الرئيسية بلوق الصفحة 48

ما وجه انتفاع المسلم العاصي والكافر بأن يختم لهم بقول لا إله إلا الله قبل موتهم؟

ما وجه انتفاع المسلم العاصي والكافر بأن يختم لهم بقول لا إله إلا الله قبل موتهم؟

السؤال:

إذا نطق شخص بالشهادتين على فراش موته، ومات بعدها، فهل يعني ذلك أن هذا الشخص مات على الإيمان؟ ولهذا يكون مات مسلمًا أو حتى مؤمنًا ولذلك فإنه حتى وإن كان عليه أن يقضي مدة في جهنم فإنه في النهاية سيدخل الجنة، هل هذا القول صحيح؟.

الجواب:

الحمد لله

لم نتبين ما يقصده الأخ السائل هل أراد به من قال تلك الكلمة الجليلة من الكفار قبل أن يموت أم من المسلمين العصاة، ولذا سنذكر الجواب على الاحتمالين، فنقول:

عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( مَنْ كَانَ آخِرُ كَلامِهِ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ ). رواه أبو داود ( 3116 ) وحسَّنه الألباني في ” إرواء الغليل ” ( 3 / 149 ).

ولا يخلو القائل لكلمة ” لا إله إلا الله ” قبل موته أن يكون من المسلمين أو من الكفار، ولسنا نعني بما قبل الموت حال الغرغرة، فهذا ليس بنافعٍ أحداً منهم؛ لقوله تعالى ( وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ) النساء/ 18، ولحديث ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ العَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ ) رواه الترمذي ( 3537 ) وابن ماجه ( 4253 )، وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

وإنما المقصود به من قال في مرض موته وقبل أن يصل لتلك الحال.

1. فإن كان القائل لتلك الكلمة من المسلمين: فهي ” كلمة ذِكر ” في حقهم، ومعلوم أن الأذكار الشرعية كثيرة – كقول سبحان الله و الحمد لله – وهذه الكلمة هي أعلى تلك الكلمات من الأذكار، وهي من علامات حسن الخاتمة لمن كانت آخر كلامه.

والسؤال: هل قول تلك الكلمة في آخر ما يقوله المسلم قبل موته تُكفَّر بها خطاياه، وتُغفر له ذنوبه؟ وهل يدخل في ذلك ما يتعلق بحقوق الآخرين؟ أم أنها علامة على حسن الخاتمة ولا تعني نجاته من العذاب؟.

قولان لأهل العلم، منهم من قال إنها لا تعني نجاته من العذاب، ومنهم من قال إنه كافيته لينجو من العذاب وليدخل الجنة ابتداءً.

واستدل الأوائل بحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: ( لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لاَ إله إِلاَّ الله فَإِنَّهُ مَنْ كانَ آخِرَ كَلمتِه لاَ إله إِلاَّ الله عِنْدَ المَوْتِ دَخَلَ الجَنَّة يَوْماً مِنَ الدَّهْرِ وَإِنْ أَصَابَهُ قَبْلَ ذَلِكَ مَا أَصَابَهُ ). رواه ابن حبان في ” صحيحه ” ( 7 / 272 ) وصححه شعيب الأرنؤوط.

وقال الآخرون بظاهر حديث معاذ رضي الله عنه.

قال النووي – رحمه الله -:

ويجوز فى حديث من كان آخر كلامه لا إله الا الله دخل الجنة أن يكون خصوصًا لمن كان هذا آخر نطقه وخاتمة لفظه وإن كان قبل مخلِّطًا فيكون سببًا لرحمة الله تعالى إياه ونجاته رأسًا من النار وتحريمه عليها بخلاف من لم يكن ذلك آخر كلامه من الموحدين المخلطين. ” شرح النووي على مسلم ” ( 1 / 220 ).

والذي يترجح لنا: أن من قالها قاصِدًا التوبة والندم على ما فات منه من ذنوب ومعاصٍ أنها كافية لمغفرة تلك الذنوب والخطايا حتى لو تعلقت به حقوق للناس فإن الله تعالى يعوضهم من خزائنه، وهذا الذي قلناه هو ترجيح الإمام البخاري من المتقدمين، والشيخ عبد العزيز بن باز من المتأخرين.

بوَّب البخاري رحمه الله في صحيحه تحت ” كِتَاب الْجَنَائِزِ ” بابًا عنون له ” بَاب مَنْ كَانَ آخِرُ كَلامِهِ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ ” وروى تحته حديث أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه – برقم ( 1180 ) – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ( أَتَانِي آتٍ مِنْ رَبِّي فَأَخْبَرَنِي – أَوْ قَالَ: بَشَّرَنِي – أَنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لاَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ ). قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: ( وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ ).  انتهى. ورواه مسلم (94).

وفي كتاب ” اللباس ” تحت حديث رقم ( 5489 ) رواه عن أبي ذر بلفظ آخر وهو ( مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ إِلاَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ ) قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: ( وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ ) قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: ( وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ ) قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ قَالَ: ( وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ عَلَى رَغْمِ أَنْفِ أَبِى ذَرٍّ ).

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ – أي: البخاري -: هَذَا عِنْدَ الْمَوْتِ أَوْ قَبْلَهُ، إِذَا تَابَ وَنَدِمَ وَقَالَ ” لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ ” غُفِرَ لَهُ.

قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

وقال ابن رشيد: يحتمل أن يكون مراد البخاري الإشارة إلى أن من قال ” لا إله إلا الله ” مخلصًا عند الموت كان ذلك مسقطًا لما تقدم له، والإخلاص يستلزم التوبة والندم، ويكون النطق علَما على ذلك.

وأدخل حديث أبي ذر ليبيِّن أنه لا بد من الاعتقاد، ولهذا قال عقب حديث أبي ذر في كتاب ” اللباس ” قال أبو عبد الله: هذا عند الموت أو قبله إذا تاب وندم.

” فتح الباري ” ( 3 / 110 ).

 

 

وقال – رحمه الله – أيضًا -:

وحاصل ما أشار إليه: أن الحديث محمول على من وحَّد ربه ومات على ذلك تائبًا من الذنوب التي أشير إليها في الحديث فإنه موعود بهذا الحديث بدخول الجنة ابتداء، وهذا في حقوق الله باتفاق أهل السنَّة، وأما حقوق العباد: فيشترط ردُّها عند الأكثر، وقيل: بل هو كالأول، ويثيب الله صاحب الحق بما شاء.

” فتح الباري ” ( 10 / 283 ).

وسئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

من كان يُعرف أنه لا يصلي في حياته إلا أنه ختم حياته بالشهادتين عند احتضاره، هل يصلَّى عليه، أم أنه من الذين قال الله فيهم ( وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ ) النساء/ 18؟.

فأجاب:

إذا لم يصرح بالتوبة ( فلا تنفعه )؛ فذِكر الشهادة هو يقولها وهو حي، والمنافقون يقولونها، فلا تنفعهم إذا لم يكن معها توبة من الكفر بالله، فإذا كان لا يصلِّي، أو يُعرف أنه يسب الدين، أو أنه لا خير فيه: فالنطق بالشهادتين لا تنفعه، لا في حياته ولا عند الموت، إلا إذا كان عن توبة: فأمْره إلى الله يوم القيامة، فظاهره الشر، فلا يصلَّى عليه ولا يغسَّل، نسأل الله العافية.

أما إذا قال: تبت إلى الله من عملي، وأنا كنت لا أصلي وأنا أشهدكم إني تائب، أو صرح عندهم أني تبت إلى الله من ترك الصلاة، وكذا ، ثم مات: يكون حكمه حكم التائبين.  ” فتاوى نور على الدرب ” ( شريط رقم 907 ).

وأما المسلم الذي يُختم له بقول هذه الكلمة ولا يستحضر بها التوبة من ذنوبه: فهي لا تعدو أن تكون علامة خير وخاتمة حسنة له، ولا تعني بالضرورة أن تُنجيه مما اقترف من السيئات مما لم تُغفر له، وكما قال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله فهذا الرجل كان يقول هذه الكلمة قبل وفاته وليست هي أمرًا جديدًا في حياته، بخلاف من يستحضر معها التوبة، وبخلاف الكافر الذي تكون أول كلمة له في حياته، وينتقل بها من الكفر إلى الإسلام.

ومن باب الفائدة نقول:

إن كل من خُتم له بعمل صالح يموت عليه: فهو على خير، وله الفضل نفسه الذي لمن ختم له بقول كلمة ” لا إله إلا الله “.

عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: أَسْنَدْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى صَدْرِي فَقَالَ: ( مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ خُتِمَ لَهُ بِهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ صَامَ يَوْمًا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ خُتِمَ لَهُ بِهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ خُتِمَ لَهُ بِهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ ).

رواه أحمد ( 38 / 350 ) وصححه المحققون، وصححه الألباني في ” أحكام الجنائز ” ( ص 43 ).

  1. وأما إن كان القائل لكلمة ” لا إله إلا الله ” قبل موته كافرًا: فتكون الكلمة في حقه ” كلمة إسلام “، وأمره يختلف عن المسلم التي تكون في حقه ” كلمة ذِكر “، وهل يُكتفى بها عن الشهادة لمحمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة؟ بالطبع لا؛ لأن مفتاح دخول الإسلام هو قول الشهادتين، لكن جاء في السنَّة التعبير بكلمة ” لا إله إلا الله ” عن الشهادتين، كما جاء مثل ذلك في حديث جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ ) رواه البخاري ( 2786) ومسلم ( 21 ).

ومن العلماء من يقول يُكتفى بها في حق من يشهد للنبي صلى الله عليه وسلم بالرسالة لكنه لا يوحِّد ربَّه تعالى، كما هو حال أبي طالب لما عرض عليه النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول ” لا إله إلا الله ” فأبى ذلك، وهذا واضح الخصوصية فيمن كان حاله كحال أبي طالب، لكن الأولى أقوى وأولى.

ومن شهد بالشهادتين قبل موته وقبل الغرغرة عالمًا بمعناهما، صادقًا من قلبه ثم مات: نفعه ذلك – ولا شك – يوم القيامة، ويلقى الله تعالى مسلمًا ليس عليه خطيئة، ويمكن أن يُطبَّق عليه حديث معاذ رضي الله عنه.

سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

الذي ينطق بالشهادة قبل موته هل يدخل في قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة )؟.

فأجاب:

نعم، إذا قال ” لا إله إلا الله ” عند موته موقنًا بها قلبه: فإنه يدخل في الحديث، ولكن ليعلم أن النصوص العامة فيما يُدخل الجنة أو يُدخل النار لا تطبق على شخصٍ بعينه إلا بدليل، فمثلًا: ( من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة ) إذا علمنا أن هذا الرجل كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله فنحن نقول: يُرجى أن يكون من أهل الجنة، فالمعيَّن لا تجزم له وإنما قل: يُرجى إذا كان في خير، أو يُخشى إذا كان في شر؛ لأنه يفرق بين العموم والخصوص، نحن نشهد ونعلم ونوقن بأن كل مؤمنٍ في الجنة، فهل نشهد لكل مؤمن بعينه أنه في الجنة؟ فالجواب: لا، لكننا إذا علمنا أنه مؤمن نرجو له أن يكون داخلًا في الجنة.

” فتاوى نور على الدرب ” ( شريط 352 ).

والذي يقول تلك الكلمة من الكفار قبل موته لا شك أنه ينتقل بها من الكفر إلى الإسلام، والإسلام يجبُّ ما قبله، فإن خُتم له بها: لقي ربَّه تعالى مسلمًا مغفورًا له كفره وذنوبه، قال تعالى: ( قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ ) الأنفال/ 38.

لكن ثمة ما هو أولى من حديث معاذ رضي الله عنه – في حق الكافر – بالاستدلال على انتفاع الكافر بالإسلام قبل موته، وهما حديثان:

أ. عَنْ سَعِيد بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ أَبَا طَالِبٍ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ دَخَلَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِنْدَهُ أَبُو جَهْلٍ فَقَالَ: ( أَيْ عَمِّ قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ ) فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ تَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ فَلَمْ يَزَالَا يُكَلِّمَانِهِ حَتَّى قَالَ آخِرَ شَيْءٍ كَلَّمَهُمْ بِهِ ” عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ” فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْهُ ) فَنَزَلَتْ ( مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ) وَنَزَلَتْ ( إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ). رواه البخاري ( 3671 ) ومسلم ( 24 ).

وفي رواية لمسلم ( 25 ):

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَمِّهِ ( قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَشْهَدُ لَكَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) قَالَ: لَوْلَا أَنْ تُعَيِّرَنِي قُرَيْشٌ يَقُولُونَ إِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ الْجَزَعُ لَأَقْرَرْتُ بِهَا عَيْنَكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ( إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ).

ومن خلال القصة يتبين بوضوح أن من قال كلمة التوحيد قبل الاحتضار نفعه ذلك يوم لقاء ربه تعالى، وأنه يلقاه بذلك مسلمًا، وواضح في الروايتين أن أبا طالب لم يكن في حال النزع لوجود محاورة النبي صلى الله عليه وسلم له وردُّه عليه، ولمحاورة أبي جهل وابن أبي أمية – وقد أسلم فيما بعد – له.

قال النووي – رحمه الله -:

وأما قوله ( لما حضرت أبا طالب الوفاة ) فالمراد: قربت وفاته وحضرت دلائلها، وذلك قبل المعاينة والنزع، ولو كان فى حال المعاينة والنزع: لما نفعه الايمان، ولقول الله تعالى ( وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ ) ويدل على أنه قبل المعاينة محاورته للنبى صلى الله عليه وسلم مع كفار قريش، قال القاضي عياض رحمه الله: وقد رأيت بعض المتكلمين على هذا الحديث جعل الحضور هنا على حقيقة الاحتضار وأن النبى صلى الله عليه وسلم رجا بقوله ذلك حينئذ أن تناله الرحمة ببركته صلى الله عليه وسلم، قال القاضي رحمه الله: وليس هذا بصحيح؛ لما قدمناه. ” شرح مسلم ” ( 1 / 214 ).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

ولو كان – أي: أبو طالب – قد مات على الإيمان: لم يكن في العذاب، ولم يُنْهَ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن الاستغفار له، ولقُرِنَ ذِكرُه بذِكر حمزة والعباس، ولكان قد صلَّى عليه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وابنُه عليّ.

” جامع المسائل ” ( 3 / 125 ).

ب. عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ غُلَامٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَرِضَ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُهُ فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَقَالَ لَهُ ( أَسْلِمْ ) فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُ: أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَسْلَمَ فَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقُولُ: ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنْ النَّارِ ). رواه البخاري (1290 ).

وقد جاء في بعض الروايات أن ذلك الغلام مات في مرضه ذاك، فقد جاء عند الإمام أحمد في مسنده – وصححه المحققون – ( 21 / 78 ) ” فَأَسْلَمَ ثُمَّ مَاتَ “.

وقوله صلى الله عليه وسلم ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنْ النَّارِ ) أبلغ من قوله (دَخَلَ الجنَّة )؛ لأن الداخل لها لا يلزم أنه لا يُعذَّب في النار، ومعنى ( أنقذه من النار) أنه لن يدخلها.

ومن باب الفائدة في التفريق بين قول ” لا إله إلا الله ” للمسلم والكافر قبل الموت نقول: إنه حيث جاء في السنَّة لفظ ( لقِّنوا موتاكم ) – مثل حديث أبي هريرة السابق الذي رواه ابن حبان، وحديث أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ) رواه مسلم ( 916 ) – فهو في المسلمين؛ لسببين – على الأقل -:

الأول: أن التلقين هو التعليم والتفهيم، ويُقصد به أن تُذكر الكلمة ممن هو محتضر، وبعض العلماء يقول بعدم مواجهة المحتضر بها، وبعضهم يقول بمخاطبته مباشرة، وآخرون يفرقون بين شخص وآخر، وبكل حال: لو كان كافرًا لما اختلفوا هذا الاختلاف لأن الكافر لن نخسر شيئًا لو أنه رفضها فهو رافض لها أصلًا بخلاف المسلم الذي يمكن أن يضجر منها فيرفض قولها.

الثاني: أنه قال ( موتاكم ) وهذا خاص بالمسلمين.

وأما الكفار فلا يقال في حقهم لفظ ” التلقين ” بل تُعرض عليهم الشهادتان ليقولوا بها معتقدين معناها، وهي مفتاح دخولهم للإسلام، ولذا لا يُكتفى بتلك الكلمة من غير الشهادة للنبي صلى الله عليه وسلم بالرسالة، بخلاف المسلم فإنه يُكتفى بها، بل السنَّة أنه لا يزيد عليها الشهادة الأخرى.

قال أبو الحسن المباركفوري – رحمه الله -:

وقال الدميري: نقل في ” الروضة ” عن الجمهور: الاقتصار على ” لا إله إلا الله “، ونقل جماعة من الأصحاب أنه يضيف إليها ” محمد رسول الله ” لأن المراد ذكر التوحيد، والمراد موته مسلمًا ولا يسمَّى مسلمًا إلا بهما، والأول: أصح.

أما إذا كان المحتضَر كافرًا: فينبغي الجزم بتلقين الشهادتين؛ لأنه لا يصير مسلمًا إلا بهما، كذا في ” السراج المنير “.

قلت: كلمة ” لا إله إلا الله ” كلمة إسلام، وكلمة ذِكر، فإذا قالها الكافر ليدخل في الإسلام: فهي كلمة إسلام، وكلمة الإسلام هي كلمتا الشهادة جميعًا، وإذا ذَكر بها المسلم: فهي ذِكر كسائر الأذكار، كما قال صلى الله عليه وسلم ( أفضل الذكر لا إله إلا الله )، والظاهر: أن المراد في حديث الباب تلقينها من حيث أنها كلمة ذِكر، فلا يشترط قول ” محمد رسول الله ” عند المحتضر؛ فإنَّه ليس بذكر وإن كان ركن الإسلام.

– والمراد بـ ( موتاكم ): موتى المسلمين، وأما موتى غيرهم: فيُعرض عليهم الإسلام كما عرضه عليه السلام على عمه عند السياق، وعلى الغلام الذمي الذي كان يخدمه.

قال في ” المجموع “: يُذكر عند المحتضر ” لا إله إلا الله ” بلا زيادة عليها، فلا تسن زيادة ” محمد رسول الله “؛ لظاهر الأخبار، وقيل: تسن زيادته؛ لأن المقصود بذلك التوحيد، ورُدَّ بأن هذا موحد، ويؤخذ من هذه العلة ما بحثه الأسنوي: أنه لو كان كافراً لقِّن الشهادتين وأُمر بهما، قاله القسطلاني.

” مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ” ( 5 / 308 ).

والخلاصة:

  1. إذا قال المسلم والكافر كلمة ” لا إله إلا الله ” لم ينتفعا بها إن كانا في حال ” الغرغرة “.
  2. إن قالها المسلم قاصدًا بها التوبة الصادقة وعازمًا على العمل بطاعة وترك المعصية إن تمكَّن من ذلك، ثم مات بعدها مباشرة: كان ذلك خاتمة خير له، ودخل الجنة ابتداء – إن شاء الله -.
  3. إن قالها المسلم ولم يقصد بها التوبة فتكون ذِكرًا من الأذكار الجليلة، وتكون خاتمة حسنة له، ولا يعني هذا عدم معاقبته قبل دخول الجنَّة.
  4. إن قالها الكافر عالمًا بمعناها، صادقًا في قوله: فتكون كلمة إسلام، انتقل بها من الكفر إلى الإسلام، ويلزمه أن يضيف إليها الشهادة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالرسالة، ويلزمه العمل بالشرع إن تمكَّن من ذلك، فإن مات بعدها مباشرة: مات مسلمًا مغفورًا له ذنوبه وكفره، ودخل الجنة ابتداءً ويكون أنقذ نفسه بفضل الله من النار.

 

والله أعلم.

تبحث عن زوجة أخرى لزوجها ليسكنا في منزل واحد وتسأل عن الجائز من اللباس

تبحث عن زوجة أخرى لزوجها ليسكنا في منزل واحد وتسأل عن الجائز من اللباس

السؤال:

أنا حاليّا متزوجة، وأبحث عن زوجة ثانية لزوجي! لكني أود أن أعرف: هل سيجوز لنا إذا وافقنا كلانا على العيش في ذات المنزل أن نتزين لزوجي في الملبس، كارتداء ملابس ضيقة أمام الزوجة الأخرى؟ وإذا لم يكن ذلك جائزاً فماذا ستكون عورتي أمامها؟.

الجواب:

الحمد لله

أولا:

فطر الله تعالى المرأة على الغيرة، وهو أمر جبلي لا يُنكر عليها، وإنما تقع المرأة في الإثم إذا أفرزت تلك الغيرة أقوالا منكرة، أو أفعالا محرَّمة، كمثل الاعتراض على تشريع التعدد في الزواج، أو مثل طلب طلاق الزوجة الأولى أو الكذب أو الوقيعة بين الزوجة الأخرى زوجها، وغير ذلك مما لا يخفى على أحد من المحرَّمات القطعية.

* ولذلك فإن المرأة التي تبحث لزوجها بنفسها عن زوجة أخرى ليتزوج بها هي إحدى امرأتين – غالبا -:

1. امرأة عاقلة جدّا رأت أن زوجها سيتزوج لا محالة، فاختارت شريكتها فيه بنفسها، وهو أمر وإن كان قليل فاعله لكنَّه ينم عن عقل وذكاء.

2. امرأة بلغ ظلم زوجها لها مبلغا عظيما حتى رأت أن تعجِّل بتخفيف الظلم عن نفسها أو بإطاحته بالكلية.

وبكل حال: فإن الأمر ليس سهلاً على الزوجة الأولى أن تفعله، وقد لا تشعر بأثر تزوج زوجها عليها إلا حين يزف إلى الثانية وأعظم منه ليلة الدخلة!.

ونحن لسنا ضد أن تختار الزوجة لزوجها شريكتها فيه، لكننا ننبهها إلى أن لا يكون منها بعد ذلك أمور تخالف الشرع، ولتُبق على عقلها وذكائها في تصرفاتها اللاحقة.

ثانيا:

وليُعلم أنَّ من حق الزوجات على زوجهنَّ أن يُسكنهنَّ كل واحدة منهن في مسكن منفصل عن الأخريات؛ فمن حق كل زوجة أن يكون لها بيتها الخاص الذي لا يشركها فيه قريب لزوجها فضلا عن زوجة أخرى.

فإن رضيت كلا الزوجتين – مثلا – أن يسكنا جميعا في مسكن واحدٍ، ولكل واحدة منهما غرفتها الخاصة، ويشتركان جميعا في مطبخ وحمام واحد – مثلا -: فلهنَّ ذلك، وإنما هو حقٌّ لهما أسقطتاه، وإن كنَّا لا نشجع على ذلك البتَّة معهما بلغت قوة العلاقة بين الزوجات، فالمرأة تحتاج لأن تلبس لزوجها لباسا شفَّافا أو قصيرا أو ضيِّقا، وتريد أن تستحوذ على قلب زوجها دون حرج من نظر الآخرين، وهو ما لا يمكن أن يكون مع وجود زوجة أخرى.

* قال ابن قدامة – رحمه الله -:

ويجب لكلٍّ مسكنٌ؛ لأنها لا تستغني عنه للإيواء والاستتار عن العيون؛ للتصرف، والاستمتاع، ويكون ذلك على قدرهن، كما ذكرنا في النفقة.

” الكافي في فقه ابن حنبل ” ( 3 / 231 ).

وقد ذكرنا هذا الحق الذي للزوجات، وذكرنا جواز جمعهما في مسكن واحد إن رضيا بذلك كلاهما في جواب سابق.

ثالثا:

وإن اجتمعت الزوجات في بيت واحد: فلا يحل لهنَّ لبس الضيق من الثياب الذي يصف العورة، ولا لبس الشفاف الذي يشف عنها، ولا القصير الذي يبديها، وأما حدود ما يجوز أن تظهره المرأة فهو نفسه الذي تظهره المرأة أمام محارمها، وأمام سائر النساء، وهو مواضع الوضوء أو مواضع وضع الزينة، ويحرم إبداء ما عدا ذلك.

 

والله أعلم.

هل يتأثر الجنين بالسحر المعمول لأمِّه وهو في بطنها؟

هل يتأثر الجنين بالسحر المعمول لأمِّه وهو في بطنها؟

السؤال:

هل إصابة الأم بالمس نتيجة سحر مأكول تؤثر على الجنين أثناء الحمل فيصاب به مثلها؟.

 

الجواب:

الحمد لله

بعد الاطلاع على ما كتبه الرقاة والمختصون في مسألة تأثير السحر على جنين الحامل تبيَّن لنا:

  1. أن السحر إذا قُصِد به الأم: فإنه لا ينتقل لجنينها، وليس ثمة ما يُسمى ” السحر الوراثي “، وما قاله بعضهم من انتقال أثر السحر عن طريق الدم الذي يتغذى به الجنين أو عند التبرع بالدم: مرفوض، وليس ثمة ما يدعمه لا من شرع، ولا طب، ولا واقع يقيني.
  2. أن السحر إذا قُصدت به المرأة وجنينها بعد تخلقه، أو قُصد به الجنين وحده ، أو قُصد به المرأة لئلا تلد – وقدَّر الله تعالى وقوع ذلك -: فإنه يكون له تأثير على الجنين، سواء بعد تخلقه، أو لئلا يتخلَّق تخلُّقًا كاملًا ويُولد.

ومما رأيناه يؤيد هذا الذي قلناه: ما ثبت أن اليهود – وهم أهل خبث وسحر – سحروا المسلمين في المدينة لئلا يولد لهم، فلما وُلد أول مولود لهم وهو عبد الله بن الزبير فرحوا فرحًا شديدًا.

عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِى بَكْرٍ رضي الله عنهما أَنَّهَا حَمَلَتْ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ بِمَكَّةَ قَالَتْ فَخَرَجْتُ وَأَنَا مُتِمٌّ، فَأَتَيْتُ الْمَدِينَةَ فَنَزَلْتُ قُبَاءً فَوَلَدْتُ بِقُبَاءٍ، ثُمَّ أَتَيْتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَوَضَعْتُهُ فِي حَجْرِهِ، ثُمَّ دَعَا بِتَمْرَةٍ فَمَضَغَهَا، ثُمَّ تَفَلَ فِي فِيهِ فَكَانَ أَوَّلَ شَيءٍ دَخَلَ جَوْفَهُ رِيقُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ حَنَّكَهُ بِالتَّمْرَةِ، ثُمَّ دَعَا لَهُ فَبَرَّكَ عَلَيْهِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَوْلُودٍ وُلِدَ فِي الإِسْلاَمِ ، فَفَرِحُوا بِهِ فَرَحًا شَدِيدًا؛ لأَنَّهُمْ قِيلَ لَهُمْ إِنَّ الْيَهُودَ قَدْ سَحَرَتْكُمْ فَلاَ يُولَدُ لَكُمْ.

رواه البخاري ( 5152 ) – واللفظ له -، ومسلم ( 2146 ).

مُتِمُّ: المرأة الحامل التي دَنَا ولادها.

حَنَّكَه: التحنيك: أن يَدْلكَ بالتَّمر أو أي شيء حلو – كالعسل – حنك الصبي.

– وبَرَّك عليه: أي: دعا له بالبركة.

 

 

 

 

وهذا الحديث يدل على أن للسحر تأثيرًا في العقم، وتأثيرًا في موت الجنين وعدم تخلقه أو عدم اكتمال نموه وولادته، ولا شك أن هذا السحر الذي حصل من اليهود كان مقصودهم منه الجنين والولادة، وهنا يقال بالتأثير لذلك السحر إن شاء الله تقديره ووقوعه، وأما أن تُسحر المرأة ثم ينتقل الأثر لجنينها: فلا يثبت ذلك.

 

* سئل فضيلة الشيخ عبدالله بن عبد الرحمن الجبرين – رحمه الله -:

عن إمكانية أن يكون العقم لدى الرجل أو المرأة بسبب السحر؟.

 فأجاب:

الأصل: أن العقم من تقدير الله تعالى وخلقه ، كما قال تعالى: (  وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا ) الشورى/ 50، وقال عن زكريا: ( وَكَانَتْ امْرَأَتِي عَاقِرًا  ) مريم/ 5 ، فالله سبحانه قدَّر أن بعض خلقه لا يولَد له، سواء من الرجال أو من النساء، وقد يوجد لشيءٍ من ذلك علاج مؤثِّر بإذن الله تعالى، فيزول العقم بواسطة بعض الأدوية والعقاقير، وقد يكون خلقة أصلية لا تؤثر فيه العلاجات، وقد يكون العقم بسبب عمل شيطاني من بعض السحرة والحسدة، فيعمل أحدهم للرجل أو المرأة عملاً يبطل به أسباب الإنجاب، وذلك بحيل خفية تساعده عليها الشياطين، أو أن نفس الشيطان الملابس له يعمل في إبطال تأثير الوطء في الحبل، سواء من الرجل أو المرأة، فالشياطين الملابسة للإنس لهم من التمكن في جسم الإنسان ما أقدرهم الله عليه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ) متفق عليه ، فعلى هذا يعرف أنه عمل سحرة بتجربة الإنجاب في شخص آخر، فإذا كان الرجل له أولاد من امرأة أخرى، والمرأة لها أولاد من رجل آخر: عُرف أن توقف الولادة بسبب هذا العمل فيسعى في علاجه بالرقى والتعوذات والأدعية النافعة، وكثرة ذكر الله تعالى، وتلاوة القرآن، والتقرب إلى الله تعالى بالأعمال الصالحة، والتنزه عن المحرمات والمعاصي، وتنزيه المنزل عن آلات اللهو والباطل ونحو ذلك مما تتسلط به الشياطين، وتتمكن من التأثير في الإنسان، ويسبب بُعد الملائكة عن المنازل التي تظهر فيها المعاصي، وبهذه الإرشادات يخف تأثير السحرة بإذن الله تعالى. ” الصواعق المرسلة في التصدي للمشعوذين والسحرة ” أسامة بن ياسين المعاني ( ص 184 – 186 ).

 

 

 

 

 

 

وقد قال المؤلف نفسه – وهو من أهل الاختصاص العلمي والعملي- ردًّا على السؤال: ” هل من الممكن أن يؤثر السحر على الجنين في بطن المرأة إذا كان السحر معمولاً داخل البطن حيث إن هناك آلاماً بالبطن بسبب السحر؟ ” -:

” يعتمد على قصد الساحر، فإن كان السحر في الأصل لإيذاء الجنين أو قتله: فيقع ذلك بقدر الله الكوني لا الشرعي، إما إن كان القصد من السحر غير ذلك: فلا يؤثر السحر على الجنين بإذن الله عز وجل “.

انتهى من ” منتدى الرقية الشرعية ” بإشراف أسامة المعاني.

http://www.ruqya.net/forum/showthread.php?t=1142

 

والله أعلم.

 

 

حكم قيادة الدراجات الهوائية بالقفز والانحدار بها مع تعريض النفس للخطر

حكم قيادة الدراجات الهوائية بالقفز والانحدار بها مع تعريض النفس للخطر

السؤال:

هل هناك حكم شرعي في ركوب الدراجات بطريقة خطيرة؟.

أركب دراجة ” bmx ” في الحدائق، والشوارع، وأنا أعلم إذا ضيعت الوقت أو قمت بأي خدعة في قيادة الدراجة فلربما يؤدي ذلك إلى الوقوع وإصابتي.

هل هذ الأمر حرام؛ لأني أعلم أنه يحرم على الشخص يقصد إيذاء بدنه؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

ليَعلم المسلم أن عمره محدود، وأن ما فات منه لا يستطيع إرجاعه، وكل يوم يمر عليه فهو خطوة له إلى قبره، والحياة فانية ولا شك، والآخرة باقية ولا شك، فليعمل العاقل لدار يبقى فيها، ولا يتعلق بدار الفناء فإنه سرعان ما ينتقل عنها، وليَعلم أن الله تعالى سائله عن عمُره فيما أفناه وعن شبابه فيما أبلاه.

عَنْ أَبِى بَرْزَةَ الأَسْلَمِىِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ( لاَ تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمْرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَا فَعَلَ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَا أَبْلاَهُ ).

رواه الترمذي ( 2417 ) وصححه.

* قال ابن القيِّم – رحمه الله -:

وقت الإنسان هو عمره في الحقيقة، وهو مادة حياته الأبدية في النعيم المقيم، ومادة معيشته الضنك في العذاب الأليم، وهو يمرّ أسرع من مرّ السحاب، فما كان من وقته لله وبالله فهو حياته وعمره، وغير ذلك ليس محسوبًا في حياته وإن عاش فيه عاش عيش البهائم، فإذا قطع وقته في الغفلة والشهوة والأماني الباطلة، وكان خير ما قطعه به النوم والبطالة، فموت هذا خير له من حياته.

” الجواب الكافي ” ( ص 109 ).

 

ثانيًا:

والإسلام جاء بما يحفظ على الناس دينهم وعقلهم ومالهم وعرضهم وبدنهم، وفي اللعب بالألعاب الخطرة – كالتفحيط بالسيارات واللعب بالدراجات الهوائية تلك الألعاب الخطرة – لا شك أن فيه تعريضًا للبدن بالتلف وللمال بالضياع، فضلًا أن فيه ترويعًا للناس وتضييقًا عليهم في طريقهم وتشجيعًا لغيرهم أن يفعلوا فعلهم، وكل هذه توجب القول بالتحريم لتلك الألعاب الخطرة والحركات الجنونية بتلك الدراجات الهوائية الوارد ذكر اسمها في السؤال وما يشبهها من ماركات أخرى، والأدلة على ذلك معروفة لدى العامة والخاصة، والمسألة ليست من دقائق العلم حتى لا تظهر إلا للمختصين، بل هي واضحة بحيث تظهر للعموم. قال تعالى ( وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ) البقرة/ 195.

وعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى أَنْ ( لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ ) رواه ابن ماجه ( 2314 )، وحسنه النووي وابن الصلاح وابن رجب – كما في ” جامع العلوم والحكم ” ( ص 304 ) – وحسَّنه الألباني في ” صحيح ابن ماجه “.

* قال علماء اللجنة الدائمة – في شرح الحديث -:

نهى النبي صلى الله عليه وسلم المكلَّف أن يضرَّ نفسه أو يضرَّ غيره، ففيه دلالة على منع الإنسان من التعدي على نفسه، أو غيره.

وهذا الحديث وإن كان فيه مقال إلا أنه جاء من طرق يقوي بعضها بعضًا، وله شواهد فينهض إلى درجة الحسن لغيره، ويصلح للاستدلال به

ونوصيك بمراجعة كتاب ” جامع العلوم والحكم ” للحافظ ابن رجب في شرح هذا الحديث. الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 4 / 400 ).

* وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

يكثر في بلادنا الشباب الذين همهم التفحيط والسرعة والتطعيس وإيذاء المسلمين، ولذلك يحصل أحيانًا – بل كثيرًا – حوادث يحصل فيها وفيات، فهل يعتبر هذا من الانتحار؟ وما دور أولياء أولئك الشباب وتمكينهم من تلك السيارات؟ ثم ما حكم ذلك الرجل هل يحل له أن يعفو عن كل من أساء إليه بحادث ونحوه؟.

فأجاب:

هذا ليس من الانتحار؛ لأن الانتحار أن يقصد الإنسان قتل نفسه وهذا ما قصد.

لكن لا شك أنه من السفه ومجانبة الصواب، ونصيحتي لأولياء أمور هؤلاء: أن يتقوا الله عز وجل، وألا يمكنوا أولادهم من هذا الفعل الذي يجني عليهم أضرارًا نفسيَّة، وأضرارًا مالية، وعدوانًا على الغير، وليخش هؤلاء من زوال النعم، فإن النعم إذا لم تشكر زالت، رزقنا الله وإياكم شكر نعمته وحسن عبادته.

” اللقاء الشهري ” ( 74 /  السؤال 19 ).

 

والخلاصة:

ما كان قيادة للدراجة الهوائية تليينًا للجسد، وتقوية لعضلاته: فلا شيء فيه، وما كان منه قيادة في المنحدرات وعلى التلال وفوق الأرصفة والجدران وفيه تعريض للنفس للخطر: فهو محرَّم، ولا يحل لأحدٍ أن يقوم به ولا لولي الأمر أن يعين ابنه عليه.

* قال الدكتور على حسين أمين يونس – وفقه الله -:

وبعض السباقاتِ تقامُ على الطرقِ الوعرة ِأو المنحدرات ِ… التي قدْ يُصَابُ فيِها اللاعبُ بإصابات ٍ نتيجة َ السقوط.

وهناكَ سباقاتٌ أو ألعابٌ استعراضيةٌ كالهبوطِ من تلة ٍ مرتفعة ٍ شديدة ِالانحدار, باتجاه الأسفل, أو القفز للأعلى على عبر منصتين متصلتين, ولا تخلوا هذه الألعابُ الاستعراضيةُ من الإصابةِ ببعض الجروح أو الكسور ونحوها.

مشروعيتها:

يباح ٌ من هذه الألعاب ما عادَ على الجسد بالنَّفع والفائدة, على أن تُجنبَ المحظوراتُ, من مقامرة ٍ ونحوها, ويكرهُ كراهة ً شديدة ً إطالةُ اللعب بها مما يضيعُ الوقت لمجرد اللهو؛ لأن المسلم مستأمن على وقته ومسؤول عنه.

أما اللعب بها بصورة ٍخطيرة ٍ قد تلحق الإصابات أو الكسور ونحوها بالجسد: فهي محرمة؛ لأن إلحاق الأذى بالنفس محرَّم , وذلك مثل السير بسرعة ٍ عالية ٍ جدًّا على المنحدرات الشديدة, أو الاستعراض بالنزول عن التلال  شديدة  الانحدار, أو الاستعراض بالقفز على المنصاتِ المرتفعةٍ بصورةٍ خطرةٍ، والله تعالى أعلم.

” الألعاب الرياضية أحكامها وضوابطها في الفقه الإسلامي ” بإشراف الشيخ عمر الأشقر، ( ص 233، 234 ) باختصار.

 

والله أعلم.

 

 

 

 

 

يريد إنشاء إذاعة إسلامية للدعوة إلى الله، فما الذي ننصحه به أن يفعله وأن يتجنبه؟

يريد إنشاء إذاعة إسلامية للدعوة إلى الله، فما الذي ننصحه به أن يفعله وأن يتجنبه؟

السؤال:

أرغب في إنشاء محطة إذاعية بديلة للمسلمين، كما أني أنوي أن أقوم بدعوة كلا من المسلمين وغير المسلمين من خلال هذه المحطة، وفكرتي حتى الآن هي: أن أقوم بتقديم أناشيد خالية من المعازف، وبرامج مشابهة لبرامج قنوات ” العفاسي ” و ” السلام ” و ” الهدى “، فهل بوسعكم – رجاء – أن تسدوني النصح حول ما يجوز لي أن أفعله وما لا يجوز؟.

الجواب:

الحمد لله

أولا:

نحمد الله تعالى ونشكره أن وفَّق بعض عباده للعمل للإسلام وخدمته ونشره، ونحمده ونشكره أن جعل هؤلاء من أهل السنَّة يسيرون على هدي النبي صلى الله عليه وسلم، يتحرون المشروع فيفعلونه، ويعرفون المبتدع والمخالف فيهجرونه، ونسأل الله تعالى أن يكون الأخ السائل من أولئك.

ثانيا:

والمباح والمشروع الذي يمكن أن تقدمه للمسلمين وغير المسلمين في الإذاعة التي تنوي إنشاءها كثير جدّا، ونذكر لك منها أشياء لا للحصر ولكن للتمثيل، ومنها:

أ. برامج متعلقة بكتاب الله تعالى، ومنها:

1. ختمات قرآنية منتظمة.

2. قراءات قرآنية بأصوات مميزة.

3. تعليم التجويد بطرق ميسرة.

4. نقل دروس ميسرة في التفسير.

ب. برامج متعلقة بسنَّة النبي صلى الله عليه وسلم، ومنها:

1. قراءة كتب السنَّة الصحيحة بانتظام.

2. شروحات ميسرة لأحاديث صحيحة.

3. التحذير من الأحاديث الضعيفة والموضوعة.

ج. برامج خاصة بالأطفال، ومنها:

1. لقاءات مع حفَّاظ للقرآن والسنَّة من الأطفال.

2. تلقي أسئلة منهم وإعطاء إجابات تناسبهم.

3. قصص ميسرة ومشوقة في المادة والأسلوب.

د. برامج خاصة بالنساء، ومنها:

1. تعليمهن أحكام فقهية متعلقة بأحكام خاصة بهن.

2. استشارات خاصة بمشكلات الحياة الزوجية والاجتماعية.

3. قراءة في سير عالمات وداعيات، من السلف والمعاصرات.

هـ. برامج خاصة لغير المسلمين، ومنها:

1. كيف ولماذا أسلم هؤلاء.

2. محاسن الدين الإسلامي في أحكامه وأخلاقه.

3. بلاغة القرآن وإعجازه.

و. وثمة أشياء عامَّة نوصي بها، ومنها:

1. نقل شعائر صلاة الحرم المكي والمدني .

2. أناشيد، على أن تكون خالية من المعازف والدف والمؤثرات التي تشبه المعازف.

3. مسابقات علمية نافعة.

4. فتاوى شرعية لعلماء ثقات.

5. محاضرات عامة.

6. دروس منهجية، كشروحات الكتب الفقهية وكتب العقائد السلفية.

7. كتاب وكاتب، وفيه يتم التعريف بكتب علمية – شرعية وعلمية عامة – نافعة ومفيدة، والتعريف بمؤلف تلك الكتب.

8. رسائل علمية حديثة ( ماجستير ودكتوراة )، وفيها يتم ذِكر أشهر الرسائل الشرعية والعلمية التي نوقشت في جامعات العالم خلال فترة البرنامج.

ويمكنك الاستعانة بمواقع إسلامية موثوقة لنشر مواد صوتية متنوعة جاهزة، كتلك التي في موقع ” طريق الإسلام “، كما يمكنك مراسلة قنوات المجد والحكمة والشيخ العثيمين وغيرها لتزويدك بالنافع المفيد مما يصلح نشره صوتيّا.

ثالثا:

ومما نوصيك به مما لا يحل شرعا:

1. عدم وضع المعازف والفواصل الموسيقية والأغاني.

2. أن يخلو مكان الإذاعة من الاختلاط المحرَّم؛ إذ لا حاجة لوجود نساء في مقر العمل، ويمكن لمن يُرى أن عندها كفاءة أن تشارك عن طريق الهاتف.

3. تجنب قبول دعايات لبنوك ومؤسسات ربوية، وتجنب قبول دعايات لبضائع محرَّمة.

وأخيرًا:

نوصي أن تكون عندك لجنة شرعية تستشيرها في أمور برامج الإذاعة وتقييم مسيرتها؛ فهو خير لك لنجاح دعوتك، ونسأل الله أن يوفقك وييسر أمرك.

والله أعلم.

الرد على شبهة نصرانية وإلحادية في ذكر عبد المطلب للقرآن عند ولادة نبينا

الرد على شبهة نصرانية وإلحادية في ذكر عبد المطلب للقرآن عند ولادة نبينا

السؤال:

* قال أحد النصاري لي قصيدة شعر يقال فيها:

الْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي أَعْطَانِي …………. هَذَا الْغُلَامَ الطّيّبَ الْأَرْدَانِ
قَدْ سَادَ فِي الْمَهْدِ عَلَى الْغِلْمَانِ …………. أُعِيذُهُ بِالْبَيْتِ ذِي الْأَرْكَانِ
حَتّى يَكُونَ بُلْغَةَ الْفِتْيَانِ …………. حَتّى أَرَاهُ بَالِغَ الْبُنْيَانِ
أُعِيذُهُ مِنْ كُلّ ذِي شَنَآنِ …………. مِنْ حَاسِدٍ مُضْطَرِبِ الْعِنَانِ
ذِي هِمّةٍ لَيْسَ لَهُ عَيْنَانِ …………. حَتّى أَرَاهُ رَافِعَ السّانِ
أَنْتَ الّذِي سُمّيت فِي الْقُرْآنِ …………. فِي كُتُبٍ ثَابِتَةِ الْمَثَانِي

وقال لي: هذا دليل على أن القرآن كان موجودًا قبل وجود محمد صلى الله عليه وسلم، فقلت له: إن المقصود بالقرآن هنا هو: الكتب السابقة فكتاب موسى مسمَّى بـ ” الفرقان “، والقرآن مسمَّى بـ ” الفرقان ” أيضًا، وإن هناك رواية أخرى لهذا البيت ذكر فيها ” الفرقان “، وليس القرآن.

فكيف أرد عليه وأقنعه علماً بأن هذه الشبهة أثَّرت في أناس آخرين؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

ينبغي أن يُعلَم أنه ليس كل ما كتبه أهل التاريخ وأهل السيرة يكون صحيحًا، فقد ملئت كتب تلك الفنون بالباطل والمنكر، فالخبر المجرد الذي ليس فيه نكارة، ولا يُستنبط منه حكم شرعي ولا تؤخذ منه فائدة عقيدية يمكن التساهل في نقله  أما حين يكون في متنه نكارة، أو يكون فيه دلالة على حكم شرعي: فهنا يجب مراعاة قواعد أهل الحديث، ومن هنا قال الإمام عبد الله بن المبارك رحمه الله: ” لولا الإسناد لقال مَن شاء ما شاء “.

والعجيب أن يكون ناشر تلك الشبهة على القرآن والمستدل بتلك الرواية بعض النصارى وهم أهل كتب مزوَّرة محرَّفة دخل على دينهم الشرك فقبلوه وسوَّقوا له ونسبوه للرب تعالى! ولو أنهم التزموا قواعد أهل الحديث التي عندنا لميَّزوا الحق من الباطل، ولنبذوا الشرك وردُّوه في وجه قائله، لكنَّ الله تعالى لم يوفق أولئك لمثل هذا العلم الجليل، وقد اختص الله تعالى به هذه الأمة المباركة، فحفظت به قرآنها وسنَّة نبيها صلى الله عليه وسلم، بل واستطاعت بفضل قواعده في نقد المتن من رد كثير من حكايات وأخبار تنسب للتاريخ القديم الحديث.

 

 

* قال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني – رحمه الله -:

و قد يظن بعضهم أن كلَّ ما يُروى في كتب التاريخ والسيرة أن ذلك صار جزءا لا يتجزأ من التاريخ الإسلامي لا يجوز إنكار شيء منه! وهذا جهل فاضح، وتنكر بالغ للتاريخ الإسلامي الرائع الذي يتميز عن تواريخ الأمم الأخرى بأنه هو وحده الذي يملك الوسيلة العلمية لتمييز ما صح منه مما لم يصح، وهي نفس الوسيلة التي يميز بها الحديث الصحيح من الضعيف، ألا و هو الإسناد الذي قال فيه بعض السلف: ” لولا الإسناد لقال من شاء ما شاء “، ولذلك لما فقدت الأمم الأخرى هذه الوسيلة العظمى امتلأ تاريخها بالسخافات والخرافات، ولا نذهب بالقراء بعيدًا فهذه كتبهم التي يسمونها بـ ” الكتب المقدسة ” اختلط فيها الحابل بالنابل، فلا يستطيعون تمييز الصحيح من الضعيف مما فيها من الشرائع المنزلة على أنبيائهم، ولا معرفة شيء من تاريخ حياتهم أبد الدهر، فهم لا يزالون في ضلالهم يعمهون، وفي دياجير الظلام يتيهون! فهل يريد منَّا أولئك الناس أن نستسلم لكل ما يقال: ” إنه من التاريخ الإسلامي ” ولو أنكره العلماء، ولو لم يرد له ذِكر إلا في كتب العجائز من الرجال والنساء ؟! وأن نكفر بهذه المزية التي هي من أعلى وأغلى ما تميز به تاريخ الإسلام؟!.

وأنا أعتقد أن بعضهم لا تخفى عليه المزية ولا يمكنه أن يكون طالب علم بله عالماً دونها، ولكنه يتجاهلها ويغض النظر عنها سترًا لجهله بما لم يصح منه، فيتظاهر بالغيرة على التاريخ الإسلامي، و يبالغ في الإنكار على من يعرِّف المسلمين ببعض ما لم يصح منه، بطرًا للحق، وغمصًا للناس، والله المستعان.

” السلسلة الصحيحة ” ( 5 / 331 ).

 

ثانيًا:

– وبالنظر في الرواية التي فيها الشعر المنسوب لعبد المطلب نجد الآتي:

  1. روى تلك الحادثة عن عبد المطلب : محمد بن إسحاق في ” السيرة ” من غير إسناد! وما كان هذا حاله فلا يمكن قبوله.
  2. أنه جاء ذلك الشعر بلفظ ” الفرقان ” بدلًا من القرآن، وهي رواية ابن إسحاق نفسه! وعنه نُقلت، وقد حصل تحريف في ذلك اللفظ فصار ” القرآن “، ولو كنَّا سنقبل الرواية فإننا نقبلها بلفظ رواية ابن إسحاق؛ لأن لفظ ” الفرقان ” أقرب للواقع والاستدلال؛ فهي لفظة تشمل الكتب السابقة وخاصة ” التوراة “، ومنه قوله تعالى (وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) البقرة/ 53، وقوله تعالى ( وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاء وَذِكْرًا لِّلْمُتَّقِينَ ) الأنبياء/ 48.

 

 

* ومما يؤكد أن هذا اللفظ هو المرجَّح:

أ. أن المشركين في الجاهلية كانوا قد أخذوا عن اليهود العلم بمجيء رسول يخرج في جزيرة العرب، ولذا سمَّى بعضهم – ومعهم بعض النصارى – ابنه بـ ” محمد ” رجاء أن يكون ابنه هو الرسول.

ب. أن في الشعر المروي قوله في وصف ” الفرقان “: ” فِي كُتُبٍ ثَابِتَةِ الْمَثَانِي ” فكيف سيصدق هذا الجمع على كتاب واحد؟!.

ج. أن عبد المطلب بحسب الرواية يذكر شيئًا علمه أو قرأه، فأين في زمانه ” القرآن”؟! وهل كان فيه ( تّبَّت يد أبي لهب وتب )؟! وهل كانوا يقرؤون فيه ( قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها )؟! وهل طرق سمعهم آيات براءة عائشة من الفاحشة؟! وهل كان مما يسمعون ويقرؤون آيات التوبة على من تخلف في غزوة تبوك؟! وكل ذلك وغيره الكثير الكثير يدل على عدم وجود القرآن لا اسمه ولا لفظه، بخلاف كتب اليهود والنصارى فهي موجودة يقرؤونها وتتلى عليهم.

  1. في الشعر المنسوب لعبد المطلب – جد النبي صلى الله عليه وسلم – أنه سمَّاه بـ ” محمد ” لأن اسمه هكذا في القرآن – على فرض صحة هذا اللفظ -، بينما نجد سببًا آخر يقوله عبد المطلب في سبب هذه التسمية، فقد قال السخاوي في ” سفر السعادة “- كما في ” الوافي بالوفيات ” للصفدي -: ” قيل لعبد المطلب: بم أسميت ابنك؟ فقال: بـ ” محمد “، فقالوا له: ما هذا من أسماء آبائك! فقال: أردت أن يُحْمَد في السماء والأرض “!!.

فأيهما أولى بالقبول الرواية الأولى أم الثانية؟! إن الباحث المنصف ليدرك أن الرواية الثانية هي الأقرب للواقع والصحة، وأن عبد المطلب لا يمكنه أن يزعم أن ابن ابنه هذا بعينه هو المسمَّى ” محمد ” في الكتب السابقة؛ لأنه يمكن تكذيبه بيسر وسهولة، وليس ادعاؤه بأولى من ادعاء غيره من أهالي المواليد الآخرين، ولكن الرواية الثانية تبين أنه سمَّاه رجاء أن يكون محمودًا وليس للقطع أنه كذلك، وكل عاقل يدرك الفرق بين الأمرين.

  1. ونسأل: إذا كان عند المطلب علم بوجود نبي مرسل اسمه ” محمد ” فلم لم يسمِّ أحد أبنائه بذلك؟! ولم سمَّى هذا الحفيد تحديدًا دون غيره؟!.
  2. ونسأل: إذا كان هذا هو الاعتقاد عند عبد المطلب وقومه فلم حارب أهل النبي صلى الله عليه وسلم حفيد عبد المطلب هذا المبشَّر به؟! ولم كذَّبه الكفار من أعمامه؟! ولم رضي أبو طالب أن يموت على الكفر؟!.

والقصة مع شعرها فيها مجال أكثر من هذا لنقدها ونقضها، ونكتفي بما ذكرناه، وهو كافٍ لمن تأمله.

 

والله أعلم.

أسباب انتشار المذهب الحنفي وعقيدة الخلف وعدم انتشار المذهب الحنبلي وعقيدة السلف

أسباب انتشار المذهب الحنفي وعقيدة الخلف وعدم انتشار المذهب الحنبلي وعقيدة السلف

السؤال:

كنت ملتزمًا بما يتم الإشارة اليه في هذا الموقع، فأرجو أن تجيبوا على أسئلتي، أنعم الله عليكم بمزيد من العلم.

إذا كان السلف هو منهج صحيح لاتباع السنَّة فلماذا يشيع المذهب الحنفي حول العالم وليس منهج السلف؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

المذهب الحنفي – والذي ينسب لأبي حنيفة النعمان بن ثابت( توفي عام 150 هـ ) – ليس قسيمًا لمنهج السلف حتى تتم المقارنة بينهما، والمذهب الحنفي مذهب فقهي يقابله المذاهب الفقهية المشتهرة كالمذهب الشافعي، والمذهب الحنبلي – مثلًا – ، ومنهج السلف يقابله منهج الخلَف من أهل البدعة ، كالأشعرية والمعتزلة – مثلًا – .

وحتى نجمع في جوابنا بين تصحيح سؤال الأخ الفاضل وبين الفائدة للقارئ: فلنجعل المقارنة بين أسباب انتشار الحنفي مقابل المذهب الحنبلي؛ لأن هذا الثاني هو من يحمل أتباعه منهج السلف واعتقادهم، والمذهب الحنفي – في هذا الزمان وليس الزمان الأول – يحمل أتباعه اعتقاد الماتريدية – أتباع أبي منصور محمد بن محمد الماتريدي الحنفي ( توفي عام 324 هـ ) والأشعرية، والمدرسة الحنفية لا تقوم على النصوص كما هو الحال في مدرسة الحنابلة، حتى اشتهر أهلها في كتب الفقه والتاريخ بـ ” أهل الرأي “، فالمقارنة بين انتشار المذهب الحنفي وانتشار المذهب الحنبلي يستفاد منها – أيضًا – في المقارنة بين انتشار منهج السلف ومنهج الخلف في الاعتقاد وأسباب ذلك.

 

ثانيًا:

أما عن أسباب انتشار المذهب الحنفي في كثير من أرجاء الأرض: فيمكن تلخيص الأسباب بسبب واحد وهو ” السياسة “! ونعني به: تبني دول إسلامية كثيرة لهذا المذهب حتى فرضته على قضاتها ومدارسها، فصار له ذلك الانتشار الكبير، وقد ابتدأ ذلك بالدولة العباسية، وانتهى بالدولة العثمانية، وقل مثل ذلك في الدول بين تلك الدولتين كدولة السلاجقة، والغزنوية، وغيرهما.

 

 

* قال ابن حزم – رحمه الله -:

مذهبان انتشرا في بدء أمرهما بالرياسة والسلطان: مذهب أبي حنيفة؛ فإنه لما ولي قضاء القضاة ” أبو يوسف ” كانت القضاة من قِبَله، فكان لا يولي قضاء البلاد من أقصى المشرق إلى أقصى أعمال إفريقية إلا أصحابه والمنتمين إلى مذهبه، ومذهب مالك بن أنس عندنا؛ فإن يحيى بن يحيى كان مكينًا عند السلطان، مقبول القول في القضاة، فكان لا يلي قاضٍ في أقطارنا إلا بمشورته واختياره، ولا يشير إلا بأصحابه ومن كان على مذهبه، والناس سراع إلى الدنيا والرياسة، فأقبلوا على ما يرجون بلوغ أغراضهم به، على أن يحيى بن يحيى لم يلِ قضاء قط ولا أجاب إليه، وكان ذلك زائدًا في جلالته عندهم، وداعيًا إلى قبول رأيه لديهم، وكذلك جرى الأمر في أفريقية لما ولي القضاء بها سحنون بن سعيد، ثم نشأ الناس على ما انتشر.

” رسائل ابن حزم ” ( 2 / 229 ).

والأمر نفسه يقال في الدولة العثمانية، فإنه لا يخفى على أحد اتساع رقعة أراضيها وكثرة ولاياتها في الآفاق، وكان المذهب الرسمي للدولة هو المذهب الحنفي، ولا تزال دول كثيرة تعتمد هذا المذهب في أحوالها الشخصية تأثرًا بالفترة العثمانية السالفة، والتي حكمت من عام 699 هـ إلى 1342 هـ – 1299 م إلى 1924 م.

ولا شك أن مثل أولئك المتمذهبين بمذهب أبي حنيفة رحمه الله كان لهم نشاط في التعليم والدعوة، ومن الطبيعي أن يكون معهما انتشار المذهب في البلاد التي لم يحكمها العثمانيون كدول شرق آسيا وغيرها.

ثالثًا:

وأما عن سبب عدم انتشار المذهب الحنبلي : فقد ذكرها الدكتور سالم الثقفي رحمه الله في كتابه ” مفاتيح الفقه الحنبلي “، فقال:

واما أسباب قلة اتباعه إذا قيس بغيره إلى جانب الأسباب المتعمدة للتقليل منهم فمنها:

أولًا: ما يصدق عليه قول بعض المؤرخين أنه جاء بعد أن احتلت المذاهب الثلاثة التي سبقته في الأمصار الإسلامية قلوب أكثر العامة، فكان في أكثر نواحي العراق مذهب أبي حنيفة، وفي مصر المذهب الشافعي والمالكي، وفي المغرب والأندلس المذهب المالكي بعد مذهب الأوزاعي.

ولكن رغم تمكن هذه الظاهرة النفسية من نفوس الجماهير من المسلمين في بعض الأمصار إلا أنه في أكبر مدن الإسلام يومئذ – بغداد – قد رأينا أن مذهب الإمام أحمد جذبهم بما استمالهم به من قوة الإقناع وجلاء الوضوح في مرئياته.

ثانيًا: أنه لم يكن منه قضاة، والقضاة إنما ينشرون المذهب الذي يتبعونه، فأبو يوسف ومِن بعده محمد بن الحسن رحمهما الله نشرا المذهب العراقي وخصوصًا آراء أبي حنيفة وتلاميذه، وسحنون نشر المذهب المالكي وعمل على نشره أيضا الحكم الأموي في الأندلس، ولم ينل المذهب الحنبلي تلك الحظوة إلا في بغداد أيام نشأته، وإلا في الجزيرة العربية أخيرًا، وفي الشام وقتًا من الزمن.

ثالثًا: شدة الحنابلة على أهل البدع والضلالات، وتمسكهم بالأمر عن الوقوع في المأثم، واتباعًا منهم لأصلهم الذي تمسكوا به أكثر من سواهم وهو سد الذرائع.

وفي هذا الصدد حكى ابن الأثير قصة ما حصل منهم في سنة 323 هجري حينما قويت شوكتهم، فصاروا يكبسون على دور القُوَّاد والعامَّة فإن وجدوا نبيذًا أراقوه، وإن وجدوا مغنيَّة ضربوها وكسروا آلة اللهو حتى أرهجوا – أي: أثاروا – بغداد.

رابعًا: وهناك في رأيي سبب أقوى من كل ذلك يمكن إجماله: في أن الأكابر من أتباعه حين يبلغون درجة الإمامة يستبد بهم الورع عن إغراء الناس بمغريات الدنيا التي تجتذبهم إلى تمجيد المذهب في عيون العامة والسواد العام اكتفاء بعنصر الإقناع المتجسد في منهج المذهب الحنبلي، في حين أن ذلك ليس بكافٍ في نظر السواد الأعظم الذين لم يبلغوا درجة إدراك التمييز بين المناهج.

خامسًا: فضلًا عن الضغوط التي مارستها ” الدولة العثمانية ” على أتباع المذهب الحنبلي حتى تلاشوا من موطنه الأم أولًا: ” بغداد ” ونواحيها، ثم ” الشام ” وغيرهما من البلاد الأخرى، وهذا سبب سياسي قوي الأثر إذا ما أخذ في الاعتبار اغتنام شدة تمسك الحنابلة في التشهير من قبل خصومهم بمذهبهم الذي كان بمثابة المرتع الخصيب للمناوئين له أو قل: للذين يهدفون لإحلال مذاهبهم محله.

من هنا تضافرت عوامل عدة على محاصرته في كل مكان، ….فتلك الأسباب مجتمعة ضيقت الخناق على انتشاره بين المسلمين، … ولم نسمع بغلبته على ناحية إلا على ” البلاد النجدية ” وكثير من نواحي ” الجزيرة العربية ” الآن، وعلى ” بغداد ” في القرن الرابع، واستفحل أمره منذ حوالى 323 هجري على ما تقدم.

ولا يفوتني تعليل لقلة أتباعه ذكره ” ابن خلدون ” بما يشبه الذم في صورة المدح، إذ يقول: ” فأما أحمد بن حنبل فمقلِّده قليل لبُعد مذهبه عن الاجتهاد وأصالته في معاضدة الرواية والأخبار بعضها ببعض، وأكثرهم بالشام والعراق من بغداد ونواحيها، وهم أكثر النَّاس حفظاً للسنَّة ورواية الحديث “.

يريد بقوله ذلك: لبُعد مذهبه عن الاجتهاد من إعمال الرأي والبحث عن الأدلة الفرعية التي لا نص فيها أو تخالف النصوص؛ لأن في يد إمامه الأدلة من النصوص متوافرة بما معها لا يحتاج لغير الأصالة المعاضدة بالرواية ، وهل بعد هذا فضيلة؟!.

” مفاتيح الفقه الحنبلي ” الدكتور الشيخ سالم الثقفي ( 2 / 430 – 433 ) باختصار.

 

والله أعلم.

هل التصوير اليدوي والنحت لذوات الأرواح أعظم إثمًا من الزنى والربا؟

هل التصوير اليدوي والنحت لذوات الأرواح أعظم إثمًا من الزنى والربا؟

السؤال:

أخبر الرسول أن المصورين أشد الناس عذابًا يوم القيامة، فهل إذا رجحت سيئات شخص على حسناته بسيئة واحدة وهي التصوير وشاء الله تعذيبه هل يكون أشد ممن رجحت بآلاف السيئات من زنا وربا وغيره أم أن الحديث على وجه التهديد؟.

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

المصورون المقصود بهم في السؤال هم الذين يرسمون ذوات الأرواح، أو يصنعون التماثيل لها من أي مادة كانت، وقد ورد الوعيد الشديد فيهم وأنهم أشد الناس عذابًا يوم القيامة.

عن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قالت: قال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ ).  رواه البخاري ( 5610 ) ومسلم ( 2107 ).

وفي رواية لمسلم ( إِنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُشَبِّهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ ).

وعن عبد الله بن مسعود قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا عِنْدَ الله يَوْمَ الْقِيَامَةِ المصُوِّرُونَ ). رواه البخاري ( 5606 ) ومسلم ( 2109 ).

 

ثانيًا:

وجوابًا على سؤال الأخ الفاضل نقول: التصوير الذي يقع من المصوِّر له حالان:

  1. فقد تكون سيئة التصوير الواحدة تلك أعظم من الربا والزنى؛ وذلك بحسب نية وفعل ذلك المصوِّر، فمن قصد بتصويره مضاهاة خلق الله وأن تصويره أعظم من تصوير الله تعالى، أو أنه صوَّر أصنامًا لعابديها: كانت سيئته – والعياذ بالله – كفرًا مخرجًا من الملة، وحينئذٍ لا يكون ثمة إشكال في معنى ( أشدّ النَّاسِ عَذَاباً ).

أ. قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

وأجاب الطبري بأن المراد هنا: مَن يصوِّر ما يُعبد من دون الله وهو عارف بذلك قاصدًا له، فإنه يكفر بذلك، فلا يبعد أن يدخل مدخل آل فرعون، وأما من لا يقصد ذلك: فإنه يكون عاصيًا بتصويره فقط.

” فتح الباري ” ( 10 / 383 ).

ب. وقال بدر الدين العيني – رحمه الله -:

ولقائل أن يقول: ( أشد الناس عذابًا ) بالنسبة إلى هذه الأمة لا إلى غيرها من الكفار، فإن صوَّرها لتُعبد أو لمضاهاة خلق الله تعالى: فهو كافر قبيح الكفر، فلذلك زيد في عذابه. ” عمدة القاري شرح صحيح البخاري ” ( 12 / 39 ).

ج. قال الشيخ صالح آل الشيخ – حفظه الله -:

والمضاهاة بخلق الله جل وعلا التي رُتب عليها أن يكون فاعلها أشد الناس عذابًا يوم القيامة عند كثير من العلماء: محمولة على المضاهاة التي تكون كفرًا؛ لأن المضاهاة في التصوير يكون كفرًا في حالتين:

الحالة الأولى: أن يصوِّر صنمًا ليعبد، أو يصوِّر إلهًا ليعبد، كأن يصور لأهل البوذية صورة بوذا، أو يصور للنصارى المسيح، أو يصور أم المسيح ونحو ذلك، فتصوير ما يعبد من دون الله جل وعلا مع العلم بأنه يُعبد: هذا كفر بالله جل وعلا؛ لأنه صوَّر وثنًا ليعبد، وهو يعلم أنه يُعبد، فيكون شركًا أكبر، وكفرًا بالله جل وعلا.

والحالة الثانية: أن يصوِّر الصورة ويزعم أنها أحسن من خلق الله جل وعلا فيقول: هذه أحسن من خلق الله، أو أنا فقتُ في خلقي وتصويري ما فعل الله جل وعلا، فهذا كفر أكبر، وشرك أكبر بالله جل جلاله.

وهذا هو الذي حمل عليه هذا الحديث، وهو قوله: ( أشد الناس عذابا يوم القيامة الذي يضاهئون بخلق الله )، وأما المضاهاة بالتصوير عامة بما لا يخرجه من الملة، كالذي يرسم بيده، أو ينحت التمثال، أو ينحت الصورة مما لا يدخل في الحالتين السابقتين: فهو كبيرة من الكبائر، وصاحبها ملعون ومتوعد بالنار.

” التمهيد لشرح كتاب التوحيد ” ( ص 559 ، 560 ).

  1. وأما ما كان دون ذلك من التصوير: فلا نرى أن سيئته أعظم من الربا والزنى؛ لما فيهما من الوعيد الشديد، ولما فيهما من التعدي على الآخرين، ففيهما حقوق يجب استيفاؤها من مال وعرض، بخلاف التصوير فهو ذنب بين الفاعل وربِّه تعالى.

وأما معنى ” أشد الناس عذابًا ” على هذه الحال: فهو محمول على وجوه، أقواها:

أ. أنه عذاب أشد بالنسبة لأصحاب المعاصي من جنس معصيته.

ب. أنه يشترك مع غيره من أصحاب الذنوب التي ورد فيها لفظ ( أشد ) في العذاب.

وأسلمها:

إبقاء النص على ظاهره؛ لأنه من نصوص الوعيد والتهديد.

قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

وقد استُشكل كون المصور أشد الناس عذابًا مع قوله تعالى ( ادخلوا آل فرعون أشد العذاب ) فإنه يقتضي أن يكون المصور أشد عذابًا من آل فرعون … وليس في الآية ما يقتضي اختصاص آل فرعون بأشد العذاب، بل هم في العذاب الأشد، فكذلك غيرهم يجوز أن يكون في العذاب الأشد، وقوَّى الطحاوي ذلك بما أخرجه من وجه آخر عن ابن مسعود رفعه ( إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة رجل قتل نبيًّا أو قتله نبي وإمام ضلالة وممثل من الممثلين ) وكذا أخرجه أحمد – ( 6 / 413 ) وقد حسنه المحققون وصححه الألباني في ” السلسلة الصحيحة ” ( 281 ) -، … وأخرج الطحاوي أيضًا من حديث عائشة مرفوعًا ( أشد الناس عذابا يوم القيامة رجل هجا رجلًا فهجا القبيلة بأسرها ) – صححه الأرناؤط في تخريج ” شرح مشكل الآثار ” ( 1 / 12 ) -.

قال الطحاوي: فكل واحد من هؤلاء يشترك مع الآخر في شدة العذاب.

وقال أبو الوليد بن رشد في ” مختصر مشكل الطحاوي ” ما حاصله: إن الوعيد بهذه الصيغة إن ورد في حق كافر: فلا إشكال فيه؛ لأنه يكون مشتركًا في ذلك مع آل فرعون، ويكون فيه دلالة على عظم كفر المذكور، وإن ورد في حق عاصٍ: فيكون أشد عذابًا من غيره من العصاة، ويكون ذلك دالًّا على عظَم المعصية المذكورة. ” فتح الباري ” ( 10 / 383 ، 384 ).

وما قاله ابن رشد هنا سديد لكن ننبه على أن العصاة المقصودين في كلامه ينبغي أن يُحمل على غير أصحاب الذنوب الأعظم من التصوير – مثل القتل والزنى -، وقوله أن اللفظ النبوي يدل على عظم المعصية قول سديد يدل على عين المراد من تنبيهنا هذا، وعلى أصل الجواب.

وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

قوله: ( أشد الناس عذابًا ): فيه إشكال; لأن فيهم من هو أشد من المصورين ذنبًا، كالمشركين والكفار، فيلزم أن يكونوا أشد عذابًا، وقد أجيب عن ذلك بوجوه:

الأول: أن الحديث على تقدير ” مِن “، أي: ” مِن أشد النَّاس عذابًا “، بدليل: أنه قد جاء ما يؤيده بلفظ: ( إن من أشد الناس عذابًا ) – قلنا: وقد سبق ذِكرها وأنها رواها مسلم -.

الثاني: أن الأشدية لا تعني أن غيرهم لا يشاركهم، بل يشاركهم غيرهم، قال تعالى: ( أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ )، ولكن يشكل على هذا أن المصوِّر فاعل كبيرة فقط، فكيف يسوَّى مع من هو خارج عن الإسلام ومستكبر؟!.

الثالث: أن الأشدية نسبية، يعني: أن الذين يصنعون الأشياء ويبدعونها: أشدهم عذابًا: الذين يضاهئون بخلق الله، وهذا أقرب.

الرابع: أن هذا من باب الوعيد الذي يطلق لتنفير النفوس عنه، ولم أر من قال بهذا، ولو قيل بهذا: لسلمنا من هذه الإيرادات.

وعلى كل حال: ليس لنا أن نقول إلا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ( أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يضاهئون بخلق الله ).

” القول المفيد على كتاب التوحيد ” ( 2 / 444 ، 445 ).

 

والخلاصة:

لا يمكن لسيئة التصوير التي دون الكفر أن تكون أعظم إثمًا وعقوبة من القتل والزنى والربا.

ومن حيث العموم: لا شك أن أعظم الذنب وأكبر الكبائر هو الإشراك بالله تعالى، ثم القتل، ثم الزنى، ولا يمكن لسيئة التصوير الواحدة أن تكون أعظم إثمًا وعقوبة من آلاف الذنوب – كما جاء في السؤال – من معاصي الزنى والربا والقتل.

قال ابن القيم – رحمه الله -:

قال الإمام أحمد رحمه الله: لا أعلم بعد القتل ذنبا أعظم من الزنا.

” الجواب الكافي ” ( ص 77 ).

واحتج الإمام أحمد بحديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ؟ قَالَ: ( أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ ) قُلْتُ: إِنَّ ذَلِكَ لَعَظِيمٌ، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: ( وَأَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ تَخَافُ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ )، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: ( أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ ). رواه البخاري ( 4207 ) ومسلم ( 86 ).

وقال المنذري – رحمه الله -:

وقد صح أن مدمن الخمر إذا مات لقي الله كعابد وثن، ولا شك أن الزنا أشد وأعظم عند الله من شرب الخمر.

” الترغيب والترهيب ” ( 3 / 190 ).

وقال السفاريني – رحمه الله -:

” الزنا أكبر الكبائر بعد الشرك والقتل.

” غذاء الألباب ” ( 2 / 305 ).

وما قلناه في الزنى نقوله في الربا، فهو ذنب عظم، وهو من كبائر الذنوب التي توعَّد الله تعالى عليها بأشد الوعيد.

وما ذُكر في ذنب التصوير من أن فاعله ” أشد الناس عذابًا ” إنما يدل على عظَم هذا الذنب، وشدة عقوبة فاعله، فليُعلم هذا.

 

والله أعلم.

هل يأثم المسلم على بغض والديه القلبي في حال خالفوا الشرع؟

هل يأثم المسلم على بغض والديه القلبي في حال خالفوا الشرع؟

السؤال:

هل إن كان الشخص يكره والده ولا يحبه مع حسن معاملته ومحاولة برِّه يأثم بهذه المشاعر، مع العلم أن والده هو من تسبَّب في هذه المشاعر بقسوته وأسلوبه في المعاملة مع الأبناء؟.

 

الجواب:

الحمد لله

هذا سؤال دقيق، والإجابة عنه ستكون بقدره، فنقول: إن الله تعالى لم يأمر الأولاد بحب والديهم، ولم ينههم عن بغضهما؛ لأن الله تعالى غرس حبَّ الوالدين في فطَر الأولاد، فحب الوالدين حبٌّ فطري، وكذا حب الوالدين لأولادهم.

وثمة سبب آخر يمكن أن نقوله هنا، وهو أن الله تعالى يعلم أنه ثمة من سيكون من الوالدين كافرًا أو فاسقًا أو ظالمًا، ومثل هؤلاء إما يُبغضون لأفعالهم ولذاتهم – إن كانوا كفَّارًا -، وإما يُبغضون لأفعالهم – إن كانوا مسلمين -، ولا فرق في هذا الأمر بين أب وأم وبين أجنبي، وحينئذٍ يكون البغض بغضًا شرعيًّا.

فليس يؤمر الأولاد بحب والديهم وينهوا عن بغضهم، وإنما المأمور به الأولاد تجاه والديهم: برُّهم والإحسان إليهم بالقول والفعل، والمنهي عنه هو: عقوقهم، والإساءة إليهم بالقول والفعل.

ومع هذا نقول: إن المعصية التي تصدر من قبَل الوالدين ينبغي أن تولِّد في قلب الأولاد – مع البغض لها – الرحمة بوالديهم أنهم تلَّبسوا بما يخالف شرع الله، وينبغي الخوف عليهما أن يتوفوا على هذه المعاصي والموبقات.

وعليه: فمن وقع في قلبه كراهية لوالديه – أو أحدهما – بسبب يقتضي ذلك: فهو لا يؤاخذ على هذا الشعور، إلا أنه يأثم إذا ما أساء إلى والديه بالفعل أو بالقول حتى لو كان ذلك بكلمة ” أُف “!.

قال تعالى – في حق الوالدين المسلميْن -: ( وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا. وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ) الإسراء/ 23، 24.

وهل ثمة أعظم من الكفر يتلبس به الوالدان؟! ليس هذا فحسب بل إنهما يجاهدان في دعوة أولادهم لذلك الكفر ومع ذلك لم يأمر الله تعالى بعقوق ذينك الوالديْن، ولا نهاه عن برِّهما، بل أمره بقول المعروف لهما، والإحسان لهما.

قال تعالى – في حق الوالدين الكافريْن -: ( وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ. وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) لقمان/ 14، 15.

وقد ذكرنا في أجوبة متعددة كيف أن برَّ الأم والإحسان إليها لا يسقط حتى لو أنها كانت على علاقة محرَّمة مع أجانب! وقد ذكرنا فتوى لشيخ الإسلام ابن تيمية في منعها وحبسها وربطها حتى لا تقع في المحرَّم ومع هذا كلِّه لم يسقط حقها في البر وتحريم العقوق، فلا يجوز السكوت عن فعلها، ولا إعانتها عليه، كما لا يحل عقوقها، ولا ضربها، وهذا الأمر دقيق لا يتنبه له كثيرون ممن تجرفهم العاطفة لما يرونه من مخالفات من والديهم، فمن الذي يحب الكفر والفسوق والعصيان من والديه؟! ومن الذي ينهاك عن بغض ذلك كله؟! وصدور ذلك من الوالدين لا يختلف عن صدوره من غيرهما من حيث بغضه وعدم الرضا به، ولكنَّنا أُمرنا إذا كان ذلك صادرًا من الوالديْن أن لا يتسبب في عقوقهما، ولا الإساءة إليهما، بخلاف ما إذا صدر ذلك من غيرهما.

ولم نرَ في فتاوى علمائنا من يمنع وجود البغض لأفعال الوالدين في قلبه طالما أن الولد لم يُترجم ذلك إلى واقع عملي فيسيء إلى والديه بالقول أو بالفعل أو بهما جميعًا، ودائماً تأتي الوصية من العلماء للأولاد في مثل هذه الأحوال: بالصبر على إساءة الوالدين، والدعاء لهما، والبر بهما، والإحسان إليهما، وتوسيط أهل الخير لإصلاح حالهما.

ومن ذلك:

  1. سئل علماء اللجنة الدائمة:

إنني أجد بغضا وكراهية لأبي؛ وذلك غضبًا لله عز وجل، فإنه ما من بيت من بيوت الجيران إلا ونظر على شأنهم، وكم من المشاكل حدثت بسبب هذا الموضوع، وعلمت حقًّا بما قاله ابن عباس – رضي الله عنهما – أنه سيأتي زمان على هذه الأمة يذوب فيه قلب المؤمن كما يذاب الملح في الماء، وذلك لكثرة ما يجد ولا يقدر أن ينكره، وإنه يسبب لي المشقة لعلمي أن معصية الوالدين من الكبائر.

فأجابوا:

عليك بالإحسان إلى والدك وبذل المعروف له وطاعته في غير معصية الله عز وجل، وحاولي بذل النصيحة له إن قدرت عليها ولم تخشي مفسدة أعظم.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 25 / 155 ، 156 ).

 

 

  1. وقال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله – في صديق يقابل إساءة والده بإساءة-:

فالواجب على صديقك أن يتقي الله، وأن يراقب الل ، وأن يبرَّ أباه ويحسن إليه، وإن أساء أبوه إليه، لا يقابل الإساءة بالإساءة ولكن يقابل الإساءة بالإحسان، والكلام الطيب، والأسلوب الحسن، والدعاء لوالده بالخير والاستقامة والهداية، هذا هو الواجب عليه، وقد دلت النصوص الكثيرة من الكتاب والسنَّة على ذلك، يقول الله جل وعلا في كتابه العظيم: ( وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا ) الأحقاف/ 15، وفي آية أخرى: ( حُسْنًا ) العنكبوت/ 8، ويقول جل وعلا: ( أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ) لقمان/ 14، ويقول جل وعلا: ( وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ) النساء/ 36، والآيات في هذا المعنى كثيرة، وقال تعالى: ( وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا. وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ) الإسراء/ 23، 24، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: ( رضا الله في رضا الوالدين، وسخط الله في سخط الوالدين )، ويقول عليه الصلاة والسلام في الصحيحين: ( ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ ) قلنا: بلى يا رسول الله، قال: ( الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور )، فعقوق الوالدين من أكبر الكبائر، وقد قرنه النبي صلى الله عليه وسلم بالشرك، فوجب على هذا الرجل – وعلى غيره – أن يبرَّ والده، وأن يتقي الله في ذلك، ولو أساء إليه والده، ولكن هو يدعو لوالده بالتوفيق والهداية، ويطلب من إخوانه الطيبين من أعمامه – أو غيرهم – أن ينصحوا والده حتى لا يقسوا عليه، وحتى يرحمه، وحتى يعطف عليه، بالكلام الطيب.

أما هو فالواجب عليه أن يبرَّ والده، وألا ينسيه برُّه لوالدته برَّه لأبيه، فليتق الله، وليعامل أباه بالحسنى، وقد قال الله عز وجل في الولد مع أبويه الكافرين قال: ( وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ) لقمان/ 15، معروفًا وهما كافران فكيف بالمسلم؟!، فعلى صديقك هذا أن يتقي الله، وأن يتوب إلى الله من عمله السيء، وأن يبر والده، ويحسن إليه، وأن يتلطف به، وأن يدعو الله له بالتوفيق والهداية، وأن يستعين على ذلك بخواص إخوانه الطيبين من أعمام، أو أخوال، أو أصدقاء، حتى ينصحوا والده؛ ليرفق به ويعامله بما ينبغي من اللطف، وهذا من باب التعاون على البر والتقوى، نسأل الله للجميع الهداية.

” فتاوى نور على الدرب ” ( شريط رقم 677 ).

 

 

 

  1. وسئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

أبونا قد هجر أمَّنا، هو يعاملنا بقسوة، ولا يعطينا شيئًا، علماً بأنه يملك الكثير من الأموال، مما أحدث في قلوبنا شيء من الكراهية له، فبماذا توجهونه؟ مأجورين.

فأجاب:

الواجب عليه: أن ينفق على أبنائه إذا كانوا فقراء، الواجب عليه: أن ينفق عليهم، وأن يعاملهم باللطف والإحسان والخلق الحسن، والواجب على أولاده أيضًا: أن يعرفوا قدْره، وأن يبرُّوه، وأن يخاطبوه بالتي هي أحسن، وإذا دعت الحاجة إلى أن يرفعوا الأمر إلى المحكمة: فلا بأس، يقولون: والدنا، ونحن فقراء ولم ينفق علينا، يرفعون أمره إلى المحكمة، وإذا توسط لهم بعض الطيبين من الجيران والأقارب لدى الوالد حتى ينفق: فهذا أحسن من المحكمة، أحسن من الخصومة.

وصيتي للأولاد: الرفق، والبر بالوالد، والكلام الطيب مع الوالد.

ووصيتي للوالد: أن يتقي الله، وأن ينفق على أولاده المحتاجين، وأن لا يحوجهم إلى الشكوى إلى المحكمة، أو إلى توسط للناس، يجب أن يعدل من نفسه، وأن يعرف ما أوجب الله عليه، وأن ينفق عليهم ما داموا فقراء، وأن يحسن إليهم، وأن لا يحوجهم إلى شكوى ولا إلى غيرها، وعلى الأولاد جميعًا أن يجتهدوا في برِّ والدهم، والكلام الطيب معه، ومخاطبته بالتي هي أحسن، وإذا دعت الحاجة إلى أن يطلبوا من أعمامهم أو من بعض جيرانهم أو أصدقاء والدهم أن يتوسطوا لدى والدهم بالإحسان إليهم وإيتاء حقهم بدلًا من الشكوى: فهذا أطيب، وأحسن.

” فتاوى نور على الدرب ” ( شريط رقم 261 ).

 

وكما يلاحظ الجميع: ليس ثمة من يأمر بوجوب عقد القلب على محبة الوالد سيء الفعل مع أولاده، أو العاصي لربِّه تعالى، وليس ثمة من ينهى عن بغض الأفعال المخالفة لشرع الله تعالى الصادرة من الوالديْن، لكنَّ الأوامر الشرعية تقتضي البر بالوالدين، والإحسان إليهما، وعدم الإساءة لهما بالقول أو الفعل، حتى لو كانوا دعاة كفر، أو كانوا عصاة.

 

فالوصية لمن كان هذا السؤال من أجله:

أن تحتفظ بشعورك تجاه والدك في قلبك، وأن تجاهد نفسك للتخلص منه، وأن تصبر على ما ترى من والدك، وأن تعينه على طاعة ربه وأن لا يقع في مخالفة شرعية، ولا تنس أن برَّه عليك واجب، وعقوقه محرَّم، فأحسن إليه، وادع الله أن يهديه فهذا من حقه عليك.

 

 

وما سبق كله هو في حال أن يكون الوالد مرتكبًا لمعصية بينة، أو منكر يُغضب الله، وأما أن يكون ما يصدر من الأب ضبطًا لأولاده في أفعالهم، وقسوة في محلها على المخالف: فمثل لا يجوز معه بغضه القلبي، ولا ينطبق عليه ما ذكرناه سابقًا، فليُنتبه لهذا، فإن كلامنا في العصاة الظلمة والقساوة البغاة، وليس فيمن يقسو في مكانه، ويضع حدًّا لمخالفات أولاده بما يردعهم ويربيهم.

 

والله أعلم.

شرطية القِبلة في الصلاة وصور الاستثناء وحكم مسافر لم يجد أحدًا يسأله عنها

شرطية القِبلة في الصلاة وصور الاستثناء وحكم مسافر لم يجد أحدًا يسأله عنها

السؤال:

لقد قرأت إجاباتكم على الأسئلة بخصوص ” صلاة السفر ” و ” الاتجاه الذي أصلي فيه في السفر “، ولكننا عندما نكون في سفر ولا نجد وسيلة لنعرف القبلة، كما في الولايات المتحدة، حيث نجد صعوبة في أن نجد مسلمًا نسأله عن اتجاه القبلة، وقد حاولت جاهدة أن أستخدم البوصلة ولكنني لم أستطع ومع ذلك حاولت استخدامها، فهل يجوز الصلاة في أي اتجاه خوفا من فوات الصلاة وأن نقوم بأدائها مرة أخرى في وقت آخر، ونعلم أن الله تعالى قد جعل الأرض كلها مسجدًا؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا خلاف بين العلماء في أن استقبال القِبلة شرط من شروط صحة الصلاة، وبترك هذا الشرط – مع القدرة على القيام به – تبطل الصلاة.

* قال أبو المظفر يحيى بن هبيرة الشيباني -رحمه الله -:

وأجمعوا على أن للصلاة شرائط، وهي التي تتقدمها، وأنها أربع، وهي: الوضوء بالماء أو التيمم عند عدمه، والوقوف على بقعة طاهرة، واستقبال القبلة مع القدرة، والعلم بدخول الوقت. ” اختلاف الأئمة العلماء ” ( 1 / 103 ).

 

ثانيًا:

وقد استُثنيت صورٌ يسقط معها هذا الشرط في حق أهله.

* قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -:

الأصل أن: استقبال القبلة شرط لصحة الصلاة، وأن من ترك الاستقبال: فصلاته باطلة.

لكن يستثنى من هذا صور، منها:

  1. المربوط والمصلوب لغير القبلة.
  2. وفي شدة القتال.

وهذا يرجع لعدم القدرة على الاستقبال، وكل من عجز عن شرط من شروط الصلاة، أو ركن من أركانها: سقط عنه.

  1. ومنها: المتنفل على الراحلة في السفر يتوجه جهة سيره، ولا يلزمه الاستقبال في شيء من صلاته على الصحيح.

وعلى المذهب: يلزمه افتتاح الصلاة إلى القبلة، إذا تمكن من ذلك وكذلك الماشي، ويلزمه الركوع والسجود إليها على المذهب.

  1. ومنها: من اشتبهت عليه القبلة في السفر واجتهد، ثم تبين له بعد الفراغ أنه لغير القبلة: فلا إعادة عليه.

وعلى المسألتين قوله تعالى ( ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله) البقرة/ 115، فسِّر بكلٍّ منهما، والصحيح: أن الآية تعم ذلك، وما هو أعم منه.

  1. ومما يُسقط وجوب استقبال القبلة: إذا ركب السفينة، وهو لا يتمكن من الاستقبال: لم يلزمه، وإن تمكن: لزمه في الفرض دون النفل، فلا يلزمه أن يدور بدورانها، والله أعلم. ” إرشاد أولى البصائر والألباب لنيل الفقة بأيسر الطرق والأسباب ” ( ص 37) -ترقيم الشاملة -.

 

ثالثًا:

ولا نرى عُذرًا لكثيرٍ ممن يزعم أنه لا يعرف اتجاه القبلة ؛ وذلك أنه يوجد طرق كثيرة يمكن من خلالها معرفة اتجاه القبلة، ومنها:

  1. الشمس.
  2. النجوم.
  3. القمر.
  4. البوصلة.
  5. برامج ضبط القبلة الموجودة في بعض الساعات وكثير من الجوالات.
  6. النظر في الخريطة ورسم خط من مكان وجوده إلى الكعبة.
  7. سؤال أي أحدٍ من المسلمين المصلين.

وبما أنكم تملكون ” البوصلة ” فيصبح اتجاهكم للقبلة واجبًا، ولا يسقط عنكم هذا الشرط، ويصبح تعلُّم استعمال تلك البوصلة واجبًا لتعلق تعلمها بتحقيق شرط من شروط صحة الصلاة، وليس تعلمها بالأمر الصعب.

* قال علماء اللجنة الدائمة:

إذا ثبت لدى أهل الخبرة الثقات من المسلمين أن جهازًا أو آلة تضبط القبلة وتبينها عينًا، أو جهةً: لم يمنع الشرع من الاستعانة بها في ذلك وفي غيره، بل قد يجب العمل بها في معرفة القبلة إذا لم يجد من يريد الصلاة دليلا سواها.

الشيخ عبد العزيز بن باز, الشيخ عبد الرزاق عفيفي, الشيخ عبد الله بن غديان, الشيخ عبد الله بن قعود. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 6 / 315 ).

 

رابعًا:

وأما من كان مسافرًا ولم يجد من يسأله، أو كان مسجونًا ولم يدله أحد على اتجاه القبلة، وليس هو من أهل الاجتهاد للنظر لمعرفة اتجاهها، ولا يملك أجهزة يعرف من خلالها القبلة، وضاق عليه وقت الصلاة: فإن هؤلاء جميعاً معذورون شرعًا، فيصلُّون إلى أي اتجاه يرونه صوابًا، ولا يلزمهم إعادة الصلاة حتى لو تبيَّن لهم في الوقت أو بعده أنهم كان صلُّوا خطأً؛ لأنهم صلوا كما أمرهم الله تعالى فلا يعيدون إلا بأمره عز وجل.

 

خامسًا:

وفي حالة مثل حالتكم وهي أن يملك المسلم آلة يستطيع تحديد القبلة من خلالها، ولكنه لو اشتغل بتعلم طريقة ذلك خرج وقت الصلاة، فحينئذٍ لا يجوز له أن يتعمد تأخير الصلاة عن وقتها، فيصلِّي على الحال التي هو عليها إلى أي اتجاه يراه في نفسه صوابًا، ولا إعادة عليه إن تبين له خطؤه في تحديد القبلة، ويأثم لأنه فرَّط في تعلم استعمالها حتى ضاق عليه وقت الصلاة.

وبكل حال: فلا يشتغل مثل هذا بتحقيق شرط القبلة على حساب وقت الصلاة.

* سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

هل يجوز للإنسان تأخير الصلاة لتحصيل شرط من شروطها، كما لو اشتغل باستخراج الماء؟.

فأجاب:

الصواب: أنه لا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها مطلقًا، وإذا خاف الإنسان خروج الوقت: صلَّى على حسب حاله، وإن كان يمكن أن يحصل الشرط قريبًا؛ لقوله تعالى ( إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ) النساء/ 103، وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم وقَّت أوقات الصلاة، وهذا يقتضي وجوبها في وقتها، ولأنه لو جاز انتظار الشروط: ما صح أن يشرع التيمم؛ لأن بإمكانه أن يحصل الماء بعد الوقت، ولا  فرق بين أن يؤخرها إلى وقت طويل، أو إلى وقت قصير؛ لأن كليهما إخراج للصلاة عن وقتها، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.

” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 12 / 20 ).

 

والله أعلم.