الرئيسية بلوق الصفحة 115

لا تريد الاستمرار في زواجها معه, فهل لهم الحق في المهر الذي بذلوه لها؟.

لا تريد الاستمرار في زواجها معه, فهل لهم الحق في المهر الذي بذلوه لها؟.

السؤال:

أخذت ابني إلى ” باكستان ” في عام ( 2003 م )، وهناك طلب مني أقاربي أن أزوِّجه إحدى بنات أختي، مكث ابني هناك شهرا، وكانوا سعيدين جدًّا في هذا الوقت، وقد أنفق كثيرا من المال عليها، وعلى أسرتها، وعدتْه أنها سترعى أخواتها، وهذا شيء أفرحه، وكذلك أنا، وبعد عودته إلى ” المملكة المتحدة “: غيَّرت رأيها حول المجيء إلى هنا، مع أنها طلبت منه مالاً كل شهر، وهو يرسل لها مع الشكر، لقد كلفنا إحضارها إلى هنا الكثير من المال، أخيراً: والداها جعلوها تأتي، وفعلاً جاءت في ( يوليو 2004 م )، جميع عائلتي كانوا سعداء معها، أعطيناها كل شيء، وأولادي أغدقوا عليها، إلا أنها لا تزال غير سعيدة، وعذرها هو أنها تفتقد لعائلتها في ” باكستان “، ولكنها لم تعش مع ابني كزوج وزوجة كما ينبغي، وبعد ستة أسابيع فقط: رجعت بعدما وسَّطت العديد من الأقارب: أعمامها، وعماتها، كلهم حاولوا أن يقنعوها، أخبرتْهم أنها مجبرة من قبَل والديها، وأنها تريد أن تعيش وحيدة، هذا ليس مقبولاً بأي شرع، كونهم ليسوا مستعدين لحفظها، هي وهم قرروا أن يتركوها تعود، قالت: إنها لا تريد أي شيء من مالنا، أرسلناها إلى ” باكستان “، ابني اهتم بها، وأعاده، ولكن الآن أتلقى مكالمات من أفراد الأسرة الآخرين الذين يقولون: إنها تريد الطلاق، وما إذا كنا سنعطيها إيّاه، قلت لهم: إذا كان هذا ما تريده حقًّا: فسنقوم بذلك، ولكن الجديد في القضية هو أحد أقاربي يقول: إنها تلبس المجوهرات التي لبستْها في يوم العرس الذي أعطيناها من عندنا، وينبغي أن ترجعه لنا إذا أعطيناها الطلاق الذي طلبت، أعطتنا هذا قبل الذهاب إلى ” باكستان “، وأخبرت أخي الذي هو أيضًا عمها أنها لا تريد شيئاً، أخبِرونا ما هو الإجراء الإسلامي؟ وإذا استطعتم الإشارة علينا بأمور أخرى حول الطلاق التي أنا وابني نحتاج لمعرفتها فحبذا؛ كوننا لم نطلق أبداً في عائلتي؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

قد ذكرنا في أجوبة كثيرة مسألة الإقامة في بلاد الكفر، والمفاسد المترتبة على ذلك، والشروط الواجب توفرها في المقيم إن أقام لعذر شرعي يبيح له تلك الإقامة.

– وهذا الأمر يتعلق بكم، وبها لو أنها رضيت الإقامة معكم.

 

ثانيا:

الأصل أن يحافظ المسلم على زوجته، ولا يسعى في فراقها؛ لأن الطلاق أقل أحواله: الكراهة، والتفريق بين الزوج وزوجته من أعظم ما يفرح الشيطان الأكبر من أعمال جنوده، فإن استطعتم التمهل، وعدم الاستعجال في التطليق: فهو أفضل، والذي نراه لكم هو ترك تلك الديار التي تعيشون فيها الآن، والرجوع إلى بلادكم، والعيش هناك، فإن أبيتم ذلك: فاجعلوا هذا لابنكم، واجمعوه مع زوجته في بلادكم الإسلامية، ينجو بها من الفتن، ويترك الإقامة في ديار لا يجوز له الإقامة فيها، ويجتمع مع زوجته في بلادهما، وبين أهلهما.

ثالثا:

فإن لم يجد مع تلك الزوجة التوسط لإبقاء العلاقة الزوجية على حالها، ولم يرجع ابنكم لدياره للإقامة فيها والاجتماع مع زوجته: فله أن يفارقها بناء على طلبها، وهذا لا يسمَّى في الشرع طلاقا، بل يطلق عليه ” الخُلع “، وهو أن تبذل المرأة عوضاً ليفارقها زوجها، وهو مأخوذ من: خلَع الثوب: إذا أزاله؛ لأن المرأة لباسُ الرجل، والرجل لباس المرأة كما قال تعالى: ( هُنَّ لِبَاسٌ لَكُم وَأَنْتُم لِبَاسٌ لَهُنَّ ) [ البقرة / من الآية 187 ] .

ويسمَّى فداء أيضا؛ لأن المرأة تفتدي نفسها بمال تبذله إلى زوجها.

وهو الوارد في قوله تعالى: ( فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) [ البقرة / من الآية 229 ].

فلكم أن تطلبوا منها مقابل تحقيق رغبتها بالفراق التنازل عن مؤخر صداقها، وإرجاع مهرها المعجَّل الذي قبضته، ولكم أن تتركوه كله، أو بعضه لها، وليس عليكم شيء مقابل هذا الأخذ؛ لأنه حق لكم.

 

 

والله أعلم.

 

 

 

عمَّته تعتقد اعتقادات كفرية، وترتكب معاصي متعددة، فكيف السبيل معها؟.

عمَّته تعتقد اعتقادات كفرية، وترتكب معاصي متعددة، فكيف السبيل معها؟.

السؤال:

في البداية أود الاعتذار لأن الرسالة ستكون طويلة، ولكن ثقتي في سعة صدوركم لتقديم الفائدة كبيرة إن شاء الله، وأود أن تساعدوني بطريقتكم الدعوية لإعادة عمتي للنهج الصحيح للقرآن والسنة.

عمتي في الخمسينات من عمرها، ولديها ( 4 بنات)، تزوجت أولاهن في الصيف الفائت، وهي تفعل العديد من الأشياء المنافية للقرآن والسنة، وما يخرج أحيانًا من الملة والعياذ بالله، كما نسمع ونتعلم من علمائنا الأفاضل.

1- فعمتي تذهب للمنجمين والعرافين للاستعلام عن أي مشكلة تقع فيها بدعوى معرفة الأسباب الحقيقية وراء المشكلة.

2- أيضًا هي تعتقد بنفع وضر الأولياء الصالحين، ولديها وليٌّ نسبت نفسها وبناتها له، وتسعى لتطبيق عاداته أو طريقته كما يقولون، وتذبح له الذبائح، وتخشى منه إذا أخلت ببعض طرقه أن يعاقبها، وتفاصيل ذلك كثيرة، ولكني لا أريد الإطالة.

3- هناك أيضا ظاهرة اجتماعية وهي عبارة عن تعويذة وتسمى هنا ( الصفيحة ) وهي كالآتي: تقوم الأم قبل بلوغ بناتها بجرحهم ( 7 جروح ) خفيفة على مستوى الركبة، ثم تقوم بغمس ( 7 حبات ) زبيب، وتقوم البنت بأكلها، ولا أدري إن كان يصاحب ذلك كلام أو لا، هذه التعويذة تجعل الفتاة منيعة من ناحية الاعتداءات الجنسية كما يزعمون، ولا تقوم الأم بنزع هذه التعويذة إلا يوم زواج البنت بنفس الطريقة في المرة الأولى ليتمكن زوجها من الدخول بها، وإذا حدث ونسيت ذلك فلن يستطيع الزوج أن يفعل شيئًا مهما حاول حتى تستدعى الأم وتقوم بفك التعويذة، والحديث منسوب لعمتي التي قامت بها لجميع بناتها، وتبرر صحة هذه العادة بالعديد من الحالات التي نسيت الأم فتح التعويذة ولم ينجح الأزواج بالدخول بزوجاتهم إلا بعد فكها، ولما سألتها هل لديها عنها أصل في القرآن والسنة فربما كانت حراماً قالت لي: أكل شيء تحرمونه؟، هذه عادة معروفة والعديد من الناس يفعلونها ومعروفة بنجاعتها.

4- كل هذا بالإضافة لمشاهدة الأفلام والفيديو كليب بجميع أنواعه و” ستار أكاديمي “، وما إلى ذلك من البرامج التليفزيونية، وأيضا تعلق الصور بالبيت والتحف الفخارية على شكل عرائس وحيوانات، وحضور حفلات الأعراس الممتلئة بالمعاصي، فهي أيضًا قامت بتزويج ابنتها بهذه الطريقة.

المحير أنها تصلي وتذهب كل جمعة للمسجد للصلاة، وتقرأ القرآن، وتتصدق، ولكنها ترفض التسليم بتحريم ما تفعله كلما خاض بعض الأقارب الموضوع معها، وتقول: كل شيء تريدون تحريمه، ثم أنا أخاف – وتعني بذلك من الولي -.

أنا أريد التحدث معها منذ مدة، ولكني أجلت ذلك لأدعم كلامي بفتاوى من العلماء مدعمة بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية وأشهر تفاسير العلماء كي لا أدع لها مجالاً للتشكيك فيما أقول، فأرجو من فضيلتكم المساعدة لأني سأطبع إجابتكم وأقدمها لها عند حديثي معها كدليل وحجة، وأود نصيحتك في كيفية التحدث معها.

وجزاكم الله كل خير، وكلل مسعانا هذا بالنجاح إن شاء الله فهو ولي ذلك والقادر عليه، وهدانا جميعًا لما يحب ويرضى، فكما قال عليه الصلاة والسلام بما معناه لأن يهدي بك الله عبداً خيراً لك من حمر النعم.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

نشكر لك أخي السائل هذه الغيرة على دين الله، ونسأل الله أن يجزيك خير الجزاء عليها، وأن يكلل مسعاك في دعوة عمتك بالنجاح، فيهديها الله، ويجعل أعمالها في ميزان حسناتك.

ثانيا:

ولا يخفى عليك أخي الفاضل انتشار التصوف والقبورية في أرجاء الأرض، فبعض الدول الإسلامية يوجد فيها حوالي ( 3 آلاف ) قبر يُعظَّم! وزبائن القبور والمشاهد والأوثان في العالَم الإسلامي يعدون بمئات الملايين! وللأسف أنهم يُحسبون على المسلمين، ويُحسب فعلهم على الإسلام، ولا ندري – حقيقة – كيف لمسلم يشهد الشهادتين يفعل مثل هذا، وهو يعلم ما جاء به نبيه من تحطيم الأصنام، ونقض لعقائد الجاهلية، والتي بعضها أقل كفراً من عقائدهم التي ينسبونها للإسلام، فالجاهليون كانوا إذا أصابهم الضر في البحر دعوا الله مخلصين له في الدعاء، لعلمهم أنه لا ينجيهم من كربهم إلا الله، ومشركو زماننا من أهل القبور والأوثان وتعظيم الأولياء يدعون وليهم في السراء والضراء!.

ثالثا:

قال الإمام البغوي – رحمه الله -:

فالكاهن: هو الذي يخبر عن الكوائن في مستقبل الزمان، ويدَّعي معرفة الأسرار، ومطالعة علم الغيب، وكان في العرب كهنة يدعون معرفة الأمور، فمنهم من كان يزعم أن له رئيساً من الجن، وتابعه، تُلقي إليه الأخبار، ومنهم مَن كان يدَّعي أنه يستدرك الأمور بفهم أعطيه.

والعرَّاف: هو الذي يدَّعي معرفة الأمور بمقدمات أسباب يستدل بها على مواقعها، كالمسروق مَن الذي سرقها، ومعرفة مكان الضالة، وتُتهم المرأة بالزنى، فيقول من صاحبها، ونحو ذلك من الأمور، ومنهم مَن يسمِّي المنجم كاهنا. ” شرح السنَّة ” ( 12 / 182 ).

وإتيان العرافين والكهَّان من كبائر الذنوب، وهذا في مجرد الإتيان، وأما من جاءهم مصدِّقا لهم: فهو كفر مخرج من الملة؛ لمضادة ذلك للإيمان بالله تعالى أنه لا يعلم الغيب إلا هو، ومن باب أولى أن يكون حكم الكاهن والعرَّاف: الكفر المخرج من ملة الإسلام.

عَنْ صَفِيَّةَ عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيٍّ صلى الله عليه وسلم عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: ” مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً “. رواه مسلم ( 2230 ).

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ” مَنْ أَتَى حَائِضًا أَوْ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا أَوْ كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ “. رواه الترمذي ( 135 ) , وأبو داود ( 3904 ) , وابن ماجه ( 936 ، وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

رابعا:

والنفع والضر بيد الله، وبأمره عز وجل، وقد كان الكفار في الجاهلية يعتقدون في أصنامهم أنها تنفع من عبدها، وتضر من كفر بها, فردَّ الله عليه اعتقادهم هذا في أكثر من موضع من كتابه، وبيَّن أن هذا سفه في العقول، فهم الذين نحتوها وصنعوها، فكيف يعتقدون فيها النفع والضر، وهم الذين يلجئون إلى الله وحده لا شريك له في الشدائد، وتضل عنهم آلهتهم ومعبوداتهم في تلك الشدة، فأنَّى يكون لها النفع والضر في الدنيا فضلاً عن الآخر؟!.

قال تعالى: ( وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) [ يونس / الآية 18 ].

قال الإمام الطبري – رحمه الله -:

يقول تعالى ذِكره: ويَعبُد هؤلاء المشركون الذين وصفتُ لك يا محمد صفتهم، من دون الله الذي لا يضرهم شيئًا، ولا ينفعهم، في الدنيا، ولا في الآخرة، وذلك هو الآلهة، والأصنام التي كانوا يعبدونها.

( ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله )، يعني: أنهم كانوا يعبدونها رجاء شفاعتها عند الله.

قال الله لنبيه محمد صلى الله عليه وآله: ( قل ) لهم ( أتنبئون الله بما لا يعلم في السموات ولا في الأرض )، يقول: أتخبرون الله بما لا يكون في السموات، ولا في الأرض؟؛ وذلك أن الآلهة لا تشفع لهم عند الله في السموات، ولا في الأرض، وكان المشركون يزعمون أنها تشفع لهم عند الله، فقال الله لنبيه صلى الله عليه وآله: قل لهم: أتخبرون الله أن ما لا يشفع في السموات ولا في الأرض يشفع لكم فيهما؟ وذلك باطلٌ لا تُعلم حقيقته وصحته، بل يَعلم الله أن ذلك خلاف ما تقولون، وأنها لا تشفع لأحد، ولا تنفع ولا تضر.

(سبحان الله عما يشركون )، يقول: تنزيها لله وعلوًّا عما يفعله هؤلاء المشركون، من إشراكهم في عبادته ما لا يضر ولا ينفع، وافترائهم عليه الكذب.

” تفسير الطبري ” ( 15 / ص 46 ، 47 ).

وقد بيَّن الله تعالى عجز الأوثان والأصنام أن تكشف الضر عن أحد، أو تمنع وقوع الخير لأحدٍ.

قال تعالى: ( وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) [ الأنعام / الآية 17 ].

وقال: ( وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) [ يونس / الآية 107 ].

وقال عز وجل: ( مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) [ فاطر / الآية 2 ].

وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فَقَالَ: ” وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ, لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ, وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ, لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ, رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ “. رواه الترمذي ( 2516 ) ، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

ومن ينتسب للإسلام فلا نعجب إن كانت منزلة الولي عنده كمنزلة الأصنام عند الجاهليين، ولا نعجب إن رأيناهم يصرفون عباداتهم لهم، كالنذر، والذبح، والخوف، والخشية، والرجاء، وغير ذلك مما لا ينبغي للموحِّد أن يصرفه إلاَّ لربه وإلهه عز وجل.

ومثل هؤلاء لا تنفعهم صلاتهم، ولا صيامهم، ولا حجهم؛ لأن نقضوا توحيد الألوهية، فصرفوا ما يجب صرفه لله تعالى وحده: صرفوه لأوليائهم، وأوثانهم، كما أنهم نقضوا توحيد الربوبية باعتقادهم في أوليائهم من الأفعال ما لا يقدر عليه إلا الله، كالنفع، والضر، والسخط، والرضا، والثواب والعقاب، كل ذلك من أفعال الله تعالى وحده، لا يشاركه فيه أحد.

وهذا الولي المزعوم ليس من الصالحين، بل هو من أولياء الشيطان الذي يخوف به الشيطان الناس، ليوقعهم في الشرك الأكبر، ولو فُرض وجود ولي من الصالحين، فغلا به المسلم حتى جعل له مما لا يُجعل إلا الله تعالى: خرج من ملة الإسلام.

 

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

فكل مَن غلا في حيٍّ، أو في رجل صالح، كمِثل عليٍّ – رضي الله عنه – ، أو ” عدي “، أو نحوه، أو فيمن يَعتقد فيه الصلاح، كالحلاج، أو الحاكم الذي كان بمصر، أو يونس القتي، ونحوهم، وجعل فيه نوعاً من الإلهية، مثل أن يقول: كل رزق لا يرزقنيه الشيخ فلان ما أريده، أو يقول إذا ذبح شاة: باسم سيدي، أو يعبده بالسجود له، أو لغيره، أو يدعوه من دون الله تعالى، مثل أن يقول: يا سيدي فلان اغفر لي، أو ارحمني، أو انصرني، أو ارزقني، أو أغثني، أو أجرني، أو توكلت عليك، أو أنت حسبي، أو أنا في حسبك، أو نحو هذه الأقوال والأفعال التي هي من خصائص الربوبية التي لا تصلح إلا لله تعالى: فكل هذا شرك، وضلال، يستتاب صاحبه، فإن تاب وإلا قتل؛ فإن الله إنما أرسل الرسل، وأنزل الكتب، لنعبد الله وحده لا شريك له، ولا نجعل مع الله إلهاً آخر. ” مجموع الفتاوى ” ( 3 / 395 ).

وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله -:

ومعلوم أن الخوف من تلك الأصنام من أشنع أنواع الكفر والإشراك بالله، وقد بيَّن جل وعلا في موضع آخر، أن الشيطان يخوِّف المؤمنين أيضا، الذين هم أتباع الرسل، من أتباعه وأوليائه من الكفار، كما قال تعالى: ( إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين ) .

“أضواء البيان ” ( 6 / 464 ).

خامسا:

وأما التعويذة المذكورة في السؤال: فهي من الخرافات، ولا أصل لها في شرع الله تعالى، ولا في واقع الناس، وسبع حبات من الزبيب لا تمنع المرأة من الفجور، ولا تمنع الزوج من جماع زوجته.

سادسا:

وننصحك أخيرا: بمداومة نصح عمتك، وعدم السآمة من ذلك، وأن تداوم على الدعاء لها، وتحرَّ من أجل ذلك الأوقات والحالات الفاضلة، فلعل الله أن يستجيب دعاءك، وأن يهديها لما فيه صلاح حالها واعتقادها.

 

والله أعلم.

علاقة إلكترونية كاملة: راسلته، وكلمته، وتزوجته، وأرته جسدها، ونامت معه

علاقة إلكترونية كاملة: راسلته، وكلمته، وتزوجته، وأرته جسدها، ونامت معه

السؤال:

أنا شابة أبلغ من العمر ( 21 سنة )، أصلي من زمن بعيد، وأعرف ما بيني وبين الله، وأخاف كثيرا أن أقع في الحرام، قادتني الأقدار إلى التعرف على شاب طيِّب جدًّا، من أسرة فقيرة، أحببته كثيرا؛ لخلقه؛ وتربيته، زاد الحوار بيننا إلى أن وصل إلى تبادل القبَل عبر الميكرفون، ومخافة من الله عز وجل طلبت منه أن يتقدم لخطبتي، وافق، ولكن ظروفه المالية لا تسمح، قررت أن أقول أنا وهو: زوجتُك نفسي على سنَّة الله، ورسوله، وقراءة الفاتحة، ولقد أهادني مهرا، وهو عبارة عن آية قرآنية من سورة البقرة، وحفَّظها لي، حفظتُها عن ظهر قلب، ومن ذلك اليوم اتخذته زوجاً لي، حيث وضعت الكاميرا، وأريته نفسي، وقد وصلت إلى درجة النوم معه! عبر الميكرفون، والموبايل ، لكن مؤخراً أصبحت أحس كأنني أقترف جرما، خصوصا بعد الشك الذي راودني في فقدي لعذريتي، فقد بكيت طيلة ليلة كاملة، وبعد ذلك تأكدت أنني مازلت عذراء – ولله الحمد – لكنني أشعر بالذنب، وأنني خلعت ثوب عفتي، وأخلاقي.

أرجوكم، أرجوكم، أريد أن أعرف هل أنا أخطأت؟ وما الذي أفعله أنا وهو؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

جاء في سؤالك عبارة ” قادتني الأقدار “، وهي جملة مشتهرة على ألسنة المعاصرين، ومثلها عبارة ” شاء القدر “، وكلا العبارتين لا يجوز استعمالها؛ لأن القدَر من أمر الله تعالى، وهو وصف لا إرادة له، وإنما الذي يشاء هو الله تعالى، وفي العبارة محذور آخر، وهو الإيهام بأن العبد لا إرادة له، وأنه مُجبر! فالقدر – بالنسبة له – هو الذي قاده! والقدر هو الذي شاء! وغير بعيد أن تكون هذه من عبارات أهل البدع من ” الجبرية “، وانتشرت بحسن نية بين أهل السنَّة، فالواجب الحذر من استعمالها وأمثالها.

وفي ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 21 / 192 ):

قولكم: ” شاء القدر “: عبارة غير سليمة، والصواب أن تقولوا:” شاء الله “، فتنبهوا لذلك وفقكم الله. انتهى.

وقال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

أما قول بعض الناس:” شاءت الأقدار “؛ أو: ” شاء القدر “؛ أو:” شاءت إرادة الله “؛ أو:” عناية الله “: فكلام لا يجوز، وفيه سوء تعبير، والصواب أن يقال:” شاء الله سبحانه “، أو:” شاء ربنا سبحانه “، أو نحو ذلك من العبارات التي فيها إسناد المشيئة لله لا إلى صفاته. ” فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 28 / 372 ، 373 ).

ثانيا:

عندما نتلقى رسائل من الإخوة السائلين والأخوات السائلات لا نعجب من وقوع كثيرين في محظورات شرعية، ومخالفات واضحة بيِّنة، لكننا نعجب عندما ينتهي السؤال بقول السائل:” هل أنا مخطئ؟! ولا ندري هل هو يقصد السؤال حقيقة, أم هو من باب إيهام نفسه أنه من المحتمل أن لا يكون ما فعله خطأً! وها أنتِ أيتها السائلة مثال لما نقوله، فكل ما فعلتيه مع ذلك الذئب الخبيث مخالف للشرع, ابتداء من المراسلة, وانتهاء بالزواج الباطل الفاسد، ثم تختمين سؤالك بقولك:” هل أنا أخطأت ؟! “، وهل تظنين أنه من الصواب والمباح تعرفك على أجنبي، ومراسلتك ومكالمتك له، وتبادل القبَل معه، وكشف جسدك له، وتزويج نفسك منه، والنوم عارية معه، هل تظنين كل هذا من المباح الجائز لك فعله؟ وهل وصل الجهل بالمسلمين إلى أن مثل هذا يخفى عليهم؟ وهل لو فعلت ابنتك بعض هذا الذي فعلتيه كنتِ ستظنين أنه من الصواب؟ وماذا لو رآك أهلك تقبلين ” الميكرفون “؟! وماذا لو رأوك تتمشين عارية أمام الكاميرا؟! وماذا لو رأوك نائمة وأنت عارية مع غائب مجهول؟ ماذا سيحكم العقلاء – قبل العلماء – على تصرفاتك؟! إنها الشهوة التي غطَّت على عقول فتيات المسلمين وفتيانهم، وجعلتهم يسيرون في درب المجانين، ولو أن هذه المراجعة منك حصلت في أول العلاقة لعرفتِ الصواب من الخطأ، ولعرفتِ الهدى من الضلال، ولكن أبيتِ إلا الاستمرار في ملاحقة رغبات النفس، وشهواتها، وغرَّك ذلك الذئب الخبيث بآية من كتاب الله جعلها مهراً لزواج باطل فاسد!؛ ليجعل من فعله الخسيس ما تستبعدين به عدم شرعية ما يفعله معك، ولا ندري كم من الصور التقط! وكم من الأفلام سجَّل!.

ولقد وقعتِ أنت وذلك الذئب الخبيث فيما حرَّم الله، ولم يكن يباح لكِ التعرف عليه، ولا محادثته، ولا مراسلته، فضلا عن التقبيل والمشاهدة لجسمك الذي أمرك الله بستره.

والزواج الذي حصل بينكما باطل فاسد لا قيمة له في الشرع، والمرأة لا تزوج نفسها، بل يزوجها وليها، وموافقته شرط في عقد النكاح.

والواجب عليكِ الآن فعله دون تردد:

  1. التوبة الصادقة لربك سبحانه وتعالى، والندم على ما فات من أفعالك، والعزم الأكيد على عدم العوْد لها، ولا لمثلها.
  2. قطع الصلة بذلك الذئب الخبيث، وعدم مراسلته، أو محادثته بشيء، ولا تشعريه بأنك موجودة ولا تريدين الاتصال به؛ خشية أن يكون قد التقط لك صوراً أو سجل لك أفلاماً، ومن المحتمل أن يبتزك بها.

وأنتِ لم تسألي من أجل مجرد السؤال، وظننا أنك تريد تطبيق الحكم الشرعي الذي يلزمك، فها قد علمتِ أنه يلزمك التوبة، وقطع العلاقة مع ذلك الذئب البشري، وما علينا إلا النصح والبلاغ، وهو يعرف عنوانك والطريق إليك، فإن جاء تائباً نادماً على ما فعل، ثم أرادك زوجة له: فاقبلي التزوج منه، وإلا فيغنيك الله عنه، ويبدلك خيراً منه، ونحن لا نشجع أصحاب العلاقات على التزوج بعضهم من بعض؛ لما يبقى من أثر تلك العلاقات في النفوس؛ ولاحتمال أن ينشأ الشك وتظهر الريبة بعد ذلك الزواج في أقوال وأفعال كلا الزوجين.

 

 

والله الموفق.

حكمة تشريع الطهارة في الإسلام

حكمة تشريع الطهارة في الإسلام

سؤال:

ما هو معنى الطهارة للرد على أهل الكتاب في ذلك؟ ولماذا نتطهر للصلاة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

من يعلم ما جاءت به شريعة الإسلام الخالدة لا يستشكل ما أمرت به، ولا ما نهت عنه؛ لأن علمه بها يمنعه من أن يقف حائراً يتلمس الحكمة، وينظر في العلة، ولم نر مثل هذه الاستشكالات إلا ممن يجهل هذا الدين العظيم.

ولو أن شخصا ما يثق بطبيب بشري ثقة مطلقة، ثم جاء ذلك الطبيب ببرامج صحية، ووقائية: لرأيت ذلك الواثق بالطبيب يسلم له، وينفذ أوامره، وكله ثقة بأنه ما قال هذا إلا عن خبرة وتجربة، ولا تجده يقف ويتأمل حتى يعرف لم قال هذا هنا، ولم منع ذاك هناك.

ولله المثل الأعلى، فإن ثقتنا بربنا تعالى لا يمكن مقارنتها بثقة ذلك الشخص بذلك الطبيب، وكيف يكون هذا وليس ثمة مجال للمقارنة بين إله وبشر، بين خالق ومخلوق.

ومما يصدِّق هذا ما قاله الإمام ابن القيم – رحمه الله – في نهاية بحثه في حكَم تشريع الطهارة، قال:

لو أن ” أبقراط ” ودونه أوصوا بمثل هذا: لخضع أتباعهم لهم فيه، وعظَّموهم عليه غاية التعظيم، وأبدوا له من الحكَم، والفوائد ما قدروا عليه.

” شفاء العليل ” ( ص 230 ).

ثانيا:

– وأما بخصوص الحكَم من تشريع الطهارة: فهي كثيرة، ونعني بالطهارة: إزالة القذر، والنجاسات، والوضوء، والغسل، ومن هذه الحِكم:

  1. أن الطهارة موافقة للفطرة التي فطر الله تعالى الناس عليها، ومما لا شك فيه أن الإسلام هو دين الفطرة، وأنه جاء بالحث على ” سنن الفطرة ” لتوكيد فعل ما يُفعل منها، والبُعد عن ما يُترك منها، فغسل الوجه، وتنظيف الأنف، والفم، واليدين، وكذا الاغتسال، والاستنجاء، كل ذلك لا يحتاج لشرع ليشرعه، بل يكفي الإنسان أن يكون سليم الفطرة لينظف تلك الأعضاء والجوارح، وليحرص على بعدها عن القذر والنجاسة.
  2. والإسلام دين النظافة، والجمال، ويحرص على أن يكون أتباعه شامة بين الناس، ينظفون أبدانهم، ويسرحون شعورهم، ويلبسون أطهر الثياب، وتفوح منهم رائحة الطيب، ومثل هؤلاء لا شك ولا ريب أنهم سيكونون محط إعجاب الناس بهم، وهو ما يؤدي إلى نجاح دعوتهم لهذا الدين العظيم، وكما أن الناس تميل قلوبهم إلى النظيف الطاهر في بدنه وثيابه: فإنها تنفر من الوسخ القذر في ثيابه وبدنه، وليس هذا من الإسلام في شيء.
  3. أثبت الدراسات العلمية الحديثة المؤصلة أن النظافة والطهارة تحصِّن صاحبها من أمراض كثيرة، وأن القذارة سبب في حصول كثير من الأمراض، فكيف لهذا الدين العظيم أن لا يكون في تشريعاته ما يساهم في الوقاية من الأمراض، ويمنع من حدوثها وانتشارها؟!.
  4. للمسلم مع ربه تعالى لقاءات للمناجاة، ومن يقف بين يدي رئيس أو ملك أو عظيم: فإنه يحرص – كما هو مشاهد – على نظافة بدنه، وثيابه، وطيب رائحته، وحرص الناس على هذا مع البشر ليس في الإسلام ما يمنع منه، بل كان هذا هو هدي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، حيث كان يتجمل للوفود، ونزيد على ذلك أن أعظم من يُتجمل له، وأعظم من نحرص على طهارة أبداننا وثيابه ونحن بين يديه: هو الله تعالى، ولذلك لا نعجب عندما نفعل هذا بين يديه تعالى، وها هم الناس يحرصون على مثله أو أعظم منه بين يدي مخلوق مثلهم!.
  5. ومن تأمل أحكام الشرع، ورزقه الله تعالى الفهم: استطاع أن يفرِّق بين طرق الطهارة في الإسلام، وأنه ثمة حكم في كون الغسل من الجنابة، لا من البول – مثلاً -، وأنه ثمة فرق بين الوضوء والغسل.

قال ابن القيم – رحمه الله -:

إيجاب الشارع صلى الله عليه وسلم الغسل من المنيّ دون البول: فهذا من أعظم محاسن الشريعة، وما اشتملت عليه من الرحمة، والحكمة، والمصلحة؛ فإن المنيّ يخرج من جميع البدن، ولهذا سمَّاه الله سبحانه وتعالى ( سُلالة )؛ لأنه يسيل من جميع البدن، وأما البول: فإنما هو فضلة الطعام، والشراب، المستحيلة في المعدة، والمثانة، فتأثر البدن بخروج المني أعظم من تأثره بخروج البول.

وأيضا: فإن الاغتسال من خروج المني من أنفع شيء للبدن، والقلب، والروح، بل جميع الأرواح القائمة بالبدن فإنها تقوى بالاغتسال، والغسل يخلف عليه ما تحلل منه بخروج المني، وهذا أمر يُعرف بالحسِّ.

وأيضا: فإن الجنابة توجب ثقلاً وكسلاً، والغسل يُحدث له نشاطاً، وخفةً، ولهذا قال أبو ذر لمَّا اغتسل من الجنابة: ” كأنما ألقيتُ عنِّي حِمْلا “.

وبالجملة: فهذا أمر يدركه كلُّ ذي حسٍّ سليم، وفطرة صحيحة، ويعلم أن الاغتسال من الجنابة يجري مجرى المصالح التي تلحق بالضروريات للبدن والقلب، مع ما تحدثه الجنابة من بُعد القلب والروح عن الأرواح الطيبة، فإذا اغتسل: زال ذلك البُعد، ولهذا قال غير واحد من الصحابة: ” إن العبد إذا نام عرجت روحه، فإن كان طاهرا أذن لها بالسجود، وإن كان جنبا لم يؤذن لها “، ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم الجنُب إذا نام أن يتوضأ.

وقد صرح أفاضل الأطباء بأن الاغتسال بعد الجماع يعيد إلى البدن قوته، ويخلف عليه ما تحلل منه، وإنه من أنفع شيء للبدن والروح، وتركه مُضرٌّ، ويكفي شهادة العقل والفطرة بحُسنه، وبالله التوفيق.

على أن الشارع لو شرع الاغتسال من البول: لكان في ذلك أعظم حرج ومشقة على الأمة تمنعه حكمة الله، ورحمته، وإحسانه إلى خلقه.

” إعلام الموقعين ” ( 2 / 77 ، 78 ).

وقال الطاهر بن عاشور – رحمه الله -:

على أنّ في الاغتسال من الجنابة حكمة أخرى، وهي تجديد نشاط المجموع العصبي الذي يعتريه فتورٌ باستفراغ القوة المأخوذة من زبَد الدم، حسبما تفطّن لذلك الأطباء، فقُضيت بهذا الانضباط حِكَمٌ عظيمة. ” التحرير والتنوير ” ( 5 / 65 ).

  1. وفي الإسلام علاقة بين الظاهر والباطن، فمن حرص على تطهير بدنه وثيابه من الأقذار والنجاسات: فإنه ينبغي أن يكون أحرص على تطهير نفسه وباطنه من أخلاق السوء، ومن جمَّل بدنه وثوبه فهو علامة على جمال باطنه، ولا يحرص الإسلام على جمال الظاهر ويغض الطرف عن جمال الباطن، بل كلاهما مطلوب، وإن كان الإنسان يُعذر بعدم توفر ما يجمِّل ظاهره فإنه ليس معذوراً بترك تجميل باطنه، وكلا الطهارتين سبب لتحصيل محبة الله تعالى، قال تعالى: ( إِنَّ الله يُحِبُّ التوابين وَيُحِبُّ المتطهرين ) [ البقرة / من الآية 222 ].
  2. ونختم بكلام جامع للإمام ابن القيم – رحمه الله -، حيث يقول:

تأمَّل أبواب الشريعة ووسائلها وغاياتها كيف تجدها مشحونة بالحكَم المقصودة، والغايات الحميدة التي شرعت لأجلها التي لولاها لكان الناس كالبهائم، بل أسوأ حالاً، فكم في الطهارة من حِكمة، ومنفعة للقلب، والبدن، وتفريح للقلب، وتنشيط للجوارح، وتخفيف من أحمال ما أوجبته الطبيعة، وألقاه عز النفس من درن المخالفات، فهي منظفة للقلب والروح والبدن، وفي غسل الجنابة من زيادة النعومة والأخلاف على البدن نظير ما تحلل منه بالجنابة ما هو من أنفع الأمور.

وتأملْ كون الوضوء في الأطراف التي هي محل الكسب والعمل، فجعل في الوجه الذي فيه السمع والبصر والكلام والشم والذوق، وهذه الأبواب هي أبواب المعاصي والذنوب كلها، منها يدخل إليها، ثم جعل في اليدين وهما طرفاه وجناحاه اللذان بهما يبطش ويأخذ ويعطي، ثم في الرِّجلين اللتين بهما يمشي ويسعى.

ولمَّا كان غسل الرأس مما فيه أعظم حرج ومشقة: جعل مكانه المسح، وجعل ذلك مخرجاً للخطايا من هذه المواضع حتى يخرج مع قطر الماء من شعره وبشره، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: ” إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ – أَوِ الْمُؤْمِنُ – فَغَسَلَ وَجْهَهُ, خَرَجَ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إِلَيْهَا بِعَيْنَيْهِ مَعَ الْمَاءِ – أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ – فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ, خَرَجَ مِنْ يَدَيْهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ كَانَ بَطَشَتْهَا يَدَاهُ مَعَ الْمَاءِ – أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ – فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ, خَرَجَتْ كُلُّ خَطِيئَةٍ مَشَتْهَا رِجْلاَهُ مَعَ الْمَاءِ – أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ – حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيًّا مِنَ الذُّنُوبِ ” رواه مسلم، وفي صحيح مسلم أيضاً عن عثمان بن عفان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ جَسَدِهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِهِ ” فهذا من أجلِّ حكَم الوضوء، وفوائده.

وقال نفاة الحكمة: إنه تكليف ومشقة وعناء محض لا مصلحة فيه، ولا حكمة شرع لأجلها! ولو لم يكن في مصلحته وحكمته إلا أنه سيماء هذه الأمة وعلامتهم في وجوههم وأطرافهم يوم القيامة بين الأمم ليست لأحد غيرهم، ولو لم يكن فيه من المصلحة والحكمة إلا أن المتوضئ يطهر يديه بالماء وقلبه بالتوبة ليستعد للدخول على ربه ومناجاته والوقوف بين يديه طاهر البدن، والثوب، والقلب، فأي حكمة ورحمة ومصلحة فوق هذا؟!.

ولمَّا كانت الشهوة تجري في جميع البدن حتى إن تحت كل شعرة شهوة: سرى غسل الجنابة إلى حيث سرت الشهوة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ” إِنَّ تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةً “. رواه أهل السنن، وفيه ضعف – فأمر أن يوصل الماء إلى أصل كل شعرة، فيبرد حرارة الشهوة، فتسكن النفس، وتطمئن إلى ذكر الله، وتلاوة كلامه، والوقوف بين يديه. ” شفاء العليل ” ( ص 229 ، 230 ).

وبكل حال: فإنه من تأمل أحكام الشريعة بانت له حكَمها، ومن طمس الله بصيرته: فلن ينتفع بما يراه، ولا بما يسمعه، وليُعلم أن محاسن الأخلاق لم تختلف فيها الشرائع السابقة للإسلام، ولا يُتصور رسول يأتي قومه برسالة إلا وفيها الدعوة – أولاً – لتطهير القلب من رجس الأوثان، ثم تدعو الناس إلى الجميل من الأقوال، والأفعال، والأخلاق، وتطهير الثوب، والبدن، والغسل، والتطهر، وإزالة القذر والنجاسة مما لا تختلف الشرائع السماوية كلها في تشريعها، ومن جادل في ذلك فإنما يجادل بالباطل، ولا يزال الناس يُذهلون مما في الإسلام من تشريعات، فبينما كثير من الأمم لا يغسلون وجوههم إلا مرة في اليوم: نجد الإسلام يأمر أتباعها بغسله في كل مرة يتوضأ بها من مرة إلى ثلاث مرات، ومثله يقال في تنظيف الأنف، والفم، وسائر الجوارح، ولا عجب بعدها أن نرى عقلاء الأطباء، وعلماء الجراثيم يدخلون في دين الله تعالى؛ لما يرونه من دين يأمل بكل فضيلة وخير، وينهى عن كل رذيلة وشر.

 

والله أعلم.

تريد أمها مغادرة فرنسا لبلادها الإسلامية, فهل تعين أمها على ذلك وهي التي ترعاها؟.

تريد أمها مغادرة فرنسا لبلادها الإسلامية, فهل تعين أمها على ذلك وهي التي ترعاها؟.

السؤال:

تعرضت أمي لسكتة دماغية ( حادث الأوعية الدماغية ) بفرنسا، وشُلَّت، ولا تستطيع الاعتماد على نفسها، وعندما خرجت من المستشفى توليتُ رعايتها لمدة عام، وقد عادت لديها القدرة على الكلام وتناول الطعام، وأصبحت قادرة على تحريك أعضائها العلوية جزئيًّا، وفي غضون ذلك عانيت من الإحباط، ولم يعد بمقدوري تحمل المزيد، مع ملاحظة أني أعيش بمفردي مع طفليَّ، وأعاني من مشاكل صحية، ولهذا فقد طلبت من أختي مساعدتي – وهي تعيش بفرنسا أيضا – لكنها لم ترغب فى ذلك – قالت إنها تعمل – وقد قررتُ أن أعيدها لمنزلها بالوطن – الجزائر – حيث سيكون حولها زوجها وأبناؤها الآخرون – 5 منهم – وهي تريد اليوم أن تعود إلى فرنسا، وتكمن المشكلة في أن عملي – جليسة طفل بالمنزل – لا يسمح لي بأن أعتني بأمي المريضة، مع الأخذ في الاعتبار أن كلًّا من أبنائها الآخرين لا يرغب في الاعتناء بها، وأني إذا أخذتها إلى منزلي: فلن يكون لديَّ أي دخل، وأود أن أعرف ماذا أفعل، وأنا أشعر بتأنيب ضمير شديد عندما أفكر أني سأتعرض للعقاب جراء إعادة أمي لموطنها، وأخشى من غضبها، ومن عقاب الله، فهل بوسعكم – رجاء – إعطائي إجابة واضحة، وحكيمة، في هذا الشأن، ونأمل أن تتمكنوا من الإجابة على أسئلتنا بسرعة بالغة؛ لأن الأمر عاجل، وشكراً جزيلاً، وبارك الله فيكم.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

قد أحسنتِ غاية الإحسان في توليك ورعاية والدتك، والاعتناء بها، وهو أمر قد قصَّر فيه كثيرون، خاصة من يعيش منهم في بلاد الكفر القائمة على المادة، وعلى الحياة المجردة من المعاني السامية في العلاقة بين أفراد الأسرة، وبالذات مع الوالدين.

ولكننا في الوقت نفسه نعجب منك – ومثلك كثير – عندما يصيبهم الضجر من الاستمرار في العناية بوالديهم، وبخاصة في وقت حاجتهم لأولادهم، كمثل سن الكبَر، أو حين المرض، فنجد كثيرا من الأولاد – ذكورا وإناثا – يتخلون عن والديهم المحتاجين للعناية، والرعاية، والخدمة، والعلاج، ويبدأ التخلي عن البر، والرحمة، ويبدأ العقوق، والضجر، وكل هؤلاء نسوا أو تناسوا ماذا كان يفعل آباؤهم وأمهاتهم معهم وهم صغار، يحتاجون من يعتني بهم، ولهذا جاءت الوصية من الله تعالى للأولاد بالعناية بوالديهم عموماً، ووقت الحاجة خصوصاً، مع تذكيرهم بما فعله الوالدان في صغرهم.

قال تعالى: ( وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا . وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ) [ الإسراء / الآية 23 – 24 ].

قال الشيخ أبو بكر الجزائري – حفظه الله –:

أي: أن يبلغ سن الكبر عندك واحد منهما: الأب، أو الأم، أو يكبران معاً وأنت حي موجود بينهما، في هذه الحال يجب أن تخدمهما خدمتهما لك وأنت طفل، فتغسل بولهما، وتطهر نجاستهما، وتقدم لهما ما يحتاجان إليه، ولا تتضجر، أو تتأفف من خدمتهما، كما كانا هما يفعلان ذلك معك وأنت طفل، تبول، وتخرأ، وهما يغسلان، وينظفان، ولا يتضجران، أو يتأففان.

وقوله: ( ولا تنهرهما ) أي: لا تزجرهما بالكلمة العالية، النابية.

( وقل لهما قولا كريما ) أي: جميلا، سهلا، ليِّنا، يشعران معه بالكرامة، والإكرام لهما.

وقوله تعالى: ( واخفض لهما جناح الذل من الرحمة ) أي: ألن لهما، وتعطف عليهما وترحم، وادع لهما طوال حياتك بالمغفرة والرحمة، إن كانا موحدين، وماتا على ذلك. ” أيسر التفاسير ” ( 3 / 187 ، 188 ).

فالذي نوصيك به أنت وأشقائك وشقيقاتك أن تولوا والدتكم الاهتمام، والعناية، وهو أمر حتم عليكم جميعا، لا مناص لكم منه، واحذروا من عقوبة الله تعالى لكم، أن يجعل من ذريتكم من يعاملكم كما تتعاملون مع والدتكم.

ثانيا:

وأما بخصوص ما ننصحكم به: فهو أن تعجلوا بإرجاع والدتكم إلى بلدكم، وليس ثمة داع لبقائها في تلك الديار، وهي قد انتهت من العلاج، كما أنك أنتِ وأختك لا يحل لكما البقاء في تلك البلاد، وما تفعلينه أنتِ هناك من خدمة الأسر الكافرة يمكن أن تجدي مثله في بلادك إن رجعت إليها، واجعلي خروجك من الديار خالصاً لوجه الله، لعلَّ الله أن يرزقك رزقاً حسناً، ويكفي أنك تتخلصين من تلك الديار.

وقد ذكرنا في أجوبة كثيرة مسألة الإقامة في بلاد الكفر، والمفاسد المترتبة على ذلك، والشروط الواجب توفرها في المقيم إن أقام لعذر شرعي يبيح له تلك الإقامة.

فأرجعي والدتك لبلادها، وأنتم جهزوا أنفسكم للذهاب معها، ونسأل الله تعالى أن يشفي والدتك، وأن يلبسها لباس العافية، وأن يجمع شمل الأسرة في بلاد الإسلام.

 

والله أعلم.

أمه كافرة, وتكره لحيته ونقاب زوجته, وتريد مطلق التصرف بابنه!

أمه كافرة, وتكره لحيته ونقاب زوجته, وتريد مطلق التصرف بابنه!

السؤال:

أم زوجي كافرة، وتعيش في بلد كفار، وأنا منتقبة، وزوجي ملتحي، ولدينا ولد عمره سنة ونصف، ولا توافق على هذا الالتزام، وتريدني أن أترك النقاب، وأنا لا أوافق طبعا، وهي تريد أن نسمح لها بأن تأخذ له صورا، وتسمعه الموسيقى عن طريق اللعب، ولكننا نعارضها كثيرا.

وأيضا تريد أن تذهب بالولد لكي يروه أصدقاؤها بدوني؛ لأنها ترفض أن تنزل معي أمام الناس، قلت لها أن تأتي بأصدقائها إلى بيتي، ولكنها تريد جدًّا أن تخرج معه وحدها، وأنا لا أوافق لما يمكن أن يحدث من أضرار، وأنا أيضا لا أعلم إصرارها على خروج الولد معها وحده ( غير واضحة أو مكررة ).

هي الآن لا تريد أن تراني أنا وزوجي وابني، فماذا أفعل؟ غير أني في أوقات كثيرة أتكلم معها بطريقة ليست جيدة، وأنا أعلم أن هذا ليس من الدين، وأريد أن أعرف كيف أتصرف معها في هذه المواقف؟ وجزاكم الله خيرا.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

لتعلمي أن الإسلام يأمر بحسن الخلق، والمعاملة الحسنة، حتى مع الكفار غير المحاربين، لكن هذا لا يعني – البتة – التنازل عن الدِّين، والتفريط في الواجبات الشرعية التي أوجب الله تعالى علينا فعلها، أو فعل المحرمات التي نهانا الله تعالى عن إتيانها، من أجل كائن من كان من الأقارب، فضلاً عن الأباعد.

فتحسين خلقك مع أم زوجك، وتغيير معاملتك معها للأحسن: هما أمران محبوبان للشرع، وأنتِ تؤجرين عليهما، وخاصة إن احتسبتِ ذلك من أجل دخولها في الإسلام.

وفي الوقت نفسه: عليك الاهتمام بابنك، وتربيته التربية الإسلامية الصحيحة، وعدم التفريط في ذلك، فإن رغبت أم زوجك بشيء لا يتعارض مع هذا – كالخروج به للتفسح واللعب المباح -: فلا بأس من تمكينها منه، مع الحذر البالغ، وإن أرادت فعل شيء يتعارض مع اهتمامك به، وتربيتك له – كإسماعه الموسيقى المحرَّمة -: فلا تمكنيها منه، وليس ذلك لأنها كافرة، بل يكون هذا الحكم سارياً حتى لو كانت مسلمة، ونرى – بسبب صغر سنِّه – عدم التشدد منكم في أمركم هذا، فلعلَّ تعلقها به أن يكون طريقها للهداية، وسبباً في ترك ما هي فيه من غواية، فالحرص منكما مطلوب، لكن من غير وسوسة، ولا تشدد، وإن رأيتم تعلقها به قويًّا فلعل أن يكون اهتمامها بصحته وسلامته مثل – أو أكثر من – اهتمامك أنتِ ووالده.

ثانيا:

وأما بخصوص بغضها لنقابك، ولحية زوجك: فهذا غير مستغرب من الكفار، وإذا كنا نرى ذلك في بعض المنتسبين للإسلام: فلن يفاجأنا وجوده في كافر، فاستمرا على ما أنتم عليه من التزام واستقامة، ولا تلتفتا لرضاها على حساب معصية الله تعالى، وفي الوقت نفسه: ابذلوا جهودكم في دعوتها، عن طريق التحبب لها بالهدايا، وخدمتها، والنفقة عليها، واستثمار حبها لابنكما حتى تصلا إلى بغيتكما في أن تعلن إسلامها، وليس ذلك على الله بعزيز.

ثالثا:

وما يجب على زوجك من بر أمه، والإحسان إليها: ليس هو مثله ما يجب عليكِ؛ للفرق بينكما، فهي والدته، ولها عليه حق الإحسان إليها، ومصاحبتها بالمعروف، حتى لو كانت كافرة، وحتى لو دعته لمعصية، بل للكفر! فلا يستجيب لها فيما تأمره به مما يخالف شرع الله تعالى، ولا يغلظ لها القول، ولا يخشن لها المعاملة.

قال علماء اللجنة الدائمة:

ولهذا أيضا فإنه على تقدير الإساءة من الوالد لولده: فإنه لا يجوز للولد المقابلة بالسيئة، بل يقابلها بالحسنة؛ عملا بقول الله تعالى: ( ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ) [ فصلت / من الآية 34 ]، والوالدان أولى بالإحسان من غيرهما؛ ولقول الله تعالى: ( وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ) [ الإسراء / من الآية 23 ].

طاعة الوالدين في المعروف واجبة على ولديهما، ما لم يأمرا بمعصية، فإذا أمرًا بمعصية: ( فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق )؛ لقول الله تعالى: ( وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ) [ العنكبوت / من الآية 8 ]؛ وقوله سبحانه: ( وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ) [ لقمان / من الآية 15 ]، وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق “. رواه الإمام أحمد.

فإذا أمر الوالدان ولدهما بفعل معصية، من شرك بالله عز وجل، أو شرب خمر، أو سفور، أو تشبه بالكفار من اليهود والنصارى وغيرهم، ونحو ذلك من المعاصي، أو أمر الوالدان ولدهما بترك فرض من الصلوات الخمس المفروضة، أو عدم أدائها من البنين في المساجد، ونحو ذلك مما أوجبه الله على عباده: فإنه لا يجوز للولد طاعتهما في شيء من ذلك، ويبقى للوالدين على الولد حق الصحبة بالمعروف والبر، من غير طاعة في معصية أو في ترك واجبا.

الشيخ عبد العزيز بن باز, الشيخ عبد العزيز آل الشيخ, الشيخ عبد الله بن غديان, الشيخ صالح الفوزان, الشيخ بكر أبو زيد.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 25 / 131 – 135 ) باختصار.

 

والله أعلم.

دراسته مختلطة في بلد أجنبي ويسأل عن حضور مادة ” الثقافة الجنسية “؟!

دراسته مختلطة في بلد أجنبي ويسأل عن حضور مادة ” الثقافة الجنسية “؟!

السؤال:

أدرس مادة في الثانوية العامة تسمَّى ” إدارة الحياة “، تناقش فيه مواضيع عن الجنس، وعوازل القضيب، وحبوب الحمل، الجنس في الدبر، ومواضيع متعلقة بالجنس، إنني شخص لا أستطيع ضبط نفسي، وأتهيج إذا نوقِشت مثل هذه المواضيع، ما أسأل عنه هو: هل دخولي مثل هذه المواد حلال؟ هل أسقط هذه المادة وأغيِّر إلى فصول لا يوجد فيها مثل هذه المادة ” إدارة الحياة “؟ هل يجوز أن نناقش الجنس، واللواط في فصول مختلطة؟ ماذا عليَّ لو لم أشارك في المناقشة؟ إنني في مدرسة عامة، ومجبر أن أذهب إليها من قبل أمِّي، أحاول أن أقنعها أن أدرس من البيت، إلا أنها ستتعصب، وترفض، إذا هل يجوز لي أن أذهب إلى هذه المدرسة؟ ما الذي عليَّ عمله إذا لم أستطع تغيير المدرسة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

لا ريب أن المجتمعات الغربية أصبحت وصمة عار في تاريخ الإنسانية بما فيها من شذوذ في الأخلاق، وانحرافات في السلوك، وانتكاس للفطرة السليمة، وأصبح ” السعار الجنسي ” الشغل الشاغل لكافة طبقات المجتمع، ولم يسلم منهم حتى الأطفال في بيوتهم، ولا في مدارسهم، فعقدت المؤتمرات، وصدرت المراسيم والقرارات بضرورة نشر ” الثقافة الجنسية ” في مدراس تلك المجتمعات المنحلة، ولم يكتفوا بالفساد لأنفسهم حتى سارعوا لنشره في الدول العربية والإسلامية لتحذو حذوهم في الفتن والشذوذ، فانصاع لهم من اغتر بهم، وسلَّم الله من شاء له الهداية والتوفيق.

ومن أراد النجاة لنفسه وأهله: فلا ينبغي له الرضا بأن يكون جزء من تلك المجتمعات، ولا أن يعيش بين أظهرهم، ويتحتم عليه المنع إن شاركهم فيما يفعلونه من محرَّمات ومفاسد وشذوذ.

وقد نادى عقلاء تلك المجتمعات بضرورة فصل الطلاب عن الطالبات في الدراسة، وقد تبين لهم وجود مفاسد كثيرة جرَّاء ذلك الاختلاط، وبعضهم أرجع المفاسد للأخلاق، وآخرون أرجعوه للتحصيل الدراسي، وبكل حال: فإن الاختلاط في مثل هذه الأماكن في شرعنا من المحرَّمات، وقد جاءت شريعتنا الإسلامية المطهَّرة بما فيه صلاح الفرد والمجتمع، في دينه ودنياه.

ثانيا:

– وفيما تذكره أخي السائل من حال سبق أن نبهنا على أكثره مرارا وتكرارا، وهو يشمل أمورا ثلاثة:

أ. الإقامة في دول الكفر.

ب. الاختلاط في التعليم.

ج. دراسة ما يسمَّى بـ ” الثقافة الجنسية “.

ونقف معه وقفة يسيرة ها هنا، فنقول:

لا شك ولا ريب أن تدريس مسائل الجنس وما يتعلق به من أمور للطلاب والطالبات في مراحل مبكرة من عمرهم فيه مفاسد كثيرة، ومنها:

  1. تعجيل النمو الجنسي عند الطلاب والطالبات، وقد ثبت أن كثيرا من الطلاب والطالبات لا ينتظرون حتى يصلوا إلى المرحلة التي تدرَّس فيه تلك المواد، بل يسارعون إلى استعارتها من زملائهم وزميلاتهن قبل الوصول لتلك المرحلة! ولك أن تتصور مدى الفساد الذي يُمكن أن ينشأ نتيجة هذا الأمر، وبخاصة إذا استغل الكبارُ الصغارَ للتطبيق العملي عليهم!.
  2. انتشار حمل الطالبات في المراحل الثانوية والجامعية، وقد وصلت الأعداد إلى حدٍّ ملفتٍ للنظر، حتى دعا هذا الأمر للتدخل من بعض عقلاء التربويين لوضع حدٍّ لهذا الأمر، وأنَّى لمثل هؤلاء العقلاء أن يصلحوا في مجتمع مجنون بالسعار الجنسي؟!.
  3. ازدياد حالات الاغتصاب بين الطلاب والطالبات، وثمة قضايا مشتهرة، ومنتشرة، ولم يعُد الأمر خافياً على أحد، بل صار كابوس ” الاغتصاب ” يراود الطالبات ويعيش معهن، وتنتظر كل طالبة الوقت الذي سيحصل معها.
  4. كثرة حوادث القتل بين الطلاب بعضهم مع بعض، والطلاب لمدرسيهم، وكل ذلك من أجل التنافس على عشق طالبة، والفوز بقلبها!.
  5. نزع الحياء من الطلاب والطالبات، وترى هذا في واقع حالهم بعد تلك الدروس، ويظهر ذلك في حوارهم مع أهليهم، وفي مجالسهم العامة.
  6. السعي نحو التطبيق العملي لتلك الدروس النظرية؛ لأنه من المعلوم أن تدريس هذه المواد مما يثير الشهوة – كما جاء في السؤال -، وخاصة إن كان مع التدريس النظري صورٌ ترى، وأفلا تُشاهد، وهو ما يجعل الطلاب والطالبات يحرصون على تطبيق ذلك على أرض الواقع العملي، ولو من أجل اكتشاف المجهول، ثم سرعان ما يتحول ذلك إلى سعار، وإن لم يتمكن أحدهم من ممارسة الجنس مع الطرف المغاير له: مارسه مع أهل جنسه، فينتشر الشذوذ، وهو واقع كثير من تلك المجتمعات، بل أصبحت لهم مؤسسات ونقابات تدافع عنهم، وتطالب لهم بمزايا وحقوق.

سئل علماء اللجنة الدائمة:

أنا طالب جامعي في السنة الأولى، أدرس الهندسة الكهربائية في جامعة مختلطة، وأنا أعلم – وهذا مما لا شك فيه – أن الاختلاط في ديننا الإسلامي محرم، وبالتالي حرم التعلم في مثل هذه الجامعات، ولكن إذا تركت الدراسة فيها من قبل من هم على درجة من الالتزام والخلق والدين، فإنها سوف تترك للنصارى عباد الصليب وللمتمسلمين الذين ليس لهم من الإسلام إلا الاسم، وبالتالي فإننا سوف نفقد الطبيب المسلم الذي يعتمد عليه – بعد الله – والمهندس والمدرس والممرض من المسلمين، وهذا يعني أننا سوف نفقد طاقما كبيرًا من المجتمع المسلم، وسوف نعتمد على من هم ليسوا ثقة للاعتماد عليهم من الفسقة وعباد الصليب، هذا مع العلم أنه لا توجد في بلادنا الإسلامية جامعات إسلامية علمية غير مختلطة، وإن وجد فإن الحالة المادية لا تسمح لمثلي أن يدرس فيها.

فهل إذا ما حاولنا قدر الإمكان الابتعاد عن الاختلاط، وحاولنا قدر الإمكان غض البصر والالتزام بأمور ديننا الحنيف يجوز لنا أن ندرس في مثل هذه الجامعات؟ علمًا بأنني والحمد لله أحاول أن أجمع بين العلم الديني والعلم الدنيوي، ولا أطلبهما إلا ابتغاء وجه الله.

فأجابوا:

( لا يجوز للطالب المسلم أن يدرس في فصول مختلطة بين الرجال والنساء؛ لما في ذلك من الفتنة العظيمة، وعليك التماس الدراسة في مكان غير مختلط؛ محافظة على دينك وعرضك { وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا } [ الطلاق / الآية 2] ). فتاوى اللجنة الدائمة1 (12 / 173,172).

الشيخ عبد العزيز بن باز, الشيخ عبد العزيز آل الشيخ, الشيخ عبد الله بن غديان, الشيخ صالح الفوزان, الشيخ بكر أبو زيد.

سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

هل يجوز للرجل أن يدرس في جامعة يختلط فيها الرجال والنساء في قاعة واحدة علماً بأن الطالب له دور في الدعوة إلى الله ؟.

فأجابوا:

( الذي أراه أنه لا يجوز للإنسان رجلا كان أو امرأة أن يدرس بمدارس مختلطة وذلك لما فيه من الخطر العظيم على عفته ونزاهته وأخلاقه؛ فإن الإنسان مهما كان من النزاهة والأخلاق والبراءة إذا كان إلى جانبه في الكرسي الذي هو فيه امرأة ولاسيما إذا كانت جميلة ومتبرجة لا يكاد يسلم من الفتنة والشر, وكل ما أدى إلى الفتنة والشر فإنه حرام ولا يجوز، فنسأل الله سبحانه وتعالى لإخواننا المسلمين أن يعصمهم من مثل هذه الأمور التي لا تعود إلى شبابهم إلا بالشر والفتنة والفساد.. حتى وإن لم يجد إلا هذه الجامعة يترك الدراسة إلى بلد آخر ليس فيه هذا الاختلاط، فأنا لا أرى جواز هذا وربما غيري يرى شيئاً آخر ) فتاوى إسلامية (3 / 130).

سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

أنا طالبة في كلية الطب, منَّ الله علي بعد التحاقي بالكلية وهداني إلى صراطه المستقيم, فغطيت وجهي, والتزمت بكتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم, فله الحمد سبحانه, ولكن دارستي بالكلية تستلزم مني الوقوع في كثير من المنكرات, أهمها الاختلاط بالجنس الآخر منذ خروجي من البيت وحتى عودتي إليه وذلك في الكلية؛ حيث أنها مختلطة, أو في وسائل المواصلات وفي الشارع تطول لعدة سنوات حتى التخرج, وأنا الآن أريد أن أقّر في البيت وأترك الدراسة, لا لذات الدراسة, ولكن للمنكرات التي ألاقيها, ووالدي ووالدتي يؤكدان عليَّ بمواصلة الدراسة, وأنا الآن متحيرة هل أدخل بطاعتي لهما وممن يعنيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لقوله:” من أرضى الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس “, أم أن عدم طاعتي لهما في هذا الأمر يعتبر عقوقا؟.

فأجاب:

( إذا كان الحال على حسب ما وصفت هذه المرأة بالنسبة لدراستها فإنه لا يجوز لها أن تواصل الدراسة مع هذا المنكر الذي وصفته لنا في رسالتها, ولا يلزمها أن تُطيع والديها في الاستمرار بهذه الدراسة, وذلك لأنّ طاعة الوالدين تبعا لطاعة الله عز وجل, وطاعة الله هي العليا, وهي المقدمة, والله تبارك وتعالى ينهى المرأة أن تكشف وجهها للرجال, وأن تختلط بهم هذا الاختلاط على الوجه الذي وصفت هذه المرأة في كتابها, وإذا تيسر لها أن تِّحول دراستها إلي جامعات أخرى في حقل آخر لا يحصل به هذا الاختلاط فهو أولى وأحسن, وإذا لم يحصل فإنها تبقى في بيتها ورزق الله تعالى واسع ) فتاوى نور على الدرب (13 / 52).

 

 

 

 

 

سئل الشيخ عبد الله بن جبرين – حفظه الله -:

أنا طالب أدرس في الخارج, والجامعة فيها اختلاط ” ذكور وإناث ” وسؤالي هلي يجوز أن أدرس في هذه الجامعة؟.

فأجاب:

( ننصح المسلم الذي يريد نجاة نفسه أن يبتعد عن أسباب الشر والفتنة، ولا شك أن الاختلاط مع الشابات في المدارس من أسباب وقوع الفساد وانتشار الزنى, ولو حاول الشخص أن يحفظ نفسه فلابد أن يجد صعوبة, لكن إذا ابتلى الشخص بذلك فعليه التحفظ؛ والاعتزال؛ وغض البصر؛ وحفظ الفرج؛ وعدم القرب من النساء مهما استطاع ) فتاوى إسلامية (3 / 128).

ثالثا:

من أجل ذلك كله: لا نرى لك، ولا لأي مسلم أو مسلمة أن يكون في تلك المجتمعات المنحلة، فضلًا أن يكون طالباً في مدارسهم المختلطة، فضلا أن يحضر تلك الدروس الجنسية المثيرة والمفسدة، ولنعم الجهل مع العفاف، ولبئس العلم مع الانحلال.

واستمع لشهادة طبيبة أمريكية عملت في بعض الدول العربية، ورأت واقع حال بلدها، واعترفت بخطأ نشر مادة ” الثقافة الجنسية ” بين الطلاب والطالبات في المدراس، تقول:

” … ولئن كانت نساؤكم في الشرق لا يعرفن عن أسرار الحياة الجنسية بعض ما تعرفه فتيات أمريكا: فإني أقول – بضمير مرتاح -: إنه خير لكم أن تئنوا تحت وطأة الجهل، من أن تنعموا بهذه المعرفة، إننا نلقي على فتياتنا الدروس؛ لتعريفهن دقائق الحياة الجنسية، فلا تلبث الواحدة منهن أن تخرج من قاعة المحاضرات، باحثة عن أول صديق، وأقرب زميل؛ لتمارس معه النظريات الجنسية التي تعلمتها، في غير مبالاة، كأنها تشترك معه في رواية تمثيلية، أو تتفرج على لعبة ” فولي بول “، وتكون النتيجة الطبيعية لذلك مزيداً من العبث، ومزيداً من الانحلال “.

انظر:” مكانكِ تحمدي ” أحمد محمد جمال ( ص  93 ، 94 ) ، بواسطة ” قضايا المرأة في المؤتمرات الدولية ” للدكتور فؤاد بن عبد الكريم.

 

 

والله الموفق.

حقيقة الاستغفار، وحكم نشر رسائل الجوال التي تدعو للاستغفار

حقيقة الاستغفار، وحكم نشر رسائل الجوال التي تدعو للاستغفار

السؤال:

وصلتني رسالة جوال، وقد انتشرت كثيرا، وأود معرفة مدى صحة نشر مثل هذه الرسالة، وهل فيها محذور شرعي أم لا؟ جزاكم الله خيرًا، ونص هذه الرسالة:

” إحياءً لسنة التواصي بالحق: فلقد كثرت الأمراض، وتوقف المطر، وانتشر الغلاء، والوباء، والفتن، والحل هو دعوة لحملة استغفار: فدعونا نستغفر اليوم ولو (100 مرة )؛ لعل الله أن يغيث البلاد، والعباد، فما نزل بلاء إلا بذنب، فاستغفر الله، وأرسل لمن عرفت، ولا تجعل الرسالة حبيسة صندوق الوارد، فأرسل عسى الله أن ينفع بك، ولا تستهن، فرب عمل صغير مردوده كبير، أسعد الله أيامكم “.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

نشكر للأخت السائلة فعلها بطلب معرفة موافقة هذه الرسالة لشرع الله تعالى، في وقت نعاني فيه من انتشار مئات الرسائل بعناوين مختلفة، ينتشر منها الملايين في الآفاق، دون أن يكلِّف كثيرون أنفسهم للسؤال عن صواب ما يرسلون من خطئه.

وإن أكثر ما يؤلمنا في تلك الرسائل احتواؤها على حديث ضعيف، أو موضوع، أو بدعة، ثم يطلب المرسل من المرسَل إليه أن يرسلها لمن عرف! وقد تُختم تلك الرسائل بالعبارة المشهورة ” انشر تؤجر “.

ثانيا:

– وأما بخصوص عبارات تلك الرسالة: فإننا نجد أنها لا تصلح للنشر، وأن فيها ما يمنعنا من جعلها معتمدة موافقة للشرع؛ لما يلي:

  1. أن فيها مبالغات في وصف واقع بلاد المسلمين، وقد تُخل مثل هذه الرسائل اليأس في قلوب قارئيها، وبلاد المسلمين تشهد إقبالا عظيما على الالتزام، والاستقامة، وهذا مع كثرة من يحارب وجود هذا، ومع كثرة من ينشر الفساد في تلك البلاد، وهذا من فضل الله تعالى ورحمته، والواجب وصف الحال بما يطابق الواقع، وحتى الأمطار التي حبست لفترة فإن الله تعالى قد رحم عباده فأسقاهم ماء طهورا.
  2. هذه الرسالة تجعل من المرء الذي يلبي رغبة مرسلها بإرسالها لغيره كأنه قدَّم شيئاً في مواجهة تلك الأمراض والوباء والغلاء وحبس المطر والفتن، والحقيقة أن الاستغفار هو جزء من المطلوب من المسلم جرَّاء ما يعيشه المسلمون من أشياء ذُكرت في الرسالة أو لم تُذكر، ونخشى أن يعتقد المسلم أنه باستغفاره لعدد معيَّن أنه دوره في الحياة، وتبقى الأمور على ما هي عليه، فالأرصدة في البنوك الربوية، والبيوت تعج بالفضائيات، والصلاة نام عنها كثيرون، ولم يأمر الوالد ابنته بالحجاب، ولا أخذ الوالد ابنه للمسجد، وهكذا في سلسلة أمور عملية كثيرة إما أن تكون مطلوبة من المسلم فيقصر في أدائها، أو منكرات يجب عليها تركها فيتقاعص عن فعل ذلك؛ اتباعا لهواه، وبإرساله ( 10 ) رسائل لأصدقائه يعتقد أنه أدَّى ما عليه، وبقي على الله تعالى أن يرفع البلاء والغلاء والوباء! وهذا أمر خطر، يجدر التنبه له، والتنبيه عليه، والواقع أنه مطلوب من المسلم ما هو أكثر من الاستغفار، أو قل: مطلوب منه أن يستغفر الله على الوجه الشرعي، لا أنها كلمات تقال باللسان.
  3. بعض ما في هذه الرسالة شُرع له في دين الله عبادات خاصة، كتوقف المطر، فإنه شُرع لها ” صلاة الاستسقاء “، وفي هذه الرسالة تضييع لهذا التشريع.
  4. إلزام الناس بعدد معيَّن من الاستغفار فيه مخالفة للشرع، ولا مانع من حث الناس على الاستغفار, لكن دون تحديد عدد معيَّن، وفضل الاستغفار عظيم، ولو أن المرسل كتب بعض فضائله، ثم طلب من الناس أن يطبقوا هذا في واقعهم، ولا يحرموا أنفسهم من أجوره: لما كان في فعله ما يُنكر.
  5. في هذه الرسالة تفسير خطأ لآية مباركة، وهي قوله تعالى: ( فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً . يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا . وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً ) [ نوح / الآية 10 – 12 ]، وكثيرا ما يُستدل بها على أن قول ” أستغفر الله ” يُنزل الغيث من السماء، ويجلب الرزق، ويساعد في الإنجاب، والحقيقة أن الاستدلال بالآية غير صحيح؛ لأن الاستغفار فيها يعني: التوبة من الكفر، وإخلاص العبادة لله تعالى وحده، والترك للذنوب للمعاصي، وهذا هو الذي أشرنا له قبل قليل أنه هو معنى الاستغفار على الوجه الشرعي، وليس هو أن يقول المسلم بلسانه عبارة ” أستغفر الله “، وإن كان له فيها أجر.

قال الإمام الطبري – رحمه الله -:

وقوله: ( فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا ) يقول: فقلت لهم: سلوا ربكم غفران ذنوبكم، وتوبوا إليه من كفركم، وعبادة ما سواه من الآلهة، ووحدوه، وأخلصوا له العبادة: يغفر لكم؛ إنه كان غفاراً لذنوب من أناب إليه، وتاب إليه من ذنوبه.

وقوله: ( يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا ) يقول: يسقيكم ربكم إن تبتم، ووحدتموه، وأخلصتم له العبادة الغيث، فيرسل به السماء عليكم مدرارا متتابعا… .

” تفسير الطبري ” ( 23 / 633 ).

وقال ابن كثير – رحمه الله -:

أي: ارجعوا إليه، وارجعوا عما أنتم فيه، وتوبوا إليه من قريب، فإنه من تاب إليه: تاب عليه، ولو كانت ذنوبه مهما كانت في الكفر، والشرك.

” تفسير ابن كثير ” ( 8 / 232 ).

فهذه الرسالة ومثيلاتها تدعو لاستغفار باللسان، ولو بقي المسلم على ما هو عليه من ذنوب ومعاصٍ، وهذا خلل في فهم هذه الكلمة العظيمة، وتحريف لمعنى الآية المباركة، بل الاستغفار هو حضور القلب مع الإخلاص، وترك الذنوب، والقول باللسان، وإنما تدعو هذه الرسالة ومثيلاتها لاستغفار لا بأركانه العظيمة، ولا بمعانيه السامية.

قال القرطبي – رحمه الله -:

وقد مضى في سورة ” آل عمران ” كيفية الاستغفار، وأن ذلك يكون عن إخلاص، وإقلاع من الذنوب، وهو الأصل في الإجابة.

” تفسير القرطبي ” ( 18 / 303 ).

وقد قال هود ونبينا – عليهما السلام – لقوميهما مثل الذي قاله نوح عليه السلام لقومه، وهو يؤكد معنى الاستغفار في الآية، وأنه ما ذكرناه، ونقلناه عن أهل العلم.

قال هود لقومه:( وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ ) [هود / من الآية 52 ] ، وقال نبينا عليه الصلاة والسلام لقومه: ( وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً ) [ هود / من الآية 3 ].

ويدل على هذا المعنى: ما جاء في القرآن من آيات يبين الله تعالى عاقبة الإيمان، والتقوى، وإقامة الشرع، والطاعة، وأن ذلك هو سبب الرزق، والمخرج من الفتن، والبلاءات، ومنه:

قوله تعالى:( وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ) [ المائدة / من الآية 66 ].

وقوله: ( مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ) الآية, [ النحل / من الآية 97 ].

وقوله: ( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ) الآية, [ الأعراف / من الآية 96 ].

وقوله: ( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً . وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ) الآيات, [ الطلاق / الآية 2 – 3 ] .

قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله – في تفسير آية ( ولو أنهم أقاموا التوراة … ) وبعد أن ساق مجمل الآيات السابقة -:

ومفهوم الآية: أن معصية الله تعالى سببٌ لنقيضِ ما يُستجلب بطاعته، وقد أشار تعالى إلى ذلك بقوله: ( ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ ) الآية, [ الروم / من الآية 41 ] ، ونحوها من الآيات.

” أضواء البيان ” ( 1 / 416 ، 417 ).

وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – في تفسير ( آية 27 ) من سورة ” البقرة ” ( الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ) -:

المعاصي والفسوق سبب للفساد في الأرض، كما قال تعالى:( ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون ) [ الروم / الآية 41 ].

ولهذا إذا قحط المطر، وأجدبت الأرض، ورجع الناس إلى ربهم، وأقاموا صلاة الاستسقاء، وتضرعوا إليه سبحانه وتعالى، وتابوا إليه: أغاثهم الله عزّ وجلّ، وقد قال نوح عليه السلام لقومه: ( فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارًا . يرسل السماء عليكم مدرارًا . ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لهم أنهارًا ) [ نوح / الآية 10 – 12 ]. انتهى.

وهذا هو حقيقة الاستغفار، وهو ما أحببنا التنبيه والتركيز عليه في جوابنا هذا، ولعل مثل هذه الرسائل أن تستبدل بغيرها، وينشر الحريصون رسائل فيها دعوة الناس للتوبة الصادقة، وإرجاع الحقوق إلى أهلها، والتخلص من الربا، ورعاية الأولاد وحسن تربيتهم، وغير ذلك من المعاني الجليلة، والتي تساهم في إصلاح الأفراد، والبيوت، والمجتمعات.

 

والله أعلم.

 

 

 

 

تزوج قريبته وهو لا يحبها, ولا يطيقها, فهل من الظلم أن يطلقها؟

تزوج قريبته وهو لا يحبها, ولا يطيقها, فهل من الظلم أن يطلقها؟

السؤال:

مشكلتي تختلف عن ما أرسلتموه من إجابة سابقة لبعض المشاكل، وأنا أرى مشكلتي تختلف عنها، وهي بالخصوص عدم اقتناعي بها في الأصل، ولا أعرف كيف وافقتُ عليها، وأريد إجابة، أو استشارة شافية، ولكم الشكر، وهذه القصة، وان أردتم تفاصيل سأزودكم بها, مساء الخير، لديَّ مشكلة، منذ سنة كاملة لم أجد من أثق في رأيه، وأن أبوح له المشكلة لعلي آخذ رأيك في الموضوع، وهو خاص جدًّا ، ولا ينشر، وأرجو أن ترسل الإجابة على بريدي لوجود تفصيلات في موضوعي.

أنا شاب متزوج منذ خمسة أشهر من إحدى قريباتي للعائلة، وأعيش تعيسا معها، بكل صدق، وفي كآبة، لا أشعر أنني زوج، سأحكي لك بداية المشكلة، عزمت قبل عام على الزواج، واستمر بحثي عن زوجة شهرين، ودراسة من هي أنسب لي من بنات العم، وبنات الخال، وكان لعائلة أحد الأقارب منزلة لدي، أحترمهم كثيرا، وهم بالتالي يقدرونني كثيرا، ولديهم ابنة سبق أن تزوجتْ ولم يدخل عليها زوجها، وطُلقت، ومن قبل تقدم لها خطَّاب ورفضوها، لكنني بصورة أو بأخرى تعلقت بهذه العائلة كثيرا، وعزمت بعد موافقة والداي التقدم لخطبتها، علما أنها تكبرني بأشهر، وفي يوم الرؤية الشرعية، وحين دخولها لأراها, وأنا بالعادة إذا كان الموقف محرجا لا أستطيع الرؤية بدقة ليصبح منظر عيني لعموم ما في الغرفة، ولا أدقق كأن أجعل تمويها على الأوجه ليس علة في نظري، إنما من خجل في الموقف ، فجلست الفتاة، وكان والدها معنا، وتحدث لمدة خمسة دقائق، لم أستطع تمييزها، أو رؤية وجهها، وبعد خروجي من الغرفة: كانت ملامح مموهة في عقلي فقط، ولقد اتفقت أنا ووالدي: إن أعجبتني: وافِق من نفس اللحظة، وبعد أن عدت لوالدي أشرت له بأني موافق، وأعلنت بذلك الخطبة، بصراحة: وعند خروجي من البيت: نسيتها تماما، ولا أعرفها، كأن شيئاً في نفسي يؤنبني، بعد شهر اتفق على موعد ” المِلكة “، والتي جاءت بعد شهر ونصف، وصراحة: بعد كتابة الكتاب، ووجود أخواتي، وأمي، وخالاتي لم أتمكن من رؤيتها إلا بشكل بسيط؛ وذلك من الخجل، وكانت جميلة لما فعلتْه في نفسها من تبرج، وميك آب ( أي قبيحة ستُزان بوضعه )، المهم: في اليوم التالي قدمتُ للسلام عليها، وكانت المفاجأة والتي حينها نظرت لها بشكل مباشر وقد وضعت القليل من الماكياج، وبدت لي عادية ليس بها جمال، وقصيرة جدًّا، وكانت يوم ” الملكة ” تلبس الكعب، بدت نفسيتي تؤلمني جدًّا، والبنت من أفضل البنات, وتقية عابدة, تصلي وتقوم الليل كل هذا تفعله, وكذلك طيبة, لكنها غير جميلة البتة، واستمرت فترة الملكة إلى حين موعد الزواج ( 6 أشهر )، وكنت حينها أحس بأني ظلمتُ نفسي، ونفسها، ولم أشعر بحبها، وكنت خلال تلك الفترة أسافر لها كل شهر ونصف لا لأسلم عليها بل لأراها؛ لأنني في كل مرة أنسى شكلها، وكنت في بعض الأوقات – ملاحظة: أنا متغرب عن أهلي، وأعيش متغربا، ومعي في نفس الشقة أخوها، يدرس، وأنا أعمل – كنت أتعذب نفسيًّا دائماً، ولا أظهر لها ذلك عند مكالمتي لها، وكنت أقول في نفسي: إنه الشيطان، يريد التفرقة، فيوسوس لي، إلى أن أتى يوم الزواج وكنت غير سعيد البتة، سافرنا إلى الخارج، كذلك كنت غارقا في همومي، والبنت لا ذنب لها، وكنت أشاهد فتيات جميلات، فيزيد ذلك في نفسي، حتى إنني أحاول أن آتيها فلم أستطع؛ لتألمها الزائد؛ وبكائها، ولم أجامعها لمدة شهر، هل تصدق ذلك؟، عدت لديارنا وهي الحال لم تتغير, إنما تزيد في النفس، استأجرت قبل الزواج بيتا أثثتُه، وتعبتُ عليه، ولكنني كنت أقول في نفسي: سأكون سعيدا، واقترضت مهرها، وكثرت ديوني، المهم: طوال تلك الفترة وحتى الآن أعيش مهموما، ونفسية مهدومة، وهي كذلك، ولأكون معك صادقا: بحتُ لها أنني لا أحبها، وأنني مصدوم فيها؛ لكي تعرف ما أنا عليه، وكان رأيها: العيش معي صابرة، حتى الآن لم تخبر أهلها كما أعلم، لكنني أخبرت والدتي, والتي تحثني دومًا على البحث عن علاج، والذهاب لشيخ للقراءة, أنا لم أقتنع بها، ولديها مشاكل في جسدها, يجعلني أصد عنها، وزاد نظري للحرام، وأفكر في الزواج بأخرى، ولكن ماذا أفعل بها، أنا لم أحبها يوما, وأفكر الآن في طلاقها، ولكنني أشعر أنني أظلمها، وهي لم تفعل شيئاً، وإن أبقيتها: فلا أحس بها، وأتحاشها دائماً، وبعض الأوقات لا نتكلم، وصراحة: أفكر من الآن بالزواج من أخرى، ولكن ليس لدي المال، تعبت كثيراً، وتعبتْ هي، وأثَّر ذلك على عملي، كنت أحلم بأشياء رائعة قبل الزواج، وأنا – وأعوذ من كلمة أنا! – رجل مثقف، ودائم الاطلاع، وهناك من الكلام كثير، وكذلك أشياء كثيرة يطول بي الحديث عنها، لكن مما قرأت ماذا ترى؟.

 

الجواب:

الحمد لله

ليس الظلم هو أن لا تطلقها، بل الظلم أن تبقيها في عصمتك وأنت على هذه الحال، نعم، لا يحل لك إبقاءها على عصمتك وأنت تجهر لها بعدم حبك لها، وأنت بهذه النفسية، وتلك الهموم المتراكمة عليك، وقد سببتَ لها من الهموم والغموم والآلام والأحزان ما يجعل كل عاقل يشير عليك بتسريحها، وتطليقها، وإعطائها كامل حقوقها.

وقد كنت في سعة من أمرك، فهي قريبة لك تستطيع أن تكوِّن صورة كاملة عنها من وصف النساء من محارمك، فإذا أضيف إلى تلك الأوصاف نظرك لها: لم يبق لك عذر في كونها غير جميلة، أو أنها قصيرة، وكل ذلك مسوغات تحاول إقناع نفسك بها للتخلص منها.

ونحن نسألك لو كان لك ابنة, هل ترضى أن تعيش مع زوجها كما تعيش امرأتك معك؟! وهل كنت سترى أن الظلم في تطليقها, أم في إبقائها تتعذب في حياتها مع زوجها الذي لا يحبها، بل لا يطيق النظر لها؟!.

وقد شرع الله تعالى الطلاق حتى يكون نهاية لحياة لا يمكنها أن تستمر على حب ووئام، ولو أن الأمر تعلَّق ببعض تصرفاتها، أو ببعض ظروف تمر بها: لكنَّا نصحناك بالصبر والتحمل حتى ييسر الله الأمر، وتعيشا في مودة ورحمة، أمَا والأمور بلغت هذا المبلغ بينكما: فلن نشير عليك إلا بتطليقها، وإرجاعها معززة مكرَّمة لأهلها، وأخبر أهلها أنه لم تعد قادراً على البقاء معها لعدم الانسجام، دون الدخول في تفاصيل تؤلمهم بها؛ وحفاظاً على القرابة بينك وبينهم.

وقد أمر الله تعالى الأزواجَ بإمساك نسائهم بالمعروف، فإن لم يكن ذلك, فليكن طلاق بالمعروف، مع إعطائها كامل حقوقها المالية، قال تعالى: ( الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئا ) [ البقرة / من الآية 229 ].

وفي الطلاق خير لك ولها، أما لها: فلتتخلص من عذابها، وغمومها، وهمومها، وأما لك: لتفتح لنفسك الطريق للزواج بغيرها؛ ولتترك ما حرَّم الله عليك من النظر إلى النساء، فانظر وتأمل في حالك وحالها, وماذا ترتب على إبقائها في عصمتك من مفاسد وشرور، لتعلم عظيم حكمة الله تعالى في تشريع الطلاق.

 

 

والله أعلم.

الخوف من انقطاع سبب الرزق، والتعلق بالأسباب، واقع ذلك، وعلاجه

الخوف من انقطاع سبب الرزق، والتعلق بالأسباب، واقع ذلك، وعلاجه

السؤال:

أنا طالب في جامعة خاصة، وأنا الآن في السنة الثالثة، وبقي سنتان على التخرج، ومصاريف الجامعة عالية التكاليف ، والأهل – بارك الله فيهم – هم من يتكفل فيها بفضل من الله.

ولكن مؤخرا بدأت أشعر بالقلق تجاه المستقبل، مثل وفاة من يعولني، مما سيؤدي إلى عدم القدرة على مواصلة الدراسة، كما أن الناس ينادونني منذ الآن بدكتور فأخاف من الذل بعد العز، والله يعلم أنني لا أحمل في قلبي تكبرا، وأحاول جاهداً تسخير شهادتي المرجوة منذ الآن في نصرة ديننا العزيز، لكن شعور القلق هذا من أنني لن أتخرج لسبب من الأسباب يجعلني أعتقد أن والدي هما المعيلان وليس الله تعالى!!، أخاف على عقيدتي، أرجو المساعدة بطرق إيمانية عملية ترفع ثقتي بأن الله هو الفعال لما يريد، وأنه يريد لنا الخير.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

إن خير ما تعالج به نفسك أخي الفاضل أن تفرِّق بين الأسباب، ومسببها، فالله تعالى هو مقدِّر الأسباب، وموجدها، وأما البشر، والوظائف، والعمل: فما هي إلا أسباب.

فالله تعالى هو الرازق، وهو سبحانه قد قدَّر للرزق أسبابا، ومن اختلت عقيدته: جعل الأسباب بمنزلة مسببها وموجدها، والإسلام ليس فيه اعتماد المسلم على الأسباب مع غض الطرف عن مسببها، وليس فيه قطع الأسباب والتخلي عنها.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

ومما ينبغي أن يعلم: ما قاله طائفة من العلماء، قالوا: ” الالتفات إلى الأسباب: شرك في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسباباً: نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلية: قدح في الشرع، وإنما التوكل، والرجاء: معنى يتألف من موجب التوحيد، والعقل، والشرع “.

وبيان ذلك: أن الالتفات إلى السبب هو اعتماد القلب عليه، ورجاؤه، والاستناد إليه، وليس في المخلوقات ما يستحق هذا؛ لأنه ليس مستقلاًّ، ولا بد له من شركاء، وأضداد، ومع هذا كله: فإن لم يسخِّره مسبِّب الأسباب: لم يسخَّر، وهذا مما يبين أن الله رب كل شيء، ومليكه، وأن السموات والأرض وما بينهما والأفلاك وما حوته: لها خالق مدبِّر غيرها. ” مجموع الفتاوى ” ( 8 / 169 ).

 

وقال – رحمه الله -:

فعلى العبد أن يكون قلبه معتمدا على الله، لا على سببٍ من الأسباب، والله ييسر له من الأسباب ما يصلحه في الدنيا والآخرة، فإن كانت الأسباب مقدورة له، وهو مأمور بها: فَعَلَها، مع التوكل على الله، كما يؤدي الفرائض، وكما يجاهد العدو، ويحمل السلاح، ويلبس جُنَّة الحرب، ولا يكتفي في دفع العدو على مجرد توكله بدون أن يفعل ما أُمر به من الجهاد، ومَن ترك الأسباب المأمور بها: فهو عاجز، مفرط، مذموم .” مجموع الفتاوى ” ( 8 / 528 ، 529 ).

ثانيا:

وفي حالتك – مثلا -: فإن والديك هما أسباب النفقة عليك، ويجب أن تعلم أن الله تعالى جعلهما كذلك، ويجب أن تعتقد أن الله تعالى قادر على تقدير أكثر من سبب لرزقك والنفقة عليك، وانظر حولك، فهل ترى الطلاب كلهم ينفق عليهم أهلوهم؟! الجواب: قطعا لا، ولو تأملت في أسباب رزقهم، والنفقة عليهم: لرأيتها كثيرة، ومتعددة، ومتنوعة، فليس الأمر مقتصرا على والديك حتى تخشى أن تنقطع أسباب نفقتك، وليس لك أن تجعلهما بمنزلة الرب تعالى الرازق، فشتان بين الخالق والمخلوق، وشتان بين مقدِّر الأسباب وموجدها، وبين الأسباب نفسها.

وتأمل قوله تعالى: ( أَمْ مَنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ ) [ الملك / الآية 21 ] : تجد الأمر واضحا بيِّنا، إن الله تعالى يخبر الكفار هنا أنه تعالى مقدر الرزق بأسبابه؛ كالمطر، والأنهار، والعيون، وأنه تعالى لو شاء فمنع هذه الأسباب، فأمسك المطر أن ينزل، والأنهار أن تجري، والعيون أن تجف: فمن ذا الذي يستطيع منع ذلك، ومن ذا الذي يستطيع الإتيان بهذه الأسباب للرزق!.

وعلاج أمرك – أيضا – هو أن تتفكر في قوله تعالى: ( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا . وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ) [ الطلاق / الآية 2 – 3 ].

فأنت تظن أنه لو مات والداك فقد تنقطع نفقتك، والله تعالى يقول لك إن العبد لو اتقاه فجاء بالمطلوب، وكف عن الممنوع: لرزقه من حيث لا يحتسب! أي: ليسَّر من أسباب الرزق ما ليس في حسبانه، وما لم يخطر له على بال، كما أن العبد لو توكَّل على الله تعالى حق التوكل لكفاه الله تعالى همومه، وفرَّج عنه غمومه، وهذا هو عين علاج حالتك، وما خلطت به بين أسباب الرزق ومسببه، وما أصابه من قلق وهمٍّ.

واقرأ كلام هذا الإمام لتجد البلسم الشافي لقلقك، وهمِّك، وحزنك:

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله – في تفسير قوله تعالى: ( وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا ) [ النساء / الآية 130 ]:

وفي الآية تنبيه على أنه ينبغي للعبد أن يعلِّق رجاءه بالله وحده، وأن الله إذا قدَّر له سبباً من أسباب الرزق، والراحة: أن يحمده على ذلك، ويسأله أن يبارك فيه له، فإن انقطع أو تعذر ذلك السبب: فلا يتشوش قلبُه؛ فإن هذا السبب من جملة أسباب لا تُحصى، ولا يتوقف رزق العبد على ذلك السبب المعين، بل يفتح له سبباً غيره أحسن منه، وأنفع، وربما فتح له عدة أسباب، فعليه في أحواله كلها أن يجعل فضل ربه، والطمع في برِّه: نصب عينيه، وقبلة قلبه، ويكثر من الدعاء المقرون بالرجاء; فإن الله يقول على لسان نبيه: ” أنا عند ظن عبدي بي، فإن ظنَّ بي خيراً فله، وإن ظن بي شرًّا فله ” – رواه أحمد، وصححه الألباني في ” صحيح الترغيب (3386 ) -، وقال: ” إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي  ” – رواه الترمذي ( 2805 ) ، وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي ” -.

” تيسير اللطيف المنَّان في خلاصة تفسير الأحكام ” ( ص 85 ) طبعة المعارف.

ثالثا:

وأمرٌ أخير نختم به معك: وهو أنه قد يكون ما بك من قلق، وما أصابك من هم وغم: إنما هو بسبب معاصٍ أنت مرتكبها، وآثام قد فعلتَها، فانظر لنفسك وعالج ما أنت واقع فيه من مخالفة؛ فإن الله تعالى قد يعجل بالعقوبة لمن كان هذا حاله، ونحن نعلم من في الجامعات المختلطة من مفاسد وآثام، فاحرص على التخلص، والتوبة منها.

قال الإمام ابن قيم الجوزية – رحمه الله -:

ومن عقوباتها – أي: المعاصي والذنوب -: ما يلقيه الله سبحانه من الرعب، والخوف في قلب العاصي، فلا تراه إلا خائفا مرعوبا، فإن الطاعة حصنُ الله الأعظم، الذي من دخله كان من الآمنين من عقوبات الدنيا والآخرة، ومن خرج عنه: أحاطت به المخاوف من كل جانب، فمن أطاع الله: انقلبت المخاوف في حقه أمانا، ومن عصاه: انقلبت مأمنه مخاوف، فلا تجد العاصي إلا وقلبه كأنه بين جناحي طائر، إن حركت الريح البابَ قال: جاء الطلب، وإن سمع وقْع قدمٍ: خاف أن يكون نذيرا بالعطب، يحسب كل صيحة عليه، وكل مكروه قاصد إليه، فمن خاف الله: آمنه من كل شيء، ومن لم يخف الله: أخافه من كل شيء.

” الجواب الكافي ” ( ص 50 ).

 

 

والله أعلم.