ما أقل المهر؟ وكم مهور أمهات المؤمنين بالعملة الحالية؟
الجواب:
الحمد لله:
جاء تبيين أقل المهر فيما رواه مسلم في الصحيح رقم (1425) عن سهل بن سعد الساعدي قال: جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله جئت أهب لك نفسي، فنظر إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصعد النظر فيها وصوبه ثم طأطأ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأت المرأة أنه لم يقض فيها شيئاً جلست فقام رجل من الصحابة فقال: يا رسول الله إن لم يكن لك بها حاجة فزوجنيها، فقال: فهل عندك من شيء، فقال: لا والله يا رسول، فقال: اذهب إلى أهلك فانظر هل تجد شيئا، فذهب ثم رجع فقال: لا والله ما وجدت شيئاً ثم رجع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: انظر ولو خاتما من حديد، فذهب ثم رجع فقال: لا والله يا رسول الله ولا خاتماً من حديد، ولكن هذا إزاري فلها نصفه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما تصنع بإزارك، إن لبسته لم يكن عليها منه شيء فجلس الرجل حتى إذا طال مجلسه قام فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلم مولّي، فأمر به فدعي، فلما جاء قال: ماذا معك من القرآن، قال: معي سورة كذا وسورة وكذا فقال تقرؤهن عن ظهر قلبك قال: نعم، قال: اذهب فقد ملكتها بما معك من القرآن.
وفي هذا الحديث أنه يجوز أن يكون الصداق قليلاً وكثيراً مما يتمول إذا تراضى به الزوجان؛ لأنّ خاتم الحديد في نهاية من القلة، وهذا مذهب الشافعي وهذا مذهب جماهير العلماء من السلف والخلف وبه قال ربيعة وأبو الزناد وابن أبي ذئب ويحيى بن سعيد والليث بن سعد والثوري والأوزاعي ومسلم بن خالد وابن أبي ليلي وداود وفقهاء أهل الحديث وابن وهب من أصحاب مالك، وهو مذهب كافة الحجازيين والبصريين الكوفيين والشاميين وغيرهم أنه يجوز ما تراضى به الزوجان من قليل وكثير كالسوط والنعل وخاتم الحديد ونحوه.
وأما السؤال عن مهور أمهات المؤمنين؟
فقد روى مسلم في “الصحيح ” رقم (1426)عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه قال: سألت عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم كم كان صداق رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: كان صداقه لأزواجه ثنتي عشرة أوقية ونشّاً قال أتدري ما النَّشُّ، قال قلت: لا، قالت: نصف أوقية: فتلك خمس مائة درهم فهذا صداق رسول الله صلى الله عليه وسلم لأزواجه.
* وأما تحديد المهر بالعملة فلم أجد من نص على ذكره إلا ما وجدته في طي كلام محمود مهدي الاستانبولي في ” تحفة العروس ” (61) حين قال: والأوقية أربعين درهماً، والدرهم يساوي أربعين قرشاً سورياً فيكون مجموع المهر مئتي ليرة سورية”.
هذا جواب إحسان.
– تحديد مهر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بالعملة الحاليَّة:
قال العلامة ابن خلدون: فاعلم أن الإجماع منعقد منذ صدر الإسلام وعهد الصحابة والتابعين: أن الدرهم الشرعي هو الذي تزن العشرة منه سبعة مثاقيل من الذهب، والأوقيَّة منه: أربعين درهماً، وهو على هذا سبعة أعشار الدينار … وهذه المقادير كلها ثابتة بالإجماع.” مقدمة ابن خلدون ” ( ص 263 ).
وعلى هذا:
– فوزن الدرهم بالجرامات = 2.975 جراما.
– فيكون مهر أزواج الرسول صلى الله عليه وسلم = 500×2.975 = 1487.5 جراما من الفضة.
– وحيث إن سعر جرام الفضة الخالص بدون مصنعية حاليا حوالي 1 ريال فيكون المهر:
بالريال = 1487.5ريالاً تقريبا.
– وبالدولار = 396.7 تقريبا.
– هذا من حيث عموم نسائه، وقد يكون لبعضهن من المهر غير هذا.
– قال ابن كثير:… إلا أم حبيبة بنت أبي سفيان، فإنه أمهرها عنه النجاشي رحمه الله تعالى أربع مئة دينار، وإلا صفية بنت حيي، فإنه اصطفاها مِن سبي خيبر أعتقها وجعل عتقها صداقها، وكذلك جويرية بنت الحارث المصطلقية أدى عنها كتابتها إلى ثابت بن قيس بن شماس وتزوجها، رضي الله عنهن أجمعين.” تفسير ابن كثير ” ( 3 / 500 ).
لقد طُلقت ابنتي للمرة الرابعة، وفقا لحسابي. وقد حدث هذا في أثناء 10 أشهر منذ أن تزوجت. وقد نطق زوجها بالطلقة الرابع قبل أسبوعين من الآن، ومنذ ذلك الحين، وهو يحاول إرجاعها إليه؛ ولكي يتمكن من ذلك، فقد ذهب لشيخين وإمامين ليحصل على حكم حول إن كانت هذه الطلقة بالإضافة إلى الطلقات السابقة قد وقعت، وقد قال ما يلي لأحدهم، ولم يقله لهم جميعا:
– الطلقة الأولي: لقد كنت غاضبا عندما نطقت بالكلمة.
– الطلقة الثانية: لقد كنت متضايقا وقد دفعني أحدهم لأطلقها.
– الطلقة الثالثة: لقد كنت متضايقا، وقد دفعني أحدهم لأطلقها، وكانت في حيضتها.
– الطلقة الرابعة: لقد كنت متضايقا؛ لأني رأيتها أنا وشخص آخر في الخارج بدون نقاب ( كان وجهها مكشوفا ) وقال لي بأن دعاء الرجل لا يقبل إذا كانت زوجته لا تطيعه؛ لذلك فإن عليه أن يطلقها.
وقد أخبره أحد الشيخين وأحد الإمامين بأن زواجه منها قد انتهى، لكن الشيخ الآخر قال له بأن جميع تلك الطلقات لم تقع؛ لأنه طلق زوجته قبل أن ترى حيضتها مرة أخرى، وقد أخذ بهذا الحكم. وأيضا فقد وجدت الآن أنها حامل. بالإضافة إلى ذلك، فبعد أن طلقها لآخر مرة، فقد ذهب لأحد الأئمة في هذا الخصوص وكان يريد الزواج من امرأة أخرى في اليوم التالي لليوم الذي طلق فيه ابنتي. ومع ذلك فإنه يصر على أنه يريد ابنتي زوجة له، وهي مشوشة الفكر ومتضايقة ولا تريد أن ترجع إليه حتى وإن ظهر أن زواجها لا يزال ساري المفعول.
والسؤال هو: هل هما لا يزالان متزوجان؟ وإن كانا كذلك، فهل عليها أن ترجع إليه؟ وإن هي أصرت على عدم الرجوع إليه، فهل يكون مسؤولا ماديا عن القيام عليها إلى أن تضع حملها؟ وإن كان الطلاق قد وقع، فما هي مسؤولياته تجاهها وهي حامل، وبعد أن تضع المولود؟ أرجو أن تساعدنا في هذا الخصوص.
وجزاك الله خيرا.
الجواب:
الحمد لله:
أولاً:
ينقسم الطلاق من حيث موافقته للسنة إلى قسمين: سنّي وبدعي:
– أما السني فهو أن يطلق الرجل امرأته في طهرٍ لم يجامعها فيه، أو وهي حامل.
– وأما البدعي: فهو أن يطلقها في طهرٍ جامعها فيه، أو وهي حائض.
وقد وقع الإجماع على وقوع الطلاق السنّي، وحصل خلاف ضعيف على وقوع البدعي، فذهب جماهير أهل العلم إلى وقوعه ولو كان فاعله مخالفاً للسنَّة.
وقد أنكر النبي صلى الله عليه وسلم على ابن عمر لما طلَّق امرأته وهي حائض – وهذا هو الطلاق البدعي – وعلَّمه طلاق السنَّة:
عن ابن عمر أنه طلق امرأته وهي حائض فذكر ذلك عمر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: مُرْه فليراجعها ثم ليطلقها طاهراً أو حاملاً. رواه مسلم ( 1471 ).
قال الشيخ ابن باز رحمه الله: أما طلاق الحامل فإنه يقع عند أهل العلم، ومن قال إنه لا يقع فقد غلط … وبعض العامة يهم، ويقول: إن طلاق الحامل لا يقع، وهذا غلط، وهو من أقوال العامة، ولا أصل له في الشرع، ولا أصل له في كلام العلماء، فالحامل يقع الطلاق عليها، وينبغي أن يُفهم هذا. ” فتاوى الطلاق ” ( ص 45 ).
ثانياً:
الغضب أنواع: فإذا كان يُغلق على صاحبه أمره كله فلا يدري في ليل هو أم في نهار، ولا يدري عن قوله شيئاً: فلا يقع طلاقه، وهو من الإغلاق الذي لا توقع الشريعة على صاحبه قولاً ولا حكماً.
قال ابن القيم: وهو ما ثبت في الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله: ” لَله أفرح بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان عليه راحلة بأرض فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها فأتى شجرة فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته فبينما هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح “. هذا لفظ مسلم.
وفي الحديث من قواعد العلم: أن اللفظ الذي يجري على لسان العبد خطأ من فرح شديد أو غيظ شديد ونحوه: لا يؤاخذ به، ولهذا لم يكن هذا كافراً بقوله ” أنت عبدي وأنا ربك “، ومعلوم أن تأثير الغضب في عدم القصد يصل إلى هذه الحال أو أعظم منها، فلا ينبغي مؤاخذة الغضبان بما صدر منه في حال شدة غضبه من نحو هذا الكلام، ولا يقع طلاقه بذلك، ولا ردته، وقد نص الإمام أحمد على تفسير الإغلاق في قوله – صلى الله عليه وسلم – ” لا طلاق في إغلاق ” بأنه الغضب، وفسره به غير واحد من الأئمة، وفسروه بالإكراه والجنون.
قال شيخنا – أي : ابن تيمية -: وهو يعم هذا كله ، وهو من الغلق لانغلاق قصد المتكلِّم عليه، فكأنه لم ينفتح قلبه لمعنى ما قاله. ” مدارج السالكين ” ( 1 / 209 ).
وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: أما طلاق الغضبان: فهو واقع كما قالوا؛ لأنه لا يكاد الطلاق يصدر إلا في الغضب، وليس بمعذور بغضبه، إلا إن غضب حتى أُغمي عليه، وزال تمييزه وعقله، فهو في حكم المجنون.
وقال الشيخ صالح الفوزان: إذا بلغ بالإنسان من الغضب إلى زوال الشعور وفقد الوعي بأن لا يدري ولا يتصور ماذا يقول: فإن هذا لا تعتبر أقواله لا طلاق ولا غيره؛ لأنه فاقد للعقل في هذه الحالة.
أما إذا كان الغضب دون ذلك، وكان معه شعوره، ويتصور ما يقول: فإنه يؤاخذ بألفاظه وتصرفاته، ومن ذلك الطلاق . ” فتاوى المرأة المسلمة ” ( 2 / 734 ).
ثالثاً:
لا خلاف بين الأمة أن الطلاق الذي يجوز للزوج أن يراجع فيه امرأته: طلقتان، فإذا وقعت الثالثة فإنها تحرم عليه حتى تنكح زوجاً غيره.
– قال تعالى:{ الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان … فإن طلقها فلا تحل له من بعدُ حتى تنكح زوجاً غيره …}.
قال ابن حزم: وإنما أراد تعالى بلا شك بلوغ المطلقات أجل العدة بكونهن فيها من دخولهن إياها إلى إثر الطلاق إلى خروجهن عنها، وهذه المدة كلها للزوج فيها الرجعة والإمساك بلا خلاف أو التمادي على حكم الطلاق. ” المحلى ” ( 8 / 356 ).
رابعاً:
فإذا كانت المرأة حاملاً فإنه تجب عليه النفقة عليها بسبب أنها حامل، إذ لو لم تكن حاملاً ما وجبت عليه النفقة.
قال شيخ الإسلام رحمه الله: وهي إذا كانت حاملا منه وهي مطلقة استحقت نفقتها وكسوتها بالمعروف، وهي في الحقيقة نفقة على الحمل، وهذا أظهر قولي العلماء، كما قال تعالى:{ وإن كنّ أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن }.
– وللعلماء هنا ثلاثة أقوال:
أحدها: أن هذه النفقة نفقة زوجة معتدة، ولا فرق بين أن تكون حاملا أو حائلا، وهذا قول من يوجب النفقة للبائن كما يوجبها للرجعية، كقول طائفة من السلف والخلف، وهو مذهب أبي حنيفة وغيره، ويروى عن عمر وابن مسعود، ولكن على هذا القول ليس لكونها حاملا تأثير، فإنهم ينفقون عليها حتى تنقضي العدة، سواء كانت حاملا أو حائلا.
القول الثاني: أنه ينفق عليها نفقة زوجة؛ لأجل الحمل، كأحد قولي الشافعي، وإحدى الروايتين عن أحمد.
– وهذا قول متناقض؛ فإنه إن كان نفقة زوجة فقد وجب لكونها زوجة؛ لا لأجل الولد، وإن كان لأجل الولد فنفقة الولد تجب مع غير الزوجة، كما يجب عليه أن ينفق على سريته الحامل إذا أعتقها.
– وهؤلاء يقولون: هل وجبت النفقة للحمل؟ أو لها من أجل الحمل؟ على قولين:
1. فإن أرادوا: لها من أجل الحمل، أي: لهذه الحامل من أجل حملها فلا فرق.
2. وإن أرادوا – وهو مرادهم – أنه يجب لها نفقة زوجة من أجل الحمل: فهذا تناقض، فإن نفقة الزوجة تجب وإن لم يكن حمل، ونفقة الحمل تجب وإن لم تكن زوجة.
والقول الثالث: وهو الصحيح: أن النفقة تجب للحمل، ولها من أجل الحمل; لكونها حاملا بولده؛ فهي نفقة عليه؛ لكونه أباه، لا عليها لكونها زوجة، وهذا قول مالك، وأحد القولين في مذهب الشافعي وأحمد.
والقرآن يدل على هذا؛ فإنه قال تعالى:{ وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن}، ثم قال تعالى:{ فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن }، وقال هنا:{ وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف }، فجعل أجر الإرضاع على من وجبت عليه نفقة الحامل؛ ومعلوم أن أجر الإرضاع يجب على الأب لكونه أبا، فكذلك نفقة الحامل؛ ولأن نفقة الحامل ورزقها وكسوتها بالمعروف، وقد جعل أجر المرضعة كذلك؛ ولأنه قال:{ وعلى الوارث مثل ذلك } أي وارث الطفل، فأوجب عليه ما يجب على الأب.
وهذا كله يبين أن نفقة الحمل والرضاع من ” باب نفقة الأب على ابنه “، لا من ” باب نفقة الزوج على زوجته “. ” الفتاوى الكبرى ” ( 3 / 377 ، 378 ).
قال ابن العربي: قال تعالى:{ وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن }؛ فجعل عز وجل للحوامل اللائي قد بِنَّ من أزواجهن السكنى والنفقة.
المسألة الثانية في بسط ذلك وتحقيقه: أن الله سبحانه وتعالى لما ذكر السكنى أطْلَقَها لكل مطلقة، فلما ذكر النفقة قيدها بالحمل، فدل على أن المطلقة البائن لا نفقة لها؛ وهي مسألة عظيمة قد مهدنا سبلها قرآنا وسنة ومعنى في مسائل الخلاف، وهذا مأخذها من القرآن.
فإن قيل: لا حجة في هذه الآية؛ لأن قوله تعالى: { أسكنوهن } راجع إلى ما قبله، وهي المطلقة الرجعية، قلنا: لو كان هذا صحيحا لما قال: { وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن }؛ فإن المطلقة الرجعية ينفق عليها حاملا كانت أو غير حامل، فلما خصها بذكر النفقة حاملا دل على أنها البائن التي لا ينفق عليها: وتحقيقه أن الله تعالى ذكر المطلقة الرجعية وأحكامها حتى بلغ إلى قوله تعالى:{ ذوي عدل منكم } ثم ذكر بعد ذلك حكما يعم المطلقات كلهن من تعديد الأشهر وغير ذلك [من الأحكام]، وهو عام في كل مطلقة; فرجع ما بعد ذلك من الأحكام إلى كل مطلقة. ” أحكام القرآن ” ( 4 / 248 ، 249 ).
خامسا:
فإذا أنجبت المرأة بعد الطلاق فقد انتهت عدتها، لكن يجب عليه أن ينفق على رضاعة ولده، إما بإعطاء أجرة الرضاعة لأمه – زوجته سابقاً – وإما باستئجار مرضع له غيرها.
وإنما استحقت الأم الأجرة؛ لأن الرضاع واجب على الأب، ولو كانت زوجة له ما استحقت تلك الأجرة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: فيقال: بل القرآن دل على أن للابن على الأم الفعل، وعلى الأب النفقة ولو لم يوجد غيرها تعين عليها، وهي تستحق الأجرة، والأجنبية تستحق الأجرة ولو لم يوجد غيرها.
وقوله تعالى:{ يرضعن } صيغة خبر، ومعناه الأمر، والتقدير والوالدة مأمورة بإرضاعه حولين كاملين إذا أريد إتمام الرضاعة; فإذا أرادت الإتمام كانت مأمورة بذلك، وكان على الأب رزقها وكسوتها، وإن أراد الأب الإتمام كان له ذلك; فإنه لم يبح الفصال إلا بتراضيهما جميعا، يدل على ذلك قوله تعالى: { لمن أراد أن يتم الرضاعة }.
وقوله تعالى: {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} ولم يقل: وعلى الوالد كما قال “والوالدات”؛ لأن المرأة هي التي تلده، وأما الأب فلم يلده; بل هو مولود له لكن إذا قرن بينهما قيل:{ وبالوالدين إحسانا } فأما مع الإفراد فليس في القرآن تسميته والداً، بل أبا.
وفيه بيان أن الولد ولد للأب؛ لا للأم؛ ولهذا كان عليه نفقته حملا، وأجرة رضاعه، وهذا يوافق قوله تعالى : { يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور }، فجعله موهوبا للأب، وجعل بيته في قوله: { ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم } وإذا كان الأب هو المنفق عليه جنينا ورضيعا، والمرأة وعاء: فالولد زرع للأب قال تعالى: { نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم}، فالمرأة هي الأرض المزروعة، والزرع فيها للأب، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يسقي الرجل ماءه زرع غيره، يريد به النهي عن وطء الحبالى، فإن ماء الواطئ يزيد في الحمل كما يزيد الماء في الزرع، وفي الحديث الآخر الصحيح: ” لقد هممت أن ألعنه لعنة تدخل معه من قبره، كيف يورثه وهو لا يحل له، وكيف يستعبده وهو لا يحل له؟”.
وإذا كان الولد للأب وهو زرعه كان هذا مطابقا لقوله صلى الله عليه وسلم: ” أنت ومالك لأبيك “، وقوله صلى الله عليه وسلم: ” إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه “، فقد حصل الولد من كسبه، كما دلت عليه هذه الآية؛ فإنّ الزرع الذي في الأرض كسب المزروع له الذي بذره وسقاه وأعطى أجرة الأرض، فإن الرجل أعطى المرأة مهرها، وهو أجر الوطء، كما قال تعالى:{ ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن }، وهو مطابق لقوله تعالى:{ ما أغنى عنه ماله وما كسب}، وقد فسر{ ما كسب} بالولد، فالأم هي الحرث وهي الأرض التي فيها زرع، والأب استأجرها بالمهر كما يستأجر الأرض، وأنفق على الزرع بإنفاقه لما كانت حاملا، ثم أنفق على الرضيع، كما ينفق المستأجر على الزرع والثمر إذا كان مستورا وإذا برز; فالزرع هو الولد، وهو من كسبه. الفتاوى الكبرى ( 3 / 372 – 375 ).
وقال ابن كثير: وقوله تعالى:{ فإن أرضعن لكم } أي: إذا وضعن حملهن وهن طوالق فقد بِنَّ بانقضاء عدتهن ولها حينئذ أن ترضع الولد ولها أن تمتنع منه ولكن بعد أن تغذيه باللبأ وهو باكورة اللبن الذي لا قوام للمولود غالبا إلا به، فإن أرضعت: استحقت أجر مثلها، ولها أن تعاقد أباه أو وليه على ما يتفقان عليه من أجرة؛ ولهذا قال تعالى:{ فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن } وقوله تعالى: { وائتمروا بينكم بمعروف } أي: ولتكن أموركم فيما بينكم بالمعروف من غير إضرار ولا مضارة كما قال تعالى في سورة البقرة {لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده } وقوله تعالى:{وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى} أي: وإن اختلف الرجل والمرأة فطلبت المرأة في أجرة الرضاع كثيراً ولم يجبها الرجل إلى ذلك أو بذل الرجل قليلا ولم توافقه عليه، فليسترضع له غيرها فلو رضيت الأم بما استؤجرت به الأجنبية فهي أحق بولدها.
وقوله تعالى:{ لينفق ذو سعة من سعته } أي: لينفق على المولود والده ووليه بحسب قدرته.
{ ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها } كقوله تعالى { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها }. ” تفسير ابن كثير ” ( 4 / 384 ).
هل يجوز عموماً أن نتاجر مع اليهود أو شركات يملكها يهود أو يملك بعض أسهمها يهود أو شركات لها فروع في إسرائيل …..؟
مؤخراً بدأ الكثير من المسلمين يقولون بأنه يحرم التعامل مع اليهود والتجارة معهم.
حسب علمي (حتى ولو كان المسلمون ذلك الوقت يحاربون اليهود) ففي وقت الرسول صلى الله عليه وسلم، لم يحرم التجارة مع اليهود، وعندما مات كانت درعه مرهونة عند يهودي.
أرجو أن ترشدنا للموقف الصحيح في هذا الشأن. جزاكم الله خيرا.
الجواب
الحمد لله
ذكر الشيخ ابن باز جواز هذا الأمر مستدلاً بما ذكره السائل من شراء النبي صلى الله عليه وسلم من يهودي طعاماً ورهن درعه عنده، وكان هذا في آخر أيامه صلى الله عليه وسلم، وذكر الشيخ أنه صلى الله عليه وسلم اشترى من وثني أغناماً ووزعها على أصحابه.
أما بالنسبة لليهود الآن: فإن البيع والشراء معهم لا يجوز لا من كون التعامل مع الكفار حراماً، بل قد سبق جواز ذلك، بل لأنهم مغتصبون للأرض التي يقيمون عليها مصانعهم ومزارعهم وشركاتهم، وبالتالي فإن ما ينتجونه ويزرعونه ليس ملكاً لهم، بل لهم ما للغاصب من أجرة المثل، وأصحاب الأرض هم أصحاب الحق.
ولا فرق على الصحيح بين الكافر المعاهد والكافر الحربي من حيث جواز البيع والشراء منهم، إلا أنه يحرم إعانتهم على باطلهم كبيع العنب لمن يتخذه منهم خمراً، ويحرم بيع ما يقوون به على المسلمين كالسلاح، كما لا يجوز تقويتهم بالمال لمن يعلم أن عين ماله سيذهب في تقويتهم.
أما من حيث الأصل: فإن البيع والشراء منهم جائز، وهذا فيما يملكونه وفيما لا يقويهم في حربهم على المسلمين.
قال البخاري:
باب الشراء والبيع مع المشركين وأهل الحرب.
وروى تحت هذا الباب حديث عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما قال:
كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم جاء رجل مشرك بغنم يسوقها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “بيعاً أم عطية – أو قال: أم هبة -؟ قال: لا، بل بيع، فاشترى منه شاة”. رواه البخاري (2103) ومسلم (2506).
قال الحافظ ابن حجر: “قال ابن بطال: معاملة الكفار جائزة إلا بيع ما يستعين به أهل الحرب على المسلمين … وفيه: جواز بيع الكافر وإثبات ملكه على ما في يده”. “فتح الباري” (4 / 410).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
ثم إن الرجل لو سافر إلى دار الحرب ليشتري منها جاز عندنا، كما دل عليه حديث تجارة أبي بكر رضي الله عنه في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أرض الشام وهي حينذاك دار حرب، وحديث عمر رضي الله عنه، وأحاديث أخر، بسطتُ القول فيها في غير هذا الموضع. “اقتضاء الصراط المستقيم” (ص 226).
وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – عن معاملة التتار هل هي مباحة لمن يعاملونه؟
فأجاب:
أما معاملة التتار: فيجوز فيها ما يجوز في أمثالهم، ويحرم فيها ما يحرم من معاملة أمثالهم، فيجوز أن يبتاع الرجل من مواشيهم وخيلهم ونحو ذلك كما يبتاع من مواشي التركمان والأعراب والأكراد وخيلهم، ويجوز أن يبيعهم من الطعام والثياب ونحو ذلك ما يبيعه لأمثالهم.
فأما إن باعهم وباع غيرهم ما يعينهم به على المحرمات كالخيل والسلاح لمن يقاتل به قتالاً محرَّماً: فهذا لا يجوز، قال الله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2]، وفي السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لعن في الخمر عشرة: “لعن الخمر وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه وبائعها ومبتاعها وساقيها وشاربها وآكل ثمنها” فقد لعن العاصر وهو إنما يعصر عنباً يصير عصيراً والعصير حلال يمكن أن يتخذ خلاًّ ودبساً وغير ذلك. ” مجموع الفتاوى ” (29 / 275).
والعجيب أن بعض الناس الآن حصروا المقاطعة للكفار بالمأكولات والمشروبات الغازية! بينما لا نجد هؤلاء يركزون على المحرَّمات القطعية عند أولئك الكفار مما يجب مقاطعتها الآن وقبل الآن نحو أفلامهم وأغانيهم ومجلاتهم وسجائرهم وغيرها.
والمقاطعة النافعة للعدو هي مقاطعة القوي للضعيف كما فعل ثمامة بن أثال رضي الله عنه فقد قرر ألا يصل إلى كفار مكة من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم كما رواه البخاري (4024) ومسلم (3310) فأذن له النبي صلى الله عليه وسلم أن يحمل الميرة بعدما اشتكوا إليه الجوع.
المقاطعة النافعة هي مقاطعة الدول التي تشتري بالمليارات من الكفار أسلحة لا تستعمل، وأشياء يمكن الاستغناء عنها أو الشراء من بديل مسلم أو كافرٍ أقل كفراً وضرراً على المسلمين.
لذا فإننا نقول: إن استعمال المقاطعة الاقتصادية كورقة ضغط على الحكومات الكافرة التي تعين المحاربين على قتال المسلمين وقتلهم واجب متعيَّن على كل من قدر عليه.
فمن حيث الأصل: البيع والشراء مع الكافر ولو كان محارباً: جائز، فإذا كانت مقاطعته تُضعفه وتوقف حربه وظلمه: فهي واجبة.
قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن:
“الكافر الحربي لا يُمَكَّن مما يعينه على حرب أهل الإسلام ولو بالميرة، والمال، ونحوه، والدواب والرواحل، حتى قال بعضهم بتحريق ما لا يتمكن المسلمون من نقله في دار الحرب من أثاثهم وأمتعتهم، ومنعهم مـن الانتفاع بـه”. “الدرر السنيّة” (8 / 340).
كما لا يجوز إيقاع الضرر على المسلمين أكثر منه على الكفار وذلك نحو مقاطعة وكلائهم من المسلمين والذين يأخذون امتيازاً منهم يدفعون مقابله مبلغاً من المال، وهؤلاء المسلمون مستفيدون من البيع والشراء باسم صاحب العلامة، ويشتغل عنده المسلمون ، فمقاطعة مثل هؤلاء يسبِّب ضرراً بالغاً عليهم، ولا نجد في فتاوى الذين يوجبون مقاطعة هؤلاء أي حلٍّ عملي لهم، فهم يسعون لإغلاق محل – أو شركة – يشتغل فيه ألفٌ من المسلمين، ويكون هذا المحل – أو الشركة – فرع من ( 30 ) ألف فرع في العالم للشركة الأم الكافرة، وعند التأمل تجد الخسارة الكبرى إنما هي للمسلمين .
أطلقنا على ابنتنا اسم ” ماريا ” ولكن قيل لنا بأن هذا الاسم ليس من أسماء المسلمين.
أرجو أن تخبرنا لكي نغير الاسم إذا كان الأمر ضروريا.
الجواب
الحمد لله
قال الشيخ بكر أبو زيد حفظه الله:
يجب على الأب اختيار الاسم الحسن في اللفظ والمعنى في قالب النظر الشرعي واللسان العربي، فيكون: حسناً، عذباً في اللسان، مقبولاً للأسماع، يحمل معنى شريفاً كريماً، ووصفاً سابقاً خالياً مما دلت الشريعة على تحريمه أو كراهته، مثل: لوثة العجمة، وشوائب التشبه، والمعاني الرخوة.
ومعنى هذا ألَّا تختار اسماً إلا وقد قلبت النظر في سلامة لفظه، ومعناه، على علم ووعي وإدراك، وإن استشارت بصيراً في سلامته مما يحذر: فهو أسلم وأحكم.
ومن الجاري قولهم: حق الولد على والده أن يختار له أمّاً كريمة، وأن يسميه اسماً حسناً وأن يورثه أدباً حسناً.” تسمية المولود ” (ص 13).
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يغيِّر الاسم القبيح إلى حسن، وكان اسم ” ماريا ” – أو ” مارية ” – معروفاً عنده صلى الله عليه وسلم ولم يغيره، فقد كان اسم جاريته التي أهداها له المقوقس حاكم مصر، ولو كان قبيحاً لغيَّره، على أن هناك ما هو أفضل منه مثل: مريم، عائشة، فاطمة، زينب…
عرضت عليَّ شركة ” موبايلي ” وضع برج جوال لها، مقابل أجرة, فهل هذا يجوز؟.
الجواب:
الحمد لله..
يُعرف حكم تأجير صاحب الأرض أرضَه لشركة اتصالات لإقامة أبراجها عليها: بالوقوف على أمرين:
الأول: طبيعة خدمات هذه الشركة, فإن كانت تحوي منكرات يكون مشاركة لها في أفعالها المحرَّمة، ويكون من التعاون على الإثم والعدوان، والكسب الناتج من تأجير الأرض: كسب محرَّم.
الثاني: معرفة الضرر الذي تسببه هذه الأبراج على السكان المحيطين بها، فإن ثبت ضرر بذلك, فالأصل في تحريم الضرر بالنفس وبالآخرين أدلة كثيرة، وقواعد في الشرع متفق عليها، وإن كان أكثر أهل الاختصاص ينفون وجود الضرر, ويثبت مثل هذا بالدراسات والأبحاث العلمية.
في فترة الحج يكون عندنا ضغط في العمل ولا يَسمح لي صاحب العمل بالسفر، وإن ذهبت دون موافقته يكون الظن الراجح فقدان مكان عملي، فهل هذا عذر لتأخير أداء فريضة الحج حتى ييسر الله لي وما أظن الأمر سيكون ببعيد إن شاء الله ؟ .
الجواب:
الحمد لله
الراجح من أقوال العلماء أن الحج يجب على القادر على الفور، ولا يجوز له تأخير أداء هذا الركن العظيم من أركان الإسلام، وقد بينَّا هذا في جواب السؤال رقم ( 41702 ) فلينظر .
وقد يمتلك المسلم الزاد والراحلة ويأمن الطريق لكن تمنعه موانع من الذهاب للحج، فمثل هذا لا شك أنه معذور، كأن يكون بجانب زوجة مريضة أو أب يحتضر، وكأن تحدد الدولة أعداداً معينة لأداء الحج فلا يكون له نصيب بسبب عدم خروجه في القرعة أو عدم تناسب عمره مع السن المطلوب، وغير ذلك من الأسباب المشروعة التي يكون معها تأخير أداء الحج على من ملك الزاد والراحلة وأمن الطريق .
وعليه : فيكون أولئك المعذورون ممن لا يستطيعون إلى الحج سبيلاً .
والذي يظهر لنا أن عدم إعطاء الموظف – في القطاع العام أو الخاص – إجازة للذهاب إلى الحج يكون عذراً لذلك الموظف، ولا يلزمه الخروج من الوظيفة – إن كانت حلالاً -، على أن يُحاول الموظف التقديم للحج كل عام، وأن يبذل ما يستطيع من جهد لأداء نسك الحج، حتى لو كان ذلك بأخذه إجازة من غير راتب إن كان ذلك لا يؤثر على نفقته على أهله .
سئل علماء اللجنة الدائمة :
أرغب العمرة في رمضان متمتعاً بها إلى الحج ! ما الذي يترتب علينا حتى الحج ؟ وأنا موظف ولا أستطيع مغادرة العمل إلا بإجازة الحج، وإجازة العمرة في رمضان، هل يجوز السفر من منطقة إلى أخرى ؟ .
فأجابوا :
أولاً : العمرة في رمضان رغَّب فيها النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنها ليست العمرة التي يتمتع بها إلى الحج، بل التي يتمتع بها إلى الحج هي التي يؤتى بها في أشهر الحج، وهي : شوال، وذو القعدة، والعشر الأولى من ذي الحجة، ثم يحج من عامه .
ثانياً : إذا كان الواقع ما ذُكر من أنك لا تستطيع مغادرة العمل للحج أو العمرة : فلا يجوز لك ترك العمل إلا بإذن مرجعك .
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود .
” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 11 / 163 ، 164 ) .
وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – :
الرجل إذا كان لا يستطيع أن يحج بناءً على وظيفته : فإنه لا شيء عليه؛ لأنه لم يستطع إليه سبيلاً، لكن أنا أسمع كثيراً ما يذهب الإخوان من أفراد الجنود أو غيرهم إلى مكة مندوبين، وإذا دخل وقت الحج أذنوا لهم في الحج، فإذا أذنوا لك : فحُجَّ ولا شيء عليك، أما إذا لم يأذنوا : فأنت غير مستطيع، ولا حج عليك .
٦ مسائل متعلقة بعاشوراء ١٤٤٣هـ لمن سأل عن اختلاف الدول في بداية شهر محرم
الحمد لله:
١. ذهب جمهور أهل العلم إلى أن ثبوت دخول الشهر يكفي فيه ثبوت رؤيته في أي بلد، وأنه لا عبرة باختلاف المطالع. ففي “الموسوعة الفقهية” (23/142) : ” ذهب الحنفية والمالكية والحنابلة، وهو قول عند الشافعية : 👈🏻إلى عدم اعتبار اختلاف المطالع في إثبات شهر رمضان ، فإذا ثبت رؤية هلال رمضان في بلد، لزم الصوم جميع المسلمين في جميع البلاد ، وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم : (صوموا لرؤيته ) وهو خطاب للأمة كافة . والأصح عند الشافعية اعتبار اختلاف المطالع ” انتهى . والراجح عندي قول الجمهور.
٢. وقد ثبتت رؤية هلال الشهر المحرم لعام ١٤٤٣ هـ ليلة الاثنين الفائت في عدة دول، منها : مصر، العراق، تشاد، النيجر، غانا، الصومال، جيبوتي، السنغال.
وعليه : فقد ثبت دخول الشهر شرعا فيكون غدا الأربعاء هو عاشوراء، وهو يوم واحد بليلة واحد فمن غربت شمس يوم الثلاثاء عنده فقد دخل اليوم العاشر عنده، وهكذا كل بلد تغرب شمس نهاره بعده كالدول الإفريقية.
٣. ومن كان يرى اعتبار اختلاف البلدان – وهو قول لا أصل له في الشرع – مقلدا لغيره وكان يوم العاشر في بلده يوم الخميس فيسعه التقليد، ونفضل له صوم يوم غد الأربعاء مع الخميس (احتياطا) ليجزم بإصابة اليوم العاشر.
٤. وبخصوص من يريد صوم القضاء عن رمضان في هذا اليوم فنقول : ذهب جمهور أهل العلم إلى أنه لا يُجمع بين النيتين في صوم يوم واحد، وهو الراجح عندي، ومن نوى بالصوم عاشوراء فلا يقع قضاء قطعا، ومن نواه قضاء فيقع قضاء فحسب دون تحصيل فضل صوم عاشوراء؛ لأن عاشوراء يوم يراد لذاته وفيه فضيلة خاصة فلا يشرك مع غيره.
٥. ويمكن لمن أراد تحصيل أجر صوم يوم عاشوراء أن ينويه وحده ولو كان عليه قضاء؛ فإن الصحيح أنه يجوز التطوع بالمستحب المعين قبل إبراء الذمة من الفريضة في هذه الحالة لأن واجب القضاء موسع حتى نهاية شعبان، وتفوت النافلة المستحبة بفوات وقتها – كعرفة وعاشوراء -.
٦. وأما فضله فقد صحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله ” صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ ” رواه مسلم.
والله أعلم وهو الموفق لا رب سواه.
إحسان العتيبي يوم الثلاثاء ٠٩ محرّم ١٤٤٣هـ (حسب الرؤية الشرعية -الثابتة عند بعض الدول- وبتقويم أم القرى الرسمي) الموافق ١٧-٠٨-٢٠٢١ م •┈••✦🔹✦••┈• خدمة موقع إحسان العتيبي +962787873264
التعليق على قصة منتشرة في تعليم الحسن والحسين كيفية الوضوء لرجل كبير في السن
القصة المنتشرة:
( دخل الحسن والحسين رضي الله عنهما المسجد، فشاهدا رجلا كبيرا في السن لا يحسن الوضوء، ولأنهما تربّيا في بيت النبوّة كانا يفيضان أدبا وحكمة، فخجلا لفارق السن بينهما وبين الرجل أن يخبراه أنه لا يعرف كيف يتوضّأ.
فعمدا إلى الذكاء والحيلة، فقالا له: يا عم! قد اختصمنا أينا أحسنُ وضوءا، فأردنا أن نحتكم إليك لترى من منا أحسن وضوءا من صاحبه.
فتقدّم الحسن فتوضّأ وضوءا نبويا كاملا، أسبغه ولم يترك شيئا من سننه إلا فعله، ثم تقدّم الحسين فتوضّأ كما علمه جده عليه الصلاة والسلام، ثم التفتا إلى الرجل ينتظران منه الحكم.
فقال الرجل: والله كلاكما يتوضأ أحسن مني). اهـ.
قال الشيخ إحسان العتيبي -حفظه الله-:
القصه ليس لها إسناد كما قال شيخنا الألباني رحمه الله.
ومتن القصة منكر:
ففيها أن الرجل جاهل في الوضوء، وأنه رأى وضوءين مختلفين من الحسن والحسين، فكيف لجاهل مثله أن يحكم بينهما؟
وكيف عرف أن وضوءه هو الخطأ ورجّح صحة وضوءيهما وهما مختلفين؟
وأما لو كان يعلم وهو مقصّر فيه فلا تكون تلك “التمثيلية” بتلك الكيفية، بل تكون بالتنبيه على التقصير لا بالتنبيه على الجهل بالوضوء.
تعقيب على برنامج فتاوى على الهواء في مسألة السفر وشد الرحل وبناء المساجد على القبور
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أما بعد : فهذا تعقيب على برنامج فتاوى على الهواء في مسألة السفر وشد الرحل وبناء المساجد على القبور وكان ضيف البرنامج مفتي المفرق الدكتور أحمد الخطيب , ولما كان الحق لا يعرف بقائله وإنما يعرف الحق بدلائله وبراهينه , أحببت أن أبدي بعض الملحوظات على حلقة هذا البرنامج مع احترامنا لشخص المفتي ومقدم البرنامج , وقديما قالوا : إنك لن تعرف خطأ شيخك حتى تسمع من غيره , ويمكن تلخيص هذه الملحوظات كالآتي :
ادعاء الدكتور الإجماع في مسألة شد الرحل والسفر إلى قبور وأضرحة الصالحين وأن من استدل بحديث : لا تشد الرحال .. في منع السفر وشد الرحال لها فقد خالف الإجماع .
تقريرهم لمسألة جواز بناء المقامات والمساجد على قبور وأضرحة الصالحين
قولهم بجواز التعبد والتبرك والدعاء عند قبور الصالحين
وغير ذلك من المسائل , والله المستعان وعليه التكلان ومنه نستمد الهداية والسداد .
مقدمة بين يدي التعقيب
أولا : لا بد من الإشارة من أن هذه المسائل أثيرت في هذا الوقت , لما ارتفعت بعض الدعوات تطالب بفتح السياحة الدينية للشيعة من العراق وإيران , ومعلوم أن الفتوى لا بد لها من تصور لواقعها قبل إبداء الرأي فيها – كما ذكر ابن القيم في إعلام الموقعين – ومعلوم أن للشيعة غلوا كبيرا في قبور أئمتهم يصل إلى حد العبادة وصرف الطاعات الصرفة التي لا تصرف إلا لله لغير الله كدعاء الأموات والاستغاثة بهم وطلب الرزق والشفاء منهم والسجود والذبح لهم إلى غير ذلك مما هو معلوم وموثق بالصوت والصورة ومواقع التواصل تمتلئ بتلك المقاطع , ولا شك أن هذا فتح باب شر لا يمكن إغلاقه , وهنا تحضر واقعية الفقيه وفطنته , والذي يستعمل قاعدة سد الذرائع وقطع الوسائل المفضية إلى الشرك الأكبر .
ثانيا : من المسائل التي يقع فيها الخلط ألا وهي مسألة الخلط بين الزيارة الشرعية التي ندب إليها النبي صلى الله عليه وسلم والتي يراد منها تذكر الآخرة والدعاء للميت والاستغفار له وبين مسألة شد الرحال والسفر لقصد قبور وأضرحة الصالحين .
قال شيخ الإسلام : الوجه الثالث: أن يقال: لا ريب أن أهل البدع يحجون إلى قبور الأنبياء والصالحين، ويزورونها غير الزيارة الشرعية، لا يقصدون الدعاء لهم كالصلاة على جنائزهم، بل الزيارة عندهم والسفر لذلك من باب تعظيمهم لعظم جاههم وقدرهم عند الله، ومقصودهم دعاؤهم أو الدعاء بهم أو عندهم وطلب الحوائج منهم وغير ذلك مما يقصد بعبادة الله تعالى .
الرد على الإخنائي (198)
وقال رحمه الله : وأما ” زيارة القبور المشروعة ” فهو أن يسلم على الميت ويدعو له بمنزلة الصلاة على جنازته، كما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: «سلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم» وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «ما من رجل يمر بقبر رجل كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام» والله تعالى يثيب الحي إذا دعا للميت المؤمن، كما يثيبه إذا صلى على جنازته .
زيارة القبور (16)
ثالثا : كثير من القبور والمقامات والتي يزعم الناس أنها لفلان أو علان لا أصل لها , وإنما انتشرت من خلال منامات مزعومة أو تشابه في الأسماء .
فمثلا قبور الأنبياء والرسل , قرر العلماء أنه لا يعرف قبر نبي قط إلا قبر نبينا عليه الصلاة والسلام .
وقد اعترف الدكتور أحمد الخطيب بذلك وجعله من خصائص هذه الأمة على الأمم السابقة .
ومثال : ضرار بن الأزور
قال ابن حجر : واختلف في وفاته، فقال الواقديّ: استشهد باليمامة. وقال موسى بن عقبة:
بأجنادين، وصحّحه أبو نعيم.
وقال أبو عروبة الحرّانيّ: نزل حران ومات بها. ويقال: شهد اليرموك وفتح دمشق.
ويقال: مات بدمشق .
الإصابة لابن حجر (3/391)
فتأمل هذا الاختلاف في وفاته , وقد سمعت من سنوات من جيران مقام ضرار بن الأزور أن السبب في الزعم في أن مقام ضرار في هذا المكان أن رجلا من أهل تلك المنطقة رأى مناما أن ضرارا مدفون في هذا المكان ! .
مثال شرحبيل بن حسنة
قال ابن حجر : وذكره ابن حبّان في الصحابة، وقال: كان عاملا على حمص، ومات بها.
الإصابة (3/268)
وهكذا لو أردت أن تتبع قبور الصحابة والصالحين لوجدت أن أكثرها وقع فيه الخلاف , وأكثره كما ذكرنا جاء من خلال رؤى ومنامات مزعومة , فما بالكم بقبور الرسل والأنبياء والتي تتكرر في الدول والأماكن المختلفة .
فمثلا : داود يزعمون أنهم في دمشق وفي فلسطين وفي الأردن
وقد أشار الأستاذ عبدالله العبادي في مداخلته إلى وجود مقام للخضر في إربد وفي السلط !! .انتهى
وتأمل أن مقام الخضر في السلط في كنيسة !! .
وهكذا الأمر فمقام الحسين في عدة بلاد في فلسطين والعراق وحلب ودمشق ومصر وغيرها .
وهكذا الأمر في كثير من القبور المزعومة .
والآن نأتي إلى المسائل المذكورة في حلقة البرنامج :
المسألة الأولى : ادعاء الدكتور أحمد الخطيب الإجماع في مسألة شد الرحل والسفر إلى قبور وأضرحة الصالحين وأن من استدل بحديث : لا تشد الرحال .. في منع السفر وشد الرحال لها فقد خالف الإجماع .
قال الدكتور أحمد الخطيب : نص علماء بل أجمع علماء الأمة الأعلام ممن يفهمون اللغة العربية ودلالات اللغة العربية أن الاستدلال – أي بحديث لا تشد الرحال …- في تحريم زيارة الأضرحة وقبور الصالحين على بطلان هذا الاستدلال ثم قال ومعنى حديث : لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد .. معناه لا تشد الرحال لزيادة الثواب وزيادة الأجر إلا لهذه المساجد وإلا بقية المساجد سواء في الأجر .
التعليق : أولا : تأمل في هذا الإجماع المزعوم , وقد قال الإمام أحمد : من ادعى الإجماع فهو كاذب وما يدريه لعل الناس اختلفوا .
وإليك بعض أقوال أهل العلم في رد هذا الإجماع المزعوم
وقول القاضي عياض ذكره في إكمال المعلم (4/449) فقال : الحديث: فيه تعظيم هذه المساجد وخصوصها بشد الرحال إليها، ولأنها مساجد الأنبياء، ولفضل الصلاة فيها، وتضعيف أجرها، ولزوم ذلك لمن نذره، بخلاف غيرها مما لا يلزم ولا يباح بشد الرحال إليها إلا لناذر، ولا لمتطوع لهذا النهى .
وقال شيخ الإسلام : والقاضي عياض مع مالك، وجمهور أصحابه يقولون: إن السفر إلى غير المساجد الثلاثة محرم كقبور الأنبياء. فقول القاضي عياض: إن زيارة قبره سنة مجمع عليها وفضيلة مرغب فيها، أراد به الزيارة الشرعية كما ذكره مالك وأصحابه من أنه يسافر إلى مسجده ثم يصلى عليه ويسلم عليه كما ذكروه في كتبهم.
الرد على الإخنائي (408)
ومن الأدلة التي استدل بها الدكتور أحمد الخطيب في مشروعية السفر وشد الرحال لقبور الصالحين .
النصوص التي فيها الترغيب في زيارة القبور كقوله عليه الصلاة والسلام : كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزورها فإنها تذكركم الآخرة . وحديث زيارة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل البقيع ودعائه لهم .
التعليق : تقدم في المقدمة تفريق العلماء بين الزيارة الشرعية للقبور لتذكر الآخرة والدعاء والاستغفار للأموات وبين السفر وشد الرحل لقبور وأضرحة الصالحين , وعدم التفريق بينهما من الخلط في المسائل . فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن شد الرحل لغير المساجد الثلاثة وظاهر النهي التحريم كما ذهب إليه الصحابي بصرة الغفاري ووافقه أبو هريرة وهو قول أبي محمد الجويني والقاضي عياض والقاضي حسين وطائفة من أهل العلم كما تقدم .
من الأدلة التي استدل بها مقدم البرنامج ووافقه عليها الدكتور أحمد الخطيب أن النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح أمر بضرب خيمته على قبر خديجة .
التعليق : هذا الحديث لا أصل له في دواوين الإسلام وكتب السنة بل ذكره بعض المعاصرين من غير دليل ولا بينة
وانظر موقع سؤال وجواب تحت عنوان : هل صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( انصبوا لي خيمة عند قبر خديجة ) .
وأعجب من مفتي وأكاديمي في زمن التحقيق يورد مثل هذه الأكاذيب !! .
ومن الأدلة التي استدل بها الدكتور أحمد الخطيب في جواز شد الرحل والسفر إلى الأضرحة وقبور الصالحين زعمه أن النبي صلى الله عليه وسلم طلب من الله أن يدله على قبر أمه وأنه سافر لزيارتها !! .
التعليق : تأمل أن كلامه فيه تلفيق , فليس في الحديث أنه صلى الله عليه وسلم طلب من الله أن يدله على قبرها وليس في الحديث أنه سافر لذلك
قال القاضي عياض : فى زيارة قبر أمه والإذن فى ذلك، دليل على جواز زيارة القبور، وصلة الآباء المشركين، وإذا كان هذا بعد الموت ففى الحياة أحق، وكأنه قصد – عليه السلام – قوة الموعظة والذكرى؛ بمشاهدته قبرها ورؤيته مصرعها، وشكر الله على ما منَّ به عليه من الإسلام، الذى حُرَمُته، وخص قبرها لمكانها منه، ويدل مقصده قوله آخر الحديث: ” فزوروا القبور، فإنها تذكر الموت “.
إكمال المعلم (3/452)
ومن الأدلة التي استدل بها الدكتور أحمد الخطيب في جواز شد الرحل والسفر إلى الأضرحة وقبور الصالحين حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن موسى: «فَلَوْ كُنْتُ ثَمَّ لَأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ، إِلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ، عِنْدَ الكَثِيبِ الأَحْمَرِ» .
قال الدكتور أحمد الخطيب : لولا وجود البركة في زيارة القبر وفي معرفة القبر .. ما قال : لَوْ كُنْتُ ثَمَّ لَأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ .
التعليق : تأمل أن العلماء استدلوا بهذا الحديث على خلاف ما فهمه الدكتور أحمد الخطيب , ففي الحديث أن موسى طلب الإدناء وليس نزول الأرض المقدسة حتى يعمي قبره عن بني إسرائيل .
وقال الحافظ العيني : وَفِي (الْمرْآة) اخْتلفُوا فِي مَوضِع قبر مُوسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، على أَقْوَال.
أَحدهَا: أَنه بِأَرْض التيه، هُوَ وَهَارُون، عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَلم يذخل الأَرْض المقدسة إلاَّ رمية حجر، رَوَاهُ الضَّحَّاك عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَقَالَ: لَا يعرف قَبره، وَرَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أبهم ذَلِك بقوله: (إِلَى جَانب الطَّرِيق عِنْد الْكَثِيب الْأَحْمَر) ، وَلَو أَرَادَ بَيَانه لبين صَرِيحًا. وَقَالَ ابْن عَبَّاس: لَو علمت الْيَهُود قبر مُوسَى وَهَارُون لاتخذوهما ال هَين من دون الله تَعَالَى .
عمدة القاري (8/150)
بل إعفاء القبر سنة عن الصحابة
قال أبو العالية قال: “لما فتحنا تُسْتَر؛ وجدنا في بيت مال الهُرْمُزان سريرًا عليه رجل ميت، قلت: فما صنعتم بالرجل؟ قال: حفرنا بالنهار ثلاثة عشر قبرًا متفرقة، فلمَّا كان الليل دفناه, وسوَّينا القبور كلها لنعميه على الناس لا ينبشونه, قلت: وما يرجون منه؟ قال: كانت السماء إذا حبست عنهم أبرزوا السرير، فيمطرون, قلت: من كنتم تظنون الرجل؟ قال: رجل يُقَالُ له: دانيال”.
رواه ابن إسحاق في “مغازيه”, ورواه غيره على وجوه أُخَر، وفي بعضها أن الدفن كان بأمر عمر.
انظر تخريج أحاديث فضائل الشام فضائل الشام (52)
ثانيا : ما زعمه الدكتور أحمد الخطيب أن النبي صلى الله عليه وسلم زار قبر موسى . انتهى
لا دليل عليه وقول النبي صلى الله عليه وسلم لا يحتمل لا السفر ولا شد الرحل المزعوم .
– ومن الأدلة التي استدل بها الدكتور أحمد الخطيب على جواز شد الرحل والسفر إلى الأضرحة وقبور الصالحين حديث وضع الحجر على قبر عثمان بن مظعون وقال : أتعلم بها قبر أخي .
قال الدكتور أحمد الخطيب : والحجر من جنس البناء !! .
فالحديث : بين السبب في وضع الحجر ليدفن إليه من مات من أهله , وليزوره الزيارة الشرعية , وقدمنا الفرق بين السفر وشد الرحل وبين الزيارة الشرعية التي يراد بها الدعاء للميت والاستغفار له .
ثانيا : قول قال الدكتور أحمد الخطيب : والحجر من جنس البناء !! .
من عجيب الفهم ! وإلا فالنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن البناء على القبور فكيف يقال الحجر من جنس البناء ! .
ففي صحيح مسلم عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ، وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ» فتأمل .
ومن الأدلة التي استدل بها الدكتور أحمد الخطيب في جواز شد الرحل والسفر إلى الأضرحة وقبور الصالحين أن قبور هؤلاء الصحابة هم ارتباطنا بأصلنا ووجودهم يدل على وجودنا ..
التعليق : تأمل هذا الكلام الغريب الذي صرح به الدكتور أحمد الخطيب , فهل هذه القبور والأضرحة هي التي تثبت وجود هذه الأمة وهي حبل الوصال بتاريخ الأمة !! .
فقد مات النبي صلى الله عليه وسلم عن أكثر من مائة ألف صحابي , ولا يعرف إلا النزر اليسير من قبورهم فهل انقطعت صلة الأمة بهم بعدم معرفة قبورهم بل الرسل والأنبياء الكرام لا يعرف من قبورهم إلا قبر نبينا عليه الصلاة والسلام فهل انقطعت الصلة بهم بعدم معرفة قبورهم .
الصلة يا دكتور أحمد لا تنقطع بموت الصالحين ولا بعدم معرفة قبورهم فصلتنا بكتاب ربنا كما جاء في الحديث : إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ سببٌ طَرفُهُ بِيَدِ اللَّهِ وطَرفُهُ بِأَيْدِيكُمْ فَتَمَسَّكُوا بِهِ فَإِنَّكُمْ لَنْ تضلُّوا وَلَنْ تَهْلِكُوا بَعْدَهُ أبداً) وكما جاء في الحديث : “تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي .
وهذه مآثرهم وأفعالهم وأقوالهم مسطرة تتناقلها الأمة جيلا بعد جيل , لم تنقطع ولم تفقد .
المسألة الثانية : تقريرهم لمسألة جواز بناء المقامات والمساجد على قبور وأضرحة الصالحين
فقال مقدم البرنامج : مشروعية إقامة المقامات الحل والإباحة لم يرد في كتاب الله وسنة رسوله ما يخالف ذلك .
واستدل الدكتور أحمد الخطيب على جواز اتخاذ المساجد والمقامات على قبور الصالحين بقوله تعالى : { قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا } فقال : يدل على مشروعية إقامة المسجد على قبورهم .
التعليق : تأمل هذا التلفيق وهذا النفي المزعوم عن وجود دليل في حرمة بناء المساجد على القبور !! .
مع أن المسجد والقبر لا يجتمعان في دين الإسلام فالأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام .
وقال ابن بطال : فيه نهى عن اتخاذ القبور مساجد، وعن فعل التصاوير. قال المهلب: وإنما نهى عن ذلك، والله أعلم، قطعًا للذريعة ولقرب عبادتهم الأصنام واتخاذ القبور والصورة آلهة .
وقال ابن رجب : مقصود البخاري بهذا الباب: كراهة الصلاة بين القبور واليها، واستدل لذلك بان اتخاذ القبور مساجد ليس هو من شريعة الإسلام، بل من عمل اليهود، وقد لعنهم النبي – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – على ذلك.
فتح الباري لابن رجب (3/193)
وقال القاضي عياض : وتغليظ النبى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فى النهى عن اتخاذ قبره مسجداً؛ لما خشيه من تفاقم الأمر وخروجه عن حدِّ المبرَّة إلى المنكر، وقطعاً للذريعة، وقد نبه عليه – عليه السلام – فى قوله: ” لا تتخذوا قبرى وثناً يعبد ” ، ولأن هذا كان أصل عبادة الأصنام، فيما يذكر .. .
وقال ابن رجب : واستدلَّ لذلكَ بأن اتَّخاذَ القبورِ مساجدَ ليسَ هو من شريعةِ الإسلامِ، بل من عملِ اليهودِ، وقد لعنَهُمُ النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – على ذلكَ.
وقد دلَّ القرآنُ على مثلِ ما دلَّ عليه هذا الحديثُ، وهو قولُ اللَّهِ عزَ وجلَّ
في قصةِ أصحابِ الكهفِ:{قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهم مَسْجِدًا} ، فجعل اتخاذَ القبورِ على المساجدِ من فعلِ أهلِ الغلبةِ على
الأمورِ، وذلك يشعرُ بأنَّ مستندَهُ القهرُ والغلبةُ واتباعُ الهوى، وأنَّه ليس من
فعلِ أهلِ العلم والفضلِ المتبعينَ لما أنزلَ اللهُ على رسلِهِ من الهُدَى.
تفسير ابن رجب (1/642)
المسألة الثالثة : قولهم بجواز التعبد والتبرك والدعاء عند قبور الصالحين
فقرروا جواز طلب الدعاء عندها .
التعليق : وهذه أعظم المسائل المذكورة في هذه الحلقة , وهي الوسيلة التي من أجلها حذر النبي صلى الله عليه وسلم من اتخاذ القبور مساجد لأنها وسيلة لصرف العبادة لغير الله .
ونص مالك في رواية أنه يسلم ويمضي ولا يدعو : فقال مالك في المبسوط: لا أرى أن يقف عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم يدعو، لكن يسلم ويمضي ” .
قال شيخ الإسلام : أما مالك رضي الله عنه فقد قال القاضي عياض: وقال مالك في «المبسوط»: لا أرى أن يقف عند قبر النبي صلى الله عليه وسلّم يدعو، لكن يسلّم ويمضي.
وهذا الذي نقله القاضي عياض ذكره إسماعيل بن إسحاق في «المبسوط» قال: وقال مالك: لا أرى أن يقف الرجل عند قبر النبيّ صلى الله عليه وسلّم يدعو، ولكن يسلّم على النبي صلى الله عليه وسلّم وعلى أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ثم يمضي. وقال مالك رضي الله عنه ذلك لأن هذا هو المنقول عن ابن عمر أنه كان يقول: «السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبت- أو يا أبتاه-». ثم ينصرف، ولا يقف يدعو.
وقال القاضي عياض : وتغليظ النبى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فى النهى عن اتخاذ قبره مسجداً؛ لما خشيه من تفاقم الأمر وخروجه عن حدِّ المبرَّة إلى المنكر، وقطعاً للذريعة، وقد نبه عليه – عليه السلام – فى قوله: ” لا تتخذوا قبرى وثناً يعبد ” ، ولأن هذا كان أصل عبادة الأصنام، فيما يذكر .. .
-وقد استدل العلماء على منع التعبد عند القبر بقوله عليه الصلاة والسلام : لا تجعلوا بيوتكم قبورا .
قال ملا علي القاري : (ولا تجعلوها) أي بيوتكم (قبوراً) أي كالقبور خالية من العبادة .
شرح مسند أبي حنيفة (193)
وعن علي بن حسين: أنه رأى رجلا يجئ إلى فرجة كانت عند قبر النبي صلى الله عليه (كذا الأصل) فيدخل فيها فيدعو، فدعاه فقال: ألا أحدثك بحديث سمعته من أبي عن جدي رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم -؟ قال: «لا تتخذوا قبري عيدا ولا بيوتكم قبورا وصلوا علي فإن صلاتكم وتسليمكم تبلغني حيثما كنتم» .
ويقويه ما أخرجه ابن أبي شيبة أيضا وابن خزيمة في «حديث علي ابن حجر» (ج 4/رقم 48) وابن عساكر (4/ 217/1) (2) من طريقين عن سهيل بن أبي سهيل أنه رأى قبر النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – فالتزمه ومسح قال: فحصبني حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب فقال: قال رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم -: «لا تتخذوا قبري عيداً ولا تتخذوا بيوتكم مقابر، [وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني]»
تحذير الساجد (85)
وهذه سنة هاشمية في منع تحري الدعاء عند القبر
ثانيا : ذكر الدكتور في حادثة حدثت له أنه قصد هو ومفتي أربد في سنة من السنوات صلاة ليلة القدر في مقام معاذ بن جبل وأنه قال : شممنا رائحة أطيب من المسك تفوح من القبر … إلى آخر كلامه .
التعليق : تأمل أن هذا الكلام فتح باب شر سيما أن العوام يتعلقون بمثل هذه القصص وربما أدى ذلك إلى غلو في هؤلاء الأموات وما يصاحب هذا الغلو في صرف شيء من العبادات لغير الله كما هو الحال عند الشيعة وقد قال الله تبارك وتعالى : {لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ} .
ولما نسمع مثل هذا الكلام من أناس ينتسبون للعلم لا نستغرب أن يتبع الدجال الأعظم , خلق عظيم , فالدجال يقول للسماء أمطري فتمطر وللأرض أنبتي فتنبر ووتبعه كنوز الأرض كيعاسيب النحل كما جاء في الأحاديث .
والناس تتعلق بأدنى من ذلك , وقد كنا مرة مع بعض الإخوة في منطقة الأغوار قريبا من مقام أبي عبيدة فذكر بعض العوام على سبيل القطع والجزم أنهم كانوا يستودعون السمن والعسل وغيرها – يستودعونها لأبي عبيدة – ويحفظها لهم !! .
فقلنا : إذا كان له هذه المقدرة , هذه بيت المقدس وهذه فلسطين قاب قوسين ألا يهب لنجدة المسلمين ويدحر اليهود !! . فسكت ولم يجب .
هذا آخر التعليق والتعقيب والحمد لله رب العالمين .
وكتبه / الدكتور أبو عبدالرحمن ذو القعدة 1442 هجرية