الرئيسية بلوق الصفحة 266

مرتد عن الإسلام يزعم أن سبب ردته هو بعض ما يتعلق بالمرأة من أحكام

مرتد عن الإسلام يزعم أن سبب ردته هو بعض ما يتعلق بالمرأة من أحكام

السؤال:

الحق والحق أقول : أنا خرجت من الإسلام بسبب وضع المرأة ، ديتها نصف دية الرجل ، مباح ضربها ، لزوجها يطلقها متى ما أراد ، وإذا كرهته : أجبرت على البقاء معه .

اسمحوا لي أقول لكم : إن سبب انتصار إسرائيل عليكم هو أنكم ظلمتم النساء ، فالحمد لله الذي أخرجني من الإسلام .

 

الجواب:

الحمد لله

أولاً:

الإسلام لا يشرف بانتماء أحد إليه ، بل المنتسب للإسلام هو الذي يشرف بانتسابه لخير الأديان وخاتمتها .

وهل تظن أنك تضر الله بكفرك ؟! إنك إنما تضل على نفسك ( مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ) يونس/ من الآية 108 ، الإسراء/ من الآية 15 .

وهل تظن أنك وأمثالك – بل والخلق كلهم لو كانوا مثلك – تنقصون شيئاً من ملك الله بكفركم ؟! قال تعالى – في الحديث القدسي – : ( يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا ) رواه مسلم ( 2577 ) .

واعلم أن الله تعالى غني عنك وعن أمثالك من الكفرة والمرتدين ، قال تعالى : ( إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ) الزمر/ 7 .

هذا هو واقع حالك ، ونحن لن نجيبك حتى تفكر فيما فعلت ، وترجع إلى الإسلام ، وأنت لم تراسلنا من أجل أن نقنعك بالصواب فيما تفعل ، فإن شئت الاستمرار على ردتك وكفرك : فاستمر ، وانتظر السعير لتخلد فيها أبد الآبدين ، ومن تظن أنك خرجت من الإسلام بسببهن : فإننا نبشرهن أنهن سيتقلبن في نعيم الله في الجنة إن ماتوا على الإسلام ، ولتبق أنت ومن معك يقودكم إبليس في الجحيم ، كما قادكم في دنياكم .

ولكنك لم تخبرنا إلى أي دين خرجت ؟ – هذا إن كنت صادقاً أصلاً في دعواك أنك كنت مسلماً – ، وكنا نود أن نعرف هذا منك حتى نقارن بين حال المرأة في ديننا ، وحالها في الدين الذي انتقلت إليه ! .

وعلى كل حال : فلا يهمنا ذلك كثيراً ؛ لأنك مهما اخترت من دين ، أو نظام ، أو فكر : فإنه لن يعطي المرأة مثل ما أعطاها الإسلام ، ولن يكرمها مثل ما لها من كرامة في دين الله .

 

ثانياً:

ولن نوجه الخطاب لك في دحض أسباب كفرك وردتك ، لكننا سنخاطب المسلمين ، والعقلاء من غير أهل هذا الدين ليروا عظمة هذه الشريعة بأحكامها ، وليعلموا أي إفك يردده أولئك الكاذبون على الإسلام ، والمفترون عليه .

 

ثالثاً:

أما بخصوص دية المرأة : فإن جماهير أهل العلم – ونقل الشافعي وابن المنذر وابن عبد البر وابن حزم وابن تيمية الإجماع عليه – أن دية المرأة على النصف من دية الرجل .

ولا بدَّ من توضيح الحقائق التالية :

  1. إن مجرد تشريع دية للمرأة يدل على كرامتها ومنزلتها ، وقد كانت المرأة في الجاهلية متاعاً لا ترث من أهلها شيئاً ، بل إنها لتورث ! وفي ذلك أنزل الله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهاً ) النساء/ 19 .

روى البخاري ( 4303 ) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَولَه : كَانُوا إِذَا مَاتَ الرَّجُلُ كَانَ أَوْلِيَاؤُهُ أَحَقَّ بِامْرَأَتِهِ ، إِنْ شَاءَ بَعْضُهُمْ تَزَوَّجَهَا ، وَإِنْ شَاءُوا زَوَّجُوهَا ، وَإِنْ شَاءُوا لَمْ يُزَوِّجُوهَا ، فَهُمْ أَحَقُّ بِهَا مِنْ أَهْلِهَا ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِى ذَلِكَ .

وأما تقدير ذلك بالنصف من دية الرجل : فلذلك حكمٌ لا تخفى ، والمرأة العاقلة تعلم أنه ثمة فروق بينها وبينها الرجل في الحقوق والواجبات والأحكام ، بل وإنها تعلم أنه ثمة فروق بينها وبين الرجل في طبيعة الخِلقة ، فأي شيء يضيرها جعل ديتها نصف دية الرجل ؟! .

  1. وليس يعني تنصيف ديتها أن دمها ليس له اعتبار في الشرع ، بل إن الله تعالى حكم بقتل من يقتلها ، ولو كان من الرجال الأشراف أو الوجهاء أو الأغنياء – إلا إن عفا أولياؤها – وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لاَ يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنِّى رَسُولُ اللَّهِ إِلاَّ بِإِحْدَى ثَلاَثٍ النَّفْسُ بِالنَّفْسِ وَالثَّيِّبُ الزَّانِى ، وَالْمَارِقُ مِنَ الدِّينِ التَّارِكُ الْجَمَاعَةَ ) رواه البخاري ( 6484 ) ومسلم ( 1676 ) .

وهو ما طبَّقه النبي صلى الله عليه وسلم عمليّاً ، حيث قتل يهوديّاً قتل امرأة مسلمة .

عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه أَنَّ يَهُوِدِيًّا رَضَّ رَأْسَ جَارِيَةٍ بَيْنَ حَجَرَيْنِ ، فَقِيلَ لَهَا مَنْ فَعَلَ بِكِ ، أَفُلاَنٌ أَوْ فُلاَنٌ حَتَّى سُمِّىَ الْيَهُودِىُّ ، فَأَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا ، فَجِىءَ بِهِ ، فَلَمْ يَزَلْ حَتَّى اعْتَرَفَ ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَرُضَّ رَأْسُهُ بِالْحِجَارَةِ ) رواه البخاري ( 2282 ) ومسلم ( 1672 ) .

  1. وليُعلم أن المرأة لا تدخل في ” العاقلة ” التي تدفع دية الخطأ عن القاتل منهم ، فإذا قتل أحدٌ آخر خطأ فإنه يجب على عاقلته أن تدفع الدية لأهل القتيل ، والعاقلة هم ذكور العصَبة من نسب ، أو قرابة ، سمُّوا بذلك لأنهم يأتون بالإبل – وهي دية القتيل – ويعقلونها – أي : يربطونها – عند باب القتيل .

والذي ننبه عليه هنا أمور مهمة :

الأول : أن المرأة لا تشارك في دفع الدية ، بل هي خاصة بالرجال .

والثاني : أنها لا تشارك في الدية حتى لو كانت هي القاتلة ! .

والثالث : أنها ترث من الدية التي تدفعها عاقلة قاتل من ترثه ! .

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 29 / 225 ) :

وقال الفقهاء : لا يُؤخذ من النساء والصبيان والمجانين ؛ لأن الدية التي تحملها العاقلة فيها معنى التناصر ، وهؤلاء ليسوا من أهل النصرة . انتهى.

فأين سلب حقوق المرأة ؟ وأين هضم حقوقها في هذه التشريعات ؟ وها هي ترى أنها لا تشارك في دفع الدية ، ولو كانت هي القاتلة ، وأنها ترث ما يؤخذ من دية من ترثه من المقتولين .

  1. ونحن نسأل العقلاء من أهل الأرض : هل خسارة الأسرة بفقد المرأة منهم كخسارة الرجل ؟! إن الجواب سيكون بالنفي قطعاً – عند أهل الفطر السليمة والعقول الرجيحة – ؛ لأن الرجل هو الذي يعمل ويكسب ، بخلاف المرأة ؛ فإن الله تعالى لم يكلفها نفقة زوجها وأولادها ، ولو كانت غنية ، بل جعل ذلك على الزوج ، ويصدق هذا على عموم الرجال من الأسرة حيث يكون منهم الكسب ، والحماية ، والعناية بأفراد الأسرة ، بخلاف المرأة التي لم يكلفها الله تعالى بشيء ذلك البتة .

رابعاً:

وأما بخصوص ضرب الزوجة : فإنه ليس كما يصوره الغرب الكافر ، ولا من يقلده من الأبواق المستأجرة من غيرهم ، فالأمر له ضوابط وشروط ، وليس على إطلاقه ، وما يحدث من بعض المسلمين من تجاوزات فيه فإنما يرجع عليهم ، لا على الشرع المطهر .

– ولينظر تفصيل هذه المسألة في جوابنا على سؤال من غير مسلم حول قضية ضرب الزوجة في جواب آخر.

– وثمة جواب أوسع وأشمل من هذا ، وهو جواب سؤال بعنوان ضرب الزوجة ، أنواعه ، وأحكامه ، وآثاره .

 

* وإذا كنت أيها المراسل لنا مغترّاً بحال المرأة في الغرب : فإليك ما تشيب منه الرؤوس :

  1. 79 % من الرجال في أمريكا يضربون زوجاتهم ضرباً يؤدي إلى عاهة .
  2. 17 % منهن تستدعي حالاتهن الدخول للعناية المركزة .
  3. حسب تقرير ” الوكالة المركزية الأمريكية للفحص والتحقيق ” : هناك زوجة يضربها زوجها كل 18 ثانية في أمريكا .
  4. في فرنسا هناك مليونا امرأة معرضة للضرب سنويّاً .

وقالت أمينة سر الدولة لحقوق المرأة ” ميشيل اندريه ” : حتى الحيوانات تعامل أحيانًا أفضل من النساء ، فلو أن رجلًا ضرب كلباً في الشارع سيتقدم شخص ما يشكو لجمعية الرفق بالحيوان ، لكن لو ضرب رجل زوجته في الشارع : فلن يتحرك أحد في ” فرنسا ” .

  1. 60 % من الشكاوى الليلية التي تتلقاها شرطة النجدة في باريس هي استغاثة من نساء يسيء أزواجهن معاملتهن .
  2. في بريطانيا : 77 % من الأزواج يضربون زوجاتهن .
  3. أكثر من 50 % من القتيلات في بريطانيا كن ضحايا الزوج ، أو الشريك ! وتتلقى الشرطة البريطانية 100 ألف مكالمة سنويّاً ؛ لتبلغ شكاوى اعتداء على زوجات ، أو شريكات ! .

ينظر مقال : ” ماذا يريد مشروع الشرق الأوسط الكبير من المرأة المسلمة ؟ ” للدكتورة لينا الحمصي .

وإذا كنت ترى أن ” إسرائيل ” هي النموذج الذي يجب الاقتداء به في التعامل مع المرأة : فإليك هذه الحقيقة المذهلة :

جاء في تقرير وزارة الداخلية الإسرائيلية في عام 1417 هـ يبين أن 20 ألف امرأة تعرضن للضرب من الأزواج خلال عام ! وأن 122 لقين مصرعهن بسبب الضرب!. ” مجلة الأسرة ” ، صفر ، 1420 .

فلعلك أن تصحو من غفلتك ، وتستيقظ من غفوتك .

خامساً:

وأما تشريع الطلاق في الإسلام : فمن أعظم الشرائع وأحكمها ، وقد عجزت الأنظمة والقوانين البشرية أن تضبط أحكام الأسرة بما يكفل بقاءها ، ونموها ، كما هو الأمر في الأحكام الشرعية الربانية .

وكون الطلاق بيد الرجل : ليس فيه إلا ما يساهم في بقاء الأسرة ونموها ، واستمرارها ، والمرأة تعلم قبل الرجل أن الطلاق لو كان بيدها لدمرت كثير من الأسَر ، وتشتت شملها ؛ لأن المرأة بطبعها تمتلك من الصفات البشرية ما يجعلها غير قادرة على ضبط مواقفها وتصرفاتها فيما يتعلق بزوجها ، والذي خلق الزوجين الذكر والأنثى علم ذلك ، ومن أجله جعل الطلاق بيد الزوج ، فهو الذي ينشئ الأسرة ، ويبحث عن زوجة تساهم معه في بناء أسرته ، فإذا رأى ما لا يمكنه معه العيش معها : فإنه يسرحها بإحسان ، ويعطيها حقوقها ، وأما الأنظمة والأديان المحرَّفة فإن من كان منهم يمنع الطلاق من أصله : فهو يحكم بما يناقض الفطرة السليمة ، والعقل الراجح ، وهو يدمر الأسرة ولا يبنيها ، وماذا يفعل الرجل إذا علم أن امرأته على علاقة محرمة مع آخر ؟ وماذا يفعل من كره زوجته لاتصافها بسوء الأخلاق ؟ لا يجد هؤلاء علاجاً لأحوالهم إلا بالخروج من دينهم ! أو ضرب نسائهم ضرباً شديداً ، أو قتلها ، وكل ذلك مضاد لما أراده الله تعالى من إنشاء الأسرة ، ونموها ، والطلاق في شرع الله تعالى له حكَم عظيمة ، وهو في أصله مكروه ، لكنه يجب في بعض الأحوال ، كما أنه يكون مستحبّاً في أخرى .

وإذا كرهت المرأة زوجها لسوء في طباعه ، أو أخلاقه : فإنه ثمة تشريع في دين الله تعالى الإسلام يبيح لها طلب ” الخلع ” ، وهو تنازل منها عن مؤخر الصداق ، أو دفع مهرها لزوجها ليسرحها ، ويطلقها ، وقد أوجب بعض العلماء ذلك على الزوج إن كان الأسباب التي تدعيها الزوجة حقيقية ، واستحبه آخرون ، وعلى كل حال : فهو مخرج للمرأة التي تكره زوجها ، ولا تطيق البقاء معه .

وفي بعض الحالات : يُجبر الزوج من قبَل القاضي الشرعي على التطليق ، كأن يكون مسيئاً لها بضرب أو شتم ، ويستمر على ذلك ، ولا يريد إصلاح حاله ، وغير ذلك من الحالات ، كما أن القاضي يملك أن يطلِّقها في حال رفض الزوج ذلك ، أو في حال غيابه ، وتضررها من ذلك .

* ولا يحل للزوج أن يضيق على زوجته كي يضطرها إلى التنازل عن حقوقها ، أو شيء منها.

سادساً:

أما زعم هذا المرتد أن إسرائيل انتصرت على المسلمين بسبب ما في الإسلام من أحكام تتعلق بالمرأة : فهو كذب مخالف للواقع ، فلا ما جاء به من أحكام صحيح نسبتها للإسلام ، وما صحَّ منه فلم يفهمه على وجهه الصحيح ، ولا إسرائيل تعد منتصرة على المسلمين بسبب ذلك ، ولا يخفى على عاقل أن أسباب استمرار اليهود في حكم ” فلسطين ” إنما سببه – للأسف – التفرق بين المسلمين ، وحب الزعامة والدنيا ، وإلا فإن اليهود أحقر من أن يكون لهم دولة ، فضلا أن تكون دولتهم نتيجة احتلال ، وقوة منهم ؛ فهم أحقر ، وأجبن من أن يستطيعوا مقاتلة أحد ، فضلاً أن يكون الجانب المقاتَل هم المسلمون ، وعلى كل حال : فلا تزال حياتهم يملؤها الرعب والخوف والقلق ، ولن تهنأ لهم حياة ، ولن يشعروا بطعم العزة والحرية والسعادة ؛ لمَا عندهم مما يستوجب غضب الله تعالى وسخطه عليهم إلى يوم القيامة ، ومن سلط الله اليهودََ عليه من المسلمين : فلتركهم دينهم ، وتخليهم عن اتباع شرعه .

وليتأمل العقلاء حال اليهود الذي يثني عليهم من زعم أنه كان مسلماً فارتد :

  1. قال تعالى : ( وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ) البقرة/ 65 .
  2. وقال تعالى : ( فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ) الأعراف/ 166 .
  3. وقال تعالى : ( قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ ) المائدة/ 60 .
  4. وقال تعالى : ( مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) الجمعة/ 5 .
  5. وقال تعالى : ( لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ ) المائدة/ 70 .
  6. وقال تعالى : ( فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) المائدة/ 13 .

فانظر لهذا كيف يثني على من كذَّب المرسلين ، وقتلهم ، ومن حرَّف كلام الله وبدّله ، ومن مسخ الله إخوانهم إلى قردة وخنازير ! وجرائم اليهود في الماضي والحاضر أشهر من أن يذكَّر بها ، لكن من طمس الله بصيرته ، وأضلَّه على علم : فلا نملك له شيئاً .

والعجيب من هذا المرتد أنه لم يجد إلا اليهود ليوهم الناس بهم أنهم أعطوا المرأة حقوقها ، وأنها مكرَّمة عندهم ! وكل من له اطلاع على دين اليهود وأخلاقهم يعلم أن المرأة لا تخرج عن كونها نجسة وسلعة رخيصة عندهم – ولذلك فهي لا ترث عندهم إن كان لها أخ ذكر ، وأما الزوجة فلا ترث من زوجها شيئاً – ولا ننسى ما قاله رئيس وزرائهم الهالك ” مناحيم بيجن ” عندما طلب من الإسرائيليات أن ينجبن الأولاد ، سواء كان ذلك بطريق شرعي أو غير شرعي ! .

وأما كتابهم المقدس ! فإنه يمجد الساقطات أمثال ” يهوديت ” و ” استير ” و ” راحاب ” ، ويفرد لشربهن الخمر ، وتبرجهن ، وسوء أخلاقهن أسفاراً ! .

وفي نجاسة المرأة عند اليهود يقول كتابهم المقدس ! في سفر ” اللاويين ”  :

كلِّم بني اسرائيل قائلاً : إذا حبلت امرأة وولدت ذكراً : تكون نجسة سبعة أيام ، كما في أيام طمث علتها تكون نجسة .

ثم تقيم ثلاثة وثلاثين يوماً في دم تطهيرها ، كل شيء مقدس لا تمسّ ، وإلى المقدس لا تجيء ، حتى تكمل أيام تطهيرها .

وإن ولدت أنثى : تكون نجسة أسبوعين ، كما في طمثها ، ثم تقيم ستة وستين يوماً في دم تطهيرها .

فهكذا هي المرأة عند اليهود ، والعجيب أن مدة نجاستها في الذكر ضعف نجاستها في الأنثى ! وهذا ليس له سبب  كما هو الأمر في الدية عندنا ، فالإنجاب واحد ، ولا فرق بين كون المولود ذكراً أو أنثى ، وهي نجسة العين أيام طمثها ، لا تؤاكَل ، ولا تُخالَط في البيوت ، ولا تسكن مع زوجها ! وكل ثياب أو فراش تمسه فهو نجس ! وغير ذلك من الأحكام التي هي غاية في السوء والقبح .

وقد جاء في ” سفر اللاويين ” إصحاح 15 :

20 وكل ما تضطجع عليه في طمثها : يكون نجساً ، وكل ما تجلس عليه يكون نجساً .

21 وكل من مسَّ فراشها : يغسل ثيابه ، ويستحم بماء ، ويكون نجساً إلى المساء .

22 وكل من مسَّ متاعاً تجلس عليه : يغسل ثيابه ، ويستحم بماء ، ويكون نجساً إلى المساء .

23 وإن كان على الفراش ، أو على المتاع الذي هي جالسة عليه عندما يمسه : يكون نجساً إلى المساء .

24 وإن اضطجع معها رجل فكان طمثها عليه : يكون نجساً سبعة أيام ، وكل فراش يضطجع عليه يكون نجساً .

25 وإذا كانت امرأة يسيل سيل دمها أياماً كثيرة في غير وقت طمثها ، أو إذا سال بعد طمثها : فتكون كل أيام سيلان نجاستها كما في أيام طمثها أنها نجسة .

26 كل فراش تضطجع عليه كل أيام سيلها : يكون لها كفراش طمثها ، وكل الأمتعة التي تجلس عليها : تكون نجسة كنجاسة طمثها .

27 وكل من مسَّهن : يكون نجساً ، فيغسل ثيابه ، ويستحم بماء ، ويكون نجساً إلى المساء . انتهى.

وفي ديننا الحنيف أعلنها نبينا صلى الله عليه وسلم بوضوح ( إِنَّ الْمُؤْمِنَ لاَ يَنْجُسُ ) رواه البخاري ( 281 ) ومسلم ( 371 ) ، وأباحت لنا شريعتنا المطهرة مؤاكلتها ، ومجامعتها ، وإنما حرُم على المسلم الجماع في الفرج .

عَنْ أَنَسٍ بنِ مالِك : أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا إِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ فِيهِمْ لَمْ يُؤَاكِلُوهَا وَلَمْ يُجَامِعُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ ، فَسَأَلَ أَصْحَابُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ) إِلَى آخِرِ الآيَةِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : ( اصْنَعُوا كُلَّ شَيءٍ إِلاَّ النِّكَاحَ ) فَبَلَغَ ذَلِكَ الْيَهُودَ فَقَالُوا : مَا يُرِيدُ هَذَا الرَّجُلُ أَنْ يَدَعَ مِنْ أَمْرِنَا شَيْئًا إِلاَّ خَالَفَنَا فِيهِ . رواه مسلم ( 320 ) .

وكان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يقرأ القرآن ورأسه على حجر إحدى نسائه ، وكانت تكون حائضاً .

عن ميمونة رضي الله عنها قال : لَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْخُلُ عَلَى إِحْدَانَا وَهِيَ مُتَّكِئَةٌ حَائِضٌ قَدْ عَلِمَ أَنَّهَا حَائِضٌ فَيَتَّكِئُ عَلَيْهَا فَيَتْلُو الْقُرْآنَ وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَيْهَا ، أَوْ يَدْخُلُ عَلَيْهَا قَاعِدَةً وَهِيَ حَائِضٌ فَيَتَّكِئُ فِي حِجْرِهَا فَيَتْلُو الْقُرْآنَ فِي حِجْرِهَا . رواه أحمد ( 44 / 415 ) وحسَّنه الألباني في ” إرواء الغليل ” ( 1 / 213 ) .

– وليعلم العقلاء حال المرأة عند اليهود في جوانب أخرى من الحياة ، فهم يجبرون المرأة أن تتزوج أخي زوجها بعد موت زوجها ! .

جاء في ” سفر التثنية ” إصحاح 25 :

5 إذا سكن إخوة معاً ، ومات واحد منهم ، وليس له ابن : فلا تصر امرأة الميت إلى خارج لرجل أجنبي ، أخو زوجها يدخل عليها ، ويتخذها لنفسه زوجة ، ويقوم لها بواجب أخي الزوج .

6 والبكر الذي تلده : يقوم باسم أخيه الميت ؛ لئلا يمحى اسمه من إسرائيل .

7 وإن لم يرض الرجل أن يأخذ امرأة أخيه : تصعد امرأة أخيه إلى الباب ، إلى الشيوخ ، وتقول : قد أبى أخو زوجي أن يقيم لأخيه اسماً في إسرائيل ، لم يشأ أن يقوم لي بواجب أخي الزوج .

8 فيدعوه شيوخ مدينته ، ويتكلمون معه ، فان أصر وقال لا أرضى أن أتخذها .

9 تتقدم امرأة أخيه إليه أمام أعين الشيوخ ، وتخلع نعله من رجله ، وتبصق في وجهه ، وتصرخ وتقول : هكذا يُفعل بالرجل الذي لا يبني بيت أخيه .

10 فيدع اسمه في إسرائيل بيت مخلوع النعل . انتهى.

فأي الدينين أكرم المرأة ، ورفع شأنها ، وأعلى منزلتها ؟! .

وينظر في جواب ” المرأة بين تكريم الإسلام وإهانة الجاهلية ” .

 

والله الهادي إلى سواء السبيل .

 

الزواج بين الزاني والزانية ( هل يتزوجان بعد أن زنيا )؟

السؤال الأول :

زنى شاب مسلم ببنت مسلمة وأفقدها عذريتها ولكنه تاب إلى الله فهل الشاب ملزم بأن يتزوج هذه البنت لكي يستر عليها ثم يطلقها بعد ذلك لأن ثقته فيها انعدمت نظراً لأنها لم تستطع الحفاظ على عذريتها أفيدونا أفادكم الله يا سماحة الشيخ .

السؤال الثاني :

إذا زنى شخصين ثم تابا ، فهل يجوز لهما أن يتزوجا بعد التوبة أم أن هذا حرام ؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولاً :

– اختلف العلماء في حكم الزواج من ” الزانية ” على قولين :

الأول : عدم جواز نكاح المسلم العفيف المسلمةَ الزانيةَ ، إلا إذا أظهرت توبتها من ذلك ، وهو مذهب الحنابلة ، وبه يقول بعض الفقهاء والمفسرين .

– وهو قول ابن حزم ، وشيخ الإسلام ابن تيمية  – كما سيأتي النقل عنه – ، وابن القيم ،

– وانظر ما كَتَبَه في إبطال قول من أباح تزوج الزواني في ” إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان ” ( 1 / من ص 77 ) ، وهو يرى أنّ تحريم ذلك من محاسن مذهب الإمام أحمد ، والشوكاني وصدِّيق حسن خان .

والثاني : يرى جواز نكاح الزانية قبل التوبة ، وهو  ما يقول به الأئمة الثلاثة  – أبو حنيفة ومالك والشافعي رحمهم الله – .

 

ثانياً :

– أدلة المحرِّمين للنكاح :

قوله تعالى : { الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين } .

حديث أبي مَرْثَد الغنوي :

وكان رجلاً شديداً وكان يحمل الأسارى من مكة إلى المدينة ، قال : فدعوتُ رجلاً لأحمله وكان بمكة بغي يقال لها ” عَنَاق ” – وكانت صديقته – خرجت فرأت سوادي في ظل الحائط ، فقالت : من هذا ؟ مَرْثَد مرحباً وأهلا يا مرثد انطلق الليلة فبتْ عندنا في الرحل ، قلت : يا عَنَاق إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرَّم الزنا قالت يا أهل الخيام هذا الدُلْدُل هذا الذي يحمل أسراكم من مكة إلى المدينة فسلكت الخَنْدَمة فطلبني ثمانية ، فجاءوا حتى قاموا على رأسي ، فبالوا ، فطار بولهم علي وأعماهم الله عني ، فجئت إلى صاحبي فحملته ، فلما انتهيت به إلى الأراك فككت عنه كَبْلَه ، فجئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله أنكح ” عَنَاقَ ” ؟ فسكت عني ، فنزلت { الزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك } فدعاني فقرأها علي وقال : لا تنكحها .  رواه الترمذي ( 3117 ) وأبو داود ( 2051 ) و النسائي ( 3228 ) وصحيح أبي داود ( 1806 ) .

قوله تعالى : { فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان } .

قال ابن العربي :

قوله تعالى : { محصنات غير مسافحات } : يعني عفائف غير زانيات ، وقد استدل بها من حرَّم نكاح الزانية , وهو الحسن البصري , وقال : إنه شرط في النكاح الإحصان ، وهو العفّة . ” أحكام القرآن ” ( 1 / 514 ) .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية :

وكذلك { والمحصنات من المؤمنات } : الحرائر ، وعن ابن عباس : هنّ العفائف ، فقد نقل عن ابن عباس تفسير { المحصنات } بالحرائر ، وبالعفائف ، وهذا حق .

فنقول مما يدل على ذلك قوله تعالى : { يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه واتقوا الله إن الله سريع الحساب . اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين } .

”  المحصنات ” قد قال أهل التفسير : هن العفائف ، هكذا قال الشعبي والحسن والنخعي والضحاك والسدي ، وعن ابن عباس : هن الحرائر ، ولفظ ” المحصنات ” إن أريد به ” الحرائر ” فالعفة داخلة في الإحصان بطريق الأولى ; فإن أصل المحصنة هي العفيفة التي أحصن فرجها ، قال الله تعالى : { ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها } ، وقال تعالى : { إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات } وهن العفائف ، قال حسان بن ثابت :

حصان رزان ما تزن بريبة    وتصبح غرثى من لحوم الغوافل

ثم عادة العرب أن الحُرّة عندهم لا تُعرف بالزنا ; وإنما تعرف بالزنا الإماء ، ولهذا ” لما بايع النبي صلى الله عليه وسلم هند امرأة أبي سفيان على ألا تزني قالت : أَوَتَزْني الحُرّة ؟ ” ، فهذا لم يكن معروفاً عندهم ، والحرة خلاف الأمَة ، صارت في عرف العامَّة أن الحرة هي العفيفة ; لأن الحرة التي ليست أمَة كانت معروفة عندهم بالعفة ، وصار لفظ ” الإحصان ” يتناول الحرية مع العفة ; لأن الإماء لم تكن عفائف ، وكذلك ” الإسلام ” هو ينهى عن الفحشاء والمنكر ، وكذلك المرأة المتزوجة زوجها يحصنها لأنها تستكفي به ولأنه يغار عليها ، فصار لفظ ” الإحصان ” يتناول : الإسلام والحرية والنكاح ، وأصله إنما هو العفة ; فإن العفيفة هي التي أحصن فرجها من غير صاحبها كالمحصن الذي يمتنع من غير أهله ، وإذا كان الله إنما أباح من المسلمين وأهل الكتاب نكاح المحصنات ” والبغايا ” لسن محصنات : فلم يبح الله نكاحهن .

”  مجموع الفتاوى ” ( 32 / 121 ، 122 ) .

 

* واستدل ابن القيم لصحة تفسير الإحصان هنا بالعفة بوجوه :

أحدها : أن الحرية ليست شرطاً في نكاح المسلمة .

الثاني : أنه ذكر الإحصان في جانب الرجل كما ذكره في جانب المرأة ، فقال : { إذا آتيتموهن أجورهن محصنين } ، وهذا إحصان عفة بلا شك ، فكذلك الإحصان المذكور في جانب المرأة .

الثالث : أنه سبحانه ذكر الطيبات من المطاعم والطيبات من المناكح ، فقال تعالى : { اليوم أُحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب… } الآية ، والزانية خبيثة بنص القرآن ، والله سبحانه وتعالى حرَّم على عباده الخبائث من المطاعم والمشارب والمناكح ، ولم يبح لهم إلا الطيبات ، وبهذا يتبين بطلان قول من أباح تزوج الزواني .

– وقد بينّا بطلان هذا القول من أكثر من عشرين وجهاً في غير هذا الكتاب .

”  أحكام أهل الذمة ” ( 2 / 419 ) .

 

ثالثاً :

أدلة المجوِّزين :

عن ابن عباس قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إن عندي امرأة هي من أحب الناس إليَّ ، وهي لا تمنع يد لامسٍ ، قال : طلِّقها ، قال : لا أصبر عنها ، قال : استمتع بها . رواه النسائي ( 3229 ) ، وأبو داود ( 2049 ) .

-عموم قوله تعالى  – بعد تعداد المحرَّمات من النساء – { وأحل لكم ما وراء ذلكم } .

قالوا : وهو شامل بعمومه الزانية والعفيفة .

عموم قوله تعالى { وأنكحوا الأيامى منكم } .

قالوا : وهو شامل بعمومه الزانية والعفيفة .

وقد قالوا بتأويل وادعاء نسخ آية ” النور ” .

 

رابعاً :

الرد على المبيحين .

وأما الذين خالفوا في وجه الاستدلال بالآية  : فقد ذكروا لها تأويلاً ونسخاً :

– أما التأويل : فقالوا : إن المراد بالنكاح : الوطء .

– وقالوا في النسخ : نسخها قوله تعالى : { وأنكحوا الأيامى منكم } .

وممن قال به : سعيد بن المسيب والشافعي .

– وقد ردَّ شيخ الإسلام  – رحمه الله  على تأويلهم الآية بأن المراد به الوطء فقال :

والذين لم يعملوا بهذه الآية ذكروا لها تأويلا ونسخا :

أما التأويل : فقالوا : المراد بالنكاح الوطء ، وهذا مما يظهر فساده بأدنى تأمل .

أما ” أولا ” : فليس في القرآن لفظ ” نكاح ” إلا ولا بدّ أن يُراد به العقد ، وإن دخل فيه الوطء أيضاً ، فأما أن يراد به مجرد الوطء : فهذا لا يوجد في كتاب الله قط .

 وثانيها ” : أن سبب نزول الآية : إنما هو استفتاء النبي صلى الله عليه وسلم في التزوج بزانية فكيف يكون سبب النزول خارجاً من اللفظ ؟ ! .

الثالث ” : أن قول القائل ” الزاني لا يطأ إلا زانية ” ، أو ” الزانية لا يطؤها إلا زان ” : كقوله : ” الآكل لا يأكل إلا مأكولاً ، والمأكول لا يأكله إلا  آكل ، والزوج لا يتزوج إلا بزوجة ، والزوجة لا يتزوجها إلا زوج ” ; وهذا كلام ينزه عنه كلام الله .

 الرابع ” : أن الزاني قد يَستكره امرأةً فيطؤها فيكون زانياً ولا تكون زانيةً ، وكذلك المرأة قد تزني بنائمٍ ومكرَه – على أحد القولين – ولا يكون زانياً .

 الخامس ” : أن تحريم الزنا قد علمه المسلمون بآيات نزلت بمكة ، وتحريمه أشهر من أن تنزل هذه الآية بتحريمه .

 السادس ” : قال : { لا ينكحها إلا زان أو مشرك } فلو أريد الوطء لم يكن حاجة إلى ذكر المشرك فإنه زان ، وكذلك المشركة إذا زنى بها رجل فهي زانية ، فلا حاجة إلى التقسيم .

 السابع ” : أنه قد قال قبل ذلك : { الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة } فأي حاجة إلى أن يذكر تحريم الزنا بعد ذلك .

 ” مجموع الفتاوى ” ( 32 / 113 ، 114 ) .

وقد ردَّ عليهم  – رحمه الله  في قولهم بالنسخ ، فقال :

وأما ” النسخ ” فقال سعيد بن المسيب وطائفة : نسخها قوله : { وأنكحوا الأيامى منكم } ، … وقول من قال : هي منسوخة بقوله : { وأنكحوا الأيامى منكم } : في غاية الضعف ; فإن كونها زانية وصف عارض لها يوجب تحريماً عارضاً : مثل كونها محرمة ومعتدّة ومنكوحة للغير ; ونحو ذلك مما يوجب التحريم إلى غاية ، ولو قدر أنها محرمة على التأبيد لكانت كالوثنية ومعلوم أن هذه الآية لم تتعرض للصفات التي بها تحرم المرأة مطلقا أو مؤقتا ; وإنما أمر بإنكاح الأيامى من حيث الجملة ; وهو أمر بإنكاحهن بالشروط التي بينها وكما أنها لا تنكح في العدة والإحرام لا تنكح حتى تتوب .  

”  مجموع الفتاوى ” ( 32 / 114 ، 115 ) .

وقال ابن القيم :

ولا يخفى أن دعوى النسخ للآية بقوله { وأنكحوا الأيامى منكم } : مِن أضعف ما يقال ، وأضعف منه : حمل النكاح على الزنى . ” زاد المعاد ” ( 5 / 114 ) .

وقال الشنقيطي  رحمه الله – :

وأما قول سعيد بن المسيب والشافعي بأن آية { الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة } منسوخة بقوله { وأنكحوا الأيامى منكم } : فهو مستبعد ؛ لأن المقرر في أصول الشافعي ومالك وأحمد هو أنه لا يصح نسخ الخاص بالعام ، وأن الخاص يقضي على العام مطلقاً ، سواء تقدم نزوله عنه أو تأخر ، ومعلوم أن آية { وأنكحوا الأيامى منكم } الآية أعم مطلقا من آية { الزاني لا ينكح إلا زانية } الآية ، فالقول بنسخها ممنوع على المقرر في أصول الأئمة الثلاثة المذكورين ..” أضواء البيان” ( 6 / 81 ).

 

 

خامساً :

وأما ما استدلوا به من حديث ” لا ترد يد لامس ” : فقد ردَّ عليهم به شيخ الإسلام ابن تيمية ، فقال :

وقد احتجوا بالحديث الذي فيه : ” إن امرأتي لا ترد يد لامس ، فقال : طلِّقها ، فقال : إني أحبها ، قال : فاستمتع بها ” الحديث ، رواه النسائي ، وقد ضعَّفه أحمد وغيره فلا تقوم به حجة في معارضة الكتاب والسنة ; ولو صح لم يكن صريحا ; فإن من الناس من يؤول ” اللامس ” بطالب المال ; لكنه ضعيف . لكن لفظ ” اللامس ” قد يراد به من مسها بيده وإن لم يطأها فإن من النساء من يكون فيها تبرج وإذا نظر إليها رجل أو وضع يده عليها لم تنفر عنه ، ولا تمكنه من وطئها ، ومثل هذه نكاحها مكروه ; ولهذا أمره بفراقها ولم يوجب ذلك عليه ; لما ذكر أنه يحبها ; فإن هذه لم تزن ولكنها مذنبة ببعض المقدمات ; ولهذا قال : لا ترد يد لامس : فجعل اللمس باليد فقط ولفظ ” اللمس والملامسة ” إذا عني بهما الجماع لا يخص باليد بل إذا قرن باليد فهو كقوله تعالى : { ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم } .

وأيضاً : فالتي تزني بعد النكاح ليست كالتي تتزوج وهي زانية ; فإن دوام النكاح أقوى من ابتدائه .  ”  مجموع الفتاوى ” ( 32 / 116 ) .

 

سادساً :

معنى قوله تعالى { الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة } :

قال شيخ الإسلام ابن تيمية : فإن قيل : فقد قال : { الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة } ؟ قيل : هذا يدل على أن الزاني الذي لم يتب لا يجوز أن يتزوج عفيفة كما هو إحدى الروايتين عن أحمد ، فإنه إذا كان يطأ هذه وهذه وهذه كما كان : كان وطؤه لهذه من جنس وطئه لغيرها من الزواني ، وقد قال الشعبي : من زوَّج كريمته من فاجر فقد قطع رحمها .

و ” أيضاً ” : فإنه إذا كان يزني بنساء الناس كان هذا مما يدعو المرأة إلى أن تمكن منها غيره كما هو الواقع كثيراً ، فلم أر من يزني بنساء الناس أو ذكران إلا فيحمل امرأته على أن تزني بغيره مقابلة على ذلك ومغايظة .

و ” أيضاً ” : فإذا كان عادته الزنا استغنى بالبغايا فلم يكف امرأته في الإعفاف فتحتاج إلى الزنا . 

و ” أيضاً ” : فإذا زنى بنساء الناس طلب الناس أن يزنوا بنسائه كما هو الواقع ، فامرأة الزاني تصير زانية من وجوه كثيرة ، وإن استحلت ما حرَّمه الله كانت مشركة ; وإن لم تزن بفرجها زنت بعينها وغير ذلك ، فلا يكاد يعرف في نساء الرجل الزناة المصرّين على الزنا الذين لم يتوبوا منه امرأة سليمة سلامة تامة ، وطبع المرأة يدعو إلى الرجال الأجانب إذا رأت زوجها يذهب إلى النساء الأجانب …

فقوله : { الزاني لا ينكح إلا زانية } إما أن يراد أن نفس نكاحه ووطئه لها زنا ، أو أن ذلك يفضي إلى زناها ، وأما الزانية : فنفس وطئها مع إصرارها على الزنا زنا .

 ” مجموع الفتاوى ” ( 32 / 120 ، 121 ) .

 

سابعاً :

معنى : { والزانية لا ينكحها إلا زانٍ أو مشرك } :

قال شيخ الإسلام ابن تيمية :

المتزوج بها إن كان مسلماً فهو زانٍ ، وإن لم يكن مسلماً فهو كافر ، فإن كان مؤمناً بما جاء به الرسول من تحريم هذا وفعله فهو زانٍ ; وإن لم يكن مؤمناً بما جاء به الرسول فهو مشرك ، كما كانوا عليه في الجاهلية كانوا يتزوجون  البغايا ، يقول : فإن تزوجتم بهن كما كنتم تفعلون من غير اعتقاد تحريم ذلك فأنتم مشركون وإن اعتقدتم التحريم فأنتم زناة ؛ لأن هذه تمكن من نفسها غير الزوج من وطئها فيبقى الزوج يطؤها كما يطؤها أولئك ، وكل امرأة اشترك في وطئها رجلان فهي زانية ; فإن الفروج لا تحتمل الاشتراك ; بل لا تكون الزوجة إلا محصنة ، ولهذا لما كان المتزوج بالزانية زانياً كان مذموماً عند الناس ; وهو مذموم أعظم مما يذم الذي يزني بنساء الناس .

 ” مجموع الفتاوى ” ( 32 / 116 ، 117 ) .

 

ثامناً :

والخلاصة :

قال ابن القيم :

وأما نكاح الزانية فقد صرح الله سبحانه وتعالى بتحريمه في سورة النور ، وأخبر أن من نكحها فهو إما زانٍ أو مشرك ، فإنه إما أن يلتزم حكمه سبحانه ويعتقد وجوبه عليه أو لا ، فإن لم يلتزمه ولم يعتقده : فهو مشرك ، وإن التزمه واعتقد وجوبه وخالفه : فهو زان ، ثم صرح فقال :

{ وحُرِّم ذلك على المؤمنين } [ النور / 3 ] ، ولا يخفى أن دعوى نسخ للآية بقوله { وأنكحوا الأيامى منكم } [ النور / 34 ] من أضعف ما يقال ، وأضعف منه حمل النكاح على الزنى ، إذ يصير معنى الآية ” الزاني لا يزني إلا بزانية أو مشركة ،

والزانية لا يزني بها إلا زان أو مشرك ” ، وكلام الله ينبغي أن يصان عن مثل هذا . 

”  زاد المعاد ” ( 5 / 114 ) .

وقال ابن قدامة :

وإذا زنت المرأة لم يحل لمن يعلم ذلك نكاحها إلا بشرطين :

أحدهما : انقضاء عدتها ، فإن حملت من الزنا فقضاء عدتها بوضعه ، ولا يحل نكاحها قبل وضعه … .

والشرط الثاني : أن تتوب من الزنا …

وقال : وإذا وجد الشرطان حلَّ نكاحها للزاني وغيره في قول أكثر أهل العلم ، منهم أبو بكر وعمر وابنه وابن عباس وجابر وسعيد بن المسيب وجابر بن زيد وعطاء والحسن وعكرمة والزهري والثوري والشافعي وابن المنذر وأصحاب الرأي .

”  المغني ” ( 7 / 108 ، 109 ) .

ومن استدل بعموم { وأنكحوا الأيامى منكم } وقوله { وأحل لكم ما وراء ذلكم } فيرد عليه بما نقلنا عن الشنقيطي  – رحمه الله  – بأن الخاص يقضي على العام .

 

والله أعلم.

 

حكم الملَكية والديمقراطية

حكم الملَكية والديمقراطية

السؤال:

في هذه الظروف الخاصة وحالة المسلمين مع رؤسائهم الذين يبررون للكفار ما يفعلون ، أود أن أعرف حكم الملَكية والديمقراطية في الإسلام ، كما أرجو أن توضح لي معنى الحديث الذي لا أحفظه بالضبط ” سيكون بعدي خلافة راشدة على منهج السنة ثم سيكون ملكية ثم سيكون بعدها مأساة بعدها مأساة بعدها مأساة ثم سيكون بعدها خلافة راشدة على منهج السنة ”  هل هذا الحديث صحيح ؟ وما هو دورنا كشباب في هذا الوقت ؟ .

 

الجواب:       

الحمد لله

أولاً :

الديمقراطية تعني أن مصدر التشريع والتحليل والتحريم هو الشعب وليس الله ، ويتم ذلك عن طريق اختيار الشعب لممثلين ينوبون عنه في مهمة التشريع وسن القوانين ، فهي باختصار ” حكم الشعب للشعب ” .

ولا شك أن هذا النظام هو أحد صور الشرك الحديثة .

جاء في ” موسوعة الأديان والمذاهب المعاصرة ” ( 2 / 1066 ، 1067 ) :

– ديمقراطية نيابية :

أحد مظاهر النظم الديمقراطية التي يمارس فيها الشعب مظاهر السيادة بواسطة مجلس منتخب من نواب من الشعب ، وفيها يحتفظ الشعب بحق التدخل المباشر لممارسة بعض مظاهر السيادة عن طريق وسائل مختلفة ، أهمها :

  1. حق الاقتراع الشعبي : بأن يقوم عدد من أفراد الشعب بوضع مشروع للقانون مجملاً أو مفصَّلاً ، ثم يناقشه المجلس النيابي ويصوِّت عليه .
  2. حق الاستفتاء الشعبي : بأن يُعرض القانون بعد إقرار البرلمان له على الشعب ليقول كلمته فيه .
  3. حق الاعتراض الشعبي : وهو حق لعدد من الناخبين يحدده الدستور للاعتراض في خلال مدة معينة من صدوره ، ويترتب على ذلك عرضه على الشعب في استفتاء عام ، فإن وافق عليه نُفِّذ وإلا بطل ، وبه تأخذ معظم الدساتير المعاصرة .

ولا شك في أن النظم الديمقراطية أحد صور الشرك الحديثة في الطاعة والانقياد أو في التشريع ، حيث تُلغى سيادة الخالق –  سبحانه وتعالى –  وحقه في التشريع المطلق ، وفي توجيه الخطاب المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاء أو تخييراً أو وضعاً ، وتجعلها من حقوق المخلوقين ، والله تعالى يقول : { مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } [ يوسف / 40 ] ، ويقول تعالى : { إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ } [ الأنعام / 57].

وفي هذا يقول الدكتور صلاح الصاوي في ” الثوابت والمتغيرات ” :

”  فإن هذا الأمر لا يكون إلا لله وحده ، لا يشاركه فيه أحد ، كما قال تعالى : { مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } [ يوسف / 40 ] ، وهذه النقطة تمثل مفترق الطرق بين المنهج الإسلامي والمناهج العلمانية المعاصرة التي فصلت الدولة عن الدين ، ونقلت مصدرية الأحكام والتشريعات إلى الأمة ، تمارسها من خلال نوابها في المجالس النيابية ، بحيث تستطيع بهذه السلطة أن تحل ما تشاء ، وأن تحرِّم ما تشاء ، لا سلطان عليها في ذلك لأحد ، ولا رقابة عليها من أحد .

أما سلطة الإسلام في الإسلام في تدور في فلك سيادة الشريعة ، وليس لها –  ولو اجتمعت في صعيد واحد –  أن تحلَّ شيئاً مما حرَّم الله ، أو أن تحرِّم شيئاً مما أحلَّ الله ، أو أن تشرع شيئاً من الدين مما لم يأذن به الله ” ( ص 237 ) . انتهى.

 

ثانياً :

وأما نظام ” الملكية ” في الحكم : فهو نظام شرعي وهو ولاية العهد المعروفة في التاريخ الإسلامي ، فقد ثبت أن أبا بكر رضي الله عنه قد عهد بالخلافة لعمر بن الخطاب ، وعهد عمر بها إلى أهل الشورى ، لكن ” الملَكية ” ولاية عهد خاصة بذرية وأقرباء الخليفة ، فمن حيث ولاية العهد ذاتها فليس بها بأس ، ومن حيث الاختيار فالواجب على من ولاَّه الله أمر المسلمين أن يختار أصلح الناس ليتولى بعده زمام المسئولية ، أما جعلها في الذرية والأقرباء حتى مع عدم صلاحيتهم للخلافة فهو غش للمسلمين ، ولا يعني هذا أنه لا يتم له الأمر ، بل الواجب السمع والطاعة بالمعروف .

وولاية العهد للأصلح أفضل من جعل مرجع الاختيار لعامة الناس أو لخاصتهم ، خاصة في أزمنةٍ يكثر فيها حب التسلط والفتن للوصول إلى الحكم ، فتكون ولاية العهد طريقاً لدفع شرورٍ ، وحقن دماء المسلمين .

 

 

قال الماوردي :

– والإمامة تنعقد من وجهين :

أحدهما : باختيار أهل العقد والحل .

والثاني : بعهد الإمام من قبل .

فأما انعقادها باختيار أهل الحل والعقد : فقد اختلف العلماء في عدد من تنعقد به الإمامة منهم على مذاهب شتى ; فقالت طائفة لا تنعقد إلا بجمهور أهل العقد والحل من كل بلد ليكون الرضاء به عاما والتسليم لإمامته إجماعا , وهذا مذهب مدفوع ببيعة أبي بكر رضي الله عنه على الخلافة باختيار من حضرها ولم ينتظر ببيعته قدوم غائب عنها…

فإذا اجتمع أهل العقد والحل للاختيار تصفحوا أحوال أهل الإمامة الموجودة فيهم شروطها فقدموا للبيعة منهم أكثرهم فضلا وأكملهم شروطا ومن يسرع الناس إلى طاعته ولا يتوقفون عن بيعته , فإذا تعين لهم من بين الجماعة من أداهم الاجتهاد إلى اختياره عرضوها عليه , فإن أجاب إليها بايعوه عليها وانعقدت ببيعتهم له الإمامة فلزم كافة الأمة الدخول في بيعته والانقياد لطاعته , وإن امتنع من الإمامة ولم يجب إليها لم يجبر عليها لأنها عقد مراضاة واختيار لا يدخله إكراه ولا إجبار , وعدل عنه إلى من سواه من مستحقيها…

وأما انعقاد الإمامة بعهد من قبله فهو مما انعقد الإجماع على جوازه ووقع الاتفاق على صحته لأمرين عمل المسلمون بهما ولم يتناكروهما أحدهما : أن أبا بكر رضي الله عنه عهد بها إلى عمر رضي الله عنه فأثبت المسلمون إمامته بعهده . والثاني : أن عمر رضي الله عنه عهد بها إلى أهل الشورى فقبلت الجماعة دخولهم فيها وهم أعيان العصر اعتقادا لصحة العهد بها وخرج باقي الصحابة منها …

وإذا عهد الإمام بالخلافة إلى من يصح العهد إليه على الشروط المعتبرة فيه : كان العهد موقوفاً على قبول المولى …

ولو عهد الخليفة إلى اثنين أو أكثر ورتب الخلافة فيهم فقال الخليفة بعدي فلان فإن مات فالخليفة بعد موته فلان فإن مات فالخليفة بعده فلان جاز وكانت الخلافة متنقلة إلى الثلاثة على ما رتبها , فقد ” استخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم على جيش مؤتة زيد بن حارثة وقال فإن أصيب فجعفر بن أبي طالب فإن أصيب فعبد الله بن رواحة فإن أصيب فليرتض المسلمون رجلا فتقدم زيد فقتل فأخذ الراية جعفر وتقدم فقتل فأخذ الراية عبد الله بن رواحة فتقدم فقتل فاختار المسلمون بعده خالد بن الوليد ” مسند الإمام أحمد ( 22045 ) ، وصححه الشيخ الألباني في تعليقه على فقه السيرة ص 365, وإذ فعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في الإمارة جاز مثله في الخلافة . فإن قيل هي عقد ولاية على صفة وشرط والولايات لا يقف عقدها على الشروط والصفات . قيل هذا من المصالح العامة التي يتسع حكمها على أحكام العقود الخاصة , فقد عمل بذلك في الدولتين من لم ينكر عليه أحد من علماء العصر , هذا سليمان بن عبد الملك عهد إلى عمر بن عبد العزيز ثم بعده إلى يزيد بن عبد الملك . ولئن لم يكن سليمان حجة فإقرار من عاصره من علماء التابعين ومن لا يخافون في الحق لومة لائم هو الحجة ; وقد رتبها الرشيد رضي الله عنه في ثلاثة من بنيه في الأمين ثم المأمون ثم المؤتمن عن مشورة من عاصره من فضلاء العلماء .

”  الأحكام السلطانية ” للماوردي ( 8 – 16 ) مختصراً .

وأول ملِك للمسلمين هو معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه ، وقد عهد بالولاية من بعده لابنه يزيد ، فحفظ الله تعالى بفعله هذا دماء المسلمين من فتنٍ عظيمة ، وكان فعله هذا سبباً في اجتماع كلمة المسلمين ، حتى سمي عام خلافته ” عام الجماعة ” .

قال الربيع بن نافع : معاوية سِتر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فإذا كشف الرجل الستر : اجترأ على ما وراءه .  ” مختصر تاريخ دمشق ” ( 25 / 74 ) .

وقال الإمام أحمد – كما في ” طبقات الحنابلة ” – وقد سئل : نصلي خلف من يشتم معاوية ؟ قال : لا ، ولا كرامة .

وقد عقد ابن كثير في كتابه ” البداية والنهاية ” فصلاً كاملاً في فضائله وثناء السلف عليه من الصحابة والتابعين ، وكذلك فعل الإمام الذهبي في ” سير أعلام النبلاء ” ، وقد عقد البخاري باباً في فضائله في صحيحه ، وكذلك الترمذي في سننه .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

 وفضائل معاوية في حسن السيرة والعدل والإحسان كثيرة ، وفي الصحيح أن رجلا قال لابن عباس : هل لك في أمير المؤمنين معاوية ، إنه أوتر بركعة ، قال : أصاب ، إنه فقيه .  رواه البخاري ( 3554 ) .

* وقد سئل عبد الله بن المبارك، أيهما أفضل: معاوية بن أبي سفيان ، أم عمر بن عبد العزيز؟.  

فقال : والله إن الغبار الذي دخل في أنف معاوية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل من عمر بألف مرة ، صلى معاوية خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : سمع الله لمن حمده ، فقال معاوية : ربنا ولك الحمد ، فما بعد هذا ؟ .

 ” وفيات الأعيان ” لابن خلكان ( 3 / 33 ) ، وبلفظ قريب منه عند الآجري في كتابه ” الشريعة ” ( 5 / 2466 ) .

وللمؤرخ العلامة ابن خلدون رأيٌ سديد في اعتبار معاوية من الخلفاء الراشدين فقد قال :

إن دولة معاوية وأخباره كان ينبغي أن تلحق بدول الخلفاء الراشدين وأخبارهم ، فهو تاليهم في الفضل ، والعدالة ، والصحبة .

– انظر هذا القول في ” العواصم من القواصم ” ( ص 213 ) .  

وعليه : فالمُلك بحد ذاته ليس طعناً في صاحبه ، لكن ما يحصل فيه من ظلم وتعدٍّ ، وما يحصل من ولاية للعهد لمن لا يستحقه هو المنكر في هذا الأمر .

* واختصاص الملوك أبناءهم وقراباتهم بالولاية والعهد له أسباب .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية :

– فإن عادة الملوك : إيثار أقاربهم بالولايات لوجوه :

أحدها : محبتهم لأقاربهم أكثر من الأجانب ؛ لما في الطباع من ميل الإنسان إلى قرابته .

والثاني : لأن أقاربهم يريدون إقامة ملكهم ما لا يريده الأجنبي ؛ لأن في عزِّ قريب الإنسان عزٌّ لنفسه ، ومن لم يكن له أقارب من الملوك استعان بممالكه ومواليه فقرَّبهم واستعان بهم ، وهذا موجود في ملوك المسلمين والكفار .

ولهذا لما كان ملوك بني أمية وبني العباس ملوكاً : كانوا يريدون أقاربهم ومواليهم بالولايات أكثر من غيرهم ، وكان ذلك مما يقيمون به ملكهم .

وكذلك ملوك الطوائف كبني بويه وبني سلجق وسائر الملوك بالشرق والغرب ، والشام واليمن ، وغير ذلك .

وهكذا ملوك الكفار من أهل الكتاب والمشركين ، كما يوجد في ملوك الفرنج وغيرهم ، وكما يوجد في آل جنكشخان بأن الملوك تبقى في أقارب الملك ، ويقولون : هذا من العظم ، وهذا ليس من العظم ، أي : من أقارب الملك .

 ” منهاج السنة ” ( 7 / 466 ) .

ثالثاً :

وأما الحديث المذكور في السؤال :

عن النعمان بن بشير قال : كنَّا قعوداً في المسجد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم – وكان بشير رجلا يكفُّ حديثه – فجاء أبو ثعلبة الخشني فقال : يا بشير بن سعد أتحفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأمراء ؟ فقال حذيفة : أنا أحفظ خطبته ، فجلس أبو ثعلبة ، فقال حذيفة : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ، فتكون ما شاء الله أن تكون ، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها ، ثم تكون ملكا عاضّاً ، فيكون ما شاء الله أن يكون ، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ، ثم تكون ملكا جبرية ، فتكون ما شاء الله أن تكون ، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ” . رواه أحمد ( 30 / 355 ) وحسَّنه الشيخ الألباني في ” السلسلة الصحيحة ” ( 5 ) .

– ومعنى يكف حديثه : أي : يجمعه ويضمه ، وليس بجريء اللسان .

 

والله أعلم.

 

حكم لعبة الدومينو؟ وحكم من يلعب بها في مسجد طيلة الليل ولا يصلي الفجر!.

حكم لعبة “الدومينو”، وحكم من يلعب بها في مسجد طيلة الليل ولا يصلي الفجر!

السؤال:

ما حكم لعبة ” الدومينو ” ؟ هل هو جائز ، أم مكروه ، أم حرام ؟ .

أصبحت هذه اللعبة قضية يدور حولها الجدل هنا في مدينة ” نيويورك ” حيث يجتمع بعض الشباب بعد صلاة العشاء ، ويبدؤون باللعب داخل المسجد ! حتى الصباح ، ثم يغادرون قبل صلاة الفجر ، ولا يشهدون الجماعة ! وقد أصبحت هذه ظاهرة متكررة منهم ، بالإضافة إلى أنهم يستخدمون كهرباء المسجد ، والثلاجة ، وغيره من الممتلكات أثناء مكوثهم ، كل ذلك دون إذن من الإمام ، وعندما أخبرهم بخصوص ذلك هددوا بأنهم سيهجرون المسجد ، وينفصلون عنه . فما رأيكم ؟.

 

الجواب:

          الحمد لله

أولاً:

لعبة الدومينو – وتسمَّى ” الضومنة – عرَّفها الأستاذ على حسين أمين يونس بقوله: ” هي حجارة مستطيلة ملساء مستوية على أحد أوجهها خط يفصلها من النصف، على كل جهة مجموعة النقاط ، ليأخذ كل لاعب مجموعة منها ، بحيث ترمى ، أو تقلب على الوجه الخاوي من النقاط ، ليأخذ كل لاعب مجموعة منها ، ثم يرتبونها بطريقة معينة ، ليفوز أحدهم بالحظ كالنرد تقريباً ، وتمارَس على قمار غالباً ” .

” الألعاب الرياضية ، أحكامها ، وضوابطها في الفقه الإسلامي ” ( ص 269 ) .

وهذه صورة تلك الأحجار لمن يرغب رؤيتها :

http://file14.9q9q.net/preview/44272342/domeno.jpg.html

 

ثانياً:

تقدم لنا التفصيل في حكم الألعاب ، وأنها تنقسم إلى قسمين : ألعاب مُعِيْنة على الجهاد في سبيل الله ، وألعاب لا تُعين على الجهاد ، وهي نوعان  : ألعاب ورد النص بالنهي عنها ، كاللعب التي يستعمل فيها حجر ” النرد ” .

الضرب الثاني : ألعاب غير مشتملة على محرّم ، ولا تؤدي في الغالب إليه ، كأكثر ما نشاهده من الألعاب ، فهذه تجوز بالقيود الآتية :

الأول : خلوُّها من القمار ، وهو الرهان بين اللاعبين .

الثاني : ألا تكون صادَّةً عن ذكر الله الواجب ، وعن الصلاة ، أو أي طاعة واجبة ، مثل برّ الوالدين .

الثالث : ألا تستغرق كثيراً من وقت اللاعب ، فضلاً عن أن تستغرق وقته كلّه . 

ثالثاً:

وقد صحَّ نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن اللعب بالنرد , ولذا كانت كلمة أكثر أهل العلم على تحريم اللعب بها ، وقد قال بعض الشافعية بالكراهة ، وردَّ عليهم من أئمة المذهب ، ورجحوا – تبعاً لأكثر العلماء – القول بالتحريم .

* ففي ” الموسوعة الفقهية ” ( 40 / 224 ، 225 ) :

اللعب بالنرد حرام عند جمهور الفقهاء – المالكية والحنابلة ، والصحيح عند الشافعية ورأي لبعض الحنفية ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : ( مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدَشِيرِ فَكَأَنَّمَا صَبَغَ يَدَهُ فِي لَحْمِ خِنْزِيرٍ وَدَمِهِ ) – رواه مسلم – ، ولقوله : ( مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدِ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ ) – رواه أبو داود وابن ماجه ، وهو حديث حسن – .

ويُكره تحريماً عند الحنفية ؛ للحديث السابق ، ولأنه إن قامر به : فالميسر حرام بالنص ، وإن لم يقامر : فهو عبث ولهو ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لَيْسَ مِنَ اللَّهْوِ إِلاَّ ثَلاَثٌ : تَأْدِيبُ الرَّجُل فَرَسَهُ ، وَمُلاَعَبَتُهُ أَهْلَهُ ، وَرَمْيُهُ بِقَوْسِهِ وَنَبْلِهِ ) – رواه أبو داود والنسائي ، وإسناده ضعيف ، لكن له شواهد – .

وعلل الشافعية التحريم بأن معتمده الحزر ، والتخمين المؤدي إلى غاية من السفاهة ، والحمق  .

قال الرافعي : ويقاس على الشطرنج ، والنرد كل ما في معناه من أنواع اللهو : فكل ما معتمده الحساب كالمنقلة حفرٌ ، أو خطوط ينقل منها ، وإليها حصي بالحساب : لا يحرم ، وكل ما معتمده التخمين : يحرم ، النرد ونحوه ، والنرد موضوعه ما يخرجه الكعبان: أي: الحصى، فهو كالأزلام، ومقابل الصحيح عند الشافعية أنه يكره. انتهى.

قال الماوردي – رحمه الله – :

ولا يختلف مذهب الشافعي أن النرد أغلظ في المنع من الشطرنج ، وصرح فيها بالكراهة ، واختلف أصحابه ، هل هي كراهة تحريم أم كراهة تنزيه ؟ فذهب بعضهم إلى أنها كراهة تنزيه وتغليظ ، ترد به الشهادة وإن لم تحرم ، وذهب أكثرهم – وهو الصحيح – إلى أنها كراهة تحريم توجب فسق اللاعب بها ، ورد شهادته  .

” الحاوي الكبير ” ( 17 / 187 ) .

 

 

رابعاً:

لعبة ” الدومينو ” قائمة على الحظ في ابتداء لعبها ، وذلك بالتوزيع العشوائي لكعابها ، ثم تقوم على الحظ في أكثر شأنها أثناء اللعب ؛ لأن اللاعب عندما يلصق حجر الدمينو بما يشبهه من جهة فإنه لا يتحكم في النصف الآخر منه ، فهذا جانب الحظ ، وهكذا الأمر بالنسبة للاعب المقابل له .

ومن هنا فإن ” الدومينو ” تقوم على الحظ غالباً ، ولا ينبغي إنكار أن فيها شيئاً من الذكاء ، لكنه نادر ، والحكم إنما هو للغالِب .

ولذلك عرَّف الدكتور عبد الله الناصر – وفقه الله – اللعبة بقوله :

الضومنة : وهي لعبة مكونة من مجموعة قطع مستطيلة , يلعب بها ألعاب متعددة غالبها معتمد على الحظ والصدفة . ” الضوابط العامة في مجال السبق وتطبيقاتها المعاصرة ” ( ص 23 ) – ترقيم الشاملة – .

وكل ما كان من الألعاب قائماً على الحظ – ولو غالباً – : فله حكم اللعب بـ ” النرد ” ، ولا ينبغي الاختلاف في تحريمه ، وقد صح النهي عنه في صريح السنَّة وصحيحها ، كما لا ينبغي تعليق التحريم على اللعب على مال ، بل النرد من الميسر ، والميسر محرَّم لذاته .

قال الشيخ الألباني – رحمه الله – :

وأخرج الآجرِّي والبيهقى عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يقول : ” النرد من الميسر ” . وإسناده صحيح . ” إرواء الغليل ” ( 8 / 427 ) .

قال أبو بكر الآجرِّي – رحمه الله – :

واللاعبُ بهذه النرد من غيرِ قمارٍ : عاصٍ للهِ عز وجل ، يجبُ عليه أن يتوبَ إلى الله عز وجل من لهوه بها ، فإن لعب بها ، وقامر : فهو أعظمُ ؛ لأنه أكل الميسر ، وهو القمارُ ، وقد نهى اللهُ عز وجل عن الميسرِ ، واللعبُ بالنردِ فهو من الميسر لا يختلفُ العلماءُ فيه ” . ” تحريم النردِ والشطرنج والملاهي ” ( ص 53 ) .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – :

فالميسر محرَّم بالنص ، والإجماع ، ومنه : اللعب بالنرد ، والشطرنج ، وما أشبهه ، مما يصد عن ذكر الله ، وعن الصلاة ، ويوقع العداوة والبغضاء ، فإن كان بعوض : حرم إجماعاً ، وإن لم يكن بعِوَض : ففيه نزاع عند الصحابة ، وجمهور العلماء ، كمالك ، وأبي حنيفة ، وأحمد ، ونص الشافعي : على تحريم النرد وإن كان بلا عوض ، وتوقف في الشطرنج ، ومنهم من أباح النرد الخالي عن العوض ؛ لما ظنوا أن الله حرم الميسر لأجل ما فيه من المخاطرة المتضمنة أكل المال بالباطل ، فقالوا : إذا لم يكن فيه أكل مال بالباطل : زال سبب التحريم .

وأما الجمهور فقالوا : إن تحريم الميسر مثل تحريم الخمر ؛ لاشتماله على الصدِّ عن ذكر الله ، وعن الصلاة ، ولإلقائه العداوة والبغضاء ، ومنعه عن صلاح [ ذات ] البيْن الذي يحبه الله ورسوله ، وإيقاعه اللاعبين في الفساد الذي يبغضه الله ورسوله ، واللعب بذلك يلهي القلب ، ويشغله ، ويغيب اللاعب به عن مصالحه أكثر مما يفعله الخمر ؛ ففيها ما في الخمر وزيادة ، ويبقى صاحبها عاكفًا عكوف شارب الخمر عن خمره ، وأشد ، وكلاهما مشبَّه بالعكوف على الأصنام ، كما في المسند أنه قال : ( شارب الخمر كعابد الوثن ) – رواه ابن ماجه بلفظ ” مدمن الخمر ” وحسنه الألباني – ، وثبت عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه : أنه مرَّ بقوم يلعبون بالشطرنج فقال : ” ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون ” وقلَب الرقعة .

وإذا كان ثمَّ مال : تضمن أيضاً أكل المال بالباطل ، فيكون حراماً من وجهين .

” المستدرك على مجموع الفتاوى ” ( 4 / 60 ، 61 ) .

خامساً:

وقد أفتى طائفة من أهل العلم بخصوص ” الدومينو ” بعينها ، وأن لها حكم ” النرد ” ، ولو كان اللعب بها على غير مال :

  1. سئل علماء اللجنة الدائمة :

ما حكم لعب ” الورقة ” و ” الضومنة ” عندما يكون المرء مؤديّاً كامل الحقوق ، والواجبات التي عليه ، وعدم الانشغال بها عن أمور العبادة ، وإنما مجرد تسلية مع الأهل ، أو الأصدقاء ؟ .

فأجابوا :

يحرم اللعب بـ ” الورقة ” ، وبـ ” الضومنة ” ، ولو لمجرد التسلية مع الأهل والأصدقاء ، ولْيشغلوا ذلك الوقت مما هو خير : كتلاوة القرآن ، ودراسة علم شرعي ، وإصلاح ذات البين ، ونحو ذلك ، مما يعود عليهم بالنفع ، وعلى الأمة بالخير .

الشيخ عبد العزيز بن باز ، الشيخ عبد الرزاق عفيفي ، الشيخ عبد الله بن غديان ، الشيخ عبد الله بن قعود . ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 15 / 236 ، 237 ) .

  1. وسئل علماء اللجنة الدائمة – أيضاً – :

هذه الألعاب التي يمارسها الناس ، وهي : الضومنة ، والجوكر ، والبييه – أي :البيه – ، والشطرنج ، والنرونج ، والطبل ، والفصوص ، هل هذه الألعاب تعتبر من الميسر ؟ وهل هي يا صاحب الفضيلة محرمة أم مكروهة ؟ وهل تجوز للإمام الذي يؤم المسلمين في أوقات الصلاة ، ويعتلي المحراب أيام الجمع والأعياد لكي يخطب الخطبة المنبرية ؟ هذا سؤالي أرجو الإفادة .

فأجاب :

اللعب مما ذكر من اللعب : محرَّم ، بل من كبائر الذنوب ، إذا كان بعوَض ، ويعتبر قماراً ، قال أبو عمر بن عبد البر رحمه الله : ” أجمع العلماء على أن اللعب بالشطرنج على العوض قمار لا يجوز ” . ا.هـ وكذا يحرم اللعب مما ذُكر إذا ترتب عليه ترك واجب : كتأخير الصلاة عن وقتها ، وضياع حق زوجته وأبويه ، وسائر من يعولهم ، أو أدى إلى الوقوع في محرم من عداوة وبغضاء ، ونزاع ، وسباب : فهو حرام ، ولو كان بغير عوض .

أما إذا قدِّر خلو اللعب بها عن ذلك : فالصحيح أنه محرم أيضاً ؛ لما صح عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه مرَّ بقوم يلعبون بالشطرنج ، فقال : ” ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون ” ؟ فشبههم بالعاكفين على الأصنام ، ولما نقل عن ابن عمر ، وغيره من الصحابة رضي الله عنهم ،  من النهي عن اللعب بها ، وممن قال بتحريم ذلك : أبو حنيفة وأصحابه ، وأحمد وأصحابه ، رحمهم الله ، ومالك وأصحابه ، رحمهم الله تعالى ؛ وذلك لأن اللعب بها وبأمثالها ذريعة إلى اللعب بعوَض آجلاً ، وإن خلا منه عاجلاً ، ولأن الغالب بها أنه يشغل عن واجبات ، ويفضي إلى النزاع والسباب ، ويولد العداوة والبغضاء ، ويصد عن الصلاة وعن ذكر الله ، وفي الحديث : ( من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله ) .

وإذا كان الإنسان في مركز قيادي ، كالدعاة إلى الله ، وجماعة الحسبة ، وأئمة المساجد وخطبائها ، ومَن فوقهم في المنصب ، أو أدنى منهم : كان اجتناب المنكر ، وفعل الواجب : ألزم عليه ؛ لكونه قدوة لغيره ، يحتذى حذوه .

الشيخ عبد العزيز بن باز ، الشيخ عبد الرزاق عفيفي ، الشيخ عبد الله بن غديان .

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 15 / 207 – 209 ) .

  1. وقال الشيخ أبو بكر الجزائري – حفظه الله – تحت عنوان ” فيما لا يجوز المسابقة فيه برهن ولا بغيره ” – :

لا تجوز المباراة ، والمسابقة ، في لعب النرد ، والشطرنج ، وما ما ثلهما من ألعاب زماننا هذا ، من ” الكيرم ” ، و ” الورق ” ، و ” الديمنو ” ، وكرة الطاولة ، وما إلى ذلك . ” منهاج المسلم ” ( ص 282 ) طبعة دار السلام .

  1. وقال الدكتور عبد الله الناصر – وفقه الله – بعد أن ذكر مجموعة من الألعاب المعاصرة ، ومنها ” الدومينو ” – :

والذي يجمع بين هذه الألعاب : أن معتمدها هو الحدس ، والتخمين , وقد يظهر فيها شيءٌ من التدبير ، والتحليل ، ولكن عامل التخمين هو الغالب ، فيكون لها حكم الغالب ، فلا يجوز لعبها ، ولا المسابقة فيها ، ولا بذل السَّبَق في لعبها .

” الضوابط العامة في مجال السبق وتطبيقاتها المعاصرة ” ( ص 24 ) .

سادساً:

وأما قضاء الليل في لعبها ، مع تضييع الأوقات : فلا شك أنه فعل محرم ؛ ويترتب على ذلك حرمة هذه اللعبة في حقهم – على فرض أنها كانت مباحة في أصلها – ؛ لأنها صدت عن أمر واجب ، واستغرقت وقتاً طويلاً ؛ ورأس مال المسلم هو الوقت , ويسأل عنه يوم القيامة ، كما جاء في الحديث عَنْ أَبِى بَرْزَةَ الأَسْلَمِىِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : ( لاَ تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمْرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَا فَعَلَ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَا أَبْلاَهُ ) . رواه الترمذي ( 2417 ) وصححه .

وأما استخدام المسجد لذلك : فلا شك أنه مخالفة شرعية أخرى ؛ فالمساجد إنما بنيت لذكر الله ، وإقام الصلاة , ويجب أن تصان عن مثل هذه الألعاب ؛ ولا يصح التذرع بفعل الحبشة ؛ لأن الحبشة كانوا يلعبون بالحراب ؛ فهي من الألعاب المعينة على الجهاد , وأما هذه اللعبة : فهي من ألعاب اللهو .

– وكذلك يحرم استخدام وقف المسجد لغير غرضه الصحيح .

فالنصيحة لأولئك الإخوة أن يتقوا الله تعالى , وأن يجتنبوا تضييع وقتهم , وأن يصونوا بيت الله عن هذا اللهو .

وأما تهديد إمام المسجد أو المسئول بهجران بيت الله إن منعهم : فهو فعل لا يليق أن يصدر من مسلم ، والواجب عليهم قبول النصيحة ، بل وشكره عليها ، ولا يمنعكم تهديدهم من الإنكار عليهم ، ومنعهم من استعمال المسجد لهذا المنكر ، قال تعالى ( مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ) الإسراء/ من الآية 15 .

والخلاصة :

أن لعبة ” الدومينو ” لها حكم اللعب بالنرد ، والنرد من الميسر المحرَّم لذاته ، وإن لم تكن محرَّمة في ذاتها : فهي حرام في حق أولئك المسئول عنهم ؛ لتخلف شروط الجواز في اللعب المباحة ، فهم :

  1. ضيَّعوا أنفسَ أوقات عمرهم – عمر الشباب – في اللعب بها ، فضاعت بها أعمارهم .
  2. ضيعوا أنفسَ أوقات الليل وهو الثلث الأخير من الليل ، والذي ينزل فيه رب العزة إلى السماء الدنيا ليغر للتائبين ، وليستجيب دعاء الداعين ، وهم في غفلة معرضون .
  3. تسببوا في تضييع واجب ، وهو صلاة الجماعة .
  4. استعملوا بيت الله لغير ما بُني له ، وما بني له فلم يشهدوه ! فبيت الله تعالى ليس نادياً ، ولا مضافة ، ولا مكان تسلية ، وهم قد جعلوه كذلك ، ولما حضرت الصلاة – وهو ما بني المسجد في الأصل له – غادروه ، ولم يشهدوها فيه .
  5. استعملوا أموال الوقف الموقوفة على المصلين ، والمتعلمين ، والمعتكفين ، استعملوها في غير ما وقف لأجله .

فنسأل الله أن يهديهم لما فيه رضاه ، وأن يصلح بالهم ، وقلوبهم ، وأن يستثمروا شبابهم ، وطاقتهم ، في حفظ القرآن ، وفي العلم الشرعي ، وفي الدعوة إلى الله .

 

والله أعلم .

حكم لعب الأطفال بالنرد

السؤال:

يدرس ابني في مدرسة إسلامية.  وقد لعب الأطفال مؤخرا لعبة في الصف، وكانت تتضمن رمي النرد (زهر الطاولة) ثم تسجيل الأرقام التي تظهر، والطفل الذي يسجل أعلى رقم يكون هو الفائز.  فهل هذه اللعبة جائزة؟  وما هو الحكم إن كانت هناك جوائز تعطي للفائز؟

وجزاك الله خيرا، والسلام عليكم ورحمة الله.

 

الجواب:

الحمد لله

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

أولًا:

تعريف النرد وأصله:

قال الهيتمي:

فص أو فصوص من نحو عظم أو خشب فيها نقط تطرح على لوح فيه بيوت لكل نقطة بيت يعرف بها كيفية اللعب وهذا مع أني لم أره أخذته من قول البيضاوي وضعه سابرزن ثاني ملوك الساسان ولأهله يقال له النردشير وشبه رقعته بالأرض وقسمها أربعة أقسام تشبيها بالفصول الأربعة أ.هـ له ومن قول الماوردي رحمه الله تعالى وقيل إنه موضوع على البروج الاثنا عشر والكواكب السبعة لأن بيوته اثنا عشر ونقطه من جانب الفص يتبع كالكواكب السبعة يعدل به إلى تدبير الكواكب السبعة والبروج أ.هـ له.

” الفتاوى الفقهية الكبرى ” ( 4 / 353 )

 

ثانيًا:

حكم اللعب به بعِوض وغير عِوض:

لعب النرد حرام لا يجوز، وسواء كان ذلك على عوض أو ليس كذلك، ووجود من يعطي جائزة من خارج اللاعبين لا يُحل اللعب بها، وهو قول جمهور أهل العلم ومنهم الأئمة الأربعة، إلا أن بعض أصحاب الشافعي جوَّزه إن كان بغير عوض، وسيأتي بيان سبب قولهم هذا والرد عليه من كلام ابن عمر وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

وهذه أقوال العلماء وأدلتهم:

قال ابن حزم:

ولا يحل بيع النرد؛ لما روينا من طريق مالك عن موسى بن ميسرة عن سعيد بن أبي هند عن أبي موسى الأشعري ” أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله “, فهي محرمة فملكها حرام، وبيعها حرام.

وقد روينا عن مالك عن نافع عن ابن عمر: أنه كان إذا أخذ أحدٌ من أهله يلعب بالنرد ضربه وكسرها. ومن طريق مالك عن علقمة عن أمه عن عائشة أم المؤمنين: أنها بلغها أن أهل بيت في دارها كانوا سكانا فيها أن عندهم نردًا فأرسلت إليهم لئن لم تخرجوها لأخرجنكم من داري، وأنكرت عليهم. ” المحلى ” ( 7 / 514 ).

وحديث أبي موسى رواه أبو داود ( 4938 ) وابن ماجه ( 3762 ).

وحسَّنه الشيخ الألباني في ” إرواء الغليل ” ( 8 / 285 ).

وقال ابن قدامة:

كل لعب فيه قمار، فهو محرم، أي لعب كان، وهو من الميسر الذي أمر الله تعالى باجتنابه، ومن تكرر منه ذلك ردت شهادته، وما خلا من القمار، وهو اللعب الذي لا عوض فيه من الجانبين، ولا من أحدهما، فمنه ما هو محر، ومنه ما هو مباح؛ فأما المحرم: فاللعب بالنرد.

وهذا قول أبي حنيفة، وأكثر أصحاب الشافعي.

وقال بعضهم: هو مكروه، غير محرم.

ولنا، ما روى أبو موسى، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” من لعب بالنردشير، فقد عصى الله ورسوله “، وروى بريدة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” من لعب بالنردشير، فكأنما غمس يده في لحم الخنزير ودمه “، رواهما أبو داود.

وكان سعيد بن جبير إذا مر على أصحاب النردشير، لم يسلم عليهم.

إذا ثبت هذا: فمن تكرر منه اللعب به: لم تقبل شهادته، سواء لعب به قمارا أو غير قمار.

وهذا قول أبي حنيفة، ومالك ، وظاهر مذهب الشافعي.

قال مالك: من لعب بالنرد والشطرنج، فلا أرى شهادته طائلة؛ لأن الله تعالى قال: { فماذا بعد الحق إلا الضلال }، وهذا ليس من الحق، فيكون من الضلال.

فأما الشطرنج فهو كالنرد في التحريم، إلا أن النرد آكد منه في التحريم؛ لورود النص في تحريمه، لكن هذا في معناه، فيثبت فيه حكمه، قياسا عليه.

” المغني ” ( 10 / 172 ).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

وتحريم النرد ثابت بالنص، كما في السنن عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله ” وقد رواه مالك في الموطأ.

وروايته عن عائشة رضي الله عنها أنه بلغها أن أهل بيت في دارها كانوا سكانا لها عندهم نرد فأرسلت إليهم إن لم تخرجوها لأخرجكم من داري، وأنكرت ذلك عليهم.

ومالك عن نافع عن عبد الله ابن عمر: أنه كان إذا وجد من أهله من يلعب بالنرد ضربه وكسرها.

وفي بعض ألفاظ الحديث: عن أبي موسى قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكرت عنده فقال: ” عصى الله ورسوله من ضرب بكعابها يلعب بها “، فعلق المعصية بمجرد اللعب بها، ولم يشترط عوضا بل فسر ذلك بأنه الضرب بكعابها.

وقد روى مسلم في صحيحه: عن أبي بريدة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من لعب بالنردشير فكأنما غمس يده في لحم خنزير ودمه “، وفي لفظ آخر: ” فليشقص الخنازير “، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الصحيح اللاعب بها كالغامس يده في لحم الخنزير ودمه، والذي يشقص الخنازير، يقصبها ويقطع لحمها كما يصنع القصاب، وهذا التشبيه متناول اللعب بها باليد، سواء وجد أكل أو لم يوجد، كما أن غمس اليد في لحم الخنزير ودمه وتشقيص لحمه متناول  لمن فعل ذلك سواء كان معه أكل بالفم، أو لم يكن فكما أن ذلك ينهى عنه وإن لم يكن معه أكل مال بالباطل.

وهذا يتقرر بوجوه يتبين بها تحريم النرد والشطرنج ونحوهما:

أحدها: أن يقال: النهي عن هذه الأمور ليس مختصا بصورة المقامرة فقط، فإنه لو بذل العوض أحد المتلاعبين أو أجنبي لكان من صور الجعالة، ومع هذا فقد نهي عن ذلك إلا فيما ينفع: كالمسابقة، والمناضلة، كما في الحديث الأسبق: ” إلا في خف أو حافر أو نصل “؛ لأن بذل المال فيما لا ينفع في الدين، ولا في الدنيا منهي عنه وإن لم يكن قمارًا، وأكل المال بالباطل حرام بنص القرآن وهذه الملاعب من الباطل لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ” كل لهو يلهو به الرجل فهو باطل إلا رميه بقوسه، أو تأديبه فرس، أو ملاعبته امرأته فإنهن من الحق “.

قوله: ” من الباطل ” أي: مما لا ينفع، فإن الباطل ضد الحق: والحق يراد به الحق الموجود اعتقاده والخبر عنه، ويراد به الحق المقصود الذي ينبغي أن يقصد، وهو الأمر النافع، فما ليس من هذا فهو باطل ليس بنافع.

وقد يرخص في بعض ذلك إذا لم يكن فيه مضرة راجحة لكن لا يؤكل به المال، ولهذا جاز السباق بالأقدام، والمصارعة، وغير ذل، وإن نهي عن أكل المال به. وكذلك رخص في الضرب بالدف في الأفراح، وإن نهي عن أكل المال به، فتبين أن ما نهي عنه من ذلك ليس مخصوصا بالمقامرة، فلا يجوز قصر النهي على ذلك، ولو كان النهي عن النرد ونحوه لمجرد المقامرة لكان النرد مثل سباق الخيل، ومثل الرمي بالنشاب، ونحو ذلك، فإن المقامرة إذا دخلت في هذا حرموه، مع أنه عمل صالح، واجب أو مستحب، كما في الصحيح: عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” ارموا واركبوا، وأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا “، ” ومن تعلم الرمي ثم نسيه فليس منا “.

وكان هو وخلفاؤه يسابقون بين الخيل، وقرأ على المنبر: { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل } الآية ثم قال: ” ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي “، فكيف يشبه ما أمر الله به ورسوله؟ واتفق المسلمون على الأمر به، بما نهى الله عنه ورسوله وأصحابه من بعده، وإذا لم يجعل الموجب للتحريم إلا مجرد المقامرة كان النرد، والشطرنج، كالمناضلة.

الوجه الثاني: أن يقال هب أن علة التحريم في الأصل هي المقامرة، لكن الشارع قرن بين الخمر والميسر في التحريم فقال تعالى: { إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون }.

فوصف الأربعة بأنها رجس من عمل الشيطان، وأمر باجتنابها، ثم خص الخمر والميسر بأنه { إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة }.

ويهدد من لم ينته عن ذلك بقوله تعالى: { فهل أنتم منتهون } كما علق الفلاح بالاجتناب في قوله: { فاجتنبوه لعلكم تفلحون }، ولهذا يقال إن هذه الآية دلت على تحريم الخمر والميسر من عدة أوجه. ومعلوم أن الخمر لما أمر باجتنابها حرم مقاربتها بوجه، فلا يجوز اقتناؤها ولا شرب قليلها، بل كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر بإراقتها، وشق ظروفها، وكسر دنانها، ونهى عن  تخليلها، وإن كانت ليتامى مع أنها اشتريت لهم قبل التحريم، ولهذا كان الصواب الذي هو المنصوص عن أحمد، وابن المبارك، وغيرهما أنه ليس في الخمر شيء محترم، لا خمرة الخلال ولا غيرها، وأنه من اتخذ خلا فعليه أن يفسده قبل أن يتخمر بأن يصب في العصير خلا وغير ذلك مما يمنع تخميره، بل كان { النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الخليطين } لئلا يقوى أحدهما على صاحبه فيفضي إلى أن يشرب الخمر المسكر من لا يدري، ونهى عن الانتباذ في الأوعية التي يدب السكر فيها ولا يدرى ما به: كالدباء والحنتم والظرف المزفت والمنقور من الخشب، وأمر بالانتباذ في السقاء الموكئ لأن السكر ينظر إذا كان في الشراب انشق الظرف، وإن كان في نسخ ذلك أو بعضه نزاع ليس هذا موضع ذكره.

فالمقصود سد الذرائع المفضية إلى ذلك بوجه من الوجوه، وكذلك كان يشرب النبيذ ثلاثا، وبعد الثلاث يسقيه أو يريقه؛ لأن الثلاث مظنة سكره، بل كان أمر بقتل الشارب في الثالثة أو الرابعة فهذا كله، لأن النفوس لما كانت تشتهي ذلك وفي اقتنائها ولو للتخليل ما قد يفضي إلى شربها، كما أن شرب قليلها يدعو إلى كثيرها فنهي عن ذلك، فهذا الميسر المقرون بالخمر إذا قدر أن علة تحريمه أكل المال بالباطل، وما في ذلك من حصول المفسدة وترك المنفعة، ومن المعلوم أن هذه الملاعب تشتهيها النفوس، وإذا قويت الرغبة فيها أو دخل فيها العوض كما جرت به العادة، وكان من حكم الشارع أن ينهى عما يدعو إلى ذلك، لو لم يكن فيه مصلحة راجحة، وهذا بخلاف المغالبات التي قد تنفع مثل: المسابقة والمصارعة، ونحو ذلك، فإن تلك فيها منفعة راجحة لتقوية الأبدان، فلم ينه عنها لأجل ذلك ولم تجر عادة النفوس بالاكتساب بها.

” الفتاوى الكبرى ” ( 4 / 462 – 464 ).

وحديث بريدة رواه مسلم ( 2260 ).

وحديث أبي موسى بلفظه الآخر: رواه أحمد ( 19700 ).

وهو حسن.

انظر: ” الإرواء ” ( 8 / 286 ).

وحديث ” ارموا واركبوا، وأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا ” ليس في الصحيح، وإنما رواه الإمام أحمد (16849) والترمذي (1637) والنسائي (3578) وأبو داود (2513) وابن ماجه (2811) وضعفه الألباني في ضعيف ابن ماجه ( 618 ) وغيره -.

وحديث ” ومن تعلم الرمي ثم نسيه فليس منا ” – رواه ابن ماجه (2814) وهذا لفظه وقد رواه الإمام مسلم (1919) عن عقبة بن عامر بلفظ”من علم الرمي ثم تركه فليس منا أو قد عصى”-.

 

وقال:

اللعب بالشطرنج حرام عند جماهير علماء الأمة وأئمتها كالنرد، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” من لعب بالنرد فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه “، وقال: ” من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله “، وثبت عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه مر بقوم يلعبون بالشطرنج، فقال: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون، وروي أنه قلب الرقعة عليهم.

وقالت طائفة من السلف: الشطرنج من الميسر، وهو كما قالوا، فإن الله حرم الميسر، وقد أجمع العلماء على أن اللعب بالنرد والشطرنج حرام إذا كان بعوض، وهو من القمار والميسر الذي حرم الله، والنرد حرام عند الأئمة الأربعة سواء كان بعوض أو غير عوض، ولكن بعض أصحاب الشافعي جوزه بغير عوض، لاعتقاده أنه  لا يكون حينئذ من الميسر، وأما الشافعي وجمهور أصحابه، وأحمد، وأبو حنيفة، وسائر الأئمة فيحرمون ذلك بعوض وبغير عوض.

” الفتاوى الكبرى ” ( 4 / 475 ، 476 ).

والنرد من الميسر كما قال ابن عمر رضي الله عنهما.

وقد روى ذلك عنه البيهقي والآجري بإسناد صحيح كما قال الشيخ الألباني رحمه الله في ” الإرواء ” ( 8 / 287 ).

 

ثالثًا:

وما يحرم اقتناؤه واستعماله: فلا يصح شراؤه ولا بيعه ولا هبته ولا إيداعه ولا رهنه، ولا الإجارة على حفظه، ولا وقفه، ولا الوصية به كسائر المحرمات.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ” إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام “. رواه البخاري ( 2121 ) ومسلم ( 1581 ).

 

رابعًا:

قال ابن مفلح الحنبلي:

يكره لكل مسلم مكلف أن يجالس من يلعب بشطرنج أو نرد وأن يسلم عليه بل ينكر عليه ذلك ويهجره إن لم ينزجر عنهما.

وحكى الشيخ تقي الدين أن أبا حنيفة وأحمد وغيرهما قالوا: إنه لا يسلم على لاعب الشطرنج؛ لأنه مظهر للمعصية، وقال مالك وصاحبا أبي حنيفة: يسلم عليه انتهى كلامه.

وقال أحمد – في رواية ابن منصور – فيمن يلعب بالشطرنج: ما هو أهل أن يسلم عليه، وهذا معنى كلام الشيخ عبد القادر وغيره، وأنه لا يسلم على المتلبسين بالمعاصي، قال الشيخ عبد القادر: وإن سلموا هم عليه رد عليهم إلا أن يغلب على ظنه انزجارهم بتركه الرد عليهم فإذا لا يرد. ” الآداب الشرعية ” ( 3 / 374 ).

 

 

خامسًا:

ولا فرق فيما سبق بين الأطفال والرجال، فما حرمه الشرع فهو على الرجال فلا يحل للأطفال إلا ما استثناه الدليل.

 

والله أعلم.

 

 

 

 

 

هل يمكن للمسلم أن يعمل تمثالًا كتذكار لأحد الأبطال؟

السؤال:

أجد صعوبة في أن أشرح لأحد أخواني المسلمين هنا أن عمل تمثال غير إسلامي حرام، وقد كانت إجابته أن المرأة التي يراد عمل التمثال لها من أبطال البلد إذ أنها حاربت المسلمين دفاعا عن بلادها، وهي من جداتي في الفترة قبل دخول الإسلام.

هل يمكن للمسلم أن يعبد تمثالا، أو أن يعمل تمثالا كتذكار لأحد الأبطال؟ حتى لو كان هذا البطل غير مسلم؟

وشكرا.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

فهمنا من الأخ السائل أنه ينكر على صاحبه كون التمثال لكافر، وأنه إن كان لمسلم فإنه يجوز صنعه، وهذا الظن خطأ، ولا فرق من حيث كونه صنمًا في التحريم، وإن كان صُنع تمثالٍ لكافرٍ من مسلمٍ أشدَّ في الحرمة لما في ذلك من جمع شرَّين، شر صنع التمثال، وصنع تعظيم هذا الكافر، وبيان تحريم ذلك ومسائله فيما يأتي:

  1. إن قضية صنع التماثيل لا تتوقف على كونها قضية فقهية، بل تتعداها إلى أبواب الاعتقاد، وذلك أن الله تعالى اختص بتصوير خلقه وإبداعهم على أحسن صورة، فكان في فعل هذا مضاهاة لخلق الله تعالى، وكذا يتعلق الأمر في باب الاعتقاد من حيث اتخاذ هذه الأصنام آلهة تُعبد من دون الله عز وجل.

    ومما يدل على ما سبق:

  • قوله تعالى { هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء } ( آل عمران / 6 ).

      وقوله تعالى: { ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم } (الأعراف / 11).

وقوله تعالى: { هو الله الذي لا إله إلا هو الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السموات  والأرض وهو العزيز الحكيم } ) الحشر / 24).

 وقوله تعالى  { يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم. الذي خلقك فسواك فعدلك. في أي صورة ما شاء ركبك } ) الانفطار / 6 – 8 ).

فهذه الآيات تقرر عقيدة لا شك فيها أن تصوير الخلق هو من قِبل ربهم وخالقهم ومصورهم، وأن لا يحل لأحد أن يتعدى على ربه تعالى فيضاهي الله في خلقه وتصويره.

  • عن عائشة أم المؤمنين أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاوير فذكرتا للنبي صلى الله عليه وسلم فقال إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور فأولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة. رواه البخاري ( 417 ) ومسلم ( 528 ).

* قال الحافظ ابن حجر:

          وفي الحديث دليل على تحريم التصوير، وحمل بعضهم الوعيد على من كان في ذلك الزمان لقرب العهد بعبادة الأوثان وأما الآن فلا! وقد أطنب ابن دقيق العيد في رد ذلك كما سيأتي في كتاب اللباس. ” فتح الباري ” ( 1 / 525 ).

* وقال النووي:

          قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: تصوير صورة  الحيوان  حرام شديد التحريم، وهو من الكبائر لأنه متوعد عليه بهذا الوعيد الشديد المذكور في الأحاديث وسواء صنعه بما يمتهن أو بغيره فصنعته حرام بكل حال لأن فيه مضاهاة لخلق الله تعالى، وسواء ما كان في ثوب أو بساط أودرهم أو دينار أو فلس أو إناء أو حائط أو غيرها وأما تصوير صورة  الشجر ورحال الإبل وغير ذلك مما ليس فيه صورة  حيوان فليس بحرام هذا حكم نفس التصوير. ” شرح مسلم ” ( 14 / 81 ).

  • عن سعيد بن أبي الحسن قال كنت عند ابن عباس رضي الله عنهما إذ أتاه رجل فقال يا أبا عباس إني إنسان إنما معيشتي من صنعة يدي وإني أصنع هذه التصاوير فقال ابن عباس لا أحدثك إلا ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول سمعته يقول من صور صورة فإن الله معذبه حتى ينفخ فيها الروح وليس بنافخ فيها أبدا فربا الرجل ربوة شديدة واصفر وجهه فقال ويحك إن أبيت إلا أن تصنع فعليك بهذا الشجر كل شيء ليس فيه روح.

     رواه البخاري ( 2112 ) ومسلم ( 2110 ).

  • عن عبد الله بن مسعود قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إن أشد الناس عذابا عند الله يوم القيامة المصورون.

     رواه البخاري ( 5606 ) ومسلم ( 2109 ).

  • عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم القيامة يقال لهم أحيوا ما خلقتم.

     رواه البخاري ( 5607 ) ومسلم ( 2108 ).

  • عن أبي هريرة أنه دخل دارًا بالمدينة فرأى أعلاها مصورا يصور قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي فليخلقوا حبة وليخلقوا ذرَّة. رواه البخاري ( 5609 ) ومسلم ( 2111 ).

 * قال النووي:

          وأما قوله تعالى ” فليخلقوا ذرة أو حبة أو شعيرة “: فالذرَّة بفتح الذال وتشديد الراء، ومعناه: فليخلقوا ذرة فيها روح تتصرف بنفسها كهذه الذرة التي هي خلق الله تعالى وكذلك فليخلقوا حبة حنطة أو شعير، أي: ليخلقوا حبة فيها طعم تؤكل وتزرع وتنبت ويوجد فيها ما يوجد في حبة الحنطة والشعير ونحوهما من الحب الذي يخلقه الله تعالى وهذا أمر تعجيز كما سبق. ” شرح مسلم ” ( 14 / 90 ).

  • عن أبي جحيفة قال: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب وثمن الدم ونهى عن الواشمة والموشومة وآكل الربا وموكله ولعن المصور.

   رواه البخاري ( 1980 ).

  1. وقد جاءت الشريعة بهدم الأصنام وتحطيمها لا بصنعها وترميمها، ومما يدل على ذلك:
  • عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة وحول الكعبة ثلاث مائة وستون نصبا فجعل يطعنها بعود في يده وجعل يقول {جاء الحق وزهق الباطل } الآية. رواه البخاري ( 2346 ) ومسلم ( 1781 ).
  • عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أن لا تدع تمثالا إلا طمسته ولا قبرا مشرفا إلا سويته وفي رواية ( ولا صورة إلا طمستها ). رواه مسلم ( 969 ).

* قال ابن القيم:

          والتماثيل جمع تمثال وهو الصور الممثلة.

” الفوائد ” ( ص 196 ).

* قال شيخ الإسلام:

          فأمره بمحو التمثالين الصورة الممثلة على صورة الميت و التمثال الشاخص المشرف فوق قبره فإن الشرك يحصل بهذا و بهذا.

” مجموع الفتاوى ” ( 17 / 462 ).

 

 

  1. وقد توعد النبي صلى الله عليه وسلم صاحب الصور أن يدخلها في بيته، ورتب على ذلك آثامًا وحرمانًا للخير، ومما يدل على ذلك:
  • عن أبي طلحة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ” لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة تماثيل “. رواه البخاري (3053) ومسلم (2106).
  • عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أنها أخبرته أنها اشترت نمرقة فيها تصاوير فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم قام على الباب فلم يدخله فعرفت في وجهه الكراهية فقلت: يا رسول الله أتوب إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم ماذا أذنبتُ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بال هذه النمرقة؟ قلت: اشتريتها لك لتقعد عليها وتوسدها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أصحاب هذه الصور يوم القيامة يعذبون فيقال لهم أحيوا ما خلقتم وقال: إن البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة.

     رواه البخاري ( 1999 ) ومسلم ( 2107 ).

  1. واتخاذ الصور وسيلة للوقوع في الشرك، لأن بداية الوقوع فيه التعظيم لصاحب الصورة، وخاصة مع قلة العلم أو انعدامه، ويدل على هذا:

          عن ابن عباس رضي الله عنهما: صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد أما ( ود ) كانت لكلب بدومة الجندل وأما ( سواع ) كانت لهذيل وأما (يغوث ) فكانت لمراد ثم لبني غطيف بالجوف عند سبأ وأما ( يعوق ) فكانت لهمدان وأما ( نسر ) فكانت لحمير لآل ذي الكلاع أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابا وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت.

رواه البخاري ( 4636 ).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:

وأيضا فإن اللات كان سبب عبادتها تعظيم قبر رجل صالح كان هناك.

” اقتضاء الصراط المستقيم ” ( 2 / 333 ).

وقال:

وهذه العلة – أي: التعظيم – التي لأجلها نهى الشارع هي التي أوقعت كثيرًا من الأمم إما في الشرك الأكبر أو فيما دونه من الشرك.

” الاقتضاء ” ( 2 / 334 ).

 

وقال ابن القيم رحمه الله في بيان تلاعب الشيطان بالنصارى:

وتلاعب بهم في تصوير الصور في الكنائس وعبادتها فلا تجد كنيسة من كنائسهم تخلو عن صورة مريم والمسيح وجرجس وبطرس وغيرهم من القديسين عندهم والشهداء وأكثرهم يسجدون للصور ويدعونها من دون الله تعالى حتى لقد كتب بطريق الاسكندرية إلى ملك الروم كتابا يحتج فيه للسجود للصور: بأن الله تعالى أمر موسى عليه السلام أن يصور في قبة الزمان صورة الساروس وبأن سليمان بن داود لما عمل الهيكل عمل صورة الساروس من ذهب ونصبها داخل الهيكل ثم قال في كتابه: وإنما مثال هذا مثال الملك يكتب إلى بعض عماله كتابا فيأخذه العامل ويقبله ويضعه على عينيه ويقوم له لا تعظيما للقرطاس والمداد بل تعظيما للملك كذلك السجود للصور تعظيم لاسم ذلك المصور لا للأصباغ والألوان.  

وبهذا المثال بعينه عبدت الأصنام.

” إغاثة اللهفان ” ( 2 / 292 ).

وقال:

وغالب شرك الأمم كان من جهة الصور والقبور.

” زاد المعاد ” ( 3 / 458 ).

  1. فما سبق من الآيات والأحاديث يدل على أن علة تحريم الصور ثلاثة أمور:

الأول: المضاهاة لخلق الله.

والثاني: أنه مشابهة للكفار.

والثالث: أنه وسيلة للتعظيم والوقوع في الشرك.

  1. وبعد هذا، أرجو أن يكون فيما سبق كفاية لإقناع الأخ السائل وصاحبه بحرمة عمل التماثيل، سواء كان ذلك لمسلم أو لكافر، وأن من فعل ذلك فقد ضاهى الله في خلقه، واستحق اللعنة، ويؤمر يوم القيامة بأن ينفخ فيها الروح وأنى له ذلك؟.

 

والله أعلم.

 

تلبيس الشيطان على طالب علم في إقامة علاقة مع امرأة ملتزمة!

تلبيس الشيطان على طالب علم في إقامة علاقة مع امرأة ملتزمة!

السؤال:

أنا شاب في الـ 20 من عمري تقريباً ، من … , طالب علم ، بحمد الله وفضله , قدَّر الله أني تعرّفت منذ زمن ليس ببعيد على امرأة عن طريق الانترنت ، وكان سبب ذلك التساؤل عن ” الاسم الشخصي ” الذي كانت تضعه ، والذي بالفعل كان يلفت الأنظار ( كان عبارة عن حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم صحيح يثبت ما نحن عليه اليوم ) , المهم : دار الكلام بيننا لمدة 3 أسابيع تقريباً بشكل دائم ( ضمن الكلام كنا نخوض في الأمور العلمية الشرعية التي من خلالها استفاد كِلا الطرفين ، بالإضافة إلى الكلام الذي تخلله تعاطف هذه المرأة معي من كل النواحي ، ضمن الضوابط ، والقيود الشرعية ، بحيث في آخر المطاف طلبتْ مني أن أعتبرها كأم لي ! عن حسن نية ، بعد أن اعتبرتني كابن لها من أول فترة تحدثي معها ، علمتُ فيما بعد بأنها والدة أحد أصدقائي – هداه الله وإيانا – , فأمه امرأة لم يتخطَّ عمرها 38 سنة بعد , أستاذة ، تعطي التربية الإسلامية ، والقرآن الكريم , ختمت الروايات السبع ، فهي مجازة ، بحمد الله , بالإضافة أنها منتقبة ، ومواظبة على الدروس الأسبوعية عند شيخ مدينتنا الذي أدرس عنده أيضاً ، وهو شيخ فاضل من أحد تلامذة الشيخ ابن عثيمين – طيب الله ثراه – ومن الناس الذين يركزون جدّاً على طرح جهود العلماء المعاصرين ، وخاصة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله وطيب ثراه ، أرادت إحدى المرّات أن تقدم لي مساعدة ( مالية ) بعد أن علمت بمشاكل أتعرض لها مع والديّ من هذه الناحية , وبالفعل قدّمت لي المساعدة ، وذلك بعد أن قابلتها وتحدثت معها بحضور زوجها وابنها ، وهكذا ، كل آخر يوم من الأسبوع تطلب مني الحضور لعندها ؛ لتطمئن على حالي ، وعلى حال وضعي في منزلي ؛ وذلك لما أخبرها من مشاكل جمّة أتعرض لها على الدوام ، وأشعر بارتياح كبير حين أخبرها بذلك , فحقّاً إني أحببتها في الله ! واعتبرتها كأم لي ! وأخاف عليها كما أخاف على أمِّي ، من قلقها ، وتوترها الدائم إن قاطعتها عن الكلام لمدة طويلة ، إلا أن جلساتي الأخيرة معها كانت بمفردنا ( وطبعا بمكان في البيت يستحيل أن يستدل من خلاله أي شخص على شرط واحد يثبت فيه وقوع الخلوة بيننا ، والحمد لله ! ) ، وشعرنا نوعاً ما بأن الضرورة ( إن كانت تعد ضرورة ) قد زالت ، وأنه ينبغي أن ننتهي من هذه الجلسات ؛ لما فيها من شبهات , وفي ذات الوقت الذي أرسل فيه رسالة لها أوضح من خلالها الأمور التي نتساهل بها نوعاً ما وهي غير جائزة ( من ناحية الكلام ، ومن ناحية النظر ، ومن ناحية الجلوس بمفردنا ) : إذ بها ترسل رسالة ذات مضمون رسالتي ، إلا أن رسالتها تختلف عنّي ، بأنها قد كتبتها منذ زمن بعيد ، وتقول في آخرها بأنه لولا محبتها لي ، ومعزتها لي : لما تأخرت في إرسالها منذ البداية ؛ لأن هذا الأمر يفرحها ، بأنها تتبع ما أمرنا به الله ونبيه صلى الله عليه وسلم ، ويحزنها في آن لفراقي ؛ ولحرمانها من شخص ( اعتبرتْه بالنسبة لها كابن ، وأن الله عوضها بعد سنوات طوال من التربية بابن صالح كما تحب وترضى ، وكما تتمنى لابنها الحقيقي أن يكون , وأكثر من ذلك : صارحتني بأمر متعلق بشان ابنتها من ناحية الزواج , فأنا الآن أرغب بالزواج المبكر ، وأتحرى عن بنت على المنهج ، أعلم من خلالها أننا سوف نكون سعيدين بإذن الله مدى العمر ، وقدّر الله أن البنت التي سألت عنها ولفتت نظري في إحدى المرات بعد خروجها من مكان النساء بعد الدرس عند الشيخ : هي بنت هذه المرأة , فقالت لي : بأنها تتمنى أن يكون المتقدم لابنتي شخص مثلك ، بل أنت ، وذلك بعد مصارحتي لها أنا أيضاً بالنسبة لموضوع الزواج ، وهكذا تعمّدنا قطع الكلام بيننا ، وكلُّ منَّا ما زال يفكّر بالآخر على الدوام حتى هذا الأسبوع , أردت أن أكلمها ، وكلّمتها ، وجعلتها تطمئن عليَّ نوعاً ما ، وأنهيت حديثي معها بشكل سريع ، ووضحت بأني لم أفعل هذا كراهية بها إنما اتباع لكلام الله ، وهدي نبيه ، وقالت لي : بأنها متفهمة ، وتعلم ما أقصده تماماً ؛ لأن ما يجول في خاطرها كالذي يجول بخاطري تماماً , ومن ثم قلت لها بأني سوف ألغي بريدها الإلكتروني ، ولم يعد هناك حاجة للكلام ، وهكذا حتى الآن أعلم من خلال ابنها – أي : صديقي – ومن مصادر أخرى بأنها قلقة على الدوام ، وحزينة جدّاً ، جدّاً ، وأن أسرتها تلاحظ في هذه الآونة الأخيرة بكاءها المفاجئ ، وعدم استطاعتها من إخفاء دموعها ؛ لأسباب لا يعلمونها , وبالطبع أنا متيقن ما هو السبب , فإن كان باستطاعتي إخفاء حزني عليها : فهي امرأة ، وعاطفية أكثر ، بل هي أم ، ولا تستطيع إخفاء مشاعرها بسهولة ، وخصوصا تجاه ابنها ، كما تعتقد .

فسؤالي لكم :

هل الذي قمت به ، أي : قطع حديثي نهائيّاً معها أمر صائب ؟ أم أني مخطئ في تصرّفي معها ؟ وما الشيء المناسب الذي عليَّ القيام به تجاهها دون أي تعدٍّ على أطر الضوابط والقيود الشرعية ؟ فأمرها يهمني مثل ما يهمني أمر والدتي الحقيقية .

أفيدوني رجاء بجواب شافٍ وكافٍ , فمن الممكن أن أرسل لها جوابكم لو رأيت فيه مصلحة ومنفعة للطرفين , وجزاكم الله كل خير ، وسامحوني إن أطلت عليكم , فلو باستطاعتي أن أخبر شيخي لما كنت أخبرتكم , بارك الله فيكم ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

 

الجواب:

الحمد لله

أولاً:

هذه القصة تصلح مثالاً لتلبيس إبليس على أهل الالتزام والاستقامة ؛ حيث نسج الشيطان شراكه وشباكه بخيوط الشرع ، فأوهم فريسته بذلك حتى علقوا ! .

– وانظر – أخي السائل – لتلك التلبيسات وتمعن بها ، فلعلها تكون عبرة لغيرك حتى لا يقع في مثلها :

أ. كانت البداية في تلك العلاقة الآثمة منك : السؤال عن ” الاسم الشخصي ” والذي هو عبارة عن حديث نبوي ! فقد فتح لك الشيطان الباب لسؤال أجنبية عنك ، بعذر أنه قد لفت نظرك جعل الحديث النبوي اسماً لها ! ثم انظر كيف امتدت العلاقة بعدها، وتطورت .

ب. وكانت البداية في تلك العلاقة الآثمة منها : إجابتك على سؤالك ، والسماح لنفسها بتكوين علاقة مع أجنبي ، بل زادت الوقاحة برؤيته ، بل والخلوة معه ، حتى وصل الأمر إلى البكاء على فراقه ! .

ج. ومن تلبيس الشيطان عليكما : إيهامكما أنكما ملتزمان بضوابط الشرع في تلك العلاقة ، وأين هذه الضوابط والأمر فاسد ومخالف للشرع من أصله ؟! .

د. ومن تلبيس الشيطان عليكما : جعلك لك بمنزلة أمك ! وجعلها لك بمنزلة ابنها ! وهذا مخالف للشرع ، وليس ثمة ما يبيح اجتماع أجنبي بامرأة أجنبية عنه واعتبار بعضهما أشقاء ، أو أحدها أباً والأخرى ابنة ! أو أحدها ابناً والأخرى أمّاً ! وهذا لا يغيِّر من واقع أمركما شيئاً ، فأنتما أجنبيان عن بعضكما ، وإنما هو من تلبيس الشيطان ، ومكره .

هـ. ومن تلبيس الشيطان عليكما : إيهامكما أن اللقاء والاجتماع فيه فوائد علميَّة ! ويستفيد كل منكما من الآخر ، وحقّاً إن الشيطان قد نجح في ذلك ، حتى ظننتما أنكما غير مخالفيْن للشرع في تلك العلاقة .

و. ومن تلبيس الشيطان عليكما : كتابة كل واحدٍ منكما رسالة للآخر ، وهذا معروف في عالم العلاقات المحرَّمة ، وخاصة بين المستقيمين والملتزمين ، حتى يظن كل واحدٍ منهما أنه غير راضٍ عن فعله ، وأنه يخالف شرع الله ، فيبادله الآخر الشعور نفسه ، حتى لا يكون أحدهما ملاكاً والآخر شيطاناً ! ، ثم سرعان ما ترجع العلاقة ؛ لأن الكتابة أصلا ليست توبة من تلك العلاقة المحرَّمة ، بل هي إحدى محطات التوقف فيها ! .

ز. ولعله من آخر تلبيس الشيطان عليك أنت : وضعك لاحتمال أن قطع العلاقة بالكلية ليس هو التصرف الشرعي المناسب ، وأنه من الممكن أن تجد سبيلاً لاستمرار تلك العلاقة معها ! ولذا ختمت سؤالك بقولك ” هل الذي قمت به ، أي : قطع حديثي نهائيّاً معها أمر صائب ؟ أم أني مخطئ في تصرّفي معها ؟ ” ! فها هو الشيطان ما يزال يسول لك باستمرار تلك العلاقة ، وأن قطعها بالكلية قد يكون تصرفّاً خطأً ! .

ومن تأمل مثل هذه الحادثة : علم عظم أحكام الشريعة ، وعظيم حكمَتها ، حيث حرَّم العلاقة بين الرجل والمرأة الأجنبيين ، سواء بمكالمات ، أو مراسلات ، فضلاً عن اللقاءات والمشاهدات ، وقد ذكرنا كثيراً من الفتاوى في هذا الباب لأهل العلم.

ثانياً:

لا ينبغي لك أن تشك للحظة أن قطع علاقتك بتلك المرأة هو الصواب ، بل ليس لك خيار آخر ، فلا تتردد ، واجزم به ، ولا تجعل للشيطان عليك سبيلاً ، وبكاء تلك المرأة على قطع العلاقة خير لها – ولكَ – من فرحها باستمرارها ، فلا تأخذك الرأفة والرحمة لبكائها ، وأسفها على الفراق ؛ لأن هذا يؤكد أن العلاقة بينكما لم تكن شرعيَّة ، وكان الأولى بها أن تفرح على قطعها ، لا أن تبكي وتتحسر .

وما حصل منكما إنما هو اتباع لخطوات الشيطان التي حذرنا ربنا تعالى من السير فيها ، وبيَّن لنا الحكمة في ذلك ، قال تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ  ) النور/ 21 .

* قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله –:

– ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ) أي : طرقه ووساوسه .

وخطوات الشيطان : يدخل فيها سائر المعاصي المتعلقة بالقلب ، واللسان ، والبدن ، ومِن حكمته تعالى : أن بيَّن الحُكم ، وهو : النهي عن اتباع خطوات الشيطان ، والحكمة ،، وهو : بيان ما في المنهي عنه مِن الشرِّ المقتضي والداعي لتركه ، فقال : ( وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ ) أي : الشيطان ( يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ ) أي : ما تستفحشه العقول والشرائع من الذنوب العظيمة ، مع ميل بعض النفوس إليه ، ( وَالْمُنْكَرِ ) وهو ما تنكره العقول ، ولا تعرفه ، فالمعاصي التي هي خطوات الشيطان : لا تخرج عن ذلك ، فنهي الله عنها للعباد : نعمة منه ، عليهم أن يشكروه ، ويذكروه ؛ لأن ذلك صيانة لهم عن التدنس بالرذائل والقبائح ، فمن إحسانه عليهم أن نهاهم عنها، كما نهاهم عن أكل السموم القاتلة، ونحوها. ” تفسير السعدي ” ( ص 563 ).

واحذر أنت وإياها أن يقول أحدكما إنه بعيد من الفتنة ، وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين أن ( الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ) وأينا الذي يأمن على نفسه الوقوع في الفتنة ؟! .

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – :

لا يحل للمرأة أن تسترسل في الكلام مع رجل ليس محرماً لها ؛ لأن ذلك يؤدي إلى الفتنة ، وقد قال الله تبارك وتعالى : ( فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً ) الأحزاب/ 32 .

تخاطب البائع بقدر الحاجة ، ولا تزيد على هذا ؛ لأن ( الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ) وكم من امرأة تقول إنها بعيدة عن الفتنة ، ولكن لا يزال بها الشيطان حتى يفتنها، ربما إذا انصرفت من الرجل الذي تحدثت معه حديثاً أكثر مما تحتاج إليه : ربما إذا انصرفت : أدخل الشيطان عليها الهواجس ، حتى ترجع إلى الرجل الأول ، ويكون أول الكلام شرارة ، وآخره سعيراً ، والعياذ بالله .

– فعلى النساء أن يتقين الله، وألا يخضعن بالقول، وألا يكثرن الكلام إلا لحاجة …

– لهذا : لتحذر النساء من الاستمرار في مكالمة الرجال ؛ فإنه خطر ، خطر عظيم ، نسأل الله السلامة من الفتن . ” اللقاء الشهري ” ( 45 / 7 ) .

ثالثاً:

ولا ننصحك بالتزوج من ابنتها ؛ لما يؤدي ذلك لأن تكون قريباً منها ، ولا ندري ماذا أعدَّ لكما الشيطان من خطة بديلة في حال ظهرت التوبة منكما من تلك العلاقة ، وحصل زواج من ابنتها ، والقصص المثيلة تجعلنا ننصحك بالبُعد ، ففي البعد غنيمة ، أو على الأقل : سلامة .

 

والله أعلم.