الرئيسية بلوق الصفحة 96

العين والحسد والفرق بينهما وحكمهما، وهل يضمن من يتعمد الإصابة بعينه

العين والحسد والفرق بينهما وحكمهما، وهل يضمن من يتعمد الإصابة بعينه

السؤال:

ما حكم العين والحسد في الإسلام؟ وهل هو حلال أم حرام؟ وما عذاب الشخص الذي يتفاخر بعينه أو يهدد الناس بعينه؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

– لا بدَّ من ذِكر معنى العيْن والحسد، وذِكر الفرق بينهما، فنقول:

العيْن: ” مأخوذة من عان يَعين إذا أصابه بعينه، وأصلها : من إعجاب العائن بالشيء، ثم تَتبعه كيفية نفْسه الخبيثة، ثم تستعين على تنفيذ سمها بنظرها إلى المعين “، كذا في ” فتاوى اللجنة الدائمة “( 1 / 271 ).

الحسَد: ” كراهية نِعمة الله على الآخرين وإن لم يتمن زوالها “، وقد اشتهر بين العلماء تعريف الحسد بأنه ” تمني زوال نعمة الله على الغير ” ولكن المعنى الدقيق للحسد هو ” كراهية نعمة الله على غيره سواء تمنى زوالها أو لم يتمن “، كذا في ” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 5 / 238 ).

وأما الفرق بينهما:

  1. الحسد أعم من العيْن، فكل عائنٍ حاسد وليس كل حاسد عائنا.
  2. العائن أضر من الحاسد.
  3. الحاسد قد يحسد ما لم يره ويحسد في الأمر المتوقع قبل وقوعه، والعائن لا يَعين إلا ما يراه والموجود بالفعل.
  4. مصدر الحسد: تحرُّق القلب واستكثار النعمة على المحسود، ومصدر العين: انقداح نظرة العين، أو نفس خبيثة.
  5. الحسد لا يقع من صاحبه على ما يكره أن يصاب بأذى كمالِه وولده، والعين تقع على ما يكره العائن أن يصاب بأذى كولده وماله.

قال ابن القيم – رحمه الله -: والمقصود: أن العائن حاسد خاص، وهو أضر من الحاسد، ولهذا – والله أعلم – إنما جاء في السورة ذكر الحاسد دون العائن؛ لأنه أعم، فكل عائنٍ حاسدٌ ولا بد وليس كل حاسد عائنا، فإذا استعاذ من شر الحسد: دخل فيه العين، وهذا من شمول القرآن الكريم وإعجازه وبلاغته، وأصل الحسد هو: بغض نعمة الله على المحسود وتمني زوالها. ” بدائع الفوائد ” ( 2 / 458 ).

وقال الشيخ عطية سالم – رحمه الله -:

ويقال في الحسد حاسد، وفي العين عائن، ويشتركان في الأثر ويختلفان في الوسيلة والمنطلق.

فالحاسد: قد يحسد ما لم يره ويحسد في الأمر المتوقع قبل وقوعه، ومصدره: تحرق القلب واستكثار النعمة على المحسود وبتمني زوالها عنه أو عدم حصولها له، وهو غاية في حطة النفس.

والعائن: لا يعين إلا ما يراه والموجود بالفعل، ومصدره انقداح نظرة العين، وقد يعين ما يكره أن يصاب بأذى منه كولده وماله، وقد يطلق عليه – أيضا – الحسد.

وقد يطلق الحسد ويراد به الغبطة، وهو تمني ما يراه عند الآخرين من غير زواله عنهم.

وعليه الحديث ( لا حسد إلا في اثنتين رجل أتاه الله مالا فسلَّطه على هلكته في الخير ورجل أتاه الله الحكمة فهو يقضي بها بين الناس ) – متفق عليه -.

” تتمة أضواء البيان ” ( 9 / 164 ).

 

ثانيا:

وأما حكمهما: فلا شك أنه التحريم.

أ. أما الحسد: فقد جاء عَنْ أَبي هُرَيرَةَ رضي الله عنه أنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ( لاَ تَحَاسَدوا، وَلاَتَنَاجَشوا، وَلاَ تَبَاغَضوا، وَلاَ تَدَابَروا … ).

رواه مسلم ( 2559 ).

قال ابن عبد البر – رحمه الله -:

وكذلك قوله أيضا في هذا الحديث ( لا تحاسدوا ) يقتضي النهي عن التحاسد، وعن الحسد في كل شيء على ظاهره وعمومه إلا أنه – أيضا – عندي مخصوص بقوله صلى الله عليه وسلم ( لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار ورجل آتاه الله مالا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار ) هكذا رواه عبدالله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم.

” التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد ” ( 6 / 118 ).

ب. وأما العيْن: فتحريمها من باب تحريم إيقاع الضرر على الناس، وإيذائهم، قال تعالى ( وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً ) الأحزاب/ 58 ، وقال صلى الله عليه وسلم ( لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارٌ ) رواه ابن ماجه (2314 )، وحسَّنه النووي وابن الصلاح وابن رجب – كما في ” جامع العلوم والحكم ” ( ص 304 ) – وحسَّنه الألباني في ” صحيح ابن ماجه “.

قال علماء اللجنة الدائمة – في شرح الحديث -:

نهى النبي صلى الله عليه وسلم المكلَّف أن يضرَّ نفسه أو يضرّ غيره، ففيه دلالة على منع الإنسان من التعدي على نفسه، أو غيره.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 4 / 400 ).

 

ثالثا:

وأما من يتعمد إصابة الناس بعينه ويهددهم بذلك: فلا شك أنه آثم بذلك، وعلى ولي الأمر حبس هذا العائن ومنعه من لقاء الناس، والإنفاق عليه إن كان فقيرا حتى يتوب توبة نصوحا أو يموت فيرتاح الناس من شرِّه وضرره.

سئل الشيخ عبد الله بن جبرين – رحمه الله -:

سمعنا أن هناك بعض الأشخاص لهم قدرة الإصابة بالعين لمن أرادوا ومتى أرادوا، فهل هذا صحيح؟.

فأجاب:

لاشك أن العين حق كما هو الواقع، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ( العَيْنُ حَقٌّ وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابَقَ القَدَرَ لَسَبَقَتْهُ العَيْنُ ) – رواه مسلم -، وفي حديث آخر ( إِنَّ العَيْنَ لَتُدْخِلُ الرَّجُلَ القَبْرَ وَالجَمَلَ القِدْرَ ) – رواه أبو نعيم في ” الحلية ” وحسنه الألباني في ” الصحيحة ” ( 1249 ) -، أي: يحصل بها الموت، أما حقيقتها : فالله أعلم بذلك.

ولاشك أنها تكون في بعض الناس دون بعض، وأن العائن قد يتعمد الإصابة فيحصل الضرر، وقد لا يتعمد الإصابة فتقع منه بغير قصد ضرر، وهناك من يحاول الإصابة ولا يقدر عليها

وقد أمر الله بالاستعاذة من العائن، فهو داخل في قوله تعالى ( وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ ) الفلق/ 5، وبالاستعاذة من شره يحصل الحفظ والحماية، والله أعلم.

” الفتاوى الذهبية في الرقى الشرعية “.

http://ibn-jebreen.com/book.php?cat=6&book=14&toc=536&page=511&subid=17298

 

قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

ونقل ابن بطال عن بعض أهل العلم ” فإنه ينبغي للإمام منع العائن إذا عرف بذلك من مداخلة الناس وأن يلزم بيته فإن كان فقيراً رزقه ما يقوم به فإن ضرره أشد من ضرر المجذوم الذي أمر عمر رضي الله عنه بمنعه من مخالطة الناس – كما تقدم واضحاً في بابه – وأشد من ضرر الثوم الذي منع الشارع آكله من حضور الجماعة “، قال النووي: ” وهذا القول صحيح متعين لا يُعرف عن غيره تصريح بخلافه “.

” فتح الباري ” ( 10 / 205 ).

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 31 / 123 ):

والنقول من مختلف المذاهب متضافرة على ما ذكره ابن بطال من كون الإمام يمنع العائن من مخالطة الناس إذا عرف بذلك ويجبره على لزوم بيته؛ لأن ضرره أشد من ضرر المجذوم وآكل البصل والثوم في منعه من دخول المساجد، وإن افتقر فبيت المال تكفيه الحاجة لما في ذلك من المصلحة وكف الأذى. انتهى.

وفي ( 16 / 229 ):

ينبغي للحاكم أمرُ العائن بالكف عن حسده وإيذاء الناس بعينه، فإن أبى فله منعه من مداخلة الناس ومخالطتهم، ويكون ذلك بحبسه في بيته والإنفاق عليه من بيت المال إن كان فقيرا؛ دفعا لضرره عن الناس، وهذا مذهب جمهور الفقهاء.

وقال بعضهم: يُحبس في السجن حتى يكف عن حسده وتصفو نفسه بالتوبة.

انتهى.

وقال ابن القيم – رحمه الله -:

وقد قال أصحابُنا وغيرُهم من الفقهاء: إنَّ مَن عُرِفَ بذلك: حبَسه الإمامُ، وأجرَى له ما يُنفِقُ عليه إلى الموت، وهذا هو الصوابُ قطعا.

” زاد المعاد في هدي خير العباد ” ( 4 / 168 ).

 

رابعا:

والصحيح أن العائن المتعمد يضمن ما أوقعه من ضرر على الآخرين، حتى إنه ليُقتل إذا قتل بعينه.

قال القرطبي – رحمه الله -: 

لو أتلف العائن شيئا: ضمنه، ولو قَتل: فعليه القصاص أو الدية إذا تكرر ذلك منه بحيث يصير عادة، وهو في ذلك كالساحر عند من لا يقتله كفرا.

انظر ” الموسوعة الفقهية ” ( 17 / 276 ).

وقال شرف الدين الحجاوي – رحمه الله -:

والمِعيان: الذي يقتل بعينه، قال ابن نصر الله في ” حواشي الفروع “: ينبغي أن يُلحق بالساحر الذي يقتل بسحره غالبا، فإذا كانت عينه يستطيع القتل بها ويفعله باختياره: وجب به القصاص، وإن فعل ذلك بغير قصد الجناية: فيتوجه أنه خطأ يجب فيه ما يجب في القتل الخطأ، وكذا ما أتلفه بعينه يتوجه فيه القول بضمانه، إلا أن يقع بغير قصد فيتوجه عدم الضمان. انتهى.

” الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل ” ( 4 / 166 ).

 

والله أعلم.

 

هل حكم مَن قال ( بيدك الخير والشر ) عن الله تعالى كمَن سبَّ الذات الإلهية؟

هل حكم مَن قال ( بيدك الخير والشر ) عن الله تعالى كمَن سبَّ الذات الإلهية؟

السؤال:

هل مَن قال لفظا شائعا من الألفاظ مثل ( بيدك الخير والشر ) عن الله كمَن سبَّ الذات الإلهية والدِّين؟.

 

الجواب:

الحمد لله

يجب التفريق بين العبارة ” الخطأ ” والعبارة ” الكفر “، وبين ما كان ” اجتهاداً ” من عالِم وبين ما كان ” سبًّا وشتماً ” من سفيه، وبين العبارة ” المحتملة ” في كونها كفراً والعبارة ” القطعية ” في ذلك .

وعبارة ” بيدك الخير والشر ” قد قالها طوائف من المفسرين في قوله تعالى (بِيَدِكَ الخَيْر ) وقالوا إن فيها حذفاً وإن معناها ” بيدك الخير والشر ” ! وقد بيَّن العلماء المحققون من أهل السنَّة أن ما قالوه خطأ – وليس كفراً – وأن الصواب أنه ليس في الآية حذف .

قال ابن القيم – رحمه الله – :

وأخطأ من قال: المعنى ” بيدك الخير والشر ” لثلاثة أوجه:

أحدها: أنه ليس في اللفظ ما يدل على إرادة هذا المحذوف، بل تَرك ذِكرَه قصدا أو بيانا أنه ليس بمراد .

الثاني: أن الذي بيد الله تعالى نوعان : فضل وعدل، كما في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ( يَمِينُ اللَّهِ مَلْأَى لَا يَغِيضُهَا نَفَقَةٌ سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ الخَلْقَ فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَمِينِهِ وَبِيَدِهِ الْأُخْرَى الْقِسْطُ يَخْفِضُ يَرْفَعُ ) – متفق عليه -، فالفضل لإحدى اليدين والعدل للأخرى وكلاهما خير لا شر فيه بوجه.

الثالث: أن قول النبي صلى الله عليه وسلم ( لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ ) – رواه مسلم -، كالتفسير للآية، ففرَّقَ بين الخير والشر وجعلَ أحدَهما في يدي الرب سبحانه وقطع إضافة الآخر إليه مع إثبات عموم خلقه لكل شيء.

” شفاء العليل ” ( ص 271 ).

وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -:

وقوله ( بِيَدِكَ الْخَيْرُ ) أي: الخير كله منك، ولا يأتي بالحسنات والخيرات إلا الله، وأما الشر: فإنه لا يضاف إلى الله تعالى، لا وصفا، ولا اسما، ولا فعلا، ولكنه يدخل في مفعولاته، ويندرج في قضائه وقدره.

فالخير والشر كله داخل في القضاء والقدر، فلا يقع في ملكه إلا ما شاءه، ولكن الشر لا يضاف إلى الله، فلا يقال ” بيدك الخير والشر “، بل يقال ” بيدك الخير ” كما قاله الله، وقاله رسوله، وأما استدراك بعض المفسرين حيث قال: ” وكذلك الشر بيد الله “: فإنه وهم محض، ملحظهم: حيث ظنوا أن تخصيص الخير بالذكر ينافي قضاءه وقدره العام، وجوابه ما فصَّلنا. ” تفسير السعدي ” ( ص 965 ).

وهذا الذي قلناه من خطأ عبارة ” الشر بيد الله ” لا يجعل منها عبارة كفر، وإنما هي خلاف الصواب، ويجب تجنبها، وليس هذا كمن جاء بعبارة مشتهرة أو غير مشتهرة فيها سبٌّ للذات الإلهية أو لدينه أو لرسوله صلى الله عليه وسلم؛ فإن هذا يُحكم به على قائلها بالكفر المخرج من ملَّة الإسلام.

 

 

والله أعلم.

 

 

كيف نفسِّر وجود طائفة من الخلق وُلدوا مسلميِن وآخرين يبذلون الجهد ليحققوا ذلك؟

كيف نفسِّر وجود طائفة من الخلق وُلدوا مسلميِن وآخرين يبذلون الجهد ليحققوا ذلك؟

السؤال:

مرَّت بي أوقات عصيبة بخصوص إسلامي بسبب والديَّ؛ لأنهما مختلفان دينيًّا وثقافيًّا، وهما مطلَّقان، سؤالي هو: لماذا يكافح بعض الناس للحصول على معرفة بالإسلام وآخرون أتى حظهم أنهم مسلمون؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

مما لا شك فيه أن أعظم نعمة ينعمها الله على عباده أن يولد لأبوين مسلمين، ويعيش مسلماً، ويموت مسلماً، وهذا من فضل الله تعالى حيث لم يحتج أن يبحث ذلك المُنعم عليه بين الأديان ليتعرف على الدين الصحيح الذي يحبه الله ويرضاه ولا يرضى غيره، وليس للعبد هذا كسب في هذا الفضل بل هي منَّة خالصة من الله تعالى ربِّه.

ولا يعني هذا أن كل من وُلد لأبوين مسلمين أنه عرف قدر هذه النعمة وعمل على شكرها، بل رأينا الكثير الكثير ممن كفر هذه النعمة ولم يستفد شيئًا من كونه فتح عينيه على الدنيا ليرى الإسلام والمسجد وفتح أذنيه على سماع كلمة التوحيد, ولذا انحرف هؤلاء إلى طرق الضلالة والغي والغواية والكفر، ولم يكونوا مسلمين إلا بأسمائهم، وقد كان بعض الباحثين عن الدين الحق أفضل منهم – ولا تصح المقارنة أصلاً – حيث عرف أن الإسلام هو دين الله تعالى الذي لا يرضى من عباده غيره، فقرأ وتأمل حتى دخل في هذا الدين باقتناع والتزم أحكامه بقوة .

لذا – أخي السائل – ليس الأمر إلا مزيد فضل من الله تعالى على من شاء من عباده أن يولَدوا مسلمين، ولم يظلم الآخرين حيث بيَّن لهم طريق الحق والضلال، ووضح لهم سبيله المستقيم وأمرهم بالسير عليه، وسبل الشيطان الأخرى وحذَّرهم من سلوكها، وها أنت ترى من وُلد لأبوين مسلمين وانحرف إلى الضلال، وترى من وُلد لأبوين كافر فاستقام على الهدى.

ومن الأمثلة الواضحة في هذا الباب ترفع عنك الإشكال ما تعلمه من حال بعض المرسلين في دعوتهم والاستجابة لها، فها هو نوح عليه السلام أي شيء استفاده ابنه وزوجته منه وهو النبي المرسل الذي دعاهما الليل والنهار فلم يستجيبا وماتا على الكفر؟! وأي شيء استفاده والد إبراهيم – عليه السلام – من ابنه الذي ما فتئ يدعوه وينصحه ويعظه وهو يأبى ذلك بل ساهم في إلقائه في النار؟! وأي شيء استفادته امرأة لوط وهي زوجة نبي مرسل يدعوها إلى الحق وتأبى إلا الكفر؟! وفي الوقت نفسه ها هو فرعون من كبار طواغيت الأرض وها هي زوجته تعلن إسلامها وتكفر بزوجها، وهكذا هي حال البشر إما أن يُنعم الله على بعضهم بنعمة الإسلام فيشكرها ويعمل بمقتضاها، وإما أن يُحرم من هذه النعمة لكنه يبحث بجد واجتهاد ليصل إلى الحق الذي أنزله الله تعالى وأمر عباده بسلوك طريقه، وعلى كلا الطرفين أن يلهج دوما بقوله ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ ) الأعراف/ 43، ويقول – كما كان يقول أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم -:

والله لولا الله ما اهتدينا … ولا تصدقنا ولا صلينا

قال الشيخ محمد عطية سالم – رحمه الله -:

وقد قال العلماء: هناك ثلاث نعم لا كسب للعبد فيها .

الأولى: وجوده بعد العدم .

الثانية: نعمة الإيمان.

الثالثة: دخول الجنة.

وقالوا: الإيجاد من العدم تفضلٌّ من الله تعالى كما قال ( لِلَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذكور أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ) الشورى/ 49،50 ، ومن جعله الله عقيماً فلن ينجب قط  .

والثانية: الإنعام بالإيمان، كما في قوله تعالى ( إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ولكن الله يَهْدِي مَن يَشَاءُ ) القصص/ 56، وقد جاء في الحديث ( كل مَولود يُولد على الفِطرة فأبواه يهوِّدانه أو ينصِّرانه ) الحديث – متفق عليه -، وكون المولود يولد بين أبوين مسلمين لا كسب له في ذلك.

والثالث: الإنعام بدخول الجنَّة، كما في الحديث ( لن يدخل أحدكم الجنة بعمله ) قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال ( ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته ) – متفق عليه -.

” تتمة أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن ” ( 9 / 3 ).

ثانيا:

وأما بخصوص ما هو واقع بين والديك من اختلاف في الثقافة والدين فهو نفسه الاختلاف الواقع بين أفراد البشر، وما حصل بينهما من طلاق هو أمر اعتيادي، والذي ننصحك به لتجمع شملهم في الدنيا على خير ولتجتمع معهم في الآخر على أحسن حال: أن تسعى لأن يكون كلاهما من المسلمين؛ فبتوحد دينهم سيسهل كل ما هو صعب مما يفرِّق بينهما، وهما والداك ولهما حق عليك عظيم، ومن أعظم حقوقهما عليك أن تجعلهما يشاركانك في السعادة التي أنت فيها وأنت مسلم توحد الله تعالى وتشهد لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة، فلا تتوانى في الأمر، فهو مهمة جليلة وسترى آثارها الطيبة بإذن الله في الدنيا قبل الآخرة، واستعن على ذلك بالدعاء لهما مع بذل الأسباب الحسية لتلك المهمة، ويمكنك الاستفادة من أهل الخبرة في بلدك لتحقيق ذلك الأمر، ونسأل الله تعالى أن يسددك وأن يوفقك وأن يتقبل منك صالح عملك وأن يهدي والديك لما فيه سعادتهما دنيا وآخرة.

 

والله أعلم.

والدها سيء الأخلاق ولا يصلي وقد خرجت أمها من البيت فهل تلحق بها؟

والدها سيء الأخلاق ولا يصلي وقد خرجت أمها من البيت فهل تلحق بها؟

 

السؤال:

أنا من ” تونس “، وعندي مشكلة عائلية كبيرة، العلاقة بين أبي وأمي سيئة جدًّا، أبي لديه صفات سيئة، فهو لا يصلي أبدًا وسيئ الطبع ودائمًا يعامل والدتي بقسوة حتى إنه لا يتركها تزور والديها إلا مرة في الشهر، وهو لا يعرف صلة الرحم، دائمًا يعاتب ويشتم ويسب، لدرجة أنها أصبحت تخاف منه كثيراً، لكنها تحمَّلت من أجلنا حتى كبرنا، والآن ضاق صبرها ولم تعد تتحمل، فقررت أن ترحل لدى والديها وأن لا تعود إليه أبدًا، أنا الآن مع والدي وحدنا لأن إخوتي يقيمون في الخارج، لكني أشعر بعدم الراحة معه، ومع ذلك بقيت معه لكي لا يبقى وحده، لكن المشكل الكبير أنه منعني من زيارة أمي، وطلب مني أن لا أتصل بها، وقال إنه إن قمت بزيارتها فانه سيكون عدوي ! وبرر ذلك بأنها ذهبت وتركتني، لكنها لم تتركني وحدي بل تركتني معه، لذلك قوله هذا أزعجني كثيراً، فأمي هي قطعة من جسدي ولا يحق له أن يبعدني عنها، لذلك قررت أن أذهب إلى أمي وأبقى معها، فهل قراري هذا صائب وفي محله أم لا؟.

 

الجواب:

الحمد لله

لو كان أمر والدكِ مقتصراً على سوء تعامله مع أمكِ وسوء أخلاقه وعصبيته الزائدة: لما كان لخروج أمك من بيت الزوجية وجه، بل لقلنا لها إما أن تصبري على ما ترينه منه أو تطلبين الطلاق، أمَا وقد كان من سوء أفعال والدكِ أنه لا يصلي البتة: فإن الأمر هنا له شأن آخر، فيصير واجبا على أمكِ تركه ولا يحل لها الرجوع إليه وهو على هذه الحال؛ لأن ترك الصلاة كفر مخرج من الإسلام، والعقد بينهما يصير مفسوخاً، ومن الأحكام المترتبة على تركه للصلاة: انقطاع ولايته عليكِ، فيجوز لك اللحاق بأمك، ولا عبرة بغضبه من فعلك هذا؛ فقد سقطت ولايته على أولاده جميعا.

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

فإن كان عند العقد يصلي لكن بعد ذلك صار لا يصلي: فإن كان قبل الدخول: انفسخ العقد، ولها أن تتزوج في الحال، وإن كان بعده : انفسخ العقد، ولكن تنتظر حتى تنقضي العدة، فإن هداه الله للإسلام : فهو زوجها وإلا فلها أن تتزوج.

وكثير من النساء – والعياذ بالله – يمنعهن وجود الأولاد عن طلب الفسخ، وهذه مسألة عظيمة، فيقال : افسخي النكاح، ولا يجوز أن تبقي مع هذا الكافر الذي لا يصلي، وأولادك لن يفارقوك ما دام أبوهم على هذه الحال، فلا ولاية له عليهم، فالكافر لا ولاية له على مؤمن ( وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ) النساء/ 141 ، فلن يفرَّق بينك وبين أولادكِ، وأما هذا الزوج: فلا خير فيه، زوج كافر تتركيه يستحل منك ما يحرم؟! هذا منكر عظيم.

” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 12 / 250 ).

ولعلَّ الحكم بتحريم أمك عليه وخروجك من بيتك ولحاقك بها لكونه تاركاً للصلاة أن يكون واعظاً له ليرجع إلى دينه فيلتزم حكم الله بالصلاة، وتكونون بذلك قد أنقذتموه من الكفر والضلال، وهي نعمة عظيمة يجب أن يقدرها قدرها، فعسى أن يسارع إلى ذلك فيكون من أهل الصلاة والأخلاق الحسنة، والمهم فيما ذكرناه أن أمك لا تحل له طالما أنه لا يصلي، ولا ولاية له عليكِ فيجوز لك اللحاق بها، ونوصيكم بالدعاء له أن يهديه الله ويصلح باله.

 

 

والله أعلم.

مسلم سرق وزنى وقامر ويريد التوبة، فهل يطلب إقامة الحد على نفسه؟

مسلم سرق وزنى وقامر ويريد التوبة، فهل يطلب إقامة الحد على نفسه؟

السؤال:

إذا كان المسلم سيئا، يزني ويسرق ويقامر فما هو عقابه؟ إذا فرضنا أنه فيما بعد أراد بأن يُعاقب على كل ما اقترفه من ذنوب، فماذا يفعل؟ هل يمكن أن يذهب ويقول اقطعوا يدي واقطعوا رقبتي بسبب ذنوبي؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

* الزنا ذنبٌ عظيم:

قال الله تعالى: { وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً } [ الإسراء / 32 ]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ” لا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ولا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ ” رواه البخاري رقم ( 2475 ) ومسلم ( 57 ).

 

وهو من كبائر الذنوب، ومرتكبه متوعد بعقاب أليم فقد جاء في الحديث العظيم – حديث المعراج – والذي فيه: ” … فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى مِثْلِ التَّنُّورِ قَالَ فَأَحْسِبُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فَإِذَا فِيهِ لَغَطٌ وَأَصْوَاتٌ قَالَ فَاطَّلَعْنَا فِيهِ فَإِذَا فِيهِ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ عُرَاةٌ وَإِذَا هُمْ يَأْتِيهِمْ لَهَبٌ مِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ فَإِذَا أَتَاهُمْ ذَلِكَ اللَّهَبُ ضَوْضَوْا قَالَ قُلْتُ لَهُمَا مَا هَؤُلاءِ؟ … قَالَ: قَالا لِي: أَمَا إِنَّا سَنُخْبِرُكَ … َأَمَّا الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ الْعُرَاةُ الَّذِينَ فِي مِثْلِ بِنَاءِ التَّنُّورِ فَإِنَّهُمْ الزُّنَاةُ وَالزَّوَانِي ” رواه البخاري في باب إثم الزناة رقم ( 7047 ).

 

وقد عاقب الله الزناة في الدنيا بعقوبات شديدة، وأوجب على ذلك الحد، فقال تعالى في بيان حق الزاني البكر: { الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } [ النور/ 2 ].

 

أما المحصن ـ وهو الذي قد سبق له الزواج ـ فجعل حده القتل فقد جاء في الحديث الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه ( 3199 ) عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” والثيب بالثيب جلد مائة والرجم “.

 

 

 

 

ثانيا:

* والسرقة كذلك من كبائر الذنوب:

قال تعالى: { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاءً بما كسبا نكالاً من الله } [المائدة / 38 ].

 

وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس يوم النحر فقال: ” يا أيها الناس أي يوم هذا؟ قالوا: يوم حرام، قال: فأي بلد هذا؟ قالوا: بلد حرام قال: فأي شهر هذا؟ قالوا: شهر حرام، قال: فإنّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا – فأعادها مرارا – ثم رفع رأسه فقال: اللهم هل بلغت؟ اللهم هل بلغت؟ قال ابن عباس رضي الله عنهما: فوالذي نفسي بيده إنها لوصيته إلى أمته، فليبلغ الشاهد الغائب. رواه البخاري ( 1652 ).

– وحدُّ السرقة هو قطع اليد اليمنى، كما سبق ذكره في الآية.

 

ثالثا:

* ونوصي صاحب السؤال بالتوبة والاستغفار على ذنوبه:

قال الله تعالى: { وإني لغفار لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى } [ طـه / 82 ].

 

عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله: يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك ولا أبالي، يا بن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا بن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة “، الترمذي ( 3540 )، وحسَّنه الشيخ الألباني في ” صحيح الجامع ” ( 4338 ).

 

وعن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما روى عن الله تبارك وتعالى أنه قال: ” … يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفرونى أغفر لكم ” مسلم (2577).

 

 

 

 

 

 

 

رابعا:

* والتوبة بينه وبين ربِّه خيرٌ له من الاعتراف بذنبه عند القاضي لإقامة الحد عليه.

وفي صحيح مسلم ( 1695 ) عندما جاء ” ماعز ” يقول للنبي صلى الله عليه وسلم ” طهِّرني ” ، قال له: ويحك ارجع فاستغفر الله وتب إليه.

 

– قال الحافظ ابن حجر:

ويؤخذ من قضيته – أي: ماعز عندما أقرَّ بالزنى – أنه يستحب لمن وقع في مثل قضيته أن يتوب إلى الله تعالى ويستر نفسه ولا يذكر ذلك لأحدٍ، كما أشار به أبو بكر وعمر على ” ماعز “، وأن مَن اطَّلع على ذلك يستر عليه بما ذكرنا ولا يفضحه ولا يرفعه إلى الإمام كما قال صلى الله عليه وسلم في هذه القصة ” لو سترتَه بثوبك لكان خيراً لك “، وبهذا جزم الشافعي رضي الله عنه فقال: أُحبُّ لمن أصاب ذنباً فستره الله عليه أن يستره على نفسه ويتوب، واحتج بقصة ماعز مع أبي بكر وعمر. ” فتح الباري ” ( 12 / 124 ، 125 ).

 

والله أعلم.

هل يجوز للمرأة الاعتكاف عن والديها الأموات؟

هل يجوز للمرأة الاعتكاف عن والديها الأموات؟

السؤال:

هل يجوز للمرأة الاعتكاف عن والديها الأموات؟.

 

الجواب:

الحمد لله

ذهب بعض العلماء إلى جواز فعل أي عبادة وهبة ثوابها للأموات، والصحيح أنه يجب الاقتصار على ما ورد فيه النص، ولا مجال للقياس ها هنا لأن الأصل هو المنع وليس الإباحة.

* سئل الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله -:

ما هي الأشياء التي يَنتفع بها الميت من قبَل الأحياء؟‏ وهل هناك فرق بين العبادات البدنية وغير البدنية؟ نرجو أن توضحوا لنا هذه المسألة وتضعوا لنا فيها قاعدة نرجع إليها كلما أشكل علينا مثل هذه المسائل، أفتونا بارك الله فيكم‏؟

فأجاب:‏

ينتفع الميت من عمل الحي بما دل عليه الدليل من الدعاء له والاستغفار له والتصدق عنه والحج عنه والعمرة عنه وقضاء الديون التي عليه وتنفيذ وصاياه الشرعية، كل ذلك قد دلت الأدلة على مشروعيته‏.‏

وقد ألحق بها بعض العلماء كل قربة فعلها مسلم وجعل ثوابها لمسلم حي أو ميت‏،‏ والصحيح : الاقتصار على ما ورد به الدليل، ويكون ذلك مخصصًا لقوله تعالى‏: ( وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى ) النجم‏/39‏،‏ والله أعلم.‏ ” المنتقى ” ( 2 / 161 ).

وأما بخصوص الوالدين: فإن الشرع جعل الولد من كسب أبيه، فكل ما يفعله الأولاد من أعمال صالحة فهي في ميزان والديهم.

عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِنَّ مِمَّا يَلْحَقُ الْمُؤْمِنَ مِنْ عَمَلِهِ وَحَسَنَاتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ: عِلْمًا عَلَّمَهُ وَنَشَرَهُ، وَوَلَدًا صَالِحًا تَرَكَهُ، وَمُصْحَفًا وَرَّثَهُ، أَوْ مَسْجِدًا بَنَاهُ، أَوْ بَيْتًا لِابْنِ السَّبِيلِ بَنَاهُ، أَوْ نَهْرًا أَجْرَاهُ، أَوْ صَدَقَةً أَخْرَجَهَا مِنْ مَالِهِ فِي صِحَّتِهِ وَحَيَاتِهِ يَلْحَقُهُ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ ).

رواه ابن ماجه ( 242 )، وصححه ابن خزيمة ( 4 / 121 ) وحسَّنه المنذري والألباني كما في ” صحيح الترغيب ” ( 1 / 18 ).

 

 

* قال السندي – على هامش ” سنن ابن ماجه ” -:

عد الولد الصالح من العمل والتعليم حسنٌ؛ لأن الوالد هو سبب في وجوده، وسبب لصلاحه بإرشاده إلى الهدى، كما جعل نفس العمل في قوله تعالى ( إِنَه عَمَلٌ غَيْرُ صَالِح). انتهى.

وعليه: فلا داعي لتخصيص أعمال معينة وهبة ثوابها لهما، بل الواجب على الأبناء البحث عن الواجبات التي وردت النصوص بجواز فعلها إبراءً لذمة والديهم كالحج والعمرة، وصيام النذر والقضاء، وقضاء الديون.

* قال الشوكاني – رحمه الله – :

وأحاديث الباب تدل على أن الصدقة من الولد تلحق الوالدين بعد موتهما بدون وصية منهما، ويصل إليهما ثوابها فيخصص بهذه الأحاديث عموم قوله تعالى ( وأن ليس للإنسان إلا ما سعى )، ولكن ليس في أحاديث الباب إلا لحوق الصدقة من الولد وقد ثبت أن ولد الإنسان من سعيه فلا حاجة إلى دعوى التخصيص .

” نيل الأوطار ” ( 4 / 142 ) .

* وقال الشيخ الألباني – رحمه الله :

ما يفعله الولد الصالح من الأعمال الصالحة فإن لوالديه مثل أجره، دون أن ينقص من أجره شيءٌ؛ لأن الولد من سعيهما وكسبهما، والله عز وجل يقول: ( وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ) النجم /39، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه ، وإن ولده من كسبه ) – رواه أصحاب السنن الأربعة وصححه الشيخ – رحمه الله – بشواهده – . ” أحكام الجنائز   )ص 216 ، 217  ) .

* وسئل الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله -:

ما هي الأعمال التي تنفع وتفيد الوالدين أحياءً وأمواتًا ؟

فأجاب:

الأعمال هي برهما في حياتهما، والإحسان إليهما بالقول والعمل، والقيام بما يحتاجانه من النفقة والسكن وغير ذلك والأنس بهما، والكلام الطيب معهما وخدمتهما؛ لقوله تعالى‏:‏ ( وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ) الإسراء‏/‏ 23‏،‏ خصوصًا في كبرهما‏.‏

أما بعد الممات: فإنه يبقى من برهما أيضًا الدعاء، والصدقة لهما، والحج والعمرة عنهما، وقضاء الديون التي في ذمتهما، وصلة الرحمن المتعلقة بهما، وكذلك برُّ صديقهما، وتنفيذ وصاياهما المشروعة‏.‏  ” المنتقى ” ( 2 / 162 ، 163 ).

 

ثانيا:

وأما بخصوص اعتكاف النساء: فإن الاعتكاف مستحب للرجال والنساء، ولكن ينبغي تقييده في حق النساء بأن يكون بإذن أهلها أو زوجها، وأن لا يكون في اعتكافها فتنة.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

فالمرأة تعتكف ما لم يكن في اعتكافها فتنة، فإن كان في اعتكافها فتنة: فإنها لا تمكن من هذا؛ لأن المستحب إذا ترتب عليه الممنوع وجب أن يمنع، كالمباح إذا ترتب عليه الممنوع وجب أن يمنع، فلو فرضنا أنها إذا اعتكفت في المسجد صار هناك فتنة كما يوجد في المسجد الحرام، فالمسجد الحرام ليس فيه مكان خاص للنساء، وإذا اعتكفت المرأة فلا بد أن تنام إما ليلاً وإما نهارا، ونومها بين الرجال ذاهبين وراجعين فيه فتنة

والدليل على مشروعية الاعتكاف للنساء: اعتكاف زوجات الرسول صلّى الله عليه وسلّم في حياته، وبعد مماته، لكن إن خيف فتنة: فإنها تمنع؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم منع فيما دون ذلك، فإنه لما أراد أن يعتكف صلّى الله عليه وسلّم خرج ذات يوم، وإذا خباء لعائشة، وخباء لفلانة، وخباء لفلانة، فقال صلّى الله عليه وسلّم: ” آلبر يرِدْن؟! ” ثم أمر بنقضها، ولم يعتكف تلك السنة، وقضاه في شوال، وهذا يدل على أن اعتكاف المرأة إذا كان يحصل فيه فتنة: فإنها تمنع من باب أولى.

لكن لو اعتكفت في مسجد لا تقام فيه الجماعة: فلا حرج عليها؛ لأنه لا يجب عليها أن تصلي مع الجماعة، وعلى هذا فاعتكافها لا يحصل فيه ما ينافيه.

ولكن قد يقال: كيف تعتكف في مسجد لا تصلى فيه الجماعة؟ أليس في هذا فتنة؟ .

الجواب: ربما يكون، وربما لا يكون؛ فقد يكون المسجد هذا محرَّزا محفوظا لا يدخله أحد، ولا يخشى على النساء فتنة في اعتكافهن فيه، وقد يكون الأمر بالعكس، فالمدار أنه متى حصلت الفتنة: منع من اعتكاف النساء في أي مسجد كان .

” الشرح الممتع ” ( 6 / 510 ، 511 ).

 

والخلاصة: أننا ننصح الأولاد بالأعمال الصالحة لأنفسهم، وسيكون لوالديهم نصيب من أجور هذه الأعمال من غير أن تنقص أجور أولادهم، والاعتكاف من الأعمال الصالحة، ومن المرأة لا بدَّ أن يكون وفق ضوابط وشروط كما في كلام الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله -.

 

والله أعلم.

سائل يعلق على جواب سابق في الصوم، وحديث ابن عباس في رؤية الهلال بشاهد واحد.

سائل يعلق على جواب سابق في الصوم، وحديث ابن عباس في رؤية الهلال بشاهد واحد.

السؤال:

في جواب لكم سابق ذكرتم جواز الأخذ برأي الثقة في رؤية الهلال، ولكن هذا يتعارض مع الحديث الذي جاء فيه بدوي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وأخبره برؤية الهلال، عندها سأله الرسول هل تؤمن بأن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله؟ فلمَّا أجاب بالإيجاب، سأله هل تشهد أنك رأيت الهلال؟ فمن هذا الحديث الدليل على جواز قبول رؤية الهلال من أي مسلم.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

– الحديث الذي أشار إليه الأخ السائل هو:

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ إِنِّي رَأَيْتُ الْهِلاَلَ – قَالَ الْحَسَنُ فِي حَدِيثِهِ: يَعْنِى: رَمَضَانَ – فَقَالَ: ( أَتَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ؟ )، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ( أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟ )، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ( يَا بِلاَلُ أَذِّنْ فِي النَّاسِ فَلْيَصُومُوا غَدا ). رواه الترمذي ( 691 ) وأبو داود ( 2340 ) والنسائي ( 2112 ) وابن ماجه ( 1652 ).

والحديث: ضعيف، لا يصح، وقد ضعفه النسائي والألباني وغيرهما.

 

ثانيا:

وإذا علمتَ أخي السائل أن الحديث ضعيف: علمتَ أنه لا تعارض بينه وبين ما ذكرناه في أجوبتنا أنه لا بدَّ أن يكون الرائي للهلال عدلا.

* وعلى فرض صحة الحديث: فإن معناه يحمل على وجوه، منها:

  1. أن الأمر في قبول شهادة الرائي للهلال، وكونه ثقة، عدلا: يرجع للقاضي، وأنه إن استقر في نفسه بسبب خبرته بالناس أن هذا الرائي موثوق بشهادته: فإن له قبول تلك الشهادة منه، وإن لم يكن يعرفه أحد ليزكيه ويوثقه.

* قال الشيخ الألباني – رحمه الله -:

إذا: أمر بلالا بأن يؤذن، أي: يعلن في الناس أن يصوموا غدا، فقنع الرسول عليه السلام من هذا الرجل الذي لا يعرفه بأن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، بمعنى: أنه عرف أنه مسلم ، لكنه ما جرَّبه، ولا عرف ذكاءه، وفطنته، وكياسته، كما كان الأمر بالنسبة للحديث الأول الذي فيه أن الشاهد كان عبد الله بن عمر بن الخطاب، ومع ذلك قبِل شهادته، فهذا فيه تيسير واسع، ومعنى هذا أن القاضي يقنع بظاهر الشاهد دون أن يأتي بمزكين يعرِّفونه كما جرى على ذلك عرف القضاة قديما، يكتفي منه بأن يعرف إسلامه، هذا أعرابي ما يعرفه سابقا عليه الصلاة والسلام، فاكتفى أن يشهد أمامه بالشهادتين، فهو مسلم، له ما لنا، وعليه ما علينا، وبناءً على شهادته وإسلامه قال: يا بلال، أذن في الناس أن يصوموا غدا. ” التعليق على كتاب بلوغ المرام ” دروس صوتية، الحديث رقم 5، كتاب الصيام.

  1. أن يكون هذا الحديث دليلا على أن الأصل في المسلم العدالة، حتى يتبين خلاف ذلك.

* قال الصنعاني – رحمه الله – في فوائد حديث ابن عباس -:

فيه دلالة على أن الأصل في المسلمين العدالة، إذ لم يطلب صلى الله عليه وسلم من الإعرابي إلا الشهادة. ” سبل السلام الصنعاني ” ( 2 / 153 ).

  1. أن يكون هذا الحكم خاصّاً بالصحابة، وهو كذلك؛ لأنهم جميعا عدول، ومما لا شك فيه أن ذاك الأعرابي قد انتظم في عقد الصحابة رضي الله عنهم، وهو بذلك صار من العدول، والذين لا يُحتاج النظر في عدالتهم.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

والصحابة كلهم ثقات ذوو عدل، تقبل رواية الواحد منهم، وإن كان مجهولا، ولذلك قالوا: جهالة الصحابي لا تضر.

والدليل على ما وصفناه من حال الصحابة: أن الله أثنى عليهم ورسوله، في عدة نصوص، وأن النبي صلّى الله عليه وسلّم يقبل قول الواحد منهم إذا علم إسلامه، ولا يسأل عن حاله، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جاء أعرابي إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال: إني رأيت الهلال: يعني رمضان. انتهى ” مصطلح الحديث ” من موقعه رحمه الله.

وثمة أمر يقوِّي ما سبق، وهو كون تلك الشهادة في زمن الوحي، ولا يمكن أن يُقرَّ ذلك الأعرابي على شهادة باطلة تتعلق بطاعة المسلمين وعبادتهم.

 

– وبما أن الحديث ضعيف: فقد أغنانا الله تعالى عن تأويله، والحمد لله رب العالمين.

 

والله أعلم.

هل يحتسب صيام كفارة اليمين من الستة أيام من شوال؟

هل يحتسب صيام كفارة اليمين من الستة أيام من شوال؟

السؤال:

لدي سؤال فيما يخص القسم بالله، وهو أنني أقسمت بالله على أن لا أذهب إلى المكان الفلاني، ولكن بعد أسبوع من ذلك ذهبت إلى ذلك المكان، وقررت أن أصوم ثلاثة أيام في الست من الشوال، هل تعتبر كفارة عن اليمين أو ماذا؟.

وجزاكم الله خيرًا.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

ننبه الأخ السائل إلى أمور مهمة قبل الإجابة عن عين مسألته:

  1. الأصل في المسلم أن يحفظ يمينه من إلقائها هنا وهناك على أمور لا تستحق أن يكون معها القسم بالله تعالى، قال تعالى: ( وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ ) المائدة/ من الآية89.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

الأصل: أنه لا ينبغي إكثار اليمين؛ لقول الله تعالى ( وَاحْفَظُوْا أَيْمَانَكُمْ )، قال بعض العلماء في تفسيرها: أي: لا تكثروا الأيمان، ولا شك أن هذا أولى، وأسلمُ للإنسان، وأبرأُ لذمته. ” الشرح الممتع ” ( 15 / 117 ).

  1. أن المكان الذي أقسمتَ على عدم الذهاب إليه: إن مكانًا محرَّمًا لا يحل لك الذهاب إليه في شرع الله تعالى: وجب عليك الوفاء بيمينك، وعدم الذهاب، وإن كان الذهاب واجبًا – كصلة رحِم أو زيارة قريب – ، أو مستحبًّا – كتكرار عمرة أو حج -: وجب عليك الحنث في يمينك إن كان ذهابك واجبًا، واستُحب لك الحنث إن كان الذهاب مستحبًّا، وإن كان الذهاب إلى ذلك المكان مباحًا: فانظر الخير لدينك ودنياك، والأتقى لربك تعالى، وافعله، فإن كان الذهاب خيرًا وأتقى: فاذهب وكفِّر عن يمينك، وإلا فابق على منع نفسك من الذهاب إليه.

عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ ).

رواه البخاري ( 6343 ) ومسلم ( 1652 ).

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ وَلْيَفْعَلْ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ ).

رواه مسلم ( 1650 ).

* وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 8 / 63 ):

برُّ اليمين معناه : أن يصدق في يمينه , فيأتي بما حلف عليه ، قال الله تعالى : ( ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون ).

وهو واجب في الحلف على فعل الواجب، أو ترك الحرام, فيكون يمين طاعة يجب البر به بالتزام ما حلف عليه, ويحرم عليه الحنث فيه، أمّا إن حلف على ترك واجب أو فعل محرم: فهو يمين معصية، يجب الحنث فيه.

فإن حلف على فعل نفل, كصلاة تطوع، أو صدقة تطوع: فالتزام اليمين مندوب, ومخالفته مكروهة، فإن حلف على ترك نفل: فاليمين مكروهة, والإقامة عليها مكروهة, والسنَّة أن يحنث فيها، وإن كانت على فعل مباح: فالحنث بها مباح، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فأت الذي هو خير, وكفر عن يمينك ). انتهى.

  1. قرارك في أنك ستصوم ثلاثة أيام مقابل الحنث في يمينك: لا يجوز إلا إن كنتَ عاجزًا عن إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، فكفارة اليمين هي: إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، فمن لم يجد: صام ثلاثة أيام، قال الله تعالى: (لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) المائدة/ 89.

– وانظر السؤال ( 45676 ).

ثانيًا:

وأما بخصوص سؤالك عن جعل صيام كفارة اليمين في شوال، واحتسابها من الأيام الستة منه، الوارد في فضل صومه مع رمضان أنه كصيام الدهر فرضًا: فنقول: إنه إن ترتب في ذمتك الصيام لعجزك عن الإطعام والكسوة: فلا تحسبها من الأيام الستة من شوال، ولا يجوز التشريك بين نية واجبة، ونية نفل، وصيام الكفارة مخصوص يحتاج لنية مستقلة، كما هو الحال في صيام الأيام الستة من شوال، وعليه: فصيامك للأيام الثلاثة كفارةً ليمينك لا تُحسب من صيام الأيام الستة من شوال.

* سئل علماء اللجنة الدائمة:

هل صوم ستة من شوال، ويوم عاشوراء، ويوم عرفة، هل يجزئ عن الأيمان، وقد عجز المرء على حصرها؟.

فأجابوا:

كفارة الأيمان هي: عتق رقبة مؤمنة، أو إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، فإن لم تجد شيئًا من ذلك: فتصوم عن كل يمين ثلاثة أيام.

وأما عجزك عن حصر الأيمان : فيجب عليك الاجتهاد في حصرها بالتقريب، ثم التكفير فيما حنثت فيه منها ، ويكفيك ذلك إن شاء الله .

ولا يجزئ صيام يوم عاشوراء، وعرفة، وستة من شوال، عن كفارة اليمين، إلا إذا نوى بصيامها أنه عن الكفارة لا التطوع.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 23 / 37 ، 38 ).

* وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

السائلة تذكر بأنها حلفت، وتريد أن تكفر عن هذا الحلف بصيام ثلاثة أيام، فهل يجوز أن أصومها مع صيام الست من شوال بحيث يكون صيامي ستة أيام؟.

فأجاب:

أولًا: لا يجوز للحالف إذا حنث في يمينه أن يصوم، إلا إذا كان لا يجد إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال ( فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ )، وقد اشتهر عند كثير من العامة: أن كفارة اليمين إذا حنث الحالف: صيام ثلاثة أيام لمن يجد الإطعام، أو الكسوة، أو العتق، ومن لا يجد، وهذا غلط، بل لا يجوز الصيام إلا إذا كان الحالف الذي حنث لا يجد إطعام عشرة مساكين، أو يجد لكن لا يجد مساكين، فحينئذٍ يصوم ثلاثة أيام متتابعة.

ثم إذا كان يندرج تحت صيام الأيام الثلاثة: فإنه لا يجزئ أن ينوي بها صيام ستة أيام من شوال؛ لأنهما عبادتان مستقلتان، فلا تغني إحداهما عن الأخرى، بل يصوم ستة أيام من شوال، ثم يصوم الأيام الثلاثة زائدة على صيام الأيام الستة.

” فتاوى نور على الدرب ” ( / 84 ، 85).

 

ولا يشترط في الأيام الثلاثة أن تكون متتابعة – خلافًا لما رجحه الشيخ العثيمين رحمه الله -.

 

 

والله أعلم.

كيف يقوم العبد المسلم بشكر ربه تعالى على نعمِه الكثيرة؟

كيف يقوم العبد المسلم بشكر ربه تعالى على نعمِه الكثيرة؟

السؤال:

ما هو أفضل شيء يقوم به الإنسان لشكر الله على نعمه التي منّ بها علينا؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الشكر هو: المجازاة على الإحسان، والثناء الجميل على من يقدم الخير والإحسان، ومن أعظم أنواع الشكر باعتبار المشكور هو شكر المسلم ربَّه تعالى؛ لما له من عظيم النعَم والمنن على عباده في الدِّين والدنيا، وقد أمرنا الله تعالى بشكره على تلك النعم، وعدم جحودها، فقال: ( فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ ) البقرة/ 152.

ثانيًا:

ومن أعظم من قام بهذا الأمر، فشكر ربَّه، حتى استحق وصف ” الشاكر ” و ” الشكور ” هم الأنبياء والمرسلون عليهم السلام:

قال تعالى: ( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . شَاكِرًا لَأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) النحل/ 120، 121.

وقال تعالى: ( ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُورًا ) الإسراء:/ 3.

ثالثًا:

وقد ذكر الله تعالى بعض نعمه على عباده، وأمرهم بشكرها، وأخبرنا تعالى أن القليل من عباده من قام بشكره عز وجل.

  1. قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ) البقرة/ 172 .
  2. وقال تعالى: ( وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ ) الأعراف/ 10.
  3. وقال تعالى: ( فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّباً وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) (النحل:114) .
  4. وقال تعالى: ( قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ ) الملك/ 23.
  5. وقال تعالى: ( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) الروم/ 46.
  6. وقال تعالى: ( وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) فاطر/ 12.
  7. ومن النعم الدينية: قوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) المائدة/ 6.

وغير ذلك كثير، وإنما ذكرنا هنا بعض تلك النِّعَم، وأما حصرها: فيستحيل، كما قال الله تعالى: ( وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الْأِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ) إبراهيم/ 34، ثم منَّ الله علينا فغفر لنا تقصيرها في شكر تلك النعم، فقال: ( وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ) النحل/ 18.

والمسلم دائم الطلب من ربِّه تعالى أن يعينه على شكره تعالى؛ إذ لولا توفيق الله لعبده، وإعانته: لما حصل الشكر، ولذا شرع في السنَّة الصحيحة طلب الإعانة من الله على شكره تعالى.

عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ بِيَدِهِ وَقَالَ: ( يَا مُعَاذُ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، فَقَالَ: أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ ).

رواه أبو داود ( 1522 ) والنسائي ( 1303 )، وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

وكان الشكر على النِّعَم سببًا في زيادتها، كما قال تعالى: ( وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ) إبراهيم/ 7.

رابعًا:

وكيف يكون شكر العبد ربَّه على نعمه الجليلة؟ يكون الشكر بتحقيق أركانه، وهي شكر القلب، وشكر اللسان، وشكر الجوارح.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

الشكر يكون: بالقلب: خضوعًا واستكانةً، وباللسان: ثناءً واعترافًا، وبالجوارح: طاعةً وانقيادًا.

” مدارج السالكين ” ( 2 / 246 ).

* وتفصيل ذلك:

  1. أما شكر القلب: فمعناه: أن ينعقد القلب على الاعتراف بأن المنعم بهذه النعَم الجليلة هو الله وحده لا شريك، قال تعالى: ( وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ ) النحل/ 53.

وليس هذا الاعتراف من باب الاستحباب، بل هو واجب، ومن نسب هذه النعم لغيره تعالى: كفر.

* قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -:

الواجب على الخلق إضافة النعم إلى الله قولًا، واعترافًا، وبذلك يتم التوحيد، فمن أنكر نعَم الله بقلبه، ولسانه: فذلك كافر، ليس معه من الدين شيء

ومَن أقر بقلبه أن النعَم كلها من الله وحده، وهو بلسانه تارة يضيفها إلى الله، وتارة يضيفها إلى نفسه، وعمله، وإلى سعي غيره – كما هو جارٍ على ألسنة كثير من الناس -: فهذا يجب على العبد أن يتوب منه، وأن لا يضيف النعم إلا إلى موليها، وأن يجاهد نفسه على ذلك، ولا يتحقق الإيمان، والتوحيد إلا بإضافة النعَم إلى الله، قولًا، واعترافًا.

فإن الشكر الذي هو رأس الإيمان مبني على ثلاثة أركان: اعتراف القلب بنعَم الله كلها عليه، وعلى غيره، والتحدث بها، والثناء على الله بها، والاستعانة بها على طاعة المنعم، وعبادته.

” القول السديد في مقاصد التوحيد ” ( ص 140 ).

وقال تعالى مبينًا حال من يجحد نسبة النعم لله تعالى: ( يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ ) النحل/ 83.

* قال ابن كثير – رحمه الله -:

أي : يعرفون أن الله تعالى هو المسدي إليهم ذلك، وهو المتفضل به عليهم، ومع هذا ينكرون ذلك، ويعبدون معه غيره، ويسندون النصر والرزق إلى غيره.

” تفسير ابن كثير ” ( 4 / 592 ).

 

  1. وأما شكر اللسان: فهو الاعتراف لفظًا – بعد عقد القلب اعتقادًا – بأن المنعَم على الحقيقة هو الله تعالى، واشتغال اللسان بالثناء على الله عز وجل.

قال تعالى في سياق بيان نعمه على عبد محمد صلى الله عليه وسلم: ( وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى ) الضحى/ 8، ثم أمره في مقابل ذلك بقوله: ( وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ) الضحى/ 11.

* قال ابن كثير – رحمه الله -:

أي: وكما كنت عائلا فقيراً فأغناك الله: فحدِّث بنعمة الله عليك.

” تفسير ابن كثير ” ( 8 / 427 ).

وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى عَنْ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا، أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا ).

رواه مسلم ( 2734 ).

 

* قال أبو العباس القرطبي – رحمه الله -:

والحمد هنا بمعنى الشكر، وقد قدمنا: أن الحمد يوضع موضع الشكر، ولا يوضع الشكر موضع الحمد، وفيه دلالة على أن شكر النعمة – وإن قلَّت -: سببُ نيل رضا الله تعالى، الذي هو أشرف أحوال أهل الجنة، وسيأتي قول الله عز وجل لأهل الجنة حين يقولون: ” أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك، فيقول: ( ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ ) فيقولون: ما هو؟ ألم تبيض وجوهنا، وتدخلنا الجنة، وتزحزحنا عن النار؟، فيتول: ( أحلُّ عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبدًا).

وإنما كان الشكر سببًا لذلك الإكرام العظيم لأنَّه يتضمَّن معرفة المنْعِم، وانفراده بخلق تلك النعمة، وبإيصالها إلى المنعَم عليه، تفضلًا من المنعِم، وكرمًا، ومنَّة، وإن المنعَم عليه فقيرٌ، محتاجٌ إلى تلك النعَم، ولا غنى به عنها، فقد تضمَّن ذلك معرفة حق الله وفضله، وحقَّ العبد وفاقته ، وفقره، فجعل الله تعالى جزاء تلك المعرفة: تلك الكرامة الشريفة .

” المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ” ( 7 / 60 ، 61 ).

ومن هنا قال بعض السلف: ” مَن كتم النعمة: فقد كفَرها، ومن أظهرها ونشرها: فقد شكرها “.

* قال ابن القيم – تعليقا على هذا -:

وهذا مأخوذ من قوله: ( إن الله إذا أنعم على عبد بنعمة: أحب أن يَرى أثر نعمته على عبده ). ” مدارج السالكين ” ( 2 / 246 ).

ويروى عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله قوله: تذاكروا النِّعَم، فإنَّ ذِكرها شكرٌ.

 

  1. وأما شكر الجوارح: فهو أن يسخِّر جوارحه في طاعة الله، ويجنبها ارتكاب ما نهى الله عنه من المعاصي والآثام.

وقد قال الله تعالى: ( اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً ) سـبأ/ من الآية 13.

عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَلَّى قَامَ حَتَّى تَفَطَّرَ رِجْلَاهُ قَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَصْنَعُ هَذَا وَقَدْ غُفِرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ فَقَالَ: ( يَا عَائِشَةُ أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا ).

رواه البخاري ( 4557 ) ومسلم ( 2820 ).

* قال النووي – رحمه الله -: قال القاضي: الشكر: معرفة إحسان المحسن، والتحدث به، وسميت المجازاة على فعل الجميل شكرًا: لأنها تتضمن الثناء عليه، وشكر العبد اللهَ تعالى: اعترافه بنعَمه، وثناؤه عليه، وتمام مواظبته على طاعته.

” شرح مسلم ” ( 17 / 162 ).

 

* قال ابن بطَّال – رحمه الله -: قال الطبري: والصّواب في ذلك: أن شكر العبد هو: إقراره بأن ذلك من الله دون غيره، وإقرار الحقيقة الفعل، ويصدقه العمل، فأما الإقرار الذى يكذبه العمل، فإن صاحبه لا يستحق اسم الشاكر بالإطلاق، ولكنه يقال شكر باللسان، والدليل على صحة ذلك: قوله تعالى: ( اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا ) سبأ/ 13، ومعلوم أنه لم يأمرهم، إذ قال لهم ذلك، بالإقرار بنعمه؛ لأنهم كانوا لا يجحدون أن يكون ذلك تفضلًا منه عليهم، وإنما أمرهم بالشكر على نعمه بالطاعة له بالعمل، وكذلك قال صلى الله عليه وسلم حين تفطرت قدماه في قيام الليل: ( أفلا أكون عبدًا شكورًا ). ” شرح صحيح البخاري ” ( 10 / 183 ، 184 ).

* وقال أبو هارون:

دخلتُ على أبي حازم، فقلت له: يرحمك الله، ما شكرُ العينين؟ قال: إذا رأيتَ بهما خيرًا: ذكرته، وإذا رأيتَ بهما شرًّا: سترته، قلت: فما شكر الأذنين؟ قال: إذا سمعتَ بهما خيرًا: حفظته، وإذا سمعتَ بهما شرًّا: نسيتَه.

* قال ابن رجب الحنبلي – رحمه الله -:

الشكر على درجتين:

إحداهما واجب: وهو أن يأتي بالواجبات، ويتجنب المحرمات، فهذا لا بد منه، ويكفي في شكر هذه النعم، … .

ومن هنا قال بعض السلف: ” الشكر: ترك المعاصي “، وقال بعضهم: ” الشكر أن لا يُستعان بشيءٍ من النعَم على معصيته “، وذكر أبو حازم الزاهد شكرَ الجوارح كلها: ” أن تكف عن المعاصي، وتستعمل في الطاعات “، ثم قال : ” وأما مَن شكر بلسانه ولم يشكر بجميع أعضائه: فمثَلُه كمثل رجل له كساء فأخذ بطرفه، فلم يلبسه، فلم ينفعه ذلك من البرد، والحر، والثلج، والمطر “.

الدرجة الثانية من الشكر: الشكر المستحب، وهو أن يعمل العبد بعد أداء الفرائض، واجتناب المحارم: بنوافل الطاعات، وهذه درجة السابقين المقربين.

” جامع العلوم والحكم ” ( ص 245 ، 246 ).

* والخلاصة:

أنه حتى تكون شاكرًا لربك تعالى على ما أنعم عليك: فإنه يجب عليك الاعتراف بقلبك أن واهب هذه النعم، ومسديها هو الله تعالى، فتعظمه، وتنسبها إليه، وأن تعترف بذلك بلسانك، فتشكره بعد الاستيقاظ من النوم أن وهب لك الحياة، وبعد الطعام والشراب أن رزقك إياهما وتفضل بهما عليك، وهكذا في كل نعمة تراها على نفسك، وبخاصة إن ثبت في نعم مخصوصة أحاديث فيها الحمد والشكر والثناء على الله تعالى المنعِم، وتشكره بجوارحك بأن لا تجعلها ترى، ولا تسمع، معصية، أو منكرًا، كغناء، أو غيبة، ولا تمش برجليك إلى أماكن محرَّمة، ولا تستعمل يديك في منكر، ككتابة محرمة في علاقة مع نساء أجنبيات، أو كتابة عقود محرمة، أو القيام بصنعة أو عمل محرَّم، ومن شكر النعم بالجوارح: تسخيرها في طاعة الله تعالى، بقراءة القرآن، وكتب العلم، وسماع النافع والمفيد، وهكذا باقي الجوارح تسخرها في الطاعات المختلفة.

واعلم أن شكر النعَم نعمة تحتاج لشكر، وهكذا يبقى العبد متقلباً في نعَم ربِّه حتى يكون شكره لتلك النعمة هو عجزه عن شكر.

* قال ابن رجب الحنبلي – رحمه الله -:

على كل نعمة على العبد من الله في دِين، أو دنيا: يحتاج إلى شكر عليها، ثم للتوفيق للشكر عليها نعمة أخرى تحتاج إلى شكر ثان، ثم التوفيق للشكر الثاني نعمة أخرى يحتاج إلى شكر آخر، وهكذا أبدا فلا يقدر العبد على القيام بشكر النعَم، وحقيقة الشكر: الاعتراف بالعجز عن الشكر كما قيل:

إذا كان شكري نعمة الله نعمة … عليَّ له في مثلها يجب الشكر

فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله … وإن طالت الأيام واتصل العمر

” لطائف المعارف ” ( ص 244 ).

 

– ونسأل الله تعالى أن يوفقنا وإياك لما يحب ويرضى.

 

 

والله أعلم.

منذ متى تؤدى صلاة التراويح 20 ركعة في الحرم؟

منذ متى تؤدى صلاة التراويح 20 ركعة في الحرم؟

السؤال:

منذ متى تؤدى صلاة التراويح ذات العشرين ركعة في الحرم؟ ولماذا – حيث المسنون ثمان ركعات فقط – ؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

لا يصح أن يقول أحدٌ إن الزيادة على صلاة ثمان ركعات في التراويح بدعة ولا أنه مخالف للسنة، وقد ذهب جمهور العلماء إلى أنها تُصلَّى عشرون ركعة ومن هؤلاء أهل مكة في الحرم وغيره إلى هذا الزمان، وكان أهل المدينة يصلونها ستّاً وثلاثين ركعة.

 

– قال النووي الشافعي: مذاهب العلماء في عدد ركعات التراويح:

– مذهبنا : أنها عشرون ركعة بعشر تسليمات غير الوتر، وذلك خمس ترويحات والترويحة أربع ركعات بتسليمتين، هذا مذهبنا، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه وأحمد وداود وغيرهم، ونقله القاضي عياض عن جمهور العلماء.

– وحكي أن الأسود بن يزيد كان يقوم بأربعين ركعة ويوتر بسبع.

– وقال مالك: التراويح تسع ترويحات: وهي ست وثلاثون ركعة غير الوتر، واحتج بأن أهل المدينة يفعلونها هكذا، وعن نافع قال: أدركتُ الناس وهم يقومون رمضان بتسع وثلاثين ركعة يوترون منها بثلاث.

 

واحتج أصحابنا بما رواه البيهقي وغيره بالإسناد الصحيح عن السائب بن يزيد الصحابي رضي الله عنه قال: ” كانوا يقومون على عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه في شهر رمضان بعشرين ركعة، وكانوا يقومون بالمائتين، وكانوا يتوكئون على عصيهم في عهد عثمان من شدة القيام ” …

 

وروى البيهقي عن علي رضي الله عنه أيضا قيام رمضان بعشرين ركعة.

وأما ما ذكروه من فعل أهل المدينة فقال أصحابنا: سببه أن أهل مكة كانوا يطوفون بين كل ترويحتين طوافا ويصلون ركعتين ولا يطوفون بعد الترويحة الخامسة، فأراد أهل المدينة مساواتهم فجعلوا مكان كل طواف أربع ركعات فزادوا ست عشرة ركعة وأوتروا بثلاث فصار المجموع تسعاً وثلاثين، والله أعلم.” المجموع ” ( 3 / 528 ).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: والتراويح إن صلاها كمذهب أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد: عشرين ركعة أو كمذهب مالك ستا وثلاثين، أو ثلاث عشرة، أو إحدى عشرة فقد أحسن، كما نص عليه الإمام أحمد لعدم التوقيف فيكون تكثير الركعات وتقليلها بحسب طول القيام وقصره. ” الفتاوى الكبرى ” ( 5 / 344 ).

 

ثانيا:

وقد غلا في هذه المسألة طائفتان، الأولى أنكرت على من زاد على إحدى عشر ركعة وبدَّعت فعله، والثانية أنكروا على من اقتصر على إحدى عشر ركعة وقالوا: إنهم خالفوا الإجماع.

 

– ولنسمع إلى توجيه من الشيخ الفاضل ابن عثيمين حفظه الله حيث يقول:

وهنا نقول: لا ينبغي لنا أن نغلو أو نفرط:

* فبعض الناس يغلو من حيث التزام السنة في العدد، فيقول: لا تجوز الزيادة على العدد الذي جاءت به السنَّة، وينكر أشدَّ النكير على من زاد على ذلك، ويقول: إنه آثم عاصٍ.

وهذا لا شك أنه خطأ، وكيف يكون آثماً عاصياً وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن صلاة الليل فقال: مثنى مثنى، ولم يحدد بعدد، ومن المعلوم أن الذي سأله عن صلاة الليل لا يعلم العدد؛ لأنّ من لا يعلم الكيفية فجهله بالعدد من باب أولى، وهو ليس ممن خدم الرسول صلى الله عليه وسلم حتى نقول إنه يعلم ما يحدث داخل بيته، فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم بيَّن له كيفية الصلاة دون أن يحدد له بعدد: عُلم أن الأمر في هذا واسع، وأن للإنسان أن يصلِّيَ مائة ركعة ويوتر بواحدة.

 

وأما قوله صلى الله عليه وسلم:” صلوا كما رأيتموني أصلي ” فهذا ليس على عمومه حتى عند هؤلاء، ولهذا لا يوجبون على الإنسان أن يوتر مرة بخمس، ومرة بسبع، ومرة بتسع، ولو أخذنا بالعموم لقلنا يجب أن توتر مرة بخمس، ومرة بسبع، ومرة بتسع سرداً، وإنما المراد: صلوا كما رأيتموني أصلي في الكيفية، أما في العدد فلا إلا ما ثبت النص بتحديده.

 

وعلى كلٍّ ينبغي للإنسان أن لا يشدد على الناس في أمر واسع، حتى إنا رأينا من الإخوة الذين يشددون في هذا مَن يبدِّعون الأئمة الذين يزيدون على إحدى عشرة، ويخرجون من المسجد فيفوتهم الأجر الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم:” من قام مع الإمام حتى ينصرف كُتب له قيام ليلة “، وقد يجلسون إذا صلوا عشر ركعات فتنقطع الصفوف بجلوسهم، وربما يتحدثون أحياناً فيشوشون على المصلين.

ونحن لا نشك بأنهم يريدون الخير، وأنهم مجتهدون، لكن ليس كل مجتهدٍ يكون مصيبا.

 

والطرف الثاني: عكس هؤلاء، أنكروا على من اقتصر على إحدى عشرة ركعة إنكاراً عظيماً، وقالوا: خرجتَ عن الإجماع، قال تعالى:{ ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً }، فكل من قبلك لا يعرفون إلا ثلاثاً وعشرين ركعة، ثم يشدِّدون في النكير، وهذا أيضاً خطأ. ” الشرح الممتع ” ( 4 / 73 – 75 ).

 

والله أعلم.