الرئيسية بلوق الصفحة 231

خسر أموالًا في التجارة وسافر وعليه ديون, فكيف يتصرف؟

السؤال:

بسم الله الرحمن الرحيم. والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله وخاتم النبيين, وبعد:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

مشكلتي هي أنني كنت أقيم في دولة عربية, ودخلت في شراكة مع أحد مواطني هذه الدولة, وسلمني مبلغ ( 31000 ريال ) لكي أتاجر في بيع وشراء السيارات، منه رأس المال, ومني أن أشتري وأبيع, والربح مناصفة بيننا، كانت الأمور على ما يرام في بادئ الأمر، ولكن تضاءل البيع بصورة كبيرة جدًّا, وبدأت أصرف من رأس المال, ولم أتوقف عن شراء السيارات بغية تعويض ما قد صرف من رأس المال، ولا أخفي أنني صرفت جزءًا كبيرًا من رأس المال في مفسدة وفي معصية الله سبحانه وتعالى علوًّا كبيرًا، وآخر ما في الأمر بعت جزء من السيارات بخسارة  ( 11000 ريالًا ) ، هذا والله على ما أقول شهيد، وهاجرت إلى دولة أوربية منذ سنتين وعملي لا يكفيني مصاريفي الخاصة.

ماذا أفعل والرجل في انتظار أن أسدد له، وهناك أيضًا مبلغ ( 12000 ريالا ) دين علي من بعض الأصدقاء من بلدي ممن يقيمون معي في هذه الدولة وهم يعرفون حقيقة الظروف الصعبة التي مررت بها.

أفيدوني جزاكم الله خيرًا، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

 

الجواب:

الحمد لله

الواجب عليك – أخي – التوبة إلى الله تعالى؛ وذلك بسبب تفريطك في الأمانة، وتعديك على أموال الناس بالباطل، وكذا بسبب المعصية التي ذكرتَ في سؤالك، ومن شروط التوبة الصادقة: الإخلاص، والندم والعزم على عدم العود إلى هذه المعصية.

هذا، ولْتعلم أن حقوق الناس لا يكفي فيها ما ذكرناه من شروط التوبة حتى تُرجع الحقوق إلى أهلها.

* قال القرطبي:

قال العلماء: الذنب الذي تكون منه التوبة لا يخلو إما أن يكون حقًّا لله أو للآدميين …, فإن كان الذنب من مظالم العباد: فلا تصح التوبة منه إلا بردِّه إلى صاحبه والخروج عنه – عيناً كان أو غيره – إن كان قادراً عليه، فإن لم يكن قادرًا: فالعزم أن يؤديه إذا قدر في أعجل وقت وأسرعه, … ولا يصر العبد على الذنب, … والإصرار هو العزم بالقلب على الأمر وترك الإقلاع عنه، ومنه صر الدنانير أي: الربط عليها؛ وقال قتادة: الإصرار: الثبوت على المعاصي.

” تفسير القرطبي ” ( 18 / 199 ، 200 ).

وقد وقع منك تفريط في حفظ الأمانة، وخيانة لها بعد ذلك، وفي ذلك من الوعيد ما يجب عليك أن تقف عليه وينبغي لنا أن نحذرك من مغبة الاستمرار عليه.

عن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” أربع من كنَّ فيه كان منافقًا خالصًا, ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدَّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر “.

رواه البخاري ( 34 ) ومسلم ( 58 ).

ونرجو أن لا تكون نيتك منذ بداية العمل أن تأخذ المال لنفسك، وإلا فأنت معرَّض لوعيد شديد آخر، ونبشرك أنك إن لم تكن كذلك: فإن الله سيسهل لك أمرك ويفرج عنك كربك، ويفتح عليك لتؤدي ديْنك، أو يؤدي عنك في الآخرة.

عن أبي هريرة – رضي الله عنه – عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدَّى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله “. رواه البخاري ( 2257 ).

* قال الحافظ ابن حجر:

إذا نوى الوفاء مما سيفتحه الله عليه: فقد نطق الحديث بأن الله يؤدي عنه إما بأن يفتح عليه في الدنيا, وإما بأن يتكفل عنه في الآخرة, فلم يتعين التقييد بالقدرة في الحديث …

قوله: ” أتلفه الله ” ظاهره أن الإتلاف يقع له في الدنيا، وذلك في معاشه أو في نفسه، وهو علَم من أعلام النبوة؛ لما نراه بالمشاهدة ممن يتعاطى شيئًا من الأمرين, وقيل: المراد بالإتلاف عذاب الآخرة, قال ابن بطال: فيه الحض على ترك استئكال أموال الناس, والترغيب في حسن التأدية إليهم عند المداينة, وأن الجزاء قد يكون من جنس العمل …

وفيه: الترغيب في تحسين النية, والترهيب من ضد ذلك, وأن مدار الأعمال عليها. ” فتح الباري ” ( 5 / 54 ).

فالذي ننصحك به الآن أن تنوي بصدق أداء ما عليك من مال تجاه أصحاب الحقوق، وأن تكتب بعد صدق النية لأهل الحقوق تعتذر لهم عن تقصيرك وتأخرك، وتعدهم بالسداد، وأن تعمل قدر استطاعتك أعمالاً مشروعة مباحة، وأبشر بفتح من الله وإعانة.

 

والله الموفق.

هل تقبل التوبة إذا لم يُقم الحد على الشخص؟

السؤال:

أنا عندي سؤال محيرني وأفكر فيه، إذا أقدم شخص متزوج أو غير متزوج على الفواحش والكبائر من سرقة وغيبة وربًا وغيره ودام عليها وقتًا طويلًا, ثم عرف الله وتاب لله توبة نصوحة خالصة لوجه الله تعالى واستسمح الذين اغتابهم ورد الذي سرق وتخلص من الربا والذي بينه وبين الله من زنا وشرب وتقصير في صلاة تاب منه ولم يعد إليه ولكنه لم يُحدَّ, فهل الله تعالى يقبل توبته ويقبل عبادته مهما كثرت ذنوبه؟ أو يمكن أن لا يقبل الله توبته وتكون عبادته مردودة؟ وهل الله ينجيه من عذاب القبر ومن دخول النار؟ وماذا عليه أن يعمل ليتلافى العذاب ويرضي الله سبحانه وتعالى؟ وجزاك الله خيرًا.

 

الجواب:

الحمد لله

نحمد الله تعالى أن وفقك للتوبة والرجوع إليه، ونسأله عز وجل أن يثبتك على الهداية، وأن يزيدك علمًا وهدًى وتوفيقًا.

واعلم – أخي – أنه لا يجوز للمسلم أن يستعظم ذنبه الذي تاب منه؛ لأن رحمة الله وعفوه ومغفرته أعظم من ذنوبه.

وما كان من ذنوبك متعلقًا بالعباد فالواجب عليك إرجاع الحقوق إلى أصحابها، وما كان بينك وبين ربك تعالى يكفيك التوبة والاستغفار والندم والعزم على الرجوع إلى تلك الذنوب، وليس من شرط التوبة منها أو من بعضها أن يقام الحد على التائب منها، فالستر بستر الله تعالى منها، وتحقيق التوبة الصادقة خير من الاعتراف لإقامة الحد عليها، ونحن نرى أن أحسنت في توبتك بالاستغفار والندم وإرجاع الحقوق إلى أهلها، فلا يأتينك الشيطان من قبَل توبتك ليفسدها عليك، واعلم أن الله تعالى يبدل سيئاتك حسنات إذا أعقبتَ توبتك بالعمل الصالح، وقد ذكر الله تعالى ذلك في التوبة من أكبر الذنوب وهي الشرك والقتل والزنا، فقال تعالى: ( والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثامًا . يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً . إلا من تاب وآمن وعمل عملًا صالحًا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورًا رحيمًا . ومن تاب وعمل صالحًا فإنه يتوب إلى الله متابًا ) [ الفرقان / الآية 68 – 71 ] .

والحدود التي لم تبلغ السلطان هي التي يجب إقامتها، وأما التي لم تبلغه: فإن الأفضل التوبة منها والاستتار بستر الله تعالى.

* قال علماء اللجنة الدائمة:

الحدود إذا بلغت الحاكم الشرعي وثبتت بالأدلة الكافية: وجب إقامتها، ولا تسقط بالتوبة بالإجماع، وقد جاءت الغامدية إلى النبي صلى الله عليه وسلم طالبة إقامة الحد عليها بعد أن تابت، وقال في حقها: ” لقد تابت توبة لو تابها أهل المدينة لوسعتهم “، ومع ذلك قد أقام عليها الحد الشرعي، وليس ذلك لغير السلطان.

أما إذا لم تبلغ العقوبة السلطان: فعلى العبد المسلم أن يستتر بستر الله، ويتوب إلى الله توبة صادقة، عسى الله أن يقبل منه.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 22 / 15 ).

وقالوا –  ردًّا على من رغب بإقامة الحد وشك في قبول التوبة من الزنا -:

إذا تاب الإنسان إلى ربه توبة صادقة خالصة: فإن الله سبحانه وتعالى قد وعد بأنه سيقبل توبة التائب، بل ويعوضه حسنات، وهذا من كرمه وجوده سبحانه وتعالى، قال تعالى: ( وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا . يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا . إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيمًا ) [ الفرقان / الآية 68 – 70 ] .

والتوبة من شروطها: الإقلاع عن الذنب، والندم على ما تقدم منه، والعزم على أن لا يعود إليه، وإن كان حق من حقوق الآدميين: فيطلب منهم المسامحة.

وقد ثبت عن عبادة بن الصامت – رضي الله عنه – في بيعة النساء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” … فمن وفَّى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب به فهو كفارة له، ومن أصاب منها شيئاً من ذلك فستره الله فهو إلى الله، إن شاء عذَّبه وإن شاء غفر له “، وقد حثَّ صلى الله عليه وسلم على التوبة الصادقة، وقال في قصة ماعز: ” هلا تركتموه لعله أن يتوب فيتوب الله عليه “، وروى مالك في ” الموطأ ” عن زيد بن أسلم وفيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” أيها الناس, قد آن لكم أن تنتهوا عن حدود الله، مَن أصاب من هذه القاذورات شيئاً فليستتر بستر الله، فإنه مَن يُبدِ لنا صفحته: نُقِم عليه كتاب الله “.

فعليك بالتوبة الصادقة، والمحافظة على الصلوات مع الجماعة، والإكثار من الحسنات.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 22 / 44 ، 45 ).

 

والله أعلم.

هل يجوز أن يقول القائل عبارة ” لكم تحياتي “؟

السؤال:

في نهاية الخطابات الرسمية بين الدوار الحكومية وبالأخص الخاتمة يذكر: (ولكم تحياتي) أو ( ولكم تحياتنا ) وكما هو معروف بأن التحيات لله وحده لا شريك له، فما رأيك بهذا؟.

 

الجواب:

الحمد لله

منع بعض أهل العلم هذه اللفظة – كما في ” معجم المناهي اللفظية ” للشيخ بكر أبو زيد ( ص 185 ) – لكن لم يظهر لنا أنها كذلك، بل الصواب جواز قولها دون حرج.

* سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين –  رحمه الله – عن هذه الألفاظ ” أرجوك “، “تحياتي”، و ” أنعم صباحًا “، و ” أنعم مساءً “؟.

فأجاب بقوله:

لا  بأس أن تقول لفلان ” أرجوك ” في شيء يستطيع أن يحقق رجاءك به.

وكذلك” تحياتي لك “، و ” لك منى التحية “، وما أشبه ذلك؛ لقوله تعالى: (وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها ) ، وكذلك ” أنعم صباحا ” و ” أنعم مساءً ” لا بأس به، ولكن بشرط ألا تتخذ بديلًا عن السلام الشرعي.

” المناهي اللفظية ” ( السؤال الثامن ).

وفي السؤال التاسع والعشرين سئل الشيخ – رحمه الله -: عن عبارة  لكم تحياتنا وعبارة أهدي لكم تحياتي؟.

فأجاب قائلًا:

عبارة ” لكم تحياتنا “، و ” أهدي لكم تحياتي ” ونحوهما من العبارات: لا بأس بها، قال الله تعالى: ( وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها ) [ النساء / من الآية 86 ].

والتحية من شخصٍ لآخر جائزة، وأما التحيَّات المطلقة العامة فهي لله، كما أن الحمد لله، والشكر لله، ومع هذا فيصح أن نقول: ” حمدتُ فلانًا على كذا ” و “شكرتُه على كذا “، قال الله تعالى: ( أن اشكُر لي ولوالديك ) [ لقمان / من الآية 14 ].

 

والله أعلم.

حكم كتابة ( ص ) و ( صلعم )، وهل يجوز كشف وجه المرأة من أجل طلب العلم؟.

السؤال:

لقد اطلعت على كافة موضوعات إباحة سفور المرأة عن وجهها ولكني لم أجد طلبي، فلقد سمعت ذات مرة من التلفاز قول أحدهم أنه يجوز للفتاة أو المرأة الكشف عن وجهها في سبيل طلب العلم – لا أذكر على أي مذهب -, وعندما قيل له عن الحديث في السيدة أسماء قال: إن الرسول ( ص ) قال: ” اختلاف فقهاء أمتي رحمة “, وخاصة أنني أستصعب نقلتي النوعية من السفور إلى الحجاب والجلباب، فدلني على الصواب لأتبعه.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

المشروع هو أن نكتب جملة ” صلى الله عليه وسلم “، ولا يجوز الاكتفاء باختصاراتها سواء المخلة مثل ” صلعم “, أو غير المخلة مثل ” ص “، ويمكن للكاتب أن يقولها بلسانه دون الحاجة لكتابتها, ولا لكتابة اختصاراتها.

قال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

” وبما أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم مشروعة في الصلوات في التشهد، ومشروعة في الخطب والأدعية والاستغفار، وبعد الأذان وعند دخول المسجد والخروج منه وعند ذكره وفي مواضع أخرى: فهي تتأكد عند كتابة اسمه في كتاب أو مؤلف أو رسالة أو مقال أو نحو ذلك لما تقدم من الأدلة.

والمشروع أن تكتب كاملةً تحقيقًا لما أمرنا الله تعالى به، وليتذكرها القارئ عند مروره عليها ولا ينبغي عند الكتابة الاقتصار في الصلاة على رسول الله على كلمة ( ص ) أو ( صلعم ) وما أشبهها من الرموز التي قد يستعملها بعض الكتبة والمؤلفين؛ لما في ذلك من مخالفة أمر الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز بقوله: (صلُّوا عليهِ وسلِّموا تسْليمًا ) [ الأحزاب / من الآية 56 ]، مع أنه لا يتم بها المقصود وتنعدم الأفضلية الموجودة في كتابة ( صلى الله عليه وسلم ) كاملة.

وقد لا ينتبه لها القارئ أو لا يفهم المراد بها، علمًا بأن الرمز لها قد كرهه أهل العلم وحذروا منه.

* فقد قال ابن الصلاح في كتابه علوم الحديث المعروف بمقدمة ابن الصلاح في النوع الخامس والعشرين من كتابه:

” الحديث وكيفية ضبط الكتاب وتقييده ” قال ما نصه: التاسع: أن يحافظ على كتابة الصلاة والتسليم على رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذكره، ولا يسأم من تكرير ذلك عند تكرره؛ فإن ذلك من أكبر الفوائد التي يتعجلها طلبة الحديث وكتبته، ومن أغفل ذلك فقد حرم حظًا عظيمًا. وقد رأينا لأهل ذلك منامات صالحة، وما يكتبه من ذلك فهو دعاء يثبته لا كلام يرويه, فلذلك لا يتقيد فيه بالرواية. ولا يقتصر فيه على ما في الأصل.

وهكذا الأمر في الثناء على الله سبحانه عند ذكر اسمه نحو عز وجل وتبارك وتعالى، وما ضاهى ذلك، إلى أن قال: ( ثم ليتجنب في إثباتها نقصين: أحدهما: أن يكتبها منقوصة صورة رامزاً إليها بحرفين أو نحو ذلك، والثاني: أن يكتبها منقوصة معنى بألا يكتب ( وسلم ).

وروي عن حمزة الكناني – رحمه الله تعالى – أنه كان يقول: ”  كنت أكتب الحديث، وكنت أكتب عند ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ولا أكتب ( وسلم ), فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقال لي: ما لك لا تتم الصلاة عليَّ؟ قال: فما كتبت بعد ذلك صلى الله عليه إلا كتبت ( وسلم ) … إلى أن قال ابن الصلاح: قلت: ويكره أيضًا الاقتصار على قوله: ( عليه  السلام ) “. والله أعلم.

– انتهى المقصود من كلامه – رحمه الله تعالى – ملخصا.

* وقال العلامة السخاوي – رحمه الله تعالى – في كتابه فتح المغيث شرح ألفية الحديث للعراقي ما نصه:

” واجتنب أيها الكاتب ( الرمز لها ) أي الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطك بأن تقتصر منها على حرفين ونحو ذلك فتكون منقوصة – صورة – كما يفعله ( الكتاني ) والجهلة من أبناء العجم غالبًا وعوام الطلبة، فيكتبون بدلًا من صلى الله عليه وسلم ( ص ) أو ( صم ) أو ( صلعم ), فذلك لما فيه من نقص الأجر لنقص الكتابة خلاف الأولى “.

* وقال السيوطي – رحمه الله تعالى – في كتابه تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي :

” ويكره الاقتصار على الصلاة أو التسليم هنا وفي كل موضع شرعت فيه الصلاة كما في شرح مسلم وغيره؛ لقوله تعالى: ( صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) إلى أن قال: ويكره الرمز إليهما في الكتابة بحرف أو حرفين كمن يكتب ( صلعم ) بلى يكتبهما بكمالها ” انتهى المقصود من كلامه – رحمه الله تعالى – ملخصًا.

هذا ووصيتي لكل مسلم وقارئ وكاتب أن يلتمس الأفضل ويبحث عما فيه زيادة أجره وثوابه ويبتعد عما يبطله أو ينقصه. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا جميعا لما فيه رضاه، إنه جواد كريم, وصلى الله وسلم على نبينا محمد, وعلى آله وصحبه. ” مجموع فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 2 / 397 – 399 ).

ثانيا:

أما حديث: ” اختلاف أمتي رحمة “: فهو حديث موضوع كما في ” الأسرار المرفوعة ” ( 506 )، و” تنزيه الشريعة ” ( 2 / 402 ).

* وقال الشيخ الألباني – عنه – كما في السلسلة الضعيفة والموضوعة                       حديث رقم: ( 11 ) –:

لا أصل له، ولقد جهد المحدثون في أن يقفوا له على سند فلم يوفقوا …

ونقل المناوي عن السبكي أنه قال: ” وليس بمعروف عن المحدِّثين، ولم أقف له على سند صحيح، ولا ضعيف، ولا موضوع، وأقرّه زكريا الأنصاري في تعليقه على ” تفسير البيضاوي ” ( ق 92 / 2 ). انتهى.

* وقال ابن حزم – عن هذا الحديث:

وهذا من أفسد قول يكون؛ لأنّه لو كان الاختلاف رحمة لكان الاتفاق سخطًا، وهذا ما لا يقوله مسلم؛ لأنّه ليس إلا اتفاق أو اختلاف، وليس إلا رحمة أو سخط، وأما الحديث المذكور فباطل مكذوب من توليد أهل الفسق لوجوه ضرورية – وساقها -. ” الإحكام في أصول الأحكام ” ( 5 / 61 ).

ثالثًا:

لا يجوز للمرأة أن تكشف وجهها أمام الرجال الأجانب، إلا إذا دعت لذلك ضرورة، كالطبيب المعالج إذا عدمت الطبيبة وبشرط عدم الخلوة، والخاطب للزواج، والشهادة أمام القضاء، ويقتصر فيما سبق على موضع الضرورة دون ما عداه.

وحجاب المرأة ونقابها ليس عائقاً أمام طلب العلم للمرأة، ولا يصح أن تُجعل منافرة ومضادة بين الستر والعلم، ولا بارك الله في علم لا يأتي إلا بمعصية وتهتك للمرأة، وها هي المرأة المتحجبة والمتسترة قد بلغت أعلى المنازل في العلم ونيل الشهادات دون أن تختلط بالرجال أو أن تكشف عن وجهها، وها نحن نرى كثيرًا من الفاشلات في العلم لا يضعن على أجسادهن إلا القليل من الملابس، فمتى كان التهتك يأتي بالعلم والحجاب يمنع منه؟!.

وقد أحسن الشاعر الاُزري بقوله:

ليس الحجاب بمانع تعليمها *  فالعلم لم يرفع على الأزياء

أولم يسع تعليمهن بغير أن * يملأن بالأعطاف عين الرأي

وهو يرد بذلك على المعرّي الذي يحارب تعلّم المرأة بقوله:

علموهن الغزل والنسج والرون * وخلّــوا كتـابـة وقــراءة

فصلاة الفتاة بالحمد والإخلاص * تغنـي عـن يـونس وبـراءة

* وعليه:

فلا نرى صواب قول من قال بجواز كشف الوجه للمرأة في طلب العلم الشرعي، فضلاً أن نرى صواب من قال بكشف ما هو أكثر من الوجه ولغير العلم الشرعي، وفي غير بيئة محافظة كالجامعات والمعاهد المختلطة، وكان ينبغي أن يُقال بالعكس – لو قيل – وهو أنه إذا فسدت البيئات وكثر أهل الشر وجب على المرأة أن يزداد سترها وحياؤها وبُعدها عن مواطن أولئك، لا أن تقترب منهم وتكشف عما يحبون رؤيته.

ونسأل الله تعالى أن يوفقكِ لما فيه رضاه، وأن يجزيكِ خير الجزاء على سؤالكِ واستفساركِ، وهو يدل على الحياء الذي ينبغي على المسلمات أن يتصفن به، ونوصيكِ بالابتعاد عن مواطن الريبة والاختلاط، ولكِ بشرى من النبي صلى الله عليه وسلم وهي قوله: ” من ترك شيئاً لله عوَّضه الله خيراً منه “، فاستعيني بالله تعالى واصبري، وقد تركت النساء المسلمات دينهن وأزواجهن وأوطانهن من أجل الدخول في الإسلام، فهذه النقلة من السفور إلى الحجاب لا شيء مقابل ما فعلتْه أولئك النسوة، وثقي أنك ستكونين موضع ثقة وتشجيع أخواتكِ الفاضلات المتسترات، وسيخففن عنكِ وطأة تلك النقلة، ولا تلتفتي إلى المعوقات من أهل الشر والفساد نساء ورجالاً، فهم لا يحبون لكِ الخير، ولا يتمنوْن لك السعادة والثواب.

 

والله أعلم.

هل يجوز الاحتفاظ بالطيور داخل القفص؟

السؤال:

هل يجوز الاحتفاظ بالطيور داخل القفص؟

 

الجواب:

الحمد لله

يجوز الاحتفاظ بطيور الزينة ومثيلاتها في أقفاص خاصة من أجل منظرها أو صوتها، بشرط تقديم الطعام والشراب لها.

وقد ثبت في الصحيحين – البخاري ( 5778 ) ومسلم ( 2150 ) – أنه كان لأخي أنس بن مالك لأمه يقال له ” أبو عمير “, كان له طائر, وكان اسمه ” النغير “, فأفلت الطائر وحزن عليه الصبي، فمازحه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ” يا أبا عمير ما فعل النغير “.

– والنغير: يسمِّيه أهل المدينة ” البلبل “.

– وقد استُدل بهذا الحديث على جواز حبس الطائر؛ لعدم إنكار النبي صلى الله عليه وسلم على أبي عمير.  انظر ” فتح الباري ” ( 10 / 548 ).

* وقد سئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

ما الحكم فيمن يجمع الطيور ويضعها في قفص؛ وذلك لكي يتسلى بها أولاده؟.

فأجاب:

لا حرج في ذلك إذا أعد لها ما يلزم من الطعام والشراب؛ لأن الأصل في مثل هذا الأمر الحل، ولا دليل على خلاف ذلك فيما نعلم، والله ولي التوفيق.

” فتاوى علماء البلد الحرام ” ( ص 1793 ).

* وقال علماء اللجنة الدائمة:

بيع طيور الزينة – مثل الببغاوات والطيور الملونة والبلابل – لأجل صوتها جائز؛ لأن النظر إليها وسماع أصواتها غرض مباح، ولم يأت نص من الشارع على تحريم بيعها أو اقتنائها، بل جاء ما يفيد جواز حبسها إذا قام بإطعامها وسقيها وعمل ما يلزمها، ومن ذلك ما رواه البخاري من حديث أنس قال: ” كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقًا، وكان لي أخ يقال له أبو عُمير قال: أحسبه فطيمًا وكان إذا جاء قال: ” يا أبا عُمير ما فعل النُغير؟ “, نغر كان يلعب به …الحديث، والنغر نوع من الطيور، قال الحافظ ابن حجر في شرحه ” فتح الباري ” في أثناء تعداده لما يستنبط من الفوائد من هذا الحديث: وفيه … جواز لعب الصغير بالطير، وجواز ترك الأبوين ولدهما الصغير يلعب بما أبيح اللعب به، وجواز إنفاق المال فيما يتلهى به الصغير من المباحات، وجواز إمساك الطير في القفص ونحوه، وقص جناح الطير إذ لا يخلو طير أبي عمير من واحد منهما، وأيهما كان الواقع التحق به الآخر في الحكم، وكذلك حديث أبي هريرة – رضي الله عنه -، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” دخلت امرأة النار في هرة حبستها لا هي أطعمتها وسقتها ولا هي تركتها تأكل في خشاش الأرض “, أخرجه البخاري في الصحيح، وإذا جاز هذا في الهرة جاز في العصافير ونحوها.

وذهب بعض أهل العلم إلى كراهة حبسها للتربية، وبعضهم منع ذلك، قالوا: لأن سماع أصواتها والتمتع برؤيتها ليس للمرء به حاجة، بل هو من البطر والأشر ورقيق العيش، وهو أيضاً سفه؛ لأنه يطرب بصوت حيوان صوته حنين إلى الطيران، وتأسف على التخلي في الفضاء، كما في كتاب ” الفروع وتصحيحه ” للمرداوي ( 4 / 9 ) ، و ” الإنصاف ” ( 4 / 275 ) .

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 13 / 38 – 40 ).

– وقد ورد الوعيد الشديد فيمن مسك حيواناً ولم يطعمه أو يسقيه حتى مات.

عن عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم قال: ” عُذِّبت امرأةٌ في هرة حبستها حتى ماتت جوعاً فدخلت فيها النار، قال: فقال: والله أعلم لا أنتِ    أطعمتِها ولا سقيتِها حين حبستها، ولا أنتِ أرسلتِها فأكلتْ من خشاش الأرض “. رواه البخاري ( 2236 ) ومسلم ( 2242 ).

 

والله أعلم.

لا يصلي ولا يصوم ويقيم مع عشيقته ويريد أن يتوب ويتزوجها؟

السؤال:

شخص مسلم فرنسي ولكنه لا يصلي ولا يصوم ويقيم مع عشيقته المسيحية, ويرغب في التوبة والصيام، ولكنه يتحجج بوجود هذه المرأة معه، هل يجوز له أن يتزوجها الآن مع العلم بأن غدًا هو أول أيام رمضان؟ وإذا جاز ذلك فكيف هو السبيل والإجراء الشرعي المتبع؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

ليعلم هذا الفرنسي وغيره أن ترك الصلاة كفر مخرج من الملَّة، والإسلام لا يرضى لأحد أتباعه أن لا يصلي ولا يصوم ويقيم مع عشيقته.

فالواجب عليكم أن تنصحوه وتبينوا له حقيقة الإسلام، وأنه استسلام لأحكام الشرع، والمسلم – وبخاصة من ترك دينه ودخل في الإسلام – ينبغي أن يكون قدوة للآخرين، وهو لا يمثل نفسه بل يمثل الإسلام الذي دخله والتزمه، فالواجب عليه ترك ما هو فيه من معاصي، والواجب عليه الالتزام بأحكام الشرع وبخاصة الصلاة والتي هي الفاصل بين الإسلام والكفر الأكبر.

ثانيًا:

وأعلموه أن الله غني عن الخلق، وهو الذي يوفقهم لأحسن الأعمال والأقوال والأخلاق، وهو يفرح بتوبة عبده، فيجب عليه المبادرة بالتوبة، وعدم تسويفها، أو تعليقها بحصول أشياء خشية أن يموت ولم يتب، فيلقى ربه بذنوبه ومعاصيه، وقد يلقاه بالكفر.

وبيِّنوا له أن الله تعالى يبدِّل السيئات حسنات، وأن الواجب عليه المبادرة فورًا لترك كل ما هو عليه مما يغضب الله تعالى من ترك الصلاة والصيام والإقامة مع عشيقته.

ثالثًا:

إذا تاب وأناب إلى الله: فليعلم أنه لا يجوز له الزواج من تلك العشيقة، لا لأنها نصرانية، بل لأنها ” زانية ” – على حسب وصفه وكلامه -، ومن شروط نكاح الكتابية – اليهودية والنصرانية – أن تكون محصنة، أي: عفيفة غير زانية ولا لها عشيق، قال الله تعالى: ( الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آَتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ ) [ النساء / من الآية 5 ] ، فاشترط الله تعالى لنكاحها أن تكون عفيفة، ولا يجوز لمسلم أن ينكح كتابية وهي ليست كذلك، بل لو كانت مسلمة لكنها زانية ما جاز لمسلم عفيف أن يتزوجها، قال تعالى: ( الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ) [ النور / الآية 3 ].

فإذا أراد أن يتزوجها فلا بد أن يكون ذلك بعد توبته ورجوعه للإسلام بأداء الصلاة، وبعد توبته من الزنى، ولا تحل له إلا بعد تركها للزنى، وبراءة رحمها.

وأما نحن فإن واجب النصيحة يحتم علينا أن ندله على خير ما نعلم مما يصلح دينه ودنياه، وهو أن يتوب إلى الله تعالى توبة صادقة، ويبادر إلى تركها دون تردد ولا تسويف، وأن يبحث عن غيرها من المسلمات المحصنات المؤمنات، فهو إن تاب إلى الله عز وجل أحوج ما يكون إلى من تفهم دينها وتقف بجانبه وتحثه على طاعة الرحمن بعد ذلك الضياع، وأما تلك المرأة فإنها لو تابت من الزنى فلن تكون عونًا له على طاعة الله عز وجل، ولن تكون أمينة على بيته وماله وعرضه، ولن تصلح لتربية أبنائه وبناته، فلا نريد له بهذه النصيحة إلا الخير، وليستعمل عقله قليلًا ويبتعد عن العاطفة ليعلم أن ما نقوله هو عين الصواب.

 

والله الموفق.

النهي عن ذكر محاسن امرأة أخرى عند زوجها

السؤال:

آسفة لأنّ سؤالي ليس عن الصيام ولكني في أمس الحاجة للإجابة وجزاكم الله خيرا، ولتعتبرها أخي المسلم صدقة.

من دواعي وأسباب استقرار وترابط العلاقات الأسرية التباسط والصراحة والتمازح بين الزوجين، إلا أن هناك نهي نبوي عن أن تذكر الزوجة لزوجها محاسن ومفاتن امرأة أخرى، والمطلوب: الحديث النبوي الذي ينهى عن هذا الخلق الذميم.

 

الجواب:

الحمد لله

عن عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه – قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ” لا تباشر المرأة المرأة فتنعتها لزوجها كأنه ينظر إليها “. رواه البخاري (4942).

* قال الحافظ ابن حجر:

قال القابسي: هذا أصل لمالك في سد الذرائع؛ فإن الحكمة في هذا النهي خشية أن يعجب الزوج الوصف المذكور فيفضي ذلك إلى تطليق الواصفة أو الافتتان بالموصوفة. ” فتح الباري ” ( 9 / 338 ).

والمباشرة بمعنى المخالطة والملامسة, وأصله من لمس البشرة البشرة, والبشرة ظاهر جلد الإنسان.

– ( لتنعتها ): وفي رواية البخاري فتنعتها أي فتصف نعومة بدنها ولينة جسدها.

– ( كأنما ينظر إليها ): فيتعلق قلبه بها ويقع بذلك فتنة، والمنهي في الحقيقة هو الوصف المذكور. ” عون المعبود ” ( 6 / 132 ).

 

والله أعلم.

يحب الإسلام ولا يستطيع ترك الموسيقى الكلاسيكية!

السؤال:

أنا إنسان مؤمن بوجود الله ومهما ابتعدت عن الله فإني أعود خاضعا له، ولكني أسمع الموسيقى الكلاسيكية وأرى أنها أفضل ما في حياتي، فهي لا تثير الشهوة، بل تساعدني على مراجعة نفسي وأخطائي، وإنني أشعر أن الإسلام دين متخلف عندما أسمع من يقولون إن جميع أنواع الموسيقى حرام.

فما هو رأيكم في إنسان يصلي ويصوم ويدعو غير المسلمين إلى الإسلام ولكنه يسمع الموسيقى الطاهرة الخالية من الخلاعة أو حتى صوت الإنسان؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

سعدنا بمقدمتك وما فيها من بيان بإيمانك بالله تعالى، وأنك مهما ابتعدت فإنك تعود له عز وجل خاضعًا، وهذه صفة تليق بالعقلاء الذين يخضعون لعظمة ربهم تبارك وتعالى، والذين يوقنون بضعفهم وعظيم حاجتهم لله تعالى لأن يوفقهم ويهديهم ويسدد خطاهم.

ثانيًا:

وآلمتنا بعض العبارات في سؤالك ما كنا نتمنى قراءتها من مثل هذا المؤمن العاقل، لكننا عندما نتأمل في كثرة الصادِّين عن طرق الخير، وكثرة المضلِّين والناشرين للفساد نجد أن مثل هذه الأمور تكون متوقعة، لكننا نطمئن أنها سرعان ما تزول وتضمحل.

ومما آلمنا في رسالتك سماعك للموسيقى، وقولك إنها أفضل ما في حياتك!، وأنها تساعدك على مراجعة نفسك وأخطائك!، واتهامك للإسلام بالتخلف عندما تسمع تحريم الموسيقى!!.

ولو تأملت مثل هذه الجمل والعبارات قبل كتابتها لما كنت تخطها ببنانك ولا تقولها بلسانك، أما وقد كتبتها وأرسلتها فلا بدَّ من الوقوف معها انطلاقاً من واجب النصيحة التي أوجبها الله تعالى علينا، ومن باب عدم كتم العلم الذي حرَّمه الشرع علينا.

  1. أما الموسيقى:

فهي شرعنا محرَّمة غير جائزة، لا استعمالًا لآلاتها، ولا سماعًا لنغماتها وأصواتها، وقد قال بالتحريم عامة أهل العلم.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف .. “. رواه البخاري تعليقًا برقم: ( 5590 )، ووصله الطبراني والبيهقي. انظر: ” السلسلة الصحيحة ” للألباني ( 91 ).

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله :

فدل هذا الحديث على تحريم المعازف، والمعازف هي آلات اللهو عند أهل اللغة، وهذا اسم يتناول هذه الآلات كلها. ” مجموع الفتاوى ” ( 11 / 535 ).

* وقال:

ومن المعلوم أنه لم يكن في القرون الثلاثة المفضلة التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: ” خير القرون قرني الذي بعثت فيه, ثم الذين يلونهم, ثم الذين يلونهم”, لا في الحجاز ولا في الشام ولا في اليمن ولا في العراق ولا في مصر ولا في خراسان أحد من أهل الخير والدين يجتمع على السماع المبتدع لصلاح القلوب، ولهذا كرهه الأئمة كالإمام أحمد وغيره حتى عدَّه الشافعي من إحداث الزنادقة حين قال: ” خلَّفتُ ببغداد شيئاً أحدثه الزنادقة يسمونه التغبير, يصدون به الناس عن القرآن”. ” مجموع الفتاوى ” ( 10 / 77 ).

* وقال ابن القيم:

وإذا كان الزمر الذي هو أخف آلات اللهو حرامًا, فكيف بما هو أشد منه كالعود والطنبور واليراع، ولا ينبغي لمن شم رائحة العلم أن يتوقف في  تحريم ذلك، فأقل ما فيه أنه من شعار الفساق وشاربي الخمور. ” إغاثة اللهفان ” ( 1 / 228 ).

والذي ينظر في الموسيقى المصاحبة للغناء ويعرف أثرها: لا يشك في تحريمها ووجوب منعها؛ لأنها بريد للفواحش كالزنا والعلاقات المحرَّمة، وغالب كلمات تلك الأغاني تدعو للمحرمات وسيء الأخلاق.

  1. وأما قولك إنها أفضل شيء في حياتك: فهو أمرٌ يدعو للعجب، فأين أنت من القرآن؟ أين أنت من حديث النبي صلى الله عليه وسلم؟ فكيف تفضِّل كلام البشر على كلام الله تعالى؟ وكيف ترى أن آلات الطرب واللهو أفضل لنفسك وقلبك وعقلك من كلام الله تعالى وكلام النبي صلى الله عليه وسلم؟.

واعلم – هداك الله وأنار بصيرتك – أنه لا يجتمع في قلب مؤمن قرآن الرحمن وقرآن الشيطان – وهو الغناء – وأنك لم ترَ الموسيقى والغناء أفضل شيء في حياتك إلا لأنك حرِمتَ من قرآن الرحمن، واعلم بأن الشيطان لم يزين الغناء والمعزف في قلبك وحياتك إلا بعد أن صدَّك عن كتاب الله تعالى، فيجب عليك المبادرة لإصلاح قلبك، والرجوع عما أنت عليه لتقوِّي قلبك بطاعة الرحمن وكلامه، وتذل نفسك لأحكامه تعالى.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

والمقصود: أن الغناء المحرم قرآن الشيطان، ولما أراد عدو الله أن يجمع عليه نفوس المبطلين قرَنه بما يزيِّنه من الألحان المطربة وآلات الملاهي والمعازف، وأن يكون من امرأة جميلة، أو صبي جميل، ليكون ذلك أدعى إلى قبول النفوس لقرآنه، وتعوضها به عن القرآن المجيد. ” إغاثة اللهفان ” ( 1 / 254 ).

  1. وأما قولك بأن الموسيقى ” تساعدك على مراجعة نفسك وأخطائك! “: فهذا من العجب أيضاً، وأين هي المراجعة وها نحن نقرأ لك مثل هذا الكلام والعبارات؟ فهل من مراجعة نفسك بها أنها أفضل شيء في حياتك؟ وأن الإسلام متخلف إن كان يحرمها؟.

هل راجعت نفسك وأخطاءك بالموسيقى فصليتَ الصلاة في أوقاتها، وصمتَ التطوع، وصليت بالليل والناس نيام، ووصلتَ رحِمك، وبذلك مالك في سبيل الله، وطلبت العلم الشرعي … الخ؟ إننا نجزم أن كل ذلك – بل ولا بعضه – لم يكن، وأن ما كان منه أو من بعضه فليس للموسيقى سبب به وأثر في وجوده.

واعلم أن التفكر في الموت، والقبر، ولقاء الله تعالى، وما أعدَّه الله للعاصين هو مما يجعل المسلم يراجع نفسه مرات ومرات، ويصوِّب حياته نحو الأفضل، ويمحو خطاياه وأخطاءه من حياته، واعلم – يقينًا – لو أن ما قلتَه له من الحقيقة نصيب لرأيتَ هؤلاء الموسيقيين والمستمعين للموسيقى أحسن الناس وأكثر الناس خلقًا، فهل الواقع كذلك؟!.

  1. وأما اتهامك للإسلام بالتخلف عندما تسمع تحريم الموسيقى من أحد من الناس فهو أخطر ما جئتَ به وكتبته من كلام، فأنت قرأتَ ما قاله نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، وعلمتَ قول العلماء كافة بمن فيهم الأئمة الأربعة، فليس لك إلا تكون طائعًا لربك تعالى مستجيباً لأمر نبيك صلى الله عليه وسلم، سالكاً درب من قبلك من جبال الخير والعلم والطاعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، فكيف لك أن تقارن بين حكم الله تعالى وحكمك؟ وكيف لك أن تهجر طريقًا سلكه خير الناس لتسلك طريقًا آخر مغايرًا ليس فيهم أحد من الصالحين؟.

واعلم أن دين الله ليس تبعاً لهوى أحد، وأن الله تعالى هو الذي خلق الكون والناس، ويعلم – تعالى – ما يُصلح حياتهم وآخرتهم، فأمرهم ونهاهم لما فيه الخير لهم في الدارين.

ثالثًا:

وسرَّنا أن تكون من الدعاة لهذا الدين، وأن تكون من المصلين الصائمين، لكننا أردنا لك الخير فما كان منا من نصيحة وتوجيه فهو لما فيه الخير لك، فاستمر على عبادتك ودعوتك للإسلام، وإياك من المعصية، واحذر هذه الآلات وما معها من فحش الكلام، فالغناء ينبت النفاق في القلب، ويمرضه، ولا تدل على خير ولا تنهى عن شر، بل على العكس تدعو هذه الأغنيات إلى الحب واللقاء المحرَّم، وهذه الآلات لو خلت من كلمات فإنها تمرض القلب أيضاً ولا تصلحه.

وقد جعل الله لك خيرًا من ذلك وهو كتابه تعالى، فهو المتكلم به عز وجل، فاقرأه واستمع إليه من قراء وهبهم الله تعالى حسن الصوت، وسترى الفرق العظيم في حياتك وقلبك بعدها، فقد هدى الله تعالى أناسًا كانوا كفارًا بسماعهم آيات القرآن الكريم، فأنت أولى أن تكون من السابقين لتلك الهداية قبل غيرك.

ولك أن تستمع إلى الأناشيد المباحة، حيث الكلام الحسن، والحكمة والموعظة، ولك أن تستأنس بما خلقه الله من أصوات الطير والموج، فهي التي تريح القلب من الأصوات التي خلقها الله، لا ما كان من آلات نهى الشرع عن استعمالها.

وقبل أن نختم ردنا ونصيحتنا لك فإننا نود منك قراءة كتاب للإمام ابن القيم رحمه الله واسمه ” إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان ” ويقع في جزأين، فنرجو منك الحرص على اقتنائه وقراءته، وستجد فيه ما يسرك – إن شاء الله -.

وأخيرًا:

نوصيك بتقوى الله تعالى، وأن تطلب العلم من مظانه الصحيحة، وأن تكثر من قراءة القرآن وسماعه ممن يحسنون قراءته، ونوصيك بالدعاء أن يصلح الله حالك وقلبك، ونحن سندعو لك بالخير، سائلين الله تعالى أن يتقبل منا ومنك.

 

والله الموفق.

اختلف مع والديه قبل دخول رمضان فبم تنصحونه؟

السؤال:

ما حكم من بدأ صيام الشهر الفضيل وهو على خلاف مع والديه على مصاريف البيت التي يحملونه إياها دون مشاركة عادلة من قِبلهم, علماً بأنهم يستطيعون المساعدة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أوجب الله تعالى برَّ الوالدين، ونهى عن عقوقهما، وأمر بمصاحبتها بالمعروف، وكل ذلك واضح مبيَّن في كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.

ولم يُشرع الصيام من أجل الجوع والعطش، بل قد ذكر الله تعالى الحكمة العظيمة، والفائدة الجليلة من تشريع الصيام، وهو أن يحصِّل العبد به تقوى الله تعالى.

قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) [ البقرة / الآية 183 ].

– والتقوى: هي فعل الطاعات وترك المعاصي.

ومن هنا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم كثير من الناس، وأنه لا ينالهم إلا الجوع والعطش.

عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” رُبَّ صائم ليس له من صيامه إلا الجوع، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر “. ‌

رواه ابن ماجه ( 1690 ). وصححه ابن حبان ( 8 / 257 ) والألباني في ” صحيح الترغيب ” ( 10 / 83 ).

وعن ابن عمر – رضي الله عنهما – قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” ربَّ صائم حظه من صيامه الجوع والعطش، ورب قائم حظه من قيامه السهر “.

رواه الطبراني في ” الكبير ” ( 12 / 382 ).

* قال المنذري:

وإسناده لا بأس به. ” الترغيب والترهيب ”  ( 2 / 95 ).

– وصححه الألباني في ” صحيح الترغيب والترهيب ” ( 1084 ).

وكما ينبغي للمسلم أن يتحيَّن فرصة إدراك والديه أو أحدهما ليدخل الجنة بسبب ذلك: فإنه ينبغي أن يتحيَّن فرصة رمضان ليتوب ويستغفر ويتقي ربه تعالى ليدخل بسبب ذلك الجنة.

عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: صعد النبي صلى الله عليه وسلم المنبر فقال: آمين، آمين، آمين، قيل: يا رسول الله إنك صعدت المنبر فقلت: آمين آمين آمين، قال: أتاني جبريل عليه الصلاة والسلام فقال: من أدرك شهر رمضان فلم يغفر له فدخل النار فأبعده الله، قل: آمين، فقلت: آمين، فقال: يا محمد، ومن أدرك أبويه أو أحدهما فلم يبرهما فمات فدخل النار فأبعده الله، قل: آمين، فقلت: آمين، قال: ومن ذُكرتَ عنده فلم يصل عليك فمات فدخل النار فأبعده الله، قل: آمين، فقلت: آمين.

رواه ابن حبان ( 3 / 188 ) ، وصححه الشيخ الألباني في ” صحيح الترغيب ” (1679 ).

* والخلاصة:

احرص على رضا والديك ولو حمَّلاك فوق طاقتك، فإنك إن احتسبتَ ذلك فتح الله لك – إن شاء – أبوابًا من الرزق، ولا داعي للتحسس من طلب الأهل مالًا للنفقة، وحيث أنهم لم يطلبوا ذلك المال للحرام والمعصية فهو أمر غير مستنكر.

ويمكنك التكلم معهم – إن كانوا قادرين – بالحسنى، وإفهامهم بحاجتك وعدم قدرتك على أكثر مما تدفع، وكذا يجب عليك أن تساعدهم وتنفق عليهم بما تستطيعه إن كانوا محتاجين.

ودخول شهر رمضان فرصة لإصلاح ما بينك وبينهم، وفرصة للبذل والعطاء، وأكثر الأبواب في البذل والعطاء أجراً هو الإنفاق على الأهل، فأنفق واحتسب الأجر عند الله، وأبشر بالذي يسرك من ربك تعالى.

 

والله أعلم.

هل وردت أحاديث صحيحة في عتق الأحياء والأموات في رمضان؟

السؤال:

سمعت من أحدهم أن الله يعتق من أموات المسلين كل ليلة واحدًا فقط ولا يعتق من الأحياء إلا في آخر ليلة من رمضان بعدد ما أعتق خلال الشهر من أموات، فهل هذا صحيح؟.

 

الجواب:

الحمد لله

لا نعرف أن هذا وارد في أحاديث فضلًا أن تكون صحيحة، وقد ورد قريب منه في بعض الأحاديث لكن منها ما هو ضعيف ومنها ما هو موضوع، ومنها:

  1. ما روي عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إذا كان أول ليلة من شهر رمضان نظر الله إلى خلقه، وإذا نظر الله إلى عبد لم يعذبه أبدًا، ولله في كل يوم ألف ألف عتيق من النار، فإذا كانت ليلة تسع وعشرين أعتق الله فيها مثل جميع ما أعتق في الشهر كله “. وهو حديث موضوع.

انظر: ” ضعيف الترغيب ” ( 591 ) و ” السلسلة الضعيفة ” ( 5468 ).

  1. وروي عن ابن عباس – رضي الله عنهما – أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ” إن الجنة لتبخر وتزين من الحول إلى الحول لدخول شهر رمضان، فإذا كانت أول ليلة من شهر رمضان هبت ريح من تحت العرش يقال لها المثيرة … قال: ولله عز وجل في كل يوم من شهر رمضان عند الإفطار ألف ألف عتيق من النار كلهم قد استوجبوا النار فإذا كان آخر يوم من شهر رمضان أعتق الله في ذلك اليوم بقدر ما أعتق من أول الشهر إلى آخره … “. وهو حديث موضوع.

انظر: ” ضعيف الترغيب ” ( 594 ).

  1. وعن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إن لله عز وجل في كل ليلة من رمضان ستمائة ألف عتيق من النار, فإذا كان آخر ليلة أعتق الله بعدد من مضى “. وهو حديث ضعيف.

انظر: ” ضعيف الترغيب ” ( 598 ).

* ومما صحَّ في العتق من النار في رمضان:

  1. عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن, وغلقت أبواب النار, فلم يفتح منها باب, وفتحت أبواب الجنة, فلم يغلق منها باب, وينادي مناد كل ليلة: يا باغي الخير أقبل, ويا باغي الشر أقصر, ولله عتقاء من النار, وذلك كل ليلة “. ‌

رواه الترمذي ( 682 ) وابن ماجه ( 1642 ). وحسَّنه الشيخ الألباني في ” صحيح الجامع ” ( 759 ).

  1. عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إن لله عند كل فطر عتقاء وذلك في كل ليلة “. رواه ابن ماجه ( 1643 ). وصححه الشيخ الألباني في ” صحيح ابن ماجه “.

 

والله أعلم.