الرئيسية بلوق الصفحة 177

تقدَّم لها قاضٍ يقضي بين الناس بما يخالف شرع الله, فهل تقبل به زوجا؟.

السؤال:

أنا فتاة مسلمة عمري ( 29 سنة )، تقدم لخطبتي شاب على دِين، وخُلُق، ولكنه يعمل بالقضاء، علمًا بأن القضاء المصري لا يحكم بالشريعة الإسلامية، فماذا عليَّ أن أفعل؟ أخاف أن يكون هذا العمل حرام؟.

 

الجواب:

الحمد لله

المحاكم قسمان: شرعية تحكم بشرع الله تعالى، ونظامية تحكم بالقوانين الوضعية، وهذه القوانين الوضعية بعضها يخالف ما شرعه الله تعالى من أحكام، وبعضها لا يخالف شرع الله.

فمن كان عمله في المحاكم النظامية التي يُحكم فيها بما يخالف شرع الله تعالى: فإن عمله محرَّم، سواء كان كاتبًا، أو حارسًا، أو مراسلًا، وأشد الأعمال إثما فيها: أن يكون العامل قاضيًا؛ لأنه سيباشر الحكم بما يخالف شرع الله تعالى، وهو إثم لا يُختلف فيه.

فعمل القاضي الراغب بالزواج منك محرَّم، وكسبه محرَّم، وهو غير مرضي الدِّين، إن كان عمله بالقضاء الذي يخالف شرع الله تعالى.

فالنصيحة لك بعدم قبول التزوج منه، عسى الله أن يهديه فيترك عمله المحرَّم، وعسى الله أن يبدلك خيراً منه.

 

والله أعلم.

تزوج الثانية برغبة أمه وهو لا يحبها, ولا يعطيها حقها من العشرة الحسنة

السؤال:

أنا متزوج من امرأتين، لكن قلبي متعلق في الأولى، وأهلي لا يحبونها بسبب سوء تفاهم كبير حصل بينهم على فترة ( 4 سنوات ) ، فتزوجت تحت رغبة والدتي غير المعلنة من امرأة ثانية، لكن الزواج كان تقليديًّا, ولم أشعر بأني تزوجت إلا عند ليلة الدخول، عندها تساءلتُ ماذا فعلت؟ وأصبح الآن لي ولد من الثانية، لكن لا أملك أي شعور تجاه الزوجة الثانية منذ البداية حتى هذه اللحظة، حتى إني أجد صعوبة بالغة في إعطائها حقها الشرعي، أو أن أقول لها كلمة جميلة، وكل يوم تزداد الفجوة بيننا، ويزداد عذابي، مع العلم أنها متدينة، وأهلي يحبونها، لكن المشكلة عندي، أحب أن أتهرب حتى من الانفراد معها، لكني لا أكرهها، ولا أحبها, ماذا أفعل؟.

 

الجواب:

الحمد لله

قد أخطأت أيها الفاضل في زواجك الثاني، وإنما كان يجب أن يكون زواجك تبعًا لرغبتك واختيارك، لا لرغبة والدتك واختيارها، وهو ما سبَّب لك تلك المعاناة، والعذاب، وما ذاك إلا لأنك واجهتَ أمر الزواج عمليًّا، وأصبحت تعرف مخالفتك للشرع بظلم تلك المرأة الثانية, والتي لا ذنب لها بسوء معاملتك لها.

والحل الذي تطلبه منا موجود في كتاب الله تعالى:

  1. أن تعاشرها بالمعروف، وتعطيها حقها، قولا، وفعلا.

قال تعالى: ( وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) [ البقرة / من الآية 228 ] .

وقال تعالى: ( وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) [ النساء / من الآية 19 ] .

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -:

وهذا يشمل المعاشرة القولية، والفعلية، فعلى الزوج أن يعاشر زوجته ببذل النفقة، والكسوة، والمسكن، اللائق بحاله، ويصاحبها صحبة جميلة، بكف الأذى، وبذل الإحسان، وحسن المعاملة، والخلًق، وأن لا يمطلها بحقها، وهي كذلك عليها ما عليه من العشرة، وكل ذلك يتبع العرف، في كل زمان، ومكان، وحال، ما يليق به.

” تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير الأحكام ” ( ص 132 ).

  1. فإن لم تستطع إعطاءها حقوقها من العشرة الحسنة: فسرحها، وتخلص من عذابك، وتعذيبك لها.

قال تعالى: ( فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ) [ البقرة / من الآية 231 ] .

 

 

وننبهك أخي الفاضل إلى أمرين:

الأول: أنك قد تكره زوجتك لعدم التوافق بينكما، لكن يجعل الله تعالى في حياتكما خيرًا عظيما عميما، وذلك بأن تُرزق بسبب تدينها، وطاعتها، ودعائها، أو تُرزق منها بذرية صالحة طيبة، تكون لك ذخراً في الدنيا، والآخرة.

قال تعالى: ( وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً ) [ النساء / من الآية 19 ].

قال الإمام ابن كثير – رحمه الله -:

وقوله تعالى: ( فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلُ اللهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيراً ) ، أي: فعَسَى أن يكون صبركم مع إمساككم لهن وكراهتهن: فيه خير كثير لكم في الدنيا، والآخرة، كما قال ابن عباس في هذه الآية: هو أن يَعْطف عليها، فيرزقَ منها ولداً، ويكون في ذلك الولد خير كثير، وفي الحديث الصحيح: ” لا يَفْرَك مؤمنٌ مؤمنةً، إن سَخِطَ منها خُلُقا رَضِيَ منها آخر “. ” تفسير ابن كثير ” ( 2 / 243 ).

الثاني: أن الطلاق قد يكون مفتاح الفرج لتلك الزوجة المتدينة المظلومة معك، وقد تكون بطلاقها قد وضعت رجلها على أول طريق السعادة، فلا تطل مدة بقائها عندك إن لم ترد إصلاح نفسك تجاهها، وتعطيها ما أوجب الله عليك من حقوق.

قال تعالى: ( وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلّاً مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعاً حَكِيماً ) [ النساء / الآية 130 ] .

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -:

إذا تعذر الاتفاق: فإنه لا بأس بالفراق، فقال: ( وَإِنْ يَتَفَرَّقَا ) أي: بطلاق، أو فسخ، أو خلع، أو غير ذلك.

– ( يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا ) من الزوجين.

– ( مِنْ سَعَتِهِ ) أي: من فضله، وإحسانه الواسع الشامل، فيغني الزوج بزوجة خيرٍ له منها، ويغنيها من فضله، وإن انقطع نصيبها من زوجها، فإنَّ رزقها على المتكفل بأرزاق جميع الخلق، القائم بمصالحهم، ولعل الله يرزقها زوجاً خيراً منه.

– ( وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا ) أي: كثير الفضل، واسع الرحمة، وصلت رحمته وإحسانه إلى حيث وصل إليه علمه، ولكنه مع ذلك:

– ( حَكِيمًا ) أي: يعطي بحكمة، ويمنع لحكمة، فإذا اقتضت حكمته منع بعض عباده من إحسانه بسبب من العبد لا يستحق معه الإحسان: حرمه، عدلاً، وحكمة.

” تفسير السعدي ” ( ص 207 ).

 

والله أعلم.

هل التصدق بالثياب القديمة يدخل في قوله تعالى: ( ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون )؟

السؤال:

هل التصدق بالثياب القديمة يدخل في قوله تعالى: ( ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه )؟.

 

الجواب:

الحمد لله

الصدقة بالمال الرديء له حالتان:

الحالة الأولى:

أن يكون المتصدق به يملك غيره، وقد أوسع الله عليه من جيد المال وحسنه وطيبه: فهذا يكره له الصدقة بالمال الرديء أو القديم البالي، فقد نهى الله تعالى عن ذلك في كتابه الكريم فقال: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ) [ البقرة / الآية 267 ].

يقول الإمام النووي – رحمه الله -:

” يكره تعمد الصدقة بالرديء، قال الله تعالى: ( وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ)، ويستحب تعمد أجود ماله وأحبه إليه، قال الله تعالى: ( لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ) وفي المسألة أحاديث ” انتهى. “المجموع” (6/241).

وجاء في “الموسوعة الفقهية” (26/336):

” يستحب في الصدقة أن يكون المتصدَّق به – أي: المال المعطَى – مِن أجود مال المتصدق وأحبه إليه, قال الله تعالى: ( لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ) [ آل عمران / الآية 92 ].

قال القرطبي: والمعنى: لن تكونوا أبرارًا حتى تنفقوا مما تحبون, أي: نفائس الأموال وكرائمها, وكان السلف – رضي الله عنهم – إذا أحبوا شيئًا جعلوه لله تعالى.

كان عمر بن عبد العزيز يشتري أعدالًا من سكر ويتصدق بها, فقيل له: هلا تصدقت بقيمتها؟ قال: لأن السكر أحب إلي فأردت أن أنفق مما أحب. والمراد بالآية حصول كثرة الثواب بالتصدق مما يحبه ” انتهى باختصار.

الحالة الثانية:

أن يكون المتصدق لا يملك غير هذا المال الرديء أو القديم، أو لا تتيسر له الصدقة إلا منه، فمثله لا يكره منه هذه الصدقة، بل يستحب له أن يجود بما يملك، والله سبحانه وتعالى مطلع على قلبه، ويعلم صدق نيته.

 

 

يقول الخطيب الشربيني – رحمه الله -:

” وتكره الصدقة بالرديء لقوله تعالى: ( وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ )، فإن لم يجد غيره فلا كراهة ” انتهى. ” مغني المحتاج ” (4/197).

فمن تصدق بالثياب القديمة وهو يجد غيرها، ويقدر على التصدق بأفضل منها: كره له ذلك ومع ذلك يكتب الله له أجره بإذنه عز وجل.

أما إن كانت هذه الثياب هي التي يستطيع التصدق بها فقط فلا كراهة في حقه.

على أن المقصود بالكراهة هنا تحفيز المتصدق أن يختار أجود ماله وأطيب ما يملك كما فعل أبو طلحة الأنصاري – رضي الله عنه – حين تصدق بأرض بيرحاء، وليس المقصود بالكراهة هنا هو تثبيط المتصدق عن عمله، فهو مأجور على كل حال، والحمد لله.

 

والله أعلم.

 

أفسد عليه أهلها حياتهم الزوجية، وزوجته تريد ” الخلع “، فكيف يتصرف؟

السؤال:

أنا متزوج لي سنة، وحياتي – أنا وزوجتي – سعيدة أحيانا، فأنا أعطيها أي شيء تريده من حاجيات، ولكن المشكلة هي أهلها، وأمها بالذات، لا تريدني، وتخرب عليَّ حياتي إلى أن أثَّرت على زوجتي، وخربت علينا حياتنا، وأنا أحب زوجتي، ولا أريد أن أطلقها.

وفي يوم من الأيام بعد الإفطار عند بيت أهل زوجتي: رفض أبوها أن ترجع زوجتي معي إلى البيت؛ لأسباب واهية، وأُشهد الله أني لم ألمسها بشرٍّ قط، ولم أقصر في أي من حقوقها، وأني لا أجعلها تطبخ؛ لكي لا تتعب، وكل شيء تريده آتي لها به، ولكن تأثير أمها كان كبيراً عليها؛ لأنها البنت الوحيدة لهم، طلب مني أبوها الخلع، وأنا أريد زوجتي، وقد منعني أن أكلمها، أو أن أراها.

والآن مضى شهر بدون أن استطيع محادثتها، فماذا أفعل؟.

إن طلبت الخلع من غير سبب شرعي: فقد دفعتُ مهراً ( 50000 ألف ريال)، وعملت فرحا بقيمة ( 60000 ألف ريال ) غير ما أعطيتها هي من هدايا، وشراء أثاث، واستأجرت شقة بقيمة ( 30000 ألف ريال ) أو أكثر، وأنا طالب، وهم يدركون ذلك، فهل لي أن أطلب ما دفعته بحكم القاضي؟.

وهل أستطيع محاكمتها بأنها هجرتني بدون سبب، أو محاكمة أبيها بأنه قد منعني من حقي الشرعي بدون مسبب؟.

فأنا – والله لا أستطيع إلا التفكير بزوجتي، ومقدار الحب الذي زال بسبب أمها، وأريد أن أتزوج بأخرى لكي تستقر حالي، ونفسيتي التي أصبحت مريضة بسبب حبي لها.

فجزاك – يا شيخ – الخير من رب العالمين أن تدلني على حقوقي، وكيفية التعامل مع هذا الوضع؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

إفساد الزوجة على زوجها من كبائر الذنوب، ويقبح بأهل الزوجة أن يكونوا هم من يقوم بهذا الفعل الشيطاني، وهو من فعل السحرة، وهو من أعظم أعمال جنود إبليس عنده.

قال تعالى: ( فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ) [ البقرة / من الآية 102 ] .

عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” لَيْسَ مِنَّا مَنْ خَبَّبَ امرَأَةً عَلَى زَوجِهَا أَوْ عَبْدًا عَلَى سَيِّدِهِ “. رواه أبو داود ( 2175 ) وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

– ” خبَّبَ “: بتشديد الباء الأولى بعد الخاء المعجمة أي: خدع وأفسد.

وعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” إِنَّ إِبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ ثُمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ فَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا فَيَقُولُ مَا صَنَعْتَ شَيْئًا قَالَ ثُمَّ يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ مَا تَرَكْتُهُ حَتَّى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ قَالَ فَيُدْنِيهِ مِنْهُ وَيَقُولُ: نِعْمَ أَنْتَ “. قَالَ الْأَعْمَشُ: أُرَاهُ قَالَ: ” فَيَلْتَزِمُهُ “.

رواه مسلم ( 2813 ).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

فسعي الرجل في التفريق بين المرأة وزوجها من الذنوب الشديدة، وهو من فعل السحرة، وهو من أعظم فعل الشياطين. ” مجموع الفتاوى ” ( 23 / 363 ).

وقال الشيخ صالح الفوزان- وفقه الله -:

وقد جاء الوعيد الشديد في حق من يفسد الزوجة على زوجها، ويخببها عليه؛ فقد جاء في الحديث: ” ملعون من خبَّب امرأة على زوجها ” ومعناه: أفسد أخلاقها عليه، وتسبب في نشوزها عنه.

والواجب على أهل الزوجة أن يحرصوا على صلاح ما بينها وبين زوجها؛ لأن ذلك من مصلحتها ومصلحتهم.

” المنتقى من فتاوى الشيخ الفوزان ” ( 3 / 248 ، 249 ).

فالواجب على أهل الزوجة أن يتقوا الله تعالى ربَّهم، وأن يعلموا أنهم قد وقعوا في كبيرة من كبائر الذنوب، فعليهم واجب إصلاح ما أفسدوا، وإرجاع الزوجة – ابنتهم – إلى زوجها، وهو في مصلحتهم، ومصلحتها.

كما يجب على الزوجة أن تتقي الله تعالى ربَّها، وأن لا تلتفت إلى من يريد إيقاع الفساد في بيتها، وهدم أركان بيت الزوجية، وها هو زوجها يعلن حبَّه لها، وعدم صدور شيء منه يسبِّب هجرها له، فليس أمامها إلا التوبة من فعلها، وطلب الصفح من زوجها، والعودة إلى عش الزوجية، وهي نعمة حرمها ملايين النساء في العالَم، فلا تشتري شقاءها بثمن تدفعه، وقد بُذلت لها الأموال لإسعادها.

ولتعلم الزوجة أنه قد ورد وعيد شديد فيمن تطلب الطلاق من غير بأسٍ، وهي الشدة الملجئة لهذا الطلاق.

عن ثوبان – رضي الله عنه – قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” أَيُّمَا امرَأَةٍ سَأَلَت زَوجَهَا طَلَاقًا فِي غَيرِ مَا بَأسٍ فَحَرَامٌ عَلَيهَا رَائِحَةُ الجَنَّةِ “. رواه الترمذي ( 1187 ) وأبو داود ( 2226 ) وابن ماجه ( 2055 ) ، وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

الأخبار الواردة في ترهيب المرأةِ من طلب طلاقِ زوجها محمولةٌ على ما إذا لم يكن بسببٍ يقتضي ذلك. ” فتح الباري ” ( 9 / 402 ).

فإن كان في زوجها من العيوب ما يدعوها لطلب الطلاق، وعدم القدرة للصبر على زواجها: فلا حرج حينئذٍ من طلبها للطلاق، فإن لم يرضَ زوجها تطليقها: فلها طلب ” الخلع “، فتفتدي نفسها منه بما يطلبه منها.

ثانيا:

ونقول للزوج في نهاية المطاف:

إذا كانت زوجتك قد طلبت الطلاق لما تراه منك من ارتكاب معاصٍ، أو سلوك لا يطاق، كضربها، وإهانتها، وشتمها: فإن طلبها للطلاق لا تأثم عليه، ولها حق مهرها كاملا، المقدَّم منه والمؤخر.

وإذا كان طلبها للطلاق لغير سبب يستحق ذلك: فهي آثمة، ولك أن تصر على عدم تطليقها، وتحاول إدخال العقلاء من الناس للإصلاح بينك وبينها، وبينك وبين أهلها، فإن لم يُجد هذا نفعاً: فلك أن ترفع قضية ” هجر ” عليها، وقضية ” تخبيب ” على أهلها، إن رأيت ذلك، ولا ننصحك بفعل ذلك، بل ننصحك – إذا لم ينفع الإصلاح من الشفعاء -: أن تقبل ” الخلع “، وتطلب مهرها المدفوع لها، وما بذلتَه من مصاريف على الزواج، كما لك أن تطلب تنازلها عن حضانة أولادها – إن كان ثمة أولاد بينكما -.

 

ونسأل الله تعالى أن يصلح بينكما، وأن يهدي زوجتك لما يحب تعالى ويرضى، وأن يجمع بينكما على خير.

 

والله أعلم.

اختلافات شديدة بين زوجين، فهل ننصحه بالطلاق؟.

السؤال:

أنا رجل متأهل، ولديَّ أولاد وزوجة، ولكن دائم الاختلاف مع زوجتي، وقد حاولت مراراً أن أحل مشكلتي معها ولكن دون فائدة، وهي ليست راضية بالطلاق، ولا ترضيني من الناحية الجنسية، وعرفاً ليس مسموحاً عندنا أن نتزوج بالزوجة الثانية، أو لا يزوجون بناتهم بالرجل المتأهل، وأنا خائف إن استمر الوضع هكذا أن أرتكب المحذور، فأفيدوني، وأرشدوني، وأرجو منكم النصيحة، وكيفية الخلاص من مشكلتي هذه، وما هو الحل الأمثل؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

لا تخلو بيوت الناس من مشكلات، وبعضها يسهل حلها، وبعضها يصعب، ولا بدَّ لمن أراد حل مشكلاته، أو مشكلات غيره أن يكون على علم بالأسباب التي أدت إلى ذلك الاختلاف، والتخاصم، والتنافر، سواء بين الزوجين، أو بين الصديقين، أو بين الأب وابنه، وعموم أطراف النزاع.

ونحن لا ندري عن سبب الاختلاف بينك وبين زوجتك، لذا فلن يكون منَّا إلا الإرشاد العام الذي يصلح لك ولغيرك.

ابحث – أخي السائل – عن سبب تلك الاختلافات بينك وبين زوجتك، فقد تكون أنت سبباً رئيساً وكبيراً فيها، بطبعٍ لك لا تستطيع تغييره، أو بسبب سوء معاملة منك لزوجتك، أو لقلة اهتمامك بها وبأولادك، أو لغير ذلك مما لا يحصى كثرة، فعليك معالجة أخطائك، وعليك أن تقضي على تلك الاختلافات بالقضاء على أسبابها إن كانت من طرفك، ولا يخفى عليك أن حسن العشرة للزوجة، وجميل الاهتمام بها، والثناء عليها بأعمالها، وحسن الرعاية للأولاد، مع الحرص على الإتيان بلوازم البيت: كل ذلك يجعل في قلب الزوجة رضا عن زوجها، وهو مما يجلب المودة بينهما، وينشر الرحمة في أرجاء البيت.

وأما إن كانت أسباب المشكلات والاختلافات بينكما هو: الزوجة، فعليك أيضا معالجة ذلك عندها بالحكمة والموعظة الحسنة، وأسهل شيء على الزوج – في الأصل والغالب – أن يطوِّع زوجته لطرفه، وأن يجعلها تحب ما تبغض، وتبغض ما تحب؛ لأن الزوجة عندما ترضى برجل لها زوجاً فهي ترضى بأن تعيش وفق رغباته، واهتماماته، وليس شرطًا أن تكون محبة لذلك راضية عنه، وهذا طبع الزوجات في الأصل، لذا فإن المرأة تكون تابعةً لزوجها، ومن هنا كان تحريم تزويج المرأة المسلمة لكافر، ومن هنا أيضًا كانت الوصية بحسن اختيار الزوج، وأنه يكون صاحب خلُق ودِين؛ لئلا تتأثر المرأة سلبا بدينه، وخلقه.

ثانيا:

وقد لا يتوافق زوجة مع زوجته في طبعهما، فلا هو بالقادر على تحسين تعامله مع زوجته، ولا هي بالراضخة لرغبات زوجها المباحة، وهنا تكون محطة الفراق بينهما، ويكون بقاؤهما زوجين تضييعا للوقت، وتكثيرًا للمشكلات، والآثام، وليعلم كلا الطرفين أنه لن يكون ناجحًا في زواجه الثاني إن كان الأول فاشلا بسببه، ولعدم تغيير طباعه وسلوكه.

وبحسب ما جاء في السؤال: فإننا نقول: إذا لم ير الزوج إصلاحاً من الزوجة لنفسها تجاهه، وليس هو السبب في تلك المشكلات: فليس أمامه إلا الطلاق، وآخر الدواء الكي!، وليس شرطاً أن ترضى الزوجة به حلاًّ، فرضاها ليس معتبرا لوقوع الطلاق، وإنما قلنا إن حل تلك المشكلات هو الطلاق لأسباب – من خلال سؤالك -:

الأول: تعذر صلاح حال زوجتك، وطول المدة التي استمرت بها تلك الاختلافات بينكما.

الثاني: عدم قدرتك على التزوج من أخرى، بسبب بيئتك.

الثالث: خشية وقوعك في الحرام بسبب عدم تلبيتها رغبتك الجنسية.

فأعطها فرصة أخيرة، وحدد لها وقتاً لتصلح نفسها، وحالها، فإن لم يحدث تغيير من طرفها: فلا تتردد في إيقاع الطلاق، واحذر من الوقوع في الحرام، فأنت الآن في شرع الله محصن، وحدُّك الرجم إن وقعت – لا قدر الله – في الحرام، وقد كثر الوعيد في الإسلام للمتعدي على حرمات غيره، وللواقع فيما حرَّم الله عليه من الفواحش، فاحذر أشد الحذر.

 

والله الموفق.

هل يكرر السورة نفسها في صلاة التراويح؟

السؤال:

لا أحفظ الكثير من سور القرآن؛ لأني لا أزال أتعلم، فهل يجوز أن أعيد قراءة نفس السور في صلاة الترويح؟.

 

الجواب:

الحمد لله

ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قرأ في صلاة الصبح إذا زلزلت الأرض في الركعتين كلتيهما، وعلى هذا يجوز للسائل أن يكرر السورة الواحدة في أكثر من ركعةٍ في الصلاة في التراويح وغيرها؛ لثبوت ذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام.

عن معاذ بن عبد الله الجهني أن رجلًا من جهينة أخبره أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الصبح إذا زلزلت الأرض في الركعتين كلتيهما, فلا أدري أنسي رسول الله صلى الله عليه وسلم أم قرأ ذلك عمدًا. رواه أبو داود ( 816 ). وحسنه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

قال الشيخ عبد العظيم آبادي:

تردد الصحابي في أن إعادة النبي صلى الله عليه وسلم للصورة هل كان نسيانًا لكون المعتاد من قراءته أن يقرأ في الركعة الثانية غير ما قرأ به في الأولى, فلا يكون مشروعًا لأمته أو فعله عمد البيان الجواز؟ فتكون الإعادة مترددة بين المشروعية وعدمها, وإذا دار الأمر بين أن يكون مشروعًا أو غير مشروع, فحمل فعله صلى الله عليه وسلم على المشروعية أولى؛ لأن الأصل في أفعاله التشريع, والنسيان على خلاف الأصل.

ونظيره ذكره الأصوليون فيما إذا تردد فعله صلى الله عليه وسلم بين أن يكون جبليًّا أو لبيان الشرع، والأكثر على التأسي به، ذكره الشوكاني.

” عون المعبود ” ( 3 / 23 ).

وثبت أن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان يكرر قراءة: ( قل هو الله أحد ) في كل ركعة, وأقره عليه النبي صلى الله عليه وسلم.

عن أنس بن مالك قال: كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قباء, فكان كلما افتتح سورة يقرأ لهم في الصلاة فقرأ بها افتتح بقل هو الله أحد حتى يفرغ منها ثم يقرأ بسورة أخرى معها, وكان يصنع ذلك في كل ركعة, فكلمه أصحابه فقالوا: إنك تقرأ بهذه السورة ثم لا ترى أنها تجزئك حتى تقرأ بسورة أخرى, فإما أن تقرأ بها وإما أن تدعها وتقرأ بسورة أخرى, قال: ما أنا بتاركها إن أحببتم أن أؤمكم بها فعلت, وإن كرهتم تركتكم, وكانوا يرونه أفضلهم وكرهوا أن يؤمهم غيره, فلما أتاهم النبي صلى الله عليه وسلم أخبروه الخبر, فقال: يا فلان ما يمنعك مما يأمر به أصحابك وما يحملك أن تقرأ هذه السورة في كل ركعة؟ فقال: يا رسول الله إني أحبها, فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن حبها أدخلك الجنة. رواه الترمذي ( 2901 ) وصححه، وصححه الشيخ الألباني في ” صحيح الترمذي “.

وهو قول الجمهور من الحنفية والشافعية والحنابلة، وخالف في ذلك المالكية، ووجه بعضهم منعهم أنه للحافظ للقرآن، وهو توجيه جيد، وقال بعضهم إن معنى الكراهة في قول الإمام مالك هو خلاف الأولى, وهو صحيح أيضًا.

ونرى أن سؤالك هذا يدل على عدم رضاك عن نفسك؛ حيث أنك لا تحفظ إلا القليل من كتاب الله تعالى؛ مما تضطر إلى إعادة السورة نفسها في الصلاة ذاتها، ولعلَّ هذا أن يدفعك إلى أن تقبل على كتاب الله حفظاً وتعلمًا؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ” يقال لصاحب القرآن اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا, فإن منزلتك عند آخر آيةٍ تقرؤها “. رواه الترمذي ( 2838 ) وصححه ، وأبو داود ( 1464 ) من حديث عبد الله بن عمرو – رضي الله عنه -.

– أسأل الله أن يوفقك إلى ذلك, إنه ولي ذلك والقادر عليه.

 

والله أعلم.

هل يعتمر عن والده أم يجعلها لنفسه؟

السؤال:

– فضيلة الشيخ أسأل الله أن تكون بصحة وعافية.

سوف أقوم بأداء العمرة إن شاء الله, وأفكر أن تكون لوالدي, وهو كبير في السن, وأعلم حينما أبلغه بذلك سوف يفرح, ولكن أتذكر الحديث: أن عمرة في رمضان تعدل حجة مع الرسول صلى الله عليه وسلم، فأيهما أفضل أن أجعلها لوالدي, أم لنفسي؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

اختلف العلماء في وجوب العمرة، وفي السنة حديث ظاهره الوجوب، وفيه جواز الاعتمار عن الأب.

عن أبي رزين لقيط بن عامر أنه قال: يا رسول الله إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظعن، قال: فحج عن أبيك واعتمر. رواه الترمذي ( 930 ) وأبو داود ( 1810 ) والنسائي ( 2621 ) وابن ماجه (9206 ).

والحديث: صححه الترمذي، وابن خزيمة ( 3040 ) وابن حبان ( 3991 ).

– قال الإمام أحمد: لا أعلم في إيجاب العمرة حديثًا أجود من هذا ولا أصح منه.

 

ثانيًا:

لا يحج ولا يُعتمر عن القادر على السفر وأداء المناسك، بل يكون ذلك عن الميت الذي لم يحج ولم يعتمر أو عن الحي العاجز لمرض أو لغيره، وإذا كان الحج والعمرة من الابن عن أحد والديه أو عن كليهما كان ذلك من البر وهو مستحب.

وقال ابن قدامة – رحمه الله -:

يستحب أن يحج الإنسان عن أبويه إذا كانا ميتين أو عاجزين؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أبا رزين فقال: ” حج عن أبيك واعتمر “.

” المغني ” ( 3 / 102 ).

قال الشيخ عبد العزيز بن باز –  رحمه الله  -:

أما الصدقة عن الأموات وغيرهم، والدعاء لهم، والحج عن الغير ممن قد حج عن نفسه، وهكذا العمرة عن الغير ممن قد اعتمر عن نفسه، وهكذا قضاء الصوم عمن مات وعليه صيام، فكل هذه العبادات قد صحت بها الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان المحجوج عنه والمعتمر عنه ميتًا أو عاجزًا لهرم أو مرض لا يرجى برؤه.  ” مجموع فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 8 / 361 ).

ثالثا:

وليس لك أن تعتمر عن أبيك –  ومثله الحج – إلا أن تكون قد اعتمرت لنفسك أولاً.

عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلًا يقول: لبيك عن شبرمة، قال: من شبرمة؟ قال: أخ لي أو قريب لي، قال: حججت عن نفسك؟ قال: لا، قال: حج عن نفسك, ثم حج عن شبرمة. رواه أبو داود ( 1811 ) وابن ماجه ( 2903 ).

قال الشيخ عبد العظيم آبادي – رحمه الله -:

والحديث أخرجه أيضًا ابن حبان وصححه والبيهقي وقال: إسناده صحيح وليس في هذا الباب أصح منه …. .

وقد أطال الكلام الحافظ – أي: ابن حجر – في ” التلخيص ” ومال إلى صحته.

وظاهر الحديث أنه لا يجوز لمن لم يحج عن نفسه أن يحج عن غيره وسواء كان مستطيعًا أو غير مستطيع؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يستفصل هذا الرجل الذي سمعه يلبي عن شبرمة, وهو ينزل منزلة العموم, وإلى ذلك ذهب الشافعي. ” عون المعبود ” ( 5 / 174 ).

رابعا:

– وقد صح أن العمرة في رمضان تعدل حجة.

عن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال: لما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من حجته قال لأم سنان الأنصارية: ما منعك من الحج؟ قالت: أبو فلان – تعني: زوجها – كان له ناضحان حج على أحدهما والآخر يسقي أرضًا لنا، قال: فإن عمرة في رمضان  تقضي حجة معي. رواه البخاري ( 1764 ) ومسلم ( 1256 ).

فاجعل هذه العمرة لنفسك إن لم تكن قد اعتمرت عن نفسك، وإن كنت قد فعلت فاجعلها لوالدك العاجز عن الذهاب للعمرة والذي لم يسبق له الاعتمار، فإن كان قد اعتمر فلا يشرع التطوع له بعمرة أخرى لا وهو حي ولا بعد موته.

ونسأل الله تعالى أن يوفقك لبر والديك، وأن يكتب لك أجر نيتك، وأن ييسر لك الخير حيث كان.

 

والله أعلم.

هل يجوز تقصُّد المسجد البعيد من أجل حسن صوت إمامه؟

السؤال:

في هذا الشهر الكريم طبعًا الإنسان يريد وجه الله والسمو بروحه إلى الخالق وحده، لهذا سؤالي: إني أصلي في مسجد كبير وبه شيخ صوته جميل جدًّا – ما شاء الله – وحولي في المنطقة مساجد كثيرة وقريبة مني، وهذا المسجد الكبير بعيد عني, فهل في هذا رياء؟ وهل هناك مشكلة للذهاب إلى ذلك المسجد بقصد الاستمتاع بالصلاة؟ فما رأي فضيلتكم في هذا العمل؟ أرجو الإفادة، وجزاكم الله خيرًا, مع العلم أنا أذهب إلى هذا المسجد بقصد التطويل في الصلاة والتمتع بها، فهل تعمد الذهاب إلى مسجد معين وشيخ معين مكروه؟.

 

الجواب:

الحمد لله

اختلف أهل العلم – رحمهم الله – في هذه المسألة، فمنعها بعضهم، واستدلوا بحديث ونظر، أما الحديث فهو ما روي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ”  ليصل أحدكم في المسجد الذي يليه ولا يتخطاه إلى غيره “.

وأما النظر فهو قولهم: إن هذا يؤدي إلى إيحاش صدر إمام المسجد الذي يليه، وقد يؤدي إلى هجر المسجد.

وممن نصر هذا القول ابن القيم – رحمه الله -، إذ قال – في بيان الأدلة على منع فعل ما يؤدي إلى الحرام ولو كان جائزا في نفسه  -:

الوجه الرابع والخمسون: أن الشارع نهى الرجل أن يتخطى المسجد الذي يليه إلى غيره كما رواه بقية عن المجاشع بن عمرو عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: ”  ليصل أحدكم في المسجد الذي يليه ولا يتخطاه إلى غيره “.

وما ذاك إلا لأنه ذريعة إلى هجر المسجد الذي يليه، وإيحاش صدر الإمام أما إن كان الإمام لا يتم الصلاة أو يرمى ببدعة، أو يعلن بفجور فلا بأس بتخطيه إلى غيره. ” إعلام الموقعين ” ( 3 / 148 ).

والصحيح من القولين هو القول الآخر، وهو جواز هذا الفعل لحديث ونظر.

أما الحديث فهو ما رواه أبو موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إن أعظم الناس أجراً في الصلاة أبعدهم إليها ممشى فأبعدهم “.

رواه البخاري ( 623 ) ومسلم ( 662 ).

وأما النظر: فهو أن الله تعالى زكَّى المؤمنين الذين يخشعون في صلاتهم، ولا شك أن الصوت الحسن مما يعين على الخشوع فيها, فكان طلب المسجد الذي فيه حسن الصوت طلباً لأمرٍ مشروع مرغوب فيه.

وأما الحديث الذي استدل به أصحاب القول الأول فهو حديث ضعيف جدًّا، فبقية هو ابن الوليد، وهو مدلس، والمجاشع بن عمرو هذا قد قال فيه الإمام يحيى بن معين: ” قد رأيته، أحد الكاذبين ” ! كما في ” ميزان الاعتدال ” للذهبي ( 6 / 21 ).

وللحديث طرق أخرى فيها ضعفاء ومجاهيل، لا يمكن تحسين الحديث بها، وهو مخالف لما جاء في الصحيحين من حديث أبي موسى – وقد سبق -.

وهذه فتاوى أهل العلم في هذه المسألة:

  1. سئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله –:

يوجد في مدينتنا قارئ جيد يخشع في صلاته ويأتي إليه الناس من مدن بعيدة كالرياض والمنطقة الشرقية والباحة وغيرها، فما الحكم في مجيء هؤلاء، وهل صحيح أنهم وقعوا في النهي الوارد في الحديث: ” لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام؛ ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم؛ والمسجد الأقصى “؟ نرجو الإفادة والتوجيه، وجزاكم الله خيرًا.

فأجاب:

لا نعلم حرجًا في ذلك، بل ذلك داخل في الرحلة لطلب العلم، والتفقه في القرآن الكريم واستماعه من حسن الصوت به، وليس السفر لذلك من شد الرحال المنهي عنه. ” مجموع فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 5 / 352 ).

  1. وسئل الشيخ – رحمه الله – أيضًا –:

ما حكم تتبع المساجد طلبًا لحسن صوت الإمام لما ينتج عن ذلك من الخشوع وحضور القلب؟.

فأجاب:

الأظهر – والله أعلم – أنه لا حرج في ذلك إذا كان المقصود أن يستعين بذلك على الخشوع في صلاته، ويرتاح في صلاته ويطمئن قلبه، لأنه ما كل صوت يريح، فإذا كان قصده من الذهاب إلى صوت فلان أو فلان الرغبة في الخير وكمال الخشوع في صلاته فلا حرج في ذلك، بل قد يشكر على هذا ويؤجر على حسب نيته، والإنسان قد يخشع خلف إمام ولا يخشع خلف إمام بسبب الفرق بين القراءتين والصلاتين، فإذا كان قصد بذهابه إلى المسجد البعيد أن يستمع لقراءته لحسن صوته وليستفيد من ذلك وليخشع في صلاته لا لمجرد الهوى والتجول بل لقصد الفائدة والعلم وقصد الخشوع في الصلاة، فلا حرج في ذلك, وقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: ” أعظم الناس أجراً في الصلاة أبعدهم فأبعدهم ممشىً “، فإذا كان قصده أيضًا زيادة الخطوات فهذا أيضًا مقصد صالح.

” مجموع فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 11 / 328 ، 329 ) .

 

 

  1. وسئل الشيخ عبد الله بن جبرين – حفظه الله -:

بعض الناس في رمضان ينتقلون من مسجد إلى آخر بحثًا عن إمام حسن الصوت، مدعين أنه ينشطهم، فما حكم عملهم هذا؟.

فأجاب:

لا بأس بذلك، ولا يلزمهم الصلاة في المسجد القريب منهم، فإن الأئمة يتفاوتون في حفظ القرآن وتجويده وحسن الصوت والترنم والتغني بالقرآن والخشوع في الصلاة والطمأنينة فيها، ولا شك أن القارئ المتفوق في هذه الأوصاف تخشع لصوته القلوب، ويحصل لها رقة وحضور قلب وتأمل وتدبر وتعقل للصلاة وللقراءة أكثر من غيره، وذلك مما يعظم به الأجر، ويتفاوت به العمل؛ فلا جرم أن رأينا بعض الأئمة تمتلئ المساجد عندهم في التراويح ولو كانوا يطيلون أو يزيدون في عدد الركعات، محبة لهم وحرصًا على زيادة الأجر في الخطوات والمسير نحوهم، ولما يتجدد في القلب من قوة التأثر للصلاة وللقرآن، وذلك كله مطلوب من العبد، فإذا لم يجد من الإمام القريب ما يشجعه على الخشوع والإنصات والإقبال على الصلاة جاز له الذهاب إلى غيره، ولو صلى كل ليلة مع واحد للتجربة والحرص على الفائدة المطلوبة من هذه الصلوات.

 

والله أعلم.

من يتبع من الهيئات والدول لابتداء الصيام وانتهائه؟

السؤال:

أنا من العراق، أسأل السؤال التالي: كما نعلم إن العراق مقسَّم إلى مذاهب إسلامية سنيَّة وشيعيَّة، فإذا أعلن أحد هذه الأطراف رؤية الهلال دون سواه فهل يعتبر الصيام واجبًا، وهل يجوز أن أتبع السعودية بالصيام رغم كوني في العراق؟.

 

الجواب:

الحمد لله

ليُعلم أولاً أنه لا عبرة بمخالفة الشيعة لأهل السنَّة ولا يُفرح بموافقتهم لهم، فهم فرقة ضالة منحرفة لها أصولها المخالفة لأصول أهل السنة، بل يمكن اعتبارها دينا آخر وليس فرقة تنتسب إلى الإسلام.

وعليه: فلا يوثق برؤية أحدهم للهلال؛ لأن عدالتهم ساقطة، ولا تقبل شهادة أحدهم ليثبت به دخول الشهر ولا انتهاؤه.

وأما المسألة عند أهل السنة: فالخلاف فيها معلوم، فمن العلماء من يرى أن رؤية واحد من المسلمين الثقات للهلال ملزمة لجميع المسلمين حيثما كانوا، ومنهم من يرى أن اختلاف المطلع له تأثير في حكم الصيام، فإذا اتفقت المطالع لزمتهم رؤية أحدهم دون غيرهم، ولكل واحدٍ من القولين ما يستدل به، وقد ذكرنا هذه المسألة في عدة أجوبة.

وإذا كنتَ في بلد ولهم مجلس شرعي من أهل السنة يعتمد على رؤية الهلال دون الحساب الفلكي فصوموا بأمرهم وقولهم.

 

والله أعلم.

هل تسقط حقوق الآخرين بالتوبة والمغفرة بالصيام؟

السؤال:

سمعت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر الله له ما تقدم من ذنبه “، هل يدخل في ذلك الذنوب التي ارتكبها المرء متعمدًا في حق إخوانه المسلمين وندم عليها أشد الندم, ولكنه لا يستطيع أن يعترف لهم بما فعله معهم؛ لأن ذلك سيؤدي إلى الكثير من المشاكل؟.

 

الجواب:

الحمد لله

مكفرات الذنوب كثيرة، ومنها القيام بالطاعات، والتوبة والاستغفار منها، وإقامة الحدود على من فعل ما يوجب حدًّا، وغير ذلك.

والصلاة والصيام والحج من أعظم الطاعات التي تكفِّر الذنوب، والأدلة على ذلك واضحة مشهورة، وفيما يتعلق بسؤال الأخ فإن ما قاله في كون الصيام يكفِّر الله تعالى به الذنوب صحيح.

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه “. رواه البخاري ( 38 ) ومسلم ( 760 ).

قال الله تعالى: ( إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ) [ النساء / الآية 17 ].

وقال عز وجل: ( وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا ) [ النساء / الآية 110 ].

ولا يدخل في هذه الذنوب الحقوق الماليَّة الخاصة بالمسلم؛ فإن الذنب المتعلق بحقوق الآخرين يوجب التوبة بين المذنب وبين ربه تعالى، وبينه وبين المخلوق بإرجاع حقوقه إليه.

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 14 / 129 ):

التوبة بمعنى الندم على ما مضى والعزم على عدم العود لمثله لا تكفي لإسقاط حق من حقوق العباد، فمن سرق مال أحد أو غصبه أو أساء إليه بطريقة أخرى لا يتخلص من المسائلة بمجرد الندم والإقلاع عن الذنب والعزم على عدم العود, بل لا بد من رد المظالم, وهذا الأصل متفق عليه بين الفقهاء. انتهى.

هذا فيما يتعلق بالحقوق المادية كالمال المأخوذ غصبًا أو باحتيال، أما الحقوق المعنوية كالقذف والغيبة فقد قال بعض العلماء: بأن التوبة منه – إن لم يكن يعلم بذلك – بإخباره وطلب المسامحة منه بعد التوبة والاستغفار بينه وبين ربه عز وجل، والقول الآخر: هو أن لا يخبره بل يدعو ويستغفر له؛ لأن هذا الإخبار قد يسبب نفورًا وهجرًا وعدم قبول منه، وهذا القول هو الصواب.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى -:

فأما إذا اغتابه أو قذفه ولم يعلم بذلك، فقد قيل: من شرط توبته: إعلامه، وقيل: لا يشترط ذلك وهذا قول الأكثرين، وهما روايتان عن أحمد لكن قوله مثل هذا أن يفعل مع المظلوم حسنات كالدعاء له والاستغفار وعمل صالح يهدى إليه يقوم مقام اغتيابه وقذفه. قال الحسن البصري: كفارة الغيبة أن تستغفر لمن اغتبته.

” مجموع الفتاوى ” ( 18 / 189 ).

والخلاصة: أن على الآخذ لأموال الناس ردها لهم، وعلى المغتاب أن يستغفر الله، وأن يندم، وأن يعزم أن لا يعود، وأن يتحلل من المغتاب إن رأى أن ذلك أصلح لقلبه وأفضل للمودة، وإلا فلا يخبره كما سبق في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -.

وقال علماء اللجنة الدائمة – في جندي سرق مالا من عبدٍ -:

إن كان يعرف العبدَ أو يعرف من يعرفه: فيتعين عليه البحث عنه ليسلم له نقوده فضة أو ما يعادلها أو ما يتفق معه عليه، وإن كان يجهله وييأس من العثور عليه: فيتصدق بها أو بما يعادلها من الورق النقدي عن صاحبها، فإن عثر عليه بعد ذلك فيخبره بما فعل فإن أجازه فبها ونعمت، وإن عارضه في تصرفه وطالبه بنقوده: ضمنها له وصارت له الصدقة، وعليه أن يستغفر الله ويتوب إليه ويدعو لصاحبها.

” فتاوى إسلاميَّة ” ( 4 / 165 ).

 

والله أعلم.