الرئيسية بلوق الصفحة 78

أسباب الشعور بعقدة النقص في الذات وفي الإسلام، وعلاج ذلك

أسباب الشعور بعقدة النقص في الذات وفي الإسلام، وعلاج ذلك

السؤال:

ما توجيهكم لمشكلة، أو عقدة: ” الشعور بالنقص “؟ فأنا أرى العديد من الإخوة، والأخوات متأثرين بهذا الأمر, فهناك نوع من الخجل عندما يتكلمون عن دينهم. أرجو أن تكون قد فهمت سؤالي يا فضيلة الشيخ.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

سنجعل جوابنا عامًّا يشمل مشكلة ” النقص ” باعتباره موجودًا في الداعية، وباعتبار وجوده في المدعو إليه.

أما الأول: فهو ما يعاني منه بعض الناس في دعوتهم لغيرهم، وهدايتهم لهم، حيث يعتقد في نفسه أنه ناقص عن غيره، فتدفعه هذه ” العقدة ” للتوقف عن دعوة الآخرين، وفي اعتقاده أنه أصاب في ذلك، وأنه ليس له أن يدعو حتى يكون واثقًا من نفسه، وهذا لا شك ولا ريب أنه من الشيطان، وأنه أراد بذلك أن يحتقر المسلم نفسه حتى يكف عن هداية الآخرين، ودعوتهم إلى الخير، وحتى يعالج المسلم ذلك في نفسه: فإن عليه أن ينتبه لما نقول، وأن يعمل بما ننصحه به:

  1. إن الذي يحتقر نفسه، ويشعر بنقص فيه: هو في حقيقة الأمر غير شاكر لنعَم الله تعالى عليه، ولو أنه تأمَّل في نفسه: لوجد أنه يتمتع بنعم من الله جليلة، وأن عنده من المواهب والقدرات ما ليس عند غيره، وأنه يستطيع أن يقدِّم لدينه ما لا يقدِّمه غيره، لكن غفلته عن تلك المواهب والقدرات دفعته للاعتقاد بخلوها منه.
  2. إذا اعتقد المسلم أنه ناقص وأنه لا بدَّ أن يتوقف عن دعوة الآخرين حتى يكون كاملًا: فهو مخطئ؛ لأن الله تعالى خلق الناس وجعلهم درجات، فلأي درجة يريد هذا أن يصل؟ ولو تأمل في حال غيره لوجدهم مختلفين في طرق دعوتهم لغيرهم، فهذا أتقن الخطابة، وذاك أجاد في الوعظ، ومنهم من يدعو بقلمه، وآخر يدعو بسلوكه وأخلاقه، وهكذا، ولو توقف كل واحد من الدعاة حتى يصير كأبي بكر، أو عمر، أو أحمد بن حنبل، أو ابن تيمية: لما وصلت دعوة الإسلام لأحدٍ، بل لأمكن أن يُحرمها أولئك الأعلام! وليعلم هذا الأخ أن الله تعالى سائله يوم القيامة عن نعمه التي وهبه إياها ماذا فعل بها، وليعلم أن الناس لن يكونوا في درجة واحدة، فليقطع الطمع بذلك، وفي ذلك يقول الله تعالى: ( وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ) الأنعام/ 165.
  3. ولو فرضنا أن المسلم الداعية يشعر بنقصٍ فيه، وهو في حقيقة الأمر موجود غير موهوم: فليعلم أن الله تعالى لم يكلف ما لا يستطيع، ولا يحاسبه عليه، وأنه قد كلفه بما يقدر عليه، ويحاسبه على تركه، والواقع أنه مثل هؤلاء يتركون الدعوة بالكلية، فيكون في فعلهم هذا ترك لما يستطيعونه ويقدرون عليه، وعلليه: فهم معرضون للوعيد على ذلك الترك.
  4. وإذا كان الشعور بالنقص عند المسلم الداعية له أصل وسبب، فليبحث بجد عن هذه الأسباب، وليتخلص منها، فقد تكون عنده معاصٍ بحاجة لتوبة منها، أو عادات غريبة عن مجتمعه فليجاهد نفسه ليبتعد عنها، وهكذا نستثمر تلك ” العقدة ” و ” المشكلة ” لتحويلهما إلى أمر إيجابي، وهو إصلاح النفس، وتهذيبها، وتخليصها من شرورها ومعاصيها.

وأما إن كانت هذه الأسباب تتعلق بخلقة الله له تعالى، وتقديره أن يكون على هيئة معينة، أو يكون منتسبًا لقبيلة معينة، أو تكون حالته المادية ضعيفة: فمثل هذا لا ينبغي أن يلتفت له أصلًا، وإنما عليه أن يبحث عما يمكن تغييره مما هو متلبس به مما لا يحبه الله تعالى، ولا يرضاه، ويترتب عليه عقاب ووعيد.

  1. وليعلم هؤلاء الذين يتركون الدعوة إلى الله بسبب تلك الأوهام بالنقص: أنهم بقدر ابتعادهم عن الخير سيكون اقترابهم من الشر، وبقدر ابتعادهم عن أهل الخير: سيكون اقترابهم من أهل السوء، فليتدارك كل واحد منهم نفسه قبل أن يأتي وقت لا ينفع فيه الندم.

 

ثانيًا:

وأما الثاني: وهو ما يوجد عند بعض المنتسبين إلى الإسلام : فهو أنه يخجلون من الدعوة إلى الإسلام، ظانين النقص فيه! وهذا أمرٌ عظيم، ولا ينبغي السكوت عنه، ولنا لهؤلاء نصائح وتوجيهات نرجو أن تكون علاجًا لمصيبتهم تلك:

  1. الانتساب للإسلام مصدر فخر، وعزَّة، وهي نعمة حُرمها مليارات من البشر قديمًا وحديثًا، واصطفاء الله للمسلم ليكون منتسبًا لخير دين: نعمة عظيمة، عليه أن يقابلها بعظيم الشكر، وديمومته، وإذا دعا غيره إلى الإسلام: افتخر بمنَّة الله تعالى، وفرِح بحصوله على تلك النعمة العظيمة، وسعِد بسلوكه طريق الأنبياء والمرسَلين.

* قال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

وقد ورد في فضل الدعوة والدعاة آيات، وأحاديث كثيرة, كما أنه ورد في إرسال النبي صلى الله عليه وسلم الدعاة أحاديث لا تخفى على أهل العلم, ومن ذلك قوله جل وعلا: ( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ )، فهذه الآية الكريمة فيها التنويه بالدعاة، والثناء عليهم, وأنه لا أحد أحسن قولًا منهم, وعلى رأسهم: الرسل عليهم الصلاة والسلام, ثم أتباعهم، على حسب مراتبهم في الدعوة، والعلم، والفضل, فأنت يا عبد الله يكفيك شرفًا أن تكون من أتباع الرسل, ومن المنتظمين في هذه الآية الكريمة ( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ )،

المعنى: لا أحد أحسن قولًا منه؛ لكونه دعا إلى الله، وأرشد إليه، وعمل بما يدعو إليه, يعني: دعا إلى الحق، وعمل به, وأنكر الباطل، وحذَّر منه, وتركه, ومع ذلك صرَّح بما هو عليه, لم يخجل، بل قال: ” إنني من المسلمين “, مغتبطًا، وفرِحا بما منَّ الله به عليه, وليس كمن يستنكف عن ذلك، ويكره أن ينطق بأنه مسلم, أو بأنه يدعو إلى الإسلام, لمراعاة فلان، أو مجاملة فلان, ولا حول ولا قوة إلا بالله, بل المؤمن الداعي إلى الله القوي الإيمان, البصير بأمر الله: يصرِّح بحق الله, وينشط في الدعوة إلى الله، ويعمل بما يدعو إليه, ويحذِّر ما ينهى عنه, فيكون من أسرع الناس إلى ما يدعو إليه, ومن أبعد الناس عن كل ما ينهى عنه, ومع ذلك يصرِّح بأنه مسلم، وبأنه يدعو إلى الإسلام, ويغتبط بذلك، ويفرح به، كما قال عز وجل: ( قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ )، فالفرح برحمة الله، وفضله – فرح الاغتباط , فرح السرور -: أمر مشروع.

” فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 1 / 333، 334 ).

  1. وبتأمل حال من يشعر بتلك العقدة – عقد النقص في الإسلام – حتى إنه ليخجل من دعوة الناس إليه: أنه يجهل أحكام الإسلام، وحِكَمه، وإنما أوتي من هذا الباب، ولو أن أولئك وقفوا على تشريعات الله تعالى، وفهموا مراد الله منها: لعلموا أن الإسلام جاء لإصلاح العالَم، سواء في تشريعاته السياسية، أو الاجتماعية، أو النفسية، وغيرها مما فيه خير الناس في دنياهم وأخراهم، ولو ذهبنا نعدد تلك التشريعات الآمرة، أو الناهية: لأخذ ذلك منا وقتًا طويلًا، ولامتلأت الصفحات، وحسبنا هنا أن نشير إلى سؤال ” هرقل ” النصراني أبا سفيان لمَّا كان كافرًا عن حقيقة ما يأمرهم به النبي صلى الله عليه وسلم، فماذا كان جواب أبي سفيان؟ قال: يقول: ” اعبدوا الله وحده، لا تشركوا بالله شيئًا، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة، والصدق، والعفاف، والصلة ” رواه البخاري ( 7 ) ومسلم ( 1773 ).

وحتى ما يشيعه المغرضون من أحكام في الإسلام، من تشريع التعدد في الزوجات، أو الحدود في الزنا، والردة، أو في عموم أحكام المرأة: كل ذلك يدعونا للفخر بوجوده في ديننا؛ لأن في الالتزام بما جاء به الإسلام صلاح الفرد، والأسرة، والمجتمعات، وما يحدث من طعن وتشكيك في حكَم تلك الأحكام لا يعدو أن يكون محض افتراء، وكذب، وجهل منهم بحقيقة التشريع، وحكَمه.

  1. وإن بعض من يشعر بتلك العقدة: يخلط بين الإسلام والمسلمين! وثمة فرق كبير بين تشريعات الإسلام، وأفعال المسلمين، وإننا لنرى الآلاف يدخلون كل يوم في دين الله، وهم يرون الحال المزري لكثير من المسلمين، فما منعهم ذلك من إعلان إسلامهم، وافتخارهم بالانتماء إليه، بل صاروا دعاة جادِّين، فها هم القوم المدعوون قد فهموا أنه لا علاقة بين أفعال المخالفين للإسلام من المسلمين وبين ما جاء به الإسلام من تشريعات وأحكام يحق لكل منتسب للإسلام أن يفخر بها.
  2. ثم إننا لنعجب من أولئك الذين يرون في الإسلام ما يُخجل من الدعوة إليه وهم يرون الكفر وأهله كيف حالهما، وبنظرة إلى أكثر الأديان أتباعاً في زمننا هذا نجد أنهم عبَّاد الأحجار والبقر والبشر! فها هم أتباع بوذا يعدون بمئات الملايين، وها هم الهندوس عبَّاد البقر كذلك، وها هم النصارى عبَّاد عيسى بالمليارات! فهل يجد العاقل المنصف مجالًا للمقارنة بين ما جاء به الإسلام من توحيد وتشريعات، وبين ما عليه أولئك القوم من شرك، وسخافة؟! هذا مع ما يفعلونه في الأرض من فساد، وتقتيل، وإجرام، وخاصة في المسلمين المستضعفين.
  3. ومع ذلك: فإنك تجد الدعاة المخلصين لتلك الأديان المحرَّفة والسخيفة، وتجد من يبذل غالي وقته من أجلها، ويبذل ماله من أجل نشر دينه، ولا يخجل أحدهم من الجهر بعبادة صنمه، أو بقرته، أو ادعاء الألوهية لبشر مثله، ومع ذلك تجد من المسلمين من يرى نقصًا في الإسلام أن يدعو الناس إليه، وهو يرى أنه لا منقذ لأولئك من نار جهنم إلا بدخولهم في الإسلام، دين التوحيد، والتشريعات العظيمة.

وأخيرًا :

فإننا نخشى على من يرى في الإسلام ما يُخجل منه: نخشى عليه الكفر؛ لأنه يعتقد أن الدين ناقص، وأنه لا يصلح للمجتمعات أن تدين الله تعالى به، ومثل هذا لا نريد داعية، بل نريده أن يصحح مفهومه نحو الإسلام، وإلا وقع في الردة، وإننا لنأسف أن قد وجدنا من اليهود من فهم الإسلام أكثر من أولئك، وليتأملوا هذه القصة ليتأكد لهم صدق ما نقول:

عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ مِنْ الْيَهُودِ لِعُمَرَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ: لَوْ أَنَّ عَلَيْنَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإسْلَامَ دِينًا ) لاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا، فَقَالَ عُمَرُ: إِنِّي لأَعْلَمُ أَيَّ يَوْمٍ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، نَزَلَتْ يَوْمَ عَرَفَةَ، فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ. رواه البخاري ( 6840 ) ومسلم ( 3017 ).

فتأمل هذه الآية كيف أن الله امتنَّ فيها على المسلمين بكمال الدين، وإتمام النعمة، والرضا لهم بالإسلام دينًا، وكيف أن اليهودي قد علم عظمة هذه الآية، وتمنى أنها لو كانت أنزلت عليهم، ثم نجد من المسلمين من يرى في الإسلام نقصًا، وتشريعات تجعله يخجل من الانتساب له، والدعوة إليه!.

وعسى الله أن يهدي ضال المسلمين، ويوفقهم لإصلاح أنفسهم.

 

والله أعلم.

 

 

كان مسلمًا ثم رجع إلى بلاده وارتد ثم عاد إلى بلدٍ إسلامي فهل هو معاهد؟ وكيف نعامله؟

كان مسلمًا ثم رجع إلى بلاده وارتد ثم عاد إلى بلدٍ إسلامي فهل هو معاهد؟ وكيف نعامله؟

السؤال:

رجل كان يعمل في بلاد إسلامية، وهو مسلم، ثم خرج إلى بلاده، وارتد عن الإسلام، ثم عاد إلى البلاد الإسلامية التي كان يعمل فيها وهو غير مسلم.

السؤال:

هل ينطبق عليه إذا عاد ليعمل في البلاد الإسلامية أحكام المرتد، أم أنه ينطبق عليه أحكام المعاهد؟. أرجو التوضيح، وما هي الطريقة المُثلى للتعامل معه؟.

جزاكم الله خيرًا، ورفع قدركم في الدنيا، والآخرة.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

من كان مسلمًا ثم ارتدَّ عنه إلى الإلحاد: فهو مرتد، لا إشكال في ذلك، ومن ارتد عن الإسلام إلى غيره الأديان لم يُنسب إلى ذلك الدين، ولم يأخذ أحكامه، بل هو مرتد كسابقه، يعامل معاملة المرتدين، يستتاب ليرجع إلى الإسلام، فإن تاب ورجع وإلا قُتل كفرًا.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

لو كان عندنا كافر ملحد غاية الإلحاد: نقرُّه على دينه، لكن لو ارتد أحدٌ إلى اليهودية، أو النصرانية: لا نقرُّه؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم صلّى الله عليه وآله وسلّم: ( مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوه ) – رواه البخاري ( 2854 ) – يعني: مَن بدَّل دين الإسلام: فإننا نقتله، إذاً المرتد لا يرث أحدًا، ولا أباه، ولا أمَّه، ولا ابنه؛ لأنه مرتد، مخالف للدين، وليس على دين؛ لأنه لا يُقرُّ على هذا الدِّين.

” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 11 / 306 ).

* وعليه:

فمن كان مسلمًا ثم صار نصرانيًّا أو يهوديًّا: لم تحل ذبيحته؛ لأنه ليس كتابيًّا، بل هو مرتد لا تؤكل ذبيحته، وإن كانت امرأة: لم يحل نكاحها؛ للسبب نفسه، وهؤلاء لا يكونون ذميين، ولا معاهِدين، ولا مستأمَنين؛ لأن هذه الأحوال إنما تكون لكافرٍ أصلي، لا لمرتد، فليس أمام المرتد عن الإسلام إلا أن يرجع لدينه، أو يختار القتل كفرًا على ذلك.

* قال الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله -:

والمرتد في الاصطلاح: هو الذي يكفر بعد إسلامه طوعًا، بنطق، أو اعتقاد، أو شك، أو فعل.

والمرتد: له حكم في الدنيا، وحكم في الآخرة:

أما حكمه في الدنيا: فقد بيَّنه الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: ( مَنْ بدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ )، وأجمع العلماء على ذلك، وما يتبع ذلك من عزل زوجته عنه، ومنعه من التصرف في ماله قبل قتله.

وأما حكمه في الآخرة: فقد بيَّنه الله تعالى: بقوله ( وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ).

والردة تحصل بارتكاب ناقض من نواقض الإسلام ، سواء كان جادًّا، أو هازلًا، أو مستهزئًا، قال تعالى: ( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ).

” الملخص الفقهي ” ( 2 / 565 ، 566 ).

وينبغي التنبه إلى حدَّ الردة – ومثله بقية الحدود – لا يقيمه إلا الخليفة، أو نائبه، بإجماع العلماء، ولا يجوز لآحاد الناس تنفيذ الحدود بأنفسهم.

ثانيًا:

ثم إننا نوضح خطأ وقع فيه السائل، وهو ظنه أن المعاهد هو الكافر الذي يكون بين أظهر المسلمين في بلادهم، وهذا ليس هو ” المعاهِد “، بل هو ” الذمِّي “، والمعاهد هو الكافر يكون في بلده، وبيننا وبينه عهد على عدم المقاتلة.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

والفرق بين الثلاثة – الذمي، والمعاهِد، والمستأمَن -:

أن الذمِّي: هو الذي بيننا وبينه ذمة، أي: عهد، على أن يقيم في بلادنا معصومًا مع بذل الجزية.

وأما المعاهِد: فيقيم في بلاده، لكن بيننا وبينه عهد أن لا يحاربنا، ولا نحاربه.

وأما المستأمَن: فهو الذي ليس بيننا وبينه ذمَّة، ولا عهد، لكنَّنا أمنَّاه في وقت محدد، كرجل حربي دخل إلينا بأمان للتجارة، ونحوها، أو ليفهم الإسلام، قال تعالى: ( وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ) التوبة/ من الآية 6. ” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 9 / 499 ).

ثالثًا:

وأما بخصوص طريقة التعامل معه: فتكون كغيره من الكفار الذين يُتلطف بدعوتهم للإسلام، وليس ثمة حدود تطبق – وللأسف – على المرتدين، فلم يبق أمامكم إلا دعوته بالحسنى، وتذكيره بسالف أيامه يوم كان مسلمًا، وأنه لا بدَّ ويشعر بالفرق بين حياته في الإسلام، وحياته خارجه، ثم يعرَّف على أبناء جلدته من المسلمين؛ ليكون أقرب إلى لغته، وبيئة بلده، وللهدية مفعولها الطيب في نفوس الأحرار، فتعاهدوه بهدايا يحتاجها، تصلون من خلالها لقلبه، وإن كان عنده معاملة متعسرة أن تعينوه عليها، وتسهلوا أمر معاشه، فمن شأن ذلك كله أن يجعله يعيد النظر بفعله، ولعله أن يعود الإسلام قبل موته، ويُكتب ذلك في ميزان حسناتكم.

وهذا كله في المعاملة، أما الحكم: فسبق أنه ليس كالكافر الأصلي، فالمرتد لا يجوز للمسلم أن يرثه، ولا هو يرث مسلمًا، والمرتدة لا تُنكح، وإن كان تحت المرتد امرأة مسلمة: فسخ عقد نكاحها، وغير ذلك من الأحكام، فينبغي التفريق بين الأحكام، والمعاملة، ولو كانت تطبق الحدود الشرعية على المرتدين لما احتجنا لهذا كله؛ لأن المرتد – كما سبق – ليس أمامه إلا أن يرجع إلى الإسلام، أو يُقتل في حال إبائه.

 

والله أعلم.

أصدقاؤه يختلسون من بنوك بحجة أنها دولة كافرة محاربة للإسلام فهل يبلغ عنهم؟

أصدقاؤه يختلسون من بنوك بحجة أنها دولة كافرة محاربة للإسلام فهل يبلغ عنهم؟

السؤال:

أنا مسلم، أعيش في بريطانيا، ولدي بعض الأصدقاء المسلمين، المنخرطين في أعمال النصب، والاحتيال ضد بعض البنوك الحكومية، حاولت عدة مرات أن أوقفهم، ولكنهم يتحججون بقولهم إن الحكومات الغربية تستحق هذا، وإنهم يستغلون العرب والمسلمين في بلدانهم، فما يقومون به ما هو إلا نوع من الانتقام على حد زعمهم.

فكرت أن اشكوهم إلى السلطات هنا، لكن لا أدري ما الحكم في هذا، وما مدى جدوى ذلك، فما هي نصيحتكم؟. وجزاكم الله خيرًا.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الواجب على المسلمين الالتزام بأحكام الإسلام حيثما كانوا، وأينا وجدوا، ويتحتم عليهم ذلك إن كانوا بين ظهراني الكفار؛ ليكونوا دعاة لدينهم بسلوكهم، وأعمالهم، وليكونوا نماذج يُحتذى بها مما يسهم ذلك في إنقاذ الكثيرين من الضلالة والعمى إلى الهداية والبصيرة، ومثل هذا الأمر كان السبب الرئيس في دخول المليارات – دون مبالغة – في الإسلام، وصارت أعمالهم في صحائف من كانوا السبب في هدايتهم، ونعني به التجار – وخاصة الحضارمة – والذين كانوا مُثلًا في السلوك والأعمال في تجارتهم في ” قارة آسيا ” مما تسبب في إسلام العدد الكبير من الناس، ولا يزالون يتوالدون ويكثرون، حتى صارت بعض بلادهم أكثر دول العالم عددًا من المسلمين.

وما نسمعه عن سرقة، واختلاس بعض المسلمين في ” أوربا ” و ” أمريكا ” لمتاجر، وبنوك، مما يؤسَف له، وهو ليس من أخلاق المسلمين، ولا من أفعالهم.

* وتذرعهم بكون الدولة محاربة للإسلام يرد عليه من وجهين:

الأول: أنه لو فُرض أنها دولة محاربة: فهذا لا ينطبق على جميع أفرادها، بل قد عُلم باليقين أنه ثمة من يخالف دولته في حربها على الإسلام وعلى المستضعفين، بل ويحاكم قادته، ويسقطهم أحيانًا! فمن العدل أن لا تُنسب المحاربة لكل فرد من أفراد تلك الدولة.

الثاني: أنه لو فُرض أنها دولة محاربة: فقد دخل إليها هؤلاء بالأمان، وهو تأشيرة الزيارة، أو الإقامة، وهذا يمنعهم من التعدي على أموالهم، واستباحة دمائهم.

ثم إن هؤلاء إنما يأخذون الأموال لأنفسهم، وليس يجعلونها للمسلمين عامة، وهو يدل على أن الاستباحة لذلك المال هي اتباع هوى من قبلهم، وليس لهم أن يجمعوا بين الاختلاس للمال الحرام، وبين نسبة ذلك للشرع.

* والواجب عليهم الآن:

  1. التوبة والاستغفار مما فعلوا من الاختلاس.
  2. إرجاع الأموال التي اختلسوها لأصحابها بالطريقة ذاتها التي استعملوها في الاختلاس، أو بطريقة أخرى مناسبة، دون الحاجة للكشف عن هوياتهم.

ثانيًا:

وأما بخصوص ما سألت عنه أخي السائل عن حكم التبليغ عن أولئك الأصدقاء للجهات المسئولة: فيتجاذب ذلك أمران:

الأول: أن التبليغ عنهم قد يتسبب في الإساءة للإسلام، وفي التسبب لهم بعقوبة أكبر وأشد مما يستحقون في شرع الله، وهؤلاء لن يحاكموا أولئك الشباب وفق شرع الله تعالى، بل بحسب قوانينهم الوضعية.

والثاني: أن عدم التبليغ عنهم يعني استمرارهم في الإثم والعدوان، ويعني استمرار اختلاس تلك الأموال، والتسبب لهم بالضرر، إما لهم في حال عدم تحمل البنك للمسئولية عن ذلك الاختلاس، أو للمؤسسات التي اختُلس منها، وهي شركات مساهمة غالبًا.

ولو كان الحكم على أولئك وفق شرع الله تعالى، وكانوا قد رفضوا النصح في الكف، وفي إرجاع المال لأهله: لقلنا بوجوب التبليغ عنهم للجهات المسئولة، أما وإن الحكم عليهم سيكون وفق قوانين أرضية: فإن الذي نراه هو: عدم التبليغ عنهم للسلطات الحكومية، واستمرار نصحهم، وتذكيرهم، ويمكنك الانتقال إلى مرحلة أخرى وهي تخويفهم، وتهديدهم بالإبلاغ عنهم، وأما فعل ذلك على الحقيقة: فلا نراه جائزًا في ظل الإسراف في العقوبة، وفي ظل إهانة الإسلام في حال وقوع هؤلاء تحت أيدي السلطة، وهذا هو فقه الإمام أحمد رحمه الله في السلطان الشرعي الذي يتجاوز الحد في العقوبة الحديَّة أو التعزيرية، فأولى أن يكون فيمن يحكم بقانون أرضي.

* قال ابن رجب الحنبلي – رحمه الله -:

وكره الإمام أحمد رفعَ الفسَّاق إلى السلطان بكلِّ حال، وإنما كرهه لأنهم غالبًا لا يقيمون الحدود على وجوهها، ولهذا قال: إن علمتَ أنه يقيم عليه الحدَّ: فارفعه، ثم ذكر أنهم ضربوا رجلًا فمات، يعني: أنه لم يكن قتله جائزًا.

” جامع العلوم والحكم ” ( 1 / 341 ).

والله أعلم.

هل نقض نظرية التطور الدارونية تشمل تطور الحيوان والنبات؟

هل نقض نظرية التطور الدارونية تشمل تطور الحيوان والنبات؟

السؤال:

أنا طالب سنة أولى في الجامعة، وأدرس ” كورس ” في علم الأحياء، وتعلمنا من خلال هذا ” الكورس ” نظرية التطور التي تقول إن الإنسان كان في الأصل قردًا، ولكني لا أؤمن بهذه الخزعبلات، لكن ماذا بالنسبة للنباتات، والحيوانات، هي تنطبق عليها نظرية التطور فعلًا، لأن بعض الطلاب هنا، والدكاترة: يجرون البحوث، تلو البحوث في إثبات أن بعض فصائل النبات، وبعض فصائل الطيور: مرت بمراحل تطور مختلفة.

أنا في شك من هذا الموضوع بالكلية؛ لأني لا أريد أن أصدق شيئًا إلا بدليل من الشرع، فهل هناك دليل على هذا الكلام من الكتاب أو السنَّة؟.

جزاكم الله خيرًا.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

مما لا شك فيه أن نظرية دارون الإلحادية قد أصبحت في مزبلة التاريخ، وقد فنَّدها علماء الغرب الكافر قبل علماء الإسلام؛ لمخالفتها للمعقول، وللأديان.

وقد جاء في ” الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة ” – بعد الكلام عن تلك نظرية – ( 2 / 940 ، 941 ):

* ويتضح مما سبق:

أن نظرية ” داروين ” دخلت متحف النسيان بعد كشف النقاب عن قانون ” مندل ” الوراثي ، واكتشاف وحدات الوراثة – الجينات – باعتباره الشفرة السرية للخلق ، واعتبار أن ” الكروموسومات ” تحمل صفات الإنسان الكاملة ، وتحفظ الشبه الكامل للنوع .

ولذا يرى المنصفون من العلماء أن وجود تشابه بين الكائنات الحية دليل واضح ضد النظرية؛ لأنه يوحي بأن الخالق واحد، ولا يوحى بوحدة الأصل، والقرآن الكريم يقرر بأن مادة الخلق الأولى للكائنات هي الماء، ( وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِن مَّاء ) النور/ 4، ( وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ) الأنبياء/ 30.

وقد أثبت العلم القائم على التجربة: بطلان النظرية بأدلة قاطعة، وإنها ليست نظرية علمية على الإطلاق.

والإسلام، وكافة الأديان السماوية تؤمن بوجود الله، الخالق، البارىء، المدبِّر، المصور، الذي أحسن صنع كل شيء خلقه، وبدأ خلق الإنسان من سلالة من طين، ثم خلقه من نطفة في قرار مكين، والإنسان يبقى إنسانًا بشكله، وصفاته، وعقله، لا يتطور، ولا يتحول، ( وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ). انتهى.

ثانيًا:

ولا يختلف نقض تلك النظرية في الحيوان والنبات، وقد نقض أهل الاختصاص القول بالتطور في الحيوان والنبات بما يجعل تلك النظرية غير قابلة للاستمرار بها بحثًا، فضلًا عن تصديقها، واعتقادها.

ومن هذه الأدلة – فيما يتعلق بالحيوان والنبات موضوع السؤال -:

أولًا: إن الواقع الذي نشاهده يتنافى مع ما أسماه ” داروين ” بـ ” البقاء للأصلح “، فالأرض بما قطعته من مراحل في عمرها المديد، تعج بـ ” الأصلح، وغير الصالح “، من شتى أصناف الحيوانات، ولو كان قانونه صحيحًا, لكان من أبسط مقتضياته الواضحة: أن يتجاوز موكب السباق بين الكائنات الحية نقطة البدء على أقل تقدير مهما فرضنا حركة التطور بطيئة، ولكن ها هي ذي نقطة البدء لا تزال تفور بكائناتها الضعيفة المختلفة، ولا تزال تتمتع بحياتها، وخصائصها، كما تمتعت بها الكائنات الحية السابقة، مِثلًا بمِثل، وعلى العكس من ذلك نجد حيوانات عليا كالديناصورات انقرضت، بينما ظلت الحشرات الدنيا كالذباب والبرغوث باقية، وبقي من هم أضعف من هؤلاء، يقول البروفسور الفرنسي ” Etienme Rebaud ” في كتابه: ” هل يبقى الصالح أم غير الصالح ” ( ص 40 ): ” لا وجود للانتخاب الطبيعي في صراع الحياة بحيث يبقى الأقوياء ويزول الضعفاء، فمثلًا: ضب الحدائق يستطيع الركض بسرعة؛ لأنه يملك أربعة أرجل طويلة، ولكن هناك في نفس الوقت أنواع أخرى من الضب لها أرجلٌ قصيرة حتى لتكاد تزحف على الأرض، وهي تجر نفسها بصعوبة … وهذه الأنواع تملك البنية الجسدية نفسها حتى بالنسبة لأرجلها، وتتناول الغذاء نفسه، وتعيش في البيئة نفسها، فلو كانت هذه الحيوانات متكيفة مع بيئتها: لوجب عدم وجود مثل هذه الاختلافات بين أجهزتها “.

وعلى عكس مفهوم الانتخاب الطبيعي فإن كل هذه الأنواع ما تزال حية، وتتكاثر، وتستمر في الحياة، وهناك مثال: الفئران الجبلية التي تملك أرجلًا أمامية قصيرة، وهي لا تنتقل إلا بالطفر في ” حركات غير مريحة “، ولا تستطيع كثير من الحشرات الطيران رغم امتلاكها لأجنحة كبيرة، فالأعضاء لم توجد في الأحياء كنتيجة لتكيف هذه الأحياء مع الظروف، بل على العكس فإن ظروف حياتها هي التي تتشكل وفقاً لهذه الأعضاء ووظائفها.

ثانيًا: إذا كان التطور يتجه دائمًا نحو الأصلح: فلماذا لا نجد القوى العاقلة في كثير من الحيوانات أكثر تطورًا وارتقاءً من غيرها، ما دام هذا الارتقاء ذا فائدة لمجموعها؟ ولماذا لم تكتسب القردة العليا من القوى العاقلة بمقدار ما اكتسبه الإنسان مثلًا؟ فالحمار منذ أن عُرف إلى الآن ما زال حمارًا.

لقد عرض ” داروين ” لهذه المشكلة في كتابه، ولكنه لم يُجب عليها، وإنما علَّق بقوله: ” أصل الأنواع ” ( ص 412 ):

” إننا لا ينبغي لنا أن نعثر على جواب محدود ومعين على هذا السؤال، إذا ما عرفنا أننا نعجز عن الإجابة عن سؤال أقل من هذا تعقيدًا “.

ثالثًا: وقد ثبت لدى الدراسة أن كثيرًا من نباتات ” مصر “، وحيواناتها، لم تتغير عن وضعيتها خلال قرون عديدة متطاولة، ويتضح ذلك من الأنسال الداجنة المنحوتة في بعض الآثار المصرية القديمة، أو التي حفظت بالتحنيط، وكيف أنها تشبه كل الشبَه الصور الباقية اليوم، بل ربما لا تكاد تفترق عنها بفارق ما.

والأمثلة كثيرة في هذا الموضوع.

رابعًا: هذه النظرية لا تخضع لتجربة، أو مشاهدة: المشاهدة الإنسانية لم ترصد أي ارتقاء أو أدنى اعتلاء.

لم ترصد البشرية في أي وقت عبر الزمن أي كائن ما قد تحول إلى كائن آخر بالترقي، أو بالتطور، خاصة وأنه يوجد العلماء المتخصصون الذين يراقبون أدنى تغيير حديث في المظهر الخارجي لتلك الكائنات أو تركيبها الداخلي – انظر كتاب الأسترالي Denton … “.  انتهى.

من مقال بعنوان ” نقد نظريات التطور ” بقلم: الدكتور محمد برباب.

http://www.55a.net/firas/arabic/print_details.php?page=show_det&id=1366

وفي المقال زيادة بيان، ونقدٌ للدارونية الجديدة، وأنه قد اكتشفت من الحفريات ما ” أوقع الداروينية الجديدة في ما يسمَّى بـ ” أزمة الداروينية الجديدة “، خصوصًا وأن هذه الأخيرة تلح على أن جميع الأنواع النباتية والحيوانية تتطور وبدون استثناء “.

 

والله أعلم.

تزوجها بعقد غير موثق بمحكمة وأفشت سرَّ زواجها لنسائه فطلقها وطلب إجهاض الجنين!

تزوجها بعقد غير موثق بمحكمة وأفشت سرَّ زواجها لنسائه فطلقها وطلب إجهاض الجنين!

السؤال:

أنا متزوجة من إنسان متدين، ملتزم، تزوجني سرًّا عن أهله لأنه متعدد الزوجات، تنازلت عن حقوق كثيرة احترامًا لرغبته بالحفاظ على السر، فصرت أجد صعوبة في الاتصال به، وأنا في مدة سنة زواج لم أره إلا 24 يومًا، وأخيرًا قررت إخبار زوجاته، وأهله؛ لعلهن يتعاطفون، ويتعاونون، فحدثت الفاجعة، وأنا حامل في الشهر السادس إذ طلقني زوجي في رسالة عبر الهاتف، ولم أجد آذانًا صاغيةً للحق، بل أكثر من هذا: طلب مني زوجي إسقاط ما في بطني!.

فما قول الشرع في هذا؟ أنا ضائعة خصوصا أن عقد الزواج لم يكن مسجلاًّ رسميًّا، فقط كان شرعيًّا على يد والدي، وشاهدين، أقول حسبي الله أنا لم أفعل شيئًا سيئًا بإخبار أهله لأني ظننتم يتفهمون، لكن صار العكس.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

قد أخطأ والدك خطأً كبيرًا بموافقته على إجراء العقد عرفيًّا من غير تسجيل رسمي، وقد بينَّا مرارًا أن مثل هذا العقد وإن كان شرعيًّا من الناحية النظرية: إلا أنه يترتب على عدم توثيقه بالمحاكم الشرعية أضرارًا عظيمة، ومفاسد جمَّة، ومن أهمها: عدم نسبة الأولاد إلى أبيهم بوثاق رسمية، ومنها عدم حفظ حقوق المرأة المالية، من المهر، والميراث، وغير ذلك مما لا يخفى على عاقل.

ثانيًا:

الطلاق يقع بكل ما يعبِّر عنه المطلق، نطقًا، أو كتابة، أو إشارة إن كان أخرس، والرسالة المبعوثة من الزوج بالجوال وفيها طلاقه لزوجته: يقع بها الطلاق، بشرط ثبوت أن تلك الرسالة كانت من إنشائه، أو من إنشاء غيره، لكنها من إرساله بعد موافقته على ما كُتب فيها، باختياره دون إكراه.

ثالثًا:

ويعتقد كثير من العامة أن طلاق الحامل لا يقع، وهذا ظن فاسد، واعتقاد باطل، بل طلاق الحامل شرعي، وموافق للسنَّة.

* وعليه:

فبما أن زوجك قد أقرَّ أنه أرسل تلك الرسالة، وأنه يعلم ما فيها، ويعني معناها: فقد وقع عليكِ طلاقه، وتُحسب عليكِ طلقة، وأنتِ في عدة الطلاق حتى تضعين ما في بطنك؛ لقوله تعالى: ( وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ) الطلاق/ من الآية 4، وهذه العدة تشمل المطلقة، والمتوفى عنها زوجها.

ويترتب على الطلاق هذا: أن تبقيْ في بيت الزوجية، وأن لا تخرجي منه باختيارك، كما لا يحل له إخراجكِ منه؛ لقوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً ) الطلاق/  .

وهو أحق بردك إلى عصمته أثناء حملكِ، كما في قوله تعالى ( وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا ) البقرة/ من الآية 228.

رابعًا:

وأما طلب زوجكِ منكِ إسقاط الجنين وأنت في الشهر السادس من الحمل: فهو طلبٌ منكر، ولا يحل لكِ مطاوعته على ما أراد، وهو قتل نفسٍ بغير حق، وفيه الإثم عليكما، والدية على المباشر لإجهاض الجنين وقتله، وديته هي هنا دية جنين، قيمة غرَّة عبدٍ أو أمَة، ويقدِّرها العلماء بعُشر ديَة أمِّه، أي: خمسٌ من الإبل، أو قيمتها بحسب ثمنها في بلادكم.

فاحذري من إجهاض جنينك، واتقي الله في فعل ما لا يحل لكِ شرعًا، وخوفيه بالله تعالى، واعلمي أنه ليس له طاعة عليك هنا؛ لأن ما يرغب به معصية، ولا طاعة لأحدٍ في معصية الله تعالى.

واحرصي على توسيط والدك، أو من ترينه من أهل العقل والحكمة، بينك وبينه، ليرجع لعصمتك قبل فوات الأوان، وإذا حصل هذا: فاحرصي ووالدك أشد الحرص على توثيق عقد الزواج في محكمة شرعية، ولو ترتب عليه مشاق، وصعاب.

وإن أصرَّ على الطلاق: فهو حقٌّ له، ولا حرج عليه في فعله، وأنتِ من دفعه لهذا؛ بسبب إخبار أهله وزوجاته بزواجه، وهو تصرف يدل على نقص الحكمة من جهتك، وها أنتِ تذوقين مرارته السيئة، فاحرصي على الصلح, فإن أبى إلا الطلاق : فلا تحزني، فلعلَّ الله تعالى أن يرزقك زوجًا خيرًا منه.

 

والله أعلم.

عقد عليها وله كسب محرَّم ويحكِّم عقله في النصوص ومعجب بنفسه فهل تفسخ النكاح؟

عقد عليها وله كسب محرَّم ويحكِّم عقله في النصوص ومعجب بنفسه فهل تفسخ النكاح؟

السؤال:

تم العقد من 3 أشهر، وعلمت بعدها أنه يقوم بعمل طباعة، وتطريز، على الملابس ، لصور ذوات أرواح، وغيرها، فنهيتُه عن صور ذوات الأرواح، فاستجاب بعد فترة، ثم عاد مرة أخرى، مرجعًا ذلك إلى عدم اقتناعه، ولكنه يتركها من باب ترك الأولى، ولكنه أتى برجل ليقوم بهذا العمل بدلًا منه، فما حكم هذا المال؟ وهل عليَّ شيء إذا عاد للطباعة بيديه مرة أخرى؟ وهل يحق لي في هذه الحالة طلب الانفصال، علمًا بأننا لا زلنا في فترة العقد، ولم يبنِ بي؟.

وأيضًا سؤال آخر:

أراه متخاذلًا في طلب العلم الشرعي، ويحكِّم عقله دائمًا في الأدلة، وعنده نوع من العجب بالنفس، وأخشى أن يثبطني بعد البناء عن الذهاب إلى الدور لتلقي العلوم الشرعية، أو للدعوة؛ لأنه لا يشعر بأهميتها على الوجه التام، فهل أستمر معه، علمًا بأنني الآن في حالة ضيق شديد جدًّا منه، ولا أطيق التحدث معه بسبب عدم همته في الالتزام بشكل أفضل؟، وأيضًا: لأنه بصراحته الزائدة التي يظن إن صح قد أوقع بيني وبين أهله، رغم أنه لم يحدث شيء بيننا.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

رسم ذوات الأرواح باليد، أو بآلة خياطة، على الثياب، والستائر، وغيرها: لا يجوز شرعًا، وقد نهى عن ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، وتوعد بالعقوبة على فاعله.

ومن تكسَّب بهذا الفعل المحرَّم، فرسم لوحة لذات روح على ورق، أو طرَّز ثوبًا بآلة، أو شكَّلها بطين، أو صنعها من خشب، وغير ذلك: فإنما يكسب سحتًا، ومالًا حرامًا.

عن سعيد بن أبي الحسن قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: إني رجل أصوِّر هذه الصور فأفتني فيها، فقال له: ادن مني، فدنا منه، ثم قال: ادن مني، فدنا حتى وضع يده على رأسه، قال: أنبئك بما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( كُلُّ مُصَوِّرٍ فِي النَّارِ يُجْعَلُ لَهُ بِكُلِّ صُورَةٍ صَوَّرَهَا نَفْساً فَتُعَذِّبُهُ فِي جَهَنَّمَ ).

 

 

وقال – أي: ابن عباس -: إنْ كنت لا بد فاعلا فاصنع الشجر وما لا نفس له.

رواه البخاري ( 2112 ) ومسلم ( 2110 ).

ولا فرق بين أن يباشر صاحب المحل ذلك الرسم والتصوير بيده، أو يوكله لغيره ليقوم بهذا العمل، من حيث حرمة الكسب، ولو كان موظفًا في مصنع – مثلًا – ولم يباشر هو بنفسه الرسم على الملابس، أو التطريز، بل كان عمله خاليًا من هذه المحرمات وغيرها: لكان كسبه حلالًا، وأما صاحب الشركة، أو المصنع، فعمل أي موظف عنده بشيء محرَّم يرجع كسبه للشركة أو المصنع: فإنما يبوء هو والموظف بالإثم، ويكون كسبهما محرَّمًا.

وغالبًا ما يشتمل العمل في الملابس، صناعة، وتطريزًا، على محرمات أخرى غير رسم ذوات الأرواح، كأن تفصَّل ثياب نسائية قصيرة، أو ضيقة، أو شفافة، أو تفصل ثياب للرجال تفصِّل العورة، وهكذا في صفات لتلك الثياب تخالف الشروط الشرعية للعمل في هذا المضمار.

* سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

أنا مقيم بالطائف، وأعمل في السوق في محل لبس نسائي، وفي بعض هذه الملابس صور، وأنا أعمل تحت كفالة المحل، وأنا كاره لهذه الصور، ومضطر أن أبيع هذه الملابس، فهل عليَّ إثم، علمًا أنني لا أقدر أن أعمل غير هذا العمل؟.

فأجاب:

أقول: إني أوجه النصيحة لصاحب المحل: أن لا يورد  من  الملابس  ما ينافي الحشمة، أو الألبسة المشبوهة، وأن لا يورد ما فيه صور، حتى ولو كان للصغار, أنصحه وأؤكد عليه ، وأخبره أن كل بيع محرَّم: فكسبه حرام, وإذا كان يأكل الحرام وتغذى بدنه به: كان حريًّا أن لا تُقبل دعوته، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم حين ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث، أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب! يا رب! ومطعمه حرام، وملبسه حرام، وغُذي بالحرام، قال النبي عليه السلام: ( فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لَه؟ ) .

وكيف يرضى المؤمن أن يأكل الحرام وأن يغذِّي به نفسه، وأهله، وأولاده؟! فليتق الله، ولا يورد هذه الأشياء.

وأمَّا بالنسبة للعامل: فلا يحل له أن يبيع ما كان محرَّمًا بيعه؛ لأن كل مَن أعان على المحرَّم: فهو آثم، قال الله تعالى: ( وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ )، ولمَّا كان الربا من أشد الكبائر، وأعظمها بعد الشرك لعن النبي آكل الربا، وموكِله، وشاهديه، وكاتبه، وقال: ( هم سواء ).

” فتاوى نور على الدرب ” ( شريط رقم 373، الوجه: ب ).

 

 

ثانيًا:

وما تذكرينه من صفات ذلك الزوج فإنه يستحق الوقوف معه، والتأني، فتحكيم عقله القاصر في النصوص الشرعية: ضلال، وهو دأب المعتزلة قديمًا, وأذنابهم حديثًا، والغرور والعجب بالنفس أدواء مهلكة، فإذا أضيف إليها حرمة كسبه: كان ذلك مقويًّا للتوقف قبل قرار البناء؛ لأن الانتهاء من العقد قبل البناء أفضل منه بعده.

* والذي ننصحك به هو ما يلي:

  1. تكرار النصح والمناقشة معه للوصول إلى قناعة تامة إما بتركه لما هو فيه من معصية، وضلال، أو لتأكد ذلك عنده، وتثبيته عليه, فإن هداه الله للحق: فاستمري معه، ولك أجر هدايته، وإن أبى إلا الاستمرار على ما هو عليه: فلا خير فيه، وطالبي بفسخ النكاح بالخلع الشرعي، فأعطه ما بذل، وليطلقك الآن أفضل من الغد.
  2. إيقاف أهلك على حقيقة وضعه وحاله، وأن مثل هذا ليس هو الذي يمكن استمرار الحياة معه، فوقوف أهلك إلى جانبك مهم جدًّا.
  3. إطالة أمد فترة ما قبل العقد، فلعل الله أن يهديه فيها، ويراجع نفسه، وعدم البت في الانتهاء من العقد مباشرة.
  4. بذل سبل هدايته من طرفك، بدلالته على مواقع في الإنترنت موثوقة يقرأ فيها، وبدلالته على كتب وأشرطة وبرامج في الفضائيات الموثوقة لأهل السنَّة، فغالب هؤلاء يكون الخلل عندهم من مصادر التلقي من مراجعهم الفقهية والعقيدية، وقد يكون في اطلاعه على ما تقترحينه عليه سبيل هداية له.
  5. هو الآن زوجك، فنرجو منك تحسين سلوكك معه، وإظهار المودة؛ من أجل هدف سامٍ غالٍ وهو هدايته مما هو فيه، ولا بأس من مشاركته فيما يقرأ، ويسمع؛ ليكون أدعى له للاستمرار في القراءة والسماع.
  6. استخيري الله تعالى، ولا مانع من تكرار الاستخارة.
  7. إن حصل طلاق، أو خلع: فعليك الاعتبار بما جرى لك مع ذلك الزوج، وعليك لوم نفسك، وأهلك على عدم حسن الاختيار للزوج.

– وبخصوص اختيار الزوج: فقد سبق منَّا بيان ذلك بكثير من التفصيل، فنرجو منك مراجعة أجوبتنا الأخرى في الموقع.

 

والله الموفق.

هل لمصحف التجويد حقوق طبع لمن يريد جعله في برنامج للجوال؟

هل لمصحف التجويد حقوق طبع لمن يريد جعله في برنامج للجوال؟

بداية أود أن أطلعكم على البرنامج الذي صممته وهو ” مصحف الجوال “:

www.benefit-ms.com

وأتمنى منك الدعاء، الدعاء، الدعاء، وأي ملاحظات أو اقتراحات لديكم.

السؤال:

كما تعلمون يوجد نسخة من المصحف باسم ” مصحف التجويد الملون “، وهو من طباعة ” دار المعرفة ” بدمشق، وهي تمنع نسخه، وتوزيعه، ويقولون: إن لديهم حقوق نشر، ويستطيعون منع، ومعاقبة كل من يخالفها، فهل يجوز شرعًا أن نستخدم نسختهم في برنامجنا، باعتبار أنه قرآن كريم، ولا يوجد حقوق نشر له، أم يجب اتباع حقوق النشر المذكورة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

فإن ” مصحف التجويد ” الوارد ذِكره في السؤال قد بذل فيه أصحابه جهدًا بيِّنًا، وهو كغيره من أعمال البشر لا يخلو من ملاحظات، وأخطاء، وقد نبَّه بعض أهل الاختصاص على تلك الأخطاء.

والكلام – أخي السائل – ليس عن كلام الله تعالى نفسه المسطور في المصحف، بل هو عن ابتكار الطريقة في إخراجه، ولا شك أن هذا قد كلَّف أصحابه وقتًا، وجهدًا، ومالًا، وطريقتهم المبتكرة هذه مما حفظها لهم الشرع، فجعل لهم حق بيعها، وإجارتها، ومنع أحدٍ من استعمالها إلا بإذنٍ منهم، وهو من الحقوق المعنوية الذي صدرت الفتاوى من أهل الاختصاص في زماننا هذا بحفظها لأصحابها.

وما ذكرناه هنا من المنع من الاستيلاء على حقوق الآخرين دون إذنٍ منهم: هو باعتبار الأصل، ولكن قد تعرض بعض الحالات التي يجوز فيها لكم استعمال مطبوعة ذلك المصحف دون إذن من أصحابه، وذلك في حال: أن لا يكون من أوجه النفع عند أصحاب المصحف ما تسألون عنه، فمصحف التجويد الملون الوارد في السؤال هو ما كان مطبوعًا على ورق، يُجمع بين دفتين للقراءة منه، فإذا لم يكن عند دار النشر برنامج لذلك المصحف يحمَّل على الجوالات: فيجوز لكم صنع برنامج يتمكن أصحاب الجوالات من الاستفادة منه، وهذا لا يؤثر على من أصحاب المصحف، لا من قريب، ولا من بعيد؛ لاختلاف أوجه الاستعمال، وبخاصة إن كان البرنامج مجانيًّا.

 

والله أعلم.

أرضعت أختها، ولزوجها أبناء، فهل تحرم تلك الأخت على أولئك الأبناء؟

أرضعت أختها، ولزوجها أبناء، فهل تحرم تلك الأخت على أولئك الأبناء؟

السؤال:

تزوجتْ امرأةٌ من رجل لديه ولدان، وأرضعت أختَها، هل يعتبر أولاد زوجها إخوة لأختها التي أرضعتها؟ مع العلم أنها لم تفصح عن عدد الرضعات، غير أنها قالت: إنها أرضعتها حتى شبعت، ومع العلم أيضًا أن أختها زوَّجتْها من ولد زوجها، وقد أنجبوا الأولاد، والبنات.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

فإنّ الذي يظهر لنا من السؤال:

أن المرأة تزوجت الرجل وعنده ابنان من غيرها، فهما على هذا ليسا ابنين لها، ولا هي قامت بإرضاعهما، فلا يكونان أيضًا ابنين لها بالرضاعة.

وعليه:

فإنها إن قامت بإرضاع أختها من لبن زوجها, وكانت الرضعات خمسٌ فما فوق: فتكون أمًّا لأختها بالرضاعة، بالإضافة لكونها أختًا لها بالنسب، ويكون زوجها: أبًا لأختها في الرضاعة.

وبه:

يكون ابنا الرجل: إخوة لأختها؛ لاشتراكهما جميعًا في أب واحد، وتكون أخت الزوجة قد دخلت في أسرة هذا الرجل، فزوجته أمٌّ لتلك الأخت، وهو أب لها، ويكون أبناؤها إخوةً لها، ووالداه أجدادًا لها، وأشقاؤه أعمامًا لها، وهكذا، يكون لها ما لأولاده من أحكام التحريم في النكاح، وهو معنى الحديث الصحيح ” يَحرُمُ من الرَّضَاع مَا يَحْرُمُ من النَّسَب “.

وعليه:

يكون حرامًا على أخت الزوجة – والتي صارت بنتًا للرجل في الرضاعة – أن تتزوج من أبناء زوج أختها؛ لأنهم صاروا برضاعة أختها لها: إخوةً لها في الرضاعة.

 

 

 

 

 

 

ثانيًا:

وهذا الحكم السابق هو في حالين:

  1. في حال كانت الرضاعة لتلك الأخت في سن الرضاعة، وهو سنتان من أول عمرها، فإن أرضعتها وكان عمرها قد تجاوز السنتين: فلا يثبت تحريم الرضاع.
  2. وفي حال كانت الرضعات خمسٌ فما فوق يقينًا، وأما إن كانت الرضعات أقل من ذلك يقينًا، أو كان العدد مشكوكاً فيه هل يصل للخمس أم لا: فلا يثبت التحريم، ولا يكون أبناء الرجل إخوة لها في الرضاعة، ولا تكون أختها أمًّا لها في الرضاعة في الأصل.

 

ونضيف شرطًا مهمًّا هنا لثبوت التحريم – سبقت الإشارة إليه -: وهو أن تكون المرأة أرضعت أختها بلبن زوجها الحالي، لا بلبنٍ سابقٍ من زوجٍ سابقٍ، فالسؤال ليس فيه توضيح لهذا الجانب.

فإن كان لبن هذه المرأة موجودًا في الأصل من زوج سابق: فيكون الزوج في هذه الحال محرَّمًا على تلك الأخت المرتضعة؛ لأنها ابنة زوجته في الرضاعة، على قول الأئمة الأربعة، فيصير هو زوج أمها في الرضاعة، ولا يكون أبناؤه إخوةً لتلك الأخت المرتضعة؛ لعدم وجود علاقة تربطهم بها.

 

وعلى أصحاب هذا السؤال التأكد من حقيقة الحال، ومن عدد الرضعات، ثم عرض قضيتهم على محكمة شرعية، للبت بها، والحكم بما يتناسب مع الحكم الشرعي لها، وقد يترتب على توضيح الحال فسخ النكاح بين تلك الأخت وبين أحد أبناء الزوج، وقد يُقرّا عليه إن تبين أنه لا تحريم بينهما، ويجب على أصحاب السؤال العجلة في ذلك، وعدم التأخر.

 

والله أعلم.

طالب يرغب بدراسة علوم السلاح في دولة غربية مع وجود مفاسد فهل نحثه عليها؟

طالب يرغب بدراسة علوم السلاح في دولة غربية مع وجود مفاسد فهل نحثه عليها؟

أما بعد:

إني شاب سلفي، مغربي، أبلغ من السن اثنتي وعشرين ربيعًا، عقدت العزم على ولوج مدرسة من مدارس المهندسين العام المقبل إن شاء الله، ولقد عاهدت الله جل وعلا منذ ثلاث سنوات على العمل على تسليح جيوش المسلمين المتاخمة للكيان الصهيوني، وأفغانستان، وباكستان، وبلاد الحرمين، والشيشان، والسودان، ونذرت لله عمري كله في هذا الشأن، إذ إني على يقين أن زمن الملاحم ضد أبناء يهود والصليبيين، والملاحدة من الروس، والشرقيين: قد دنا زمانه، ولقد أوتيت – ولله الحمد – اجتهادًا، وطموحًا، وقوة إرادة في التخصص في هندسة تصنيع الصواريخ، والطائرات المقاتلة.

السؤال:

هذا التخصص لا يوجد في بلدي، وإن وجد: فإنه يدرَّس في المدارس العسكرية، ولكنهم يدرِّسون تقنيات أكل عليها الدهر وشرب، فإعدادهم العلمي لا يرفع رأسًا، ولا يرهب عدوًّا، إضافة إلى كونهم يشترطون حلق اللحية، وإسدال الثياب، لولوج هذه المدارس، كما أن غالب من يُبتعث إلى الخارج لدراسة هذا العلم ممن لا انتماء لهم إلى هذا الدين، ضعاف الهمم، همهم: المكانة الاجتماعية، والدخل، وجلُّهم: يعمل في مصانع الكفرة في أمريكا، ودول أوروبا.

فحدثتني نفسي أن أستغل فرصة للترشح لمباراة للولوج إلى مدرسة هي الأولى أوروبيًّا في هذا العلم، ولها مكانة سامية عند أرباب هذه الصناعة في العالم، لكني أعلم بحرمة الإقامة في بلاد الكفر؛ نظرًا للفتن الظاهرة، والباطنة، التي تعصف بالمؤمن هناك، فقمت بموازنة شرعية بين المصالح والمفاسد والتي أستفتيكم فيها.

فهل يجوز لي السفر إلى ” فرنسا ” لمدة ثلاث سنوات، ثم العمل لمدة 3 سنوات أخرى في بعض المختبرات، ومصانع شركات صناعة الطائرات المدنية، والعسكرية، حتى أكتسب خبرة، وأحتك جيِّدًا بالمتخصصين في هذا الميدان، ثم أسافر بعدها إلى بلدان إسلامية قوية عسكريًّا، كباكستان، والإمارات، ومصر، بنية إنشاء شركة إسلامية ذات كفاءات مسلمة لتصنيع الصواريخ، والطائرات الحربية، وجزاكم الله خيرًا.

* المفاسد الشرعية:

  1. الاختلاط، على الرغم من وجوده كذلك في مدارس المهندسين في بلادنا.
  2. التأمين الاجتماعي إجباري بقيمة 200 يورو تقريبًا في السنَة، مع العلم أنه غير إجباري في بلدي، على حد علمي.
  3. لن أتمكن إلا من أداء صلاة الفجر، والعشاء، والمغرب في جماعة، في المسجد، نظرًا لكون التغيب عن الحصص في تلك المدرسة لأكثر من 4 مرات يؤدِّي إلى الطرد.
  4. قد أضطر إلى فتح رصيد بنكي من أجل تلقي المنحة الدراسية، سواء المنحة الفرنسية، أو المغربية، وقد سمعت ببعض المحاذير الشرعية المتعلقة بتحويل الأموال، أرجو بيانها حتى أتفاداها.
  5. عند إجراء امتحانات المباراة التي تمتد 7 أيام: الأربعاء: سأصلي الظهر ساعتان بعد دخول وقته، وساعتان تقريبًا قبل دخول العصر، أو أقل بقليل.

الخميس: لن أصلي الظهر إلا بعد 3 ساعات وربع بعد الظهر، وخمسين دقيقة قبل العصر، وباقي الصلوات في المسجد في جماعة، ولله الحمد.

الجمعة: نفس وضع يوم الخميس.

الاثنين: لن أتمكن من صلاة الظهر إلا بعد أذان العصر مباشرة، والباقي في المسجد.

الثلاثاء: أصلي الظهر 50 دقيقة قبل العصر و 3 ساعات بعد الظهر.

الأربعاء: أصلي الظهر بعد الأذان مباشرة بعد الأذان، في مقر المباراة؛ نظرًا لضيق الوقت.

  1. قد أدفع مبلغًا من المال لهيئة الامتحانات مقداره 500 يورو عن طريق البنك الذي يحول المال إلى فرنسا، عن طريق شيك.
  2. تجميد 400 يورو واجبة للحصول على التأشيرة.
  3. الاضطرار إلى استعمال صيغة الجمع في مناداة المسئولين هناك عند التعامل معهم وتحيتهم بتحيات غير إسلامية كـ bonjour، وهذا يحزنني في صدري، مع العلم أني – ولله الحمد – لن أفرط في شعيرة ظاهرة من ديني، كإعفاء اللحية، وتقصير الثياب، والسواك، وعدم مصافحة الكافرات، والدعوة إلى التوحيد، بإذن الله، نسأل الله الثبات.

* المصالح:

  1. تخصص قوي، وتكوين علمي، وتقني متميز.
  2. شهادة مهندس من هذه المدرسة تخول لك – بإذن الله – دخلًا مرتفعًا، وتخول لك ولوج أي شركة تسلح، وصناعة طائرات في العالم.

فهل أذهب أم أختار تخصصا سلميًّا في بلدي، كالاتصالات، وغيرها، علمًا أن الشهادات الممنوحة في بلدنا لا تخول لك العمل في مؤسسات صناعية ضخمة، وإن كان ذلك: فبعد مدة 15 سنة، أو أكثر من الخبرة.

وجزاكم الله خير الجزاء على هذا العمل.

 

 

الجواب:

الحمد لله

إننا لنشكر لكَ غيرتك على دينك، وحبَّك لأمتك أن تكون في منَعة، وعزَّة، وأن تعلو رايتها خفاقة، ونشكر لك مع هذا استقامتك على دينك، والتزامك المنهج السلفي المبارك، ونسأل الله تعالى أن يزيدك من فضله، أو ييسر لك الخير حيث كان.

وقد تأملنا رسالتك جيِّدًا، وقلَّبنا النظر فيها، والذي يغلب على ظننا أن حالك هو أحد أمرين:

إما أن تنجح في دراستك، وتقضي نهمتك فيها، وتبرز بروزًا واضحًا، وتبدع إبداعًا عظيمًا، لكننا نرى أن هذا سيكون على حساب دينك، أو استقامتك، أو أنك ستبقى على التزامك واستقامتك من غير أن تُكمل تلك الدراسة.

والذي دعانا لذلك القول: هو أن الوضع الآن في ” أوروبا “، والدول الكافرة، ليس هو الوضع السابق الذي يمكن للمسلم أن يُظهر شعائر دينه فيه بيسر وسهولة، وقد تغيَّر عالمهم تغيرًا واضحًا بيِّنًا، وإذا كانت الدراسة مما يتعلق بالطيران والأسلحة: كانت الرقابة منهم على الطلاب المسلمين أشد صرامة، ولذا فإننا لا نرى أنك يمكن أن تستمر معهم وأنت على هيئتك الشرعية، واستقامتك، ودعوتك للتوحيد، وإننا نخشى عليك من فتنة تلك المجتمعات والتي أودت بالتزام كثيرين، وكثيرات، وبخاصة تلك الدراسة الحساسة، والتي لو كنتَ في بلد عربي، أو مسلم: فلن يُسمح لك – غالبًا – بأن تنفذ ما تنوي فعله مما قلتَه في سؤالك، فكيف نتوقع لك النجاح في ظل مثل ظروفنا هذه في دولة كافرة؟!.

وثمة فتوى مفصلة للشيخ العثيمين رحمه الله في حكم الإقامة في البلد الكافر، وفيها بيان أن الأصل هو تحريم الإقامة، إلا لعذر، ومن هذه الأعذار: العلوم التي لا تتوفر في بلاد المسلمين، وأن ذلك مشروط بكون المتعلم عنده من العلم ما يدفع الشبهات، ومن العفاف ما يدفع الشهوات، أي: أن يكون متزوجًا, أو صاحب دين متين؛ ليدفع عن نفسه شهوات النفس والتي تهيَّج في تلك البلاد الإباحية.

هذا، وثمة موانع كثيرة في إقامتك في تلك البلاد تمنعنا من القول بالجواز، كترك الصلاة في وقتها، وعدم إظهار بعض شعائر الإسلام، وتعظيم الكفار، والاختلاط، وغيرها، وها نحن ننقل لك كلامًا مختصرًا لشيخ العثيمين رحمه الله في عين مسألتك:

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

فالإقامة في بلاد الكفر لا بد فيها من شرطين أساسيين:

الشرط الأول: أمْن المقيم على دينه، بحيث يكون عنده من العلم والإيمان وقوة العزيمة ما يطمئنه على الثبات على دينه، والحذر من الانحراف، والزيغ، وأن يكون مضمرا لعداوة الكافرين وبغضهم، مبتعدا عن موالاتهم ومحبتهم، فإن موالاتهم، ومحبتهم: مما ينافي الإيمان، قال الله تعالى: ( لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ) الآية ….

الشرط الثاني: أن يتمكن من إظهار دينه بحيث يقوم بشعائر الإسلام بدون ممانع، فلا يُمنع من إقامة الصلاة، والجمعة، والجماعات إن كان معه من يصلي جماعة، ومن يقيم الجمعة، ولا يمنع من الزكاة، والصيام، والحج، وغيرها من شعائر الدين، فإن كان لا يتمكن من ذلك: لم تجز الإقامة؛ لوجوب الهجرة حينئذ ….

* وبعد تمام هذين الشرطين الأساسيين تنقسم الإقامة في دار الكفر إلى أقسام:

القسم الخامس: أن يقيم للدراسة، وهي من جنس ما قبلها – أي: الإقامة للتجارة والعلاج -، إقامة لحاجة، لكنها أخطر منها، وأشد فتكًا بدين المقيم، وأخلاقه؛ فإن الطالب يشعر بدنو مرتبته، وعلو مرتبة معلميه، فيحصل من ذلك تعظيمهم، والاقتناع بآرائهم، وأفكارهم، وسلوكهم، فيقلدهم، إلا من شاء الله عصمته، وهم قليل، ثم إن الطالب يشعر بحاجته إلى معلمه، فيؤدي ذلك إلى التودد إليه، ومداهنته فيما هو عليه من الانحراف، والضلال، والطالب في مقر تعلمه له زملاء يتخذ منهم أصدقاء، يحبهم، ويتولاهم، ويكتسب منهم، ومِن أجل خطر هذا القسم: وجب التحفظ فيه أكثر مما قبله، فيشترط فيه بالإضافة إلى الشرطين الأساسيين شروط:

الشرط الأول: أن يكون الطالب على مستوى كبير من النضوج العقلي الذي يميز به بين النافع والضار، وينظر به إلى المستقبل البعيد، فأما بعث الأحداث ” الصغار السن”، وذوي العقول الصغيرة: فهو خطر عظيم على دينهم، وخلُقهم، وسلوكهم، ثم هو خطر على أمتهم التي سيرجعون إليها، وينفثون فيها من السموم التي نهلوها من أولئك الكفار كما شهد ويشهد به الواقع، فإن كثيرًا من أولئك المبعوثين رجعوا بغير ما ذهبوا به، رجعوا منحرفين في ديانتهم، وأخلاقهم، وسلوكهم، وحصل عليهم وعلى مجتمعهم من الضرر في هذه الأمور ما هو معلوم مشاهد، وما مثل بعث هؤلاء إلا كمثل تقديم النعاج للكلاب الضارية.

الشرط الثاني: أن يكون عند الطالب من علم الشريعة ما يتمكن به من التمييز بين الحق والباطل، ومقارعة الباطل بالحق؛ لئلا ينخدع بما هم عليه من الباطل، فيظنه حقًّا، أو يلتبس عليه، أو يعجز عن دفعه، فيبقى حيران،  أو يتبع الباطل.

وفي الدعاء المأثور: – اللهم أرني الحق حقًّا، وارزقني اتباعه، وأرني الباطل باطلًا، وارزقني اجتنابه، ولا تجعله ملتبسا علي فأضل ).

الشرط الثالث: أن يكون عند الطالب دين يحميه، ويتحصن به، من الكفر، والفسوق، فضعيف الدين لا يسلم مع الإقامة هناك إلا أن يشاء الله، وذلك لقوة المهاجم، وضعف المقاوم، فأسباب الكفر والفسوق هناك قوية، وكثيرة متنوعة، فإذا صادفت محلا ضعيف المقاومة: عملتْ عملها.

الشرط الرابع: أن تدعو الحاجة إلى العلم الذي أقام من أجله بأن يكون في تعلمه مصلحة للمسلمين، ولا يوجد له نظير في المدارس في بلادهم، فإن كان من فضول العلم الذي لا مصلحة فيه للمسلمين، أو كان في البلاد الإسلامية من المدارس نظيره: لم يجز أن يقيم في بلاد الكفر من أجله؛ لما في الإقامة من الخطر على الدين والأخلاق، وإضاعة الأموال الكثيرة بدون فائدة.

”  مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 3 / 25 – 30 ) باختصار.

 

ولذلك فإننا في فتاوانا نراعي دين الناس واستقامتهم، وهو ما نحسب حسابه في النصح والتوجيه، ولا نستطيع نصح أحد بسلوك درب ملغوم على أمل النجاة منه, ولسنا بالذين نخاطر بالشباب – كما يفعل غيرنا – ليحرقوا أنفسهم، ولا نضمن منهم إضاءة لغيرهم من المسلمين، فكم وكم فقدنا من خيرة الشباب، والذين زُجَّ بهم في ريعان شبابهم، وأوج شهوتهم إلى أتون الشهوات والفتن، فلم ينج إلا القليل.

 

ودراستك هذه متوفرة في دول إسلامية، فيمكنك الدراسة فيها، والتقوي بها عن بُعد، وذلك عن طريق الانتساب لجامعات ومعاهد ومدراس غربية، دون الحاجة لانتظامك عندهم، كما يمكنك التقوي بالعلم المتاح في الإنترنت، دون الحاجة لسلوك سبيلٍ لا يَضمن فيه المسلم حاله، ودينه.

 

والله الموفق.

كيف يتصرف مع أهل زوجته الذين يفعلون المعاصي الظاهرة؟

كيف يتصرف مع أهل زوجته الذين يفعلون المعاصي الظاهرة؟

السؤال:

سؤالي هو أن لزوجتي أختين متبرجتين ومبتعدتين تمامًا عن الدين، باستثناء الصيام – على حد معرفتي في رمضان الماضي – لكنهن كثيرات السهر، ويتصرفن برعونة تامة، ويتعارفن مع الشباب عن طريق الإنترنت، والهواتف النقالة، وعن طريق الخروج الكثير، وغير المسئول من المنزل، وأنا أكرههم، لكني أعاملهم بالمعروف، وبدأت أتقصد في معاملتي معهم بشكل رسمي وفظ مؤخرًا، من خلال عدم السلام باليد؛ لأنه ينقض الوضوء، وعدم النظر إليهنَّ لأنهنَّ غير مستورات بالكامل، وهذا منافٍ لقواعد الدين وشرعه، الذي يأمر بغض البصر، وأنا الآن في حيرة، هل أقطع علاقتي بهنَّ نهائيًّا وأمنع زوجتي من مكالمتهن، علمًا بأن زوجتي هي أختهم الكبيرة، وهنَّ يعشنَ مع والدتهن بالقرب منَّا، وأبوهنَّ خارج البلاد، وأخوهم الوحيد خارج البلاد أيضًا؟ وهذا سبب حيرتي لأنهن نساء يعشن وحدهن دون رجل، ويعاملنني بلطف، ويخفن من زعلي، لكن عندما أنصحهن بالخير لا يستجبن، وأمهن التي هي حماتي لا تساعد على تربيتهن، وتقول لي إنهن بحاجة للخروج ليراهم الناس ويتزوجن!، وأنا أخاف الله من قطعهن، لكني عاجز عن التحمل؛ نظرًا لأن سمعتهن ساءت كثيرًا، وهذا يؤثر على زوجتي المحافظة، وعليَّ أيضًا، وأكره المجاهرة بالمعاصي، وعدم الالتزام بشرع الله، فما العمل جزاكم الله خيرًا؟ وهل يجوز أن نقاطعهن تأديبًا لفترة شهر أو شهرين؛ علمًا أنني قلت لحماتي بأنني غير راضٍ فغضبت وقالت: إذا قاطعتهن سوف أقطع علاقتي بابنتي – التي هي زوجتي -، وهذا سبب آخر يمنعني، لكن – والله شاهد على ما أقول – فهم توسعوا في المعاصي، والخطأ، دون أن يصلوا لحدِّ الكبائر، وأيضًا: حماتي غير ملتزمة دينيًّا، لكنها تصوم، وتتكاسل في أغلب الأحيان عن الصلاة، وعندما ننصحها تغضب وتقول: لا أحد يتدخل بيني وبين بناتي، الله وحده يحاسبنا.

أفيدوني بكل الطرق، والله الموفق.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بأصهاره خيرًا، وهذا من عظيم أخلاق الإسلام، ومع كون أصهار المسلم ليسوا من أرحامه إلا أنه بسبب عقد الزوجية جُعل لأهل زوجته حق عليه بالعناية بهم ورعايتهم.

عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ مِصْرَ، وَهِيَ أَرْضٌ يُسَمَّى فِيهَا الْقِيرَاطُ، فَإِذَا فَتَحْتُمُوهَا فَأَحْسِنُوا إِلَى أَهْلِهَا، فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِماً – أَوْ قَالَ: ذِمَّةً وَصِهْرًا – ). رواه مسلم ( 2543 ).

* قال النووي – رحمه الله -:

وأما الذمَّة: فهي الحرمة، والحق، وهي هنا بمعنى الذمام، وأما الرحم: فلكون هاجر أم إسماعيل منهم، وأما الصهر: فلكون مارية أم إبراهيم منهم.

” شرح مسلم ” ( 16 / 97 ).

وكما نلحظ فإن الحديث ليس فيه الوصية بأهل الزوجة مباشرة، بل بأهل بلدها، بل لم تكن مارية رضي الله عنها زوجة للنبي صلى الله عليه، بل كانت أمَته، وأم ولده إبراهيم، فالوصية بأهل الزوجة مباشرة أولى بالاهتمام والعناية.

 

ثانيًا:

ومع هذا فإن على المسلم أن يراعي حرمة الشرع، وأحكامه، وأنه إن كانت صلته بأهل زوجته مما يسبب له فتنة لنفسه، أو فسادًا لزوجته وأولاده، أو طعناً في دينه وعرضه: فإن عليه أن يحتاط لذلك، ويجب عليه السعي نحو الحفاظ على ما أولاه الله تعالى من مسئوليات، ولو كان في ذلك قطعًا للعلاقة مع أهل زوجته المفسدين، أو هجرًا لهم بسبب خوفه على نفسه أو على زوجته وأولاده.

والذي يظهر لنا من خلال سؤالك أخي السائل أن بيت أصهارك ليس مما ينبغي لك الأسف عليه إن استمر حالهم على ما وصفتَ بعد النصح والتذكير، وأن بقاء الأمر على ما هو عليه قد يسبب لك فتنة، وقد يساهم في فساد أحوال زوجته وأولادك حيث يرونهم أحوال خالاتهم السيئة، وقد يتعمدن إفساد زوجتك، وبناتك؛ لكي يجدن على الشرِّ أعوانًا، ويقطعن لسانك عن نصحهن ووعظهن، وإن كان هذا بعيدًا على أختي زوجتك فليس هو ببعيد عن ” حماتك “! إذ ما الفرق بين حال بنتيها حينئذٍ، وحال ابنتها التي هي في عصمتك، وكل ما ترضاه لابنتيها فسترضاه لزوجتك وبناتك، فاحذر أشد الحذر من التهاون في النصح، والوعظ، وإن رأيتَ ذلك غير مجدٍ، ورأيت أحوال الأختين على ما هي من السوء الذي وصفتَ: فننصحك بشدة أن تتخذ موقف الهجر من ذلك البيت، ولو أدى لقطع علاقة حماتك بابنتها، مع أننا نجزم أن كلامها فارغ، وأنها لن تصبر على ابنتها وأحفادها، بل يمكنك جعل ذلك ورقة ” ضغط ” عليها؛ لتصلح من حالها، وحال ابنتيها.

واعلم أن الناس الذين يطعنون على شقيقتي زوجتك: لن يوقفهم لسانهم عن الطعن بك، وبزوجتك، وسيجعلونكم جميعًا في دائرة واحدة.

 

 

ثالثًا:

وليس ما ننصحك به هو من الهجر المحرَّم، فنحن أولاً قلنا بوجوب النصح والوعظ، ثم قلنا إن مثل تلك المعاصي التي تفعلها شقيقات زوجتك من شأنها أن يكون لها أثر سيء عليك وعلى أهل بيتك، وهذا موجب للهجر بالإجماع.

* قال ابن عبد البر – رحمه الله -:

وأجمع العلماء على أنه لا يجوز للمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، إلا أن يكون يخاف من مكالمته، وصلته: ما يفسد عليه دِينه، أو يولِّد به على نفسه مضرة في دينه، أو دنياه، فإن كان ذلك: فقد رُخِّص له في مجانبته، وبُعده، وربَّ صرْمٍ جميلٍ خيرٌ من مخالطةٍ مؤذيةٍ.

* قال الشاعر:

إذا ما تقضي الودَّ إلا تكاشرا … فهجر جميل للفريقين صالح

” التمهيد ” ( 6 / 127 ).

 

رابعًا:

وننبهك إلى ما لاحظناه من خلال سؤالك أن علاقتك بشقيقات زوجتك فيها مخالفات شرعية، من حيث النظر، والخلطة، والمصافحة، وما ذكرته عن المصافحة من أنك امتنعت عنها من أجل نقض الوضوء: غير صحيح، بل هي محرَّمة لذاتها، وهي لا تنقض الوضوء بمجردها.

وخطأ آخر: وهو ظنك أن شقيقات زوجتك لم يفعلن شيئًا من الكبائر! ويبدو أن الكبيرة عندك هي ” الزنا “! فحسب، وهذا خطأ، ووجه ذلك: أن تبرجهن، وعلاقتهن برجال أجانب من الكبائر، وتركهن الصلاة ليس من الكبائر فحسب، بل هو من الكفر المخرج من الملة.

 

خامسًا:

* والخلاصة:

  1. انصح لأم زوجتك وأخواتها بتقوى الله والالتزام بطاعته، في الصلاة، والحجاب ، وترك المحرمات، من التبرج، ومصاحبة الأجانب.
  2. خفف من زيارتك لبيت حماتك، وعلل ذلك بما هم عليه من حال لا يُرضي.
  3. إن لم يُجد ذلك، وتسبب لك علاقتك بهم وزيارتك لهم بالطعن في دينك وعرضك، أو بخوفك على زوجتك وأولادك أن يُفتنوا بهم: وجب عليهم هجرهم، حتى ينصلح حالهم.
  4. ننصحك بإخبار والد زوجتك وأخيها بما هو عليه حال أهل بيته، وأنه يجب عليهما الوقوف ضد ذلك، وإن خفت من آثار ذلك النصح: فيمكنك نصحهما بغير اسمك، أو اجعل زوجتك تفعل ذلك، فقد يُسمع لها ما لا يُسمع لك منهما.
  5. داوم أنت وزوجتك على الدعاء لأصهارك بالهداية، والتوفيق لما يحب ربنا ويرضاه.
  6. وعليك الالتزام بالضوابط الشرعية في العلاقة مع الأجنبيات، حتى لو كن من أقربائك، أو أصهارك.

 

والله الموفق.