادته، وإنكاره التي كانت منقسمة بكل واد منها شعبة على الله، فصار ذكر محبوبه الأعلى، وحبه، والشوق إلى لقائه، والأنس بقربه، وهو المتولى عليه، وعليه تدور همومه، وإرادته، وتصوره، بل خطرات قلبه ….

” الجواب الكافي ” ( ص 129 ، 130 ).

وقال – رحمه الله – أيضًا -:

وقد جعل الله الحياة الطيبة لأهل معرفته، ومحبته، وعبادته، فقال تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ).

وقد فُسرت الحياة الطيبة: بالقناعة، والرضى، والرزق الحسن، وغير ذلك، والصواب: أنها حياة القلب، ونعيمه، وبهجته، وسروره بالإيمان، ومعرفة الله، ومحبته، والإنابة إليه، والتوكل عليه؛ فإنه لا حياة أطيب من حياة صاحبها، ولا نعيم فوق نعيمه، إلا نعيم الجنة، كما كان بعض العارفين يقول: ” إنه لتمر بي أوقات أقول فيها: إن كان أهل الجنة في مثل هذا: إنهم لفي عيش طيب “، وقال غيره: ” إنه ليمر بالقلب أوقات يرقص فيها طربًا “.  ” مدارج السالكين ” ( 3 / 259 ).

والأقوال في هذا المعنى كثيرة، وكلها تدل على أن الحياة الطيبة هي حياة معنوية، يعيشها قلب المؤمن مطمئنًا بقضاء الله تعالى، ومنشرحًا بما قدره عليه، وسعيدًا بإيمانه بربه تعالى، وليس المراد من الحياة الطيبة – قطعًا – النعيم البدني، وانعدام الأمراض، وعدم تقدير الفقر، وضيق العيش، بل إن هذا لم يقله أحد من المفسرين، والعلماء.

وننبه إلى أن القول بأن الحياة الطيبة هو في الجنة: بعيد عن معنى الآية؛ لأن الله تعالى ذكر بعدها نعيم الجنة لمن آمن وعمل صالحًا.

* قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله -:

وفي الآية الكريمة قرينة تدل على أن المراد بالحياة الطيبة في الآية: حياته في الدنيا حياة طيبة، وتلك القرينة هي أننا لو قدرنا أن المراد بالحياة الطيبة: حياته في الجنة في قوله: ( فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ): صار قوله: ( وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ): تكرارًا معه؛ لأن تلك الحياة الطيبة هي أجر عملهم، بخلاف ما لو قدرنا أنها في الحياة الدنيا، فإنه يصير المعنى: فلنحيينه في الدنيا حياة طيبة، ولنجزينه في الآخرة بأحسن ما كان يعمل، وهو واضح ، وهذا المعنى الذي دل عليه القرآن: تؤيِّده السنة الثابتة عنه صلى الله عليه وسلم … ” أضواء البيان ” ( 2 / 441 ).

رابعًا:

والحياة الطيبة للمؤمن في الدنيا لا تنافي الابتلاء ؛ وذلك لأسباب:

  1. المسلم يعلم أن رفع الدرجات، وتكفير السيئات، وبلوغ الغايات: لا يمكن أن تنال إلا على جسر من الابتلاءات، والامتحانات, ولذلك كان السلف يفرحون بالابتلاء؛ لما يرجون من الثواب، والجزاء, كما جاء في الحديث عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يُوعَكُ فَوَضَعْتُ يَدِي عَلَيْهِ، فَوَجَدْتُ حَرَّهُ بَيْنَ يَدَىَّ فَوْقَ اللِّحَافِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَشَدَّهَا عَلَيْكَ قَالَ: ( إِنَّا كَذَلِكَ يُضَعَّفُ لَنَا الْبَلاَءُ وَيُضَعَّفُ لَنَا الأَجْرُ ) قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلاَءً؟ قَالَ: ( الأَنْبِيَاءُ ) قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ( ثُمَّ الصَّالِحُونَ إِنْ كَانَ أَحَدُهُمْ لَيُبْتَلَى بِالْفَقْرِ حَتَّى مَا يَجِدُ أَحَدُهُمْ إِلاَّ الْعَبَاءَةَ يحوِيهَا وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمْ لَيَفْرَحُ بِالْبَلاَءِ كَمَا يَفْرَحُ أَحَدُكُمْ بِالرَّخَاءِ ).

رواه ابن ماجه ( 4024 ) ، وصححه الألباني في ” صحيح ابن ماجه “.

وهذا الفرح غير مسألة تمني البلاء, فتمني البلاء لا يجوز، كما جاء في الحديث عن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِى أَوْفَى رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: (أَيُّهَا النَّاسُ، لاَ تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ، وَسَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ ).

رواه البخاري ( 6810 ) ومسلم ( 1742 ).

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

وإذا تأملت حكمته سبحانه فيما ابتلى به عباده، وصفوته بما ساقهم به إلى أجلِّ الغايات، وأكمل النهايات التي لم يكونوا يعبرون إليها إلا على جسر من الابتلاء والامتحان … وكان ذلك الابتلاء والامتحان عين الكرامة في حقهم، فصورته صورة ابتلاء، وامتحان، وباطنه فيه الرحمة والنعمة، فكم لله مِن نعمة جسيمة، ومنَّة عظيمة، تُجنى من قطوف الابتلاء، والامتحان، فتأمل حال أبينا آدم صلى الله عليه وسلم ، وما آلت إليه محنته، من الاصطفاء، والاجتباء، والتوبة، والهداية، ورفعة المنزلة … وتأمل حال أبينا الثاني نوح صلى الله عليه وسلم، وما آلت إليه محنته، وصبره على قومه تلك القرون كلها، حتى أقر الله عينه، وأغرق أهل الأرض بدعوته، وجعل العالم بعده من ذريته، وجعله خامس خمسة، وهم أولو العزم الذين هم أفضل الرسل, وأمَر رسولَه ونبيه محمَّدًا أن يصبر كصبره، وأثنى عليه بالشكر، فقال: ( إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا ) فوصفه بكمال الصبر، والشكر، ثم تأمل حال أبينا الثالث إبراهيم صلى الله عليه وسلم إمام الحنفاء، وشيخ الأنبياء، وعمود العالم، وخليل رب العالمين من بني آدم، وتأمل ما آلت إليه محنته، وصبره، وبذله نفسه لله، وتأمل كيف آل به بذله لله نفسه، ونصره دينه إلى أن اتخذه الله خليلًا لنفسه … وضاعف الله له النسل، وبارك فيه، وكثر، حتى ملؤوا الدنيا، وجعل النبوة والكتاب في ذريته خاصة، وأخرج منهم محمَّدًا صلى الله عليه وسلم وأمَره أن يتبع ملة أبيه إبراهيم ….

فإذا جئت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وتأملت سيرتَه مع قومه، وصبره في الله، واحتماله ما لم يحتمله نبي قبله، وتلون الأحوال عليه، مِن سِلْم وخوف، وغنى وفقر، وأمن وإقامة، في وطنه وظعن عنه، وتركه لله، وقتل أحبابه، وأوليائه بين يديه، وأذى الكفار له بسائر أنواع الأذى، من القول، والفعل، والسحر، والكذب، والافتراء عليه، والبهتان، وهو مع ذلك كله صابر على أمر الله، يدعو إلى الله ، فلم يؤذ نبي ما أوذي، ولم يحتمل في الله ما احتمله، ولم يعط نبي ما أعطيه، فرفع الله له ذِكره، وقرن اسمه باسمه، وجعله سيد الناس كلهم، وجعله أقرب الخلق إليه وسيلة، وأعظمهم عنده جاهًا، وأسمعهم عنده شفاعة، وكانت تلك المحن والابتلاء عين كرامته، وهي مما زاده الله بها شرفًا، وفضلًا، وساقه بها إلى أعلى المقامات، وهذا حال ورثته من بعده، الأمثل، فالأمثل، كلٌّ له نصيب من المحنة، يسوقه الله به إلى كماله بحسب متابعته له.

” مفتاح دار السعادة ” ( 1 / 299 – 301 ).

  1. والمسلم جنته في صدره, ولو كان مكبَّلا بأصناف البلاء, يقول ابن القيم – يصف حال شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وهو يتنقل في أصناف من البلاء والاختبار -:

قال لي مرة – يعني: شيخ الإسلام – ما يصنع أعدائي بي؟! أنا جنتي وبستاني في صدري، أنَّى رحت فهي معي لا تفارقني، إنّ حبْسي خلوة، وقتْلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة “. وكان يقول في محبسه في القلعة: ” لو بذلت ملء هذه القلعة ذهبًا ما عدل عندي شكر هده النعمة “، أو قال: ” ما جزيتهم على ما تسببوا لي فيه من الخير “، ونحو هذا.

وكان يقول في سجوده وهو محبوس: ” اللهم أعنِّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ما شاء الله، وقال لي مرة: ” المحبوس من حُبس قلبه عن ربه تعالى، والمأسور من أسره هواه “، ولما دخل إلى القلعة وصار داخل سورها نظر إليه وقال: ( فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ ) الحديد/ من الآية 13، وعلم الله ما رأيتُ أحدًا أطيب عيشًا منه قط ، مع كل ما كان فيه من ضيق العيش، وخلاف الرفاهية والنعيم، بل ضدها، ومع ما كان فيه من الحبس، والتهديد، والإرهاق، وهو مع ذلك من أطيب الناس عيشًا، وأشرحهم صدرًا، وأقواهم قلبًا، وأسرهم نفسًا، تلوح نضرة النعيم على وجهه، وكنا إذا اشتد بنا الخوف، وساءت منا الظنون، وضاقت بنا الأرض: أتيناه، فما هو إلا أن نراه، ونسمع كلامه، فيذهب ذلك كله، وينقلب انشراحًا، وقوةً، ويقينًا، وطمأنينة، فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه، وفتح لهم أبوابها في دار العمل، فأتاهم من روحها، ونسيمها ، وطيبها، ما استفرغ قواهم لطلبها والمسابقة إليها.

” الوابل الصيب ” ( ص 110 ).

فهذه الجنة التي وجدها شيخ الإسلام ، ويجدها أهل الإيمان والتقوى، من انشراح الصدر، والبال ومن الطمأنينة, والعيش بين الشكر والصبر: لهي والله السعادة التي ينشدها العقلاء، ويطلبها الصالحون، ويسعى إليها الساعون.

وهذه والله هي حقيقة الحياة الطيبة التي وعدهم الله إياها في الدنيا.

رزقنا الله وإياكم  إياها, وجعلنا من أهلها.

 

والله أعلم.

طرق الحصول على العناوين البريدية للآخرين لتسويق السلع بمراسلتهم عليها، وحكمها

طرق الحصول على العناوين البريدية للآخرين لتسويق السلع بمراسلتهم عليها، وحكمها

السؤال:

أنا أعمل في مجال التسويق الإلكتروني، ومن مهام عملي: عرض خدمات الشركة على عملاء جدد، أي: الترويج، والإعلان عن خدماتنا، ومنتجاتنا، عن طريق البريد الإلكتروني، فهناك برامج معدة لتجلب الإيميلات المسجلة على أي موقع أحدده.

فهل استخدام مثل هذه البرامج لهذا الغرض به أي شبهة؟.

وهل هناك فرق بين المواقع، والمنتديات، والأدلة في ذلك؛ حيث أن الأدلة تعرض مواقع لشركات، والشركات تعرض إيميلاتها للجميع، فهل ممكن أستخدم هذه البرامج في جمعها لتيسير الأمر عليَّ؟.

علما أن منها برامج مرخصة، وأستطيع أن أشتريها إذا تطلب الأمر.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

ينبغي أن تعلم – أخي الفاضل – أن العمل في التسويق التجاري، العادي، والإلكتروني: جائز من حيث الأصل، ويقف الجواز عندما يكون التسويق لمواقع تحتوي على سلع وبضائع محرمة، كمواقع بيع الأشرطة الغنائية، أو كتب البدعة والفسوق، أو بيع الأدوات الموسيقية، أو اللحوم المحرَّمة، أو المجلات الفاسدة، وما يشبه ذلك من المحرمات في شرعنا.

 

ثانيًا:

وأما بخصوص الحصول على البريد الإلكتروني للآخرين؛ لتسويق البضائع والسلع بمراسلتهم عليه: ففيه تفصيل:

  1. إذا كان الموقع – أو المنتدى – الذي يُعطي البريد الإلكتروني للمنتسب له يخبره في الأصل وقبل الموافقة على الانتساب له أنه من حقه بيع القوائم البريدية لشركات ومواقع التسويق: فلا حرج عليهم من ذلك، ولا حرج عليكم من التعامل مع تلك المواقع والمنتديات، والحصول على القوائم البريدية التي يملكونها.
  2. وإذا كان الموقع – أو المنتدى – لم يخبر المنتسبين له بحقه في بيع قوائمه البريدية: فلا يحل له الاستيلاء عليها لبيعها؛ لأنه مؤتمن عليها، ولا يحل لكم التعامل مع تلك المواقع والمنتديات.
  3. لا يجوز استعمال برامج الاختراق – الهكر – للوصول إلى قوائم بريد موقع، أو منتدى؛ لأن هذا من التعدي على خصوصيات الآخرين ، وهو اختلاس، يحرُم فعله، وليس كل من حصل على بريد غيره فيريد التسويق ومراسلته عليه، بل بعضهم يتعدى على البريد الخاص ، ويخترقه ليرى ما فيه من رسائل، وخصوصيات، وليس الأصل في البريد أنه شيء عام، وإلا لم نر الكثيرين يخفون عناوينهم البريدية في المواقع، ويغضبون من نشرها.
  4. من أظهر بريده في موقع، أو منتدى: فيجوز مراسلته لتسويق السلع المباحة له، ويجوز استعمال برامج معينة تجمع تلك العناوين البريدية؛ لمراسلتهم.
  5. وإذا تمت مراسلة أصحاب تلك العناوين البريدية فيجب أن يوجد في الرسالة إمكانية لكي يبدي المراسَل رغبته بإلغاء الاشتراك في تلك القائمة، وعدم مراسلته مجددا، فإظهاره لبريده لا يعني رغبته بأن يستقبل عليه رسائل تسويقية، فإذا ما أبدى رغبته بعدم ذلك: فيجب احترام تلك الرغبة، ولا يجوز مراسلته مرة أخرى.

 

والله أعلم.

 

المصاهرة بين آل البيت والصحابة، أمثلتها، ودلالاتها

المصاهرة بين آل البيت والصحابة، أمثلتها، ودلالاتها

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

أهل السنَّة والجماعة يتولون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وآل بيته, ويتقربون إلى الله تعالى بمحبتهم، والذود عنهم.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وكذلك ” أهل بيت رسول الله ” تجب محبتهم، وموالاتهم، ورعاية حقهم.

” مجموع الفتاوى ” ( 28 / 491 ).

ثانيًا:

والعلاقة بين الصحابة، وآل بيت النبوة: كانت تقوم على المحبة، والمودة، وتبادل الاحترام، والتقدير، بل تعدت إلى المصاهرة، والتزويج.

ومن ذلك: أن عليًّا رضي الله عنه زوَّج ابنته أم كلثوم لعمر بن الخطاب رضي الله عنهم .

* قال الذهبي – رحمه الله -:

وروى عبد الله بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده أن عمر تزوَّجها فأصدقها أربعين ألفًا.

قال أبو عمر بن عبد البر: قال عمر لعلي: زوجنيها أبا حسن، فإني أرصد من كرامتها ما لا يرصد أحد … ” سير أعلام النبلاء ” ( 3 / 501 )، وانظر ” الإصابة في تمييز الصحابة ” ( 4 / 119 ).

وهذه هي المصاهرة التي تمَّت بين علي رضي الله عنه وبين الخليفة الراشد عمر رضي الله عنه, وهذا متفق عليه حتى في كتب الشيعة، ولم تحدث بين علي وبين الخلفاء الراشدين إلا هذه المصاهرة, وأما بين أولاده وأولاد الخلفاء الراشدين: فقد تمَّت كثير من المصاهرات: فقد تزوج الحسين بن علي رضي الله عنهما حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق.

وأم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصدِّيق هي أم جعفر الصادق, وأمها هي أسماء بنت عبد الرحمن بنت أبي بكر الصديق، وزوجها هو محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين، فكان جعفر الصادق يفتخر ويقول: ولدني أبو بكر مرتين، فهو ينتسب من جهة الأب والأم إلى أبي بكر الصدِّيق رضي الله عنه.

وأما بين علي رضي الله وذريته وبين الصحابة: فهي كثيرة ، فقد تزوج علي من أمامة بنت أبي العاص بن الربيع الأموي, وأمها: زينب بنت رسول الله، وتزوج الحسين بن علي رضي الله عنه من عاتكة بنت زيد، وهي بنت عم عمر بن الخطاب، وتزوجت رملة بنت علي بن أبي طالب من معاوية بن مروان بن الحكم الأموي، وتزوجت فاطمة بنت علي بن أبي طالب من عبد الرحمن بن عبد الله المخزومي، وتزوجت سكينة بنت الحسين من مصعب بن الزبير, وفاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب تزوجها الحسن المثنى، ثم عبد الله بن عمرو بن عثمان الأموي، وتزوجت أم القاسم بنت الحسن المثنى من مروان بن أبان بن عثمان الأموي.

ولمزيد من الفائدة انظر كتاب ” الأسماء والمصاهرات بين أهل البيت والصحابة رضوان الله عليهم” لأبي معاذ السيد بن أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي.

ثالثًا:

وهذه المصاهرات تدل  قطعا على روابط الصلة، والمحبة، والتواد، والتراحم آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وبين الصحابة الأجلاء, ولا التفات إلى ما تزعمه الرافضة من محاولة إبراز شقاق، وخلاف بينهم, وتقطع لأواصر الأخوَّة بينهم، وهم على ما وصفهم به ربهم تعالى: ( رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ) الفتح/ من الآية 29.

فهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه كان يقول:  وَالَّذِى نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَرَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَحَبُّ إِلَىَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِي. رواه البخاري ( 3508 ).

وكذلك كان الحال مع علي رضي الله عنه ، وذريته, رضي الله عنهم أجمعين، وجمعنا بهم في جنات النعيم.

 

والله أعلم.