الرئيسية بلوق الصفحة 98

الرد على مقولة ” السماء قبلة الدعاء ” وبيان اعتقاد أهل السنَّة أن الله تعالى في السماء

الرد على مقولة ” السماء قبلة الدعاء ” وبيان اعتقاد أهل السنَّة أن الله تعالى في السماء

السؤال:        

ما رد فضيلتكم على هذه الأقوال: ” لأن الله تعالى لا يتحيز في مكان، إنما السماء قبلة الدعاء، ومهبط الرحمات، قال تعالى: ( يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب )، السماء إلى فناء، تعالى الله أن يتحيز فيها، وقال عليه الصلاة والسلام: (أطَّت السماء وحُقَّ لها أن تئط فليس فيها مكان إلا فيها ملك قائم أو راكع أو ساجد ) فتعالى الله أن يتحيز بين الملائكة، أما قول الله تعالى ( أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض ): فما من أحد من العلماء المعتبرين قال إن المقصود هو الله تعالى، إنما من ملائكته في السماء، والموكل بالخسف هو سيدنا جبريل “.

وشكرًا لكم.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الكلام الوارد في السؤال هو من إنشاء أهل البدع والأهواء نفاة العلو لله الواحد القهَّار ، وقد شاع بين ” الأشاعرة ” ، وكانوا قد ورثوه عن ” الجهمية “.

وأصل ذلك: أنهم أرادوا نفي علو ذات الله تعالى، وغاظهم ما يجده الناس في فطَرهم ضرورة من توجه قلوبهم نحو السماء، ومن رفع أيديهم تجاهها، فزعموا أن ” السماء قبلة للدعاء “! وأن توجه المسلمين بقلوبهم نحوها، ورفع أيديهم باتجاهها: هو توجه للقبلة، كما يتوجهون للكعبة قبلة الصلاة! حتى روى بعض الكذَّابين المعطلة في ذلك حديثاً نسبه للنبي صلى الله عليه وسلم، بلفظ ( السماءُ قِبلةُ الدعاء )!

* قال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني – رحمه الله -:

لم أقف له على أصل، إلا ما قاله الحافظ في ” نتائج الأفكار ” ( 1 / 259، 260 ) في ” آداب الدعاء “:

” قلت: أما الاستقبال: فلم أرَ فيه شيئاً صريحاً يختص به، وقد نقل الروياني أنه يقول رافعاً بصره إلى السماء، وقد تقدم ذلك فِي حَدِيثِ عمر، وفي حديث ثوبان: ” السماء قبلة الدعاء “، فلعل ذلك مراد مَن أطلق “.

كذا قال! وحديث ثوبان تقدم عنده ( 1 / 245 )، وليس فيه ما ذكر، ولا رأيتُ ذلك في كتاب من كتب السنَّة التي وقفتُ عليها، بل ظاهر كلام شارح ” العقيدة الطحاوية ” ابن أبي العز ( ص 327 ) وغيره: أن هذا الحديث المزعوم هو من قول بعض المؤولة، أو المعطلة الذين ينكرون علو الله على خلقه، واستواءه على عرشه، وما فُطر عليه الناس من التوجه بقلوبهم في دعائهم جهة العلو، فقال الشارح:

” إن قولكم: إن ” السماء قبلة الدعاء “: لم يقله أحدٌ من سلف الأمة، ولا أنزل الله به من سلطان … “. ” السلسة الضعيفة ” ( 13 / 443 ).

وقد تكررت هذه العبارة في كتب مشهورة، ولمؤلفين علماء، مما ساهم في انتشار هذه المقولة حتى ظنها كثيرون عقيدة صحيحة، وما ذلك منهم – رحمهم الله – إلا بسبب أشعريتهم، ونفيهم لعلو ذات الله تعالى، والحق أحق أن يُتبَّع، ولا ينبغي التوقف في خطأ هذه العبارة، وضلال معناها.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

إن الذين يرفعون أيديهم، وأبصارهم، وغير ذلك، إلى السماء وقت الدعاء: تقصد قلوبُهم الربَّ الذي هو فوق، وتكون حركة جوارحهم بالإشارة إلى فوق: تبعًا لحركة قلوبهم إلى فوق، وهذا أمرٌ يجدونه كلهم في قلوبهم وَجْدًا ضروريًّا، إلا من غُيرت فطرتُه باعتقاد يصرفه عن ذلك، وقد حكى محمد بن طاهر المقدسي عن الشيخ أبي جعفر الهمذاني أنه حضر مجلس أبي المعالي – أي: الجويني – فذكر العرش، وقال: ” كان الله ولا عرش “، ونحو ذلك، وقام إليه الشيخ أبو جعفر، فقال: يا شيخ دعنا من ذِكر العرش، وأخبرنا عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا: فإنه ما قال عارف قط ” يا الله “: إلا وجد في قلبه ضرورة لطلب العلو، لا يلتفت يمنة، ولا يسرة، قال: فضرب أبو المعالي على رأسه، وقال: ” حيرني الهمذاني “.

فأخبر هذا الشيخ عن كل من عرف الله: أنه يجد في قلبه حركة ضرورية إلى العلو إذا قال: ” يا الله “، وهذا يقتضي أنه في فطرتهم، وخِلقتهم: العلم بأن الله فوق، وقصده، والتوجه إليه: إلى فوق. ” بيان تلبيس الجهمية ” ( 2 / 446، 447 )، وفي ( 4 / 518 ، 519 ) طبعة المدينة.

ثانيًا:

وقد ردَّ علماء أهل السنَّة والجماعة على ذلك الزعم، وتلك العقيدة، وأثبتوا بمئات الأدلة علو الله تعالى على خلقه، بأدلة من القرآن، والسنَّة، والإجماع، والعقل، والفطرة، وقد جمعوا في ذلك مصنفات خاصة، ككتاب العلو للإمام الذهبي، أو جعلوها في مصنفاتهم العامة في الاعتقاد، ككتاب ” بيان تلبيس الجهمية ” لشيخ الإسلام ابن تيمية.

وقد ردَّ الإمام ابن أبي العز الحنفي رحمه الله على تلك المقولة، وذلك الاعتقاد، فقال:

واعترض على الدليل الفطري: أن ذلك إنما كان لكون ” السماء قبلة للدعاء “، كما أن الكعبة قبلة للصلاة.

وأجيب على هذا الاعتراض من وجوه:

أحدها: أن قولكم ” إن السماء قبلة للدعاء “: لم يقله أحدٌ من سلف الأمة، ولا أَنزل الله به من سلطان، وهذا من الأمور الشرعية الدينية، فلا يجوز أن يَخفى على جميع سلف الأمة، وعلمائها.

الثاني: أن قبلة الدعاء هي قبلة الصلاة، فإنه يستحب للداعي أن يستقبل القبلة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستقبل القبلة في دعائه في مواطن كثيرة، فمن قال إن للدعاء قبلة غير قبلة الصلاة، أو إن له قبلتين: إحداهما الكعبة، والأخرى السماء: فقد ابتدع في الدين، وخالف جماعة المسلمين.

الثالث: أن القبلة: هي ما يستقبله العابد بوجهه، كما تستقبل الكعبة في الصلاة، والدعاء، والذكر، والذبح، وكما يوجه المحتضر، والمدفون، ولذلك سميت: ” وجهة “، والاستقبال خلاف الاستدبار، فالاستقبال: بالوجه، والاستدبار: بالدبر، فأما ما حاذاه الإنسان برأسه، أو يديه، أو جنبه: فهذا لا يسمَّى ” قبلة “، لا حقيقة، ولا مجازًا، فلو كانت السماء قبلة الدعاء: لكان المشروع أن يوجه الداعي وجهه إليها، وهذا لم يشرع، والموضع الذي ترفع اليد إليه لا يسمَّى ” قبلة “، لا حقيقةً، ولا مجازًا.

ولأن القبلة في الدعاء أمر شرعي تتبع فيه الشرائع، ولم تأمر الرسل أن الداعي يستقبل السماء بوجهه، بل نهوا عن ذلك.

ومعلوم أن التوجه بالقلب، واللجأ، والطلب الذي يجده الداعي من نفسه: أمر فطري، يفعله المسلم، والكافر، والعالم، والجاهل، وأكثر ما يفعله: المضطر، والمستغيث بالله، كما فطر على أنه إذا مسه الضر يدعو الله.

مع أن أمر القبلة مما يَقبل النسخ، والتحويل، كما تحولت القبلة من الصخرة إلى الكعبة، وأمر التوجه في الدعاء إلى الجهة العلوية مركوز في الفطر.

والمستقبل للكعبة يعلم أن الله تعالى ليس هناك، بخلاف الداعي، فإنه يتوجه إلى ربه وخالقه، ويرجو الرحمة أن تنزل من عنده.

” شرح العقيدة الطحاوية ” ( ص 188 ).

 

ثالثًا:

وأما ما جاء في آخر السؤال:

” أما قول الله تعالى ( أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض ): فما من أحد من العلماء المعتبرين قال إن المقصود هو الله تعالى، إنما من ملائكته في السماء، والموكل بالخسف هو سيدنا جبريل “: فهو كلام باطل يحوي مغالطات عدَّة، وبيان ذلك:

  1. أن الإمام الطبري شيخ وإمام المفسرين ( توفي 310 هـ ) قد قال بأن المقصود بقوله تعالى ( من في السماء ): أنه الله! وهذا يكفي لتكذيب النفي الوارد في السؤال.

 

* قال الإمام الطبري – رحمه الله -:

قول تعالى ذِكره: ( أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ ) أيها الكافرون.

( أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ ) يقول: فإذا الأرض تذهب بكم، وتجيئ، وتضطرب.

( أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ ) وهو الله.

( أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ) وهو التراب فيه الحصباء الصغار.

” تفسير الطبري ” ( 23 / 513 ).

* وقال الحافظ ابن عبد البر – رحمه الله – :

وأما قوله تعالى: ( أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ ) الملك/16 فمعناه: مَن على السماء, يعني: على العرش. ” التمهيد ” ( 7 / 130 ).

فهذان قولان لمفسِّر فقيه، ومحدِّث فقيه, وبهما يتبين بجلاء نقض ذلك الزعم بأنه لا أحد من العلماء المعتبرين يقول بأن معنى ( من في السماء ) أنه الله، ولو شئنا لسردنا عشرات النقولات عن الأئمة المعتبرين، سلفًا, وخلَفًا.

  1. وفي النقل السابق تكذيب لزعم آخر في تلك الجملة، وهو أن جبريل عليه السلام هو الموكل بالخسف، وقد نسب الله تعالى ذلك لنفسه في مواضع أخرى، وهو يؤكد أن الضمير في الآية يرجع إليه سبحانه وتعالى، كما قاله الطبري، وكما هو اعتقاد أهل السنَّة والجماعة، ومن هذه المواضع:

أ. قوله تعالى: ( أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ ) النحل/ 45.

ب. قوله تعالى: ( وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْأِنْسَانُ كَفُورًا. أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا. أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا ) الإسراء/ 67 – 69.

وبذلك نطق النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة، منها:

أ. قوله: ( أَلاَ تَأْمَنُونِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِى السَّمَاءِ، يَأْتِينِي خَبَرُ السَّمَاءِ صَبَاحًا وَمَسَاءً ).

رواه البخاري ( 4351 ) ومسلم ( 1064 ).

ب. وقوله: ( ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ ).

رواه الترمذي ( 1924 )، وقال: حسن صحيح.

وبتأمل هذه الآيات يتبين خطأ ما زعمه ذلك الزاعم من نفي نسبة الخسف أنه من أفعال الله تعالى، وتحريف ذلك بنسبته للملائكة، وكل ذلك يفعلونه، ويتجرؤون عليه، من أجل تعطيل صفة العلو لله تعالى، والله المستعان.

 

 

رابعًا:

وأما قوله: ” السماء إلى فناء، تعالى الله أن يتحيز فيها، وقال عليه الصلاة والسلام: ( أطَّت السماء وحُقَّ لها أن تئط فليس فيها مكان إلا فيها ملك قائم أو راكع أو ساجد ) فتعالى الله أن يتحيز بين الملائكة “: فهو كلام حق أريد به باطل! فالحق أن الله ليس متحيزا في السماء، ولا هو – تعالى – متحيز بين الملائكة، والباطل: هو إرادة نفي علو الله تعالى على خلقه، والباطل هو إيهام الناس أن السماء له معنى واحد، وهو ذلك الجرم المخلوق.

ولم يثبت أهل السنَّة أن الله تعالى في السماء من شعرِ شاعر، ولا من نثر فصيح، بل أثبتوا ذلك من قوله تعالى نفسه، كما في آية الملك، وغيرها، وأثبتوا ذلك من سنَّة النبي صلى الله عليه وسلم الصحيحة.

ولدحض فرية المعطلة نقول: إن لفظ ” السماء ” له معنيان: الأول: العلو، والثاني: الجرم المخلوق، فإذا قال السلفي ” الله في السماء ” فإن يقول بما قاله ربه تعالى، ومعنى السماء هنا: العلو، ولا يعتقد أهل السنة أن ” في ” هنا ظرفية، وأن ” السماء ” هنا هي المظروف المخلوق، وهذا ما يكيد به أهل البدعة، ويوهمونه للناس أنه من اعتقاد أهل السنَّة، ومن أراد بلفظ السماء ذلك الجرم المخلوق: فإنه يجعل ” في ” بمعنى “على “.

* قال الحافظ ابن عبد البر – رحمه الله -:

وأما قوله تعالى: ( أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ ) الملك/16 فمعناه: مَن على السماء يعني: على العرش.

وقد يكون ” في ” بمعنى ” على “، ألا ترى إلى قوله تعالى: ( فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ) التوبة/ 2 أي: على الأرض، وكذلك قوله: ( وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ ) طه/ 71. ” التمهيد ” ( 7 / 130 ).

* وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

معنى كون الله في السماء: معناه على السماء أي فوقها، فـ ( في ) بمعنى ” على “، كما جاءت بهذا المعنى في قوله تعالى: ( قل سيروا في الأرض ) أي: عليها.

ويجوز أن تكون ( في ) للظرفية، و ( السماء ) على هذا بمعنى العلو، فيكون المعنى: أن الله في العلو، وقد جاءت السماء بمعنى العلو في قوله تعالى: ( أنزل من السماء ماء ).

ولا يصح أن تكون ( في ) للظرفية إذا كان المراد بالسماء الأجرام المحسوسة؛ لأن ذلك يوهم أن السماء تحيط بالله، وهذا معنى باطل؛ لأن الله أعظم من أن يحيط به شيء من مخلوقاته ” انتهى. ” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 4 / 283 ) .

 

* وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

السلف، والأئمة، وسائر علماء السنَّة إذا قالوا: ” إنه فوق العرش “، و ” إنه في السماء فوق كل شيء “: لا يقولون إن هناك شيئًا يحويه ، أو يحصره، أو يكون محلاًّ له، أو ظرفًا، ووعاءً، سبحانه وتعالى عن ذلك، بل هو فوق كل شيء، وهو مستغنٍ عن كل شيءٍ، وكل شيءٍ مفتقرٌ إليه، وهو عالٍ على كل شيءٍ، وهو الحامل للعرش، ولحملة العرش، بقوته، وقدرته، وكل مخلوق مفتقرٌ إليه، وهو غنيٌّ عن العرش، وعن كل مخلوق.

 

وما في الكتاب والسنة من قوله: ( أأمنتم من في السماء ) ونحو ذلك: قد يَفهم منه بعضُهم أن ” السماء ” هي نفس المخلوق العالي العرش فما دونه، فيقولون: قوله ( في السماء ) بمعنى: ” على السماء “، كما قال: ( ولأصلبنكم في جذوع النخل ) أي: على جذوع النخل، وكما قال: ( فسيروا في الأرض ) أي: على الأرض.

ولا حاجة إلى هذا، بل ” السماء ” اسم جنس للعالي، لا يخص شيئا، فقوله: ( في السماء ) أي: في العلو دون السفل.

 

وهو العلي الأعلى فله أعلى العلو، وهو ما فوق العرش، وليس هناك غيره، العلي الأعلى، سبحانه وتعالى. ” مجموع الفتاوى ” ( 16 / 100، 101 ).

 

والله أعلم.

الدعاء الجماعي، ما يجوز منه، وما لا يجوز

الدعاء الجماعي، ما يجوز منه، وما لا يجوز

السؤال:

هل يجوز الدعاء بشكل جماعي كأن يدعو الإمام بعد القاء المحاضرة مثلًا؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أوّلًا:

لا شك أن عبادة الدعاء من أفضل العبادات التي يتعبد المسلم فيها ربه؛ قال تعالى: ( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ) غافر/ 60.

وعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ( الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ، “قَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ” ). رواه الترمذي ( 2969 ) وصححه، وأبو داود (1479 ) وابن ماجه ( 3828 ).

 

ثانيًا:

وننبه هنا إلى أمرٍ مهم، يختلط على كثير من الناس، وهو التفريق بين ” الذِّكر الجماعي “، و ” الدعاء الجماعي “، فالأول: ليس له وجود في الشرع، وما يحاوله أهل البدع من الاستدلال عليه بأحاديث من السنَّة لا يسلم لهم، فلم يثبت أن ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ربَّه مع أصحابه بصوتٍ واحد، ولا أنه كان يذكر ربَّه ويردد من خلفه أصحابه رضي الله عنهم.

 

وأما الدعاء الجماعي: فله أصل في الشرع! وصوره كثيرة، ففي قنوت النوازل، وقنوت الوتر كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو، ويؤمن أصحابه على دعائه من خلفه، وجمهور العلماء يرون تأمين المصلين على دعاء الخطيب يوم الجمعة، وكذا في الاستسقاء، وهكذا في صور مختلفة متعددة، والأصل أنه من كان في مجتمع من الناس فجاز له – أو استُحب – الدعاء أنه يدعو للجميع، لا لنفسه، ويؤمِّن من حضر على دعائه.

 

 

 

وأما الدعاء الجماعي البدعي فمن صوره:

  1. أن يَجمع المسلمُ طائفة من الناس من أجل الدعاء فقط.

عن أبي عثمان قال: كتب عاملٌ لعمر بن الخطاب إليه: أن ها هنا قوماً يجتمعون، فيدعون للمسلمين، وللأمير، فكتب إليه عمر: ” أقبل، وأقبل بهم معك “، فأقبل، وقال عمر للبواب: أعِدَّ لي سوطًا، فلمَّا دخلوا على عمر: أقبل على أميرهم ضربًا بالسوط.

رواه ابن أبي شيبة في ” مصنفه ” ( 13 / 360 ) وسنده حسن.

  1. ومنه: اجتماع الناس للدعاء بصوت واحد.

قال الشيخ بكر أبو زيد – رحمه الله –:

الذِّكر الجماعي بصوت واحدٍ سرًّا، أو جهرًا، لترديد ذكر معين وارد، أو غير وارد، سواءً كان من الكل، أو يتلقونه من أحدهم، مع رفع الأيدي، أو بلا رفع لها: كل هذا وصف يحتاج إلى أصلٍ شرعيٍّ يدل عليه من الكتاب والسنَّة؛ لأنه داخل في عبادة، والعبادات مبناها على التوقيف، والاتباع، لا على الإحداث والاختراع؛ ولهذا نظرنا في الأدلة في الكتاب والسنَّة: فلم نجد دليلًا يدلُّ على هذه الهيئة المضافة، فتحقق أنه لا أصل له في الشرع المطهر، وما لا أصل له في الشرع: فهو بدعة، إذًا فيكون الذِّكر، والدعاء الجماعي بدعة، يجب على كل مسلم مقتدٍ برسول الله صلى الله عليه وسلم تركها، والحذر منها، وأن يلتزم بالمشروع.

وعليه: فالدعاء الجماعي بصوت واحدٍ، سواءً كان دعاءً مطلقًا، أو مرتَّبًا، كأن يكون بعد قراءة القرآن، أو الموعظة، والدرس: كل ذلك بدعة.

” تصحيح الدعاء ” ( ص 134 ، 135 ).

  1. الدعاء الجماعي قبل عمل مباح، أو بعده، كمن دعا بعد تناول طعام، وأمَّن الحاضرون، أو دعا قبل السفر وأمَّن من معه.

ولسنا نعني هنا أدعية الطعام، وأدعية السفر، فهذه ليس فيها تأمين، ويجوز الترداد فيها خلف الداعي للتعليم، وإنما نعني الأدعية العامة.

* سئل الشيخ عبد المحسن العباد – حفظه الله -:

ما حكم الدعاء الجماعي بعد الأكل؟.

فأجاب:

لا نعلم له أصلًا، وكلٌّ يدعو بنفسه، وكون الجالسين – كلهم – يدعون بصوت واحد: هذا ما له أصل. ” شرح سنن أبي داود ” ( 19 / 488 ) ترقيم الشاملة.

وبعض العلماء يرى أن هذا الدعاء يجوز إن لم يُتخذ عادة.

  1. الدعاء الجماعي في مواضع شرع فيها الدعاء، لكن ليس جماعة، كتأمين طائفة من الناس على دعاء أحدهم في الطواف، أو تأمين المصلين على دعاء الإمام بعد الانتهاء من أذكار الصلوات، أو تأمينهم على من دعا بعد دفن الميت، فهذه مواضع شرع فيها الدعاء، وفيها اجتماع الناس، لكن لم يشرع أن يكون لهم قائد يقودهم في الدعاء، وهم يؤمِّنون.

* قال علماء اللجنة الدائمة:

الصواب: القول بعدم جواز الدعاء بصفة جماعية بعد الفراغ من الصلاة على الميت، وأن ذلك بدعة. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 9 / 16 ).

وعليه: من أنكر الدعاء الجماعي من أهل العلم: فينبغي حمل كلامه على هذه الصور، وهذا لا شك أنه حكم صحيح.

والسؤال الآن هل من هذه المواضع: ما يدعو به المحاضِر، أو المعلِّم، في آخر درسه، فيؤمِّن الحاضرون على دعائه؟ الظاهر لنا من سنَّة النبي صلى الله عليه وسلم: جواز ذلك، بل استحبابه.

ووجه الفرق بين هذا والذي قبله: أن الأدعية في الطواف، وبعد الانتهاء من الأذكار أدعية شخصية، يقوم بها المسلم لنفسه، بينه وبين ربِّه، وليس كذلك إذا كان في مجلس، ومحاضرة، فدعاؤه هنا علني، يجهر به، والدعاء ليس بصيغة الفرد له، بل له ولمن معه، وعلى ذلك نصَّ الصحابي ابن عمر رضي الله عنهما.

عن ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَلَّمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُومُ مِنْ مَجْلِسٍ حَتَّى يَدْعُوَ بِهَؤُلَاءِ الدَّعَوَاتِ لِأَصْحَابِهِ ( اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ وَمِنْ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصِيبَاتِ الدُّنْيَا وَمَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى مَنْ عَادَانَا وَلَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا وَلَا تَجْعَلْ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا وَلَا تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لَا يَرْحَمُنَا ). رواه الترمذي ( 3502 )، وحسَّنه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

* وبوَّب عليه النووي في كتابه ” الأذكار ” بقوله: ” باب دعاء الجالس في جمع لنفسه ومن معه “.

* وسئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

أحيانًا بعد إلقاء محاضرة، أو درس من الدروس: يدعو المحاضر، ويرفع يديه، فهل نجلس معه أثناء الدعاء الجماعي، أم ننصرف بعد المحاضرة قبل بدء الدعاء؟.

 

فأجاب:

لا بأس بالدعاء بعد المحاضرة، أو بعد الموعظة، أو الذكرى، لا بأس بالدعاء، يدعو الله للحاضرين بالتوفيق، والهداية، وصلاح النية، والعمل، لكن رفع اليدين في مثل هذا لا أعلم فيه دليلًا، ولا أعلم أنه ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا العموم، عموم رفع اليدين بالدعاء، وأنه من أسباب الإجابة، لكن لم أحفظ عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان بعدما يعظ الناس، ويذكِّرهم، كان يرفع يديه، ويدعو، فلو كان هذا يفعله: لنقله الصحابة رضي الله عنهم؛ فإنهم ما تركوا شيئًا إلا نقلوه، رضي الله عنهم، فالأولى، والأحوط: عدم الرفع في مثل هذا، إلا لدليل يدل على ذلك، أما كونه يدعو لهم بعدما يفرغ، غفر الله لنا ولكم، أو وقفنا الله وإياكم، أو نفعنا الله وإياكم بما سمعنا، أو ما أشبه ذلك: فهذا لا بأس به، وإن أمَّنوا: فلا بأس بذلك.

” فتاوى نور على الدرب ” ( شريط رقم 610 ).

 

 

والله أعلم.

هل يمنع ارتكاب الذنب بعد الدعاء من إجابته؟

هل يمنع ارتكاب الذنب بعد الدعاء من إجابته؟

السؤال:

هل هناك متطلبات معينة لصلاة التهجد؟

إذا دعوت الله ثم ارتكبت إثماً هل يمكن أن يجاب هذا الدعاء؟

هل يجوز إعطاء الصدقة للمتسول المشرك أو الكافر؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

– اختلف العلماء رحمهم الله في معنى التهجد على ثلاثة أقوال:

الأول: أنه النوم ثم الصلاة ثم النوم ثم الصلاة.

الثاني: أنه الصلاة بعد النوم.

الثالث: أنه بعد صلاة العشاء.

وليس العبرة باللفظ بقدر ما هو العبرة بالصلاة ذاتها، وهديه صلى الله عليه وسلم في صلاة الليل أنه كان يصليها في أول الليل وأوسطه وآخره، وأكثر صلاته صلى الله عليه وسلم كانت بعد القيام من النوم.

وأصل اللفظة جاءت في قوله تعالى: { ومن الليل فتهجد به نافلة لك } [ الإسراء / 79 ].

والمعنى: اسهر بالقرآن في الصلاة، أو اطرد النوم بعد السهر.

واللفظة من الأضداد، فهي تطلق على النوم وعلى السهر، وقيل: هجد إذا نام، وتهجد إذا قام من النوم.

والأقرب – والله أعلم – أن التهجد يكون بعد النوم.

قال ابن كثير:

فإن التهجد ما كان بعد نوم، قاله علقمة والأسود وإبراهيم النخعي وغير واحد، وهو المعروف في لغة العرب، وكذلك ثبتت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يتهجد بعد نومه عن ابن عباس وعائشة وغير واحد من الصحابة رضي الله عنهم.

” تفسير ابن كثير ” ( 3 / 55 ).

وليس هناك متطلبات معينة لصلاة التهجد، لكن قد يقال إن هناك أحكامًا ينبغي الاهتمام بها، ومنها:

  1. أن ينوي القيام قبل النوم.

عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما من امرئ تكون له صلاة بليل فغلبه عليها نوم إلا كتب الله له أجر صلاته وكان نومه صدقة عليه.

رواه النسائي ( 1784 ) وأبو داود ( 1314 ).

 

  1. التسوك وتنظيف الفم لإزالة رائحة الفم.

عن حذيفة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام للتهجد من الليل يشوص فاه بالسواك. رواه البخاري ( 1085 ) ومسلم ( 255 ).

وقد ذُكر في بعض الأحاديث حكمة من تنظيف الفم قبل صلاة الليل.

عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ” إن العبد إذا قام يصلي أتاه الملك فقام خلفه يستمع القرآن ويدنو، فلا يزال يستمع ويدنو حتى يضع فاه على فيه فلا يقرأ آية إلا كانت في جوف الملك “. رواه البيهقي ( 11 / 38 ).

والحديث: صححه الشيخ الألباني في ” السلسلة الصحيحة ” ( 1213 ).

  1. أن يستفتح صلاته بركعتين خفيفتين.

عن زيد بن خالد الجهني أنه قال: لأرمقن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم الليلة، فصلى ركعتين خفيفتين، ثم صلى ركعتين طويلتين طويلتين طويلتين، ثم صلى ركعتين، وهما دون اللتين قبلهما، ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثم أوتر فذلك ثلاث عشرة ركعة. رواه مسلم ( 765 ).

وعن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل ليصلي افتتح صلاته بركعتين خفيفتين. رواه مسلم ( 767 ) .

بل جاء الأمر بهما لكنه أمر استحباب:

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام أحدكم من الليل فليفتتح صلاته بركعتين خفيفتين. رواه مسلم ( 768 ).

  1. أن يسلم بين كل ركعتين.

عن ابن عمر أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة الليل فقال رسول الله عليه السلام: صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى. رواه البخاري ( 946 ) ومسلم ( 749 ).

عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء وهي التي يدعو الناس العتمة إلى الفجر إحدى عشرة ركعة يسلم بين كل ركعتين ويوتر بواحدة. رواه مسلم ( 736 ).

  1. وليس للتهجد عددٌ معين يلزم فيه المصلي.

فإن صلَّى ثماني ركعات فجائز أو عشر ركعات فجائز، وله أن يقل أو يكثر.

قال ابن عبد البر:

وكيف كان الأمر فلا خلاف بين المسلمين أن صلاة الليل ليس فيها حدٌّ محدود، وأنها نافلة، وفعل خير وعمل بر، فمن شاء استقل، ومن شاء استكثر. ” التمهيد ” ( 21 / 69 ).

 

 

 

  1. ترك الصلاة حال شعوره بالنعس وخشية تخليطه بالقراءة والدعاء.

عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا نعس أحدكم وهو يصلي فليرقد حتى يذهب عنه النوم، فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس لا يدري لعله يستغفر فيسب نفسه.

رواه البخاري ( 209 ) ومسلم ( 786 ).

  1. ترك التكلف في القيام.

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: دخل النبي صلى الله عليه وسلم فإذا حبل ممدود بين الساريتين فقال: ما هذا الحبل؟ قالوا: هذا حبل لزينب فإذا فترت تعلقت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا، حلوه، ليصل أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليقعد. رواه البخاري ( 1099 ) ومسلم ( 784 ).

ثانيًا:

ارتكاب الإثم بعد الدعاء ليس من موانع الدعاء، وبعض الآثام مَن فعلها قبل الدعاء فإنه يكون فعله لها مانعاً من استجابة الدعاء، ومن هذه الموانع:

  1. أن يكون مطعمه ومشربه وملبسه حرامًا.

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: { يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم }، وقال: { يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم }، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذِّي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك. رواه مسلم ( 1015 ).

قال النووي:

قوله صلى الله عليه وسلم ” فأنى يستجاب  لذلك ” أي: مِن أين يستجاب لمن هذه صفته؟ وكيف يستجاب  له؟. ” شرح مسلم ” ( 7 / 100 ).

وقال ابن كثير:

والأكل من الحلال سبب لتقبل الدعاء والعبادة، كما أن الأكل من الحرام يمنع قبول الدعاء والعبادة. ” تفسير ابن كثير ” ( 1 / 206 ).

  1. ومن موانع استجابة الدعاء: الاستعجال في تحقيق دعائه.

عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يستجاب لأحدكم ما لم يعجل يقول دعوت فلم يستجب لي. رواه البخاري ( 5981 ) ومسلم ( 2735 ).

  1. ومن موانع استجابة الدعاء: الدعاء بإثم أو قطيعة رحم.

عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل، قيل: يا رسول الله ما الاستعجال؟ قال: يقول: قد دعوت، وقد دعوت، فلم أر يستجيب لي، فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء. رواه مسلم ( 2735 ).

 

 

 

قال القرطبي:

فيدخل في الإثم كل ما يأثم به من الذنوب ويدخل في الرحم جميع حقوق المسلمين ومظالمهم. ” جامع العلوم والحِكَم ” ( 2 / 311 ).

  1. ومن نفيس أقوال السلف في هذه المسألة ما ذكره القرطبي عن موانع الإجابة عن إبراهيم بن أدهم.

قال القرطبي:

وقيل لإبراهيم بن أدهم: ما بالنا ندعو فلا يستجاب لنا؟ قال: لأنكم عرفتم الله فلم تطيعوه، وعرفتم الرسول فلم تتبعوا سنته، وعرفتم القرآن فلم تعملوا به، وأكلتم نعم الله فلم تؤدوا شكرها، وعرفتم الجنة فلم تطلبوها، وعرفتم النار فلم تهربوا منها، وعرفتم الشيطان فلم تحاربوه ووافقتموه، وعرفتم الموت فلم تستعدوا له، ودفنتم الأموات فلم تعتبروا، وتركتم عيوبكم واشتغلتم بعيوب الناس. ” تفسير القرطبي ” ( 2 / 312 ).

ثالثًا:

وأما بالنسبة للصدقة على المتسول إذا كان مشركًا أو كافرًا: فيقال: ليس كل متسول يستحق الصدقة، حيث وجد من لا يستحق من هؤلاء ممن يكون غنيًّا، ومنهم من جعلها مهنته وحرفته.

وأما إذا كان مستحقًّا – على غلبة الظن -: فإنه يُعطى من الصدقة ولو كان كافرًا أو مشركًا، وهو قول الحنابلة والمشهور من قول الشافعية.

ومن الأدلة على الجواز:

  1. قوله تعالى: { ويطعمون الطعام على حبه مسكينًا ويتيمًا وأسيرًا } [ الإنسان / 8 ].

قال الإمام الطبري:

{ وأسيرًا } وهو الحربي من أهل دار الحرب، يؤخذ قهرًا بالغلبة أو مِن أهل القبلة يؤخذ فيحبس بحق، فأثنى الله على هؤلاء الأبرار بإطعامهم هؤلاء تقربًّا بذلك إلى الله وطلب رضاه ورحمة منهم لهم. ” تفسير الطبري ” ( 29 / 209 ).

  1. قوله تعالى { ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون } [ البقرة / 272 ].

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:

وقوله تعالى { ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون }، فبين أن عطية مثل هؤلاء إنما يعطونها لوجه الله، وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” في كل ذات كبد رطبة أجر “، فإذا أوصى أو وقف على معين، وكان كافرًا، أو فاسقًا، لم يكن الكفر والفسق هو سبب الاستحقاق، ولا شرطا فيه، بل هو يستحق ما أعطاه وإن كان مسلمًا عدلًا فكانت المعصية عديمة التأثير، بخلاف ما لو جعلها شرطا في ذلك على جهة الكفار والفساق، أو على الطائفة الفلانية، بشرط أن يكونوا كفاراً أو فساقًا، فهذا الذي لا ريب في بطلانه عند العلماء.

” الفتاوى الكبرى ” ( 4 / 251 ).

وأما الصدقة الواجبة: وهي الزكاة، فإنه يُعطى الكافر إن كان ممن يُتألف قلبه للإسلام، استدلالًا بقوله تعالى: { إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم .. } [التوبة / 60 ].

قال ابن الجوزي:

قوله تعالى { والمؤلفة قلوبهم } وهم قوم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتألفهم على الإسلام بما يعطيهم، وكانوا ذوي شرف، وهم صنفان: مسلمون وكافرون.

فأما المسلمون، فصنفان: صنف كانت نياتهم في الإسلام ضعيفة فتألفهم تقوية لنياتهم كعيينة بن حصن والأقرع.

وصنف كانت نياتهم حسنة، فأعطوا تألفا لعشائرهم من المشركين مثل عدي بن حاتم.

وأما المشركون، فصنفان: صنف يقصدون المسلمين بالأذى فتألفهم دفعًا لأذاهم مثل عامر بن الطفيل، وصنف كان لهم ميل إلى الإسلام تألفهم بالعطية ليؤمنوا كصفوان بن أمية.

وقد ذكرت عدد المؤلفة في كتاب ” التلقيح ” وحكمهم باق عند أحمد في رواية، وقال أبو حنيفة والشافعي: حكمهم منسوخ، قال الزهري: لا أعلم شيئًا نسخ حكم المؤلفة قلوبهم.

” زاد المسير ” ( 3 / 457 ).

 

هذا ويجب التنبه إلى أمرٍ مهم: وهو أن الكافر وإن كان يجوز دفع الصدقة له  – الواجبة والمستحبة – فإنه إن كان يستخدم المال المدفوع إليه في المعاصي والفجور كشرب المسكر والزنا وما أشبه ذلك من المعاصي، أو كان عدوًا محاربًا يتقوى بالمال على أذية المسلمين: فهذا لا تدفع الصدقة له، بل وتحرم ولا تحل.

 

 

والله أعلم.

هل يمكن استخدام الزكاة في بناء مدرسة لتعليم الإسلام؟

السؤال:

هل يمكن استخدام الزكاة في بناء مدرسة لتعليم الإسلام؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الذين يستحقون الزكاة من مصارف الزكاة: ثمانية، وقد بينتهم الآية الكريمة في قوله تعالى { إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل } [ سورة التوبة / 60 ].

* قال شارح العمدة: ولا يجوز صرفها إلى غيرهم لأن الله سبحانه خصهم بها بقوله [إنما]: وهي للحصر تثبت المذكور وتنفي ما عداه. ” العدة ” ( 189 ).

ولكن لا يعني هذا أن تشمل الزكاة جميع هؤلاء فلو دفعها إلى بعضهم أو أحدهم جاز، وهو قول مالك وجماعة من السلف والخلف.

[ أما الفقراء والمساكين ]:

* قال ابن كثير – رحمه الله -:

وإنما قدم الفقراء هاهنا: لأنهم أحوج من البقية – على المشهور -؛ لشدة فاقتهم، وحاجتهم. ” تفسير ابن كثير ” ( 4 / 165 ).

* وقال شارح العمدة:

فأما الفقراء والمساكين فهم صنفان وكلاهما يأخذ لحاجته لمؤنة نفسه والفقراء أشد حاجة لأن الله سبحانه بدأ بهم، والعرب إنما تبدأ بالأهم فالأهم، ولأنه سبحانه قال { أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر } [ سورة الكهف / 72 ]، فأخبر أن لهم سفينة يعملون بها، … فدل على أن الفقر أشد فالفقير من ليس له ما يقع موقعًا من كفايته من كسب ولا غيره، والمسكين الذي له ذلك، فيعطى كل واحد منهما ما تتم به الكفاية. ” العمدة ” ( ص 189 ).

– [ العاملين عليها ]: أي الجباة الذين يجمعون الزكاة أومن يقوم مقامهم ممن يستخدمون في جمعها.

– [ المؤلفة قلوبهم ]: منهم من يعطى الزكاة ليسلم أويعطاها ليحسن إسلامه أو من رؤساء العشائر والقبائل الذين تخشى شرورهم فيعطون منها ليكفوا شرهم ويؤمن خيرهم.

– [ وفي الرقاب ]: وهم العبيد والإماء والأرقاء يعطون ليعينوا أنفسهم على الحرية وهم المكاتبون أو يشترون ويعتقون.

– [ الغارمون ]: الذين أكلت الديون أموالهم لإصلاح أنفسهم في مباح.

– [ وفي سبيل الله ]: وهم المقاتلون في سبيل الله ممن ليس لهم أجور على قتالهم.

– [ ابن السبيل ]: وهو الغريب الذي انقطعت به الحبائل والوسائل فيعطى ليبلغ أهله أو يتقوى به على سفره وإن كان غنيًا في قومه.

 

ثانيا:

ينبغي على دافع الزكاة أن يتوخى الحق فلا يعطي الزكاة لمن لا يستحقها ولا يدفعها لغير هذه الأصناف فإن فعل فهي زكاة باطلة عند أهل العلم يجب أن يعيدها وتعتبر الأولى صدقة من الصدقات.

 

* قال الشيخ ابن عثيمين:

فلا يجوز صرف الزكاة في بناء المساجد ولا في بناء المدارس ولا في إصلاح الطرق ولا غير ذلك ؛ لأن الله فرضها لهؤلاء الأصناف فقال { فريضة من الله والله عليم حكيم } [ سورة التوبة /60].

“الشرح الممتع ” ( 6 / 219 ).

 

 

والله أعلم.

هل إطالة السجود التي تجعل على الجبهة علامة، مدعاة للتفاخر؟

هل إطالة السجود التي تجعل على الجبهة علامة، مدعاة للتفاخر؟

السؤال:

عندما يصلي المسلم وتلمس جبهته الأرض تصبح سوداء من كثرة السجود، ألا يجعل ذلك نفسية المسلم أن تميل للتفاخر والرياء والرغبة في الحصول على ثناء الآخرين ومدحهم، فهل على المسلم أن يسجد ببطئ وبدون إطالة ام يطيل في سجوده؟.

 

الجواب:

الحمد لله

  1. أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإتمام الركوع والسجود.

عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ” أَتِمُّوا الركوع والسجود فوالذي نفسي بيده إني لأراكم من بعد ظهري إذا ما ركعتم وإذا ما سجدتم. رواه البخاري ( 6268 ) ومسلم ( 425 ).

 

  1. ومن إتمام الركوع والسجود: الاطمئنان فيهما.

عن أبي هريرة أن رجلا دخل المسجد فصلَّى ورسول الله صلى الله عليه وسلم في ناحية من المسجد فجاء فسلَّم فقال: وعليك فارجع فصلِّ فإنك لم تصلِّ، فرجع فصلى، ثم جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: وعليك فارجع فصل فإنك لم تصل بعدُ قال في الثالثة: فعلِّمْني يا رسول الله، قال: إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة فكبِّر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم اركع حتى تطمئن راكعًا ثم ارفع حتى تطمئن قائمًا ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا ثم ارفع رأسك حتى تستوي قاعدًا ثم افعل ذلك في صلاتك كلها. رواه البخاري ( 724 ) ومسلم ( 397 ).

 

  1. وقد جُعل عدم الإتمام للركوع والسجود مُبطِلًا للصلاة.

عن أبي مسعود الأنصاري البدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” لا تجزي صلاة لا يقيم  فيها الرجل صلبه في الركوع والسجود “. رواه الترمذي ( 265 ) وقال: حسن صحيح، والنسائي ( 1027 ) وأبو داود ( 855 ) وابن ماجه ( 870 ).

* قال الإمام الترمذي:

والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي  صلى الله عليه وسلم  ومن بعدهم يرون أن يقيم الرجل صلبه في الركوع والسجود.

وقال الشافعي وأحمد وإسحاق: مَن لم يُقم صلبَه في الركوع والسجود: فصلاته فاسدة لحديث النبي  صلى الله عليه وسلم ” لا تجزي صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه في الركوع والسجود “. ” سنن الترمذي ” ( 2 / 52 ).

عن أبي وائل عن حذيفة رأى رجلًا لا يتمُّ ركوعه ولا سجوده فلمَّا قضى صلاته قال له حذيفة: ما صليتَ، قال: وأحسبه قال: لو مُتَّ مُتَّ على غير سنَّة محمد صلى الله عليه وسلم. رواه البخاري ( 382 ).

وفي رواية أخرى ( 758 ): عن زيد بن وهب قال: رأى حذيفةُ رجلًا لا يتم الركوع والسجود قال: ما صليتَ ولو مُتَّ مُتَّ على غير الفطرة التي فطر الله محمَّدًا صلى الله عليه وسلم عليها.

 

  1. ولا بدَّ من تمكين الجبهة والأنف في السجود من الأرض.

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ” أُمرت أن أسجد على سبعة أعظم على الجبهة – وأشار بيده على أنفه – واليدين والركبتين وأطراف القدمين ولا نكفت الثياب والشعر “. رواه البخاري ( 779 ) ومسلم ( 490 ).

 

  1. ولا مانع من إطالة السجود خاصة إذا كان منفردًا أو في صلاة الكسوف أو قيام الليل.

عن أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم صلَّى صلاة الكسوف فقام فأطال القيام ثم ركع فأطال الركوع ثم قام فأطال القيام ثم ركع فأطال الركوع ثم رفع ثم سجد فأطال السجود ثم رفع ثم سجد فأطال السجود ثم قام فأطال القيام ثم ركع فأطال الركوع ثم رفع فأطال القيام ثم ركع فأطال الركوع ثم رفع فسجد فأطال السجود ثم رفع ثم سجد فأطال السجود ثم انصرف ..”. رواه البخاري ( 712 ).

عن حذيفة قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فافتتح البقرة فقلت: يركع عند المائة ثم مضى، فقلت: يصلي بها في ركعة فمضى، فقلت: يركع بها ثم افتتح النساء فقرأها ثم افتتح آل عمران فقرأها يقرأ مترسلا إذا مر بآية فيها تسبيح سبح وإذا مر بسؤال سأل وإذا مر بتعوذ تعوذ ثم ركع فجعل يقول سبحان ربي العظيم فكان ركوعه نحوا من قيامه ثم قال سمع الله لمن حمده ثم قام طويلا قريبا مما ركع ثم سجد فقال سبحان ربي الأعلى فكان سجوده قريبا من قيامه. رواه مسلم ( 772 ).

 

 

  1. والسنَّة في السجود الاعتدال فيه، لا أن يمدَّ نفسه فيه ولا أن يهصر فيجعل بطنه على فخذه.

عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” اعتدلوا في السجود ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب “. رواه البخاري ( 788 ) ومسلم ( 493 ).

* قال الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله -:

أي: اجعلوه سجودًا معتدلًا، لا تهصرون فينـزل البطن على الفخذ، والفخذ على الساق ولا تمتدون أيضًا كما يفعل بعضُ النَّاس إذا سجد، يمتد حتى يقرب مِن الانبطاح، فهذا لا شكَّ أنَّه مِن البدع وليس بسنَّةٍ، فما ثبت عن النَّبيِّ  ولا عن الصحابة فيما نعلم أنَّ الإنسانَ يمدُّ ظهره في السجود، إنَّما مَدُّ الظهر في حال الركوع، أما السجود فإنَّه يرتفع ببطنه ولا يمده.   ” الشرح الممتع ” ( 3 / 168 ).

وأمّا عن قوله ( تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُود ) الفتح/ 29: فالراجح في تفسير ( سيماهم في وجوههم ) أنه نور الطاعة والعبادة وليس بالضرورة أن يكون هذه العلامة من خشونة الجلد في موضع السجود.

 

* قال ابن كثير رحمه الله في تفسير الآية:

وقوله جل جلاله ( سيماهم في وجوههم من أثر السجود ) قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما: ( سيماهم في وجوههم ) يعني السمت الحسن، وقال مجاهد وغير واحد: يعني: الخشوع والتواضع، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا علي بن محمد الطنافسي حدثنا حسين الجعفي عن زائدة عن منصور عن مجاهد ( سيماهم في وجوههم من أثر السجود ) قال: الخشوع قلت: ما كنت أراه إلا هذا الأثر في الوجه فقال ربما كان بين عيني من هو أقسى قلبًا من فرعون وقال السدي: الصلاة تحسن وجوههم، وقال بعض السلف: من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار .. وقال بعضهم: إن للحسنة نورًا في القلب وضياء في الوجه وسعة في الرزق ومحبة في قلوب الناس.

” تفسير ابن كثير ” ( 4 / 260 ).

 

 

 

 

 

  1. فإذا جاء المصلي بما أمره به النبي صلى الله عليه وسلَّم وكان يسجد على تراب أو شيء خشن، فإنه قد تحدث له علامة على جبهته، وهذا شيء قد يورث في النفس الفخر والخيلاء كما في السؤال، لكن من كان قلبه مطمئنًا بالإيمان، ولا يريد بفعله إلا ما عند الله فلا يهمه ما يقوله الناس، وقد علمنا عن بعض الناس أنهم يتعمدون وضع هذه العلامة وبعضهم بعملية جراحية إيهامًا للناس للوصول إلى مآرب غير شرعية.

 

* سئل الشيخ ابن عثيمين حفظه الله: هل ورد أن العلامة التي يحدثها السجود في الجبهة من علامات الصالحين؟

فأجاب:

ليس هذا من علامات الصالحين، ولكن العلامة هي النور الذي يكون في الوجه، وانشراح الصدر، وحسن الخلق، وما أشبه ذلك.

أما الأثر الذي يسبِّبه السجود في الوجه: فقد يظهر في وجوه من لا يصلُّون إلا الفرائض لرقة الجلد وحساسية عندهم، وقد لا تظهر في وجه من يصلي كثيرًا ويطيل السجود.

” فتاوى إسلامية ” ( 4 / 484 ).

 

 

والله أعلم.

توجيهات ونصائح لأم دائمة البكاء على موت ابنتها

توجيهات ونصائح لأم دائمة البكاء على موت ابنتها

السؤال:

توفيت ابنتي طفلة في الرابعة والنصف من عمرها، وبعد أن توفاها الله فوجئنا أنها كانت مصابة بالسرطان، وعندها قلت: ” اللهم آجرني في مصيبتي، واخلف لي خيرا منها “، وغبت عن الوعي إثر الصدمة، ولم أفق إلا بعدها بعدة أيام، وقفت على قراءتي لسورة الكهف عندما قتل الطفل فقال له: إنه أراد أن يبدلهما الله خيرا منه، فأنا مؤمنة بقدر الله، ولا أعترض على حكمه، ولكني دائمة البكاء على فراق ابنتي، ولا أستطيع نسيان ما حدث، خصوصا أنها توفيت أمام عيني على يدي، فهل أكون بذلك لست من الصابرين ولم يحتسبني الله من الصابرين؟

وهل يعتبر هذا عقابا لي من الله – كما يقول زوجي لي – لأني كنت أنهرهم، وأضربهم بغرض تأديبهم؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

الحزن على فراق الأحبة لا يستطيع أحد منعه؛ لأنه ينبع من القلب، وهو تعبير صادق عن تلك المحبة، وكلما كان الفقيد محبوبا وعزيزا كان فقده آلم من غيره، ولذلك لا يمكن للشريعة الإسلامية التي توافق الفطرة أن تمنع من ذلك الحزن، بل ولا البكاء، ولكنها تهذِّب هذا الشعور، وتمنع من التمادي فيه، مما قد يسبب تسخطا على قدر الله تعالى، واعتراضاً على حكمته، أو يؤثر على النفس، ويسبب لها أمراضا، أو يسبب تخلفا عن إعطاء أصحاب الحقوق حقوقهم، ولذلك منعت الشريعة المطهَّرة التسخط باللسان، وشق الثياب، والنياحة، وحرَّمت الحداد أكثر من ثلاثة أيام للمرأة إلا على زوج ،فإنها تحد أربعة أشهر وعشرا.

ولذلك لا مانع من بكاء الأم على ابنتها، ولا بأس أن تحزن عندما تتذكرها، لكن لا ينبغي لها الاستمرار بالحزن، ودوام البكاء عليها؛ لأن ذلك ينافي الصبر الواجب عليها، ويجعلها تقع في النهي عن الحداد أكثر من ثلاثة أيام.

والدعاء الذي ندبنا لقوله في مثل هذه الحالات دعاء عظيم، فإذا قاله المسلم خالصا من قلبه، وكان واعيا لمعانيه: دلَّ ذلك على رضاه بقدر الله تعالى، واستحق الأجر المترتب على قوله له.

عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( إِذَا مَاتَ وَلَدُ الْعَبْدِ قَالَ اللَّهُ لِمَلَائِكَتِهِ: قَبَضْتُمْ وَلَدَ عَبْدِي؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: قَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ فُؤَادِهِ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: مَاذَا قَالَ عَبْدِي؟ فَيَقُولُونَ: حَمِدَكَ، وَاسْتَرْجَعَ، فَيَقُولُ اللَّهُ: ابْنُوا لِعَبْدِي بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ، وَسَمُّوهُ بَيْتَ الْحَمْدِ ). رواه الترمذي ( 1021 ) وحسنه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

* قال الشيخ عبد الرؤوف المناوي – رحمه الله -:

موت الأولاد فلذ الأكباد، ومصابهم من أعظم مصاب، وفراقهم يقرع القلوب والأوصال والأعصاب، يا له من صدع لا يشعب، يوهي القوي، ويقوي الوهي، ويوهن العظم، ويعظم الوهن، مرُّ المذاق، صعبٌ لا يطاق، يضيق عنه النطاق، شديد على الإطلاق، لا جرم أن الله تعالى حث فيه على الصبر الجميل، ووعد عليه بالأجر الجزيل، وبنى له في الجنة ذاك البناء الجليل. ” فيض القدير ” ( 1 / 564 ).

ثانيا:

فهذا هو حال من فقد ولده، وهذه آثار ذلك عليه، لكنَّ المسلم عبدٌ لربه تعالى، وهو يعلم أن المالك قد استرد ملكه، وأننا وأولادنا وكل ما نملك فهو لربنا تعالى، ولذا كان خير ما يقوله العبد في هذه المصيبة: الحمد، والاسترجاع، وأن يطلب من الله تعالى أن يخلف له خيرا مما أَخذ منه.

قال تعالى: ( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ. الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ . أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ) البقرة/ 155-157.

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: مَا لِعَبْدِي الْمُؤْمِنِ عِنْدِي جَزَاءٌ إِذَا قَبَضْتُ صَفِيَّهُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا ثُمَّ احْتَسَبَهُ إِلاَ الْجَنَّةُ ). رواه البخاري ( 6424 ).

عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ( مَا مِنْ مُسْلِمٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ ( إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ )، اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا أَخْلَفَ اللَّهُ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا ). رواه مسلم ( 918 ).

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

وهذه الكلمة من أبلغ علاج المصاب، وأنفعه له، في عاجلته، وآجلته، فإنها تتضمن أصلين عظيمين، إذا تحقق العبد بمعرفتهما: تسلَّى عن مصيبته.

أحدهما: أن العبد، وأهله، وماله: ملك لله عز وجل حقيقة، وقد جعله عند العبد عارية، فإذا أخذه منه: فهو كالمعير، يأخذ متاعه من المستعير.

وأيضا: فإنه محفوف بِعَدَمينِ: عدم قبله، وعدم بعده، وملك العبد له: متعة معارة، في زمن يسير.

وأيضا: فإنه ليس الذي أوجده من عدمه حتى يكون ملكه حقيقةً، ولا هو الذي يحفظه من الآفات بعد وجوده، ولا يبقى عليه وجوده، فليس له فيه تأثير، ولا ملك حقيقي.

وأيضا: فإنه متصرف فيه بالأمر تصرف العبد المأمور المنهي، لا تصرف الملاك، ولهذا لا يباح له من التصرفات فيه إلا ما وافق أمر مالكه الحقيقي.

والثاني: أن مصير العبد، ومرجعه إلى الله مولاه الحق، ولا بد أن يخلف الدنيا وراء ظهره، ويجيء ربه فردا، كما خلقه أول مرة، بلا أهل، ولا مال، ولا عشيرة، ولكن بالحسنات والسيئات، فإذا كانت هذه بداية العبد وما خُوِّله، ونهايته: فكيف يفرح بموجود، أو يأسى على مفقود، ففكره في مبدئه، ومعاده: من أعظم علاج هذا الداء.

” زاد المعاد في هدي خير العباد ” ( 4 / 189 ).

ثالثا:

ولا يعدُّ صاحب المصيبة صابرا إلا أن يكون كذلك عند الصدمة الأولى، فهنا يبين إيمانه، ويظهر تسليمه لأمر الله تعالى، لا ما يكون بعد ذلك، عندما يبرد حر المصيبة، ولذا كان الأجر على الاحتساب عند الصدمة الأولى؛ لأنه من يفعل ذلك يكون صابرا على الحقيقة.

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِامْرَأَةٍ تَبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ، فَقَالَ: ( اتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِي ) قَالَتْ: إِلَيْكَ عَنِّي فَإِنَّكَ لَمْ تُصَبْ بِمُصِيبَتِي! وَلَمْ تَعْرِفْهُ، فَقِيلَ لَهَا: إِنَّهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَتَتْ بَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ تَجِدْ عِنْدَهُ بَوَّابِينَ، فَقَالَتْ: لَمْ أَعْرِفْكَ، فَقَالَ: ( إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى). رواه البخاري ( 1223 ) ومسلم ( 926 ).

وعَنْ أَبِي أُمَامَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ( يَقُولُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: ابْنَ آدَمَ! إِنْ صَبَرْتَ، وَاحْتَسَبْتَ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى: لَمْ أَرْضَ لَكَ ثَوَابًا دُونَ الْجَنَّةِ ). رواه ابن ماجه ( 1597 ) وحسَّنه الألباني في ” صحيح ابن ماجه “.

وليس ما حصل من وفاة لابنتك عقاب من الله تعالى كما يزعم زوجك، بل هو قدر الله تعالى، ولا دخل لضرب الأولاد ونهرهم بالسرطان، ولا ينبغي لزوجك أن يزيد آلامك بمثل هذا الكلام، بل الواجب عليه تصبيرك، وحثك على الاحتساب، والاسترجاع.

 

* وبكل حال:

نوصيك بالصبر، والاحتساب، وقطع البكاء، ودعاء الله تعالى أن يكتب لك أجر ذلك، وأن يُخلفك خيرا منها.

 

والله أعلم.

 

حديث أنين المذنبين أحب إلينا من تسبيح المرائين

حديث أنين المذنبين أحب إلينا من تسبيح المرائين

السؤال:

* جاء في الحديث أنه عند معصية آدم في الجنة ناداه الله:

( يا آدم! لا تجزع من قولي لك اخرج منها، فلك خلقتها، ولكن انزل إلى الأرض، وذل نفسك من أجلي، وافن في حبي، حتى إذا زاد شوقك إلي وإليها تعال لأدخلك إليها مرة أخرى. يا آدم! كنت تتمنى أن أعصمك؟ فقال آدم: نعم . فقال: يا آدم! إني إذا عصمتك فعلى من أجود برحمتي، وعلى من أتفضل بكرمي، وعلى من أتودد، وعلى من أغفر؟! يا آدم! ذنب تذل به إلينا أحب إلينا من طاعة تراءى بها علينا. يا آدم! أنين المذنبين أحب إلينا من تسبيح المرائيين ).

هذا ما فعله آدم من ذنب وأخرجه الله من الجنة.

 

الجواب:

الحمد لله

ليس هذا الكلام من قول النبي صلى الله عليه وسلم في شيء، ولم نجده في كتب الحديث والأثر، وهو أشبه بكلام الصالحين منه بكلام النبي صلى الله عليه وسلم، فقد وردت بعضُ جمله في بعض كتب الوعظ والرقائق. روى البيهقي في “شعب الإيمان” (5/452) بسنده عن أبي علي صاحب عبيد الله الحبلي قال:

” أوحى الله عز و جل إلى داود عليه السلام: أنين المذنبين أحب إلي من صراخ الصديقين ” انتهى.

فالذي يبدو أن بعض الزهاد والوعاظ حكى هذه الكلمات على سبيل التخيل والتمثيل لخطاب بين الرب عز وجل وآدم عليه السلام، يصور بها شيئا من جود الله وكرمه وسعة مغفرته، فرواها الناس بعد ذلك على أنها من الأحاديث الثابتة النسبة إلى نبينا صلى الله عليه وسلم، ولذلك ذكر ابن القيم رحمه الله في “مدارج السالكين” (1/300) ما يشابه هذه العبارات المروية، ولكنه بدأها بقوله:

” كما قيل بلسان الحال في قصة آدم وخروجه من الجنة بذنبه: يا آدم لا تجزع من كأس زلل كانت سبب كيسك ….الخ ” انتهى.

 

أما معاني الحديث فهي مقبولة في الجملة، غير أن تدقيق معاني منطوق ومفهوم الحديث لا بد له من إسناد صحيح.

 

 

والله أعلم.

ما حكم رفع الأيدي في الدعاء ومسح الوجه بهما؟

السؤال:

ما حكم رفع الأيدي في الدعاء ومسح الوجه بهما؟

 

الجواب:

الحمد لله

  1. أما رفع اليدين في الدعاء: فهو من السنة، وقد جاءت أحاديث في فضل ذلك، وقد رفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه في الدعاء في مواطن كثيرة.

أما فضل رفع الأيدي في الدعاء:

عن سلمان الفارسي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” إن الله حييٌّ كريم يستحيي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفرا خائبتين “. رواه الترمذي ( 3556 ) وأبو داود ( 1488 ) وابن ماجه ( 3865 ). والحديث: حسَّنه الترمذي.

وأما رفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه في الدعاء: فقد ثبت ذلك في مواطن كثيرة، ومنها:

  • عن أنس قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة إذ قام رجل فقال: يا رسول الله هلك الكراع وهلك الشاء فادع الله أن يسقينا، فمدَّ يديه ودعا.

رواه البخاري ( 890 ) ومسلم ( 895 ).

– الكُراع: الخيل.

– الشاء: جمع شاة.

  • عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يرمي الجمرة الدنيا بسبع حصيات يكبر على إثر كل حصاة، ثم يتقدم حتى يسهل فيقوم مستقبل القبلة فيقوم طويلًا ويدعو ويرفع يديه، ثم يرمي الوسطى ثم يأخذ ذات الشمال فيستهل، ويقوم مستقبل القبلة فيقوم طويلا ويدعو ويرفع يديه، ويقوم طويلا ثم يرمي جمرة ذات العقبة من بطن الوادي ولا يقف عندها ثم ينصرف فيقول هكذا رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يفعله. رواه البخاري ( 1664 ).
  • عن أبي موسى قال: دعا النبي صلى الله عليه وسلم بماء فتوضأ به ثم رفع يديه فقال: اللهم اغفر لعبيد أبي عامر، ورأيت بياض إبطيه فقال: اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك من الناس. رواه البخاري ( 6020 ) ومسلم ( 2498 ).

وغير ذلك كثير، حتى عدَّ علماء الحديث مسألة رفع اليدين في الدعاء من ” المتواتر المعنوي “.

 

* قال السيوطي:

قد قسم أهل الأصول المتواتر إلى لفظي وهو: ما تواتر لفظه، ومعنوي وهو: أن ينقل جماعة يستحيل تواطؤهم على الكذب وقائع مختلفة تشترك في أمر يتواتر ذلك القدر المشترك كما إذا نقل رجل عن حاتم مثلا أنه أعطى جملا وآخر أنه أعطى فرسا وآخر أنه أعطى دينارا وهلمَّ جرًّا فيتواتر القدر المشترك بين أخبارهم وهو الإعطاء لأن وجوده مشترك من جميع هذه القضايا.

قلت: وذلك أيضا يتأتى في الحديث، فمنه ما تواتر لفظه كالأمثلة السابقة، ومنه ما تواتر معناه كأحاديث رفع اليدين في الدعاء، فقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم نحو مائة حديث فيه رفع يديه في الدعاء، وقد جمعتها في جزء، لكنها في قضايا مختلفة، فكل قضية منها لم تتواتر، والقدر المشترك فيها وهو الرفع عند الدعاء تواتر باعتبار المجموع. ” تدريب الراوي ” ( 2 / 180 ).

  1. الصحيح أنه لا يجوز مسح الوجه بعد الدعاء، وقد تواتر في السنة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم ربَّه، ولم يُعلم أنه كان يمسح وجهه بعد دعائه.

– وقد استدل من قال بالمسح بأحاديث، لكنها – عند التحقيق – ليست صحيحة، ولا يقوِّي بعضها بعضًا، وهذه الأحاديث هي:

أ. عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: ” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع يديه في الدعاء لم يحطهما – وفي رواية ” لم يردَّهما ” – حتى يمسح بهما وجهه “.

رواه الترمذي ( 3386 ).

قال الترمذي: هذا حديث غريب – أي: ضعيف – لا نعرفه إلا من حديث حماد بن عيسى وقد تفرد به وهو قليل الحديث وقد حدث عنه الناس.

قلت: وحمَّاد بن عيسى: هو ابن عبيدة الجهني وهو ضعيف جدًّا.

قال ابن حبان:

حماد بن عيسى الجهني شيخ يروي عن ابن جريج وعبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز أشياء مقولبة تتخايل إلى من هذا الشأن صناعته أنها معمولة، لا يجوز الاحتجاج به. ” المجروحين ” لابن حبان ( 1 / 253 ، 254 ).

ب. عن عبد الله بن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” لا تستروا الجدر من نظر في كتاب أخيه بغير إذنه فإنما ينظر في النار، سلوا الله ببطون أكفكم ولا تسألوه بظهورها، فإذا فرغتم فامسحوا بها وجوهكم “.

رواه أبو داود ( 1485 ) وابن ماجه ( 1181 ).

قال أبو داود: روي هذا الحديث من غير وجه عن محمد بن كعب كلها واهية وهذا الطريق أمثلها وهو ضعيف أيضا.

قلت: وعلَّة الحديث: صالح بن حسَّان، وهو ضعيف جدًّا أيضًا.

قال ابن الجوزي:

صالح بن حسان المدني، سكن البصرة، يروي عن عكرمة والقرظي.

قال يحيى: ليس حديثه بشيء، وقال البخاري والرازي: منكر الحديث، وقال النسائي: متروك الحديث، وقال الدارقطني: ضعيف، وقال ابن حبان: كان يروي الموضوعات عن الأثبات،  وقال ابن طاهر: صالح كذاب.

” الضعفاء والمتروكين ” لابن الجوزي ( 2 / 47 ).

ج. عن السائب بن يزيد عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم ” كان إذا دعا فرفع يديه مسح وجهه بيديه “. رواه أبو داود ( 1492 ).

قال الشيخ الألباني رحمه الله:

وهذا سند ضعيف، لجهالة حفص بن هاشم، وضعْف ابن لهيعة، ولا يتقوى الحديث بمجموع الطريقين – أي: حديث عمر، وهذا الحديث – لشدة ضعف الأول منهما كما رأيتَ. ” إرواء الغليل ” ( 2 / 179 ).

 

  1. أما أقوال العلماء بالمنع من المسح، فمنها:

أ. قال أحمد بن حنبل: لا يعرف هذا أنه كان يَمسح وجهه بعد الدعاء إلا عن الحسن.

” العلل المتناهية ” ( 2 / 840 ، 841 ).

ب. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وأما رفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه في الدعاء: فقد جاء فيه أحاديث كثيرة صحيحة، وأما مسحه وجهه بيديه فليس عنه فيه إلا حديث أو حديثان، لا تقوم بهما حُجة.

” مجموع الفتاوى ” ( 22 / 519 ).

ج. قال العز بن عبد السلام: ولا يمسح وجهه بيديه عقيب الدعاء إلا جاهل.

” فتاوى العز بن عبد السلام ” ( ص 47 ).

 

 

والله أعلم.

عدّة أسئلة عن الصيام والغسل والجنابة

عدّة أسئلة عن الصيام والغسل والجنابة

السؤال:

ما هي الأوقات التي لا يسمح بالصيام فيها؟

في شهر رمضان، كيف تتوضأ إذا كان الوضوء سيقطع الصيام لو تسرب الماء من الحلق؟

أحد أصدقائي يقول إنه سمع أن القدس ستحرر. هل يمكنكم إعطائي الآية أو الحديث الدالة/الدال على ما سبق (إن شاء الله)؟

أنا كما هو واضح من عمري في سن المراهقة. كيف أستطيع أن أقلل من رغباتي الجنسية (مثلا عن طريق قراءة القرآن أو الصيام)؟

ما المقصود بالجنابة؟

ما هو الغسل وكيف أغتسل؟

كيف أنظف الأعضاء التناسلية بعد الذهاب إلى الحمام والاستعداد للوضوء للصلاة أو قراءة القرآن؟

بماذا لا يسمح في الممارسة الجنسية؟

من الأسئلة التي كانت تدور في ذهني منذ كنت صغيرا ولكني لم أسأله لأي شخص لأني كنت أشعر بالخجل: هل كان هناك بشر في وقت الديناصورات؟ وماذا عن إنسان نياندرتال (المترجم: عظام إنسان وجدت في ألمانيا تعود إلى عصر الكهوف)؟

أرجو أن تتفضلوا بالإجابة على أسئلتي بسرعة حتى أصحح أخطائي وأقوي إسلامي، جزاك الله خيرا.

 

الجواب:

الحمد لله

  1. الأوقات التي لا يسمح بالصيام فيها:
    • يوم الفطر ويوم الأضحى.

عن أبي عبيد مولى ابن أزهر قال شهدت العيد مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: هذان يومان نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيامهما يوم فطركم من صيامكم واليوم الآخر تأكلون فيه من نسككم.

رواه البخاري ( 1889 ) ومسلم ( 1137 ).

  • أيام التشريق ( الأيام الثلاثة بعد يوم الأضحى ).

عن عائشة وابن عمر رضي الله عنهما قالا: لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي.

رواه البخاري ( 1894 ).

 

  • صوم الجمعة مفردًا.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ” لا يصومن أحدكم يوم الجمعة إلا يوما قبله أو بعده “.

رواه البخاري ( 1884 ) ومسلم ( 1444 ).

  • صوم يوم الشك ( وهو اليوم الذي يشك فيه أهو من نهاية شعبان أو من أول رمضان ).

عن صلة بن زفر قال: كنا عند عمار بن ياسر فأتي بشاة مصلية فقال كلوا فتنحى بعض القوم فقال إني صائم فقال عمار من صام اليوم الذي يشك فيه الناس فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم. رواه الترمذي ( 686 ) وأبو داود ( 2344 ) والنسائي ( 2188 ) وابن ماجه ( 1645 ).

ورواه البخاري – معلقًا – ( 4 / 120 ).

قال أبو عيسى الترمذي: حديث عمار حديث حسن صحيح والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم من التابعين وبه يقول سفيان الثوري ومالك بن أنس وعبد الله بن المبارك والشافعي وأحمد وإسحق كرهوا أن يصوم الرجل اليوم الذي يشك فيه ورأى أكثرهم إن صامه فكان من شهر رمضان أن يقضي يومًا مكانه.

  • الصوم قبل رمضان بيوم أو يومين لمن ليس متعودًا.

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين إلا أن يكون رجل كان يصوم صومه فليصم ذلك اليوم “. رواه البخاري ( 1815 ) ومسلم ( 1082 ).

  • صوم الدهر.

عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم يا عبد الله ألم أخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل فقلت بلى يا رسول الله قال فلا تفعل صم وأفطر وقم ونم فإن لجسدك عليك حقا وإن لعينك عليك حقا وإن لزوجك عليك حقا وإن لزوْرك عليك حقا وإن بحسبك أن تصوم كل شهر ثلاثة أيام فإن لك بكل حسنة عشر أمثالها فإن ذلك صيام الدهر كله فشددت فشدد علي قلت يا رسول الله إني أجد قوة قال فصم صيام نبي الله داود عليه السلام ولا تزد عليه قلت وما كان صيام نبي الله داود عليه السلام قال نصف الدهر فكان عبد الله يقول بعد ما كبر يا ليتني قبلت رخصة النبي صلى الله عليه وسلم.

رواه البخاري ( 1874 ) ومسلم ( 1159 ).

زورك: زائرك وضيفك.

 

  • تخصيص يوم السبت.

عن عبد الله بن بسر عن أخته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض الله عليكم فإن لم يجد أحدكم إلا لحاء عنبة أو عود شجرة فليمضغه “. رواه الترمذي ( 744 ) وأبو داود ( 2421 ) وابن ماجه (1726 ). قال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث حسن.

ومعنى كراهته في هذا أن يخص الرجل يوم السبت بصيام لأن اليهود تعظم يوم السبت.

  1. المضمضة والاستنشاق لا يفسدان الصوم، والمهم أن لا يتعمد الإنسان إدخال الماء عن طريق الفم والأنف.

ولهذا الأمر فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم الصائم أن يحترز:

عن عاصم بن لقيط بن صبرة عن أبيه قال: قلت يا رسول الله أخبرني عن الوضوء؟ قال: ” أسبغ الوضوء وخلل بين الأصابع وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا “. رواه الترمذي ( 788 ) والنسائي ( 87 ) وأبو داود ( 142 ) وابن ماجه (407 ). قال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.

وقد كره أهل العلم السعوط للصائم ورأوا أن ذلك يفطره وفي الباب ما يقوي قولهم.أ.هـ

– والسعوط: دواء يوضع في الأنف.

  1. أما تحرير القدس، ففي القرأن إشارة إلى ذلك – احتمالًا لا جزمًا – في قوله تعالى { فإذا جاء وعد الآخرة ليسوؤوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليُتَبِّروا ما علوا تتبيراً } [ الإسراء / 7 ].

– وعد الآخرة: الإفساد الثاني لبني إسرائيل.

– المسجد: مسجد بيت المقدس.

– يتبروا: يخربوا ويدمروا.

  1. خلق الله تبارك وتعالى الإنسان السوي، وفيه الرغبة الجنسية، والميل إلى النساء، ولم يجعل الله تبارك وتعالى العلاقة بينهما مباحة إلا عن طريق الزواج أو ملك اليمين.

فإذا لم تكن عند الإنسان القدرة على الزواج فإن عليه أن يتقي الله عز وجل، فيكف عن النظر المحرم والسماع المحرم والعلاقة المحرمة، وإن عليه أن يستعين بالله تعالى ليحافظ على جوارحه أن تمسها النار في الآخرة.

ومما يعين الإنسان المسلم في هذا الباب: الاستعانة بالطاعات، ومنها:

  • الصلاة

لقوله تعالى { إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر } [ العنكبوت / 45 ].

  • الصيام

عن عبد الله رضي الله عنه قال :كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ” من استطاع الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء “.

رواه البخاري ( 1806 ) ومسلم ( 1400 ).

وجاء: وقاية ومنع من الوقوع في الاثم.

  • قراءة القرآن والذكر والدعاء

وهي أفعال يستعين بها العبد في البعد عن الشهوة المحرمة، ويجلي قلبه من زيغ الشيطان.

قال الله تعالى { إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم } [ الإسراء / 9 ].

  1. الجنابة: أصلها من البعد، وسمي الجنب جنبًا لاجتنابه بعض العبادات وأمكنتها.

وهي الحدث الأكبر، ويكون بخروج المني من الفرج إما بجماع أو باحتلام.

  1. والغسل: هو تعميم الماء جميع البدن بما فيه الفم والأنف.

    وأما كيفيته:

  • أن يغسل يديه.
  • ثم فرجه.
  • ثم يتوضأ وضوءً كاملا، أو مع تأخير الرجلين إن كان مكانهما غير نظيف.
  • ثم يغسل رأسه، ويصل بالماء إلى أصول شعره.
  • ثم يغسل باقي جسده.
  • ثم يغسل رجليه إن كان قد أخرهما.

والدليل:

  1. عن ابن عباس قال حدثتنا ميمونة قالت: صببت للنبي صلى الله عليه وسلم غسلا فأفرغ بيمينه على يساره فغسلهما ثم غسل فرجه ثم قال بيده الأرض فمسحها بالتراب ثم غسلها ثم تمضمض واستنشق ثم غسل وجهه وأفاض على رأسه ثم تنحى فغسل قدميه ثم أتي بمنديل فلم ينفض بها. رواه البخاري ( 256 ) ومسلم ( 317 ).
  2. عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه وتوضأ وضوءه للصلاة ثم اغتسل ثم يخلل بيده شعره حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض عليه الماء ثلاث مرات ثم غسل سائر جسده وقالت كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد نغرف منه جميعًا.

رواه البخاري ( 269 ) ومسلم ( 316 ).

  1. تنظيف الأعضاء التناسلية لا يحتاج منك إلى كبير شيء إنما يكفي أن تزيل موضع الأذى البول أو الغائط بيدك اليسرى حتى تنقي موضع الأذى.

وبعض الناس يتكلف في هذا الأمر فيقع في عنت وحرج لم يكلفه الله تعالى به، فينظف موضع الأذى بالصابون أو بمنظف آخر، وهذا لا أصل له.

  1. الذي لا يسمح به في الممارسة الجنسية أشياء، منها:
    • الجماع في وقت الحيض

عن أنس أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها ولم يجامعوهن في البيوت فسأل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى { ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض } إلى آخر الآية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اصنعوا كل شيء إلا النكاح.

رواه مسلم ( 302 ).

  • الجماع في الدبر

عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” ملعون من أتى امرأته في دبرها “. رواه أبو داود ( 2162 ) وابن ماجه ( 1923 ) بلفظ ” لا ينظر الله إلى من أتى امرأته في دبرها “. والحديث له طرق كثيرة، وقد صححه جمع من الأئمة.

  1. إن آدم عليه السلام هو أول البشر، وظلت ذريته من بعده، وستبقى إلى قيام الساعة، وعصر الديناصورات – إن صح وجوده ولم يكن من الخيال – فهو في عصر البشر، وهم موجودون فيه.

 

والله أعلم.

 

 

 

 

ما هي أنواع العذاب في القبر؟

ما هي أنواع العذاب في القبر؟

السؤال:

ما هي أنواع العذاب في القبر؟

وماذا يحدث للأتقياء في قبورهم؟

 

الجواب:

الحمد لله

  1. يتنوع العذاب في القبر بحسب الذنب الذي اقترفه صاحبه في الدنيا، سواء كان للكفار أو للعصاة، وقد جاءت الأحاديث الصحيحة بوصف هذا العذاب في القبور لأهل هذه الذنوب، ومنها:
  • الضرب بمطرقة من حديد.

عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: العبد إذا وضع في قبره وتولي وذهب أصحابه حتى إنه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان فأقعداه فيقولان له ما كنت تقول في هذا الرجل محمد صلى الله عليه وسلم فيقول أشهد أنه عبد الله ورسوله فيقال انظر إلى مقعدك من النار أبدلك الله به مقعدا من الجنة قال النبي صلى الله عليه وسلم فيراهما جميعا وأما الكافر أو المنافق فيقول لا أدري كنت أقول ما يقول الناس فيقال لا دريت ولا تليت ثم يضرب بمطرقة من حديد ضربة بين أذنيه فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلا الثقلين. رواه البخاري ( 1273).

  • يفرش له قبره نارًا ويلبس نارًا ويفتح له باب من النار ويضيَّق عليه قبره.

عن البراء بن عازب قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر ولمَّا يلحد فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلسنا حوله كأنما على رءوسنا الطير وفي يده عود ينكت به في الأرض فرفع رأسه فقال استعيذوا بالله من عذاب القبر مرتين أو ثلاثا .. .. وإن الكافر   – فذكر موته – قال: وتعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه هاه لا أدري، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولان: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فينادي مناد من السماء أن كذب فأفرشوه من النار، وألبسوه من النار، وافتحوا له بابا إلى النار، قال: فيأتيه من حرِّها وسَمومها، قال: ويضيَّق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه … رواه أبو داود ( 4753 ).

والحديث: صححه الشيخ الألباني في ” أحكام الجنائز ” ( ص 198 ).

  • الخسف في الأرض

عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” بينما رجل يجر إزاره من الخيلاء خسف به فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة “. رواه البخاري ( 5343 ) ومسلم ( 3894 ).

– يتجلجل: يغوص ويضطرب.

  • شق جانبي الفم إلى القفا.
  • رضخ الرأس بحجارة.
  • الحرق بتنور من نار.
  • السباحة في نهر من دم مع الضرب بالحجارة.

وكل ما سبق ذكره جاء ذكره في حديث واحد، وكلٌّ منها لأصحاب ذنوب معينة، وقد جمع ذلك في حديث واحد.

عن سمرة بن جندب قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه فقال: من رأى منكم الليلة رؤيا، قال: فإن رأى أحدٌ قصَّها فيقول ما شاء الله، فسألَنا يوما فقال: هل رأى أحد منكم رؤيا؟ قلنا: لا، قال: لكني رأيت الليلة رجلين أتياني فأخذا بيدي فأخرجاني إلى الأرض المقدسة، فإذا رجل جالس ورجل قائم بيده كلوب من حديد يدخل ذلك الكلوب في شدقه حتى يبلغ قفاه ثم يفعل بشدقه الآخر مثل ذلك ويلتئم شدقه هذا فيعود فيصنع مثله، قلت: ما هذا؟ قالا: انطلق، فانطلقنا حتى أتينا على رجل مضطجع على قفاه ورجل قائم على رأسه بفهر – أو صخرة – فيشدخ به رأسَه فإذا ضربه تدهده الحجر فانطلق إليه ليأخذه فلا يرجع إلى هذا حتى يلتئم رأسه وعاد رأسه كما هو فعاد إليه فضربه، قلت: مَن هذا؟ قالا: انطلق، فانطلقنا إلى ثقب مثل التنور أعلاه ضيق وأسفله واسع يتوقد تحته نارا فإذا اقترب ارتفعوا حتى كاد أن يخرجوا فإذا خمدت رجعوا فيها وفيها رجال ونساء عراة، فقلت: من هذا؟ قالا: انطلق، فانطلقنا حتى أتينا على نهر من دم فيه رجل قائم على وسط النهر وعلى شط النهر رجل بين يديه حجارة فأقبل الرجل الذي في النهر فإذا أراد أن يخرج رمى الرجل بحجر في فيه فرده حيث كان فجعل كلما جاء ليخرج رمى في فيه بحجر فيرجع كما كان، فقلت: ما هذا؟ قالا: انطلق، فانطلقنا حتى انتهينا إلى روضة خضراء فيها شجرة عظيمة وفي أصلها شيخ وصبيان وإذا رجل قريب من الشجرة بين يديه نار يوقدها فصعدا بي في الشجرة وأدخلاني دارا لم أر قط أحسن منها فيها رجال شيوخ وشباب ونساء وصبيان ثم أخرجاني منها فصعدا بي الشجرة فأدخلاني دارا هي أحسن وأفضل فيها شيوخ وشباب.

قلت: طوفتماني الليلة فأخبراني عما رأيتُ، قالا: نعم.

أما الذي رأيتَه يُشق شدقه: فكذاب يحدث بالكذبة فتحمل عنه حتى تبلغ الآفاق فيصنع به إلى يوم القيامة.

والذي رأيتَه يشدخ رأسه: فرجل علمه الله القرآن فنام عنه بالليل ولم يعمل فيه بالنهار يفعل به إلى يوم القيامة.

والذي رأيتَه في الثقب: فهم الزناة.

والذي رأيته في النهر: آكلو الربا.

والشيخ في أصل الشجرة: إبراهيم عليه السلام.

والصبيان حوله: فأولاد الناس.

والذي يوقِد النار: مالك خازن النار.

والدار الأولى التي دخلتَ: دار عامة المؤمنين.

وأما هذه الدار: فدار الشهداء.

وأنا جبريل، وهذا ميكائيل، فارفع رأسك، فرفعت رأسي، فإذا فوقي مثل السحاب، قالا: ذاك منزلك، قلت: دعاني أدخل منزلي، قالا: إنه بقي لك عمر لم تستكمله فلو استكملت أتيت منزلك. رواه البخاري ( 1320 ).

( الكلُّوب: حديدة معوجة الرأس. الشدق: جانب الفم. يشدخ: يشج. تدهده: تحرج ).

قال الحافظ ابن حجر:

وفيه: أن بعض العصاة يعذَّبون في البرزخ.

” فتح الباري ” ( 12 / 445 ).

  • اشتعال المغلول من الغنائم على صاحبه

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: افتتحنا خيبر ولم نغنم ذهبا ولا فضة إنما غنمنا البقر والإبل والمتاع والحوائط ثم انصرفنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى وادي القرى ومعه عبدٌ له يقال له “مدعم” أهداه له أحدُ بني الضباب فبينما هو يحط رحل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه سهمٌ عائرٌ حتى أصاب ذلك العبد فقال الناس: هنيئًا له الشهادة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل والذي نفسي بيده إن الشملة التي أصابها يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارا فجاء رجل حين سمع ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم بشراك أو بشراكين فقال هذا شيء كنت أصبته فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم شراك أو شراكان من نار.

رواه البخاري ( 3993 ) ومسلم ( 115 ).

  1. وأما ما يحدث للأتقياء من النعيم والسرور في القبور فكثير وذلك بفضل الله ومنته.

أ.  يفرش لهم من الجنة، ويفتح لهم باب منها، ويُلبس من لباس الجنة، ويفسح له في قبره.

عن البراء بن عازب قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر ولما يلحد فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلسنا حوله كأنما على رءوسنا الطير وفي يده عود ينكت به في الأرض فرفع رأسه فقال استعيذوا بالله من عذاب القبر مرتين أو ثلاثا وقال: وإنه ليسمع خفق نعالهم إذا ولوا مدبرين حين يقال له يا هذا من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ قال: ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له من ربك؟ فيقول: ربي الله، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ قال: فيقول هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقولان: وما يدريك؟ فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت، فذلك قول الله عز وجل { يثبت الله الذين آمنوا } الآية قال: فينادي مناد من السماء أن قد صدق عبدي فأفرشوه من الجنة، وافتحوا له بابا إلى الجنة، وألبسوه من الجنة قال: فيأتيه من رَوْحها وطِيبها، قال: ويفتح له فيها مد بصره. رواه أبو داود ( 4753 ).

والحديث: صححه الشيخ الألباني في ” أحكام الجنائز ” ( ص 198 ).

 

ب. سروره برؤيته مقعده من النار الذي أبدله الله عز وجل به مقعدًا من الجنة:

” ثم يفتح له باب من الجنة وباب من النار، فيقال له: هذا منزلك لو عصيت الله أبدلك الله به هذا “. وهو رواية أخرى في حديث البراء بن عازب السابق.

ج. اشتياقه إلى تعجيل قيام الساعة لما يراه من السرور في قبره

” رب عجِّل قيام الساعة كيما أرجع إلى أهلي ومالي “.

وهو في الرواية الثانية في ( ب ).

  • البشارة برضوان الله وجنته

” فيقول – أي: عمله الصالح الذي يمثله الله له برجل حسن الوجه والثياب طيب الريح -: أبشر بالذي يسرك [ أبشر برضوان من الله وجنات فيها نعم مقيم ] “.

وهو في الرواية السابقة أيضًا.

  • ينام نومة العروس، وينور له قبره.

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إذا قبر الميت – أو قال أحدكم – أتاه ملكان أسودان أزرقان يقال لأحدهما “المنكر” والآخر “النكير” فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل فيقول: ما كان يقول هو عبد الله ورسوله أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول هذا ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعا في سبعين ثم ينوَّر له فيه ثم يقال له نم، فيقول: أرجع إلى أهلي فأخبرهم؟ فيقولان: نم كنومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب أهله إليه حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك. رواه الترمذي ( 1071 ).

والحديث: صححه الشيخ الألباني في ” السلسلة الصحيحة ” ( 1391 ).

 

 

والله أعلم.