الرئيسية بلوق الصفحة 63

نبذة عن حياة عمر بن عبد العزيز، وذِكر شيء من سيرته

نبذة عن حياة عمر بن عبد العزيز، وذِكر شيء من سيرته

السؤال:

كيف كان عمر بن عبد العزيز في خلافته؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا شك أن معرفة سيرة السلف الصالح، وتراجم الخلفاء: أمر حسنٌ مندوب إليه, وخاصة الحقبة الأولى من القرون المفضلة الذين كانوا مثالًا عاليًا في كل الصفات، وفي معرفة تراجمهم دافع للمسلم للاقتداء بهم، والتأسي بأفعالهم، وأخلاقهم، ومآثرهم, وخاصة في مثل هذا الوقت التي أصبحت فيه القدوة، والأسوة، للساقط من الناس، من الممثلين، والمغنيين، وأشباههم.

 

ثانيًا: 

عصرُ عمر بن عبد العزيز كان عصرًا مميَّزًا عن العصور التي بعده, وكانت سيرته أشبه بسيرة الخلفاء الراشدين، وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى عصره,  وأثنى عليه، فعَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ سَمُرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: ( لاَ يَزَالُ الإِسْلاَمُ عَزِيزًا إِلَى اثْنَيْ عَشَرَ خَلِيفَةً ) ثُمَّ قَالَ كَلِمَةً لَمْ أَفْهَمْهَا، فَقُلْتُ لأَبِي: مَا قَالَ؟ فَقَالَ: ( كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ ).

رواه البخاري ( 6796 ) ومسلم ( 1821 ) – واللفظ له -.

* قال ابن حجر- رحمه الله – في بيان تعداد أولئك الخلفاء -:

في بعض طرق الحديث الصحيحة ( كُلُّهُم يَجْتَمِعُ عَلَيْهِ النَّاسُ )، وإيضاح ذلك: أن المراد بالاجتماع: انقيادهم لبيعته، والذي وقع: أن الناس اجتمعوا على أبي بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، إلى أن وقع أمر الحكَمين في صفِّين، فسمِّيَ معاوية يومئذ بالخلافة، ثم اجتمع الناس على معاوية عند صلح الحسن، ثم اجتمعوا على ولده يزيد … ثم لما مات يزيد وقع الاختلاف إلى أن اجتمعوا على عبد الملك بن مروان … ثم اجتمعوا على أولاده الأربعة: الوليد، ثم سليمان، ثم يزيد، ثم هشام، وتخلل بين سليمان ويزيد: عمر بن عبد العزيز، فهؤلاء سبعة بعد الخلفاء الراشدين، والثاني عشر هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك، اجتمع الناس عليه، لمَّا مات عمه هشام.

” فتح الباري ”  ( 13 / 214 ).

 

 

 

وقد عدَّ كثير من العلماء عمرَ بن عبد العزيز رحمه الله من مجددي هذا الدين.

عنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ( إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا ).

رواه أبو داود ( 4291 )، وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

* قال ابن كثير – رحمه الله -: 

فقال جماعة من أهل العلم، منهم أحمد بن حنبل – فيما ذكره ابن الجوزي وغيره -: إن عمر بن عبد العزيز كان على رأس المائة الأولى، وإن كان هو أولى مَن دخل في ذلك، وأحق؛ لإمامته، وعموم ولايته، وقيامه، واجتهاده في تنفيذ الحق، فقد كانت سيرته شبيهة بسيرة عمر بن الخطاب، وكان كثيرًا ما تشبَّه به.

” البداية والنهاية ” ( 9 / 232 ).

ثالثًا:

كان عمر بن الخطاب يقول إما بإخبار النبي صلى الله له عليه وسلم، أو برؤيا في منامه: إنه سيلي من ذريته رجل يعدل بين الناس, وكان يقول: إن من ولدي رجلًا بوجهه شين يلي يملأ الأرض عدلًا.

* قال ابن كثير – رحمه الله -:

وكان نافع مولى ابن عمر يقول: ” لا أحسبه إلا عمر بن عبد العزيز “,  وقد روي ذلك عن عبد الرحمن بن حرملة عن سعيد بن المسيب نحوًا من هذا، وقد كان هذا الأمر مشهورًا قبل ولايته، وميلاده، بالكلية، أنه يلي رجل من بني أمية يقال له: ” أشج بني مروان “، وكانت أمه ليلى بنت عاصم بن عمر بن الخطاب.

” البداية والنهاية ” ( 6 / 268 ).

رابعًا:

وأما سيرته رحمه الله تعالى: فقد كانت مثالًا عظيمًا، ومضربًا للمثل، في عدله، وزهده، وحُسن خلقه, وهذه مقتطفات من سيرته نختارها من كتاب ” البداية والنهاية ” لابن كثير رحمه الله ( 9 / 217 ) فما فوقها.

  1. هو عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، أبو حفص، القرشي، الأموي، المعروف، أمير المؤمنين، وأمه أم عاصم ليلى بنت عاصم بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، ويقال له ” أشج بني مروان “.
  2. وكان حكَمًا، مقسطًا، وإمامًا عادلًا، وورعًا ديِّنًا، لا تأخذه في الله لومة لائم، رحمه الله تعالى.
  3. * قال الزبير بن بكار: حدثني العتبي قال: إن أول ما استبين من رشد عمر بن عبد العزيز: حرصه على العلم ، ورغبته في الأدب، إن أباه ولي مصر وهو حديث السن يشك في بلوغه، فأراد أبوه إخراجه معه إلى مصر من الشام، فقال: يا أبتِ أو غير ذلك لعله يكون أنفع لي ولك؟ قال: وما هو؟ قال: ترحلني إلى المدينة فأقعد إلى فقهائها، وأتأدب بآدابهم، فعند ذلك أرسله أبوه إلى المدينة، وأرسل معه الخدام، فقعد مع مشايخ قريش، وتجنب شبابهم، وما زال دأبه حتى اشتهر ذكره.
  4. وثبت من غير وجه عن أنس بن مالك قال: ما صليتُ وراء إمام أشبه بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الفتى – يعني: عمر بن عبد العزيز – حين كان على المدينة.

قالوا: وكان يتم الركوع والسجود، ويخفف القيام والقعود، وفي رواية صحيحة: أنه كان يسبح في الركوع والسجود عشرًا عشرًا، وقال ابن وهب: حدثني الليث عن أبي النضر المديني قال: رأيت سليمان بن يسار خارجًا من عند عمر بن عبد العزيز، فقلت له: مِن عند عمر خرجت؟ قال: نعم! قلت: تُعلِّمونه؟ قال: نعم، فقلت: هو والله أعلمُكم.

  1. قال ابن كثير: وقد كان في هذه المدة من أحسن الناس معاشرة، وأعدلهم سيرة، كان إذا وقع له أمر مشكل: جمع فقهاء المدينة عليه، وقد عين عشرة منهم، وكان لا يقطع أمرًا بدونهم، أو من حضر منهم، وهم عروة، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وأبو بكر بن سليمان بن خيثمة، وسليمان بن يسار، والقاسم بن محمد بن حزم، وسالم بن عبد الله ، وعبد الله بن عامر بن ربيعة، وخارجة بن زيد بن ثابت.

– وكان لا يخرج عن قول سعيد بن المسيب.

  1. وقد ظهرت عليه مخايل الورع، والدِّين، والتقشف، والصيانة، والنزاهة ، من أول حركة بدت منه، حيث أعرض عن ركوب مراكب الخلافة، وهي الخيول الحسان الجياد المعدة لها، والاجتزاء بمركوبه الذي كان يركبه، وسكنى منزله رغبة عن منزل الخلافة، ويقال: إنه خطب الناس فقال في خطبته: أيها الناس، إن لي نفسًا تواقة لا تعطى شيئا إلا تاقت إلى ما هو أعلى منه، وإني لما أعطيت الخلافة تاقت نفسي إلى ما هو أعلى منها، وهي الجنة، فأعينوني عليها، يرحمكم الله.
  2. لمَّا استُخلف عمر بن عبد العزيز: قام في الناس، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس! إنه لا كتاب بعد القرآن، ولا نبي بعد محمد عليه السلام، وإني لست بقاضٍ ولكني منفِّذ، وإني لست بمبتدع ولكني متبع، إن الرجل الهارب من الإمام الظالم ليس بظالم، إلا أن الإمام الظالم هو العاصي، ألا لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق عز وجل.

وفي رواية أنه قال فيها: وإني لست بخير من أحد منكم، ولكنني أثقلكم حِملًا، ألا لا طاعة لمخلوق في معصية الله، ألا هل أسمعت؟.

  1. وقد اجتهد رحمه الله في مدة ولايته – مع قصرها – حتى رد المظالم، وصرف إلى كل ذي حق حقه، وكان مناديه في كل يوم ينادي: أين الغارمون؟ أين الناكحون؟ أين المساكين؟ أين اليتامى؟ حتى أغنى كلا من هؤلاء.
  2. قالت زوجته فاطمة: دخلتُ يومًا عليه وهو جالس في مصلاه واضعًا خدَّه على يده، ودموعه تسيل على خديه، فقلت: مالك؟ فقال: ويحك يا فاطمة، قد وليت من أمر هذه الأمة ما وليت، فتفكرت في الفقير الجائع، والمريض الضائع، والعاري المجهود، واليتيم المكسور، والأرملة الوحيدة، والمظلوم المقهور، والغريب والأسير، والشيخ الكبير، وذي العيال الكثير، والمال القليل، وأشباههم في أقطار الأرض وأطراف البلاد، فعلمت أن ربي عز وجل سيسألني عنهم يوم القيامة، وأن خصمي دونهم محمد صلى الله عليه وسلم، فخشيت أن لا يثبت لي حجة عند خصومته، فرحمتُ نفسي، فبكيت.
  3. قال مالك بن دينار: يقولون مالك زاهد، أي زهد عندي؟ إنما الزاهد عمر بن عبد العزيز، أتته الدنيا فاغرة فاها، فتركها جملة.

قالوا: ولم يكن له سوى قميص واحد، فكان إذا غسلوه جلس في المنزل حتى ييبس، وقد وقف مرة على راهب فقال له: ويحك عظني، فقال له: عليك بقول الشاعر:

تجرد من الدنيا فإنك إنما * خرجتَ إلى الدنيا وأنت مجرد

قال: وكان يعجبه، ويكرره، وعمل به حق العمل.

قالوا: ودخل على امرأته يوما فسألها أن تقرضه درهمًا، أو فلوسًا يشتري له بها عِنَبًا، فلم يجد عندها شيئًا، فقالت له: أنت أمير المؤمنين وليس في خزانتك ما تشتري به عنبًا؟ فقال: هذا أيسر من معالجة الأغلال، والأنكال، غدًا، في نار جهنم.

  1. وقالت امرأته فاطمة: ما رأيتُ أحدا أكثر صلاة وصياما منه، ولا أحد أشد فرقا من ربه منه، كان يصلي العشاء ثم يجلس يبكي حتى تغلبه عيناه، ثم ينتبه، فلا يزال يبكي حتى تغلبه عيناه، قالت: ولقد كان يكون معي في الفراش فيذكر الشيء من أمر الآخرة فينتفض كما ينتفض العصفور في الماء، ويجلس يبكي، فأطرح عليه اللحاف رحمة له، وأنا أقول: يا ليت كان بيننا وبين الخلافة بعد المشرقين، فوالله ما رأينا سرورًا منذ دخلنا فيها.

وقال علي بن زيد: ما رأيت رجلين كأن النار لم تخلق إلا لهما مثل الحسن وعمر بن عبد العزيز.

  1. في 25 رجب سنة 101 من الهجرة: توفي عمر بن عبد العزيز بـ ” دير سمعان “، وكانت مدة خلافته: سنتين وخمسة أشهر، وأربعة أيام.

فرحمه الله تعالى, وجزاه عن عدله وفعاله الحسنة خير الجزاء.

 

والله أعلم.

كيف الجمع بين تمام الدين في قوله تعالى ( الْيَوْم أَكْمَلْتُ لَكُم دينَكُم ) واختلاف العلماء؟

كيف الجمع بين تمام الدين في قوله تعالى ( الْيَوْم أَكْمَلْتُ لَكُم دينَكُم ) واختلاف العلماء؟

السؤال:

الحمد لله، أنا مسلم، ولله الفضل والمنَّة، ولكن أشكلت عليَّ آية في كتاب الله العزيز، وهي ( اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُم دينَكُم ) فإذا كان الدّين كاملًا – وهو كذلك -، فكيف نجمع بين هذه الآية وبين خلاف العلماء في مسائل كثيرة؟.

واسألوا الله لي الثبات على دينه حتى الممات.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

ليس ثمة تعارض بين اكتمال الشريعة، وما يوجد من اختلاف بين علماء الإسلام؛ وذلك إذا عُرف المراد من كمال الدّين في الآية، وكمالها هو: أصول الدّين، وقواعد الأخلاق، وكليّات الشرع – وليس جزئياته -.

* قال الشاطبي – رحمه الله – في بيان معنى الآية -:

المراد: كلياتها، فلم يبقَ للدّين قاعدة يحتاج إليها في الضروريات، والحاجيات، أو التكميليات، إلا وقد بُينت غاية البيان، نعم، يبقى تنزيل الجزئيات على تلك الكليات موكولًا إلى نظر المجتهد؛ فإن قاعدة الاجتهاد أيضًا ثابتة في الكتاب والسنّة، فلا بد من إعمالها، ولا يسع الناس تركها، وإذا ثبت في الشريعة: أشعرت بأن ثمَّ مجالا للاجتهاد، ولا يوجد ذلك إلا فيما لا نص فيه، ولو كان المراد بالآية الكمال بحسب تحصيل الجزئيات بالفعل: فالجزئيات لا نهاية لها، فلا تنحصر بمرسوم، وقد نص العلماء على هذا المعنى، فإنما المراد: الكمال بحسب ما يحتاج إليه من القواعد، التي يجري عليها ما لا نهاية له من النوازل.

” الاعتصام ” ( 1 / 507 ).

ومن معاني اكتمال الشريعة: اكتمال الأوامر، والنواهي، وذكر جميع المحرمات على المسلمين.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

فقد بيَّن الله سبحانه على لسان رسوله بكلامه، وكلام رسوله: جميع ما أمره به، وجميع ما نهى عنه، وجميع ما أحله، وجميع ما حرمه، وجميع ما عفا عنه, وبهذا يكون دينُه كاملا كما قال تعالى: ( اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُم دينَكُم وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُم نعْمَتي ).

” إعلام الموقعين ” ( 1 / 332 ).

 

 

* ونرجو التأمل في هذين الموقفين بخصوص هذه الآية:

الموقف الأول:

وهو ما علمه عالم يهودي مما احتوته هذه الآية من معاني جليلة، ونعَم عظيمة، وهي إكمال الدين، فانظر ماذا قال، وبماذا رَدّ عليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه:

عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَال: قَالَ رَجُلٌ مِنْ الْيَهُودِ لِعُمَرَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ: لَوْ أَنَّ عَلَيْنَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإسْلَامَ دِينًا ) لاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا، فَقَالَ عُمَرُ: إِنِّي لأَعْلَمُ أَيَّ يَوْمٍ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ، نَزَلَتْ يَوْمَ عَرَفَةَ، فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ.  رواه البخاري ( 6840 ) ومسلم ( 3017 ).

الموقف الثاني:

أن هذه الآية العظيمة كانت سدّا عظيمًا أمام كل من أراد أن يزيد في الدين، ويخترع فيه، من العقائد، والعبادات.

* قال الإمام مالك – رحمه الله -:

مَن أحدث في هذه الأمة شيئًا لم يكن عليه سلفها: فقد زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خان الرسالة؛ لأن الله يقول: ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ) المائدة/ 3، فما لم يكن يومئذ دينًا: فلا يكون اليوم دينًا. انظر ” الاعتصام ” للشاطبي ( 1 / 33 ).

 

ثانيًا:

إن كمال الدّين، وتمامه، لا يمنع من الاختلاف في فهم آية، أو سبب نزولها، أو صحة حديث، أو فهمه على وجهه الصحيح؛ فليس العلماء على درجة واحدة من العلم، فقد يخفى على واحد منهم ما علمه غيره، وقد يَفهم من النصوص ما لا يفهمه غيره عندما يختفي عليه الدليل الواضح، وهذا كله لا يتعارض مع تمام الدين، بل هو شرح لمقصد الدين، وطلب لمراده، ولذلك رأى الإمام الشاطبي: ” أن ما يُعتد به من الخلاف في ظاهر الأمر: يرجع في الحقيقة إلى الوفاق؛ لأن الاختلاف في بعض المسائل الفقهية راجع إما إلى دورانها بين طرفين واضحين يتعارضان في أنظار المجتهدين، وإما إلى خفاء بعض الأدلة، أو إلى عدم الاطلاع على الدليل، وهذا الثاني ليس في الحقيقة خلافًا, إذ لو فرضنا اطلاع المجتهد على ما خفي عليه: لرجع عن قوله “. ” الموافقات في أصول الشريعة ” ( 4 / 220 ).

 

 

 

 

* وقال ابن القيم – رحمه الله – متممًا كلامه السابق نقله عنه -:

ولكن قد يقصر فَهم أكثر الناس عن فَهم ما دلّت عليه النصوص، وعن وجه الدلالة، وموقعها، وتفاوت الأمّة في مراتب الفهم عن الله ورسوله: لا يحصيه إلا الله، ولو كانت الأفهام متساوية: لتساوت أقدام العلماء في العلم، ولما خص سبحانه سليمان بفهم الحكومة في الحرث، وقد أثنى عليه، وعلى داود بالعلم، والحكم، وقد قال عمر لأبي موسى في كتابه إليه ” الفهم، الفهم فيما أدلي إليك “، وقال علي: ” إلا فهمًا يؤتيه الله عبدًا في كتابه “، وقال أبو سعيد: ” كان أبو بكر أعلمَنا برسول الله صلى الله عليه وسلم “، ودعا النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عباس أن ( يفقهه في الدّين ويعلمه التأويل )، والفرق بين الفقه والتأويل: أن الفقه هو فهم المعنى المراد، والتأويل: إدراك الحقيقة التي يؤول إليها المعنى التي هي أخيته، وأصله.

وليس كل من فقه في الدين: عرف التأويل، فمعرفة التأويل يختص به الراسخون في العلم، وليس المراد به: تأويل التعريف، وتبديل المعنى؛ فإن الراسخين في العلم يعلمون بطلانه، والله يعلم بطلانه.

” إعلام الموقعين ” ( 1 / 332 ).

 

وبهذا يعلم أن اختلاف العلماء لا يعكس عدم تمام الدين، ولا يتعارض معه، بل هو محاولة لدفع ذلك عنه.

 

ومن تأمل أسباب اختلاف العلماء: لم يجد فيها سببًا واحدًا مرجعه إلى الشرع ذاته، بل الأسباب كلها ترجع إلى غير المعصومين من العلماء، فالتعارض بين الأدلة ليس موجودًا على الحقيقة في نصوص الشرع، بل فقط في نظر المجتهد، وخفاء الأدلة، وعدم العلم بها، أو عدم فهمهما على وجهها: كل ذلك يؤكد ما قلناه من أن الشريعة كاملة تامّة وإنما يبحث كل مجتهد بما وهبه الله من علم وفهم: بمعرفة الحكم المطابق لمراد الله تعالى في نصوص الوحي.

 

والله أعلم.

 

 

 

تحايلوا على شركة التأمين واستولوا على مال منهم فماذا يلزم من تاب منهم؟

تحايلوا على شركة التأمين واستولوا على مال منهم فماذا يلزم من تاب منهم؟

السؤال:

جزاكم الله كل خير على ما تقدمون, أنا ومعي شخصان تحايلنا على التأمين بحادث وهمي، وكان الاتفاق بيننا أن نتقاسم المبلغ، وهو قرابة 21000 لكل واحد 7000، وذهبتُ، واستلمتُ الشيك، وصرفتُه، وأخذتُ منه 1000، والباقي 20000، ذهب للثاني بحجة أنه سوف يقسم المبلغ بالتساوي بيننا الثلاثة, ولكن أنكر هذا الشيء, ولم آخذ أنا إلا 1000 فقط, والعلاقة مقطوعة بيننا من ذاك اليوم, وأنا تبت إلى الله، وأريد إرجاع المبلغ, فهل أرجع فقط المبلغ الذي أخذته وهو 1000 فقط، أم ماذا؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

فتح الله تعالى أبواب رحمته للناس، وأخبر أنه من تاب من معصيته: تاب عليه، وغفر له ذنبه، قال تعالى: ( وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا ) النساء/ 11، وقال تعالى: ( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) الزمر/ 53.

ومن شروط التوبة إذا كانت تتعلق بحقوق العباد: إرجاع الحقوق إلى أصحابها.

* فشروط التوبة الصحيحة الكاملة:

  1. الإقلاع عن الذنب.
  2. الندم على ما فات.
  3. العزم على عدم العودة إليه.

وأما إن كانت التوبة من مظالم العباد في مال، أو عرض: فتزيد شرطًا رابعًا، وهو:

  1. استباحة المظلوم، والتحلل منه، أو إعطاؤه حقه.

ثانيًا: 

التحايل بالغش والخداع لأخذ مال الآخرين بغير وجه حق: من كبائر الذنوب, ويكون صاحبه قد جمع بين ذنبين عظيمين، أخذ المال، والغش والخداع.

قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ …) النساء/ 29.

وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال: ( مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي). رواه مسلم ( 102 ).

وما الذي يجب عليك رده من المال؟ والجواب: أن الذي يجب عليك في ذمتك هو المبلغ المأخوذ من شركة التأمين كاملًا، ويمكنك حسم ما أُخذ منك من أقساط إلزامية كنت تدفعها لهم، ويكون في ذمتك باقي المبلغ.

وسرقة صاحبك ذلك المبلغ منك لا يعفيك من دفعه للشركة؛ لأن ذمتك انشغلت بمجرد مشاركتك في الحادث الوهمي مشاركة رئيسة، حتى إنهم قد صرفوا لك المبلغ – باسمك – كاملًا -، ولك أن تطالب صاحبك بالمبلغ الذي استولى عليه منك، وعليك وعلى أصحابك من الإثم ما تحتاج معه للتوبة والاستغفار.

ثالثًا:

وهل يُرجَع المبلغ المترتب في ذمتك لشركة التأمين، أم يُتصرف به توزيعًا في وجوه الخير المختلفة باعتبار أن شركات التأمين التجارية محرمة أفعالها، وعقودها؟ الظاهر: أنه يجب رد المبلغ المترتب في ذمتك لهم، وكون أفعالهم محرمة لا يجيز تصريف أموالهم في وجوه الخير، بل تُرجع لهم، ويعاد تمليكهم لها.

 * سئل الشيخ يوسف الشبيلي – حفظه الله -:

هل يجوز التحايل على شركات التأمين لأخذ التعويض؟

فأجاب:

فلا يجوز التحايل على شركات التأمين بالكذب عليها لأخذ التعويض بغير حق، ومن فعل ذلك: فالمال الذي أخذه سحت، يجب عليه رده إلى الشركة التي أخذه منها، ولا يجزئ التخلص منه بالصدقة في أوجه البر، بل يجب رده إلى شركة التأمين. انتهى.

http://www.shubily.com/index.php?news=143

 

رابعًا:

ولا يشترط على من أراد إرجاع الحقوق لأهلها أن يكشف عن نفسه، وهويته؛ إذ المقصود هو رجوع الحق إلى أصحابه.

فإن كان يخاف من المساءلة، ويخشى من عواقب كشف ما فعله: فإنه يبحث عن الطريقة المناسبة التي تحفظ له كرامته, ويُرجع فيه الحق لأهله من غير أن يُحرج نفسه؛ كأن يرسل  المبلغ بالبريد، أو يوكل أحداً بإيصاله، أو يودعه في حسابهم.

 

والله أعلم.

موقف الإسلام من المهن والوظائف الدنيئة والمرموقة

موقف الإسلام من المهن والوظائف الدنيئة والمرموقة

السؤال:

هل يوجد في الإسلام أعمال، ووظائف حقيرة، وأعمال مرموقة؟ وهل حرص الإنسان على الطموح في أن ينال المناصب الرفيعة في عمله ضد الرضا؟ ومتى يتعارض الطموح مع الرضا؟ وهل حرص الإنسان على أن يعمل في وظائف ذات وجاهة في المجتمع يتعارض مع الزهد في الدنيا وعدم جعلها أكبر همه، أم أنه أمر عادى لا يمنعه الشرع؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

جعل الله هذه الدنيا مطية الآخرة؛ وسببًا يستعين بها الإنسان على أمر الآخرة؛ ولذلك بيَّن الله في كتابه أنه سخَّر الأرض وما فيها للإنسان، قال الله تعالى: ( هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا ) البقرة/ من الآية 29, وقال تعالى: ( هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ) الملك/ 15.

* قال ابن كثير – رحمه الله -:

أي: فسافروا حيث شئتم من أقطارها، وترددوا في أقاليمها، وأرجائها، في أنواع المكاسب، والتجارات. ” تفسير ابن كثير ” ( 8 / 179 ).

فكثير من الآيات والأحاديث جاءت بالحث على الكسب، والضرب في الأرض, وكل ذلك من أجل تحصيل المال، ليس لمجرد جمعه، بل ليكف به وجهه، ويصل به رحمه، ويستعين به على طاعة ربِّه.

* قال ابن القيم – رحمه الله – مبيِّنًا فضل المال وأهميته -:

وقد سمَّى سبحانه المال خيرًا في غير موضع من كتابه، كقوله تعالى ( كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ ) البقرة/ 180، وقوله ( وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ) العاديات/ 8 … وأعلم الله سبحانه أنه جعل المال قِواماً للأنفس، وأمر بحفظها، ونهى أن يأتي السفهاء من النساء والأولاد وغيرهم، ومدحه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ( نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحُ لِلْمَرْءِ الصَّالِحِ) – رواه أحمد بإسناد صحيح -، وقال سعيد بن المسيب: ” لا خير فيمن لا يريد جمع المال من حلِّه، يكفُّ به وجهه عن الناس, ويصل به رحمه, ويعطي حقه “، وقال أبو إسحاق السبيعي: ” كانوا يرون السعة عونًا على الدِّين “، وقال محمد بن المنكدر: ” نعمَ العون على التقى: الغنى “، وقال سفيان الثوري: ” المال في زماننا هذا سلاح المؤمن “، وقال يوسف بن سباط: ” ما كان المال في زمان منذ خلقت الدنيا أنفع منه في هذا الزمان ” ….

وقد جعل الله سبحانه المال سبباً لحفظ البدَن, وحفظه سببٌ لحفظ النفس التي هي محل معرفة الله، والإيمان به, وتصديق رسله، ومحبته، والإنابة إليه، فهو سبب عمارة الدنيا، والآخرة .. .

ومن فوائد المال: أنه قِوام العبادات والطاعات، وبه قام سوق برِّ الحج والجهاد, وبه حصل الإنفاق الواجب والمستحب, وبه حصلت قربات العتق، والوقف، وبناء المساجد، والقناطر، وغيرها, وبه يتوصل إلى النكاح الذي هو أفضل من التخلي لنوافل العبادة, وعليه قام سوق المروءة, وبه ظهرت صفة الجود والسخاء, وبه وُقيت الأعراض, وبه اكتسبت الإخوان والأصدقاء, وبه توصل الأبرار إلى الدرجات العلى, ومرافقة الذين أنعم الله عليهم؛ فهو مرقاة يصعد بها إلى أعلى غرف الجنة, ويهبط منها إلى أسفل سافلين, وهو مقيم مجد الماجد، كان بعض السلف يقول: ” لا مجد إلا بفعال, ولا فعال إلا بمال “، وكان بعضهم يقول: ” اللهم إني من عبادك الذين لا يصلحهم إلا الغنى “، وهو من أسباب رضا الله عن العبد، كما كان من أسباب سخطه عليه.

” عدة الصابرين ” ( ص 221 – 223 ) باختصار.

 

ثانيًا:

ولتحقيق هذه الغايات الشريفة للمال: عمل الأنبياء، والرسل بمهن، وحرَف، ووظائف مختلفة، ففي الحديث عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ( مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلاَّ رَعَى الْغَنَمَ )، فَقَالَ أَصْحَابُهُ: وَأَنْتَ؟ فَقَالَ: ( نَعَمْ، كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لأَهْلِ مَكَّةَ ) رواه البخاري ( 2143 )، وكذا عملَ نبيُّنا محمد صلى الله عليه وسلم بالتجارة مع عمِّه أبي طالب, وكذلك عمل لخديجة رضي الله عنها، كما هو مشهور في السيرة.

وفي الحديث عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ( كَانَ زَكَرِيَّا نَجَّارًا ) رواه مسلم ( 2379 ).

وقد أخبر الله تعالى عن عمل داود عليه السلام بقوله: ( وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ ) الأنبياء / 80.

وعَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ عَنِ الْمِقْدَامِ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ( مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَاماً قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ ) رواه البخاري ( 1966 ).

 

 

 

وقد أكد الإسلام مبدأ السعي في الأرض، وطلب الرزق، فعن ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: ” كَانَ ” ذُو الْمَجَازِ “، و ” عُكَاظٌ ” مَتْجَرَ النَّاسِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا جَاءَ الإِسْلاَمُ كَأَنَّهُمْ كَرِهُوا ذَلِكَ حَتَّى نَزَلَتْ ( لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ ) فِي مَوَاسِمِ الْحَجِّ ”  رواه البخاري ( 1681 ).

وقد نص الفقهاء والمحدثون على ذلك؛ فبوب البخاري في صحيحه في كتاب البيوع باب ” الخروج في التجارة وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ( فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ) الجمعة/ 10 “، ثم ذكر حديث أبي موسى الأشعري مع عمر وقول عمر: ” أَلْهَانِى الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ ” يَعْنِي: الْخُرُوجَ إِلَى تِجَارَةٍ.

رواه البخاري ( 1956 ) ومسلم ( 2153 ).

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

قَالَ اِبْن الْمُنَيِّر فِي ” الْحَاشِيَةِ “: غَرَضُ الْبُخَارِيِّ إِجَازَةُ الْحَرَكَاتِ فِي التِّجَارَةِ, وَلَوْ كَانَتْ بَعِيدَةً، خِلَافًا لِمَنْ يَتَنَطَّعُ وَلَا يَحْضُرُ السُّوقَ.

” فتح الباري ” ( 4 / 349 ).

وبوب البخاري – كذلك -: ” باب التِّجَارَةِ فِي الْبَحْرِ “, و ” باب ما قيل في الصواغ “, و ” باب ذكر القين والحداد “, و ” باب الخياط “, و ” باب النساج “، و ” باب النجَّار ” … إلخ.

وأراد البخاري بهذه التبويبات وأحاديثها: التدليل على مشروعية العمل، والاحتراف ، والتمهن.

وعلى ذلك: فما يظنه بعض الناس أن الإسلام لا يحث على التكسب، والعمل، أو العمل بالوظائف: فهو هم مغلوط، ويرده ما تقدم.

وما يظنه كثيرون في بعض المهن أنها دنيئة – كالنجارة، والحدادة، والرعي -: فغير صحيح، ويكفي لردِّه ثبوت هذه المهن، والأعمال لخيرة خلق الله، وهم الأنبياء، والرسل، عليهم السلام .

 

ثالثًا:

لا يعارض الإسلام أن يكون الإنسان في مهنة مرموقة، ووظيفة حسنة، بل يشجع الإسلام على ذلك, وأن يكون الإنسان في أحسن مستوى، وأكمل حال, بل وأن يطلب الأفضل والأحسن، ويسعى لتحصيله، بشرط أن لا يؤثر ذلك على دينه، واستقامته، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( الْمُؤْمِنُ الْقَوِىُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِى كُلٍّ خَيْرٌ ) رواه مسلم ( 2664 )، و ( خَيْر ) نكرة تعم كل خير في الدنيا، والآخرة.

 

 

بل كره الإسلام مزاولة بعض المهن الدنيئة, وأمر المسلم أن يترفع عنها, كما جاء في الحديث عَنِ ابْنِ مُحَيِّصَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فِي إِجَارَةِ الْحَجَّامِ فَنَهَاهُ عَنْهَا فَلَمْ يَزَلْ يَسْأَلُهُ وَيَسْتَأْذِنُهُ حَتَّى قَالَ: ( اعْلِفْهُ نَاضِحَكَ وَأَطْعِمْهُ رَقِيقَكَ ) رواه أبو داود ( 3422 ) والترمذي ( 1277 ) وحسَّنه.

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء بَعْد ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة – كسب الحجام – فَذَهَبَ الْجُمْهُور إِلَى أَنَّهُ حَلَال … وَقَالُوا: هُوَ كَسْب فِيهِ دَنَاءَة، وَلَيْسَ بِمُحَرَّمٍ، فَحَمَلُوا الزَّجْر عَنْهُ عَلَى التَّنْزِيه. ” فتح الباري ” ( 4 / 459 ).

* وقال – رحمه الله -:

إِذْ لَا يَلْزَم مِنْ كَوْنهَا مِنْ الْمَكَاسِب الدَّنِيئَةِ أَنْ لَا تُشْرَع؛ فَالْكَسَّاحُ أَسْوَأ حَالًا مِنْ الْحَجَّام، وَلَوْ تَوَاطَأَ النَّاس عَلَى تَرْكِهِ لَأَضَرَّ ذَلِكَ بِهِمْ.

” افتح الباري ” ( 4 / 324 ).

* وقال ابن قدامة – رحمه الله -:

وإنما كره النبي صلى الله عليه وسلم ذلك للحرِّ تنزيهًا؛ لدناءة هذه الصناعة، وأمرُه صلى الله عليه وسلم بإطعام الرقيق منها: دليل على الإباحة، فيتعين حمل نهيه عن أكلها على الكراهة دون التحريم.  ” المغني ” ( 6 / 133 ).

 

فيتحصل من هذا: أنه يوجد مهَن، ووظائف، يمكن الاصطلاح عليها بأنها ” دنيئة “، كالحجامة التي يعمل صاحبها باستخراج الدم الفاسد، وكجمع القمامة، والعمل في المجاري، وغير ذلك، وننبه هنا إلى أمور:

  1. لا يعني أنها مهن دنيئة أنه يحرم العمل بها، وقد سبق بيان ذلك.
  2. الأصل أن تكون هذه المهن لغير المسلمين، أو للعبيد.
  3. لا شك أن المجتمع المسلم يحتاج لهذه المهن، وهي ضرورية، فعدم جمع القمامة لأيام قليلة يعني صعوبة الحياة في ذلك المجتمع، ويعني انتشار الأمراض والأوبئة، ولذلك يجب على الدولة الإسلامية أن تُكرم أهل هذه الوظائف بميزات تشجيعية، حتى لا ينقطع الناس عن العمل بها.
  4. لا ينبغي تعيير من يعمل بهذه المهن، ممن قلَّت عنده فرص التعليم، أو كان ضعيف العقل، والعاملون بها بلا شك أفضل ممن يمد يده للناس، ويعرِّض وجهه للمذلة.

 

 

 

 

رابعًا:

حث الإسلام على تحصيل الكمال الديني، أو الدنيوي لا يعارض الرضا بما قسم الله تعالى للإنسان؛ لأن من أسباب نيلها: بذل الأسباب, فمباشرة الأسباب التي خلقها الله بحكمته، وتدبيره: تُفضي في الأغلب الأعم إلى تحصيل مسبباتها.

وأما إذا طلبها الإنسان بغير ما أحله الله، كطلبها بمعصية، أو غش، أو تدليس وكذب، وكان همه الأعظم تحصيل هذه المنافع الدنيوية من غير استثمارها في طاعة الله: فقد خالف الرضا بما قسم الله، ووقع في معصيته.

وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثلًا عظيمًا لحِرص الإنسان على المال، والجاه، ففي الحديث عن كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ( مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلاَ فِي غَنَمٍ بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ الْمَرْءِ عَلَى الْمَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ ) رواه الترمذي ( 2376 ) وقال: حَسَنٌ صَحِيحٌ.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

ولا ريب أن الحرص، والرغبة في الحياة الدنيا, وفي الدار الدنيا، من المال، والسلطان: مضرٌّ، كما روى الترمذي عن كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ( مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلاَ فِي غَنَمٍ بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ الْمَرْءِ عَلَى الْمَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ ) وقال: حديث حسن صحيح.

فذم النبي صلى الله عليه وسلم الحرص على المال، والشرف – وهو الرياسة والسلطان – وأخبر أن ذلك يفسد الدِّين، مثل، أو فوق: إفساد الذئبيْن الجائعيْن لزريبة الغنم. ” مجموع الفتاوى ” ( 20 / 142 ).

* وقال ابن القيم – رحمه الله -:

وإنَّما يُذم – المال – منه ما استخرج من غير وجهه, وصرف في غير حقه, واستَعْبَد صاحبه, وملَك قلبَه, وشغله عن الله، والدار الآخرة؛ فيذم منه ما يتوصل به صاحبه إلى المقاصد الفاسدة، أو شغله عن المقاصد المحمودة، فالذم للجاعل، لا للمجعول، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ وَالْقَطِيفَةِ وَالْخَمِيصَةِ ) – رواه البخاري  ( 2730 ) – فذمَّ عبدَهما، دونهما ….

” عدة الصابرين ” ( ص 221 ، 222 ).

 

وأما الزهد في الدنيا: فلا يعارض طلب المال، والعمل بالوظائف المرموقة.

 

والله أعلم.

 

 

حكم الاستعاذة من عذاب جهنم وعذاب القبر قبل التسليم من الصلاة

حكم الاستعاذة من عذاب جهنم وعذاب القبر قبل التسليم من الصلاة

السؤال:        

هل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والاستعاذة من عذاب القبر، وعذاب جهنم، وفتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجال واجبة في هذا التشهد أم سنَّة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

 

روى مسلم ( 588 ) عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ( إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ، يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ ).

وفي رواية عند مسلم ( 590 ) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُعَلِّمُهُمْ هَذَا الدُّعَاءَ كَمَا يُعَلِّمُهُمُ السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ يَقُولُ: ( قُولُوا: اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ ).

قَالَ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ: بَلَغَنِي أَنَّ طَاووسًا قَالَ لاِبْنِهِ: أَدَعَوْتَ بِهَا فِي صَلاَتِكَ؟ فَقَالَ: لاَ، قَالَ: ” أَعِدْ صَلاَتَكَ “؛ لأَنَّ طَاووسًا رَوَاهُ عَنْ ثَلاَثَةٍ، أَوْ أَرْبَعَةٍ، أَوْ كَمَا قَالَ.

انتهى.

وقد اختلف العلماء في حكم هذه الاستعاذة، فذهب جمهورهم إلى استحبابها، وذهبت طائفة منهم إلى وجوبها.

* قال النووي – رحمه الله -:

وإن طاووسا رحمه الله تعالى أمر ابنه حين لم يدع بهذا الدعاء فيها بإعادة الصلاة، هذا كله يدل على تأكيد هذا الدعاء، والتعوذ، والحث الشديد عليه, وظاهر كلام طاووس رحمه الله تعالى أنه حمل الأمر به على الوجوب، فأوجب إعادة الصلاة لفواته, وجمهور العلماء على أنه مستحب، ليس بواجب.” شرح النووي ”  (5 /89).

* وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

بل قد ذهب طائفة من السلف، والخلف، إلى أن الدعاء في آخرها واجب، وأوجبوا الدعاء الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم آخر الصلاة بقوله: ( إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع: من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال ) رواه مسلم، وغيره، وكان طاووس يأمر من لم يدع به أن يعيد الصلاة، وهو قول بعض أصحاب أحمد.

” مجموع الفتاوى ” ( 22 / 518 ).

* وقال الصنعاني – رحمه الله -:

والحديث: دليل على وجوب الاستعاذة مما ذكر، وهو مذهب الظاهرية، وقال ابن حزم منهم: ” ويجب أيضاً في التشهد الأول “! عملًا منه بإطلاق اللفظ المتفق عليه, وأمر طاوس ابنه بإعادة الصلاة لما لم يستعذ فيها، فإنه يقول بالوجوب، وبطلان صلاة من تركها, والجمهور حملوه على الندب.

” سبل السلام ”  ( 1 / 38 ).

* وقال الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله -:

وفي التعوّذ من هذه الأربع قولان:

القول الأول: أنه واجب، وهو رواية عن الإمام أحمد؛ لما يلي:

  1. لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بها.
  2. ولشدَّة خطرها، وعِظَمها.

والقول الثاني: أنه سُنَّة، وبه قال جمهور العلماء.

ولا شَكَّ أنه لا ينبغي الإخلالُ بها، فإن أخلَّ بها: فهو على خَطَرٍ من أمرين:

  1. الإثم.
  2. ألا تصح صلاته، ولهذا كان بعضُ السَّلف يأمر مَنْ لم يتعوَّذ منها بإعادة الصَّلاة.

” الشرح الممتع ”  ( 3 / 199، 200 ).

 

والأرجح هو قول الجمهور، ويُحمل فعل طاووس رحمه الله – إن صح عنه -على توكيد هذا الاستحباب؛ حيث أن أمره بالإعادة كان لابنه في سياق تعليمه، لا لعامة المصلين، وهو احتمال ذكره أبو العباس القرطبي، وارتضاه جمع من الأئمة، حيث قال:

” ويحتمل: أن يكون ذلك إنما أمره بالإعادة تغليظًا عليه؛ لئلا يتهاون بتلك الدعوات، فيتركها، فيُحْرَم فائدتها، وثوابها.

انتهى من ” المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ” ( 2 / 209 ).

 

ثم إن الأصل في الأدعية في الصلاة وغيرها: أنها للاستحباب، والإرشاد، إلا أن تدل قرينة قوية على الوجوب.

 

والله أعلم.

 

تنازل عن حصته في الشركة ولم يوثَّق ذلك كتابة فهل له التراجع عن ذلك؟!

تنازل عن حصته في الشركة ولم يوثَّق ذلك كتابة فهل له التراجع عن ذلك؟!

السؤال:        

اشتركت مع صهري في محل تجاري, وبعد مرور تقريبًا سنة قال لي شفويا – بدون أية وثيقة -: إنه متنازل لي عن حقه, وكرر لي ذلك عدة مرات، على أن أرد له ما دفع، على شكل أقساط سنوية، بعد ذلك قمت بشراء بقعة أرضية باسمي الشخصي، دون أن أخبره, على أساس أننا لم نعد شركاء, وبعد مرور سنَة أعطيته قسطًا من المال، كما اتفقنا عليه, في هذه اللحظة فاجئني, وتراجع عن تنازله.

سؤالي يا شيخنا هو:

هل صهري مشترك معي في الأرض التي اشتريتها من مال الشركة بعد تنازله الشفوي، أم ماذا أصنع؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الشركة  مشروعة في الجملة، بالكتاب، والسنَّة، والإجماع.

* قال ابن قدامة – رحمه الله -:

الشَّرِكَةُ: هِيَ الِاجْتِمَاعُ فِي استِحقَاقٍ، أَو تَصَرُّف.

وَهِي ثَابِتةٌ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ، أَمَّا الْكِتَابُ: فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ( فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ ) النساء/ 12، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ( وَإِنَّ كَثِيراً مِنْ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُم ) ص/ 24.

– وَالْخُلَطَاءُ: هُمْ الشُّرَكَاءُ.

ومن السنَّة: ما روي أن الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ كَانَا شَرِيكَيْنِ فَاشْتَرَيَا فِضَّةً بِنَقْدٍ وَنَسِيئَةً فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَهُمَا أَنَّ مَا كَانَ بِنَقْدٍ فَأَجِيزُوهُ وَمَا كَانَ نَسِيئَةً فَرُدُّه – رواه أحمد بإسناد صحيح – ….

وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِ الشَّرِكَةِ فِي الْجُمْلَةِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي أَنْوَاعٍ مِنْهَا.

” المغني ” ( 5 / 109 ).

ثانيًا:

وما حصل من صهرك – كما تقول – من تنازله عن حصته في الشراكة بينك وبينه: لا حرج فيه، ويجب تمضيته، إلا أننا ننبه على أمر يتعلق بمطالبته برأس ماله فقط، فنقول:

الأمر حال مطالبته بفسخ الشراكة لا يخلو من حالين:

الأولى: أن يكون رأس المال الشركة موجودًا، مع أرباح، أو بدونها، فهنا: يصح منه المطالبة برأس ماله، ويكون منه تنازل عن أرباحه إن وُجدت.

والثاني: أن لا يكون رأس مال الشركة موجودًا، بل يوجد فيه نقص، فهنا: ليس من حقه ضمان رأس ماله، والمطالبة به؛ لأنه شريك معك في رأس المال، والربح، والخسارة، إلا أن ترضى بإعطائه إياه عن طيب نفس منك، فيكون صلحًا يجب تمضيته، أو يكون بيعاً لحصته في الشركة، فيجب تمضيته إن وافقتَ على ذلك.

عن عوف المزني أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ( الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إِلاَّ صُلْحًا حَرَّمَ حَلاَلًا أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا وَالْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ إِلاَّ شَرْطًا حَرَّمَ حَلاَلًا أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا ).

رواه الترمذي ( 1352 ) وقال: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

ثالثًا:

وما دام أن صهرك قد تنازل عن حصته في الشركة بينك وبينه, وكرَّر ذلك عن طيب نفس ورضا، بدون إحراج، أو إكراه: فقد انفصلت الشركة بذلك, ولا يلزمك إلا أن تدفع له نصيبه من الشركة كما اتفقتم، والاتفاق الشفوي يلزمه شرعًا، والأصل في عقود المعاملات أنها تتم شفويًّا، وتلزم أحكامها بالاتفاق بين الطرفين، ورضاهما بما تعاقدا عليه.

* وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 35 / 238 ):

قد يُلزم الإنسان نفسه بأمرٍ، فيلزمه ذلك شرعًا، إن لم يخالف الشّرع, بمعنى: أنّ الشّرع جعل التزامه سببًا للزوم, ومن ذلك:

أ. العقد, فإذا عقدا بينهما عقدًا: لزمهما حكمه, كعقد البيع مثلًا، يلزم به انتقال ملكيّة المبيع إلى المشتري, وملكيّة الثّمن إلى البائع, وكعقد الإجارة يلزم به الأجير العمل, ويلزم المستأجر الأجرة .

ومن هذا القبيل أيضًا: كل شرطٍ صحيحٍ التزمه العاقد في العقد, فيلزمه؛ وذلك لقول اللّه تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ ), وقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: ( المسلمون على شروطهم ).  انتهى.

وأما توثيق العقود كتابةً: فهو على سبيل الاستحباب، لا الوجوب، كما هو قول الجمهور، وأمَّا كون الكتابة شرطًا لصحة العقد فلا نعلم قائلًا به، وإنما الكتابة لحفظ الحقوق، وتثبيتها ببينة شرعية.

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 14 / 135 ):

في التوثيق منفعة من أوجه:

أحدها: صيانة الأموال، وقد أمرنا بصيانتها، ونهينا عن إضاعتها.

والثاني: قطع المنازعة؛ فإن الوثيقة تصير حكَمًا بين المتعامليْن، ويرجعان إليها عند المنازعة، فتكون سبباً لتسكين الفتنة، ولا يجحد أحدهما حق صاحبه؛ مخافة أن تخرج الوثيقة، وتشهد الشهود عليه بذلك، فينفضح أمره بين الناس.

والثالث: التحرز عن العقود الفاسدة؛ لأن المتعاملين ربما لا يهتديان إلى الأسباب المفسدة  للعقد ليتحرزا عنها، فيحملهما الكاتب على ذلك، إذا رجعا إليه ليكتب.

والرابع: رفع الارتياب، فقد يشتبه على المتعاملين إذا تطاول الزمان مقدار البدل، ومقدار الأجل، فإذا رجعا إلى الوثيقة: لا يبقى لواحد منهما ريبة.

وهذه فوائد التوثيق بالتسجيل. انتهى.

وقالوا:

فآية المداينات: الأمر فيها إنما هو للإرشاد إلى حفظ الأموال، والتعليم، كما أمر بالرهن، والكتابة، وليس بواجب، وهذا ظاهر، صرّح بذلك فقهاء الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، وذهب إليه أيضا أبو سعيد الخدري، وأبو أيوب الأنصاري، والشعبي، والحسن، وإسحاق، وجمهور الأمة من السلف والخلف.

” الموسوعة الفقهية ” ( 14 / 137 ).

* وبما سبق يتضح:

  1. أن تنازل صهرك عن شراكته بلسانه دون إحراج أو إكراه: يلزمه العمل بمقتضاه.
  2. ليس له المطالبة برأس ماله دون أن يكون موجودًا إلا أن تطيب نفسك بدفعه له، أو يكون بيعًا منه لحصته في الشركة.
  3. جمهور العلماء على استحباب كتابة العقود المتعلقة بالبيع، والدَّين، والنكاح، وليس أحد من أهل العلم من يقول إن الكتابة شرط لصحة العقد.
  4. الالتزام بالكتابة والإشهاد على المعاملات له منافع عظيمة، وخاصة فيما يتعلق بالديون، وأموال الشراكة، وما ذكرناه عن أهل العلم من تلك المنافع كاف ليدفع المسلمين إلى توثيق عقودهم.

 

رابعًا:

ونختم بالقول:

إن صهرك – بحسب قولك – ليس له الحق في شراكتك بأي شيء اشتريته أو بعته بعد تنازله أول مرة، لكن لو أقلته من تنازله السابق, وأشركته في الأرض التي اشتريتها: فهذا خير، وبركة, وليس بواجب عليك، ولعل الله أن يبارك لك في ذلك, ويعوضك خيرًا, وخصوصا أن بينكما مصاهرة؛ فهو أدعى لتقوية أواصر المحبة، والمودة، والصلة بينكما.

وفقنا الله وإياكم لعمل الخير.

 

والله أعلم.

 

ما حكم تنويم الأم لأولادها بأذكار شرعيَّة أو آيات قرآنية؟

ما حكم تنويم الأم لأولادها بأذكار شرعيَّة أو آيات قرآنية؟

السؤال:

تستخدم بعض الأمهات أسماء الله في تنويم أطفالهم مثل ” الله أكبر “، و ” لا إله إلا الله “، فما حكم ذلك؟

 

الجواب:

الحمد لله

لو كان السؤال عن حكم استعمال ما فيه ذكر لله تعالى في تنويم الأطفال لكان أدق؛ لأن ” الله أكبر “، و ” لا إله إلا الله ” ليسا من أسماء الله.

والذي يظهر لنا أنه لا مانع للأم أن تقرأ القرآن، أو تسبح، أو تهلل، وهي تهز طفلها لينام؛ لأمور، منها:

  1. أن الانشغال بذِكر الله، ورفع الصوت به: خيرٌ للأم إن هي احتسبت ذِكرها أنه عبادة تتقرب فيه لربها تعالى، ونرجو أن يكون خيراً للطفل في قابل الأيام، فهو وقت من حياتها تستثمره في زيادة حسناتها، وفي الوقت نفسه تستثمر ما في الذِّكر من أثر طيب في تنويم ولدها.
  2. أن ذِكر الله تعالى خير مما تفعله كثير من الأمهات، من الغناء! أو الحديث مع نفسها! أثناء تنويم أولادها.
  3. أنه صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ( كانَ يَذْكُرُ الله عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ ) رواه البخاري معلقًا، ومسلم ( 373 ).
  4. أنَّ ذِكر الله تعالى، وقراءة القرآن، من الأمور المشروع فعلها قبل النوم للكبار ، وقد بوَّب البخاري رحمه الله على طائفة من الأحاديث بقوله: ” باب التعوذ والقراءة عند المنام “.

– فأي حرجٍ يوجد من أن يُختم للطفل يقظته بإسماعه ما فيه ذِكر الله؟!.

لذلك كله: لا نرى مانعًا من أن تذكر الأم ربَّها تعالى، وترفع صوتها قليلًا، لينام طفلها على هذا الذِّكر، ونذكر الأمهات بضرورة احتساب النية في تلك الأذكار؛ حتى تحصل أجورها كاملة إن شاء الله.

 

والله أعلم.

أفضل صيغ إلقاء السلام ورده، وضعف زيادة ” ومغفرته “

أفضل صيغ إلقاء السلام ورده، وضعف زيادة ” ومغفرته ”

السؤال:

أريد أن أسأل عن طريقة السلام، ورد السلام، كما ورد عن الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، وهل ورد هذا الرد: ” وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ومغفرته “؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

أفضل صيغة وردت في إلقاء السلام: ” السلام عليكم ورحمة الله وبركاته “.

وأفضل صيغة في الرد: ” وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته “.

عن عمران بن الحصين رضي الله عنهما، أنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: السلام عليكم، فردَّ عليه، ثم جلس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( عَشْرٌ ) ثم جاء آخر، فقال: السلام عليكم ورحمة الله، فردَّ عليه فجلس، فقا : ( عِشْرُونَ ) ثم جاء آخر، فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فرد عليه فجلس، فقال: ( ثَلاَثُونَ ). رواه أبو داود ( 5195 ) والترمذي ( 2689 )، وقال: حديث حسن، وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هَذَا جِبْريلُ يَقْرَأُ عَلَيْكِ السَّلاَمُ ) قالت: قلت: وعليه السلام ورحمة الله وبركاته.

رواه البخاري ( 3045 ).

وثمة مسألة اختلف فيها العلماء، هل إذا سلَّم على واحد يقول ” السلام عليك ” أم ” السلام عليكم “؟.

والراجح: جواز الأمرين، وبكلٍّ جاءت السنَّة الصحيحة.

أ. روى الترمذي ( 2721 ) قولَه صلى الله عليه وسلم ( إذا لقي الرجل أخاه المسلم فليقل ” السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ” ) والحديث صححه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

ب. عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ فِي مَشْرُبَةٍ لَهُ فَقَالَ السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ أَيَدْخُلُ عُمَرُ.

رواه أبو داود ( 5203 ) وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

 

 

 

 

* قال النووي – في باب كيفية السلام -:

يستحب أن يقول المبتدئ بالسلام: ” السلام عليكم ورحمة الله وبركاته “، فيأت بضمير الجمع، وإن كان المسلَّم عليه واحدًا.

ويقول المجيب: ” وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته “، فيأتي بواو العطف في قوله: ” وعليكم “. ” رياض الصالحين ” ( ص 446 ).

 

ثانيًا:

وأما زيادة ” ومغفرته “: فلم تصح، لا في إلقاء السلام، ولا في ردِّه.

  1. ما ورد من زيادة ” ومغفرته ” في إلقاء السلام:

عن سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم بمعناه أي – معنى حديث عمران المتقدم – زاد: ” ثم أتى آخر فقال: ” السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته “، فقال: ( أَرْبَعُون ) قال: هكذا تكون الفضائل.

رواه أبو داود ( 5196 ). وقد ضعف هذا الحديث بزيادة ” ومغفرته “: ابن العربي المالكي، والنووي، وابن القيم، وابن حجر، والألباني، رحمهم الله.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

ولا يثبت هذا الحديثُ؛ فإن له ثلاث علل:

إحداها: أنه من رواية أبى مرحوم عبد الرحيم بن ميمون، ولا يُحتج به.

الثانية: أن فيه أيضًا سهلَ بن معاذ، وهو أيضا كذلك.

الثالثة: أن سعيد بن أبى مريم أحدَ رواته لم يجزم بالرواية، بل قال: أظنُّ أنى سمعتُ نافع بن يزيد.

” زاد المعاد في هدي خير العباد ” ( 2 / 417، 418 ).

– وانظر ” السلسلة الضعيفة ” ( 5433 ).

  1. ما ورد من زيادة ” ومغفرته ” في رد السلام:

أ. عن أنس: كان رجل يمُر بالنبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: السَّلامُ عَلَيْكَ يا رسول الله، فيقولُ له النبيُّ صَلى الله عَليه وسلم: ( وَعَلَيْكَ السَّلامُ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُه وَمَغْفِرَتُه وَرضْوَانُه ) فقيل له: يا رسول الله، تُسَلِّم على هذا سلامًا ما تُسلِّمه على أحدٍ من أصحابك؟ فقال: ( ومَا يَمْنَعُني مِنْ ذلِكَ وَهُوَ يَنْصَرِفُ بِأَجْرِ بِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا )، وكَانَ يَرْعَى عَلَى أصْحَابِهِ. رواه ابن السنِّي في ” عمل اليوم والليلة ” ( 235 ).

وهو حديث ضعيف جدًّا، ضعفه ابن القيم في ” زاد المعاد ” 2 / 418 )، وضعفه الحافظ ابن حجر بقوله:

وأخرج ابن السني في كتابه بسند واهٍ من حديث أنس قال: كان رجل يمرُّ ….

” فتح الباري ” ( 11 / 6 ).

ب. عن زيد بن أرقم قال: ” كنَّا إذا سلّم النبي صلى الله عليه وسلم علينا قُلنا: ” وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ومغفرته “.

رواه البيهقي في ” شُعَب الإيمان ” ( 6 / 456 )، وضعفه بقوله :

وهذا إن صحَّ قلنا به، غير أن في إسناده إلى شعبة من لا يحتج به.

* وقال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

وأخرج البيهقي في ” الشعب ” بسند ضعيف أيضًا من حديث زيد بن أرقم … فذكره. ” فتح الباري ” ( 11 / 6 ).

وكل ما ورد من أحاديث في هذا الباب: فليس بصحيح.

وللفائدة: فقد كان الشيخ الألباني قد ذكر تحسين هذه الرواية في ” السلسلة الصحيحة ” ( 1449 ) ثم تبين له ضعفها، فتراجع عنها حديثيًّا، وقال بمقتضاها فقهيّاً ، فرأى جواز الزيادة في رد السلام بهذا لعموم قوله تعالى ( وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا ) النساء/ 86، ولا يسلم له رحمه الله الاستدلال بالآية.

 

ولذا فالأفضل ترك هذه الزيادة في الإلقاء، والرد، والاقتصار على الصحيح الوارد.

تنبيه:

نقل تضعيف زيادة ” ومغفرته ” في رد السلام حديثيًّا عن الشيخ الألباني رحمه الله عنه مباشرة: الشيخ أبو إسحاق الحويني حفظه الله، فليسمع قوله تحت هذا الرابط:

http://www.islamway.com/?iw_s=Lesson…esson_id=28443

والموضع: في الدقيقة: 42 فما بعدها.

وهذا إقرار الشيخ الألباني رحمه الله بصوته لضعف الزيادة:

http://www.alalbany.name/audio/842/842_c_20.rm

 

والله أعلم.

 

زوَّر في أوراق طبية ليحصل على إعادة منحة دراسية، فماذا يترتب عليه؟

زوَّر في أوراق طبية ليحصل على إعادة منحة دراسية، فماذا يترتب عليه؟

السؤال:

أنا طالب، أدرس في الغربة، تأتني نوبات من الربو، تشتد أحيانًا، وتخف أحيانًا أخرى، وهذا المرض يحتاج إلى مصاريف بشكل دائم لشراء الدواء، وإلا أحسست أني أشارف على الهلاك، انقطعتْ منحتي الدراسية لأسباب قانونية، ونظامية، بعثتُ للوزارة بتقرير عن حالتي الصحية، وكان الرد أنهم لن يعيدوا لي المنحة إلا إذا كان تاريخ النوبة خلال امتحانات الفصل الثاني، رغم أن هذه السنة أتتني النوبة، ولكن خلال امتحانات الفصل الأول، وليس الثاني، فما كان مني إلا أن طلبت من الطبيب المشرف على حالتي أن يعدَّ لي تقريرًا، ولكن بالتاريخ الذي تنص عليه الوزارة، وفعلاً تمَّ إعادة المنحة الدراسية، ولكن الآن: هل هذا المال الذي عندي حلال أم حرام؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نسأل الله سبحانه وتعالى بمنّه، وكرمه أن يعافيك وأن يكتب لك الشفاء، والأجر، والثواب, فالمسلم إذا احتسب ما يصيبه كفَّر الله عنه سيئاته، ورفع درجاته، كما جاء في الحديث عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ( مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلاَ وَصَبٍ وَلاَ هَمٍّ وَلاَ حُزْنٍ وَلاَ أَذًى وَلاَ غَمٍّ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا ، إِلاَّ كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ ).

رواه البخاري ( 5318 ) ومسلم ( 2573 ).

 

ثانيًا:

لا يجوز أخذ المال بغير حقٍّ، ولو كان هذا المال لجهة حكومية، ومن قواعد الشريعة المطهرة: أن المال العام يتعلق به حق كل مسلم يعيش في هذه الدولة, فإذا أخذ الإنسان مالًا من الدولة بغير وجه حق: فكأنما أخذه من كل فرد.

* قال الشيخ العثيمين – رحمه الله -:

والعجب من بعض الناس – اللهم اهدنا فيمن هديت – أنهم يقولون: إن مال الحكومة ليس له حرمة، ويماطلون في حق الحكومة، وهذا خطأ، فمال الحكومة له حرمة؛ لأن المال الذي في بيت المال للمسلمين عمومًا، كل إنسان له فيه حق.

” اللقاء الشهري ” ( 74 / السؤال رقم 24 ).

 

 

وما دام أن منْحتك قد انقطعت بسبب ما ذكرتَ من أسباب قانونية، ونظامية, ولا تعلق لذلك بالمرض: فما فعلتَه أنت والطبيب هو كذب، وشهادة زور، وهاتان معصيتان من كبائر الذنوب لا يخفى على مسلم تحريمهما، ويكون المال الذي دُفع لك للمنحة الدراسية محرَّم عليك أخذه، كما يحرم على الطبيب أخذ مال مقابل شهادة الزور التي كتبها لك، وعليه التوبة مما فعله، ويحرم عليه أخذ مقابله شيئًا من المال.

فيجب عليك إرجاع المال الذي أخذتَه في تصرفك ذلك, مع التوبة، والاستغفار, ولك أن تسلك ما تراه مناسبًا من طرق لإرجاع ذلك المال، بوضعه بحسابهم، أو بعدم الطلب منهم ما يكون لك حقًّا عندهم بتلك القيمة.

 

ونرجو أن يكون كسبك بعملك المباح بعد الانتهاء من دراستك لا حرمة فيه؛ حيث إن العمل يكون باعتبار ما تقدمه من شهادة غير مزورة، وليس البحث في المسألة بمصدر المال الذي درستَ به.

 

فإن فعلت ما قلناه لك: فنسأل الله تعالى أن يعوضك خيرًا, ومن ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه، وقال تعالى: ( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِب ) الطلاق/ 2، 3.

 

والله أعلم.

 

 

 

طبيب أسنان يفتي بعض مرضاه بترك المضمضة وبعضهم بالتيمم! فماذا يترتب عليه؟

طبيب أسنان يفتي بعض مرضاه بترك المضمضة وبعضهم بالتيمم! فماذا يترتب عليه؟

السؤال:

أنا طبيب أسنان, في الكثير من الأحيان، وبعد قلع الأضراس: أطلب من المريض بعض النّصائح، كالابتعاد عن المأكولات السّاخنة، والحارّة, ومن ذلك: عدم المضمضة لمدّة أربع وعشرين ساعة على الأقل؛ لتسهيل تخثّر الدّم، ولتلتئم الجروح خلال وقت أسرع، ودون مضاعفات, فيسألني المريض كيف أفعل في الوضوء؟ وكنت أجتهد – غفر اللّه لي وللمؤمنين – فأفتي بإسقاط المضمضة من الوضوء بما أنّها سنّة، وليست من الفرائض في مذهبنا المالكي, وفي أحيان أخرى كنت أنصح بالتّيمّم! وأنا الآن نادم على ذلك إلّا أنّني في حاجة إلى جواب شافٍ أقدّمه لأخي المسلم المريض.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته, وجزاك الله خيرًا، ونفع بك, وزادك حرصًا على تعلم ما ينفعك في أمر دينك، ودنياك، والعتب عليك في إفتائك مرضاك بغير علم، وقد تيسرت سبل الوصول إلى أهل العلم، ومواقع الفتوى، وتيسر الحصول على الكتب الفقهية، وسماع الأشرطة الصوتية، بما تقام به الحجة على كثير من الناس لطلب العلم الواجب عليهم، ولعدم الإفتاء بغير علم، وأنت قد أخطأتَ بقولك لمرضاك بالتيمم، وهو قول ليس له أساس من الصحة، وأما القول بترك المضمضة باعتبار أنها سنَّة: فهو جارٍ على المذهب المالكي، بل على قول الجمهور من أهل العلم، وإن كنَّا نرجح وجوبها.

ثانيًا:

مسألة المضمضة والاستنشاق من المسائل التي اختلف فيها العلماء، فمن قائل بالاستحباب، وهم الجمهور، ومن قائل بالوجوب، وهو مذهب جماعة من السلف، وبعض المحققين ممن بعدهم، ومن المعاصرين، وهو الذي يظهر رجحانه.

* قال الشوكاني – رحمه الله -:

فاعلم أنه قد اختلف في الوجوب وعدمه، فذهب أحمد، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور، وابن المنذر، ومن أهل البيت: الهادي، والقاسم، والمؤيد بالله: إلى وجوب المضمضة، والاستنشاق، والاستنثار, وبه قال: ابن أبي ليلى، وحمَّاد بن سليمان، وفي ” شرح مسلم ” للنووي: أن مذهب أبي ثور، وأبي عبيد، وداود الظاهري، وأبي بكر بن المنذر، ورواية عن أحمد: أن الاستنشاق واجب، في الغسل، والوضوء، والمضمضة سنَّة فيهما, وما نقل من الإجماع على عدم وجوب الاستنثار: متعقب بهذا ….

وذهب مالك، والشافعي، والأوزاعي، والليث، والحسن البصري، والزهري، وربيعة، ويحيى بن سعيد، وقتادة، والحكَم بن عتيبة، ومحمد بن جرير الطبري، والناصر – من أهل البيت -: إلى عدم الوجوب.

وذهب أبو حنيفة، وأصحابه، والثوري، وزيد بن علي – من أهل البيت عليهم السلام -: إلى أنهما فرض في الجنابة، وسنَّة في الوضوء؛ فإن تركهما في غسله من الجنابة: أعاد الصلاة. ” نيل الأوطار ” ( 1 / 172 ).

ومن أقوى ما استدل به من قال بالوجوب:

أ. حديث لقيط بن صبرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إذَا تَوَضَّأْتَ فَمَضْمِضْ ). رواه أبو داود ( 144 )، وصححه ابن حجر في ” فتح الباري ”  ( 1 / 262 ).

ب. عدم ترك النبي صلى الله عليه وسلم للمضمضة في وضوئه في حياته كلها.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

ولم يتوضأ صلى الله عليه وسلم إلا تمضمض، واستنشق، ولم يُحفظ عنه أنه أخلَّ به مرَّة واحدة. ” زاد المعاد ”  ( 1 / 194 ).

* وقال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

ولم يحكِ أحدٌ ممَّن وصف وضوءه عليه الصلاة والسلام على الاستقصاء: أنه ترك الاستنشاق، بل ولا المضمضة، وهو يرد على من لم يوجب المضمضة أيضًا، وقد ثبت الأمر بها أيضا في سنن أبي داود بإسناد صحيح.

” فتح الباري ” ( 1 / 262 ).

– وقد سبق في جواب لنا بيان أن الوضوء، والاغتسال، لا يصحان إلا بالمضمضة، والاستنشاق.

ثالثًا:

وما دمت أنك كنت تعتقد عدم وجوب المضمضة والاستنشاق تقليدًا لمذهب المالكية: فلا إثم عليك، ولا حرج, ولكن إذا تبيَّن لك وجوب المضمضة والاستنشاق: فلا بد من القول، والعمل، بهذا الحكم؛ لأن الاعتبار في المسائل الخلافية هو الدليل لمن يستطيع النظر في الأدلة، ومعرفة الراجح من المرجوح, وأما من كان لا يستطيع ذلك: فليقلد من يثق بدينه وعلمه.

رابعًا:

وأما إسقاط الوضوء إلى التيمم بعذر عدم قدرة المريض على المضمضة: فهو قول شاذ؛ لأنه يجب على الإنسان أن يأتي بما يقدر عليه من العبادة، ويسقط عنه ما يعجز عن القيام به من أعمالها، قال تعالى: ( لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا ) البقرة/ 286، وجاء في الحديث عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ( وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ ). رواه البخاري ( 6858 ) ومسلم ( 1337 ).

فعلى ذلك: فالواجب أن يأتي المريض بما يستطيع فعله من أفعال الوضوء، ويجتنب ما يخاف ضرره, أو ما فيه تأخير برئه، فيتوضأ وضوءً كاملًا ويترك إدخال الماء في فمه، وليغسل شفتيه دون مس الماء لأسنانه إن استطاع ذلك بلا حرج.

* قال ابن القيم – رحمه الله – في معنى الحديث السابق -:

المكلف إذا عجز عن جملة المأمور به: أتى بما يقدر عليه منه، كمن عجز عن القيام في الصلاة، أو عن إكمال غسل أعضاء الوضوء، أو عن إكمال الفاتحة، أو عن تمام الكفاية في الإنفاق الواجب, ونحو ذلك: أتى بما يقدر عليه، ويسقط عنه ما عجز عنه. ” مدارج السالكين ”  ( 1 / 382 ).

فينصح المريض بترك ما يخاف ضرره، كترك المضمضة – مثلًا – بشرط  أن يتأكد الضرر, أو يكون محتملًا راجحًا، أو ينصح بتخفيف المضمضة، وعدم المبالغة، على حسب حالته, ومقدار خوف الضرر.

وقد رجحنا في موقعنا أن من عجز عن غسل عضو من أعضاء الوضوء لترتب مضرة على ذلك: أنه يتيمم عنه.

وعليك التوبة والاستغفار بما قلتَه مما يخالف الشرع، وإن علمتَ أحدًا مما أفتيته بالتيمم: فأخبره بالصواب من القول، وليس عليهم إعادة لما قد صلوه بالتيمم.

 

والله أعلم.