الرئيسية بلوق الصفحة 158

حكم الصلاة خلف من يترضى عن الحلاج

حكم الصلاة خلف من يترضى عن الحلاج

السؤال:

أنا أصلي في المسجد القريب من بيتي، وإمام المسجد سمعْتُه أكثر من مرة يترضى عن ” الحلاَّج “، وهذا الإمام صوفي ويردد دائمًا عبارات تشتم الوهابية – حسب تعبيره -، ويصلِّي جهرًا على النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الصيغة ” اللهم صل على سيدنا محمد بن عبد الله صلاة تملئ العرش وما حواه “، ويقنت في الفجر ويقول ” اللهم كن بنا كالابن البار بوالده “، فما حكم الصلاة خلفه ؟ أفيدوني، أفادكم الله، وجزاكم كل خير.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

” الحلاَّج ” من أشهر الزنادقة الذين تم قتلهم دون استتابة، وقد حكم عليه أئمة زمانه من أهل السنَّة بالقتل ردَّة؛ لما جاء به من مقالات فاسدة لا يشك مسلم في بطلانها وزندقة قائلها.

* قال القاضي عياض – رحمه الله -:

وأجمع فقهاء بغداد أيام المقتدر من المالكية على قتل الحلاج وصلبه لدعواه الإلهية والقول بالحلول، وقوله: ” أنا الحق ” مع تمسكه في الظاهر بالشريعة، ولم يقبلوا توبته. ” الشفا بتعريف حقوق المصطفى ” ( 2 / 1091 ).

ومن علَم ما يقوله الحلاَّج فأقرَّه على أقواله أو أثنى عليها وهو يعلم حاله: فحكمه حكم الحلاَّج، فيكون مرتدًّا مثله يستحق القتل.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

مَن اعتقد ما يعتقده الحلاج مِن المقالات التي قُتل الحلاج عليها: فهو كافر مرتد باتفاق المسلمين؛ فإن المسلمين إنما قتلوه على ” الحلول ” و ” الاتحاد ” ونحو ذلك من مقالات أهل الزندقة والإلحاد كقوله ” أنا الله “، وقوله ” إله في السماء وإله في الأرض”. ” مجموع الفتاوى ” ( 2 / 480 ).

وإمامكم الذي تسأل عنه له أحوال وأحكام:

  1. إمَّا أن يكون عالِمًا بما قاله الحلاَّج فأقرَّه على أقواله، ولذلك يثني ويترضى عليه: فيكون مرتدًّا ولا تحل الصلاة وراءه.
  2. أو يكون جاهلًا بمقولات الحلاَّج وزندقته فيجب عليه أن يتبرأ منها ومنه إذا علمها عنه، فإن فعلَ: سلِم، وإلا هلك.
  3. أو أنه لم يثبت عنده أن تلك المقولات ثابتة على الحلاَّج : فيلزمه التبرؤ من أقواله، وله أن يتوقف في الحكم على عينه، وأمره إلى الله إن كان صادقاً فيما يزعمه من عدم ثبوت تلك الأقوال – عنده – عن الحلاَّج.

وهذه الأقسام الثلاث ذكرها الإمام الذهبي رحمه الله، حيث قال:

فتدبَّر – يا عبد الله – نِحلة الحلاج الذي هو مِن رؤوس القرامطة ودعاة الزندقة، وأنصِف وتورع واتق ذلك وحاسب نفسك، فإن تبرهن لك أن شمائل هذا المرء شمائل عدو للإسلام محب للرئاسة حريص على الظهور بباطل وبحق: فتبرأ من نحلته.

وإن تبرهن لك – والعياذ بالله – أنه كان – والحالة هذه – محقّاً هاديًا مهديًّا: فجدِّد إسلامك واستغث بربك أن يوفقك للحق وأن يثبت قلبك على دينه؛ فإنما الهدى نور يقذفه الله في قلب عبده المسلم، ولا قوة إلا بالله.

وإن شككت ولم تعرف حقيقته، وتبرأت مما رمي به: أرحت نفسك، ولم يسألك الله عنه أصلًا. ” سير أعلام النبلاء ” ( 14 / 345 ).

فهذا الإمام إن كان جاهلا بحال الحلاَّج فيجب عليكم تعريفه بحاله وذِكر حكم العلماء عليه وبيان عقائده الفاسدة التي تسببت بقتله، فإن ترضى عنه بعدها أو أثنى عليه: أُلحق به، وكذا لو تأول كلامه بتأويل يتوافق مع الشرع؛ فإنه يُلحق به كذلك، وأما إن كان معتقدا في باطنه لما يقوله الحلاَّج فهو أكفر من اليهود والنصارى، وقد ذكر هذه الأقسام للناس شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، حيث قال:

ومَن كان محسنا للظن بهم، وادَّعى أنه لم يعرف حالهم: عُرّف حالهم، فإن لم يباينهم ويُظهر لهم الإنكار وإلاّ أُلحق بهم وجُعل منهم.

وأما مَن قال: لكلامهم تأويل يوافق الشريعة: فإنه من رؤوسهم وأئمتهم، فإنه إن كان ذكيًّا: فإنه يَعرف كذب نفسه فيما قاله، وإن كان معتقدًا لهذا باطنًا وظاهرًا: فهو أكفر من النصارى، فمَن لم يكفر هؤلاء وجعل لكلامهم تأويلًا: كان عن تكفير النصارى بالتثليث والاتحاد أبعد.  ” مجموع الفتاوى ” ( 2/ 132 ، 133 ).

ثانيًا:

وأما شتمه للوهابية فهذا لا يكون عذرا لكم في ترك الصلاة وراءه؛ فالتلبيس على الخاصة والعامة في شأن أئمة الدعوة النجدية كثير، والمهم أن لا يتعرض الشخص لعقائد الإسلام المجمع عليها والمعلومة من الدِّين بالضرورة، وأما الأشخاص أنفسهم فلا نعقد مع الناس ولاءً وبراءً عليهم.

وأما صلاته على النبي صلى الله عليه وسلم بقوله ” اللهم صل على سيدنا محمد بن عبد الله صلاة تملئ العرش وما حواه “: فلا يظهر لنا فيها شيء يخالف الشرع.

وأما قنوته للفجر: فهو مخالف للسنَّة، فلا يجوز تخصيص الفجر بقنوت، ولكن هذا ليس عذراً لترك الصلاة خلفه.

وأما قوله ” اللهم كن بنا كالابن البار بوالده “: فهو قولٌ قبيح، يدل على جهل قائله بالشرع، وعلى عدم تعظيمه لربِّه تعالى، ( وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) الزمر/ 67.

وكيف يخطر لمسلم أن يدعو ربَّه الرحيم الرحمن ذا الرحمة الواسعة والذي وسعت رحمته كل شيء أن يطلب منه أن يكون رحيمًا كرحمة الابن البار بأبيه؟! فينبغي لذاك الإمام التوقف عن هذا الدعاء السمج القبيح، ولا يحل له الاستمرار عليه، فإن أصرَّ فلا بأس بترك الصلاة خلفه تعزيراً له وتعظيماً لقدْر الرب عز وجل.

واعلم أخي السائل أن أهل السنَّة هم أعلم الناس بالحق وأرحمهم بالخلق، وإن هذا الإمام – وأمثاله كثير – لهم حق عليكم في تعليمهم ونصحهم، لكن نوصيكم أن يكون ذلك بالحسنى، وما ذكرناه من الأحكام فيما يتعلق باعتقاد الإمام وأقواله لا يعني الشدة والعنف في معاملته، فالأمران مختلفان، وفرعون الطاغية قد بلغ به الأمر أن قال ” أنا ربكم الأعلى ” ومع هذا فقد قال الله تعالى للرسوليْن الكريمين موسى وهارون عليهما السلام لما أرسلا إليه ( فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ) طه/ 144.

 

 

والله أعلم.

تعرَّف على فتاة وتزوجت غيره رغمًا عنها، فهل يمكن أن يكون هو زوجها في الجنة؟

تعرَّف على فتاة وتزوجت غيره رغمًا عنها، فهل يمكن أن يكون هو زوجها في الجنة؟

السؤال:

أنا كنت أعرف فتاة وحاولت الارتباط بها دونما فائدة، وقد قام أهلها بتزويجها لغيري رغماً عنها، فإن دخلنا الجنة بإذنه تعالى فهل سيزوجها الله بزوجها التي أُرغمت عليه أم بالرجل التي تحلم أن يكون زوجها؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

اعلم أنه لا يحل للمسلم محادثة أو مراسلة امرأة أجنبية عنه، وأولى أنه لا يجوز له أكثر من ذلك كاللقاء والخلوة بها، وكذا مصافحتها وتقبيلها، كل ذلك من المحرَّمات واتباع خطوات الشيطان حتى يوقع أصحابها في المنكر العظيم والإثم الكبير وهو الزنا.

فإن كان قد حصل بينك وبين تلك الفتاة شيء مما ذكرناه فعليك التوبة منه، والندم عليه، والعزم على أن لا تعود لمثله.

 

ثانيًا:

إجبار المرأة على التزوج بمن لا ترغب يجعل لها الخيار في فسخ النكاح، فإن تقدمت للقضاء الشرعي عند التمكن من ذلك مباشرة فيخيرها القاضي الشرعي بين إمضاء النكاح أو فسخه، وأما مع تأخرها في رفع أمرها للقضاء مع تمكنها من ذلك فهو يدل على رضاها بذاك الزواج فيسقط حقها في التخيير.

والذي يظهر لنا من سؤالكِ أن أمر تلك المرأة قد تمَّ وها هي مستمرة في زواجها، فلم يعد لها الحق في التخيير إن صحَّ ما ذكرته من أنها أُرغمت على التزوج بمن لا ترغب.

 

ثالثًا:

وإذا ثبت عقد زواج بشرع الله تعالى المطهَّر وكان الزوج هو آخر أزواج المرأة فيكون زوجها في الجنة، فالصحيح في هذه المسألة أن المرأة لآخر أزواجها، لا لأحسنهم خلُقاً ولا أنها تُخيَّر بينهم، وإذا كان لها زوج واحد ليس ثمة غيره حتى توفيت أو توفي هو ولم تتزوج بعده: فالأمر في ذلك واضح بيِّن أنه يكون زوجَها في الجنة إن كانا من أصحابها.

رابعًا:

والنصيحة لك:

  1. أن تبتعد عن حياة تلك المرأة؛ حتى لا تهدم بيتها وتشتت أسرتها وفِكرها.
  2. وأن تقطع التفكير فيها؛ حتى لا تعذِّب نفسك بما طائل وراءه، وحتى لا تسبِّب لنفسك أمراضًا كالاكتئاب والقلق مما قد يسبِّب لك أمراضًا عضوية.
  3. أن تسير في حياتك فتبحث عن زوجة صالحة تحفظ عليك نفسك ودينك، وتستثمر حياتك في النافع المفيد، فتكوِّن أسرة صالحة وتربِّي ذرية طيبة، فهو خير لدينك ودنياك من أن تعيش آمالاً فتسبب لنفسك بها آلامًا.
  4. واعلم أن الجنة ليست ملتقى للعشَّاق! وهذه العلاقة المحرَّمة التي كانت بينك وبين تلك المرأة لن يكون لها وجود في جنة الله تعالى والحال أن ذاك الرجل هو آخر أزواجها أو ليس في حياتها غيره، والمرأة قد مضت لحال سبيلها فافعل فعلها، والتفت لنفسك أن يضيع عمرك فيما يضرك دنيا وأخرى.

 

والله أعلم.

أسرة يكثر فيها الخلاف والمصائب والأمراض فهل يكون ذلك من تأثير السحر والعين؟

أسرة يكثر فيها الخلاف والمصائب والأمراض فهل يكون ذلك من تأثير السحر والعين؟

السؤال:

سأشرح حالتي لفضيلتكم الموقرة، أنا شاب من المسلمين مرضت منذ (10سنوات) ولم أشفَ بعد، ضعف جنسي شديد رغم تلقي العلاج الطبي، ثم أصبت بداء عصبي أدّى بي إلى الجنون، منذ ( 5 سنوات ) وأنا أتعالج من المرض العصبي إلى الآن عند الطبيب دون شفاء من المرضين، وأنا أعاني من البطالة منذ أن خرجت من المدرسة أي ( 14 سنة ) لم أعمل، ولدي أخوات بلغن الخمسين جميلات ولم يتزوجن رغم تحجبهن، ووالديَّ لا يكلم بعضهم بعضًا، وإخوتي الذكور لا يعملون وغير متزوجين رغم بلوغهم الأربعين، ورغم هذه المشاكل الجيران يحسدوننا ولا يحبوننا لأننا عرب وهم أمازيغ – يعني: عنصريين، هل تستطيع العين أو السحر أن تحرم الإنسان الرزق والعمل والصحة والزواج؟ ونحن – يعني كسائر المسلمين – ملتزمون، ولدينا معاصي كعوام المسلمين – يعني عاديين -، وأحد إخوتي الذكور من شدة الواقع المر يسب الله مرارًا منذ صغره! فأرجو أن تشرح لنا حالتنا وتعطينا مخرجًا يرحمكم الله؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

إن أكثر ما آلمنا في الرسالة ليس تعطيل زواج أخواتك، ولا تعطل عمل إخوانك وعدم تزوجهم، بل هو ما يفعله أخوكم من سب الله تعالى! والعجيب أنك تقول إنه يفعل ذلك بسبب شدة الواقع المرّ! ومتى كان سب الله تعالى يفرِّج الكرب ويزيل الهم؟! إن هذا العذر منه لقبيح ولا يُمكن أن يصدر من عاقل، فالله تعالى هو خالق الكون وهو المتصرف فيه وهو الذي ييسر الأمر ويكشف السوء ويفرج الهم، فبدلًا من أن يلجأ أخوكم إلى ربه تعالى لييسر له الخير ويرفع عنه السوء يسبه ويشتمه؟! والأعجب أنك تقول إنه تعوَّد على ذلك منذ صغره! فأين والداه وإخوته عنه؟ ولماذا شبَّ هذا على كفرٍ أخرجه من ملة الإسلام؟ ونحن نحسن الظن فيكم أنكم لا ترضون عن فعله ولعلكم بذلتم وسعكم في نصحه وإرشاده، ونرجو أن يكون الأمر هو كذلك حتى يبوء بإثمه وحده ولا يشاركه معه أحد منكم، ولعله يتدارك نفسه قبل أن يموت بتوبة صادقة وإلا لقي الله تعالى مرتدّاً كافراً؛ فقد أجمع أهل السنَّة على كفر ساب الله تعالى، ولا فرق في ذلك بين من يعلم الحكم وبين من يجهله.

 

ثانيًا:

وأما ما حصل ويحصل معكم في بيتكم مع الأهل والأشقاء والشقيقات فلا يخلو من أمرين:

الأول: أن تكون الأمور الجارية مع الجميع لها أسبابها الحسية من عدم توافق بين والدك ووالدتك لاختلاف ثقافتهما أو تفاوت السن بينهما أو اختلاف بيئتهما أو غير ذلك من الأسباب، وما حصل لأخواتك هو بسبب تشهير بعض الناس في أسرتكم وتنفير التزوج منها، وهكذا الأمر في حال أشقائك يكون ما حصل لهم له أسبابه الملموسة المعروفة، وأن يكون ما حصل معك من أمراض له أسبابه الحسية وأنها تزول بالعلاج بالأدوية المادية أو الشرعية، فعليكم أولًا البحث عن الأسباب الحسية فإن وُجدت: فعلاج الأمور يكون بوضع الحلول المناسبة لكل مشكلة، ونرجو أن يكون هذا مجرد ابتلاء وتؤجرون على الصبر عليه.

الثاني: أن تكون الأمور الجارية معكم ليس لها أسبابها الحسية، فيكون الأمر دائراً بين كونكم أصبتم بالسحر أو العين.

وتأثير السحر والعين على ما جرى ويجري معكم أمر غير مستبعد؛ لأن الله تعالى جعل للسحر والعين تأثيرات وأضرارًا عظيمة ومنها ما حصل معك ومع أخواتك وإخوتك، بل وقد يصل الأمر إلى أشد من ذلك كأن يؤدي إلى الموت.

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -: ” وقال المازري:

جمهور العلماء على إثبات السحر وأن له حقيقة، ونفى بعضهم حقيقته وأضاف ما يقع منه إلى خيالات باطلة، وهو مردود؛ لورود النقل بإثبات السحر، ولأن العقل لا ينكر أن الله قد يخرق العادة عند نطق الساحر بكلام ملفق أو تركيب أجسام أو مزج بين قوى على ترتيب مخصوص، ونظير ذلك ما يقع من حذاق الأطباء من مزج بعض العقاقير ببعض حتى ينقلب الضار منها بمفرده بالتركيب نافعًا، وقيل: لا يزيد تأثير السحر على ما ذَكر الله تعالى في قوله ( يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وَزَوْجِهِ ) لكون المقام مقام تهويل فلو جاز أن يقع به أكثر من ذلك لذكره، قال المازري: والصحيح من جهة العقل أنه يجوز أن يقع به أكثر من ذلك، قال: والآية ليست نصًّا في منع الزيادة ولو قلنا إنها ظاهرة في ذلك”. انتهى من ” فتح الباري ” ( 10 / 222 ، 223 ).

ثالثًا:

وقد يكون ما أصابكم نتيجة إصابة بعينِ نفسٍ خبيثة، فقد يكون جمال أخواتك تسبب في إصابتهم بالعين، وقد يكون كثرة عدد إخوانكم تسبب في إصابتهم بالعين، فالنفوس الخبيثة تحسد أصحاب النعمة ولو قلَّت، فكيف أن تكون نعمٌ عند خصوم لها ومنافسين؟!.

فالعين حقٌّ، وإصابتها وتأثيرها حقٌّ، وقد تتسبب بالموت لمن يصاب بها، وكل ذلك لا يكون إلا بإذن الله وإرادته .قال تعالى ( وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ).

* قال ابن كثير – رحمه الله -:

” قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما ( لَيُزْلِقُونَكَ ): لينفذونك بأبصارهم، أي: ليعينونك بأبصارهم، بمعنى: يحسدونك لبغضهم إياك لولا وقاية الله لك، وحمايته إياك منهم، وفي هذه الآية دليل على أن العيْن إصابتها وتأثيرها حق بأمر الله عز وجل، كما وردت بذلك الأحاديث المروية من طرق متعددة كثيرة “. انتهى من ” تفسير ابن كثير ” ( 8 / 201 ).

وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (الْعَيْنُ حَقٌّ، وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابَقَ الْقَدَرَ سَبَقَتْهُ الْعَيْنُ ) رواه مسلم ( 2188 ).

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

” وقد أخرج البزَّار من حديث جابر بسند حسن عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( أَكْثَرُ مَنْ يَمُوتُ مِنْ أُمَّتي بَعْدَ قَضَاءِ الله وَقَدَرِهِ بِالأَنْفُس ) قال الراوي: يعني: بالعين، وقال النووي: في الحديث إثبات القدَر، وصحة أمر العين، وأنها قوية الضرر “. انتهى من ” فتح الباري ” ( 10 / 204 ).

وقد ذكرنا في جواب سابق أن العين تُسبِّب أمراضًا عضوية ومشكلات مادية وزوجية وقطيعة، فلينظر؛ لتعلم أنه قد يكون ما أصاب أهل بيتكم من قطيعة بين الوالدين ومشكلات في تزوج الإخوة والأخوات وغير ذلك أنه قد يكون نتيجة إصابتكم بعينٍ من نفسٍ خبيثة لا تتقي الله تعالى ربَّها.

وأما أمر علاج العيْن – إن كان ما حصل معكم ليس له أسباب حسية بل هو عيْن -: فهو قراءة المعوذات والتزام الأدعية الثابتة في السنَّة.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

” ومن جرب الدعوات والعُوَذ: عرف مقدار منفعتها، وشدة الحاجة إليها، وهي تمنع وصول أثر العائن، وتدفعه بعد وصوله بحسب قوة إيمان قائلها، وقوة نفسه، واستعداده، وقوة توكله وثبات قلبه، فإنها سلاح، والسلاح بضاربة “. انتهى من ” زاد المعاد ” ( 4 / 170 ).

 

* وقال الشيخ ابن مفلح الحنبلي – رحمه الله -:

” ويعالج المَعين مع ذلك بالرقى من الكتاب والسنة والتعوذ والدعاء “. انتهى من ” الآداب الشرعية ” ( 3 / 60 ).

 

ونسأل الله تعالى أن يكشف عنكم الكرب، ويفرج عليكم الهم، وأن ييسر لكم الأمر، وأن يجعل لكم مخرجًا، ونسأله تعالى أن يشفيك ويعافيك وأن يجمع لك بين الأجر والعافية.

 

ونوصيكم بأخيكم الذي يصدر منه الكفر بأن تنصحوه بأنه قد وقع في الردة، وأن عليه أن يكفَّ لسانه عن سب ربِّه تعالى، وأن عليه أن يضرع إلى ربه وخالقه بالدعاء أن يرفع عنكم البلاء وأن يجعل لكم من أمركم يُسرًا، ولعلَّ الله تعالى أن يجعل من توبته ودعائه سببًا لتفريج كربكم وإزالة همِّكم.

 

والله أعلم.

هل تقسيم الأضحية أثلاثًا مُلزم؟ وكيف يوزعها من ليس في بلده أحد من المسلمين؟

هل تقسيم الأضحية أثلاثًا مُلزم؟ وكيف يوزعها من ليس في بلده أحد من المسلمين؟

السؤال:

أنا أحد الطلاب المبتعثين وأرغب في أن أضحي، وأعلم أن الأضحية تقسم إلى ثلث للبيت وثلث هدية وثلث صدقة للفقراء، علما أنه هنا في المدينة التي أدرس فيها لا يوجد فقراء مسلمين، والمسلمون المقيمون يقولون إنهم يتصدقون بالثلث الصدقة للمركز الإسلامي، فهل يصح ذلك، أو ما هي الحلول الأخرى التي يمكنني عملها.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لم يرد في السنَّة المرفوعة أن المضحِّي يُلزم بتقسيم أضحيته ثلاثة أثلاث له وللفقراء ولأهله وجيرانه، وإنما صحَّ الأمر بالأكل والادخار والإطعام، وليس فيه تحديد نسبة معينة، ولذا قال بعض العلماء بالقسمة الثلاثية، وقال آخرون: يأكل نصفًا ويتصدق بالنصف الآخر، والأمر في ذلك واسع، والمهم أن يصل للفقراء والمساكين منها شيئا وجوبا، وأن يفرح أهله بإطعامهم منها استحبابًا.

وقد صحَّ ذلك التقسيم الثلاثي عن طائفة من علماء الصحابة رضي الله عنهم:

– عن ابن عمر قال: الضحايا والهدايا ثلث لأهلك وثلث لك وثلث للمساكين.

– وعن ابن مسعود رضي الله عنه كان يبعث بالبدن مع علقمة ولا يمسك عما يمسك عنه المحرم ثم يأمره إذا بلغت محلها أن يتصدق ثلثاً ويأكل ثلثًا ويبعث إلى ابن أخيه عبد الله بن عتيبة بن مسعود ثلثًا.

– وهذا التقسيم لطيف، وعليه العمل عند جمهور العلماء، وهو خير ما يؤخذ به ويُفعل.

 

ثانيًا:

واعلم أنه يجوز لكم إعطاء النصارى الذين يجاورونكم أو ممن تعرفونهم، ممن ترون الحاجة إلى تأليف قلوبهم للإسلام، وهذا هو الصحيح من أقوال أهل العلم.

* قال ابن قدامة – رحمه الله -:

ويجوز أن يُطعِم منها – أي: الأضحية – كافرًا، وبهذا قال الحسن وأبو ثور وأصحاب الرأي، وقال مالك: غيرهم أحب إلينا، وكره مالك والليث إعطاء النصراني جلد الأضحية.

ولنا: أنه طعام له أكلُه فجاز إطعامه للذمي كسائر طعامه، ولأنه صدقة تطوع فجاز إطعامها الذميَّ والأسير كسائر صدقة التطوع، فأما الصدقة الواجبة منها: فلا يجزئ دفعها إلى كافر لأنها صدقة واجبة فأشبهت الزكاة وكفارة اليمين.

” المغني ” ( 11 / 109 ).

* وسئل علماء اللجنة الدائمة:

إذا كان الجار كافرًا – يعني: غير مسلم – لا يزعجك عن عبادتك في أي شيء، هل يجوز أن تعطيه الأضحية، ومن الشاة التي تذبح من أجل ولادة امرأتك؟.

نريد من سماحتكم توضيح ذلك.

فأجابوا:

تجوز الهدية إلى الكافر من الأضحية والعقيقة، وذلك إحسانًا إلى الجار، وأداء لحق الجوار. الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 26 / 108 ).

– ويُتجنب إعطاء الكافر الحربي منها.

 

ثالثًا:

ومما سبق يتضح لك – أخي السائل – أنك إذا ذبحت أضحيتك فلك أن تأخذ منها قدرًا لنفسك ولأهل بيتك ولو وصل القدر إلى النصف، وإن تيسر لك البحث عن فقراء من المسلمين لتعطيهم منها فافعل ذلك ولا تقصِّر، وإن كان المركز الإسلامي يقوم عنك بهذه المهمة فلك أن توكِّله بها، ويمكنك توزيع أجزاء منها على أصدقائك المسلمين وزملائك – ولو كانوا غير فقراء -، كما يجوز لك أن تتحرى فقراء الكفار ومن ترغب بتأليف قلبه على الإسلام لتعطيه أجزاء من أضحيتك، ونسأل الله تعالى أن يتقبل منك صالح عملك، ونوصيك بنفسك وأهلك خيراً، فأنت في بلاد الغربة وتحتاج أن تقوي إيمانك بالطاعات والعبادات، فاجعل لها في حياتك نصيبًا وافرًا، وتحرَّ أصدقاء صالحين من المسلمين تجاورهم وتصاحبهم لتستعين بهم على طاعة ربك تعالى، وتتعاون وإياهم على صلاح نفسك وأسرتك – إن كانوا معك -.

 

والله أعلم.

هل يجوز عمل عروض ” سحر تمثيلي “؟ وهل يجوز حضوره؟

هل يجوز عمل عروض ” سحر تمثيلي “؟ وهل يجوز حضوره؟

السؤال:

ما رأيكم في مشاهدة الصغار لبعض عروض الأطفال التي تتناول موضوع ” السحر ” وما شابه ذلك؟ فقد أقام الإخوة في مسجدنا عرضًا يتناول موضوع السحر ولكني لم أرد لأبنائي أن يذهبوا فمنعتُهم، فما رأيكم؟.

 

الجواب:

الحمد لله

الذي فهمناه من السؤال أنه يتم في المسجد عروض من قبل أطفال فيها ما يسمى ” خفة يد ” أو ” سحر تمثيلي “، فإن كان هذا هو الواقع: فقد أحسنتِ في منع أبنائك من حضور تلك العروض التي يجري فيها ذلك المنكر، وقد أساء أولئك الذين رضوا بذلك وقاموا على تنفيذه، وتزداد الإساءة حين يكون العرض في المسجد وحين يكون على يد أطفال، فنرجو أن لا يتكرر منهم هذا الفعل، وعليهم واجب تربية أطفال المسلمين على الأخلاق النبيلة وتعليمهم العلم النافع وتنشئتهم على اعتقاد أهل السنَّة والجماعة من غير دخن ولا خلل، وإن كان ثمة نصح منكم لهم وإنكار فليكن باللين والرفق.

وليُعلم أن السحر الذي ذمَّه الله تعالى وحذَّر منه النبي صلى الله عليه وسلم منه ما يسمَّى ” سحر التخييل ” وقد ذكره الله تعالى في كتابه الكريم في قوله ( فَإِذَا حِبَالُهُم وَعِصِيُّهُم يُخَيَّل إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِم أَنَّهَا تَسْعَى ) طه/ 66، فقد سمَّى الله تعالى عملهم ذاك سحرًا، وقد سمَّاهم سحرة، كما أن من شأن مثل تلك العروض أن تهوِّن من شأن السحر والسحرة، وهذا خلل من أولئك القائمين على مثل تلك العروض في باب تربية النشء بالإضافة إلى الوقوع في الإثم في الفعل ذاته.

* سئل الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله -:

ما حكم مشاهدة ” السحر التمثيلي ” سواء كان على الطبيعة أو على التلفاز؟.

فأجاب:

لا يجوز مشاهدة السحر سواء كان حقيقيًّا أو تمثيليًّا تخييليًّا، لا يجوز؛ لأنه باطل، ولا يجوز للإنسان مشاهدة الباطل؛ لأنه إذا شاهده: فقد أقره، إلا إذا كان يشاهده من أجل القيام بإنكاره والعمل على إزالته: فلا بأس بذلك، أما أن يشاهده ساكتًا ومتكلمًا بذلك: هذا حرام، لأنه لهو بالباطل ” انتهى. نقلًا عن موقع الشيخ حفظه الله على هذا الرابط:

http://www.alfawzan.ws/node/4827

 

* وسئل الشيخ – حفظه الله – أيضًا -:

يكثر في الإجازة الصيفية إقامة المهرجانات التي تقام بقصد الترفيه، ويحصل فيها ألعاب ” السيرك ” وإحضار أشخاص يقوم بعضهم بالمشي على الحبال وسحب السيارات بشعره وأكل الجمر، وغير ذلك من الأمور، علمًا بأن بعضهم تظهر على سيماهم الصلاح، فما حكم فعلهم هذا.

فأجاب:

هذا من الشيطان، هذا الفعل من الشيطان، لا أحد يأكل الجمر، ولا أحد يشرب ماء حارًّا، فكيف يأكل الجمر، يكذب، لكن يُظهر للناس أنه يأكل الجمر، وهو في الحقيقة لا يصل الجمر إليه، الجمر لا يصل إليه ولا إلى جسمه، كذلك السيارة هو بجانبها،… ولا يجوز للمسلمين أن يقروا هذا الشيء ولو كان يسمُّون هذا من الحيل، ويسمُّونه من الفنون، ويسمُّونه ما يسمونه يعني : نفتح الباب للسحر، نفتح الباب للشعوذة، هذا أمر لا يجوز، ويجب على ولاة الأمور منعه، يجب عليهم منعه في الحال، وأن لا يُقر، وليس لأحد من طلبة العلم يسكت على هذا الشيء.

http://www.alfawzan.ws/AlFawzan/Fata…x?PageID=13510

 

وإن كان سؤالكم عن غير هذا الذي ذكرناه: فنرجو إعادة مراسلتنا، مع توضيح المقصود، شاكرين لكم جهودكم في العناية بأبنائكم وتربيتهم تربية إسلامية صحيحة.

 

والله أعلم.

 

 

الفرق بين البدعة والمصلحة المرسلة، ومواضع اتفاقهما وافتراقهما

الفرق بين البدعة والمصلحة المرسلة، ومواضع اتفاقهما وافتراقهما

السؤال:

ما الفرق بين البدعة والمصلحة المرسلة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

عرَّف الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى البدعةَ بتعريف جامع فقال:

” فكل مَن أحدث شيئًا، ونسبه إلى الدِّين، ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه: فهو ضلالة، والدين منه بريء “. ” جامع العلوم والحكم ” ( 2 / 128 ).

فصارت أركان البدعة:

  1. الإحداث.
  2. أن يضاف هذا الإحداث إلى الدين.
  3. ألا يستند هذا الإحداث إلى أصل شرعي؛ بطريق خاص أو عام.

 

ثانيًا:

و ” المصلحة ” في اللغة: المنفعة، سواء أكانت دنيوية أم أخروية.

و ” المرسلة ” في اللغة: المُطلقة.

و ” المصلحة المرسلة ” في الاصطلاح: هي المنفعة التي لم يرد فيها دليل خاص باعتبارها أو إلغائها.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – في بيان تعريف ” المصالح المرسلة ” -:

وهو أن يرى المجتهد أن هذا الفعل يجلب منفعة راجحة، وليس في الشرع ما ينفيه. ” مجموع الفتاوى ” ( 11 / 342 ، 343 ).

 

ثالثًا:

ومن أوضح ما يفرَّق به بين البدعة والمصلحة المرسلة أمران:

  1. أن البدعة في البدع موضوعها: الغايات، والمصلحة المرسلة موضوعها: وسائل تحقيق الغايات.
  2. أن البدعة قام السبب – ويُطلق عليه ” المقتضي ” – لفعلها في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ولم تُفعل، وأما المصلحة المُرْسَلَة: فلم يقمْ المقتضي لفعلها في زمن النبي صلى الله عليه وسلم.

وعليه: فمن جعل المصلحة المرسلة هي البدعة أو كالبدعة: فقد أخطأ، بل البدعة مضادة للمصالح المرسلة.

* قال الشاطبي – رحمه الله -:

فلما كان هذا الموضع مزلة قدم لأهل البدع أن يستدلوا على بدعتهم من جهته: كان الحق المتعين النظر في مناط الغلط الواقع لهؤلاء حتى يتبين أن ” المصالح المرسلة ” ليست من البدع في وِرد ولا صَدر … .

إذا تقررت هذه الشروط: عُلم أن البدع كالمضادة للمصالح المرسلة؛ لأن موضوع المصالح المرسلة ما عقل معناه على التفصيل، والتعبدات من حقيقتها: أن لا يعقل معناها على التفصيل. ” الاعتصام ” ( 1 / 373 – 386 ) وقد أطال التقرير هناك فليرجع إليه.

 

رابعًا:

وننقل هنا كلاما علميّا يضبط مسألة الفروقات والاتفاقات بين البدع والمصالح المرسلة نختم به الجواب ونرجو أن يكون نافعًا مفيدًا.

* قال الشيخ محمد بن حسين الجيزاني – وفقه الله -:

أ. وجوه اجتماع البدعة والمصلحة المرسلة:

  1. أن كلا من البدعة والمصلحة المرسلة مما لم يعهد وقوعه في عصر النبوة، ولا سيما المصالح المرسلة، وهو الغالب في البدع، إلا أنه ربما وجدت بعض البدع – وهذا قليل – في عصره، كما ورد ذلك في قصة النفر الثلاثة الذين جاءوا يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم.
  2. أن كلا من البدعة – في الغالب – والمصلحة المرسلة خال عن الدليل الخاص المعين، إذ الأدلة العامة المطلقة هي غاية ما يمكن الاستدلال به فيهما.

ب. وجوه الافتراق بين البدعة والمصلحة المرسلة:

  1. تنفرد البدعة في أنها لا تكون إلا في الأمور التعبدية، وما يلتحق بها من أمور الدين بخلاف المصلحة المرسلة فإن عامة النظر فيها إنما هو فيما عقل معناه، وجرى على المناسبات المعقولة التي إذا عُرضت على العقول تلقتها بالقبول فلا مدخل لها في التعبدات، ولا ما جرى مجراها من الأمور الشرعية.
  2. وتنفرد البدعة بكونها مقصودة بالقصد الأول لدى أصحابها؛ فهم – في الغالب – يتقربون إلى الله بفعلها، ولا يحيدون عنها، فيبعد جدًّا – عند أرباب البدع – إهدار العمل بها؛ إذ يرون بدعتهم راجحة على كل ما يعارضها، بخلاف المصلحة المرسلة؛ فإنها مقصودة بالقصد الثاني دون الأول، فهي تدخل تحت باب الوسائل؛ لأنها إنما شرعت لأجل التوسل بها إلى تحقيق مقصد من مقاصد الشريعة، ويدل على ذلك أن هذه المصلحة يسقط اعتبارها، والالتفات إليها شرعًا متى عورضت بمفسدة أربى منها، وحينئذٍ فمن غير الممكن إحداث البدع من جهة المصالح المرسلة.
  3. وتنفرد البدعة بأنها تؤول إلى التشديد على المكلفين وزيادة الحرج عليهم، بخلاف المصلحة المرسلة فإنها تعود بالتخفيف على المكلفين ورفع الحرج عنهم، أو إلى حفظ أمر ضروري لهم.
  4. وتنفرد البدعة بكونها مناقضة لمقاصد الشريعة، هادمة لها، بخلاف المصلحة المرسلة فإنها – لكي تعتبر شرعًا – لا بد أن تندرج تحت مقاصد الشريعة، وأن تكون خادمة لها، وإلا لم تعتبر.
  5. وتنفرد المصلحة المرسلة بأن عدم وقوعها في عصر النبوة إنما كان لأجل انتفاء المقتضي لفعلها، أو أن المقتضي لفعلها قائم لكن وجد مانع يمنع منه، بخلاف البدعة فإن عدم وقوعها في عهد النبوة كان مع قيام المقتضي لفعلها، وتوفر الداعي، وانتفاء المانع.

 

والحاصل: أن المصالح المرسلة إذا روعيت شروطها كانت مضادة للبدع مباينة لها، وامتنع جريان الابتداع من جهة المصلحة المرسلة؛ لأنها – والحالة كذلك – يسقط اعتبارها ولا تسمى إذ ذاك مصلحة مرسلة، بل تسمى إما مصلحة ملغاة أو مفسدة.  “قواعد معرفة البدع ” ( ص 19 ، 20 ).

 

والله أعلم.

 

كيف يزكي مدخره من راتبه الشهري؟

كيف يزكي مدخره من راتبه الشهري؟

السؤال:

أنا أعمل في شركة منذ سنتين تقريبًا، وأدخر قسطًا كبيرًا من راتبي كل شهر، في الشهر العاشر تجمع لي قيمة النصاب حينها، وبقي المبلغ يزيد وينقص، ولكن لم ينزل عن النصاب، الآن أنا في الشهر الحادي والعشرين, والمبلغ أصبح تقريبًا الضعف، والنصاب قد تغير، اختلطت علي الأمور، ولم أعد أفهم ماذا أفعل، ما هو النصاب الذي أعتمده، القديم أم الجديد؟ ما هو المبلغ الذي أعتمده، هل هو الأخير أم الذي حال عليه الحول؟

 

الجواب:

الحمد لله

أسهل الطرق في حساب زكاة الراتب بالخطوات الآتية:

  • أن تحدد الشهر الذي بلغ فيه ما تدخره من الراتب نصاب الزكاة، ونصاب الزكاة هو قيمة (85) غرامًا من الذهب من عيار (24)، فإذا كانت قيمتها – على سبيل المثال – عشرة آلاف ريال، وبلغت مدخراتك هذا الرقم: حينها تدون عندك اسم الشهر الذي بلغت فيه مدخراتك النصاب الزكوي.
  • فإذا مر عام كامل من بداية هذا الشهر الذي دونته عندك باليوم والتاريخ: نظرت في جميع ما لديك من مدخرات الراتب وأديت الزكاة عنها كلها بمقدار (2.5%).

صحيح أن جزءًا من توفيرك من راتبك إنما دخل الحساب قبل شهر أو شهرين فقط، ولم يحل عليه حول كامل، لكن إخراجك الزكاة عن جميع المال تعتبر تعجيلًا في أدائها عن قدر المال الذي لم يمكث حولًا كاملًا في الحساب، وتعجيل الزكاة جائز، وهو – لا شك – أولى من تأخيرها وأوجب، وأجره أعظم عند الله تعالى، وأسهل في الحساب وضمان عدم الاضطراب أو الخلل فيه.

* يقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:

” الزكاة عن الرواتب الشهرية – أحسن شيء، وأسهل شيء، وأسلم شيء – أن تعد شهرًا معينًا لإحصاء مالك، وتخرج زكاته جميعًا.

مثال ذلك: إنسان اعتاد أنه كلما دخل شهر رمضان أحصى الذي عنده وأخرج الزكاة، حتى راتب شعبان الذي قبل رمضان يخرج زكاته، هذا طيِّب، ويستريح الإنسان في الحقيقة، ما وجدنا أريح من هذا أبدًا.

فإذا قال قائل: شعبان الذي قبضت لم يمض عليه إلا أيام؟

فنقول: تكون زكاته معجلة، ويجوز أن الإنسان يعجل الزكاة لمدة سنة أو سنتين.

وحينئذ نقول: أحسن شيء أن يجعل الإنسان شهرًا معينًا يحصي ماله كله، ويخرج زكاته الذي تم حوله والذي لم يتم ” انتهى. ” مجموع فتاوى ورسائل العثيمين ” (18/175).

 

والله أعلم.

 

المنشطات الرياضية والجنسية وحكم تناولهما

المنشطات الرياضية والجنسية وحكم تناولهما

السؤال:

ما حكم بيع وشراء وتناول المنشطات الرياضية والجنسية؟ لقد أخبرني بعضهم أن ذلك ليس حرامًا لأنها ليست مخدرات، وطالما أنها لا تضر فلا بأس من تناولها أيضا، بل قد أخبرني أحد الأطباء وقال: لا بأس من تناولها؛ لأنها لا تضر الجسم، شرط أن لا تتجاوز الجرعة الواحدة (20 مل ). فما رأي الشرع في هذا؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

بيان أضرار المنشطات الرياضية.

تعريف المنشطات في اللغة: يقال: نشط الرجل في عمله ينشطُ  نشاطًا فهو  نشيط إذا خفَّ وأسرع، ولا يختلف التعريف الفقهي للنشاط عن التعريف اللغوي.

ويقصد بالمنشطات المحظورة رياضيًّا في الاصطلاح الرياضي: استعمال أية مادة من شأنها أن تزيد نشاط اللاعب نشاطًا غير طبيعي مما يجعله ينافس بطريقة غير عادلة، وهذه المنشطات عبارة عن عقاقير مصنعة، وقد تكون مواد طبيعية تؤخذ بكميات غير طبيعية وبطرق غير معتادة تساهم في رفع اللياقة البدنية بشكل غير طبيعي، وأغلبها مواد مخدرة، وقد قسمت اللجنة الطبية التابعة للجنة الاولمبية الدولية المنشطات المحظورة رياضيّا إلى خمسة أقسام هي:

١. المنبهات للجهاز العصبي.

  1. المثبطات للجهاز العصبي.
  2. الهرمونات البنائية.
  3. العقاقير المسيطرة على الدورة الدموية.
  4. مدرات البول.
  5. هرمون النمو.
  6. الهرمونات الكورتيزونية.

وقد أثبتت الأبحاث الطبية أن تعاطي المنشطات الرياضية يؤدي إلى أمراض نفسية: كاضطراب المزاج، والشعور بالكآبة، والرغبة في العدوانية، وأمراض عصبية كالجنون.

وأمراض عضوية: كمرض الذبحة القلبية المؤدي للموت، وأمراض الكلى، وأورام البروستاتا، والعجز الجنسي المؤدي إلى العقم، والخلل الهرموني.

ويمكن إيضاح الأضرار الصحية التي تؤكد الأبحاث الطبية أن تعاطي المنشطات الرياضية يسببها في النقاط التالية:

  1. الإدمان. 2. الاكتئاب النفسي. 3. الالتهاب الكبدي. 4. التهاب المعدة المؤدي إلى القرحة. 5. أمراض عصبية مختلفة. 6. الأرق والهلوسة. 7. الإسهال والغثيان. ٨. عدم الاتزان. 9. أمراض الرئة والقلب. 10. عدم الشهية للطعام. ١١. ارتخاء العضلات. 12. زيادة إفرازات الدموع والأنف. 13. الطفح الجلدي. 14. هبوط التنفس المؤدي إلى الموت. 15. أمراض الكلى. 16. أورام البروستاتا. 17. ظهور علامات الذكورة الجسدية في الإناث. 18. العنة أو العقم نتيجة استخدام هرمون ” التستوستيرون ” – هرمون الذكورة.

 

ثانيًا:

حكم تناول المنشطات الرياضية:

يمكن الكشف عن حكم تناول المنشطات الرياضية من خلال الأضرار الصحية التي تسببها المنشطات الرياضية للرياضي نفسه.

يتضح من خلال العرض السابق للأمراض التي تنشأ عن تناول المنشطات الرياضية، وما ذكره أهل الاختصاص عن مدى الضرر الصحي الذي يترتب على تعاطي المنشطات الرياضية، إما بشكل سريع أو على المدى البعيد: أن استخدم المنشطات الرياضية غير جائز؛ لما يترتب عليه من أضرار قد تؤدي بحياة الشخص المتعاطي لهذه المنشطات، وقد قال الله تعالى ( وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ) النساء/29، وقال تعالى ( وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلى التَّهْلُكَةِ ) البقرة/ 195، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا ضرر ولا ضرار ) – رواه ابن ماجه بإسناد حسن -.

فالإسلام حرم على المسلم أن يتسبب في هلاك نفسه وقتلها، كما حرم عليه أن يضر نفسه بأي وجه من أوجه الضرر.

باختصار من رسالة ماجستير بعنوان ” النوازل في الأشربة ” ( ص 229 – 234 ) للشيخ زين العابدين بن الشيخ بن ازوين، بإشراف الشيخ  سعد بن تركي الخثلان.

 

 

ثالثًا:

بيان أضرار المنشطات الجنسية.

توصل الأطباء إلى علاج أغلب حالات العجز الجنسي، واكتشفوا العديد من الطرق والوسائل المفيدة منها:

العلاج بالأدوية المنشطة التي تؤخذ عن طريق الفم على هيئة أقراص مثل:  “الفياجرا”، و ” السيالس “.

العلاج بالحقن الموضعية التي تقوم بتوسيع الشرايين.

العلاج بإعطاء تحاميل صغيرة عبر مجرى البول.

العلاج بالأجهزة المساعدة عن طريق العمليات الجراحية، وهذه الطريقة لا يلجأ إليها إلا في حال فشل الطرق السابقة.

وهذه الطرق العلاجية بعضها له أضرار، وآثار جانبية، خصوصاً المنشطات التي تؤخذ عن طريق الفم، وكذلك الأجهزة المساعدة.

فجميع الأدوية المنشطة التي تؤخذ عن طريق الفم على هيئة أقراص قد تسبب:

الصداع، والاحتقان الأنفي، وألم المعدة مع سوء الهضم، وفرط الحساسية من النور، وبعض الآلام في أسفل الظهر أو العضلات.

وكذلك تناول تلك الأدوية دون استشارة الطبيب من طرف المرضى الذين يعانون من أمراض انسداد الشرايين قد يعرضهم لأضرار؛ لأن الكثير من هؤلاء يتناول دواء ” الناتيرايت “، وهذا الدواء يتفاعل بشدة مع عقار ” الفياجرا “، حيث يقوم ” الفياجرا ” بمنع هذا الدواء من التحلل في جسم المريض، وذلك يؤدي إلى نزول الضغط الشديد، الذي قد يؤدي إلى الموت.

رابعًا:

حكم تناول المنشطات الجنسية:

إن استعمال المنشطات الجنسية تعتريه حالتان:

الحالة الأولى:  أن يكون لحاجة داعية إليه من نحو كبَر، أو علاج مرض: فيكون استعمالها أمرًا مباحًا شرعًا؛ لأن الإسلام يأمر المسلم بالتداوي، وأخذ أسباب العلاج، من ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ( تداووا فإن الله عز وجل لم يضع داء إلا وضع له دواء غير داء واحد الهرم ) – رواه الترمذي وصححه – وأبو داود وابن ماجه -، وقد يكون مندوبًا شرعًا كأن يترتب عليه تحصيل الذرية التي أوصت نصوص الشرع بطلبها، ومن تلك النصوص قول الله تعالى ( فَالآَنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ) البقرة/ 187، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم ) – رواه أبو داود والنسائي وهو صحيح -.

إلا أنه ينبغي مراعاة الضوابط التي يذكرها أهل الاختصاص فهم أهل الذكر في هذا  المجال، ومن جملة الضوابط التي يذكرونها ما يأتي:

أ. أن لا يتناول المريض بالعجز الجنسي تلك المنشطات إلا بعد استشارة طبيب ثقة مختص.

ب.  أن لا يعتمد اعتمادًا كليًّا على تلك المنشطات، بحيث لا يستطيع الجسم القيام بواجباته إلا بها.

ج. أن يراعي عدم الإسراف في تناولها؛ لما قد يترتب على الإسراف في تناولها من الأضرار التي قد تؤدي بحياته.

الحالة الثانية  استعمال المنشطات الجنسية لتحصيل زيادة في المتعة ونحو ذلك، فالحكم في هذه الحالة يكون بالنظر لما يترتب على تعاطي هذه المنشطات من غير حاجة، وقد ذكر أصحاب الاختصاص أن استعمال الأدوية المنشطة من قبل الأصحاء لزيادة المتعة قد يؤدي إلى أضرار بالغة، حيث تؤكد الأبحاث الطبية أن تناول الأصحاء للمنشطات الجنسية يؤدي إلى آثار عكسية على المدى البعيد؛ لأن المنشطات تعطي للجسم نشاطاً قد يستمر ساعات معدودة، ثم ما يلبث الجسم أن يدفع ثمن ذلك النشاط إرهاقًا وتعبًا، ومعلوم أنّ ما أدى إلى ضرر راجح أو خالص: تأبى إباحته نصوص الشرع وقواعده الكلية.

قال في ” المراقي “:

والحكم ما به يجيءُ الشرع *** وأصل كل ما يضر المنع.

باختصار من رسالة ماجستير بعنوان ” النوازل في الأشربة ” ( ص 237 – 240 ) للشيخ زين العابدين بن الشيخ بن ازوين، بإشراف الشيخ  سعد بن تركي الخثلان.

 

والله أعلم.

 

أنواع اللقاحات الطبية وحكم التطعيم بها

أنواع اللقاحات الطبية وحكم التطعيم بها

السؤال:

اللقاحات الطبية التي تُعطى للأطفال هي موضع تساؤلي، فالنظرية السائدة تقول: إنه بمجرد إعطاء الطفل نسبة بسيطة من فيروسات المرض الفلاني – وهو ما يعرف باللقاح – فإنه بذلك يكتسب مناعة ضد هذا المرض بقية حياته.

لكن قلقي زاد بخصوص هذا الأمر بعد أن قرأت أن اللقاحات التي تعطى للأطفال معظمها يستخلص من الدم الفاسد للأحصنة، ومن قيح بعض الأبقار المريضة، ومن دم الخنزير، ومن مخ الأرانب، ومن كلية الكِلاب، ومن رحم الدجاج، والقائمة تطول.

فالذي أريد أن أعرفه هو حكم هذه الأشياء، وهل يجوز للآباء أن يعطوا لأبنائهم هذه اللقاحات، وإن كانت هذه المعلومات التي قرأتها صحيحة فمعنى هذا أن أطفال العالم يُحقنون بمواد نجسة ومتعفنة، ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم ( لم يجعل الله دواء أمتي في دائها )؟! فما العمل إذًا؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

التلقيح – ويسمَّى ” التحصين ” و ” التطعيم ” –  يجعل جسم متناوله يصنع مواد تُعرف بـ ” الأجسام المضادة ” ووظيفتها : مقاومة الأمراض، ولا تسبِّب – في الأصل – الأمراض لمتناولها، وما يحدث من أعراض جانبية جرَّاء أخذها لا يقارن بما لها من نفع مستقبلي بإذن الله.

وفي ” الموسوعة العربية العالمية “: التحصين ( التمنيع ) النشط، مصطلح آخر للتلقيح، ويحتوي اللقاح على مواد من شأنها تحفيز المناعة في الجسم لإنتاج أجسام مضادة لمرض معد معين، وهذه الأجسام المضادة تحمي الشخص إذا ما أصيب بالكائن الحي المسبب للمرض.

ويحتوي اللقاح على مادة قوية تكفي للبدء في إفراز الأجسام المضادة، ولكنها ليست بالقوة التي تسبب المرض فعلاً، ومعظم اللقاحات تحتوي على البكتيريا المسببة للمرض أو فيروسات ميتة، ويحتوي بعضها الآخر على الجراثيم الحية، ولكن في حالة ضعيفة حتى لا تسبب المرض، وتُعرف اللقاحات باسم ” الذوفانات “، حيث تُصنّع من سموم تفرزها الكائنات المسببة للمرض، وتُعالج هذه السموم كيميائيّاً بحيث تعطي المناعة دون أن تسبب المرض.  انتهى.

ثانيًا:

وحكم التطعيم يرجع إلى حكم المواد المستعملة فيه والآثار المترتبة عليها، وهي أقسام:

القسم الأول: ما كان منها مواد مباحة الاستعمال في الأصل، ولها آثارها النافعة.

وهذه لا شك جائزة، بل هي من نعَم الله تعالى العظيمة على الخلق، وقد ساهم هذا الإنجاز الطبي في القضاء على انتشار أوبئة كثيرة.

* قال الشيخ سعد بن ناصر الشثري – حفظه الله -:

” ومن المسائل المتعلقة بالأوبئة والأمراض المعدية: حُكم أخذ اللقاح الذي يعطى من أجل الوقاية من هذه الأمراض، فنقول: اللقاح الذي يُعطى على نوعين:

النوع الأول: ما عرف أثره بالتجربة أنه يقي بإذن الله من هذا المرض، ومثل هذا له أحكام العلاج وهو نوع من أنواع العلاج؛ وذلك لدخوله في قوله صلى الله عليه وسلم (تداووا )، فيأخذ حكم التداوي، وبعض الفقهاء استشكل أخذ اللقاح وقال: إن هذا اللقاح مرض مخفَّف يُنقل إلى الجسد ليتمكن الجسم من محاربة المرض الثقيل ( ليتعود البدن على مقاومة المرض )، قالوا: فكيف نستجيز إدخال مرض إلى الجسد؟ والأظهر: أن هذا العمل لا حرج فيه، بل هو من القربات؛ لأن إدخال الضرر هنا لا يترتب عليه ضرر بل يترتب عليه مصلحة لوقاية متعاطي هذا اللقاح من المرض الشديد، فهذا دليل على عدم المنع من أخذ هذا اللقاح “. انتهى من محاضرة بعنوان ” أحكام فقهية تتعلق بالأوبئة “.

http://www.al-adwa.net/?p=181

وسواء كانت هذه المواد المباحة الاستعمال من الفيروسات أو البكتريا أو حتى السموم فكلها داخل فيما يجوز تناوله إن كان له آثار نافعة محمودة.

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 25 / 257 ): ” يجوز التّداوي بالسّمّ حتّى عند من يقول بنجاسته إن غلبت السّلامة من ضرره، ويرجى نفعه، لارتكاب أخفّ الضّررين، ولدفع ما هو أعظم منهما، بشرط إخبار طبيب مسلم عدل بذلك أو معرفة المتداوي به، وعدم ما يقوم مقامه ممّا يحصل التّداوي “. انتهى

القسم الثاني: ما كان منها مواد مباحة الاستعمال، ولكنَّها تسبِّب أضرارًا للبدن أكثر من النفع، أو لا يكون فيه نفع أصلًا.

وهذه اللقاحات لا شك في عدم جواز تناولها؛ لما نهينا عنه من الإضرار بأنفسنا في المطعومات والمشروبات والأدوية وغير ذلك.

وقد ذكرنا في جواب سابق: ” أمَّا إذا ثبت بالطب أن تطعيمات معينة تُحدث ضررًا بجسم الإنسان أو أن نسبة تأثيراتها الضارة أكثر من نسبة ما تدفعه من الأمراض فلا يجوز استعمالها حينئذ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا ضرر ولا ضرار  ) “. انتهى.

القسم الثالث: ما كان منها مواد محرَّمة أو نجسة في أصلها، ولكنها عولجت كيميائيًّا أو أضيفت إليها مواد أخرى غيَّرت من اسمها ووصفها إلى مواد مباحة، وهو ما يسمَّى ” الاستحالة “، ويكون لها آثار نافعة.

وفي ” الموسوعة العربية العالمية “: ” وما زالت بعض اللقاحات تصنع من أجزاء أو إفرازات الكائنات المسببة للمرض، وتتكون مجموعة لقاحات أخرى من كائنات حية تشابه تلك التي تسبب المرض، وهذه الكائنات تعطي المناعة ولكنها لا تسبب الأمراض “. انتهى.

وهذه اللقاحات يجوز تناولها لأن الاستحالة التي غيَّرت اسم موادها ومواصفاتها قد غيَّرت حكمها فصارت مباحة الاستعمال.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله –:

” وأما دخان النجاسة: فهذا مبني على أصل وهو أن العين النجسة الخبيثة إذا استحالت حتى صارت طيبة كغيرها من الأعيان الطيبة – مثل أن يصير ما يقع في الملاحة من دم وميتة وخنزير ملحا طيبا كغيرها من الملح أو يصير الوقود رمادًا وخرسفا وقصرملا ونحو ذلك – ففيه للعلماء قولان: أحدهما: لا يطهر، كقول الشافعي، وهو أحد القولين في مذهب مالك، وهو المشهور عن أصحاب أحمد وإحدى الروايتين عنه، والرواية الأخرى: أنه طاهر، وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك في أحد القولين وإحدى الروايتين عن أحمد. ومذهب أهل الظاهر وغيرهم: أنها تطهر، وهذا هو الصواب المقطوع به؛ فإن هذه الأعيان لم تتناولها نصوص التحريم لا لفظاً ولا معنى، فليست محرَّمة ولا في معنى المحرَّم فلا وجه لتحريمها بل تتناولها نصوص الحل؛ فإنها من الطيبات، وهي أيضًا في معنى ما اتفق على حله  فالنص والقياس يقتضي تحليلها.

” مجموع الفتاوى ” ( 21 / 70 ، 71 ).

القسم الرابع: ما كان منها مواد ضارَّة أو محرَّمة، ولا يُجزم بآثارها، وثمة اختلاف بين الأطباء والمختصين في نفعها وفائدتها.

– وهذه اللقاحات لا يجوز تناولها؛ لما فيه من احتمال تعريض النفس للهلاك والأمراض.

* قال الشيخ سعد بن ناصر الشثري – حفظه الله -:

ومن المسائل المتعلقة بالأوبئة والأمراض المعدية حكم أخذ اللقاح الذي يعطى من أجل الوقاية من هذه الأمراض، فنقول اللقاح الذي يعطى على نوعين:

النوع الأول:… – سبق ذِكره قريبًا -.

النوع الثاني من لقاح الأمراض المعدية: ما لم يتأكد من أثره ولم يعرف بالتجربة بعدُ، أو اختلف كلام الأطباء فيه بحيث لم يعتمد الإنسان على شيء ولم يترجح لديه شيء من أقوالهم : فحينئذ الأصل: المنع من أخذه وعدم جوازه؛ لأنه لم يتأكد من تأثيره في الوقاية من المرض، فنحن تأكدنا من أنه مضر، وأنه يدخل على البدن شيئاً من الضرر ولم نتأكد من أن له فائدةً أعظم منه، ومن ثَمَّ فإننا نمنع منه، لأننا لا نستجيز الإقدام على فعل إلا إذا كان نفعه أكبر من ضرره، فما لم نتأكد من ذلك فالأصل منعه، إذا كان الفعل نتأكد ونجزم بأنه مضر وأن ما يقابل هذا الضرر من الفائدة لم يثبت بعد: فحينئذ يمنع منه “. انتهى من محاضرة بعنوان ” أحكام فقهية تتعلق بالأوبئة “.

http://www.al-adwa.net/?p=181

 

والله أعلم.