الرئيسية بلوق الصفحة 44

هل جاء في الشرع ترك التزوج خشية الفقر؟ وشبهتان في مسألة ” تحديد النسل “

هل جاء في الشرع ترك التزوج خشية الفقر؟ وشبهتان في مسألة ” تحديد النسل ”

السؤال:

أوّلًا: أنا أعلم أنكم تفتون بعدم جواز تحديد النسل، لكن جاء ببالي استفسار وهو: لماذا لا نقول بجواز تحديد النسل والاقتصار على إنجاب ولدين أو ثلاثة خشية الفقر على أنه كعدم التزوج بزوجة ثانية خشية الفقر وكلاهما رزقهما على الله؟.

وفي هذا الحال – أي: عدم التزوج بزوجة ثانية خشية الفقر – جائز وأما الاكتفاء بولدين أو ثلاثة غير جائز؟.

ثانيًا: لماذا لا نقول بجوازه استدلالًا بالقاعدة الفقهية المستنبطة من الكتاب والسنة أن الوسائل لها أحكام المقاصد؟ فمعلوم أن الأصل في الزواج الندب لمن لم يخف على نفسه العنت وهذا عند جماهير أهل العلم خلافًا للظاهرية كابن حزم – رحمه الله -، فلماذا لا نقول بالجواز لأن الأصل في الزواج الندب فيكون التحديد من باب أولى لأن التابع له حكم المتبوع والوسائل لها أحكام المقاصد؟.

أريد إجابة علمية كما تعودنا منكم، وجزاكم الله خيرًا.

 

الجواب :

الحمد لله

أولًا:

عدم التزوج بثانية خشية الفقر ليس له أصل صحيح في الشرع، وليس ثمة ما يدل عليه من نصوص الوحي، بل لو قيل بالعكس لما بعُد عن الصواب، وهو أن الزواج ذاته – حتى لو كان من ثانية أو ثالثة أو رابعة – سبيل من سبل الرزق، لا الفقر، وهو أحد وجوه تفسير قوله تعالى ( وَأَنْكِحُوا الأيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) النور/ 32.

قال ابن عباس رضي الله عنهما:

رغَّبهم الله في التزويج، وأمر به الأحرار والعبيد، ووعدهم عليه الغنى.

رواه ابن جرير في ” تفسيره ” ( 17 / 275 ).

وقال ابن كثير – رحمه الله -:

وقد زوَّج النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الرجل الذي لم يجد عليه إلا إزاره ولم يقدر على خاتم من حديد, ومع هذا فزوَّجه بتلك المرأة، وجعل صداقها عليه أن يعلّمها ما معه من القرآن.

والمعهود من كرم الله تعالى ولطفه: أن يرزقه ما فيه كفاية لها وله.

” تفسير ابن كثير ”  ( 3 / 349 ).

 

 

وقال ابن العربي المالكي – رحمه الله -:

في هذه الآية دليل على تزويج الفقير، ولا يقولنَّ كيف أتزوج وليس لي مال؟ فإن رزقه ورزق عياله على الله، وقد زوَّج النبي صلى الله عليه وسلم الموهوبة من بعض أصحابه وليس له إلا إزار واحد. ” أحكام القرآن ” ( 6 / 84  ).

وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -:

وقوله: ( إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ ) أي: الأزواج والمتزوجين ( يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ) فلا يمنعكم ما تتوهمون من أنه إذا تزوج افتقر بسبب كثرة العائلة ونحوه، وفيه حث على التزوج، ووعد للمتزوج بالغنى بعد الفقر.

( وَاللَّهُ وَاسِعٌ ) كثير الخير عظيم الفضل ( عَلِيمٌ ) بمن يستحق فضله الديني والدنيوي، أو أحدهما ممن لا يستحق، فيعطي كلا ما علمه واقتضاه حكمه.

” تفسير السعدي ” ( ص 567 ).

وقال الشيخ عبد الكريم الخضير – حفظه الله -:

هذه الآية دليل على تزويج الفقير، لكن ظاهر الآية أنه وعد من الله جل وعلا لمن تزوج، ولا يختص هذا بالزواج الأول أو الثاني أو الثالث، المقصود: أن من تزوج هو موعود بالغنى، والزواج سبب من أسباب الغنى، قد يعارضه مانع فلا يترتب أثره عليه. ” تفسير سورة النور ” ( ص 6 ) – ترقيم الشاملة -.

فإن قال قائل:

فعلى هذا ما معنى قوله تعالى ( وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ) النور/ 33، فإن ظاهرها أن ذات التزوج لا يكون جالبًا للرزق وإلا لما أُمر بالاستعفاف بل بالزواج؟! وكذا قوله صلى الله عليه وسلم ( يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ ) – رواه البخاري ( 4779 ) ومسلم ( 1400 ) -؟.

وكيف نجمع بين هذا وبين قول النبي صلى الله عليه وسلم ( ثَلَاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَوْنُهُمْ الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُكَاتَبُ الَّذِي يُرِيدُ الْأَدَاءَ وَالنَّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ الْعَفَافَ ) – رواه الترمذي ( 1655 ) وقال: حديث حسن، وحسَّنه الألباني في ” صحيح الترمذي” -.

فالجواب:

أن الآية ليست حصرًا في الفقير الذي لا يجد المال، بل هي أعم من ذلك، ومن المعلوم أنه ليس كل قادرٍ بماله وبدنه فهو يجد زوجة ملائمة له، كما أن بعض الناس يمتنع والده أو سيده عن تزويجه – إما لفقره أو لطغيانه – وهو لا يستطيع التزوج دون موافقتهما ومساعدتهما، فهي أعم مِن حصرها بالذي لا يجد المال للتزوج، وهؤلاء – ومعهم الفقير الذي لا يجد قدرة على إنشاء زواج – أمرهم الله تعالى بالاستعفاف حتى يغنيهم من فضله إما بمال أو بزوجة ملائمة.

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -:

وقوله ( الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا ) أي: لا يقدرون نكاحًا، إما لفقرهم أو فقر أوليائهم وأسيادهم، أو امتناعهم من تزويجهم وليس لهم من قدرة على إجبارهم على ذلك.

وهذا التقدير أحسن من تقدير من قدَّر ” لا يجدون مهر نكاح “.

” تفسير السعدي ” ( ص 567 ).

وأما حديث ( يَا مَعْشَر الشَّبَابِ … ) – ومعه الآية السابقة بأحد معانيها وهو الذي لا يجد الزواج لفقره – فهو غير معارض لحديث ( ثَلاَثَةٌ حَقٌّ على الله عَوْنُهُم … )، وبيان ذلك: أن الفقير في الحديث الأول هو الذي لا يملك ما يَبدأ به الزواج، وأما الحديث الثاني فهو في الفقير الذي ملك ما بدأ به زواجه ووُعد بالإعانة أثناءه، فالحديث الأول موافق لقوله تعالى ( وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ) النور/ 33، والحديث الثاني موافق لقوله تعالى ( إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ) النور/ 32.

قال الشيخ محمد علي السايس – حفظه الله -:

فالشافعية يجعلون هذه – يعني: قوله تعالى ( وَلْيَسْتَعْفِفِ … ) مخصِّصة للآية السابقة – يعني: قوله تعالى ( إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ … ) – ويقولون: الفقراء قسمان: قسم يملك أهبة النكاح، وقسم لا يملكها، فالفقراء العاجزون عن أسباب النكاح الذين لا يملكون أهبته قد ندبهم اللّه بهذه الآية إلى ترك النكاح وأرشدهم إلى ما هو أولى بهم وأصلح لحالهم: من الاستعفاف، وصون النفس، إلى وجدان الغِنى، وحينئذ يتزوجون، فتعيّن أن يكون الفقراء الذين ندب اللّه إلى إنكاحهم بقوله ( إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ) هم الذين يملكون أهبة النكاح، ولا شكّ أنّ الفقير الذي يملك أهبة النكاح يندب له أن يتزوج. ” تفسير آيات الأحكام ” ( ص 597 ، 598 ).

وخلاصة ما سبق:

  1. أنه لا ينبغي لأولياء المرأة الامتناع من تزويج الفقير لفقره، وقد وعد الله تعالى المتزوجين بهنَّ أن يُغنيهم من فضله.
  2. وليس لأولياء الشباب والرجال أن يمتنعوا من تزويجهم بحجة فقرهم، والوعد السابق بالغِنى يشملهم.

فالخطاب في الأمرين السابقين للأولياء – وليس لذات المتزوِّجين – وهو معنى قوله تعالى ( وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) النور/ 32.

 

 

 

قال الشوكاني – رحمه الله -:

( إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ) أي: لا تمتنعوا من تزويج الأحرار بسبب فقر الرجل والمرأة أو أحدهما؛ فإنهم إن يكونوا فقراء يغنهم الله سبحانه ويتفضل عليهم بذلك. ” فتح القدير ” ( 4 / 41 ).

  1. ليس ثمة نص خوطب به الزوج الفقير الذي لا يجد ما يبدأ به زواجه أن يتزوج.

قال ابن القيم – رحمه الله -:

قوله ( وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ) في حق الأحرار أمرهم الله تعالى أن يستعفوا حتى يغنيهم الله من فضله فإنهم إن تزوجوا مع الفقر التزموا حقوقا لم يقدروا عليها وليس لهم من يقوم بها عنهم…. .

فالآية الأولى – يعني: ( وَلْيَسْتَعْفِف ) -: في حكم تزوجهم لأنفسهم، والثانية – يعني: ( وَأَنْكِحُوا ) -: في حكم تزويجهم لغيرهم. ” روضة المحبين ” ( ص 317 ).

بل قد أُمر الراغب بالزواج من الفقراء الذين لا يجدون ما يبدؤون به زواجهم بالاستعفاف، كما في قوله تعالى ( وَلْيَسْتَعْفِف ).

ومما يعين على الاستعفاف: غض البصر – ( قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ) -، والصوم – ( فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِع فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ ) -.

قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله -:

هذا الاستعفاف المأمور به في هذه الآية الكريمة: هو المذكور في قوله ( قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ) النور/ 30، وقوله تعالى ( وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً ) الإسراء/ 32، ونحو ذلك من الآيات.  ” أضواء البيان ” ( 5 / 532 ).

  1. والفقير الذي يجد ما يبدأ به زواجه وُعد بالإعانة إن كان يقصد بزواجه العفاف، كما في حديث ( ثَلاثَةٌ حقٌّ على الله عَوْنُهُم … ) والإعانة تشمل الإعانة المادية ليستمر زواجه، والإعانة على طاعة الله التي قصدها بزواجه – كما سيأتي النقل عن الشيخ الشنقيطي -.

قال الشوكاني – رحمه الله -:

إن هذا الأمر بالاستعفاف للعاجز عن تحصيل مبادئ النكاح، ولا ينافي ذلك وقوع الغنى له من بعد أن ينكح؛ فإنه قد صدق عليه أنه لم يجد نكاحًا إذا كان غير واجد لأسبابه التي يتحصل بها وأعظمها المال. ” فتح القدير ” ( 4 / 42 ).

وننبه إلى أن الشوكاني رحمه الله مال إلى أن الغنى الذي وعد الله تعالى به الذين يُزوَّجون من الفقراء في قوله تعالى ( يُغْنِهم الله من فَضْلِهِ ) مقيَّد بمشيئة الله تعالى، ولا نرى ذلك صحيحًا، وليس الوعد بالغنى للفقير الذي لا يجد نكاحًا؛ إذ لو كان كذلك لما أُمر بالاستعفاف بل لأُمر بالتزوج، وثمة فرق بين الوعد من الله تعالى في قوله ( إِن يَكونوا فُقَرَاء يُغْنِهم الله من فَضْلِهِ ) في حق المُزوَّجين من الفقراء، وبين قوله ( وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحاً حتَّى يُغْنِيَهم الله من فَضْلِهِ )؛ إذ ليس في الآية وعد بالغنى، بل أمر بالصبر والاستعفاف حتى يحصل لهم الغنى.

وأما الوعد بالغنى في الحديث فهو لمن ملك القدرة على بداية الزواج، فالتقى هذا الحديث مع قوله تعالى ( يُغْنِهِم ) والتقى حديث ( يا معشر الشباب ) مع قوله تعالى ( وَلْيَسْتَعْفِفْ ).

والنقل الأخير عن الشوكاني – والذي ذكره احتمالًا واستثناءً – هو الصواب، وأن الوعد بالغنى ليس مخاطبًا به الفقير الذي لا يجد نكاحًا ابتداءً.

 

ثانًيًا:

التزوج بثانية وثالثة ورابعة يعني كثرة الولد – بإذن الله -، وهذا سبيل آخر من سبل الرزق، فصار الزواج والإنجاب من سبل الرزق، وقد رغَّب الشارع فيهما – وأوجب الزواج في بعض الأحيان – فليس ثمة مجال للقول بمنع التزوج خشية الفقر، بل إن الزواج والأولاد يرفعان الفقر – بإذن الله – لمن نوى بتزوجه إعفاف نفسه، ونوى بإنجابه تنفيذ وصية نبيه صلى الله عليه وسلم.

قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله -:

وقد قدمنا أنه جل وعلا وعد بالغنى عند التزويج وعند الطلاق.

أما التزويج: ففي قوله هنا: ( إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ).

وأما الطلاق: ففي قوله تعالى: ( وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلّاً مِنْ سَعَتِهِ ) النساء/ 130.

والظاهر: أن المتزوج الذي وعده الله بالغنى هو الذي يريد بتزويجه الإعانة على طاعة الله بغض البصر، وحفظ الفرج، كما بيَّنه النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: ( يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ) الحديث، وإذا كان قصده بالتزويج طاعة الله بغض البصر وحفظ الفرج: فالوعد بالغنى إنما هو على طاعة الله بذلك.

” أضواء البيان ” ( 5 / 531 ).

وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

فيختار المرأة التي عُرفت قريباتها بكثرة الولادة؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم أمر بذلك فقال: ( تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة )؛ ولأن كثرة الأمَّة عِزٌّ لها، وإياك وقول الماديين الذين يقولون: إن كثرة الأمة يوجب الفقر، والبطالة، والعطالة، بل الكثرة عِزٌّ امتن الله به على بني إسرائيل، حيث قال: ( وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا ) الإسراء/  6، وذَكَّر شعيبٌ عليه الصلاة والسلام قومَه بها حيث قال: ( وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ ) الأعراف/ 86، فكثرة الأمة عِزٌّ، لا سيما إذا كانت أرضهم قابلة للحراثة، والزراعة، والصناعة، بحيث يكون فيها مواد خام للصناعة وغير ذلك، وليس – والله – كثرة الأمة سببًا للفقر والبطالة أبدًا.

لكن مع الأسف أن بعض الناس – الآن – يختار المرأة التي يمكن أن تكون عقيمًا، فهي أحب من الولود، ويحاولون أن لا تلد نساؤهم إلا بعد ثلاث أو أربع سنوات من الزواج وما أشبه ذلك، وهذا خطأ؛ لأنه خلاف مراد النبي صلّى الله عليه وسلّم، ويقولون أحيانًا: إن تربيتهم تشق، فنقول: إذا أحسنتم الظن بالله: أعانكم الله.

ويقولون أحيانًا: إن المال الذي عندنا قليل، نقول لهم: ( وَمَا مِنْ دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا ) هود/ 6، وأحيانًا يرى الإنسان الرزق ينفتح إذا ولد له، وقد حدثني من أثق به – وهو رجل يبيع ويشتري – يقول: إني منذ تزوجت فتح الله عليَّ باب رزق، ولما ولد ولدي فلان انفتح باب رزق آخر، وهذا معلوم؛ لأن الله يقول ( وَمَا مِنْ دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا ) هود/ 6، ويقول: ( وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ مِنْ إِمْلاَقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ) الأنعام/ 151، وقال: ( وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاَقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ ) الإسراء/ 31، وقال: ( إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ) النور/ 32.

فالحاصل: أن هذه العلة – وهي كون الأولاد سببًا للفقر – خطأ.

” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 12 / 16 ، 17 ).

وبه يتبين أن ما قاله الأخ السائل من أن التزوج بثانية لا يجوز خشية الفقر: لا أصل له في الشرع، إنما الذي ثبت في الشرع النهي عن التزوج بثانية وثالثة ورابعة لمن لا يستطيع العدل بين نسائه في النفقة والمسكن والمبيت، وأما من ملك القدرة: فإنه يرغَّب بالتزوج من أخرى، قال تعالى ( فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ ) النساء/ 3، ومعنى ” ألاَّ تعولوا ” أي: ألاَّ تجوروا، ولم يقل الله تعالى ” فإن خفتم الفقر ” أو ” إن خفتم كثرة الولد “، بل قد جاء في الحديث الصحيح أن الله تعالى تكفَّل بإعانة الناكح الذي يريد العفاف – كما سبق -، والشرع المطهر رغَّب كل زوج بإنجاب الأولاد، بل بالإكثار منه، ولو من زوجة واحدة، فسقط بذلك القول بتحديد النسل بناء على الشبهة الأولى.

ثالثًا:

– وأما قياس تحديد النسل على حكم التزوج على اعتبار أن الأصل فيه الندب: فقياس باطل:

أ. فالزواج ليس حكما واحدًا لا الندب ولا الإباحة، بل إنه تجري فيه الأحكام الخمسة، فقد يكون واجبًا وقد يكون حرامًا، ومن يتأمل حال الفتن والشهوات في زماننا هذا لا يتردد في القول بوجوب تزوج الشباب القادرين؛ حفاظًا على أنفسهم، وخشية من الوقوع في الفاحشة.

فكيف يمكن قياس إباحة تحديد النسل على زواج واجب – مثلًا -؟!.

ب. ثم إن الزواج مِن هدي النبي صلى الله عليه وسلم وسنّته، كما في قوله صلى الله عليه وسلم ردًّا على مَن أراد ترك النكاح وقال: ( أَمَّا أَنَا فَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي ) كما رواه البخاري ( 4776 ) ومسلم ( 1401 ).

فهل هذا هو حال وحكم تحديد النسل؟!.

ج. ثم إن الشريعة المطهرة قد رغَّبت في التكاثر والتناسل، وهو ما لا يكون إلا من زواج واتخاذ إماء، ونهت عن التبتل والانقطاع عن التزوج، كما في حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ بِالْبَاءَةِ وَيَنْهَى عَنْ التَّبَتُّلِ نَهْيًا شَدِيدًا وَيَقُولُ: ( تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ إِنِّي مُكَاثِرٌ الْأَنْبِيَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) رواه أحمد (12202 ) وصححه الهيثمي في ” مجمع الزوائد ” ( 4 / 474 ).

فكيف سيلتقي هذا مع قطع النسل بعدم التزوج؟!.

قال أبو حامد الغزالي – رحمه الله -:

وفي التوصل إلى الولد قربة من أربعة أوجه هي الأصل في الترغيب فيه عند الأمن من غوائل الشهوة حتى لم يحب أحدهم أن يلقى الله عزبًا:

الأول: موافقة محبة الله بالسعي في تحصيل الولد لإبقاء جنس الإنسان.

والثاني: طلب محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم في تكثير من به مباهاة.

والثالث: طلب التبرك بدعاء الولد الصالح بعده.

والرابع: طلب الشفاعة بموت الولد الصغير إذا مات قبله.

” إحياء علوم الدين ” ( 2 / 24 ).

د. ثم إن النظرة للزواج على أن مقصودها الإنجاب فقط نظرة قاصرة؛ إذ ثمة مصالح كثيرة تكون التزوج غير كثرة الولد، فكيف يُجعل من ليس متزوجًا كمن هو متزوج وله ولدان – مثلًا -؟!.

قال أبو حامد الغزالي – رحمه الله -:

النكاح مُعين على الدِّين، ومهين للشياطين، وحصن دون عدو الله حصين، وسبب للتكثير الذي به مباهاة سيد المرسلين لسائر النبيين.

” إحياء علوم الدين ” ( 2 / 21 ).

وقال – أيضًا -:

وفيه فوائد خمسة: الولد، وكسر الشهوة، وتدبير المنزل، وكثرة العشيرة، ومجاهدة النفس بالقيام بهن. ” إحياء علوم الدين ” ( 2 / 24 ).

– وانظر طائفة من أقوال العلماء واللجان العلمية والمجامع الفقهية في تحريم تحديد النسل في مظانها.

 

والله أعلم.

حرمة دم المسلم، وتحريم قتله بغير حق، وواجب المسلمين تجاه ذلك

حرمة دم المسلم، وتحريم قتله بغير حق، وواجب المسلمين تجاه ذلك

السؤال:

– ما هي النصيحة التي يمكن أن تقدمونها لبعض الصوماليين الذين يَقتل بعضهم بعضًا؟

– وما أعنيه هو هل من الجائز في الإسلام قتل المسلم لأخيه المسلم بغير حق؟ وهل هذا الأمر حرام؟ فهل قتل المسلمين لمجرد أنهم ينتمون لقبيلة أخرى حرام؟

إنني لست من الصومال، ولكنني امرؤ مسلم ووجدت أن هذا الأمر به من الحماقة والجهل ما به، وهو ما أثارني ضد هذه الأعمال، غيرة على دين الله، وخوفًا عليهم من أن ينصهروا في تلك الأعمال، إنني آمل في أن تقوموا بالإيضاح لبعض المسلمين المقيمين معنا هنا في الغرب، وإنني علي أمل أن يقوموا بتغيير هذا الأمر، أو على الأقل يحاولون تغييره، وأتمنى أن تأخذوا وقتكم قبل الرد، ومن ثم تخبرونهم عن قول الله تعالى حيال هذه الأعمال، وما قاله الرسول الخاتم في مثل هذه الأعمال.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نسأل الله أن يجزيك أخي السائل خير الجزاء لشعورك بحال إخوانك المسلمين، فالمسلم للمسلم كالبنيان يشدُّ بعضه بعضًا، وأهل الإسلام كالجسد الواحد، في تراحمهم، وتعاطفهم، وتوادهم.

 

ثانيًا:

إن من علامات الساعة التي أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم: ” كثرة الفتن “، و ” كثرة الهرج ” – أي: القتل – .

عن أبي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( يُقْبَضُ الْعِلْمُ وَيَظْهَرُ الْجَهْلُ وَالْفِتَنُ وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ ) قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْهَرْجُ؟ فَقَالَ: ( هَكَذَا بِيَدِهِ)  فَحَرَّفَهَا، كَأَنَّه يُرِيدُ: الْقَتْلَ. رواه البخاري ( 85 ) – واللفظ له – ومسلم بمعناه (157).

ومن أسباب ذلك القتل: دعاوى الجاهلية كما ذكر الأخ السائل، وهو النصرة لقبيلة، أو عصَبة، أو طائفة، وهو ما يحدث في كثير من دول العالَم، حتى ذهب في قتال بين قبيلتين في ” أفريقيا ” في بلد واحد أكثر من مليون شخص!.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ( … وَمَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ يَغْضَبُ لِعَصَبَةٍ، أَوْ يَدْعُو إِلَى عَصَبَةٍ، أَوْ يَنْصُرُ عَصَبَةً فَقُتِلَ: فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ، وَمَنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي يَضْرِبُ بَرَّهَا وَفَاجِرَهَا وَلَا يَتَحَاشَى مِنْ مُؤْمِنِهَا وَلَا يَفِي لِذِي عَهْدٍ عَهْدَهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُ ). رواه مسلم ( 1848 ).

ثالثًا:

وإن مِن أعظم الذنوب بعد الشرك بالله : قتل مسلم بغير حق ، وقد قال تعالى : ( وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً ) النساء/ 93.

وعن أبي الدَّرْدَاءِ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ كُلُّ ذَنْبٍ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَغْفِرَهُ إِلَّا مَنْ مَاتَ مُشْرِكًا أَوْ مُؤْمِنٌ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا. رواه أبو داود (4270 ) والنسائي ( 3984 )، وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

وعن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأَبَي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( لَوْ أَنَّ أَهْلَ السَّمَاءِ وَأَهْلَ الْأَرْضِ اشْتَرَكُوا فِي دَمِ مُؤْمِنٍ لَأَكَبَّهُمْ اللَّهُ فِي النَّارِ ).

رواه الترمذي ( 1398 )، وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

وعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لَنْ يَزَالَ الْمُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَاما ). رواه البخاري ( 6469 ).

 

رابعًا:

والواجب على كل مسلم أن يسعى أن يلقى الله تعالى وليس في صحيفته سفك دم لمسلم بغير حق.

والواجب على العقلاء في حال وقوع تخاصم بين قبيلتين، أو عشيرتين، أو عائلتين: أن يسعوا في الإصلاح بينهما، وإعطاء كل ذي حق حقَّه، فإن أبت إحدى الطائفتين إلا البغي وقتال الطائفة الأخرى: قوتلت حتى ترغم على كف يدها، ووقف القتال، وفي هذا الحكم الإلهي قطع للنزاع، ووقف لسفك الدماء.

قال تعالى: ( وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) الحجرات/ 9.

* قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -:

هذا متضمن لنهي المؤمنين عن أن يبغي بعضهم على بعض، ويقاتل بعضهم بعضًا، وأنه إذا اقتتلت طائفتان من المؤمنين: فإنَّ على غيرهم من المؤمنين أن يتلافوا هذا الشر الكبير، بالإصلاح بينهم، والتوسط بذلك على أكمل وجه يقع به الصلح، ويسلكوا الطريق الموصلة إلى ذلك، فإن صلحتا: فبِها ونعمت، وإن ( بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ ) أي: ترجع إلى ما حد الله ورسوله، من فعل الخير، وترك الشر، الذي من أعظمه: الاقتتال.

وقوله ( فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ ) هذا أمر بالصلح، وبالعدل في الصلح، فإن الصلح قد يوجد ولكن لا يكون بالعدل، بل بالظلم والحيف على أحد الخصمين، فهذا ليس هو الصلح المأمور به، فيجب أن لا يراعى أحدهما، لقرابة، أو وطن، أو غير ذلك من المقاصد والأغراض، التي توجب العدول عن العدل.

( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) أي: العادلين في حكمهم بين الناس وفي جميع الولايات، التي تولوها، حتى إنه قد يدخل في ذلك عدل الرجل في أهله، وعياله، في أدائه حقوقهم، وفي الحديث الصحيح: ( المُقْسِطُون عِنْدَ الله على مَنَابِرَ مِنْ نورٍ، الذين يَعْدِلُون فِي حُكْمِهِم وَأَهْليهم وَمضا وَلُوا ” – رواه مسلم -.

” تفسير السعدي ” ( ص 800 ).

ومن واجب المسلم اتجاه إخوانه في مثل تلك البلاد التي يكثر فيها القتل، وسفك الدماء: أن يدعو الله أن يؤلف بينهم, وأن يرفع عنهم الفتن, والقتل، والبلاء، وأن يرد كيد أعداء الدين المتربصين به.

والواجب على المسلم: أن يمد لهم يد العون ما استطاع إلى ذلك سبيلًا.

 

– ونسأل الله أن يكف القتل عن المسلمين، وأن يؤلف بينهم, ويردهم إلى دينه ردًّا جميلًا.

 

والله أعلم.

 

حكم الإهداءات التي يضعها المؤلفون في أول كتبهم

حكم الإهداءات التي يضعها المؤلفون في أول كتبهم

السؤال:

ماحكم الإهداء التالي؟ وهل فيه مخالفة للشريعة؟.
هذه صيغة الإهداء:

إلى: الصدِّيقة حبيبة المؤمنين، الطاهر العذراء، سيدة نساء العالمين أم عيسى عليها السلام، إلى مريم ابنة عمران، هذه شهادة براءة من السماء “.
علما أن هذه مقدمة إهداء كتاب يفسِّر ” سورة مريم “.

 

 الجواب:

الحمد لله

ما يفعله بعض المؤلفين من كتابة ” إهداء ” في أول صفحة من كتابه المطبوع لا يخلو من حالين:

الأولى: كتابة إهداء خاص على نسخة معيَّنة، يقصد بها التودد والتقرب من المُهدى إليه، مع رجاء ثواب الآخرة، وهذه لا حرج فيها، ولا يجوز له أن يستوفيَ مالا مقابلها – كما يفعله بعض المؤلفين -، كما لا يليق بشخص يشتري الكتاب بماله ثم يكتب له المؤلف إهداء ويوقع له عليه! وهو أمر متناقض في نفسه، فكيف يجتمع الشراء والإهداء؟!.

الثانية: كتابة إهداء على الصفحة الأولى من كتابه المطبوع طباعة على كل نسخه – وهو المقصود بالسؤال – وهذا له أحوال وأحكام:

1. أن يُقصد به إهداء حقوق الطبع للمُهدى إليه، وأن حقوق الكتاب المالية لم تعد للمؤلف.

ويلزمه إن نوى هذا أن لا يُطالب بحقوق الطبع، ويكون إظهاره اسم المُهدى إليه علنا من باب الإعلان عن تقديره ومحبته.

2. أن يُقصد به إهداء ثواب كتابة الكتاب للمُهدى إليه.

وهذا الأمر يُنزَّل على مسألة ” إهداء الأعمال الصالحة “، وقد يكون المُهدى له حيّا، وقد يكون ميتا.

وليُعلم أنه لا يُشرع إهداء ثواب الأعمال للأحياء، وأما بخصوص الإهداء للأموات: فإنه يشرع بما جاء به النص.

ولا نظن بالكاتب الفاضل يريد هذه الصورة في إهدائه كتابه لمريم عليها السلام ، ولو أرادها فإنه لم يأت نصٌّ في جواز هذه الصورة في إهداء ثواب أعمالها، ثم إنَّ مريم عليها السلام قد شُهد لها بالخير والثواب والمنزلة الرفيعة في الجنة فخير للمسلم أن يلتفت لنفسه ليزيد من أعماله الصالحة فهو أولى بها ممن شُهد لهم بالجنة.

3. أن يُقصد به التزلف للمُهدى إليه، كما يفعله من يهدي كتابه لملك أو أمير أو رئيس أو رجل من علية القوم أو غني.

وهذا فعل لا يليق من كاتب أو طالب علم، وهو من التزلف القبيح، ومن سؤال المال.

4. أن يُقصد به التعبير عن محبته وتقديره للمُهدى إليه، كمن يهدي كتابه لشيخه، أو والديه، أو زوجته، أو أبنائه.

وهذا تقليد للغرب لا يجوز فعله، فالهدية مصطلح شرعي، ولها أحكامها التفصيلية، وليس ما يُفعل بهذا القصد – ولا الذي قبله – في شيء من الشرع.

وللدكتور محمد بن عمر الشماع – وفقه الله – كتاب بعنوان: ” أحكام الأعمى في الفقه الإسلامي “، وكان الشيخ سليمان بن ناصر العلوان من المقدِّمين لهذا الكتاب، وفي أول الكتاب عنون المؤلف بكلمة ” إهداء “، ولكنه لم يكتب تحتها شيئا، وعلَّق بالحاشية فقال:

” كنتُ قد كتبتُ هنا إهداء ثم حذفته، وعلق الشيخ سليمان بن ناصر العلوان بقوله: ” الإهداء ليس من هدي الأئمة السابقين ولا من طريقة الصحابة المقتدين، وأول من أحدثه الغربيون وتبعهم طائفة من جهال المسلمين، فالأولى بمثلك حذفه اتباعا لمن سلف ” انتهى “. انتهى.

وكان الأستاذ عبد الفتاح أبو غدة قد أهدى تحقيقه لكتاب ” الأجوبة الفاضلة ” للشيخ اللكنوي لروح شيخه الكوثري! الجهمي الضال، فعلَّق عليه الشيخ سليمان العلوان بقوله:

” أقول: الإهداء فيه ما فيه من التشبيه بالغرب، ومخالفة هدي السلف “.

– انظر ” إتحاف أهل الفضل والإنصاف بنقض كتاب ابن الجوزي دفع شبه الشبه وتعليقات السقاف ” ( ص 65 ) – ترقيم الشاملة -.

* وقال الدكتور عبد الواحد المزروع – وفقه الله -:

يقول أهل العلم: إهداء البحوث كما يدبجه بعض الناس في أبحاثهم أو رسائلهم العلمية: يعدُّ من البدع؛ لأنه لم يكن يُعرف من سلفنا الصالح، ويضاف لذلك: أن أصله جاء من الغربيين، وما دام ليس له أصل في شرعنا، ولا عند سلفنا – وإن كان لم يرد دليل على منعه – إلا أن كونه فيه تقليد للغرب يكفي في وجوب تجنبه وتركه، سيما وديننا كامل لا يحتاج إلى إكمال من تصرفات وأفعال الغربيين، فوجوب الترك باعتبار أن هذا الفعل لا أصل له، وأنه تقليد للغربيين، وقد أشار إلى ذلك الشيخ بكر أبو زيد رحمه الله تعالى. انتهى.

http://forum.ma3ali.net/t505513.html

وعليه: فإن لم يُرد كاتب ” تفسير سورة مريم ” الصورة الثانية – وهو إهداء ثواب عمله لمريم عليها السلام، وقد ذكرنا عدم جواز ذلك، ولا نظنه يريده -: فهو يريد الصورة الرابعة، وقد علم ما فيها، فخير له حذفها، وفي هذه الحال فليجعل مكانها كلمة شكر ودعاء لكل من كان سببا في إخراج كتابه، فهذا يستفيد منه الداعي والمدعو له، وأما كلمات الإهداء على الصورة المشتهرة – وهي الرابعة حسب تقسيمنا – فمهديها قد لا يسلم من الإثم، والمُهدى له لن يستفيد من كلمات الإهداء شيئا، والعاقل يعرف قيمة هذه الوصية، ولا أظنه إلا أنه يعمل بها.

 

والله أعلم.

 

تعليق على منع بعض الدول الحجاب والنقاب، وحكم تبرج الكافرة في بلاد الإسلام

تعليق على منع بعض الدول الحجاب والنقاب، وحكم تبرج الكافرة في بلاد الإسلام

السؤال:

أرجو أن تكون الإجابة سريعة إذا أمكن لأن هذا السؤال حديث الساعة.

فضيلة الشيخ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

تعلم ما يحصل الآن في ” فرنسا ” وفي عدد من بعض الدول الإسلامية قبل الغربية من محاربة للحجاب، حيث أصبحت محل نقاش في بعض المجالس والمنتديات, حتى أصبحنا نرى البعض يقول: كيف تطالبون غيركم أن يمنحوكم الحرية في لبس الحجاب على الطريقة التي تريدون في حين أنكم تجبرونهم على لبس الحجاب في بلادكم إذا فالكفتان متساويتان.

لو كنتم حقًّا ترون أن إجبار النساء على خلع النقاب تدخل في الحريات فإن ما تفعلونه هنا من إجبار النساء على لبس العباءة يعد تدخلًا في الحرية، دعوكم من التعصب، ولستم مجبرين على العيش في بلادهم، ولكم حق الهجرة وإلا فالزموا الصمت وارضوا بقوانينهم!.

أريد من فضيلتكم ردًّا علميًّا مقنعًا كما تعودنا منكم في مثل هذه الأحداث.

جزاكم الله خيرًا على ما قدمتم وتقدمون، ونفع بعلمكم، فأنتم وبحق خير خلف لخير سلف، حفظكم الله.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

إن المسلم الغيور على دينه ليتألم أشد الألم مما يراه من محاربة للإسلام وشعائره، لا من الكفار وحدهم بل ومن أهله المنتسبين له في الظاهر، ومن هؤلاء من يتكلم بجهل، ومنهم من يتكلم انطلاقًا من خبث وزندقة.

وعندما نقارن بين حرب الستر والعفاف بين دول الكفر وبعض الدول المنتسبة للإسلام نجد أن حرب تلك الدول الأخيرة أشد وأعظم، فهي تسن القوانين لمنع غطاء الرأس! وأما تلك الدول الكافرة – كفرنسا وبلجيكا – فهي تسن القوانين لمنع غطاء الوجه فحسب! وبين الأمرين فرق ظاهر، وكان – ولا يزال – الألم يعتصر قلوب الغيورين على الإسلام لأسباب:

  1. أن هذه الدول محسوبة على الإسلام وليس على النصارى ولا اليهود.
  2. أنهم يمنعون غطاء الرأس، ويعاقبون عليه، ويهينون المرأة العفيفة التي تلبسه، ويمنعونها من الدراسة والعمل والعلاج.
  3. أن حربهم على العفاف والستر قديم، وقد سبقوا دول الكفر بعشرات السنوات.

ثانيًا:

وأما دعوى بعض الانهزاميين أننا إذا انتقدنا الكفار في منعهم النقاب من باب ” الحرية الشخصية ” فكيف نلزم نساءهم بالعباءة – أو بالستر – في بلادنا: فالجواب عليه:

  1. أنه لا يوجد في بلاد الإسلام من يلزم المرأة الكافرة بستر بدنها حين تخرج للشارع إلا دولة واحدة وهي ” السعودية ” ونسأل الله تعالى أن يبقي هذا الخير ولا يتغير، وأما باقي دول الإسلام فإنهم لا يلزمون نساءهم بالستر فكيف سيلزمون الكافرات؟!.
  2. أن التبرج والتهتك والعري ليس مسموحًا به عند النصارى ولا اليهود في أصل دينهم، فالأمر لهم بالستر هو أمر بما في أصل دينهم.
  3. أننا لا نعتب على الكفار بمنعهم غطاء الوجه عن النساء المسلمات لو كان منطلقهم من ذلك دينهم! ولكن العتب عليهم من وجوه، منها:

أ. أنهم يزعمون أنهم علمانيون، وأنهم قد فصلوا الدين عن الدولة، فما بالهم هنا يحاربون شعيرة دينية؟!.

ب. أنهم يزعمون أنهم دعاة حماية ” الحرية الشخصية ” فلماذا يطبقون هذا على كل من ” تخلع ” ثيابها أو أكثرها! ولا يطبقونه على من ” تستر ” بدنها أو أكثره؟!.

ج. أنهم لم يحاربوا سوى الإسلام في لباس نسائه، وهذه دول العالم يختلف لباسهم بعضهم عن بعض – رجالًا ونساءً – فلماذا تُركت نساء أهل تلك الأديان والطواف والمذاهب ليلبسن ما يشأن إلا النساء المسلمات فإنه يضيَّق عليهن فيما هو واجب أصلًا عليهن في الشرع؟!.

 

ثالثًا:

ويُسأل من ألزم النساء الكافرات بالعباءة والستر: هل ألزمتَ نساء أهل بلدك؟ وسيجيب بالإيجاب، ويسأل: هل تفرِّق بين كافرة من دين وكافرة من دين آخر؟ سيقول: لا أفرِّق، ويُسأل – أخيرًا – هل دينك يأمرك بهذا؟ وسيكون جوابه: نعم.

ولذلك لا يعتب أحد على من حكم بالعلمانية أو بغيرها في السماح للكافرات بالتبرج في بلادهم، أم من حكَّم الشريعة فإنه لا ينبغي أن يلام ولا يُعتب عليه، فالعلمانية تسمح للكافرات بالتبرج والدين الإسلامي يمنع من ذلك، فذاك سمح لهن، وهذا منعهن، ومن هنا توجه العقلاء لدول الكفر بالعتب واللوم، حيث هم يحكمون بالعلمانية ومع ذلك يمعنون من غطاء الوجه مع أن مبدأهم لا يمنع من ذلك، فضلًا عن تجريم من غطَّت وجهها أو تجريم من دعها لذلك أو أمرها به من أهلها، فإن لم تكن هذه ” ديكتاتورية ” و ” فاشية ” و ” إرهاب ” فما هي هذه الأشياء إذن؟!.

 

رابعًا:

ولا يجوز لأي ولي أمر بلد من بلاد الإسلام أن يسمح بكشف العورات والتبرج لأي أحد في بلاده، وهو مسئول عن كل معصية تُرتكب فيما تولَّى عليه، ولو كان من الكفار، فلا فرق بين مسلمة وكافرة في منعها من التبرج والتعري، كما لا فرق بينهما في تحريم النظر.

قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله – في فوائد حديث حاطب -:

قال ابن المنيِّر: ليس في الحديث بيان هل كانت المرأة مسلمة أو ذمية، لكن لما استوى حكمهما في تحريم النظر لغير حاجة شملهما الدليل.

” فتح الباري ” ( 6 / 191 ).

وفي عهد النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن ثمة زي خاص بنساء الكفار؛ ذلك أنهن لم يُعرف عنهن التبرج والتعري، بل وحتى النساء في الجاهلية لم يكن يُعرف عنهن اللباس الفاضح، وقد صرَّح النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يرَ هذا الصنف من الناس حيث قال ( صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا ).

رواه مسلم ( 2128 ) من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضيَ الله عنه.

وحتى على القول باحترام الحرية الشخصية فإن منع المرأة الكافرة من التعري والتبرج ليس فيه ما يخالف ذلك المبدأ – تنزلًا على القول به -، بخلاف منع المسلمة من تغطية رأسها أو وجهها فإن فيه ما يخالف مبدأهم في ” الحرية الشخصية”.

قال الشيخ محماس بن جلعود – حفظه الله -:

وخروج النساء الكافرات في وسط المجتمع المسلم بلباس يدعو إلى الإثارة والفتنة: إما أن يكون داخلًا ضمن حدود ” القانون المدني ” أو ضمن ” دائرة الحقوق الشخصية “، وفي كلا الحالين فإنه غير جائز تكشف النساء الكافرات في المجتمع المسلم.

فـ ” القانون المدني ” مبني على وجوب احترام مشاعر الناس جميعًا ولا يجوز أن يتعرض أحد لمشاعرهم وغرائزهم بالإثارة وإحداث الألم فيها، وهذه المظاهر التي تظهر بها النساء الكافرات في دار الإسلام اعتداء على مشاعر الناس، وإيذاء لأرواحهم، سواء كان الناظر في ذلك مسلمًا أو كافرًا؛ وذلك لأمرين:

الأمر الأول: إذا كان الناظر إلى تلك النساء الكافرات العاريات من لباس العفة والفضيلة مسلمًا: فإنه يجد في تلك المظاهر ما يثير غيرته الدينية على هذا المنكر الظاهر وهذه الصور التي تتنافى مع أحكام الإسلام، وإن كان من ضعاف الإيمان: فقد يجد من الإثارة الجنسية ما يسبب له الألم والحرج والضيق، فهو مهما يكن إنسانًا حسَّاسًا ذا لحم ودم يحس بما يرى ويسمع فيتأثر بذلك سلبًا أو إيجابًا.

الأمر الثاني: لو فرضنا أن المسلمين غضوا أبصارهم عن تلك المناظر العارية والصور الخليعة: فإن الذكور من الكفار سيصيبهم من تلك المظاهر ما يشعل نار الفاقة والشعور بالحرمان في أنفسهم مما يدفعهم إلى ارتكاب جرائم متعددة الأنواع والأشكال كي يطفئوا تلك النار الملتهبة في أنفسهم والتي لا تجد ما يحد من قوتها أو يوجهها التوجيه السليم؛ نظرًا لبعدهم عن الإيمان والإسلام.

ففي ” القانون المدني ” المبني على الشريعة الإسلامية نص يدل على تساوي المسلمين وأهل الذمة في ” التكاليف الظاهرة في الجانب الأخلاقي ” ولم يستثن من ذلك في حق الذميين سوى الخمر والخنزير، فلهم أن يصنعوا الخمر ويشربوها خفية دون أن يخرج منها أو من أذاها شيء إلى المسلمين، ولهم أن يربوا الخنازير ويأكلوها ويبيعوها بينهم.

هذا إذا قلنا إن عدم خروج النساء الكافرات بمظاهر العري والتكشف من الحقوق المدنية.

أما إذا قال شخص إن خروج المرأة باللباس الذي تريده من حقوقها الشخصية: فنقول إنه رغم ضعف هذا القول للأسباب التي تقدم ذكرها: فإن قانون الأحوال الشخصية لليهود والنصارى مستمد من التوراة والإنجيل رغم تحريفهما، وليس فيهما ما يبيح هذا العري الفاضح والتبرج الجاهلي، وفي المجتمع المسلم يعامل أهل الذمة في قانون الأحوال الشخصية بما يبيحه لهم دينهم، أما ما ثبت تحريمه عليهم وعلى المسلمين: فيمنع عنه الجميع على حد سواء، والنصوص الموجودة في الإنجيل بهذا الخصوص تأمر المرأة بارتداء البرقع وتذكر قياسات مختلفة له، كما أن التوراة قد ذكر فيها أن ” ربيكار ” قد ارتدت ذات البرقع لأنها كانت محترمة.

ويمكن الاستدلال على وجوب ستر عورة المرأة الكافرة وإخفائها للزينة في المجتمع المسلم هو أن المسلم إذا تزوج الكتابية – على رأي من يرى جواز ذلك -: يلزمها بالحجاب لأن ترك الحجاب ليس من دينها ولا من دين الإسلام.

وعلة النهي عند من يرى كراهية نكاح الكتابيات هو أن الكتابية تتناول ما يحرم على المسلم من خمر أو خنزير، ولم يذكروا أن من علة النهي كونها تخرج سافرة متبرجة بزينتها.

” الموالاة والمعاداة في الشريعة الإسلامية ” ( 2 / 684 – 691 ) وهو فصل طويل وقد نقلنا جزءً يسيراً منه.

 

والله أعلم.

هل يجوز أن تجعل مهرها ترك زوجها للتدخين؟ وكلمة حول المهور وأنواعها

هل يجوز أن تجعل مهرها ترك زوجها للتدخين؟ وكلمة حول المهور وأنواعها

السؤال:

سأتزوج بإذن الله في القريب العاجل من رجل متدين، ولله الحمد، ولكن مشكلته أنه مدخن، وقد وعدني أنه سيقلع عن التدخين، وقد بدأ في المحاولة، ولكن كما تعلمون فإن ذلك ليس بالأمر السهل، لذلك فكرت في أن أشجعه بطريقة ما، فخطر في ذهني أن أقول له: أن يكون مهري تركه للتدخين، فهل هذا جائز في الشرع؟ فليس هناك ما يجعلني أحرص على أن أحصل على المال، كما أنه ميسور ويمكن أن يعطيني ما أريد من المال في أي وقت.

وهل يجوز أن نخفي هذا الموضوع حتى لا تُثار بلبلة حول ما فعلناه؟ لأن الناس اعتادوا على أخذ المهر مالًا وسيكون في هذا مرتعاً لهم للحديث فيما لا شأن لهم به، كما أنه قد يحرج زوجي بصورة أو بأخرى، أو بشكل آخر: هل يجوز أن يعطيني مبلغًا صغيرًا من المال فقط لتدوين ذلك في الأوراق الرسمية ولتكميم أفواه الناس، أما المهر الأصلي فيكون المتفق عليه بيني وبينه وهو الإقلاع عن التدخين؟.

أعتذر إن كان السؤال يبدو سخيفًا ولكنه مهم بالنسبة لي، ولا أريد شيئًا في الوقت الحاضر أكثر من أن يقلع عن التدخين.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

السؤال ليس سخيفًا، بل هو مهم، ويدل على رجاحة عقل ومتانة دين – إن شاء الله -.

والمهر من حق المرأة، ولا يحل لأحد أن يتزوج مع الاتفاق على عدمه؛ لأن عدم المهر من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: ( وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ) الأحزاب/ 50.

ولطبيعة المهر ضوابط عند العلماء، فضابطه عند الجمهور أن يكون مما يصح بيعه أو إجارته، وضابطه عند الحنفية كونه متقوَّمًا بالمال.

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 39 / 155 ، 156 ):

جمهور الفقهاء – المالكية والشافعية والحنابلة – أن كل ما جاز أن يكون ثمنًا أو مثمنًا أو أجرة: جاز جعله صداقًا … .

وصرَّح الحنفية بأن المهر ما يكون مالًا متقوَّمًا عند الناس، فإذا سمَّيا ما هو مال: يصح التسمية، وما لا: فلا. انتهى.

والجمهور على جواز كون المهر منافع يمكن أخذ العوَض عنها.

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 39 / 156 ):

ذهب المالكية في المشهور والشافعية والحنابلة إلى أنه يجوز أن تكون المنفعة صداقًا؛ جريًا على أصلهم من أن كل ما يجوز أخذ العوض عنه يصح تسميته صداقًا، فيصح أن يَجعل منافع داره أو دابته أو عبده سنَة صداقًا لزوجته، أو يجعل صداقَها خدمتُه لها في زرع أو بناء دار أو خياطة ثوب أو في سفر الحج مثلًا. انتهى.

 

ثانيًا:

وقد اختلف العلماء في تحديد أقل المهر وأكثره، وليس في السنَّة الصحيحة ما يؤيد قولًا من الأقوال، واختلفوا – كما سبق – في طبيعة المهر المبذول لها.

والذي نراه في ذلك: أن كل ما يعود على المرأة من نفع وفائدة فيصح أن يكون مهرًا لها، فصفية وجويرية رضي الله عنهما كان صداقُهما عتقَهما، وهي منفعة لهما وفائدة، وهل ذلك منحصر في النفع المادي الدنيوي؟ الذي يظهر لنا: أن ذلك غير منحصر به، وأن النفع والفائدة الدينية الأخروية أعظم شأنًا وأجلُّ قدرًا، فيصح أن تكون مهرًا للمرأة، كأن يكون مهرها تحفيظ سورٍ من القرآن، فإنها تكسب بذلك عشر حسنات على حرف تقرؤه، وتكسب درجة يوم القيامة عن كل آية تحفظها، أو يكون مهرها دخول الراغب في زواجها في الإسلام، فإنها تكسب بذلك كل أجرٍ وثواب يكون في صحيفته يوم القيامة.

ومما يدل على الأول:

عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: أَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: إِنَّهَا قَدْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: مَا لِي فِي النِّسَاءِ مِنْ حَاجَةٍ، فَقَالَ رَجُلٌ: زَوِّجْنِيهَا قَالَ: أَعْطِهَا ثَوْبًا، قَالَ: لَا أَجِدُ قَالَ: أَعْطِهَا وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ، فَاعْتَلَّ لَهُ، فَقَالَ: مَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ؟ قَالَ: كَذَا وَكَذَا قَالَ: فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ.

رواه البخاري ( 4741 ) ومسلم ( 1425 ).

ومما يدل على الثاني:

عَنْ أَنَسٍ قَالَ: تَزَوَّجَ أَبُو طَلْحَةَ أُمَّ سُلَيْمٍ فَكَانَ صِدَاقُ مَا بَيْنَهُمَا الْإِسْلَامَ أَسْلَمَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ قَبْلَ أَبِي طَلْحَةَ فَخَطَبَهَا فَقَالَتْ إِنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ فَإِنْ أَسْلَمْتَ نَكَحْتُكَ فَأَسْلَمَ فَكَانَ صِدَاقَ مَا بَيْنَهُمَا. رواه النسائي ( 3340 ) وصححه الألباني.

وعَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: خَطَبَ أَبُو طَلْحَةَ أُمَّ سُلَيْمٍ فَقَالَتْ وَاللَّهِ مَا مِثْلُكَ يَا أَبَا طَلْحَةَ يُرَدُّ وَلَكِنَّكَ رَجُلٌ كَافِرٌ وَأَنَا امْرَأَةٌ مُسْلِمَةٌ وَلَا يَحِلُّ لِي أَنْ أَتَزَوَّجَكَ فَإِنْ تُسْلِمْ فَذَاكَ مَهْرِي وَمَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهُ فَأَسْلَمَ فَكَانَ ذَلِكَ مَهْرَهَا

قَالَ ثَابِتٌ فَمَا سَمِعْتُ بِامْرَأَةٍ قَطُّ كَانَتْ أَكْرَمَ مَهْرًا مِنْ أُمِّ سُلَيْمٍ الْإِسْلَامَ فَدَخَلَ بِهَا فَوَلَدَتْ لَهُ. رواه النسائي ( 3341 ) وصححه ابن حجر في ” فتح الباري ” ( 9 / 115 ) – وردَّ على من أعلَّ متنه – وصححه الألباني في ” صحيح النسائي “.

وقد بوَّب عليهما النسائي بقوله ” باب التزويج على الإسلام “.

وهذا الأثر فيه أن تحديد المهر يكون للمرأة، وفيه جواز أن يكون على منفعة وفائدة أخروية تعود على المرأة، ومثله يقال في جواب السؤال الوارد، وهو أنه يجوز للمرأة أن يكون مهرها طاعة يلتزم بها الراغب بزواجها، كأن يلتزم بصلاة الجماعة في المسجد كل صلاة، أو معصية يتركها، كترك حلق اللحية، وكل ما يترتب على ذلك من أجور أخروية فيكون في صحيفتها.

ومما لا شك فيه أن التدخين محرَّم وهو ضارٌّ بالمدخن وبمن حوله، وهو مُهلك للمال، فإذا كان مهر المرأة ترك الراغب بتزوجها التدخين واستمراره على ذلك: فإنها تستفيد فوائد متعددة، منها:

  1. تحصيل أجر تركه لتلك المعصية.
  2. كف الأذى الذي يسببه تدخين زوجها في بيتها وعندها.
  3. توفير المال الذي كان يُدفع لشراء ذلك المحرَّم لتنعم به وأولادها بشراء الحلال من الطعام والشراب واللباس.

وكل ذلك منافع ولا شك، وكلها تعود لها، وبعضها منافع دنيوية، وبعضها الآخر منافع أخروية.

وعليه: فلا نرى مانعًا من جواز هذا المهر، وحديث أم سليم يدل عليه دلالة ظاهرة.

قال ابن القيم – رحمه الله – في سياق ذِكر فوائد حديث أم سليم -:

وتضمَّن أن المرأةَ إذا رَضِيت بعلم الزوج، وحِفظه للقرآن أو بعضه مِن مهرها: جاز ذلك، وكان ما يحصُل لها من انتفاعها بالقرآن والعلم هو صَداقها، كما إذا جَعَل السيدُ عِتْقَها صداقَها، وكان انتفاعُها بحريَّتها ومُلكها لرقبتها هو صداقَها، وهذا هو الذى اختَارته أمُّ سليم من انتفاعها بإسلام أبى طلحة، وبذلِها نفسها له إن أسلم، وهذا أحبُّ إليها من المال الذى يبذُلُه الزوجُ، فإن الصداقَ شُرِعَ فى الأصل حقًا للمرأة تنتفع به، فإذا رضيت بالعلم، والدِّين، وإسلام الزوج، وقراءته للقرآن: كان هذا من أفضل المهور وأنفعها وأجلِّها، فما خلا العقد عن مهر، … .

وقد خالف فى بعضه من قال: لا يكون الصداقُ إلا مالًا، ولا تكون منافع أخرى، ولا علْمه ولا تعليمه صداقًا، كقول أبى حنيفة وأحمد فى رواية عنه، ومن قال: لا يكون أقلَّ مِن ثلاثة دراهم كمالك، وعشرة دراهم كأبى حنيفة، وفيه أقوال أخر شاذَّة لا دليل عليها من كتاب، ولا سنَّة، ولا إجماع، ولا قياس، ولا قولِ صاحب.

” زاد المعاد في هدي خير العباد ” ( 5 / 178 ، 179 ).

 

 

 

ثالثًا:

ونقترح على الأخت السائلة – وقد علمت جواز جعل ترك الخاطب تركه للتدخين مهرًا لها – أمرين اثنين:

الأول: أن تسمِّي مهرًا معقولًا مقبولًا ولو يسيرًا، وتجعل ترك التدخين شرطًا في عقد الزواج، وبذلك تقطع الطريق على الناس أن يتكلموا فيها وفي زوجها وفي كون مهرها ترك التدخين، وتخرج من خلاف العلماء في صحته مهرًا، وسيكون هذا أقوى من كونه مهرً؛ فإن الشرط لو تخلَّف تملك المرأة نفسها ويكون لها الحق في طلب فسخ النكاح مع أخذ جميع حقوقها.

سئل الشيخ محمد بن إبراهيم – رحمه الله -:

عن امرأة خطبها رجل فاشترطت عليه أن لا يشرب الدخان، فوافق، فتزوجته، ثم تبيَّن لها أنه يشرب الدخان، فماذا يكون أمرها؟.

فأجاب:

إذا كان الأمر كما ذكر: فإن للمرأة المذكورة الخيار في فسخ نكاحها منه، أو البقاء معه.  ” فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم ” ( 10 / 149 ).

الثاني: أن تجمعي بين جعْل المهر مشتملًا على الأمرين معًا: المال وترك التدخين.

– ولكِ الخيار في اختيار ما يناسب الحال والمقام.

وننبه إلى أنكِ إن اخترت جعل المهر فقط تركه للتدخين وستعلنان مبلغًا من المال مهرًا يُكتب في عقد الزواج من أجل كف ألسنة الناس: فإن هذه المسألة تسمى ” مهر السرّ “، وخلاصتها: إنه يُحكم ديانةً بما اتفقتما عليه في السر، ويُحكم قضاءً بما أعلنتماه وأشهدتما عليه.

ونسأل الله أن يجعل من أمرك يسرًا، وأن ييسر لك زوجًا صالحًا، ويرزقك ذرية طيبة.

 

والله أعلم.

 

 

 

يعمل في مكتبة جامعية فهل يترتب عليه إثم أو ضمان لما يتلفه من كتب محرَّمة؟

يعمل في مكتبة جامعية فهل يترتب عليه إثم أو ضمان لما يتلفه من كتب محرَّمة؟

السؤال:

أرجو من الشيخ الإجابة عن سؤالي بارك الله فيكم:

أنا أعمل في إحدى المكتبات الجامعية، وقد اقتنت المكتبة كتبًا تعادي الإسلام في ظاهرها وباطنها، وتحرِّض ضد الإسلام والمسلمين، وتدعو إلى الكفر وتكذيب القرآن، فكَّرت – أنا – في الخلاص من هذه الكتب بطريقة التحايل، وسرقة هذه الكتب وإتلافها قصدًا مني تغيير المنكر، علمًا أنني لا أريد إخبار أحد لأن ذلك سوف يجلب لي المضرة في عملي.  فهل عملي هذا جائز؟ وهل يعتبر ما أنوي فعله سرقة؟.

أفيدوني بارك الله فيكم.

 

الجواب:

الحمد لله

يجب على كل مَن ولاَّه الله تعالى أمر مكانٍ أن يخليه من كتب السحر والبدع والضلال والفسق والمجون، ويدخل في هؤلاء: ولي أمر البلاد الذي يجب عليه أن يمنع استيراد تلك الكتب، كما يجب عليه إتلاف ما هو موجود منها بالفعل في بلاده، ويشمل ذلك – أيضًا -: ولي أمر البيت، وكذا قيِّم المكتبة، والذين يجب عليهم ما يجب على ولي أمر البلاد، وهكذا الأمر في حق كل صاحب سلطة على مكان.

ومن استطاع من آحاد الناس أن يُتلف شيئًا من كتب الكفر والضلال من غير أن يترتب على فعله مفسدة أعظم: فليُتلفها، حتى لو كان كتاباً مستعارًا، ولا يضمن ما أتلفه؛ لأنه مهدر المالية، وهو مأجور على فعله.

وليُعلم أن الورق الذي طُبعت عليه الكلمات المحرَّمة لا يستفاد منه في عصرنا هذا، بخلاف الشريط الذي سُجِّل عليه المواد المحرَّمة، وآلات اللهو، فتلك يمكن الاستفادة منها، فالشريط فارغًا له قيمة يستحقها صاحبه، وآلات اللهو يمكن الاستفادة من بعضها من خشبها في بعض البلاد، فنرجو التنبه عند الاطلاع على فتاوى أهل العلم بخصوص ضمان المتلفات، وتقدير الزمن الذي قيلت فيه الفتوى، وتقدير العُرف.

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 34 / 191، 192 ):

ذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أن الكتب المحرَّمة يجوز إتلافها.

قال المالكية: كتب العلم المحرم كالتوراة والإنجيل يجوز إحراقها وإتلافها إذا كانا محرَّفين. وقال الشافعية: يجب إتلاف كتب الكفر والسحر والتنجيم والشعبذة والفلسفة؛ لتحريم الاشتغال بها.

وصرح الحنابلة بأنه يصح شراء كتب الزندقة لإتلافها؛ لأن في الكتب مالية الورق، وتعود ورقا منتفعا به بالمعالجة .

وقال الحنفية: الكتب التي لا ينتفع بها: يُمحى عنها اسم الله وملائكته ورسله ويحرق الباقي، ولا بأس بأن تُلقى في ماء جار كما هي، أو تدفن وهو أحسن. انتهى.

وقال ابن القيم – رحمه الله -:

وكذلك لا ضمان في تحريق الكتب المضلة وإتلاف .

قال المروذي: قلت لأحمد: استعرتُ كتاباً فيه أشياء رديئة ترى أن أخرقه أو أحرقه؟ قال: نعم فاحرقه، وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم بيد عمر كتابا اكتتبه من التوراة وأعجبه موافقته للقرآن فتمعر وجه النبي صلى الله عليه و سلم حتى ذهب به عمر إلى التنور فألقاه فيه

فكيف لو رأى النبي صلى الله عليه وسلم ما صنِّف بعده من الكتب التي يعارض بها ما في القرآن والسنَّة، والله المستعان.

وكل هذه الكتب المتضمنة لمخالفة السنَّة: غير مأذون فيها، بل مأذون في محقها وإتلافها، وما على الأمة أضر منها، وقد حرق الصحابة جميعًا المصاحف المخالفة لمصحف عثمان لما خافوا على الأمة من الاختلاف \، فكيف لو رأوا هذه الكتب التي أوقعت الخلاف والتفرق بين الأمة؟!.

 

والمقصود: أن هذه الكتب المشتملة على الكذب والبدعة: يجب إتلافها وإعدامها، وهي أولى بذلك من إتلاف آلات اللهو والمعازف وإتلاف آنية الخمر؛ فإن ضررها أعظم من ضرر هذه، ولا ضمان فيها، كما لا ضمان في كسر أواني الخمر وشق زقاقها. ” الطرق الحُكمية ” ( ص 399 – 402 ) باختصار.

 

* وقال الشيخ محمد بن أحمد السفاريني – رحمه الله -:

فكل ما شاكل ذلك وماثَلَه: فلا ضمان على متلفه؛ لعدم حرمته وماليته, وكذا كتب مبتدعة مضلة, وأحاديث مكذوبة, وكتب أهل الكفر بالأولى، لا سيما ( كتب الدروز ) عليهم لعنة الله, فقد نظرت في بعضها فرأيت العجب العجاب, فلا يهود ولا نصارى ولا مجوس مثلهم, بل هم أشد مَن علِمنا كفرًا لإسقاطهم الأحكام وإنكارهم القيام, وزعمهم أن الحاكم العبيدي الخبيث رب الأنام, تعالى الله عما يقولون علوا كبيرًا.

فكل ما كان من هذا وأضرابه من الكتب المضلة: ( اقدد ) ها، أمر وجوب أو استحباب على ما مرَّ بيانه من ” القدِّ “، وهو القطع المستأصل، أو المستطيل، والشق كالاقتداد والتقديد، كما في ” القاموس “.

” غذاء الألباب شرح منظومة الآداب ” ( 1 / 252 ).

 

 

وبما سبق يتبين لك أخي السائل أنه يجب عليك – إن استطعت – أن تتلف كتب البدعة والضلالة، وكتب الكفر التي فيها الطعن في الإسلام من باب أولى، ولا تعدُّ سارقاً إن أنت فعلتَ ذلك، ولا تضمن قيمة تلك الكتب، وأنت مأجور على فعلك إن أخلصت فيه النية، وكل هذا منوط بقدرتك على ذلك من غير ترتب مفسدة عليك إن أنت فعلتَ ذلك، فإن لم تستطع: فلا تُعن أحداً على استعارة تلك الكتب، ولا تمكِّن أحدًا من قراءتها إلا أن يكون ذلك لعالِم أو طالب علم تعرفه، تعلم أنه يريد الاطلاع عليها لنقضها ونقدها، فلا بأس حينئذٍ من تمكينه من استعارتها أو الاطلاع عليها، وهذه أمانة يجب عليك أداؤها على وجهها الأمثل، فلا تكن سبباً في إضلال أحدٍ من الناس أو فتنته عن دينه، واحرص على أن لا تورِّط نفسك فيما لا تقدر عليه من البلاء؛ فإن الله لم يكلفك إلا ما تستطيعه.

وإن لم تستطع تغيير المنكر أو تخفيفه: فليكن منك بحث عن عمل آخر مباح فهو خير لك.

 

والله أعلم.

 

 

 

 

يشعر بالحزن على أولاد المسلمين والكفار فيؤذن في أُذن أولادهم جميعًا!

يشعر بالحزن على أولاد المسلمين والكفار فيؤذن في أُذن أولادهم جميعًا!

السؤال:

أعيش في ” أمريكا “، وأشعر بالحزن تجاه الأولاد الذين يولدون لآباء غير مسلمين، وبالتالي فإنهم يُحرمون من سماع الأذان وكلمة التوحيد حال خروجهم إلى هذه الدنيا، بل ربما يُحرمون ذلك طوال حياتهم، وفي إحدى المرات كنت مع زوجتي في المستشفى حين قالت لها إحدى الأمهات: اعتنِ بطفلي حتى أعود، فانتهزت الفرصة فأذّنت في أذن ذلك الصبي، كما أني قد فعلت مثل هذا الفعل مع صبيان آخرين في مناسبات مختلفة، فقط شعورًا مني بالحزن عليهم ، فهل فعلي هذا صحيح؟ وهل أشجّع المسلمين على نفس الفعل؟ أم أنّ ما أفعله بدعة لا معنى له؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

فعلك – أخي السائل – غير صحيح لأسباب:

أولها: أنه لم يصح حديث في التأذين في أذن المولود بعد ولادته.

وقد جاء في الباب أحاديث كلها ضعيفة أو موضوعة، وهذا بيانها باختصار:

أ. عن أَبِي رَافِعٍ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَذَّنَ فِي أُذُنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ حِينَ وَلَدَتْهُ فَاطِمَةُ بِالصَّلَاةِ. رواه الترمذي ( 1514 ) وأبو داود ( 5105 ).

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

مداره على عاصم بن عبيد الله، وهو ضعيف.

” التلخيص الحبير ” ( 4 / 149 ).

ب. عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم أذَّن في أُذُن الحسن بن علي يوم ولد فأذَّن في أذنه اليمنى وأقام في أذنه اليسرى.

رواه البيهقي في ” شعب الإيمان ” ( 6 / 390 ).

وهذا حديث موضوع! فيه ” الحسن بن عمرو بن سيف “، قال عنه الإمام البخاري في ” التاريخ الكبير ” ( 2 / 299 ): ” كذَّاب “.

وفيه: ” محمد بن يونس الكديمي “، وقد اتَّهمه أبو داود والدارقطني بالكذب.

وفيه: القاسم بن مُطيَّب، وفيه ضعف.

ج. عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ حُسَيْنٍ بن علي رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ( مَنْ وُلِدَ لَهُ فَأَذَّنَ فِي أُذُنِهِ الْيُمْنَى وَأَقَامَ فِي أُذُنِهِ الْيُسْرَى لَمْ تَضُرَّهُ أُمُّ الصِّبْيَانِ ). رواه أبو يعلى في ” المسند ” ( 12 / 150 ).

وهذا حديث موضوع – أيضًا -، فيه ” يحيى به العلاء ” قال فيه أحمد: كذَّابٌ يضع الحديث، وقال الدارقطني: متروك.

وفيه: ” مروان بن سالم “، وقد قال عنه أبو عروبة الحرَّاني: يضع الحديث، وقال البخاري ومسلم وأبو حاتم الرازي: منكر الحديث، وقال الدارقطني: متروك.

وقد حكم عليه الشيخ الألباني في ” السلسلة الضعيفة ” ( 321 ) بأنه: موضوع.

د. عن عبد الله بن عباس قال: حدثتني أم الفضل بنت الحارث الهلالية قالت: مررتُ بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس بالحجر فقال يا أم الفضل قلت لبيك يا رسول الله قال إنك حامل بغلام قلت يا رسول الله وكيف وقد تحالفت قريش أن لا يأتوا النساء قال هو ما أقول لك فإذا وضعتيه فأتني به قالت فلما وضعته أتيت به النبي صلى الله عليه وسلم فأذن في أذنه اليمنى وأقام في أذنه اليسرى وألبأه من ريقه وسماه عبد الله ثم قال اذهبي بأبي الخلفاء قالت فأتيت العباس فأعلمته ….

رواه الطبراني في ” المعجم الأوسط ” ( 9250 ).

وهذا حديث ضعيف جدًّا، فيه: أحمد بن رشد بن خثيم.

* قال الهيثمي – رحمه الله -:

وفيه أحمد بن راشد الهلالي، وقد اتهم بهذا الحديث.

” مجمع الزوائد ” ( 5 / 340 ).

ثاني الأسباب: أن الحكم لو كان مقبولًا لكان لأولاد المسلمين لا الكفار، خلافاً لبعض الشافعية الذين عمَّموه فأدخلوا فيه أولاد الكفار.

ثالثها: من حيث المعنى، فإن أولاد الكفار لا يستفيدون بسماعهم الأذان في صغرهم، وأولاد المسلمين لا يضرهم عدم سماعه، فكل أولاد الكفار لم يسمعوا الأذان في صغرهم وقد أسلم كثير منهم على مدى الأزمان، وطائفة كبيرة من أولاد المسلمين قد أسمعهم أهليهم الأذان في صغرهم وها أنت ترى حال كثير منهم لا يخفى على أحد.

ولذا فإننا نرى أن الأجدر بتلك الأحاديث أن لا تكون صحيحة لعدم ترتب آثار الأذان على الأطفال الصغار بخلاف ” التحنيك ” و ” الحلق ” و ” الختان ” فإن آثارها النافعة واضحة، وهم يستفيدون منها في صغرهم وكبرهم.

وما ذكرناه من عدم الأذان في أذن المولود هو قول الإمام مالك رحمه الله، ففي ” مواهب الجليل لشرح مختصر الخليل ” ( 2 / 86 ): قال الشيخ أبو محمد بن أبي زيد في كتاب الجامع من “مختصر المدونة “: وكره مالك أن يؤذَّن في أذن الصبي المولود. انتهى، وقال في ” النوادر ” بإثر العقيقة في ترجمة الختان والخفاض: وأنكر مالك أن يؤذن في أذنه حين يولد. انتهى. انتهى.

ثانيًا:

وقد ذكرنا في جواب متقدّم الحكمة من الأذان في أذن الوليد عند من يقول باستحباب ذلك، فقد قالوا: حتى يكون أول ما يطرق سمعه هذه الكلمات التي فيها تعظيم الله وتكبيره والشهادة له سبحانه بالوحدانية ولنبيه صلى الله عليه وسلم بالرسالة، ولأن الأذان يطرد الشيطان.

ولا نرى أن هذا يسلم؛ لسببين:

  1. أن في الأذان ” حيَّ على الصلاة ” و ” حيَّ على الفلاح “! ولو كان ما قالوه صحيحاً لاكتفى بأول الأذان – مثلًا – أو بالشهادتين فقط.
  2. ما الحاجة لطرد الشيطان فقط عند ولادته؟! وهلا شُرع هذا كل يوم – مثلًا – أو كل أسبوع؟!.
  3. لم يثبت في الشرع ولا في الطب – حسب علمنا – أي أثر لما يسمعه الطفل أول ولادته، ولو كان هذا واقعاً لشرع لنا إسماعه القرآن دومًا، والحديث في أذنه بذِكر الله تعالى، وهذا ليس موجودًا في السنَّة النبوية.

 

* والخلاصة:

نرى أن نيتك حسنة طيبة، ونرى أن غيرتك على الشرع صادقة، لكن هذا كله لا يجعل من فعلك شيئًا مشروعًا، فنرى أنه يجب عليك الكف عن ذلك الفعل، وخاصة مع أولاد الكفار، وما تفعله معهم في السر لو رآك أحد منهم لأمكنه اتهامك بتهم خطيرة، والخير في إصلاح الأولاد هو بتربيتهم على الصلاة والكلام الحسن، وتربية البنات على العفاف والحياء، ومثل تلك التربية لا تصلح في البيئة التي تعيش فيها، والأذان في أذن المولود لا يساهم في صلاح أولادكم، لذا فيجب عليكم مفارقة الديار التي لا يمكنكم فيها إظهار شعائر دينكم، ولا تسمعون فيها الأذان، ولا تتمكنون فيها من إصلاح ذريتكم وتربيتهم على الإسلام.

 

والله أعلم.

 

 

حُكم على زوجها بالسجن المؤبَّد فهل من حقها طلب الطلاق أو التفريق؟

حُكم على زوجها بالسجن المؤبَّد فهل من حقها طلب الطلاق أو التفريق؟

السؤال:

حُكم على زوجي بالسجن مدى الحياة، وفرص خروجه منه ضئيلة جدًّا، وقد مضى على دخوله خمس سنوات، وقد سُجن بعد زواجنا بسنة واحدة فقط، وها أنذا قد رُزقت منه بمولودة، إنني ما زلت صغيرة في العمر وأشعر بالقلق والاضطراب لكوني وحيدة دون زوج إلى أجل غير مسمى، إنني أراعي مشاعره ولا أريد أن أجرحها لأنه رجل مسلم، ولكن بالمقابل أنا بشر وأشعر بما يشعر به البشر بل أنني في بعض الأحيان أقع في بعض المعاصي بسبب الوحدة والغريزة، فما هي نصيحة العلماء لي؟ هل يجوز لي أن أطلب منه الطلاق؟ أم أن أجري عند الله أكبر إن أنا صبرت؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

ذهب جمهور العلماء إلى عدم جواز التفريق بين الزوج المحبوس وزوجته، وخالف في ذلك المالكية.

* وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 29 / 66، 67 ):

إذا حبس الزوج مدة عن زوجته، فهل لزوجته طلب التفريق كالغائب؟.

الجمهور: على عدم جواز التفريق على المحبوس مطلقًا مهما طالت مدة حبسه، وسواء أكان سبب حبسه أو مكانه معروفين أم لا.

أما عند الحنفية والشافعية: فلأنه غائب معلوم الحياة، وهم لا يقولون بالتفريق عليه، وأما عند الحنابلة: فلأن غيابه لعذر.

وذهب المالكية إلى جواز التفريق على المحبوس إذا طلبت زوجته ذلك وادعت الضرر، وذلك بعد سنة من حبسه، لأن الحبس غياب، وهم يقولون بالتفريق للغيبة مع عدم العذر، كما يقولون بها مع العذر على سواء. انتهى.

والذي نقطع به ونراه راجحًا هو قول المالكية، وقد اجتمع في سجن زوجك أشياء تدعو إلى القول بالتفريق:

  1. طول مدة الحبس.
  2. انقطاع النفقة.
  3. خشية الضرر عليك ونعني به الوقوع في الزنى.

وقد اتفق الحنابلة مع المالكية في أن غياب الزوجة مع قطعة النفقة عن زوجته، وتضررها بغيابه: كلاهما من الأسباب التي تجيز التفريق بين الزوجة وزوجها الغائب عنها.

* وفي ” الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني ” ( 3 / 1026 ):

قال الأجهوري في ” شرح خليل “: وإذا جاز لها التطليق بعدم النفقة : فإنه يجوز لها إذا خشيت على نفسها الزنا بالأولى؛ لشدة ضرر ترك الوطء الناشئ عنه الزنا. انتهى.

فكل تلك الأحوال تدعو لترجيح مذهب المالكية بالتفريق بين الزوج السجين والذي تتضرر زوجته بغيابه، والضرر الحاصل على الزوجة بغياب زوجها من انقطاع النفقة وانقطاع الوطء لا يُنكر، ويشتد الضرر في حال كانت الزوجة وحيدة ليس لها أهل، وهذا القول رجَّحه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، حيث قال:

وحصول الضرر للزوجة بترك الوطء مقتض للفسخ بكل حال، سواء كان بقصد من الزوج أو بغير قصد، ولو مع قدرته أو عجزه، كالنفقة، وأولى من الفسخ بتعذره في الإيلاء إجماعًا.

وعلى هذا: فالقول في امرأة الأسير والمحبوس ونحوهما ممن تعذر انتفاع امرأته به إذا طلبت فُرقته: كالقول في امرأة المفقود، كما قاله أبو محمد المقدسي.

” الفتاوى الكبرى ” ( 5 / 481 ، 482 ).

يعني: كما أن امرأة المفقود تتضرر بفقدان زوجها ولها حق طلب الفُرقة: فكذلك الأسير والمسجون والذي يُعلم طول غيابه بسجنه، فهو أشبه بالمفقود.

 

ثانيًا:

والذي ننصحك به طلب الطلاق، ونرى أن الصبر عن الشهوة في هذا الزمان لا يحتمله الناس، لا الرجال ولا النساء، فلا ننصح به لمن يملك قضاء شهوته بالزواج الحلال، فنرى أن تصارحي زوجك بالحال التي أنت عليها من حاجتك لمُعيل، وخوفك على نفسك من نظرة الناس، وطمعهم فيك، وحاجة ابنتك لرعاية وعناية، وعلى زوجك أن يطلِّقكِ بإرادته، وهذا الذي ينبغي له فعله إن بذل كل الأسباب لخروجه من السجن ولم ينجح.

فإن لم يفعل وأصرَّ على عدم تطليقك: فارفعي أمرك للقضاء الشرعي أو من يقوم مقامه، ولا يجوز أن تعدِّي نفسك طالقة وحدك، ولا أن يطلقك آحاد الناس، بل هو القاضي الشرعي أو من يقوم مقامه كمفتي البلدة أو شيخ المركز الإسلامي عندكم.

* وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 29 / 64 ):

اتفق الفقهاء القائلون بالتفريق للغيبة على أنه لا بد فيها من قضاء القاضي؛ لأنها فصل مجتهد فيه، فلا تنفذ بغير قضاء. انتهى.

 

 

 

* قال الشيخ عمر الأشقر – حفظه الله -:

إذا زال سلطان المسلمين، أو كانت المرأة في موضع ليس فيه للمسلمين سلطان ولا ولي لها مطلقا، كالمسلمين في أمريكا وغيرها: فإن كان يوجد في تلك البلاد مؤسسات إسلامية تقوم على رعاية شؤون المسلمين: فإنها تقوم بتزويجها، وكذلك إن وجد للمسلمين أمير مطاع أو مسؤول يرعى شؤونهم.

” الواضح في شرح قانون الأحوال الشخصية الأردني ” ( ص 70 ).

 

ثالثًا:

وهل تقع الفُرقة طلاقًا أم فسخًا؟ الأقرب أنها فسخ؛ لأنها من جهة الزوجة، وهذا مذهب الحنابلة، والعدة: حيضة واحدة.

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 29 / 64 ):

ونص الحنابلة على أن الفرقة للغيبة فسخ، ونص المالكية على أنها طلاق، وهل هي طلاق بائن؟ لم نر من المالكية من صرح في ذلك بشيء، إلا أن إطلاقاتهم تفيد أنها طلاق بائن. انتهى.

 

واحتساب التفريق بين الزوجين عن طريق القاضي – أو من يقوم مقامه -فسخًا هو الأليق في الشرع للزوجين؛ حيث لا يتم احتساب طلقة عليه، فقد تكون هذه آخر طلقة له، فلو حُسبت وقدَّر الله له الخروج فإنه لا يتمكن من الرجوع لزوجته إلا أن تنكح زوجاً آخر زواج رغبة ثم يفارقها فراق رغبة.

 

والله أعلم.

ماحكم إطلاق عبارة ” الغذاء الروحي ” على الأذكار والطاعات؟

ماحكم إطلاق عبارة ” الغذاء الروحي ” على الأذكار والطاعات؟

السؤال:

تتناقل المنتديات هذه العبارة ” الغذاء الروحي ” ويطلقونها على التسبيح والتهليل والذِّكر وغيرها من العبادات، فما الحكم؟.

 

الجواب:

الحمد لله

لا يظهر لنا أي إشكال في إطلاق هذه عبارة: الغذاء الروحي ” على الطاعات وعلى الذِّكر والتقوى وغير ذلك من أعمال الإسلام الجليلة، ولنا في ذلك دليلان يمكن أن يصلحا للاستدلال بهما على ذلك، وثمة علماء ثقات أثبات قد استعملوها من غير حرج.

  1. أما الآية:

فقوله تعالى ( الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ ) البقرة/ 197.

* قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -:

ثم أمر تعالى بالتزود لهذا السفر المبارك-أي: الحج –  فإن التزود فيه الاستغناء عن المخلوقين، والكف عن أموالهم، سؤالًا واستشرافًا، وفي الإكثار منه نفع وإعانة للمسافرين، وزيادة قربة لرب العالمين، وهذا الزاد الذي المراد منه إقامة البُنية بُلغة ومتاع.

وأما الزاد الحقيقي المستمر نفعه لصاحبه في دنياه وأخراه: فهو زاد التقوى الذي هو زاد إلى دار القرار، وهو الموصل لأكمل لذة، وأجل نعيم دائم أبدًا، ومن ترك هذا الزاد: فهو المنقطع به الذي هو عُرضة لكل شر، وممنوع من الوصول إلى دار المتقين، فهذا مدح للتقوى.  ” تفسير السعدي ” ( ص 91 ).

  1. وأما الحديث:

فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( لا تُوَاصِلُوا ) قَالُوا: إِنَّكَ تُوَاصِلُ. قَالَ: ( إِنِّي لَسْتُ مِثْلَكُمْ، إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي ). رواه البخاري ( 7299 ) ومسلم ( 1103 ).

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

ومعلومٌ أنَّ هذا الطعام والشراب ليس هو الطعام الذى يأكله الإنسانُ بفمه، وإلا لم يكن مواصلًا، ولم يتحقق الفرق، بل لم يكن صائمًا، فإنه قال ( أَظَلُّ يُطْعِمُني رَبِّي ويَسْقِيني ).

وأيضًا: فإنه فرقٌ بينه وبينهم في نفس الوِصال، وأنه يَقدِرُ منه على ما لا يقدِرُون عليه، فلو كان يأكلُ ويشرب بفمه: لم يَقُلْ ( لَسْتُ كَهَيْئَتِكُم )، وإنما فَهِمَ هذا من الحديث مَنْ قَلَّ نصيبُه من غذاء الأرواح والقلوب، وتأثيرِهِ في القوة وإنعاشِها، واغتذائها به فوقَ تأثير الغِذاء الجسمانىِّ، والله الموفق.

” زاد المعاد في هدي خير العباد ” ( 4 / 94 ).

وبالإضافة لاستعمال الإمام ابن القيم لهذه العبارة فقد رأينا استعمال الشيخ العثيمين لها كثيرًا، وهو ومعروف باختيار عباراته وبُعده عن الحشو.

* فقد سئل – رحمه الله -:

تعلم يا فضيلة الشيخ أن بعض الآباء ينشغل في أعماله، وقد لا يتمكن من سؤال أبنائه عن مستواهم الدراسي أو من يصحبون، فهل هذا تضييع لحقوقهم؟.

فأجاب:

قوله ” إنه ينشغل بأعماله ” نقول: مِن أكبر أعماله: أبناؤه وبناته، ومسئوليتهم أعظم من مسئولية تجارته، ولنسأل ماذا يريد من تجارته؟ إنه لا يريد منها إلا أن ينفق على نفسه وأهله، وهذا غذاء البدن، وأهم منه: غذاء القلب، غذاء الروح، زرع الإيمان والعمل الصالح في نفوس الأبناء والبنات

” اللقاء الشهري ” ( 58 / السؤال رقم 1 ).

* وقال – رحمه الله – أيضًا -:

لا تجعل طعامك مشتبهًا، اجعل طعامك طيِّا، لا تبق على خطر، الغذاء غذاء الروح وليس غذاء البدن، لو يأكل الإنسان لحى الشجر ونبات الأرض: خير له من أن يأكل درهمًا واحدًا حرامًا.  ” لقاء الباب المفتوح ” ( 229 / السؤال 22 ).

 

فيتبين لنا مما سبق: جواز إطلاق عبارة ” غذاء الروح ” و ” غذاء القلب ” على عموم الطاعات الشرعية.

 

والله أعلم.

 

 

تفصيل القول في معنى ( وشاب نشأ في عبادة ربِّه ) ووصية لمن فاته هذا الفضل

تفصيل القول في معنى ( وشاب نشأ في عبادة ربِّه ) ووصية لمن فاته هذا الفضل

السؤال:

– عندي سؤال واستفسار عن معنى ( شاب نشأ في طاعة الله ):

أنا شاب، وعمري الآن 22 سنة، ولكن للأسف لم أكن من الذين نشئوا في طاعة الله منذ أن بلغت عمر التكليف، فأحيانا أصلي وأحيانا أترك الصلاة – عياذًا بالله-، ولكن نويت بإذن الله وتوفيقه أن أتوب وأرجع إلى الله – أطلب منكم الدعاء – وإذا تبت وأنا في هذا العمر وأحسنت التوبة هل يكتب الله لي ممن نشئوا على طاعة الله؟ وكم عمر الذين يشملهم هذا الحديث؟.

وأسأل الله أن يوفقكم ويحفظكم. وجزاكم الله خير ونفع بكم الإسلام والمسلمين.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الحديث الذي يشير إليه الأخ السائل هو ما رواه أَبو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ( سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ – وفيه : – وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ … ). رواه البخاري ( 629 ) ومسلم ( 1031 ).

ثانيًا:

اختلف أهل اللغة وتبعهم الفقهاء في تحديد سن الشباب متى يبدأ ومتى ينتهي، والأقرب: أن زمن ” الشاب ” يبدأ بالبلوغ، وينتهي إلى الثلاثين، أو اثنين وثلاثين، ثم تبدأ مرحلة ” الكهولة “.

* قال ابن الأثير – رحمه الله -:

والكهل من الرجال: من زاد على الثلاثين سنة إلى الأربعين، وقيل من ثلاث وثلاثين إلى تمام الخمسين. ” النهاية في غريب الحديث ” ( 4 / 313 ).

* وقال الزبيدي – رحمه الله -:

الشَّبَابُ: الفَتَاءُ والحَدَاثَةُ كالشَّبِيبَة. وقد شَبَّ الغُلامُ يَشِبُّ شَبَابًا وشُبُوبًا وشَبِيبًا وأَشَبَّهُ اللهُ وأَشَبَّ اللهُ قَرْنَه بمَعْنىً والأَخِيرُ مَجَازٌ والقَرْنُ زِيَادَةٌ في الكَلاَمِ.

وقال مُحَمَّد بنُ حَبِيب: زَمَنُ الغُلُومِيَّة سَبْعَ عَشَرَةَ سَنَةً مُنْذُ يُولَدُ إِلى أَن يَسْتَكْمِلَها ثم زَمَنُ الشَّبَابِيَّة مِنْهَا إِلَى أَنْ يَسْتَكْمِلَ إِحْدَى وخَمْسِينَ سنة ثم هُوَ شَيْخٌ إِلَى أَنْ يَمُوتَ.

وقيل: الشَّابُّ: البَالِغُ إِلَى أَنْ يُكَمِّل ثَلاَثِين.

وقيل: ابنُ سِتَّ عَشَرَةَ إِلى اثْنَتَيْن وثَلاَثِين ثُمَّ هُوَ كَهْلٌ. انتهى.

” تاج العروس من جواهر القاموس ” ( 3 / 92 ).

 

 

* وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

الشاب ما بين الخمس عشرة سنة إلى الثلاثين.

” شرح رياض الصالحين ” ( 1 / 462 ).

ثالثًا:

وقد اختلف شرَّاح الحديث في معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم ( وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ ) على أقوال، أشهرها: ثلاثة:

  1. أن معناه: أن الشاب كان تربَّى على الطاعة ونما عليها في صغره، ولم يأت سن الشباب عليه إلا وهو على خير.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

( شاب نشأ في عبادة ربه ): ( نَشَأَ ) منذ الصغر وهو في العبادة، فهذا صارت العبادة كأنها غريزة له، فألفها وأحبَّها، حتى إنه إذا انقطع يومًا من الأيام عن عبادة تأثر.  ” شرح صحيح البخاري ” ( 3 / 79 ).

  1. أن معناه: من أفنى شبابه في عبادة الله وطاعته، لا في معصية، فالتنمية والتنشئة على الطاعة كانت في مرحلة الشباب.

* قال المباركفوري – رحمه الله -:

– ( نَشَأَ) أي: نما وتربى.

– ( بعبادة الله ) أي: لا في معصية، فجوزي بظل العرش؛ لدوام حراسة نفسه عن مخالفة ربه. ” تحفة الأحوذي ” ( 7 / 58 ).

ويدل على هذا التأويل: أثر سلمان رضي الله عنه موقوفًا عليه وهو بمعنى حديث أبي هريرة، وقد رواه سعيد بن منصور في ” سننه ” – كما قال ابن حجر – وفيه ( ورجلٌ أفنى شبابه ونشاطه في عبادة الله ) والحديث حسَّنه الحافظ ابن حجر في ” فتح الباري ” ( 2 / 144 ).

  1. أن معناه: من كانت حسناته وطاعاته في شبابه أكثر من سيئات وذنوب من نشأ على غير طاعة ثم عبَد ربَّه آخر عمره.

* قال أبو الوليد الباجي – رحمه الله -:

( وشاب نشأ في عبادة الله تعالى ) يحتمل – والله أعلم – أن يريد به: أقل ذنوبًا وأكثر حسنات ممن نشأ في غير عبادة الله عز وجل ثم عبَده في آخر عمره وفي شيخوخته. ” المنتقى شرح الموطأ ” ( 7 / 273 ).

رابعًا:

ونقول لك – أخيرًا -: إذا كان فاتك هذا الفضل فلم تنشأ على طاعة الله تعالى: فإنك لا تزال شابًّا فأر ربَّك من نفسك خير ما عندك من قدرات تصرفها في طاعته وعبادته، ثم إن في الحديث نفسه أمورًا تستطيع أن تكون من أهلها فيظلك الرب تعالى تحت عرشه يوم القيامة، فكن ممن يتعلق قلبه بالمساجد، وكن من المتصدقين بالسر، وكن من الذاكرين الله تعالى في الخلوة فتفيض عينك بالبكاء، وجِد لك أخًا تجتمع معه على المحبة في الله.

واحذر – أخي – من كيد الشيطان أن يصدك عن هذه الطاعات والأفعال الجليلة لأجل أنك لم تنشأ في شبابك على الطاعة، وكثير مما ذكرناه لك قد يصدق عليك بفعله لمرَّة واحدة، فاحرص على الخير لنفسك، ولا تترد في أن تبلي شبابك فيما يحب ربك تعالى منك.

ونرجو منك التأمل في الكلام الآتي للشيخ العثيمين رحمه الله فهو منطبق على حالك .

* سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

هناك شباب يعودون إلى الله في سن الخامسة والعشرين وفي سن الرابعة والعشرين، يعني: يكون أثناء البلوغ في ضياع، ويكون قد عصى الله سبحانه وتعالى وقد يكون تاركًا للصلاة، فبعد هذا السن يرجع إلى الله سبحانه وتعالى ويكون من عباد الله سبحانه وتعالى، هل يكون داخلًا في السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وهو الشاب الذي نشأ في طاعة الله؟.

فأجاب:

السن عندهم درجات، سن الشباب، وسن الكهولة، وسن الشيخوخة، وسن الهرم، فيرجع إلى هذا، فالذي في الخامسة والعشرين لا يزال في الشباب، ولكن مع ذلك لو فرض أنه لم يستقم إلا بعد الثلاثين: فإن الله تعالى يقول في كتابه: ( وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا. يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا . إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ) الفرقان/ 68 – 70، فهؤلاء الذين تابوا بعد أن كبروا وعملوا عملًا صالحًا يبدِّل الله سيئاتهم حسنات، ويكتب لهم إن شاء الله ما يكتب لغيرهم، وإذا قدِّر أنه لم يكن شابًّا: فقد فاتته خصلة من الخصال التي يستحق بها أن يظله الله عز وجل فلا تفته الخصال الأخرى . ” لقاء الباب المفتوح ” ( 5 / السؤال رقم 25 ).

 

نسأل الله تعالى أن يوفقك لما يحب ويرضى، وأن يجعلك من العاملين لدينه، وأن يظلك تحت ظل عرشه.

 

والله أعلم.