الرئيسية بلوق الصفحة 39

تعليق على منع بعض الدول الحجاب والنقاب، وحكم تبرج الكافرة في بلاد الإسلام

تعليق على منع بعض الدول الحجاب والنقاب، وحكم تبرج الكافرة في بلاد الإسلام

السؤال:

أرجو أن تكون الإجابة سريعة إذا أمكن لأن هذا السؤال حديث الساعة.

فضيلة الشيخ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

تعلم ما يحصل الآن في ” فرنسا ” وفي عدد من بعض الدول الإسلامية قبل الغربية من محاربة للحجاب، حيث أصبحت محل نقاش في بعض المجالس والمنتديات, حتى أصبحنا نرى البعض يقول: كيف تطالبون غيركم أن يمنحوكم الحرية في لبس الحجاب على الطريقة التي تريدون في حين أنكم تجبرونهم على لبس الحجاب في بلادكم إذا فالكفتان متساويتان.

لو كنتم حقًّا ترون أن إجبار النساء على خلع النقاب تدخل في الحريات فإن ما تفعلونه هنا من إجبار النساء على لبس العباءة يعد تدخلًا في الحرية، دعوكم من التعصب، ولستم مجبرين على العيش في بلادهم، ولكم حق الهجرة وإلا فالزموا الصمت وارضوا بقوانينهم!.

أريد من فضيلتكم ردًّا علميًّا مقنعًا كما تعودنا منكم في مثل هذه الأحداث.

جزاكم الله خيرًا على ما قدمتم وتقدمون، ونفع بعلمكم، فأنتم وبحق خير خلف لخير سلف، حفظكم الله.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

إن المسلم الغيور على دينه ليتألم أشد الألم مما يراه من محاربة للإسلام وشعائره، لا من الكفار وحدهم بل ومن أهله المنتسبين له في الظاهر، ومن هؤلاء من يتكلم بجهل، ومنهم من يتكلم انطلاقًا من خبث وزندقة.

وعندما نقارن بين حرب الستر والعفاف بين دول الكفر وبعض الدول المنتسبة للإسلام نجد أن حرب تلك الدول الأخيرة أشد وأعظم، فهي تسن القوانين لمنع غطاء الرأس! وأما تلك الدول الكافرة – كفرنسا وبلجيكا – فهي تسن القوانين لمنع غطاء الوجه فحسب! وبين الأمرين فرق ظاهر، وكان – ولا يزال – الألم يعتصر قلوب الغيورين على الإسلام لأسباب:

  1. أن هذه الدول محسوبة على الإسلام وليس على النصارى ولا اليهود.
  2. أنهم يمنعون غطاء الرأس، ويعاقبون عليه، ويهينون المرأة العفيفة التي تلبسه، ويمنعونها من الدراسة والعمل والعلاج.
  3. أن حربهم على العفاف والستر قديم، وقد سبقوا دول الكفر بعشرات السنوات.

ثانيًا:

وأما دعوى بعض الانهزاميين أننا إذا انتقدنا الكفار في منعهم النقاب من باب ” الحرية الشخصية ” فكيف نلزم نساءهم بالعباءة – أو بالستر – في بلادنا: فالجواب عليه:

  1. أنه لا يوجد في بلاد الإسلام من يلزم المرأة الكافرة بستر بدنها حين تخرج للشارع إلا دولة واحدة وهي ” السعودية ” ونسأل الله تعالى أن يبقي هذا الخير ولا يتغير، وأما باقي دول الإسلام فإنهم لا يلزمون نساءهم بالستر فكيف سيلزمون الكافرات؟!.
  2. أن التبرج والتهتك والعري ليس مسموحًا به عند النصارى ولا اليهود في أصل دينهم، فالأمر لهم بالستر هو أمر بما في أصل دينهم.
  3. أننا لا نعتب على الكفار بمنعهم غطاء الوجه عن النساء المسلمات لو كان منطلقهم من ذلك دينهم! ولكن العتب عليهم من وجوه، منها:

أ. أنهم يزعمون أنهم علمانيون، وأنهم قد فصلوا الدين عن الدولة، فما بالهم هنا يحاربون شعيرة دينية؟!.

ب. أنهم يزعمون أنهم دعاة حماية ” الحرية الشخصية ” فلماذا يطبقون هذا على كل من ” تخلع ” ثيابها أو أكثرها! ولا يطبقونه على من ” تستر ” بدنها أو أكثره؟!.

ج. أنهم لم يحاربوا سوى الإسلام في لباس نسائه، وهذه دول العالم يختلف لباسهم بعضهم عن بعض – رجالًا ونساءً – فلماذا تُركت نساء أهل تلك الأديان والطواف والمذاهب ليلبسن ما يشأن إلا النساء المسلمات فإنه يضيَّق عليهن فيما هو واجب أصلًا عليهن في الشرع؟!.

 

ثالثًا:

ويُسأل من ألزم النساء الكافرات بالعباءة والستر: هل ألزمتَ نساء أهل بلدك؟ وسيجيب بالإيجاب، ويسأل: هل تفرِّق بين كافرة من دين وكافرة من دين آخر؟ سيقول: لا أفرِّق، ويُسأل – أخيرًا – هل دينك يأمرك بهذا؟ وسيكون جوابه: نعم.

ولذلك لا يعتب أحد على من حكم بالعلمانية أو بغيرها في السماح للكافرات بالتبرج في بلادهم، أم من حكَّم الشريعة فإنه لا ينبغي أن يلام ولا يُعتب عليه، فالعلمانية تسمح للكافرات بالتبرج والدين الإسلامي يمنع من ذلك، فذاك سمح لهن، وهذا منعهن، ومن هنا توجه العقلاء لدول الكفر بالعتب واللوم، حيث هم يحكمون بالعلمانية ومع ذلك يمعنون من غطاء الوجه مع أن مبدأهم لا يمنع من ذلك، فضلًا عن تجريم من غطَّت وجهها أو تجريم من دعها لذلك أو أمرها به من أهلها، فإن لم تكن هذه ” ديكتاتورية ” و ” فاشية ” و ” إرهاب ” فما هي هذه الأشياء إذن؟!.

 

رابعًا:

ولا يجوز لأي ولي أمر بلد من بلاد الإسلام أن يسمح بكشف العورات والتبرج لأي أحد في بلاده، وهو مسئول عن كل معصية تُرتكب فيما تولَّى عليه، ولو كان من الكفار، فلا فرق بين مسلمة وكافرة في منعها من التبرج والتعري، كما لا فرق بينهما في تحريم النظر.

قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله – في فوائد حديث حاطب -:

قال ابن المنيِّر: ليس في الحديث بيان هل كانت المرأة مسلمة أو ذمية، لكن لما استوى حكمهما في تحريم النظر لغير حاجة شملهما الدليل.

” فتح الباري ” ( 6 / 191 ).

وفي عهد النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن ثمة زي خاص بنساء الكفار؛ ذلك أنهن لم يُعرف عنهن التبرج والتعري، بل وحتى النساء في الجاهلية لم يكن يُعرف عنهن اللباس الفاضح، وقد صرَّح النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يرَ هذا الصنف من الناس حيث قال ( صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا ).

رواه مسلم ( 2128 ) من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضيَ الله عنه.

وحتى على القول باحترام الحرية الشخصية فإن منع المرأة الكافرة من التعري والتبرج ليس فيه ما يخالف ذلك المبدأ – تنزلًا على القول به -، بخلاف منع المسلمة من تغطية رأسها أو وجهها فإن فيه ما يخالف مبدأهم في ” الحرية الشخصية”.

قال الشيخ محماس بن جلعود – حفظه الله -:

وخروج النساء الكافرات في وسط المجتمع المسلم بلباس يدعو إلى الإثارة والفتنة: إما أن يكون داخلًا ضمن حدود ” القانون المدني ” أو ضمن ” دائرة الحقوق الشخصية “، وفي كلا الحالين فإنه غير جائز تكشف النساء الكافرات في المجتمع المسلم.

فـ ” القانون المدني ” مبني على وجوب احترام مشاعر الناس جميعًا ولا يجوز أن يتعرض أحد لمشاعرهم وغرائزهم بالإثارة وإحداث الألم فيها، وهذه المظاهر التي تظهر بها النساء الكافرات في دار الإسلام اعتداء على مشاعر الناس، وإيذاء لأرواحهم، سواء كان الناظر في ذلك مسلمًا أو كافرًا؛ وذلك لأمرين:

الأمر الأول: إذا كان الناظر إلى تلك النساء الكافرات العاريات من لباس العفة والفضيلة مسلمًا: فإنه يجد في تلك المظاهر ما يثير غيرته الدينية على هذا المنكر الظاهر وهذه الصور التي تتنافى مع أحكام الإسلام، وإن كان من ضعاف الإيمان: فقد يجد من الإثارة الجنسية ما يسبب له الألم والحرج والضيق، فهو مهما يكن إنسانًا حسَّاسًا ذا لحم ودم يحس بما يرى ويسمع فيتأثر بذلك سلبًا أو إيجابًا.

الأمر الثاني: لو فرضنا أن المسلمين غضوا أبصارهم عن تلك المناظر العارية والصور الخليعة: فإن الذكور من الكفار سيصيبهم من تلك المظاهر ما يشعل نار الفاقة والشعور بالحرمان في أنفسهم مما يدفعهم إلى ارتكاب جرائم متعددة الأنواع والأشكال كي يطفئوا تلك النار الملتهبة في أنفسهم والتي لا تجد ما يحد من قوتها أو يوجهها التوجيه السليم؛ نظرًا لبعدهم عن الإيمان والإسلام.

ففي ” القانون المدني ” المبني على الشريعة الإسلامية نص يدل على تساوي المسلمين وأهل الذمة في ” التكاليف الظاهرة في الجانب الأخلاقي ” ولم يستثن من ذلك في حق الذميين سوى الخمر والخنزير، فلهم أن يصنعوا الخمر ويشربوها خفية دون أن يخرج منها أو من أذاها شيء إلى المسلمين، ولهم أن يربوا الخنازير ويأكلوها ويبيعوها بينهم.

هذا إذا قلنا إن عدم خروج النساء الكافرات بمظاهر العري والتكشف من الحقوق المدنية.

أما إذا قال شخص إن خروج المرأة باللباس الذي تريده من حقوقها الشخصية: فنقول إنه رغم ضعف هذا القول للأسباب التي تقدم ذكرها: فإن قانون الأحوال الشخصية لليهود والنصارى مستمد من التوراة والإنجيل رغم تحريفهما، وليس فيهما ما يبيح هذا العري الفاضح والتبرج الجاهلي، وفي المجتمع المسلم يعامل أهل الذمة في قانون الأحوال الشخصية بما يبيحه لهم دينهم، أما ما ثبت تحريمه عليهم وعلى المسلمين: فيمنع عنه الجميع على حد سواء، والنصوص الموجودة في الإنجيل بهذا الخصوص تأمر المرأة بارتداء البرقع وتذكر قياسات مختلفة له، كما أن التوراة قد ذكر فيها أن ” ربيكار ” قد ارتدت ذات البرقع لأنها كانت محترمة.

ويمكن الاستدلال على وجوب ستر عورة المرأة الكافرة وإخفائها للزينة في المجتمع المسلم هو أن المسلم إذا تزوج الكتابية – على رأي من يرى جواز ذلك -: يلزمها بالحجاب لأن ترك الحجاب ليس من دينها ولا من دين الإسلام.

وعلة النهي عند من يرى كراهية نكاح الكتابيات هو أن الكتابية تتناول ما يحرم على المسلم من خمر أو خنزير، ولم يذكروا أن من علة النهي كونها تخرج سافرة متبرجة بزينتها.

” الموالاة والمعاداة في الشريعة الإسلامية ” ( 2 / 684 – 691 ) وهو فصل طويل وقد نقلنا جزءً يسيراً منه.

 

والله أعلم.

هل يجوز أن تجعل مهرها ترك زوجها للتدخين؟ وكلمة حول المهور وأنواعها

هل يجوز أن تجعل مهرها ترك زوجها للتدخين؟ وكلمة حول المهور وأنواعها

السؤال:

سأتزوج بإذن الله في القريب العاجل من رجل متدين، ولله الحمد، ولكن مشكلته أنه مدخن، وقد وعدني أنه سيقلع عن التدخين، وقد بدأ في المحاولة، ولكن كما تعلمون فإن ذلك ليس بالأمر السهل، لذلك فكرت في أن أشجعه بطريقة ما، فخطر في ذهني أن أقول له: أن يكون مهري تركه للتدخين، فهل هذا جائز في الشرع؟ فليس هناك ما يجعلني أحرص على أن أحصل على المال، كما أنه ميسور ويمكن أن يعطيني ما أريد من المال في أي وقت.

وهل يجوز أن نخفي هذا الموضوع حتى لا تُثار بلبلة حول ما فعلناه؟ لأن الناس اعتادوا على أخذ المهر مالًا وسيكون في هذا مرتعاً لهم للحديث فيما لا شأن لهم به، كما أنه قد يحرج زوجي بصورة أو بأخرى، أو بشكل آخر: هل يجوز أن يعطيني مبلغًا صغيرًا من المال فقط لتدوين ذلك في الأوراق الرسمية ولتكميم أفواه الناس، أما المهر الأصلي فيكون المتفق عليه بيني وبينه وهو الإقلاع عن التدخين؟.

أعتذر إن كان السؤال يبدو سخيفًا ولكنه مهم بالنسبة لي، ولا أريد شيئًا في الوقت الحاضر أكثر من أن يقلع عن التدخين.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

السؤال ليس سخيفًا، بل هو مهم، ويدل على رجاحة عقل ومتانة دين – إن شاء الله -.

والمهر من حق المرأة، ولا يحل لأحد أن يتزوج مع الاتفاق على عدمه؛ لأن عدم المهر من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: ( وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ) الأحزاب/ 50.

ولطبيعة المهر ضوابط عند العلماء، فضابطه عند الجمهور أن يكون مما يصح بيعه أو إجارته، وضابطه عند الحنفية كونه متقوَّمًا بالمال.

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 39 / 155 ، 156 ):

جمهور الفقهاء – المالكية والشافعية والحنابلة – أن كل ما جاز أن يكون ثمنًا أو مثمنًا أو أجرة: جاز جعله صداقًا … .

وصرَّح الحنفية بأن المهر ما يكون مالًا متقوَّمًا عند الناس، فإذا سمَّيا ما هو مال: يصح التسمية، وما لا: فلا. انتهى.

والجمهور على جواز كون المهر منافع يمكن أخذ العوَض عنها.

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 39 / 156 ):

ذهب المالكية في المشهور والشافعية والحنابلة إلى أنه يجوز أن تكون المنفعة صداقًا؛ جريًا على أصلهم من أن كل ما يجوز أخذ العوض عنه يصح تسميته صداقًا، فيصح أن يَجعل منافع داره أو دابته أو عبده سنَة صداقًا لزوجته، أو يجعل صداقَها خدمتُه لها في زرع أو بناء دار أو خياطة ثوب أو في سفر الحج مثلًا. انتهى.

 

ثانيًا:

وقد اختلف العلماء في تحديد أقل المهر وأكثره، وليس في السنَّة الصحيحة ما يؤيد قولًا من الأقوال، واختلفوا – كما سبق – في طبيعة المهر المبذول لها.

والذي نراه في ذلك: أن كل ما يعود على المرأة من نفع وفائدة فيصح أن يكون مهرًا لها، فصفية وجويرية رضي الله عنهما كان صداقُهما عتقَهما، وهي منفعة لهما وفائدة، وهل ذلك منحصر في النفع المادي الدنيوي؟ الذي يظهر لنا: أن ذلك غير منحصر به، وأن النفع والفائدة الدينية الأخروية أعظم شأنًا وأجلُّ قدرًا، فيصح أن تكون مهرًا للمرأة، كأن يكون مهرها تحفيظ سورٍ من القرآن، فإنها تكسب بذلك عشر حسنات على حرف تقرؤه، وتكسب درجة يوم القيامة عن كل آية تحفظها، أو يكون مهرها دخول الراغب في زواجها في الإسلام، فإنها تكسب بذلك كل أجرٍ وثواب يكون في صحيفته يوم القيامة.

ومما يدل على الأول:

عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: أَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: إِنَّهَا قَدْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: مَا لِي فِي النِّسَاءِ مِنْ حَاجَةٍ، فَقَالَ رَجُلٌ: زَوِّجْنِيهَا قَالَ: أَعْطِهَا ثَوْبًا، قَالَ: لَا أَجِدُ قَالَ: أَعْطِهَا وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ، فَاعْتَلَّ لَهُ، فَقَالَ: مَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ؟ قَالَ: كَذَا وَكَذَا قَالَ: فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ.

رواه البخاري ( 4741 ) ومسلم ( 1425 ).

ومما يدل على الثاني:

عَنْ أَنَسٍ قَالَ: تَزَوَّجَ أَبُو طَلْحَةَ أُمَّ سُلَيْمٍ فَكَانَ صِدَاقُ مَا بَيْنَهُمَا الْإِسْلَامَ أَسْلَمَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ قَبْلَ أَبِي طَلْحَةَ فَخَطَبَهَا فَقَالَتْ إِنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ فَإِنْ أَسْلَمْتَ نَكَحْتُكَ فَأَسْلَمَ فَكَانَ صِدَاقَ مَا بَيْنَهُمَا. رواه النسائي ( 3340 ) وصححه الألباني.

وعَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: خَطَبَ أَبُو طَلْحَةَ أُمَّ سُلَيْمٍ فَقَالَتْ وَاللَّهِ مَا مِثْلُكَ يَا أَبَا طَلْحَةَ يُرَدُّ وَلَكِنَّكَ رَجُلٌ كَافِرٌ وَأَنَا امْرَأَةٌ مُسْلِمَةٌ وَلَا يَحِلُّ لِي أَنْ أَتَزَوَّجَكَ فَإِنْ تُسْلِمْ فَذَاكَ مَهْرِي وَمَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهُ فَأَسْلَمَ فَكَانَ ذَلِكَ مَهْرَهَا

قَالَ ثَابِتٌ فَمَا سَمِعْتُ بِامْرَأَةٍ قَطُّ كَانَتْ أَكْرَمَ مَهْرًا مِنْ أُمِّ سُلَيْمٍ الْإِسْلَامَ فَدَخَلَ بِهَا فَوَلَدَتْ لَهُ. رواه النسائي ( 3341 ) وصححه ابن حجر في ” فتح الباري ” ( 9 / 115 ) – وردَّ على من أعلَّ متنه – وصححه الألباني في ” صحيح النسائي “.

وقد بوَّب عليهما النسائي بقوله ” باب التزويج على الإسلام “.

وهذا الأثر فيه أن تحديد المهر يكون للمرأة، وفيه جواز أن يكون على منفعة وفائدة أخروية تعود على المرأة، ومثله يقال في جواب السؤال الوارد، وهو أنه يجوز للمرأة أن يكون مهرها طاعة يلتزم بها الراغب بزواجها، كأن يلتزم بصلاة الجماعة في المسجد كل صلاة، أو معصية يتركها، كترك حلق اللحية، وكل ما يترتب على ذلك من أجور أخروية فيكون في صحيفتها.

ومما لا شك فيه أن التدخين محرَّم وهو ضارٌّ بالمدخن وبمن حوله، وهو مُهلك للمال، فإذا كان مهر المرأة ترك الراغب بتزوجها التدخين واستمراره على ذلك: فإنها تستفيد فوائد متعددة، منها:

  1. تحصيل أجر تركه لتلك المعصية.
  2. كف الأذى الذي يسببه تدخين زوجها في بيتها وعندها.
  3. توفير المال الذي كان يُدفع لشراء ذلك المحرَّم لتنعم به وأولادها بشراء الحلال من الطعام والشراب واللباس.

وكل ذلك منافع ولا شك، وكلها تعود لها، وبعضها منافع دنيوية، وبعضها الآخر منافع أخروية.

وعليه: فلا نرى مانعًا من جواز هذا المهر، وحديث أم سليم يدل عليه دلالة ظاهرة.

قال ابن القيم – رحمه الله – في سياق ذِكر فوائد حديث أم سليم -:

وتضمَّن أن المرأةَ إذا رَضِيت بعلم الزوج، وحِفظه للقرآن أو بعضه مِن مهرها: جاز ذلك، وكان ما يحصُل لها من انتفاعها بالقرآن والعلم هو صَداقها، كما إذا جَعَل السيدُ عِتْقَها صداقَها، وكان انتفاعُها بحريَّتها ومُلكها لرقبتها هو صداقَها، وهذا هو الذى اختَارته أمُّ سليم من انتفاعها بإسلام أبى طلحة، وبذلِها نفسها له إن أسلم، وهذا أحبُّ إليها من المال الذى يبذُلُه الزوجُ، فإن الصداقَ شُرِعَ فى الأصل حقًا للمرأة تنتفع به، فإذا رضيت بالعلم، والدِّين، وإسلام الزوج، وقراءته للقرآن: كان هذا من أفضل المهور وأنفعها وأجلِّها، فما خلا العقد عن مهر، … .

وقد خالف فى بعضه من قال: لا يكون الصداقُ إلا مالًا، ولا تكون منافع أخرى، ولا علْمه ولا تعليمه صداقًا، كقول أبى حنيفة وأحمد فى رواية عنه، ومن قال: لا يكون أقلَّ مِن ثلاثة دراهم كمالك، وعشرة دراهم كأبى حنيفة، وفيه أقوال أخر شاذَّة لا دليل عليها من كتاب، ولا سنَّة، ولا إجماع، ولا قياس، ولا قولِ صاحب.

” زاد المعاد في هدي خير العباد ” ( 5 / 178 ، 179 ).

 

 

 

ثالثًا:

ونقترح على الأخت السائلة – وقد علمت جواز جعل ترك الخاطب تركه للتدخين مهرًا لها – أمرين اثنين:

الأول: أن تسمِّي مهرًا معقولًا مقبولًا ولو يسيرًا، وتجعل ترك التدخين شرطًا في عقد الزواج، وبذلك تقطع الطريق على الناس أن يتكلموا فيها وفي زوجها وفي كون مهرها ترك التدخين، وتخرج من خلاف العلماء في صحته مهرًا، وسيكون هذا أقوى من كونه مهرً؛ فإن الشرط لو تخلَّف تملك المرأة نفسها ويكون لها الحق في طلب فسخ النكاح مع أخذ جميع حقوقها.

سئل الشيخ محمد بن إبراهيم – رحمه الله -:

عن امرأة خطبها رجل فاشترطت عليه أن لا يشرب الدخان، فوافق، فتزوجته، ثم تبيَّن لها أنه يشرب الدخان، فماذا يكون أمرها؟.

فأجاب:

إذا كان الأمر كما ذكر: فإن للمرأة المذكورة الخيار في فسخ نكاحها منه، أو البقاء معه.  ” فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم ” ( 10 / 149 ).

الثاني: أن تجمعي بين جعْل المهر مشتملًا على الأمرين معًا: المال وترك التدخين.

– ولكِ الخيار في اختيار ما يناسب الحال والمقام.

وننبه إلى أنكِ إن اخترت جعل المهر فقط تركه للتدخين وستعلنان مبلغًا من المال مهرًا يُكتب في عقد الزواج من أجل كف ألسنة الناس: فإن هذه المسألة تسمى ” مهر السرّ “، وخلاصتها: إنه يُحكم ديانةً بما اتفقتما عليه في السر، ويُحكم قضاءً بما أعلنتماه وأشهدتما عليه.

ونسأل الله أن يجعل من أمرك يسرًا، وأن ييسر لك زوجًا صالحًا، ويرزقك ذرية طيبة.

 

والله أعلم.

 

 

 

يعمل في مكتبة جامعية فهل يترتب عليه إثم أو ضمان لما يتلفه من كتب محرَّمة؟

يعمل في مكتبة جامعية فهل يترتب عليه إثم أو ضمان لما يتلفه من كتب محرَّمة؟

السؤال:

أرجو من الشيخ الإجابة عن سؤالي بارك الله فيكم:

أنا أعمل في إحدى المكتبات الجامعية، وقد اقتنت المكتبة كتبًا تعادي الإسلام في ظاهرها وباطنها، وتحرِّض ضد الإسلام والمسلمين، وتدعو إلى الكفر وتكذيب القرآن، فكَّرت – أنا – في الخلاص من هذه الكتب بطريقة التحايل، وسرقة هذه الكتب وإتلافها قصدًا مني تغيير المنكر، علمًا أنني لا أريد إخبار أحد لأن ذلك سوف يجلب لي المضرة في عملي.  فهل عملي هذا جائز؟ وهل يعتبر ما أنوي فعله سرقة؟.

أفيدوني بارك الله فيكم.

 

الجواب:

الحمد لله

يجب على كل مَن ولاَّه الله تعالى أمر مكانٍ أن يخليه من كتب السحر والبدع والضلال والفسق والمجون، ويدخل في هؤلاء: ولي أمر البلاد الذي يجب عليه أن يمنع استيراد تلك الكتب، كما يجب عليه إتلاف ما هو موجود منها بالفعل في بلاده، ويشمل ذلك – أيضًا -: ولي أمر البيت، وكذا قيِّم المكتبة، والذين يجب عليهم ما يجب على ولي أمر البلاد، وهكذا الأمر في حق كل صاحب سلطة على مكان.

ومن استطاع من آحاد الناس أن يُتلف شيئًا من كتب الكفر والضلال من غير أن يترتب على فعله مفسدة أعظم: فليُتلفها، حتى لو كان كتاباً مستعارًا، ولا يضمن ما أتلفه؛ لأنه مهدر المالية، وهو مأجور على فعله.

وليُعلم أن الورق الذي طُبعت عليه الكلمات المحرَّمة لا يستفاد منه في عصرنا هذا، بخلاف الشريط الذي سُجِّل عليه المواد المحرَّمة، وآلات اللهو، فتلك يمكن الاستفادة منها، فالشريط فارغًا له قيمة يستحقها صاحبه، وآلات اللهو يمكن الاستفادة من بعضها من خشبها في بعض البلاد، فنرجو التنبه عند الاطلاع على فتاوى أهل العلم بخصوص ضمان المتلفات، وتقدير الزمن الذي قيلت فيه الفتوى، وتقدير العُرف.

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 34 / 191، 192 ):

ذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أن الكتب المحرَّمة يجوز إتلافها.

قال المالكية: كتب العلم المحرم كالتوراة والإنجيل يجوز إحراقها وإتلافها إذا كانا محرَّفين. وقال الشافعية: يجب إتلاف كتب الكفر والسحر والتنجيم والشعبذة والفلسفة؛ لتحريم الاشتغال بها.

وصرح الحنابلة بأنه يصح شراء كتب الزندقة لإتلافها؛ لأن في الكتب مالية الورق، وتعود ورقا منتفعا به بالمعالجة .

وقال الحنفية: الكتب التي لا ينتفع بها: يُمحى عنها اسم الله وملائكته ورسله ويحرق الباقي، ولا بأس بأن تُلقى في ماء جار كما هي، أو تدفن وهو أحسن. انتهى.

وقال ابن القيم – رحمه الله -:

وكذلك لا ضمان في تحريق الكتب المضلة وإتلاف .

قال المروذي: قلت لأحمد: استعرتُ كتاباً فيه أشياء رديئة ترى أن أخرقه أو أحرقه؟ قال: نعم فاحرقه، وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم بيد عمر كتابا اكتتبه من التوراة وأعجبه موافقته للقرآن فتمعر وجه النبي صلى الله عليه و سلم حتى ذهب به عمر إلى التنور فألقاه فيه

فكيف لو رأى النبي صلى الله عليه وسلم ما صنِّف بعده من الكتب التي يعارض بها ما في القرآن والسنَّة، والله المستعان.

وكل هذه الكتب المتضمنة لمخالفة السنَّة: غير مأذون فيها، بل مأذون في محقها وإتلافها، وما على الأمة أضر منها، وقد حرق الصحابة جميعًا المصاحف المخالفة لمصحف عثمان لما خافوا على الأمة من الاختلاف \، فكيف لو رأوا هذه الكتب التي أوقعت الخلاف والتفرق بين الأمة؟!.

 

والمقصود: أن هذه الكتب المشتملة على الكذب والبدعة: يجب إتلافها وإعدامها، وهي أولى بذلك من إتلاف آلات اللهو والمعازف وإتلاف آنية الخمر؛ فإن ضررها أعظم من ضرر هذه، ولا ضمان فيها، كما لا ضمان في كسر أواني الخمر وشق زقاقها. ” الطرق الحُكمية ” ( ص 399 – 402 ) باختصار.

 

* وقال الشيخ محمد بن أحمد السفاريني – رحمه الله -:

فكل ما شاكل ذلك وماثَلَه: فلا ضمان على متلفه؛ لعدم حرمته وماليته, وكذا كتب مبتدعة مضلة, وأحاديث مكذوبة, وكتب أهل الكفر بالأولى، لا سيما ( كتب الدروز ) عليهم لعنة الله, فقد نظرت في بعضها فرأيت العجب العجاب, فلا يهود ولا نصارى ولا مجوس مثلهم, بل هم أشد مَن علِمنا كفرًا لإسقاطهم الأحكام وإنكارهم القيام, وزعمهم أن الحاكم العبيدي الخبيث رب الأنام, تعالى الله عما يقولون علوا كبيرًا.

فكل ما كان من هذا وأضرابه من الكتب المضلة: ( اقدد ) ها، أمر وجوب أو استحباب على ما مرَّ بيانه من ” القدِّ “، وهو القطع المستأصل، أو المستطيل، والشق كالاقتداد والتقديد، كما في ” القاموس “.

” غذاء الألباب شرح منظومة الآداب ” ( 1 / 252 ).

 

 

وبما سبق يتبين لك أخي السائل أنه يجب عليك – إن استطعت – أن تتلف كتب البدعة والضلالة، وكتب الكفر التي فيها الطعن في الإسلام من باب أولى، ولا تعدُّ سارقاً إن أنت فعلتَ ذلك، ولا تضمن قيمة تلك الكتب، وأنت مأجور على فعلك إن أخلصت فيه النية، وكل هذا منوط بقدرتك على ذلك من غير ترتب مفسدة عليك إن أنت فعلتَ ذلك، فإن لم تستطع: فلا تُعن أحداً على استعارة تلك الكتب، ولا تمكِّن أحدًا من قراءتها إلا أن يكون ذلك لعالِم أو طالب علم تعرفه، تعلم أنه يريد الاطلاع عليها لنقضها ونقدها، فلا بأس حينئذٍ من تمكينه من استعارتها أو الاطلاع عليها، وهذه أمانة يجب عليك أداؤها على وجهها الأمثل، فلا تكن سبباً في إضلال أحدٍ من الناس أو فتنته عن دينه، واحرص على أن لا تورِّط نفسك فيما لا تقدر عليه من البلاء؛ فإن الله لم يكلفك إلا ما تستطيعه.

وإن لم تستطع تغيير المنكر أو تخفيفه: فليكن منك بحث عن عمل آخر مباح فهو خير لك.

 

والله أعلم.

 

 

 

 

يشعر بالحزن على أولاد المسلمين والكفار فيؤذن في أُذن أولادهم جميعًا!

يشعر بالحزن على أولاد المسلمين والكفار فيؤذن في أُذن أولادهم جميعًا!

السؤال:

أعيش في ” أمريكا “، وأشعر بالحزن تجاه الأولاد الذين يولدون لآباء غير مسلمين، وبالتالي فإنهم يُحرمون من سماع الأذان وكلمة التوحيد حال خروجهم إلى هذه الدنيا، بل ربما يُحرمون ذلك طوال حياتهم، وفي إحدى المرات كنت مع زوجتي في المستشفى حين قالت لها إحدى الأمهات: اعتنِ بطفلي حتى أعود، فانتهزت الفرصة فأذّنت في أذن ذلك الصبي، كما أني قد فعلت مثل هذا الفعل مع صبيان آخرين في مناسبات مختلفة، فقط شعورًا مني بالحزن عليهم ، فهل فعلي هذا صحيح؟ وهل أشجّع المسلمين على نفس الفعل؟ أم أنّ ما أفعله بدعة لا معنى له؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

فعلك – أخي السائل – غير صحيح لأسباب:

أولها: أنه لم يصح حديث في التأذين في أذن المولود بعد ولادته.

وقد جاء في الباب أحاديث كلها ضعيفة أو موضوعة، وهذا بيانها باختصار:

أ. عن أَبِي رَافِعٍ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَذَّنَ فِي أُذُنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ حِينَ وَلَدَتْهُ فَاطِمَةُ بِالصَّلَاةِ. رواه الترمذي ( 1514 ) وأبو داود ( 5105 ).

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

مداره على عاصم بن عبيد الله، وهو ضعيف.

” التلخيص الحبير ” ( 4 / 149 ).

ب. عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم أذَّن في أُذُن الحسن بن علي يوم ولد فأذَّن في أذنه اليمنى وأقام في أذنه اليسرى.

رواه البيهقي في ” شعب الإيمان ” ( 6 / 390 ).

وهذا حديث موضوع! فيه ” الحسن بن عمرو بن سيف “، قال عنه الإمام البخاري في ” التاريخ الكبير ” ( 2 / 299 ): ” كذَّاب “.

وفيه: ” محمد بن يونس الكديمي “، وقد اتَّهمه أبو داود والدارقطني بالكذب.

وفيه: القاسم بن مُطيَّب، وفيه ضعف.

ج. عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ حُسَيْنٍ بن علي رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ( مَنْ وُلِدَ لَهُ فَأَذَّنَ فِي أُذُنِهِ الْيُمْنَى وَأَقَامَ فِي أُذُنِهِ الْيُسْرَى لَمْ تَضُرَّهُ أُمُّ الصِّبْيَانِ ). رواه أبو يعلى في ” المسند ” ( 12 / 150 ).

وهذا حديث موضوع – أيضًا -، فيه ” يحيى به العلاء ” قال فيه أحمد: كذَّابٌ يضع الحديث، وقال الدارقطني: متروك.

وفيه: ” مروان بن سالم “، وقد قال عنه أبو عروبة الحرَّاني: يضع الحديث، وقال البخاري ومسلم وأبو حاتم الرازي: منكر الحديث، وقال الدارقطني: متروك.

وقد حكم عليه الشيخ الألباني في ” السلسلة الضعيفة ” ( 321 ) بأنه: موضوع.

د. عن عبد الله بن عباس قال: حدثتني أم الفضل بنت الحارث الهلالية قالت: مررتُ بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس بالحجر فقال يا أم الفضل قلت لبيك يا رسول الله قال إنك حامل بغلام قلت يا رسول الله وكيف وقد تحالفت قريش أن لا يأتوا النساء قال هو ما أقول لك فإذا وضعتيه فأتني به قالت فلما وضعته أتيت به النبي صلى الله عليه وسلم فأذن في أذنه اليمنى وأقام في أذنه اليسرى وألبأه من ريقه وسماه عبد الله ثم قال اذهبي بأبي الخلفاء قالت فأتيت العباس فأعلمته ….

رواه الطبراني في ” المعجم الأوسط ” ( 9250 ).

وهذا حديث ضعيف جدًّا، فيه: أحمد بن رشد بن خثيم.

* قال الهيثمي – رحمه الله -:

وفيه أحمد بن راشد الهلالي، وقد اتهم بهذا الحديث.

” مجمع الزوائد ” ( 5 / 340 ).

ثاني الأسباب: أن الحكم لو كان مقبولًا لكان لأولاد المسلمين لا الكفار، خلافاً لبعض الشافعية الذين عمَّموه فأدخلوا فيه أولاد الكفار.

ثالثها: من حيث المعنى، فإن أولاد الكفار لا يستفيدون بسماعهم الأذان في صغرهم، وأولاد المسلمين لا يضرهم عدم سماعه، فكل أولاد الكفار لم يسمعوا الأذان في صغرهم وقد أسلم كثير منهم على مدى الأزمان، وطائفة كبيرة من أولاد المسلمين قد أسمعهم أهليهم الأذان في صغرهم وها أنت ترى حال كثير منهم لا يخفى على أحد.

ولذا فإننا نرى أن الأجدر بتلك الأحاديث أن لا تكون صحيحة لعدم ترتب آثار الأذان على الأطفال الصغار بخلاف ” التحنيك ” و ” الحلق ” و ” الختان ” فإن آثارها النافعة واضحة، وهم يستفيدون منها في صغرهم وكبرهم.

وما ذكرناه من عدم الأذان في أذن المولود هو قول الإمام مالك رحمه الله، ففي ” مواهب الجليل لشرح مختصر الخليل ” ( 2 / 86 ): قال الشيخ أبو محمد بن أبي زيد في كتاب الجامع من “مختصر المدونة “: وكره مالك أن يؤذَّن في أذن الصبي المولود. انتهى، وقال في ” النوادر ” بإثر العقيقة في ترجمة الختان والخفاض: وأنكر مالك أن يؤذن في أذنه حين يولد. انتهى. انتهى.

ثانيًا:

وقد ذكرنا في جواب متقدّم الحكمة من الأذان في أذن الوليد عند من يقول باستحباب ذلك، فقد قالوا: حتى يكون أول ما يطرق سمعه هذه الكلمات التي فيها تعظيم الله وتكبيره والشهادة له سبحانه بالوحدانية ولنبيه صلى الله عليه وسلم بالرسالة، ولأن الأذان يطرد الشيطان.

ولا نرى أن هذا يسلم؛ لسببين:

  1. أن في الأذان ” حيَّ على الصلاة ” و ” حيَّ على الفلاح “! ولو كان ما قالوه صحيحاً لاكتفى بأول الأذان – مثلًا – أو بالشهادتين فقط.
  2. ما الحاجة لطرد الشيطان فقط عند ولادته؟! وهلا شُرع هذا كل يوم – مثلًا – أو كل أسبوع؟!.
  3. لم يثبت في الشرع ولا في الطب – حسب علمنا – أي أثر لما يسمعه الطفل أول ولادته، ولو كان هذا واقعاً لشرع لنا إسماعه القرآن دومًا، والحديث في أذنه بذِكر الله تعالى، وهذا ليس موجودًا في السنَّة النبوية.

 

* والخلاصة:

نرى أن نيتك حسنة طيبة، ونرى أن غيرتك على الشرع صادقة، لكن هذا كله لا يجعل من فعلك شيئًا مشروعًا، فنرى أنه يجب عليك الكف عن ذلك الفعل، وخاصة مع أولاد الكفار، وما تفعله معهم في السر لو رآك أحد منهم لأمكنه اتهامك بتهم خطيرة، والخير في إصلاح الأولاد هو بتربيتهم على الصلاة والكلام الحسن، وتربية البنات على العفاف والحياء، ومثل تلك التربية لا تصلح في البيئة التي تعيش فيها، والأذان في أذن المولود لا يساهم في صلاح أولادكم، لذا فيجب عليكم مفارقة الديار التي لا يمكنكم فيها إظهار شعائر دينكم، ولا تسمعون فيها الأذان، ولا تتمكنون فيها من إصلاح ذريتكم وتربيتهم على الإسلام.

 

والله أعلم.

 

 

حُكم على زوجها بالسجن المؤبَّد فهل من حقها طلب الطلاق أو التفريق؟

حُكم على زوجها بالسجن المؤبَّد فهل من حقها طلب الطلاق أو التفريق؟

السؤال:

حُكم على زوجي بالسجن مدى الحياة، وفرص خروجه منه ضئيلة جدًّا، وقد مضى على دخوله خمس سنوات، وقد سُجن بعد زواجنا بسنة واحدة فقط، وها أنذا قد رُزقت منه بمولودة، إنني ما زلت صغيرة في العمر وأشعر بالقلق والاضطراب لكوني وحيدة دون زوج إلى أجل غير مسمى، إنني أراعي مشاعره ولا أريد أن أجرحها لأنه رجل مسلم، ولكن بالمقابل أنا بشر وأشعر بما يشعر به البشر بل أنني في بعض الأحيان أقع في بعض المعاصي بسبب الوحدة والغريزة، فما هي نصيحة العلماء لي؟ هل يجوز لي أن أطلب منه الطلاق؟ أم أن أجري عند الله أكبر إن أنا صبرت؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

ذهب جمهور العلماء إلى عدم جواز التفريق بين الزوج المحبوس وزوجته، وخالف في ذلك المالكية.

* وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 29 / 66، 67 ):

إذا حبس الزوج مدة عن زوجته، فهل لزوجته طلب التفريق كالغائب؟.

الجمهور: على عدم جواز التفريق على المحبوس مطلقًا مهما طالت مدة حبسه، وسواء أكان سبب حبسه أو مكانه معروفين أم لا.

أما عند الحنفية والشافعية: فلأنه غائب معلوم الحياة، وهم لا يقولون بالتفريق عليه، وأما عند الحنابلة: فلأن غيابه لعذر.

وذهب المالكية إلى جواز التفريق على المحبوس إذا طلبت زوجته ذلك وادعت الضرر، وذلك بعد سنة من حبسه، لأن الحبس غياب، وهم يقولون بالتفريق للغيبة مع عدم العذر، كما يقولون بها مع العذر على سواء. انتهى.

والذي نقطع به ونراه راجحًا هو قول المالكية، وقد اجتمع في سجن زوجك أشياء تدعو إلى القول بالتفريق:

  1. طول مدة الحبس.
  2. انقطاع النفقة.
  3. خشية الضرر عليك ونعني به الوقوع في الزنى.

وقد اتفق الحنابلة مع المالكية في أن غياب الزوجة مع قطعة النفقة عن زوجته، وتضررها بغيابه: كلاهما من الأسباب التي تجيز التفريق بين الزوجة وزوجها الغائب عنها.

* وفي ” الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني ” ( 3 / 1026 ):

قال الأجهوري في ” شرح خليل “: وإذا جاز لها التطليق بعدم النفقة : فإنه يجوز لها إذا خشيت على نفسها الزنا بالأولى؛ لشدة ضرر ترك الوطء الناشئ عنه الزنا. انتهى.

فكل تلك الأحوال تدعو لترجيح مذهب المالكية بالتفريق بين الزوج السجين والذي تتضرر زوجته بغيابه، والضرر الحاصل على الزوجة بغياب زوجها من انقطاع النفقة وانقطاع الوطء لا يُنكر، ويشتد الضرر في حال كانت الزوجة وحيدة ليس لها أهل، وهذا القول رجَّحه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، حيث قال:

وحصول الضرر للزوجة بترك الوطء مقتض للفسخ بكل حال، سواء كان بقصد من الزوج أو بغير قصد، ولو مع قدرته أو عجزه، كالنفقة، وأولى من الفسخ بتعذره في الإيلاء إجماعًا.

وعلى هذا: فالقول في امرأة الأسير والمحبوس ونحوهما ممن تعذر انتفاع امرأته به إذا طلبت فُرقته: كالقول في امرأة المفقود، كما قاله أبو محمد المقدسي.

” الفتاوى الكبرى ” ( 5 / 481 ، 482 ).

يعني: كما أن امرأة المفقود تتضرر بفقدان زوجها ولها حق طلب الفُرقة: فكذلك الأسير والمسجون والذي يُعلم طول غيابه بسجنه، فهو أشبه بالمفقود.

 

ثانيًا:

والذي ننصحك به طلب الطلاق، ونرى أن الصبر عن الشهوة في هذا الزمان لا يحتمله الناس، لا الرجال ولا النساء، فلا ننصح به لمن يملك قضاء شهوته بالزواج الحلال، فنرى أن تصارحي زوجك بالحال التي أنت عليها من حاجتك لمُعيل، وخوفك على نفسك من نظرة الناس، وطمعهم فيك، وحاجة ابنتك لرعاية وعناية، وعلى زوجك أن يطلِّقكِ بإرادته، وهذا الذي ينبغي له فعله إن بذل كل الأسباب لخروجه من السجن ولم ينجح.

فإن لم يفعل وأصرَّ على عدم تطليقك: فارفعي أمرك للقضاء الشرعي أو من يقوم مقامه، ولا يجوز أن تعدِّي نفسك طالقة وحدك، ولا أن يطلقك آحاد الناس، بل هو القاضي الشرعي أو من يقوم مقامه كمفتي البلدة أو شيخ المركز الإسلامي عندكم.

* وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 29 / 64 ):

اتفق الفقهاء القائلون بالتفريق للغيبة على أنه لا بد فيها من قضاء القاضي؛ لأنها فصل مجتهد فيه، فلا تنفذ بغير قضاء. انتهى.

 

 

 

* قال الشيخ عمر الأشقر – حفظه الله -:

إذا زال سلطان المسلمين، أو كانت المرأة في موضع ليس فيه للمسلمين سلطان ولا ولي لها مطلقا، كالمسلمين في أمريكا وغيرها: فإن كان يوجد في تلك البلاد مؤسسات إسلامية تقوم على رعاية شؤون المسلمين: فإنها تقوم بتزويجها، وكذلك إن وجد للمسلمين أمير مطاع أو مسؤول يرعى شؤونهم.

” الواضح في شرح قانون الأحوال الشخصية الأردني ” ( ص 70 ).

 

ثالثًا:

وهل تقع الفُرقة طلاقًا أم فسخًا؟ الأقرب أنها فسخ؛ لأنها من جهة الزوجة، وهذا مذهب الحنابلة، والعدة: حيضة واحدة.

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 29 / 64 ):

ونص الحنابلة على أن الفرقة للغيبة فسخ، ونص المالكية على أنها طلاق، وهل هي طلاق بائن؟ لم نر من المالكية من صرح في ذلك بشيء، إلا أن إطلاقاتهم تفيد أنها طلاق بائن. انتهى.

 

واحتساب التفريق بين الزوجين عن طريق القاضي – أو من يقوم مقامه -فسخًا هو الأليق في الشرع للزوجين؛ حيث لا يتم احتساب طلقة عليه، فقد تكون هذه آخر طلقة له، فلو حُسبت وقدَّر الله له الخروج فإنه لا يتمكن من الرجوع لزوجته إلا أن تنكح زوجاً آخر زواج رغبة ثم يفارقها فراق رغبة.

 

والله أعلم.

ماحكم إطلاق عبارة ” الغذاء الروحي ” على الأذكار والطاعات؟

ماحكم إطلاق عبارة ” الغذاء الروحي ” على الأذكار والطاعات؟

السؤال:

تتناقل المنتديات هذه العبارة ” الغذاء الروحي ” ويطلقونها على التسبيح والتهليل والذِّكر وغيرها من العبادات، فما الحكم؟.

 

الجواب:

الحمد لله

لا يظهر لنا أي إشكال في إطلاق هذه عبارة: الغذاء الروحي ” على الطاعات وعلى الذِّكر والتقوى وغير ذلك من أعمال الإسلام الجليلة، ولنا في ذلك دليلان يمكن أن يصلحا للاستدلال بهما على ذلك، وثمة علماء ثقات أثبات قد استعملوها من غير حرج.

  1. أما الآية:

فقوله تعالى ( الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ ) البقرة/ 197.

* قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -:

ثم أمر تعالى بالتزود لهذا السفر المبارك-أي: الحج –  فإن التزود فيه الاستغناء عن المخلوقين، والكف عن أموالهم، سؤالًا واستشرافًا، وفي الإكثار منه نفع وإعانة للمسافرين، وزيادة قربة لرب العالمين، وهذا الزاد الذي المراد منه إقامة البُنية بُلغة ومتاع.

وأما الزاد الحقيقي المستمر نفعه لصاحبه في دنياه وأخراه: فهو زاد التقوى الذي هو زاد إلى دار القرار، وهو الموصل لأكمل لذة، وأجل نعيم دائم أبدًا، ومن ترك هذا الزاد: فهو المنقطع به الذي هو عُرضة لكل شر، وممنوع من الوصول إلى دار المتقين، فهذا مدح للتقوى.  ” تفسير السعدي ” ( ص 91 ).

  1. وأما الحديث:

فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( لا تُوَاصِلُوا ) قَالُوا: إِنَّكَ تُوَاصِلُ. قَالَ: ( إِنِّي لَسْتُ مِثْلَكُمْ، إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي ). رواه البخاري ( 7299 ) ومسلم ( 1103 ).

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

ومعلومٌ أنَّ هذا الطعام والشراب ليس هو الطعام الذى يأكله الإنسانُ بفمه، وإلا لم يكن مواصلًا، ولم يتحقق الفرق، بل لم يكن صائمًا، فإنه قال ( أَظَلُّ يُطْعِمُني رَبِّي ويَسْقِيني ).

وأيضًا: فإنه فرقٌ بينه وبينهم في نفس الوِصال، وأنه يَقدِرُ منه على ما لا يقدِرُون عليه، فلو كان يأكلُ ويشرب بفمه: لم يَقُلْ ( لَسْتُ كَهَيْئَتِكُم )، وإنما فَهِمَ هذا من الحديث مَنْ قَلَّ نصيبُه من غذاء الأرواح والقلوب، وتأثيرِهِ في القوة وإنعاشِها، واغتذائها به فوقَ تأثير الغِذاء الجسمانىِّ، والله الموفق.

” زاد المعاد في هدي خير العباد ” ( 4 / 94 ).

وبالإضافة لاستعمال الإمام ابن القيم لهذه العبارة فقد رأينا استعمال الشيخ العثيمين لها كثيرًا، وهو ومعروف باختيار عباراته وبُعده عن الحشو.

* فقد سئل – رحمه الله -:

تعلم يا فضيلة الشيخ أن بعض الآباء ينشغل في أعماله، وقد لا يتمكن من سؤال أبنائه عن مستواهم الدراسي أو من يصحبون، فهل هذا تضييع لحقوقهم؟.

فأجاب:

قوله ” إنه ينشغل بأعماله ” نقول: مِن أكبر أعماله: أبناؤه وبناته، ومسئوليتهم أعظم من مسئولية تجارته، ولنسأل ماذا يريد من تجارته؟ إنه لا يريد منها إلا أن ينفق على نفسه وأهله، وهذا غذاء البدن، وأهم منه: غذاء القلب، غذاء الروح، زرع الإيمان والعمل الصالح في نفوس الأبناء والبنات

” اللقاء الشهري ” ( 58 / السؤال رقم 1 ).

* وقال – رحمه الله – أيضًا -:

لا تجعل طعامك مشتبهًا، اجعل طعامك طيِّا، لا تبق على خطر، الغذاء غذاء الروح وليس غذاء البدن، لو يأكل الإنسان لحى الشجر ونبات الأرض: خير له من أن يأكل درهمًا واحدًا حرامًا.  ” لقاء الباب المفتوح ” ( 229 / السؤال 22 ).

 

فيتبين لنا مما سبق: جواز إطلاق عبارة ” غذاء الروح ” و ” غذاء القلب ” على عموم الطاعات الشرعية.

 

والله أعلم.

 

 

تفصيل القول في معنى ( وشاب نشأ في عبادة ربِّه ) ووصية لمن فاته هذا الفضل

تفصيل القول في معنى ( وشاب نشأ في عبادة ربِّه ) ووصية لمن فاته هذا الفضل

السؤال:

– عندي سؤال واستفسار عن معنى ( شاب نشأ في طاعة الله ):

أنا شاب، وعمري الآن 22 سنة، ولكن للأسف لم أكن من الذين نشئوا في طاعة الله منذ أن بلغت عمر التكليف، فأحيانا أصلي وأحيانا أترك الصلاة – عياذًا بالله-، ولكن نويت بإذن الله وتوفيقه أن أتوب وأرجع إلى الله – أطلب منكم الدعاء – وإذا تبت وأنا في هذا العمر وأحسنت التوبة هل يكتب الله لي ممن نشئوا على طاعة الله؟ وكم عمر الذين يشملهم هذا الحديث؟.

وأسأل الله أن يوفقكم ويحفظكم. وجزاكم الله خير ونفع بكم الإسلام والمسلمين.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الحديث الذي يشير إليه الأخ السائل هو ما رواه أَبو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ( سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ – وفيه : – وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ … ). رواه البخاري ( 629 ) ومسلم ( 1031 ).

ثانيًا:

اختلف أهل اللغة وتبعهم الفقهاء في تحديد سن الشباب متى يبدأ ومتى ينتهي، والأقرب: أن زمن ” الشاب ” يبدأ بالبلوغ، وينتهي إلى الثلاثين، أو اثنين وثلاثين، ثم تبدأ مرحلة ” الكهولة “.

* قال ابن الأثير – رحمه الله -:

والكهل من الرجال: من زاد على الثلاثين سنة إلى الأربعين، وقيل من ثلاث وثلاثين إلى تمام الخمسين. ” النهاية في غريب الحديث ” ( 4 / 313 ).

* وقال الزبيدي – رحمه الله -:

الشَّبَابُ: الفَتَاءُ والحَدَاثَةُ كالشَّبِيبَة. وقد شَبَّ الغُلامُ يَشِبُّ شَبَابًا وشُبُوبًا وشَبِيبًا وأَشَبَّهُ اللهُ وأَشَبَّ اللهُ قَرْنَه بمَعْنىً والأَخِيرُ مَجَازٌ والقَرْنُ زِيَادَةٌ في الكَلاَمِ.

وقال مُحَمَّد بنُ حَبِيب: زَمَنُ الغُلُومِيَّة سَبْعَ عَشَرَةَ سَنَةً مُنْذُ يُولَدُ إِلى أَن يَسْتَكْمِلَها ثم زَمَنُ الشَّبَابِيَّة مِنْهَا إِلَى أَنْ يَسْتَكْمِلَ إِحْدَى وخَمْسِينَ سنة ثم هُوَ شَيْخٌ إِلَى أَنْ يَمُوتَ.

وقيل: الشَّابُّ: البَالِغُ إِلَى أَنْ يُكَمِّل ثَلاَثِين.

وقيل: ابنُ سِتَّ عَشَرَةَ إِلى اثْنَتَيْن وثَلاَثِين ثُمَّ هُوَ كَهْلٌ. انتهى.

” تاج العروس من جواهر القاموس ” ( 3 / 92 ).

 

 

* وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

الشاب ما بين الخمس عشرة سنة إلى الثلاثين.

” شرح رياض الصالحين ” ( 1 / 462 ).

ثالثًا:

وقد اختلف شرَّاح الحديث في معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم ( وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ ) على أقوال، أشهرها: ثلاثة:

  1. أن معناه: أن الشاب كان تربَّى على الطاعة ونما عليها في صغره، ولم يأت سن الشباب عليه إلا وهو على خير.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

( شاب نشأ في عبادة ربه ): ( نَشَأَ ) منذ الصغر وهو في العبادة، فهذا صارت العبادة كأنها غريزة له، فألفها وأحبَّها، حتى إنه إذا انقطع يومًا من الأيام عن عبادة تأثر.  ” شرح صحيح البخاري ” ( 3 / 79 ).

  1. أن معناه: من أفنى شبابه في عبادة الله وطاعته، لا في معصية، فالتنمية والتنشئة على الطاعة كانت في مرحلة الشباب.

* قال المباركفوري – رحمه الله -:

– ( نَشَأَ) أي: نما وتربى.

– ( بعبادة الله ) أي: لا في معصية، فجوزي بظل العرش؛ لدوام حراسة نفسه عن مخالفة ربه. ” تحفة الأحوذي ” ( 7 / 58 ).

ويدل على هذا التأويل: أثر سلمان رضي الله عنه موقوفًا عليه وهو بمعنى حديث أبي هريرة، وقد رواه سعيد بن منصور في ” سننه ” – كما قال ابن حجر – وفيه ( ورجلٌ أفنى شبابه ونشاطه في عبادة الله ) والحديث حسَّنه الحافظ ابن حجر في ” فتح الباري ” ( 2 / 144 ).

  1. أن معناه: من كانت حسناته وطاعاته في شبابه أكثر من سيئات وذنوب من نشأ على غير طاعة ثم عبَد ربَّه آخر عمره.

* قال أبو الوليد الباجي – رحمه الله -:

( وشاب نشأ في عبادة الله تعالى ) يحتمل – والله أعلم – أن يريد به: أقل ذنوبًا وأكثر حسنات ممن نشأ في غير عبادة الله عز وجل ثم عبَده في آخر عمره وفي شيخوخته. ” المنتقى شرح الموطأ ” ( 7 / 273 ).

رابعًا:

ونقول لك – أخيرًا -: إذا كان فاتك هذا الفضل فلم تنشأ على طاعة الله تعالى: فإنك لا تزال شابًّا فأر ربَّك من نفسك خير ما عندك من قدرات تصرفها في طاعته وعبادته، ثم إن في الحديث نفسه أمورًا تستطيع أن تكون من أهلها فيظلك الرب تعالى تحت عرشه يوم القيامة، فكن ممن يتعلق قلبه بالمساجد، وكن من المتصدقين بالسر، وكن من الذاكرين الله تعالى في الخلوة فتفيض عينك بالبكاء، وجِد لك أخًا تجتمع معه على المحبة في الله.

واحذر – أخي – من كيد الشيطان أن يصدك عن هذه الطاعات والأفعال الجليلة لأجل أنك لم تنشأ في شبابك على الطاعة، وكثير مما ذكرناه لك قد يصدق عليك بفعله لمرَّة واحدة، فاحرص على الخير لنفسك، ولا تترد في أن تبلي شبابك فيما يحب ربك تعالى منك.

ونرجو منك التأمل في الكلام الآتي للشيخ العثيمين رحمه الله فهو منطبق على حالك .

* سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

هناك شباب يعودون إلى الله في سن الخامسة والعشرين وفي سن الرابعة والعشرين، يعني: يكون أثناء البلوغ في ضياع، ويكون قد عصى الله سبحانه وتعالى وقد يكون تاركًا للصلاة، فبعد هذا السن يرجع إلى الله سبحانه وتعالى ويكون من عباد الله سبحانه وتعالى، هل يكون داخلًا في السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وهو الشاب الذي نشأ في طاعة الله؟.

فأجاب:

السن عندهم درجات، سن الشباب، وسن الكهولة، وسن الشيخوخة، وسن الهرم، فيرجع إلى هذا، فالذي في الخامسة والعشرين لا يزال في الشباب، ولكن مع ذلك لو فرض أنه لم يستقم إلا بعد الثلاثين: فإن الله تعالى يقول في كتابه: ( وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا. يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا . إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ) الفرقان/ 68 – 70، فهؤلاء الذين تابوا بعد أن كبروا وعملوا عملًا صالحًا يبدِّل الله سيئاتهم حسنات، ويكتب لهم إن شاء الله ما يكتب لغيرهم، وإذا قدِّر أنه لم يكن شابًّا: فقد فاتته خصلة من الخصال التي يستحق بها أن يظله الله عز وجل فلا تفته الخصال الأخرى . ” لقاء الباب المفتوح ” ( 5 / السؤال رقم 25 ).

 

نسأل الله تعالى أن يوفقك لما يحب ويرضى، وأن يجعلك من العاملين لدينه، وأن يظلك تحت ظل عرشه.

 

والله أعلم.

 

 

المسعف وطبيب الطوارئ وتحمل المسئولية عن موت المصاب في حادث

المسعف وطبيب الطوارئ وتحمل المسئولية عن موت المصاب في حادث

السؤال:

أنا مسعف، أعمل بالقطاع الصحي، طُلب مني مباشرة حالة ( حادث سيارة )، وكان المُصاب ملقى على الأرض؟ عندما حضرت للمصاب – لست متأكداً بالضبط هل كان لديه نبض أو لا – نقلته على سيارة الإسعاف، وقمت بإجراء الإسعافات اللازمة له – الإنعاشات القلبية والتنفسية – وذلك بعد ما تأكدت داخل السيارة أن النبض غير موجود.

ولما وصلت للمستشفى سلمت المصاب لقسم الطوارئ، وضعوه في غرفة الإنعاش، سألني أحد الدكاترة المتواجدين ( هل كان لديه نبض أثناء نقلك المصاب من موقع الحادث ) فأجبته بـ ” لا ” غير شعورية، وأنا لست متأكدًا من ذلك هل كان لديه نبض أو لا، كان الوقت للمستشفى من الموقع ما يقارب نصف ساعة، وكنت وقتها أقوم على الإنعاش، وكنت صائمًا ومنهكًا جدًّا من جراء الجهد الذي بذلته أثناء الوصول للمستشفى، فما قلت هذه الكلمة حتى أزالوا من المصاب الأجهزة، وأعلنوا وفاته.

أحس بتأنيب الضمير الآن، لو قلت نعم: كانوا استمرو بعملية الإنعاش له، وقد تكون سبباً بعد الله سبحانه برجوع المصاب للحياة، أعيش في دوامة الآن, وتفكير, علماً بأن الحادثة مضى عليها أكثر من سنتين.

ما المترتب عليَّ عمله الآن؟ وهل عليَّ كفارة؟ وكيف أتخلص من التفكير بالموضوع؟ علمًا أنه أصبح هاجسًا يؤرقني في كل حين وفي كل حالة إسعافية أقوم بها.

أرجو الرد في أسرع وقت ممكن، وجزاكم الله خيرًا.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

بسؤالنا بعض الأطباء عن حالتك تبين لنا أنه لا شيء عليك من الناحية الفنية، وأن دور المسعف يكون في منطقة الكارثة يقدِّم ما يستطيعه من علاج للمصابين، وينتهي بتسليم هؤلاء المصابين لطبيب الطوارئ.

وعمل طبيب الطوارئ يبتدئ منذ أن يستلم المصاب، وليس له أن يبني على قول المسعف مسائل خطرة، فقد لا يكون المسعف أصلاً موجودًا، وعلى الطبيب التصرف بما يستطيعه تجاه المصابين مع قطع النظر عن شهادة المسعف والتي قد تكون ناقصة أو مخطئة.

وإزالة أجهزة الإنعاش عن المريض ليست تُبنى على شهادة مسعف بل على تقدير الطبيب المختص باستنفاذ الوقت اللازم لوضع المريض تحت أجهزة الإنعاش.

ولا يخلو المريض المصاب من كونه وصل إلى المستشفى حيًّا أو ميتًا، فإن وصل حيًّا: فلا تُرفع أجهزة الإنعاش إلا بتقرير من ثلاثة من الأطباء المختصين، وإن وصل ميِّتًا: فلا حاجة أصلا لأجهزة الإنعاش.

وبه يتبين أنه لا علاقة للمسعف بشهادته في فحص نبض المصاب؛ لأن العبرة بحال وصوله، وفحص المريض لدى وصوله من مهمة أطباء الطوارئ وطواقمهم، فهم الذين سيضعونه تحت أجهزتهم، فإن تبين لهم أنه ميت : فلا تهم شهادة المسعف بوجود نبض أثناء الكشف عليه في مكان الحادث أم لا يوجد نبض، وإن تبين لهم أنه حي: فلا تهم شهادة المسعف كذلك؛ لأنه إن قال لا يوجد نبض فقد تبين خلاف كلامه، وإن قال يوجد نبض فقد تأكدت شهادته.

والذي رأيناه في شهادتك في السؤال أنك مضطرب في الجزم بوجود النبض ففي مرة قلت إنك لستَ متأكدًا من وجوده، وثانية قلت إنك متأكد من عدم وجوده، وثالثة كالأول ! وكل ذلك لا يهم طالما أنك ذكرتَ أنك ” قمتَ بإجراء الإسعافات اللازمة له – الإنعاشات القلبية والتنفسية – ” فهذا هو المهم، وهو عملك المناط بك، وأما شهادتك عند الطبيب فلا قيمة لها؛ لأنه لا ينبغي للطبيب أن يبني عليها.

وعليه: فلا يظهر أنك عليك – أخي السائل – شيء تجاه ما حصل مع المريض المصاب، فلا داعي للقلق ولا للحزن، ونسأل الله أن يرحم ذلك الميت إن كان من المسلمين.

ولا نستطيع الحكم على المسألة من جهة الطبيب إلا أن نستمع منه عما جرى معه.

ونوصيك بإتقان عملك، وأن تتقي الله في المرضى والمصابين، وأن تكون جادًّا جازماً في شهادتك.

 

ثانيًا:

وننبهك – أخي السائل – إلى أنه يجوز لك الإفطار – بل قد يجب عليك – إن كنتَ لا تستطيع تأدية عملك على وجهه الصحيح بما فيه إنقاذ نفوسٍ معصومة إلا بالفطر، فلك أن تفطر، بل قد يجب عليك، فتأكل أو تشرب بقدر ما يرجع إليك نشاطك لتؤدي عملك، ولا يلزمك الإمساك بقية اليوم، وعليك قضاء اليوم الذي أفطرت فيه.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

ومن الأعذار أيضًا: أن يحتاج الإنسان إلى الفطر لإنقاذ معصوم من هلكة، مثل أن يجد غريقاً في البحر، أو شخصًا بين أماكن محيطة به فيها نار، فيحتاج في إنقاذه إلى الفطر: فله حينئذ أن يفطر وينقذه، ….

فإذا وجد السبب المبيح للفطر وأفطر الإنسان به: فإنه لا يلزمه الإمساك بقية ذلك اليوم، فإذا قُدِّر أن شخصًا قد أفطر لإنقاذ معصوم من هلكة: فإنه يستمر مفطرًا ولو بعد إنقاذه؛ لأنه أفطر بسبب يبيح له الفطر، فلا يلزمه الإمساك حينئذ؛ لكون حرمة ذلك اليوم قد زالت بالسبب المبيح للفطر.

” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 19 / 109 ).

 

* وقال – رحمه الله -:

في معنى ذلك من أفطر لإنقاذ غريق أو حريق ممن يجب إنقاذه فإنه يفطر ويقضي، مثلًا: رأيت النار تلتهم بيتًا وفيه أناس مسلمون، ولا يمكن أن تقوم بالواجب  بواجب الإنقاذ إلا إذا أفطرت وشربت لتتقوى على إنقاذ هؤلاء: فإنه يجوز لك بل يجب عليك في هذه الحال أن تفطر لإنقاذهم، ومثله هؤلاء الذين يشتغلون بالإطفاء، فإنهم إذا حصل حريق في النهار وذهبوا لإنقاذه، ولم يتمكنوا منه إلا بأن يفطروا ويتناولوا ما تقوى به أبدانهم: فإنهم يفطرون ويتناولون ما تقوى به أبدانهم.

” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 19 / 163 ).

 

والله أعلم.

 

 

 

أنواع الوحي وصوره، وأثرها على النبي، ورد على ادعاء إصابته بالصرع

أنواع الوحي وصوره، وأثرها على النبي، ورد على ادعاء إصابته بالصرع

السؤال:

المناصرون للمسيحية يقولون: إن النبي محمدًا صلى الله عليه وسلم كان يهدر مثل الجمل، ويحنق عند فمه، ويتمدد على الأرض عندما يأتيه الوحي، فهل هذا صحيح؟ وهم يقولون أيضا – كما قال أحمد بن حنبل – ( كان النبي يتوجع ويعض على شفتيه ويغلق عينيه، وفي بعض الأوقات كان يهدر مثل الجمل ) – أحمد بن حنبل 1، 34، 464، الفصل 163 ) -.

ولكن الأمر الخطير أنهم يقولون: إن محمدًا كان به صرع!.

فهل يمكنكم أن تردوا على هذا الأمر بسرعة؟ فأنا بحاجة إلى إجابتكم.

جزاكم الله خيرًا.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

إن مزاعم الكذبة والمفترين على ديننا وعلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لا تنتهي، فمنذ أن بُعث النبي صلى الله عليه وسلم للناس بدأت الحرب على النبي صلى الله عليه وسلم فاتُّهم بأنه ساحر، وأنه مجنون، وليس هذا ببدع في الاتهامات، فقد نال إخوانه الرسول من قبل مثل هذا، ولم يتواصى المتِّهمون بهذه الاتهامات بل كان ذلك بسبب طغيانهم، قال تعالى ( كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ. أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ ) الذاريات/ 52 ، 53.

 

ثانيًا:

تعددت طرق الوحي التي كان يوحي بها الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، ومنها:

  1. تكليم الله تعالى مباشرة من وراء حجاب، يقظة كما حصل ليلة المعراج، ومنامًا كما في حديث حديث ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: أَتَانِي رَبِّي فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ – أي: في المنام – فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَبِّ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى؟ قُلْتُ: رَبِّ لَا أَدْرِي … ) رواه الترمذي ( 3234 )، وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي “.
  2. النفث في الرُّوع.

وهو ما يقذفه الله في قلب الموحَى إليه مما أراد الله تعالى، وهو داخل في ” الوحي ” المذكور في قوله تعالى ( وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ) الشورى/ 51.

وقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِنَّ رُوحَ القُدُسِ نَفَثَ في رُوعي أَنّه لَنْ تَمُوتَ نَفْسٌ حَتَّى تَسْتكْمِلَ رِزْقَهَا فَاتَّقُوا اللهَ وَأَجْمِلُوا في الطَّلَبِ وَلاَ يَحْمِلَنّكُمُ اسْتِبْطَاءُ الرِّزْقِ عَلَى أَن تَطْلُبُوهُ بِمَعْصِيَةِ اللهِ فَإِنَّ مَا عِنْدَ اللهِ لاَ يُنَالُ إِلاَّ بِطَاعَتِهِ ). رواه الحاكم في ” المستدرك ” ( 2 / 4 ) من حديث أبي أمامة، وصححه الألباني في ” صحيح الجامع ” ( 2085 ).

قال المناوي – رحمه الله -:

( في رُوعِي ) بضم الراء، أي: ألقى الوحي في خلَدي وبالي، أو في نفسي، أو قلبي، أو عقلي، من غير أن أسمعه ولا أراه. ” فيض القدير ” ( 2 / 571 ).

  1. الرؤيا الصادقة.

عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: ” أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ فَكَانَ لا يَرَى رُؤْيَا إِلا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ. رواه البخاري.

وقال عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ – وهو من كبار التابعين -: ” رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ ثُمَّ قَرَأَ (إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ ) “. رواه البخاري ( 138 ).

  1. عن طريق جبريل عليه السلام، وكان يأتيه على صور، منها:

أ. أن يأتيه على صورته الحقيقية التي خلقه الله عليها.

عن مسروق أنه سأل عائشة رضي الله عنها عن قوله تعالى ( وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ ) التكوير/ 23 وقوله ( وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى ) النجم/ 13، 14: فَقَالَتْ: أَنَا أَوَّلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ ( إِنَّمَا هُوَ جِبْرِيلُ لَمْ أَرَهُ عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا غَيْرَ هَاتَيْنِ الْمَرَّتَيْنِ رَأَيْتُهُ مُنْهَبِطًا مِنْ السَّمَاءِ سَادًّا عِظَمُ خَلْقِهِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ). رواه مسلم ( 177 ).

ب. أن يأتيه في مثل صلصلة الجرس.

عن عائشة رضي الله عنها: أن الحارث بن هشام رضي الله عنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يَأْتِيكَ الْوَحْيُ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أَحْيَانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ فَيُفْصَمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْهُ مَا قَالَ ). رواه البخاري ( 2 ) ومسلم ( 2333 ).

قال البغوي – رحمه الله -:

قوله ( يأتيني في مثل صلصلة الجرس ) فالصلصلة: صوت الحديد إذا حرك، قال أبو سليمان الخطابي: يريد – والله أعلم – أنه صوت متدارِك يسمعه ولا يثبته عند أول ما يقرع سمعه حتى يتفهم، ويستثبت، فيتلقفه حينئذٍ ويعيه، ولذلك قال: وهو أشده عليَّ.  ” شرح السنَّة ” ( 13 / 322 ).

 

 

وقال أبو العباس القرطبي – رحمه الله -:

وقوله ( وهو أشده عليَّ ) إنما كان أشد عليه لسماعه صوت الملك الذي هو غير معتاد، وربما كان شاهَدَ الملَك على صورته التي خُلق عليها، كما أخبر بذلك عن نفسه في غير هذا الموضع، وكان يشتد عليه أيضًا؛ لأنه كان يريد أن يحفظه ويفهمه مع كونه صوتا متتابعا مزعجًا، ولذلك كان يتغير لونه، ويتفصد عرقه، ويعتريه مثل حال المحموم، ولولا أن الله تعالى قواه على ذلك، ومكَّنه منه بقدرته: لما استطاع شيئا من ذلك، ولهلك عند مشافهة الملك؛ إذ ليس في قوى البشر المعتادة تحتل ذلك بوجه.

” المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم ” ( 6 / 172 ).

وقال المباركفوري – رحمه الله -:

( وهو أشده علي ) أي: هذا القسم من الوحي أشد أقسامه على فهم المقصود؛ لأن الفهم من كلام مثل الصلصلة أشكل من الفهم من كلام الرجل بالتخاطب المعهود، وفائدة هذه الشدة: ما يترتب على المشقة من زيادة الزلفى ورفع الدرجات.

” تحفة الأحوذي ” ( 10 / 79 ).

ج. أن يتمثل له رجلًا، قد يُرى من الصحابة، كما في حديث جبريل المشهور، وقد تمثل للنبي صلى الله عليه وسلم بصورة الرجل الغريب، فسأله عن الإيمان والإسلام والإحسان.

وقد لا يُرى منهم، كما جاء عن عائشة رضي الله عنها: أن الحارث بن هشام رضي الله عنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يَأْتِيكَ الْوَحْيُ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( … وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِي الْمَلَكُ رَجُلا فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي مَا يَقُولُ ). رواه البخاري ( 2 ) ومسلم ( 2333 ).

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعاني من التنزيل عليه بالوحي، ويظهر ذلك بالعرق الذي كان يسيل من جبهته وجبينه في اليوم الشديد البرد، إلا أن بعض صور الوحي كانت عليه يسيرة كتشكل جبريل بصورة رجل، إلا أن أشدَّها عليه صلى الله عليه وسلم كانت مجيئ الوحي على مثل صلصلة الجرس – كما سيأتي -.

وكانت تحصل مع النبي صلى الله عليه وسلم بنزول الوحي عليه أحوال، يراها ويسمعها ويشعر بها من حوله من أصحابه رضي الله عنهم، وفي بعضها معاناة شديدة، ومن ذلك:

  1. أنهم كانوا يسمعون عند وجهه دويّاً كدويّ النحل.

عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال: “كان النبى صلى الله عليه وسلم إذا أنزل عليه الوحي سمع عند وجهه كدوي النحل “. رواه الترمذي ( 3173 ).

ويمكن أن يكون صوت دوي النحل باعتبار ما يسمعه من حول النبي صلى الله عليه وسلم، وأما هو صلى الله عليه وسلم فيسمعه كصلصلة الجرس.

 

قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

فدوي النحل لا يعارض صلصلة الجرس؛ لأن سماع الدوي بالنسبة إلى الحاضرين – كما في حديث عمر ” يُسمع عنده كدوي النحل ” – والصلصلة بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فشبهه عمر بدوي النحل بالنسبة إلى السامعين، وشبهه هو صلى الله عليه وسلم بصلصلة الجرس بالنسبة إلى مقامه. ” فتح الباري ” ( 1 / 19 ).

  1. أن جبينه وجبهته تفيضان بالعَرَق حتى في اليوم الشديد البرد.

قالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: ” وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ فِي الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْبَرْدِ فَيَفْصِمُ عَنْهُ وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا “. رواه البخاري ( 2 ) ومسلم ( 2333 ) ولفظه: ” ثُمَّ تَفِيضُ جَبْهَتُهُ عَرَقًا “.

– ( يفصم ): ينقطع.

– ( يتفصد ): يسيل.

قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

وفي قولها في اليوم الشديد البرد دلالة على كثرة معاناة التعب والكرب عند نزول الوحي لما فيه من مخالفة العادة وهو كثرة العرق في شدة البرد، فإنه يشعر بوجود أمر طارئ زائد على الطباع البشرية. ” فتح الباري ” ( 1 / 21 ).

وعن عائشة – في حديث البراءة من الإفك – قالت:

حَتَّى إِنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ مِنْهُ مِثْلُ الْجُمَانِ مِنَ الْعَرَقِ فِى الْيَوْمِ الشَّاتِ مِنْ ثِقَلِ الْقَوْلِ الَّذِى أُنْزِلَ عَلَيْهِ. رواه مسلم ( 2770 ).

– ( الجمان ) هو حب من فضة يعمل على شكل اللؤلؤ، وقد يسمى به اللؤلؤ.

  1. أنه يثقل وزنه صلى الله عليه وسلم جدًّا حتى إن البعير الذي يكون عليه يكاد يبرك، وحتى خشي زيد بن ثابت على فخذه أن ترضَّ وقد كانت فخذه رضي الله عنه تحت فخذ النبي صلى الله عليه وسلم.

عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: ” إِنْ كَانَ لَيُوحَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ فَتَضْرِبُ بِجِرَانِهَا “. رواه أحمد ( 41 / 362 ) وصححه المحققون. زاد البيهقي في ” دلائل النبوة ” ( 7 / 53 ) قولها ” مِن ثقل ما يوحي إلى رسول الله “.

الجِران: باطن عنق الناقة.

قال السندي – رحمه الله -:

قوله ( فَتَضْرِبُ بِجِرَانِهَا ) – بكسر الجيم -: باطن العنق، والبعير إذا استراح مدَّ عنقه على الأرض. حاشية ” مسند أحمد ” ( 41 / 362 ).

وعن زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ قال: ” … فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي فَثَقُلَتْ عَلَيَّ حَتَّى خِفْتُ أَنَّ تَرُضَّ فَخِذِي “. رواه البخاري ( 2677  ).

  1. وكان تصيبه الشدة.

وعن عائشة – في حديث البراءة من الإفك – قالت : فَوَاللَّهِ مَا رَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَجْلِسَهُ وَلاَ خَرَجَ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ أَحَدٌ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَخَذَهُ مَا كَانَ يَأْخُذُهُ مِنَ الْبُرَحَاءِ عِنْدَ الْوَحْيِ.

رواه مسلم ( 2770 ) .

قال بدر الدين العيني – رحمه الله – :

( البُرَحاء ) بضم الباء الموحدة وفتح الراء وبالحاء المهملة الممدودة ، وهو شدة الكرب ، وشدة الحمَّى أيضا.  ” عمدة القاري ” ( 1 / 43 ).

  1. وكان يتغير وجهه صلى الله عليه وسلم فيتربَّد ثم يحمرُّ.

عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: ” كَانَ نَبِىُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْىُ كُرِبَ لِذَلِكَ وَتَرَبَّدَ وَجْهُهُ “. رواه مسلم ( 2334 ).

قال النووي – رحمه الله -:

( وتربَّد وجهُه ) أي: علته غبرة، والربد تغير البياض إلى السواد، وإنما حصل له ذلك لعظم موقع الوحي، قال الله تعالى ( إنا سنلقي عليك قولا ثقيلًا ).

” شرح مسلم ” ( 11 / 190 ).

وفي ( 15 / 89 ) قال:

ومعنى تربد أي تغير وصار كلون الرماد.

انتهى.

وقد وصف الصحابي الجليل يعلى بن أمية وجه النبي صلى الله عليه وسلم عند نزول الوحي عليه بقوله ” فَإِذَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مُحْمَرُّ الْوَجْهِ يَغِطُّ سَاعَةً ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ فَقَالَ ( أَيْنَ الَّذِي سَأَلَنِي عَنْ الْعُمْرَةِ آنِفًا )، كما رواه رواه البخاري ( 1463 ) ومسلم ( 1180 ).

وقد جمع بينهما النووي رحمه الله فقال:

وجوابه: أنها حمرة كدرة، وهذا معنى ” التربد “، أو: أنه في أوله يتربد ثم يحمر، أو بالعكس. ” شرح مسلم ” ( 15 / 89 ).

  1. وكان صلى الله عليه وسلم ينكس رأسه، ويغطيه بثوب.

عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: ” كَانَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْىُ نَكَسَ رَأْسَهُ وَنَكَسَ أَصْحَابُهُ رُءُوسَهُمْ فَلَمَّا أُتْلِىَ عَنْهُ رَفَعَ رَأْسَهُ ).

رواه مسلم ( 2335 ).

أتلى: ارتفع عنه الوحى

وعن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: ” … وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ اشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَعَرَفْنَا ذَلِكَ فِيهِ فَتَنَحَّى مُنْتَبِذًا خَلْفَنَا قَالَ فَجَعَلَ يُغَطِّي رَأْسَهُ بِثَوْبِهِ وَيَشْتَدُّ ذَلِكَ عَلَيْهِ حَتَّى عَرَفْنَا أَنَّهُ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ فَأَتَانَا فَأَخْبَرَنَا أَنَّهُ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ ( إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ). رواه أحمد ( 7 / 426، 427 ) وحسنه المحققون.

  1. كان صلى الله عليه وسلم يحرِّك لسانه بسرعة وشدة ليحفظ عن جبريل حتى نهاه الله عن ذلك وطمأنه أنه سيجمع القرآن له في صدره.

عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ( لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ) قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَالِجُ مِنْ التَّنْزِيلِ شِدَّةً، وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ بِهِ شَفَتَيْهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ( لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ) قَالَ: جَمْعُهُ لَه فِي صَدْرِكَ وَتَقْرَأَهُ ( فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ) قَالَ: فَاسْتَمِعْ لَهُ وَأَنْصِتْ (ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ تَقْرَأَهُ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ اسْتَمَعَ، فَإِذَا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ قَرَأَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا قَرَأَهُ. رواه البخاري ( 5 ) ومسلم ( 448 ).

ورواه مسلم ( 447 ) بلفظ: ” يُحَرِّكُ بِهِ لِسَانَهُ وَشَفَتَيْهِ فَيَشْتَدُّ عَلَيْهِ فَكَانَ ذَلِكَ يُعْرَفُ مِنْهُ “.

قال ابن الجوزي – رحمه الله -:

تفسير هذا أنه كان يحرك شفتيه بما قد سمعه من جبريل قبل إتمام جبريل الوحي مخافة أن يذهب عنه جبريل وما حفظ فقيل له ( لا تحرك به ) أي القرآن ( لسانك لتعجل به ) أي بأخذه ( إن علينا جمعه وقرآنه ) أي علينا جمعه وضمه في صدرك ( فإذا قرأناه ) أي إذا فرغ جبريل من قراءته ( فاتبع قرآنه ) قال ابن عباس فاستمع وأنصت. ” كشف المشكل من حديث الصحيحين ” ( 1 / 528 ).

  1. وكان يُسمع له غطيط كغطيط البَكر، وهو الفتي من الإبل.

عن يعلى بن أمية رضى الله عنه قال: ” وددت أنى قد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أنزل عليه الوحي فقال عمر: تعال، أيسرك أن تنظر إلى النبى صلى الله عليه وسلم وقد أنزل الله عليه الوحي؟ قلت: نعم ، فرفع طرف الثوب، فنظرت إليه له غطيط، وأحسبه قال: كغطيط البَكر.

رواه البخاري ( 1789 ) ومسلم ( 1180 ).

 

ثالثًا:

وكل ما أصاب النبيَّ صلى الله عليه وسلم من كربٍ وشدَّة لا شك أنه بسبب ثقل الوحي الذي أخبره الله تعالى به قبل إنزاله عليه، وقد هيَّأه تعالى لذلك التلقي.

 

 

قال أبو شامة المقدسي – رحمه الله -:

وهذا العرق الذي كان يغشاه صلى الله عليه وسلم كما في هذا الحديث، واحمرار الوجه، والغطيط، المذكوران في حديث يعلى بن أمية، وثقله على الراحلة، وعلى فخذ زيد بن ثابت كما ورد في حديثين آخرين: إنما كانت لثقل الوحي عليه كما أخبره سبحانه في ابتداء أمره بقوله ( إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا )، وذلك لضعف القوة البشرية عن تحمل مثل ذلك الوارد العظيم من ذلك الجناب الجليل، وللوجل من توقع تقصير فيما يخاطب به من قول أو فعل.

قال ابن إسحاق: ” وللنبوة أثقال ومؤنة لا يحملهما ولا يستطيع لها إلا أهل القوة والعزم من الرسل بعون الله عز وجل “.

” شرح الحديث المقتفى في مبعث النبي المصطفى ” ( ص 73، 74 ).

 

رابعًا:

ولم يثبت فيما وقفنا عليه من أحاديث أنه كان صلى الله عليه وسلم: يحنق عند فمه، ولا أنه يتمدد على الأرض عندما يأتيه الوحي، ولا أنه كان يعض على شفتيه، ولا أنه يغلق عينيه.

ويمكن لمن شاء أن يقول ما يشاء، لكن ليس يستطيع أن يثبت ما يقول إلا القليل، وها نحن أوردنا جميع ما وقفنا عليه من حالٍ للنبي صلى الله عليه وسلم حين نزول الوحي عليه، ولم يمنعنا ما فيها من أشياء يمكن لحاقد أن يستدل بها على الطعن في نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ولا التفات إلا لسؤال مستفسر، أو نقد عالم، أو تعقب منصف، وأما الحاقدون والحاسدون والمفترون فلا ننشغل بهم.

وبخصوص قول الصحابي إنه كان يُسمع للنبي صلى الله عليه وسلم غطيط كغطيط البَكر: فلنا معه وقفات:

  1. أن الواصف لهذا الصوت هو محب للنبي صلى الله عليه وسلم، وليس بمبغض له، ولو كان فيه إساءة له صلى الله عليه وسلم فما يحمله على إخبار الأرض به؟!.
  2. أن التشبيه بالإبل في أصواتها وهيئاتها وبروكها وتحملها وحقدها وغير ذلك: أمرٌ معروف عند العرب قديماً وحديثًا، وليس فيه ما يعيب؛ لأن المقصود ضرب المثل، وتقريب الصورة، وأكثر ما يرونه ويعروفونه هو الإبل، فكان التشبيه بها، ومن ذلك مما ورد في الشرع:

أ. عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ( صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلاَتٌ مَائِلاَتٌ رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ لاَ يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلاَ يَجِدْنَ رِيحَهَا وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا ). رواه مسلم ( 2128 ).

والبُخت: هي الإبل، فشبَّه رفع النساء لشعورهن بسنام الإبل.

ب. عن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ وَأَسْمَعُ مَا لَا تَسْمَعُونَ، أَطَّتْ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ، مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا وَمَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِدًا لِلَّهِ ). رواه الترمذي ( 2312 ) وابن ماجه (4190 )، وحسَّنه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

قال المناوي – رحمه الله -:

( أّطَّت السَّمَاءُ ) بفتح الهمزة وشد الطاء: صاحت وأنَّت وصوَّتت من ثقل ما عليها من ازدحام الملائكة وكثرة الساجدين فيها منهم، من الأطيط، وهو صوت الرَّحْل والإبل من حمل أثقالها … .

وهذا على طريق الاستعارة بالكناية، شبَّه السماء بذي صوت من الإبل المقتوبة فأطلق المشبه وهو السماء وأراد المشبه به وهو الإبل، ثم ذكر شيئا من لوازم الإبل والأقتاب وهو الصوت المعبر عنه بقوله ( أَطَّت السماء ).

” فيض القدير ” ( 1 / 685 ).

والأمثلة على ما قلناه كثيرة، ومنه ما في الحديث الذي هو موضع النقد عند أعداء الدين، فالصحابي الجليل شبَّه الغطيط الذي خرج من النبي صلى الله عليه وسلم أثناء نزول الوحي الثقيل عليه بغطيط الفتي من الإبل، وليس في ذلك أدنى نقصٍ ولإلا لما فعل ذلك، ولاستغله أعداء الدين المتقدمين، لكن لما كان أولئك أهل عربية ويفهمون ما يسمعون لم ينكروا تلك العبارة حتى جاء أعاجم هذا الزمان وأنكروها وما ذاك إلا من فساد طويتهم ومن جهلهم بلغة العرب الرائعة.

 

خامسًا:

وأما اتهام النبي صلى الله عليه وسلم بأنه كان يصيبه الصرع، وأنه ليس ثمة وحي من الله إنما هي أعراض مرض الصرع: فكلام ساقط، يغني نقله عن نقده، لكن لا مانع أن نبين للناس فساده لأجل أن يعلموا أن أولئك القوم إنما يسوِّقون الأكاذيب لنشر دينهم، وليس عندهم في دينهم ما يدعو الناس للدخول فيه، إنما هي الوثنية، والأكاذيب، واستغلال حاجة الناس وفقرهم، وقد ساءهم أن الدين الإسلامي برغم كل المؤامرات عليه من أهله ومن أعدائه لا يزال هو الدين الأسرع والأكثر انتشاراً في الأرض.

ومما يبين فساد ادعائهم أن النبي صلى الله عليه وسلم مصاب بداء الصرع وأن ما كان يعانيه من الشدة والأحوال التي ذكرناه سابقًا لبيست بسبب الوحي من الله، أمور كثيرة، منها:

  1. أن الصرع كان معروفًا عند العرب، وكانوا يميزون المصروعين من غيرهم، فلو رأوا آثار الصرع عليه صلى الله عليه وسلم لما وفَّروا تلك التهمة.
  2. بل إن الذين كانوا يبتلون بداء الصرع – بل بعموم الأمراض حتى لو كان مرض العمى – كانوا يأتون للنبي صلى الله عليه وسلم ليدعوَ الله لهم أن يشفيهم من مرضهم ذاك، فكيف لا يدعو لنفسه ويدعو للآخرين وهو يعلم من نفسه منزلته عند ربِّه وأن دعاءه مظنة الاستجابة؟.

ومما يدل على كلا المسألتين السابقتين:

عن عَطَاء بْنِ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاس: أَلَا أُرِيكَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: هَذِهِ الْمَرْأَةُ السَّوْدَاءُ أَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: إِنِّي أُصْرَعُ وَإِنِّي أَتَكَشَّفُ فَادْعُ اللَّهَ لِي قَالَ ( إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الْجَنَّةُ وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَكِ ) قَالَتْ: أَصْبِرُ، قَالَتْ: فَإِنِّي أَتَكَشَّفُ فَادْعُ اللَّهَ أَنْ لَا أَتَكَشَّفَ، فَدَعَا لَهَا.

رواه البخاري ( 5328 ) ومسلم ( 2576 ).

  1. ومن علامات كذب أولئك القوم من المستشرقين وأتباعهم على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أنهم ربطوا كذبهم عليه بإصابته بمرض الصرع بوقت النبوة! فأين كان هذا المرض قبل ذلك لو كانوا صادقين؟!.
  2. ثم إننا تعمدنا ذِكر أنواع الوحي وطرقه لنبين للناس كذبهم ودجلهم؛ فإن كان النبي صلى الله عليه وسلم يعاني من شدة الوحي في بعض الصور فالأمر ليس كذلك في بعضها الآخر، فماذا هم قائلون عن تلك الصور الأخرى كانفث في الروع والرؤيا ومجيء جبريل بصور رجل من البشر؟!.
  3. وقد تعمدنا ذِكر الأحوال التي يكون عليها النبي صلى الله عليه وسلم حين نزول الوحي عليه في صوره المشهورة لنبين للناس – أيضًا – نفي تلك التهمة الساذجة الممجوجة عنه، فثمة علامات للمصاب بمرض الصرع وجدنا عكسها في حال النبي صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك:

أ. أنه قد ثبت أن بدنه صلى الله عليه وسلم يثقل حين نزول الوحي، وأن زيد بن ثابت خشي على فخذه أن ترضَّ من ثقل فخذ النبي صلى الله عليه وسلم حين نزل عليه الوحي، وأن الدابة من الإبل تكاد تبرك من ثقل بدنه صلى الله عليه وسلم، والطب الحديث يبين أن المصاب بالصرع يخف وزنه حين يُصرع!.

ب. أن المريض بالصرع يبرد جسمه أثناء الصرع، وواقع النبي صلى الله عليه وسلم عكس ذلك فقد كان يصاب بالبَرُحاء، وكان يعرق شديدًا حتى في اليوم الشديد البرد!.

ج. أن المصروع يتخبط ويتمايل ويُلقى على الأرض وينمدد ولا يملك نفسه، وواقع النبي صلى الله عليه وسلم على العكس من ذلك، فهو ثابت القلب، قوي البدن، وهو إما يكون قائمًا على منبره، أو جالسًا على دابته، أو بين أصحابه، ويبقى هكذا حين نزول الوحي عليه لا يميل يمينًا ولا شمالًا، ولا يُلقى على الأرض ولا يتمدد، وليس يظهر عليه أي أثر من أولئك المصابين بالصرع، والأدلة السابقة خير شاهد على هذا.

وها هو دليل آخر أخَّرناه لمناسبة وضعه هنا:

عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ خَرَجَتْ سَوْدَةُ بَعْدَمَا ضُرِبَ الْحِجَابُ لِحَاجَتِهَا وَكَانَتْ امْرَأَةً جَسِيمَةً لَا تَخْفَى عَلَى مَنْ يَعْرِفُهَا فَرَآهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ يَا سَوْدَةُ أَمَا وَاللَّهِ مَا تَخْفَيْنَ عَلَيْنَا فَانْظُرِي كَيْفَ تَخْرُجِينَ قَالَتْ فَانْكَفَأَتْ رَاجِعَةً وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِي وَإِنَّهُ لَيَتَعَشَّى وَفِي يَدِهِ عَرْقٌ فَدَخَلَتْ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي خَرَجْتُ لِبَعْضِ حَاجَتِي فَقَالَ لِي عُمَرُ كَذَا وَكَذَا قَالَتْ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ ثُمَّ رُفِعَ عَنْهُ وَإِنَّ الْعَرْقَ فِي يَدِهِ مَا وَضَعَهُ فَقَالَ ( إِنَّهُ قَدْ أُذِنَ لَكُنَّ أَنْ تَخْرُجْنَ لِحَاجَتِكُنَّ ).

رواه البخاري ( 4517 ) ومسلم ( 2170 ).

– ( عَرْق ): هو العظم الذي أخذ عنه أكثر اللحم.

قال ابن كثير – رحمه الله -:

فدلَّ هذا على أنه لم يكن الوحى يغيِّب عنه إحساسه بالكلية، بدليل أنه جالس ولم يسقط العَرْق أيضا من يده صلوات الله وسلامه دائمًا عليه.

” السيرة النبوية ” ( 1 / 423 ).

ولعلَّ هذا الحديث وحده كافٍ لأن يكون سببًا في إصابة أولئك المفترين بالصرع!.

د. المصروع لا يذكر ما حصل معه أثناء صرعه، وواقع النبي صلى الله عليه وسلم على العكس من ذلك، فهو يأتي بما يسمعه على أتم وجه، ويسأل عن الذي كان الوحي السبب في نزوله، كما سأل عن صاحب الجبَّة في العمرة، كما في حديث يعلى بن أمية، وغيره من المواضع.

هـ. المصروع يأتي بالهذيان والكلام الذي لا معنى له أثناء صرعه، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يأتي بالحكَم الجليلة والمواعظ الحسنة والأحكام العظيمة، فأين هذا من ذاك؟!.

و. والمصروع يحتاج بعد نوبة صرعه إلى فترة راحة؛ لشدة ما عاناه من تعب وألم، وواقع النبي صلى الله عليه وسلم على العكس من ذلك، فبعد انتهاء مهمة الوحي يسرَّى عنه، ويكون على حاله الذي كان عليه من قبل في قوة بدنه وعظمة فكره.

ز. والمصروع يسقط ما يكون قابضاً عليه في يده، وواقع النبي صلى الله عليه وسلم بخلاف ذلك، وسيأتي بعد قليل الدليل على ذلك.

ح. والمصروع يحزن على حاله ويتأسف عليها بل وكثيرون انتحروا أو حاولوا الانتحار بسبب إصابتهم بذلك المرض، وواقع النبي صلى الله عليه وسلم على العكس من هذا؛ فإنه لما انقطع عنه الوحي لفترة ” حزن حزناً شديدًا ” ! فأين هذا من ذاك؟!.

ك. والمصاب بالصرع يصفر وجهه، وواقع النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يتغير بالحمرة، والمصالب بالصرع يصيح صيحات عالية، وليس هذا واقع النبي صلى الله عليه وسلم، وكثيرًا ما يُغمى على المصروع، وليس هذا واقعه صلى الله عليه وسلم، ويؤذي المصروع نفسه بجرحها أو تقريب بدنه من نار، ولم يكن شيء من هذا في واقع النبي صلى الله عليه وسلم، والمصروع يعض لسانه ويمتزج لعابه بالدم، وليس هذا واقع النبي صلى الله عليه وسلم، وكل ما يُذكر في آثار الصرع على المصابين به لا تجده عند نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ولا شيئًا يسيرًا منه.فتبين بذلك كذبهم وافتراؤهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والويل لهم مما يصفون.

قال الشيخ عمر الأشقر – حفظه الله -:

من المزاعم التي يدَّعيها المكذبون بالرسل أن ما كان يصيب الرسول صلى الله عليه وسلم إنّما هو نوع من الصرع، أو اتصال من الشياطين به، وكذبوا في دعواهم، فالأمران مختلفان، فالذي يصيبه الصرع يصفرُّ لونه، ويخفُّ وزنه، ويفقد اتزانه، وكذلك الذي يصيبه الشيطان، وقد يتكلم الشيطان على لسانه، ويخاطب الحاضرين، وعندما يفيق من غيبوبته لا يدري ولا يذكر شيئًا ممّا خاطب به الشيطان الحاضرين على لسانه، أمّا الرسول صلى الله عليه وسلم فإن اتصال الملك به نماء في جسده، وإشراق في وجهه، ثمّ إن الجالسين لا يسمعون كلامًا، إنما يسمعون دويًا كدويّ النحل عند وجهه، ويقوم الرسول صلى الله عليه وسلم بعد ذلك وقد وعى كلّ ما أخبر به الملك، فيكون هو الذي يخبر أصحابه بما أوحي إليه.

” الرسل والرسالات ” ( ص 65 ، 66 ).

  1. كان المشركون في جاهليتهم يأتمنون النبي صلى الله عليه وسلم على أغراضهم، وبقي الأمر على ذلك حتى بعد أن دعاهم إلى الإسلام، وقد أوصى بإرجاعها قبل أن يهاجر إلى المدينة، أفيمكن أن يكون مصابًا بذلك المرض ثم يأتمنه أهله وأقرباؤه وجيرانه؟! إنهم أعلم به من هؤلاء المستشرقين الكذبة، ولو كان ما افتروه عليه صحيحًا لكان للكفار شأن آخر معه فيما يختص بأغراضهم التي ائتمنوه عليها.
  2. وكيف يقود هذا المصاب بالصرع – حاشاه – أمة كاملة، ويقود الجيوش، ويحارب الكفار، ويراسل الملوك، ويصلح بين الناس؟! وفي ظننا أنكم تتمنون الصرع لحكامكم ومفكريكم وقادتكم العسكريين إن كان ذلك الصرع كان معه كل تلك الإنجازات العظيمة والقيادة الفذَّة.
  3. ونختم بذكر شهادات مضادة لأولئك الكذبة من المستشرقين، ليست شهادات من أئمة الإسلام وعلماء، بل هي شهادات لنصارى! وسنذكر واحدة لتاريخي! وأخرى لمستشرق!.

أ. قال ” ول ديورانت “: ولم يكن المحيطون بالنبي في هذه الأوقات يرون جبريل أو يسمعونه، وقد يكون ارتجافه ناشئًا من نوبات صرع فقد كان يصحبه في بعض الأحيان صوت وصفه بأنه يشبه صلصلة الجرس، وتلك حال كثيرًا ما تحدث مع هذه النوبات، ولكننا لا نسمع أنه عض من خلالها لسانه، أو حدث ارتخاء في عضلاته كما يحدث عادة في نوبات الصرع, وليس في تاريخ محمَّد ما يدل على انحطاط قوة العقل التي يؤدي إليها الصرع عادة، بل نراه على العكس يزداد ذهنه صفاء، ويزداد قدرة على التفكير وثقة بالنفس وقوة بالجسم والروح والزعامة كلما تقدمت به السن حتى بلغ الستين من العمر.

وقصارى القول: أنا لا نجد دليلًا قاطعًا على أن ما كان يحدث للنبي كان من قبيل الصرع، ومهما يكن ذلك الدليل: فإنه لا يقنع أي مسلم متمسك بدينه.

” قصة الحضارة ” ( ص 4456 ).

http://www.civilizationstory.com/civilization/

ب. ويقول المستشرق الألماني ” ماكس مايرهوف “:

لقد أراد بعضهم أن يَرى في محمَّد رجلًا مصابًا بمرض عصبي، ولكن تاريخ حياته من أوله إلى آخره ليس فيه شيء يدل على هذا، كما أن ما جاء به فيما بعدُ من أمور التشريع والإدارة يناقض هذا القول “.

بواسطة ” آراء المستشرقين حول القرآن وتفسيره ” ( 1 / 403 ) للدكتور عمر بن إبراهيم رضوان، وفيه نقض لتلك الشبهة، وثمة خطأ في اسمه عنده فقد جاء عنده ” مايرهسوف “.

هذا ما تيسر ذِكره لنقض تلك المفتريات على نبي الأمَّة صلى الله عليه وسلم، وإننا لنزداد قناعة كل مرة نشهد كذب المفترين عليه أنهم أهل أهواء وضلالة، ونزداد حبًّا وتعظيمًا لذلك النبي الكريم، وكل كذب وافتراء عليه يكشف لنا جوانب خفية عنه تُعلم بالبحث والدراسة، وهذا من العجائب أن تزيدنا تلك الشبهات والافتراءات قناعة بصحة ديننا وعظمة نبينا صلى الله عليه وسلم، وتزيدنا قناعة بإفلاس أولئك الخصوم، فلا دين عندهم ولادنيا! بل خرافات وضلالات مع جهل وكذب وافتراء.

ونسأل الله تعالى أن يهدي ضالَّ المسلمين، وأن يعلي قدر نبيه في الدارين، وأن يتوفنا على الإيمان.

 

والله أعلم.

 

 

 

يعيشون في بلاد الكفر ولا يعرفون من الإسلام إلا اسمه ما حكمهم وكيف نتعامل معهم؟

يعيشون في بلاد الكفر ولا يعرفون من الإسلام إلا اسمه ما حكمهم وكيف نتعامل معهم؟

السؤال:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن والاه، وبعد:

أخي العزيز:

نواجه مشكلة هنا في ” بلغاريا “، إذ أني أسكن مع أناس هم في الأصل أتراك، ويقولون بأننا مسلمون وذلك لأننا ” تُرك “، ولأننا نقوم بالختان، ولأن أسماءنا ” أحمد “، و ” محمد “، وهم في حقيقة الأمر لا يعرفون من الإسلام إلا اسمه، ومن القرآن إلا رسمه.

والمشكلة هم قد يستمعون إلى المصلين الذين في المنطقة ذلك أنه يوجد في المكان جامع منذ 10 سنوات وهو على منهج السلف – والحمد لله – ويدعو إلى التوحيد وإلى ” لا اله إلا الله “، المهم: هم قد يستمعون – أقول قد – ولكنهم لا يؤمنون لأنهم قد تربوا على الإلحاد؛ بحكم الدولة الشيوعية سابقًا، فضلا عن أنهم يلمزون بالمصلين وبأنهم كانوا كذا وكذا قبل إسلامهم ( وذلك لأنهم في جاهليتهم كانوا يأكلون الخنزير ويشربون الخمر ويزنون بل ويفعلون أكثر الموبقات ) فهم يركزون على ماضيهم ولا ينظرون إلى حاضرهم، وكل هذا من أجل أن لا يصلوا وأن لا يدخلوا في الإيمان ( طبعا هذا كلام عموم إذ بالتأكيد يوجد من لا يقول هذا لا سيما وان عددهم 10000 عشرة آلاف تركيّا ).

المشكلة أين الآن:

  1. تتعلق بما يذبحه هؤلاء، إذ إننا نقول: إننا لا نأكل ممن لا يصلِّي لأنه سيكون غير مسلم ومع هذا هم لا يكترثون لكلامنا ويذبحون ويأكلون، فهل يمكننا أن نعدهم مسلمين – علما أنهم حتى لا إله إلا الله لا يقولونها – وعليه: فهل نأكل ذبائحهم ونعذرهم بجهلهم؟ ( ولكن وسائل رفع الجهل موجودة وهم لا يسعون إليها وأيسرها الجامع، فضلا عن الكتب والمواقع الإسلامية التي باللغة التركية وأخص منها ما تنشره ” مكتبة الغرباء ” لصاحبها فضيلة الشيخ عبد الله الأثري صاحب كتاب ” الوجيز في عقيدة السلف الصالح ” ).
  2. بالنسبة لموتاهم أنعاملهم معاملة المسلمين فنغسلهم ونكفنهم ونصلي عليهم وندفنهم في مقابرنا أم نتجنب ذلك؟ ( علماً أنه كثيرًا ما تحدث مشاكل بسبب هذا الأمر ولكن إمام المسجد والمصلين يواجهون الأمر ولا يعدونهم مسلمين فلا يصلون عليهم، وقد اعتاد التُّرك على هذا الأمر فصاروا هم يتولون الأمر ولكن طبعا بعد مشاكل يسيرة).
  3. هل يجوز الذهاب إلى أماكن عزائهم – علما أن فيها من البدع الكفرية ما الله به عليم – وذلك لنذكرهم بالله ونعلمهم لا إله إلا الله وندعوهم؟ ( يذهب بعض الإخوة لتعليمهم ولكن لا نرى استجابة قط فيصبح الذهاب فقط من باب العرف عندهم ويستغلون هذا الأمر ).

هناك مسائل أخرى أكتفي بهذا القدر منها الآن، وبانتظار جوابكم بالتفصيل والتأصيل لأني سأنقل الفتوى لهم ولا بد أن تكون مؤصلة تأصيلًا علميًّا مُحكَما؛ لأن هناك بعض طلاب العلم المتشددين الذين لا يرون إلا التكفير، فأي جواب غير مؤصل لن يقبل به فأرجو التركيز على هذه النقطة أخي الحبيب وبارك الله فيك.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

إخوانكم من ” بلغاريا “.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نشكر لكم ثقتكم بنا، ونشكر لكم غيرتكم، واستقامتكم، والتزامكم بهدي النبي صلى الله عليه وسلم، ونسأل الله أن يثبتكم على دينه، وأن يرزقكم العلم النافع والعمل الصالح.

 

ثانيًا:

يجب أن يُعلم أن الإسلام ليس هو ادعاء يدعيه الإنسان، وليس كونه وُلد من أبوين مسلمين يجعله هذا مسلمًا – إن كان بالغًا – بل يجب عليه أن يترجم ذلك إلى واقع عملي، وما يفعله بعض المسلمين وخاصة ممن يعيشون في دول الكفر والإلحاد يجعلنا نؤكد على هذا، فتصبح عندهم بعض شعائر الدين مجرد تقليد وعادة، كالختان، وتسمية الأولاد بأسماء شبه عربية! والاحتفال ببعض المناسبات الدينية أو المنسوبة للدين، بينما تجد واقعه كفرًا وإلحادًا كمن يبني كنيسة للنصارى ويشاركهم في أعيادهم الدينية، أو يشارك البوذيين في معابدهم، وتجدهم لا يصلون، ولا يصومون، عدا عن فعل الموبقات والكبائر الأخرى كشرب الخمر، وأكل لحم الخنزير، والمهم في هذا أنك تجد منهم نقضًا للإسلام المدعى بألسنتهم من واقعهم العملي أو الاعتقادي – كعدم تكفير اليهود والنصارى والتشكك في قواطع الإسلام الثابتة – ومن تأمل حال كثير من المسلمين بالاسم في بلاد الكفر سيتأكد له صدق قولنا هذا، وأنه موجود لا يُنكره إلا جاهل أو جاهد.

 

 

فمثل هؤلاء الذين يأتون بعقائد أو أعمال تخرجهم من الإسلام لا ينفعهم أن تكون أسماؤهم عربية أو إسلامية، ولا ينفعهم ختانهم، ولا احتفالهم بالعيد، بل ولا ينفعهم نطقهم بالشهادتين؛ لأنها ستكون مجرد كلمة خاوية من معناها فارغة من مضمونها ومتخلفة شروطها، ومن هنا تجد في كلام بعض الفقهاء والعلماء في الحكم على من ارتكب ناقضًا من نواقض الإسلام التنصيص على ” ولو قال لا إله إلا الله ” ومعنى ذلك أنها ليست نافعته قولًا إن جاء بما ينقضها قولًا أو أعتقادًا أو عملًا.

 

ثانيًا:

وليُعلم أن الفقهاء يختلفون في حكم ترك أركان الإسلام – غير الشهادتين – وهي داخلة في مسائل الفقه العملي، لكنهم لا يختلفون في حكم من عاش دهره كله لا يأتي بشيء منها؛ فإنها تصير – والحالة هذه – مسألة اعتقاد، ولا يكون هذا إلا من منافق أو زنديق.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

ومِن الممتنع أن يكون الرجل مؤمنًا إيمانًا ثابتًا في قلبه بأن الله فرض عليه الصلاة والزكاة والصيام والحج، ويعيش دهره لا يسجد لله سجدة، ولا يصوم من رمضان، ولا يؤدي لله زكاة، ولا يحج إلى بيته، فهذا ممتنع، ولا يصدر هذا إلا مع نفاق في القلب وزندقة، لا مع إيمان صحيح. ” مجموع الفتاوى ” ( 7 / 611 ).

وبما ذكرناه نفهم معنى قول الحسن البصري رحمه الله – وينسبه بعضهم للنبي صلى الله عليه وسلم ولا يصح عنه -: ” ليس الإيمان بالتحلِّي ولا بالتمنِّي ولكنه ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال “، فالإسلام ليس كلمة يقولها صاحبها ليكون من المسلمين، وليس هو زينة يتزين بها في مجالس الناس، بل لا بد مع القول من اعتقاد صحيح وعمل بمقتضى الشهادتين، وإلا كان رُدَّ عليه ادعاؤه.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – شارحًا كلام الحسن البصري -:

وقوله: ” ليس الإيمان بالتمنِّي ” يعني: الكلام، وقوله: ” بالتحلِّي ” يعني: أن يصير حلية ظاهرة له فيظهره من غير حقيقة من قلبه.

ومعناه: ليس هو ما يظهر من القول ولا من الحلية الظاهرة، ولكن ما وقر في القلب وصدقته الأعمال، فالعمل يصدِّق أن في القلب إيمانًا، وإذا لم يكن عمل: كذَّب أن في قلبه إيمانًا؛ لأن ما في القلب مستلزم للعمل الظاهر، وانتفاء اللازم يدل على انتفاء الملزوم.  ” مجموع الفتاوى ” ( 7 / 294 ).

 

 

 

فهذا نذير لكل من يزعم الإسلام بقوله وليس ثمة اعتقاد في قلبه صحيح، وليس له واقع عملي يصدِّق به اعتقاده أن ينقذ نفسه قبل فوات الأوان، وأن يعيد الحساب مع نفسه ليعرف على أي طريق هو سائر وأين سيصل به هذا الطريق، ولعلَّ كل هذا أن يكون من شؤم إقامة هؤلاء بين أظهر الكفار وخاصة الملحدين منهم، ونسأل الله أن يهديهم للإسلام الصحيح، وأن يعجل هجرتهم من تلك الديار.

 

ثالثًا:

وإذا عُلم ما سبق: فإن من تذكرون أحوالهم وتسألون عن أحكامهم على قسمين:

الأول: قوم يصلون ويتركون بعض فرائض الإسلام ويتهاونون فيرتكبون معاصٍ وآثامًا، ولا يأتون بنواقض للإسلام، فهؤلاء مسلمون تؤكل ذبائحهم لإن سمُّوا الله عليها، ويصلَّى عليهم صلاة الجنازة، ويُعزَّى بهم، ويدفنون في مقابر المسلمين.

والثاني: من سبق ذِكر حالهم ممن لا يعرفون من الإسلام إلا اسمه، ولا يصلون، أو يأتون بنواقض للإسلام، فهؤلاء لا يجوز لكم أكل ذبائحهم ولو سمُّوا الله عليها، ولا الصلاة عليهم، ولا دفنهم في مقابر المسلمين.

وقد بينّا في أجوبةٍ متعدّدة أن تارك الصلاة كافر كفرًا أكبر، وأنّه لا تؤكل ذبيحته، وأنّ الواجب أن يُخصص للمسلمين مقابر، ولا يدفن فيها غيرهم.

وأما حضور مجالس عزاء من مات من القسم الثاني:

فنرى أن حكمها يختلف عما سبق من المنع والتحريم إن كان ذهابكم بقصد الدعوة وتذكير المجتمِعين بالله تعالى والإسلام والموت والحساب والجنة والنار، فاجتماع طائفة من أولئك وغيرهم فرصة للدعاة لتبليغ دين الله تعالى لهم، وتذكيرهم باليوم الآخر وما يحصل فيه، وليس قصد الذهاب ذات التعزية وإنما اغتنام الاجتماع لتبليغ رسالة الله تعالى.

 

رابعًا:

وننبه في آخر المطاف:

  1. أنه لا يجوز لآحادكم أن يحكم على المخالف له بالكفر والردَّة، بل اجعلوا ذلك منوطًا بأهل العلم منكم وطلاب العلم الأقوياء، فهم الأقدر على فهم ما نقلناه لكم من أقوال وأحكام، وهم الأعلم فيمن يستحق تنزيل الأحكام عليه من عدمه.
  2. أن بعض أولئك قد يكون له حكم ” أهل الفترة ” فواجب عليهم التفقه والتبصر في الإسلام، وواجب عليكم دعوتهم إلى الإسلام، فقد ينجو أولئك يوم القيامة بالاختبار وتعاقبون أنتم على تقصيركم في دعوتهم.

 

 

سئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

يوجد كثير من المسلمين خاصة في الدول التي كانت فيها الشيوعية, وهؤلاء كما ذكر عدد ممن زارهم لا يعرفون من الإسلام إلا اسمه وقد يصلي بعضهم الظهر خمس ركعات, أو لا يدري أن من بين فرائض الإسلام صوم أو حج, فما حكم هؤلاء, وكيف يحاسبون؟.

فأجاب:

الواجب على أهل العلم والدعاة إلى الله سبحانه أن يعلِّموهم ويرشدوهم; لقول الله عزوجل ( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) النحل/ 125، وقوله سبحانه ( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا } فصلت/ 33 الآية، وقول النبي صلى الله عليه وسلم ( من دل على خير فله مثل أجر فاعله ) – رواه مسلم -.

والواجب عليهم أن يتعلموا ويتفقهوا في الدين, وأن يسألوا أهل العلم, كما قال الله سبحانه ( فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ) النحل/ 43، وبذلك تحصل لهم البصيرة والفقه في الإسلام إن شاء الله, نسأل الله أن يفقههم في الدين, وأن ييسر لهم دعاة الهدى، إنه جواد كريم.

أما لو ماتوا على حالهم لم تبلغهم الدعوة: فهم كغيرهم من أهل الفترة أمرهم إلى الله سبحانه, وقد صحت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن لم تبلغهم الدعوة أنهم يمتحنون يوم القيامة, فمن نجح دخل الجنة ومن لم ينجح دخل النار, نسأل الله لنا ولهم ولجميع المسلمين التوفيق لما يرضيه والسلامة من أسباب غضبه إنه سميع قريب.  ” فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 9 / 444 ).

 

والله أعلم.