الرئيسية بلوق الصفحة 108

ما هو موقف الإسلام من بيع وشراء الأسهم كحرفة؟

السؤال:

ما هو موقف الإسلام من بيع وشراء الأسهم كحرفة وجزاكم الله خيرًا؟

 

الجواب:

الحمد لله

  1. تعريف السهم:

السهم هو: جزء محدد من إجمالي رأس مال الشركة.

يعرف السهم بأنه: نصيب المساهم في شركة من شركات الأموال أو الجزء الذي ينقسم على قيمته مجموع رأس مال الشركة المثبت في صك له قيمة اسمية، حيث تمثل الأسهم في مجموعها رأس مال الشركة، وتكون متساوية القيمة.

وبناء عليه يمثل السهم وثيقة مستقلة تعطى للمساهم وتتضمن المعلومات الخاصة بالشركة، مثل اسم الشركة ومقدار رأس مالها وجنسيتها ومركزها الرئيسي ورقم السهم وقيمته واسم صاحبه أن كان سهمًا اسميًّا أو يكتب فيه أنه لحامله.

  1. حكمه:

لا حرج ابتداءً من بيع وشراء الأسهم، لكن عليه أن يتجنب أمورًا، وهي:

  1. بيع وشراء الأسهم في الشركات التي يحرم المشاركة فيها لبيعها ما لا يحل، أو إعانتها على الفساد والباطل.
  2. بيع وشراء أسهم البنوك الربوية.
  3. وضع أموال الأسهم في البنوك الربويَّة، وبالتالي تكون الأرباح مختلطة بأموال الربا.

أ. سئلت اللجنة الدائمة عن المساهمة في شركات خاصة بالأعمال الخيرية والزراعية والبنوك وشركات التأمين والبترول، فأجابت:

يجوز للإنسان أن يساهم في هذه الشركات إذا كانت لا تتعامل بالربا، فإن كان تعاملها بالربا: فلا يجوز، وذلك لثبوت تحريم التعامل بالربا في الكتاب والسنة والإجماع.

وكذلك لا يجوز للإنسان أن يساهم في شركات التأمين التجاري؛ لأنَّ عقود التأمين المشتملة على الغرر والجهالة والربا: محرَّمة في الشريعة الإسلامية.

” فتاوى إسلامية ” ( 2 / 43 ).

ب. وهذا نص السؤال والجواب لهيئة الفتوى في بيت التمويل الكويتي حول النقطة الثالثة

السؤال:

هل يجوز بيع وشراء أسهم الشركات الأجنبية مثل جنرال موتورز فليبس شركات مرسيدس مع العلم أن هذه الشركات صناعية ولكنها لا تتورع بالنسبة للإقراض والاقتراض بفائدة؟

الجواب:

إن مبدأ المشاركة في أسهم شركات صناعية تجارية أو زراعية مبدأ مسلم به شرعًا لأنه خاضع للربح والخسارة وهو من قبيل المضاربة المشتركة التي أيدها الشارع على شرط أن تكون هذه الشركات بعيدة عن المعاملة الربوية أخذًا وعطاء ويفهم من استفتاء سيادتكم أنه ملحوظ عند الإسهام أن هذه الشركات تتعامل بالربا أخذًا وعطاء وعلى هذا فإن المساهمة فيها تعتبر مساهمة في عمل ربوي وهو ما نهى عنه الشارع والله سبحانه وتعالى أعلم.

” كتاب الفتاوى الشرعية في المسائل الاقتصادية “الأجزاء بيت التمويل الكويتي فتوى رقم ( 532 ).

 

والله أعلم.

 

حكم تغطية الوجه في الإحرام وحكم النقاب على وجه الخصوص

السؤال:

ذهبت للحج منذ سنتين وكنت منقبة ثم علمت انه لا يجوز تغطية الوجه خلال الحج، ولكني عندما لبست النقاب كان قد قيل لي ومن مصدر موثوق به انه يجوز تغطية الوجه. أرجو أن توضح لي الأمر لأني لا ادري ما أفعل خصوصًا وأنني قد عزمت على الحج هذه السنة أن شاء الله.

 

الجواب:

الحمد لله

  1. ستر الوجه للمرأة خلق حسن ورحم الله المنتقبات مرحمة كبيرة ولعلك أختي في الله ما تسألين إلا حرصًا على دينك – زادك الله حرصًا – إلا أن من الحرص الأعظم أن نحافظ على أوامر الدين التي تأمر النساء بنزع النقاب عن وجوههن الكريمة -بطاعة الله – عند الصلاة وفي الحج و لكن في الصلاة خاصة فإنه لا يحل ستر الوجه بحال إلا إن حضر من الرجال من هو من غير المحارم وفي الحج يجوز للمرأة أن تسدل على وجهها الغطاء إن لم يكن مفصلًا لحدود وجهها  فالنقاب وهو ما يسمى  (البرقع ) لا يحل للمحرمة اتخاذه ويحل لها أن تسدل على  وجهها غطاء تلقيه من رأسها على وجهها إلا إن تعذر غير النقاب ( البرقع) وحضر من لا يحل له النظر إلى وجه المرأة فإنه يحل لها النقاب ( البرقع)  وإلا فلا.

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: ” قام رجل فقال يا رسول الله ماذا تأمرنا أن نلبس من الثياب في الإحرام فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تلبسوا القميص ولا السراويلات ولا العمائم ولا البرانس إلا أن يكون أحد ليست له نعلان فليلبس الخفين وليقطع أسفل من الكعبين ولا تلبسوا شيئًا مسه زعفران ولا الورس ولا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين “.

رواه البخاري ( 1468 ) ومسلم ( 1177 ).

  1. وأما جواز السدل على الوجه بغير النقاب أو خشية الرجال الأجانب، فقد صحَّ ذلك عن بعض الصحابيات الجليلات:

عن عائشة قالت: كنا نخرج مع رسول الله  صلى الله عليه وسلم ونحن محرمات فإذا التقينا الركبان سدلنا الثوب على وجوهنا سدلًا. رواه أبو داود (1833) وابن ماجه ( 2935 ).

*  يقول الشيخ ابن عثيمين: 

لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حرم على المحرمة تغطية وجهها وإنما حرم عليها النقاب فقط لأنه لباس الوجه وفرق بين النقاب وتغطية الوجه وعلى هذا فلو أن المرأة المحرمة غطت وجهها لقلنا: هذا لا بأس به ولكن الأفضل أن تكشفه ما لم يكن حولها رجال أجانب فيجب عليها الله أن تستر وجهها عنهم.” الشرح الممتع” ( 7/153 ).

  1. أما بالنسبة لما مضى من حجك بالصورة التي ذكرتِ فلاشيء عليك لعذر الجهل، وكل محظورات الإحرام من فعلها جاهلا أو ناسيًا: فلا إثم عليه ولا فدية.

عن صفوان بن يعلى بن أمية عن أبيه رضي الله عنه أن رجلًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو بالجعرانة قد أهل بالعمرة وهو مصفر لحيته ورأسه وعليه جبة فقال يا رسول الله إني أحرمت بعمرة وأنا كما ترى فقال انزع عنك الجبة واغسل عنك الصفرة وما كنت صانعا في حجك فاصنعه في عمرتك . رواه البخاري (1697) ومسلم ( 1180 ).

* قال الشيخ ابن عثيمين:

ومثل النسيان: الجهل والإكراه، أي : لو أن الإنسان نسي فلبس ثوباً وهو محرم فليس عليه شيء، ولكن عليه متى ذكر أن يخلعه ويلبس الإزار والرداء، وكذلك الطيب، فلو تطيب وهو محرم ناسيًا فلا شيء عليه، لكن عليه إذا ذكر أن يبادر بغسله .” الشرح الممتع ” ( 7 / 222 ).

 

والله أعلم.

 

تعطي أمها مبلغا شهريًّا والأم تعطي ابنها المدمن منه فهل تستمر الابنة في فعلها؟

تعطي أمها مبلغا شهريًّا والأم تعطي ابنها المدمن منه فهل تستمر الابنة في فعلها؟

السؤال:

أنا خصصت مبلغا شهريًّا من راتبي لأمي أسلمها لها كل شهر حتى تستفيد منها وتصرفها على حاجاتها، ولدي أخ مدمن – يهديه الله -، والمشكلة: أن أمي تصرف على أخي المدمن لأنه لا يعمل وأخي هذا يصرف المبلغ على الممنوعات، وقد حاولتُ كثيرا أن أقنع أمي بأن لا تعطي أخي المدمن أي مبالغ من المبلغ الذي أعطيها من راتبي حتى لا يصرفها على الممنوعات ويؤذي نفسه، ولكن أخي يكذب عليها ويحاول أن يجعلها تحن عليه حتى تعطيه المبلغ وبعد ذلك يتعاطى بهذا المبلغ الممنوعات، أمي تعرف ذلك ولكنها لا تستطيع أن تمنع عنه المصروف لأنها تخاف أن يقوم بسرقات وما شابه حتى يحصل على ما يريد، وأنا حاولت أن أمنع عن أمي هذا المبلغ الشهري حتى لا تصرفه على أخي، ولكنها غضبت عليَّ وأنا لا أستطيع أن أجعلها تغضب عليَّ؛ لأن رضا الله من رضا الوالدين، أرجو منكم مساعدتي على حل هذه المشكلة، أريد أن أعرف إذا أنا أعطيت أمي هذا المبلغ سأكون مشاركة معهم في الجرم والذنب الذي يفعله أخي المدمن لأن أمي تعطي من هذا المبلغ لأخي؟ وهل يجوز لي أن أعطي أمي هذا المبلغ أم لا؟ وهل إذا غضبت والدتي عليَّ بهذا الشيء سوف يغضب عليَّ ربي؟.

الرجاء مساعدتي وإفتائي، ولكم جزيل الشكر والعرفان.

 

الجواب:

الحمد لله

الذي نراه أن عليكِ فعل أمرين اثنين:

الأول: أن تستمري في إعطاء والدتك المبلغ الشهري وأن لا ينقطع عنها، وهذا من البر الذي أمرتِ به تجاه والدتك، ومع ذلك فلا يجوز لكِ ترك نصحها ووعظها في تحريم دعمها لابنها المدمن، واحرصي على عدم أذيتها بذِكر ما تدفعينه لها من مال؛ فإن أخاك مدمن ولو لم تعطه أمه لفعل كل قبيح ممكن ليحصل على المال، بل انصحيها بخطأ فعلها في إعطائه المال دون نصحه ودون وعظه ودون السعي لأن يكف عن فعله، وأعلميها أن وجود مدمن على المخدرات في بيتها خطر عليها وعلى بناتها، وقد يتصرف هذا الابن المدمن في حال غياب عقله بأي شيء يوقع به ضررا فادحا على أهل البيت، فلتحذر من ذلك أشد الحذر، وعليه فينبغي أن يكون لوالدتك دورها القوي في الأخذ على يد ابنها المدمن، ولتبحث أولاً عن الأسباب التي أدَّت تدعو ابنها للاستمرار بالتعاطي كالصحبة السيئة والفراغ والبطالة ونقص العاطفة ولتحاول – وأنتم جميعا معها – القضاء على هذه الأسباب بالحكمة لئلّا يستمر على ما هو عليه.

الثاني: يجب عليك النظر إلى أخيك برحمة وشفقة مع بغض فعله وما هو عليه من حال، ويقتضي منك هذا: الاستمرار في نصحه ووعظه وتذكيره بالله تعالى بما ترينه من طرق مناسبة وفي الأوقات المناسبة ليترك تعاطيه للمحرمات، وإذا لم تنفع تلك الطرق لكفِّه عن تناول المحرمات: فنرى أن تخبروا من أهلكم وأقربائكم من له منزلة في قلبه ليردعه عن غيِّه ويخوفه بالله تعالى ربِّه، أو تخبروا اللجان المتخصصة بمكافحة المخدرات للتعاون معها عليه، فإن لم تجدوا أحداً أو لم ينفع فيه الوعظ منكم والنصح : فنرى أن تبلغي عنه من يأخذ على يده بالقوة كسلطات الأمن؛ فإن هذا الأمر في مصلحته ومصلحة البيت والمجتمع، فلا ينبغي أن تأخذهم به رأفة؛ لأن هذه الرأفة في هذا الموضع ضارة غير نافعة.

 

ونسأل الله تعالى أن يسددكم وأن ييسر مسعاكم للخير، ونسأله تعالى أن يهدي أخاكم لما فيه صلاح دينه ودنياه وآخرته.

 

والله أعلم.

 

أيهما أولى تسديد الديون أم الذهاب للحج؟

قضاء الدين أو الحج

السؤال:

لدي قرض من البنك وأريد أن أذهب للعمرة وأعلم أنني يجب أن أسدد ديوني كلها قبل أن اذهب للحج أو العمرة. فهل يمكن أن تخبرني بالطريقة الصحيحة والحدود في ذلك إسلاميًّا؟

 

الجواب:

الحمد لله

 أولًا:

ما كان ينبغي لك يرحمك الله أن تتعامل مع البنوك لما فيها من الوقوع في الربا الذي هو موبقة من الموبقات السبعة وقد حرمته الأمم كلها حتى الإغريق عبدة الأوثان قال أحدهم واسمه صولون: المال كالدجاجة العقيمة فالدرهم لا يولد درهمًا.

وجاء في عقيدة النصارى أن آكل الربا لا يكفن إذا مات حتى اليهود فإنهم يحرمون الربا.

 وأما الإسلام فقد حرمه بما لا يدع مجالًا لأحد أن يشك في التحريم.

  1. قال الله تعالى { وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } ( البقرة 275 ).
  2. وقال { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين } ( البقرة 278 ).
  3. عن عون بن أبي جحيفة قال: رأيت أبي اشترى حجامًا فأمر بمحاجمه فكسرت فسألته عن ذلك قال إن رسول الله صلى اللهم عليه وسلم نهى عن ثمن الدم وثمن الكلب وكسب الأمة ولعن الواشمة والمستوشمة وآكل الربا وموكله ولعن المصور. رواه البخاري ( 2123 ).

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا ومؤكله. رواه مسلم ( 1597 ).

  1. عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “اجتنبوا السبع الموبقات قالوا يا رسول الله وما هن قال الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات “.

رواه البخاري ( 2615 ) ومسلم ( 89 ).

  1. عن سمرة بن جندب رضي اللهم عنه قال: قال النبي صلى اللهم عليه وسلم رأيت الليلة رجلين أتياني فأخرجاني إلى أرض مقدسة فانطلقنا حتى أتينا على نهر من دم فيه رجل قائم وعلى وسط النهر رجل بين يديه حجارة فأقبل الرجل الذي في النهر فإذا أراد الرجل أن يخرج رمى الرجل بحجر في فيه فرده حيث كان فجعل كلما جاء ليخرج رمى في فيه بحجر فيرجع كما كان فقلت ما هذا فقال الذي رأيته في النهر آكل الربا. رواه البخاري ( 1979 ).
  2. وقد انعقد الإجماع على تحريم الربا.

   ثانيًا:

أما الحج: فالذي لا يستطيع  صاحبه أن ينفق على نفسه لضيق ذات اليد فإنه لا يجب عليه، ولكن إن أراد أن يفعل ذلك فهل يقبل منه أو هل يجوز له فعل ذلك؟ وأي الأمرين أولى الحج أم سداد الديون؟

الراجح: الصحيح أن الدَّين أولى لأنه حق من حقوق العباد وحقوق العباد تقدم على حقوق الله. فإن تعارض حجك مع قضاء الدين فقدِّم القضاء، ولكن إن لم يتعارض كعدم حلول ساعة القضاء أو صبر صاحب الدين على دينه فالصحيح أنه لا بأس بالحج أو العمرة.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

يجوز أن يحج المدين المعسر إذا حججه غيره ولم يكن في ذلك إضاعة لحق الدين إما لكونه عاجزًا عن الكسب وإما لكون الغريم غائباً لا يمكن توفيته من الكسب.

” مجموع الفتاوى ” ( 26 /16 ).

– ولكن لا يجب عليك ذلك وإن جاز والجواز كما علمت غير الوجوب.

وذلك كله بشرط الاستطاعة التامة مع سداد ديون من يطالبك وقد حل الأجل للقضاء إن كنت مدينًا لأكثر من دائن مع تيسر الراحلة والزاد وما يلزمك لإصلاح شأنك في السفر غير مضيع لعيالك أو من تجب عليك نفقتهم بحيث تترك لهم ما يسد حاجتهم وإن لم تفعل فقد أثمت وضيعت من ألزمك الله رعايته.

عن خيثمة قال: كنا جلوسًا مع عبد الله بن عمرو إذا جاءه قهرمان له فدخل فقال أعطيت الرقيق قوتهم قال لا قال فانطلق فأعطهم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كفى بالمرء  إثمًا أن يحبس عمن يملك قوته “.  صحيح مسلم ( 996 ).

وقد جاء عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت “. رواه أبو داود ( 1692 ).

 

والله أعلم.

تريد أمثلة على صحابيات فارقن أزواجهن المشركين

السؤال:

أعرف أن المرأة المسلمة لا يجوز لها أن تتزوج رجلا غير مسلم وهناك أخت على قائمة التحول إلى الإسلام وأسلمت وتسأل ماذا تفعل بخصوص زوجها غير المسلم الذي قبل أن تكون مسلمة بدون مشاكل وسمح لها أن تعلم أبناءها بالطريقة الإسلامية وعندما سألتنا قلنا لها أنه يجب أن يشهد الزوج شهادة الإسلام أو أنها تنفصل عنه ولكن للأسف لا يؤمن بعض الناس بذلك أرجو أن ترسل لي حالات واقعية من عصر الرسول عليه السلام فيها مسلمات تركن أزواجهن المشركين وأعتقد أن ذلك الوسيلة الوحيدة لإقناع أولئك بهذا الأمر وهو أنه لا يحل لمسلم أن تبقى في عصمة رجل غير مسلم حتى لو لم يعارض إسلامها.

 

الجواب:

الحمد لله

  1. ما قيل في السؤال من تحريم نكاح المسلمة للكافر صحيح لا غبار عليه.

أ. قال الله تعالى { ولا تُنكحوا المشركين حتى يؤمنوا } ( البقرة / 221 ).

قال القرطبي:

قوله تعالى { ولا تنكحوا } أي: لا تُزوجوا المسلمة من المشرك، وأجمعت الأمة على أن المشرك لا يطأ المؤمنة بوجه لما في ذلك من الغضاضة على الإسلام.

” تفسير القرطبي ” ( 3 / 72 ).

ب. وقال { لا هنَّ حلٌّ لهم ولا هم يحلون لهن } ( الممتحنة / 10 ).

قال البخاري رحمه الله:

باب إذا أسلمت المشركة أو النصرانية تحت الذمي أو الحربي وقال عبد الوارث عن خالد عن عكرمة عن ابن عباس إذا أسلمت النصرانية قبل زوجها بساعة حرمت عليه. وقال مجاهد إذا أسلم في العدة يتزوجها وقال الله تعالى { لا هن حل لهم  ولا هم يحلون لهن } وقال الحسن وقتادة في مجوسيين أسلما هما على نكاحهما وإذا سبق أحدهما صاحبه وأبى الآخر بانت لا سبيل له عليها.

” صحيح البخاري ” وانظر: ” الفتح ” ( 9 / 421 ) ففيه ذكر من وصل هذه الآثار وفقهها.

  1. أما الأمثلة، فيحضرنا الآن بعضها:
  • ابنة النبي صلى الله عليه وسلم زينب، وقد كانت متزوجة من أبي العاص بن الربيع في الجاهلية، فلما أسلمت: فسخ النكاح بينهما، ولحقت بأبيها صلى الله عليه وسلم، فلما أسلم: ردَّها النبي صلى الله عليه وسلم إليه.

رواه الترمذي ( 1143 ) وأبو داود ( 2240 ) وابن ماجه ( 2009 ).

وصححه الإمام أحمد ( 1879 ) ، وقال الترمذي : ليس بإسناده بأس.

والصحيح: أنه يرجع إليها الزوج من غير حاجة إلى عقد جديد.

فإن كانت لا تزال في العدة فهو أحق بها، وإن انتهت عدتها: فهي حرة نفسها في الرجوع إليه أو لا.

قال الترمذي:

والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم أن المرأة إذا أسلمت قبل زوجها ثم أسلم زوجها وهي في العدة أن زوجها أحق بها ما كانت في العدة وهو قول مالك بن أنس والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحق. ” سنن الترمذي ” ( حديث 1142 ).

وقال ابن عبد البر:

لم يختلف العلماء أن الكافرة إذا أسلمت ثم انقضت عدتها أنه لا سبيل لزوجها إليها إذا كان لم يسلم في عدتها إلا شيء روي عن إبراهيم النخعي شذ فيه عن جماعة العلماء ولم يتبعه عليه أحد من الفقهاء إلا بعض أهل الظاهر.

” التمهيد ” ( 12 / 23 ).

وقال ابن القيم:

ولكن الذي دل عليه حكمه صلى الله عليه وآله وسلم أن النكاح موقوف فإن أسلم قبل انقضاء عدتها فهي زوجته، وإن انقضت عدتها: فلها أن تنكح من شاءت، وإن أحبت انتظرته فإن أسلم كانت زوجته من غير حاجة إلى تجديد نكاح.

ولا يعلم أحد جدد بعد الإسلام نكاحه البتة، بل كان الواقع أحد الأمرين إما افتراقهما ونكاحها غيره وإما بقاؤهما عليه وإن تأخر إسلامه، وأما تنجيز الفرقة ومراعاة العدة فلا يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قضى بواحد منهما مع كثرة من أسلم في عهده وقرب إسلام أحد الزوجين من الآخر وبعده منه.

ولولا إقراره صلى الله تعالى عليه وآله وسلم الزوجين على نكاحهما وإن تأخر إسلام أحدهما عن الآخر بعد صلح الحديبية وزمن الفتح لقلنا بتعجيل الفرقة بالإسلام من غير اعتبار عدة لقوله تعالى: { لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن } وقوله تعالى { ولا تمسكوا بعصم الكوافر } …..

” زاد المعاد ” ( 5 / 137 ، 138 ).

  • قال القرطبي:

وكانت عند طلحة بن عبيد الله: أروى بنت ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب ففرق الإسلام بينهما ثم تزوجها في الإسلام خالد بن سعيد بن العاص وكانت ممن فر إلى النبي صلى الله عليه وسلم من نساء الكفار فحبسها وزوجها خالدا.

” تفسير القرطبي ” ( 18 / 65 ، 66 ).

 

 

  • عن أنس قال: تزوج أبو طلحة أم سليم فكان صداق ما بينهما الإسلام أسلمت أم سليم قبل أبي طلحة فخطبها فقالت: إني قد أسلمت فإن أسلمت نكحتك فأسلم فكان صداق ما بينهما “. رواه النسائي ( 3340 ).
  • وكذا أسلمت ابنة الوليد بن المغيرة امرأة ” صفوان بن أمية ” قبله، وفسخ نكاحه، ثم أسلم بعدها ورجع إليها.

رواه مالك في ” الموطأ ” ( 1132 ).

قال ابن عبد البر:

هذا الحديث لا أعلمه يتصل من وجه صحيح وهو حديث مشهور معلوم عند أهل السير وابن شهاب إمام أهل السير وعالمهم وكذلك الشعبي وشهرة هذا لحديث أقوى من إسناده إن شاء الله. ” التمهيد ” ( 12 / 19 ).

  • وأم حكيم بنت الحارث بن هشام امرأة ” عكرمة بن أبي جهل “، وفسخ نكاحها، ثم أسلم في العدة، فرجعت إلى زوجهما.

رواه ابن أبي شيبة في ” المصنف ” ( 4 / 107 ).

 

والله أعلم.

من أين يُحرم الحاج للحج أو العمرة؟

السؤال:

أريد الحج هذه السنة بإذن الله وأريد أن أسافر من الرياض إلى جدة عن طريق الجو “بالطائرة” فمتى أحرم بالضبط؟

 

الجواب:

الحمد لله

إذا أردت الحج أو العمرة جوًّا أو برًّا أو بحرا فيجب عليك أن تحرم من الميقات، وميقاتك في هذه الحالة إذا قدمت من الرياض إلى جدة يكون من ” قرن المنازل ” ويسمَّى حاليًّا ” السيل الكبير ” أو ” وادي محرم “.

* قال الشيخ بن جبرين حفظه الله:

فأما المواقيت المكانية فأولها: ذو الحليفة لأهل المدينة، وتبعد عنها نحو ستة أميال ويسميها العامة أبيار علي، والثاني: الجحفة، وتبعد عن مكة ثلاث مراحل وقد خربت ويحرم الناس من رابغ قبلها بقليل وهي ميقات لأهل الشام ومصر والمغرب إذا لم يمروا بالمدينة، الثالث: ” قرن المنازل ” يبعد عن مكة مرحلتان ويعرف الآن ” بالسيل الكبير ” وأعلاه غربا يعرف بـ” وادي محرم” وهو ميقات لأهل نجد والطائف ومن مرَّ بذلك، الرابع: يلملم.

 ومن لم يكن في طريقه ميقات: أحرم إذا حاذى أقربها إليه سواء كان طريقه برًّا أو بحراً أو جوًّا ويحرم راكب الطائرة إذا حاذى الميقات أو يحتاط قبله حتى لا يجاوزه قبل إحرامه، فمن أحرم بعد ما جاوز الميقات فعليه دم جبران، والله أعلم.

” فتاوى إسلامية ” ( 2 / 198 ).

* وسئلت اللجنة الدائمة:

كان الحجاج السودانيون في الزمن الماضي حدود إحرامهم للحج الجحفة، وكانت الباخرة تطلق الصفارة وتعلن حدود الإحرام للحجاج، ولكن بعد وصول الطائرات أصبح إحرام الحجاج السودانيين من جدة، وبعد حضورهم إلى جدة يقضون بها أيّامًا طويلة وهم بملابسهم العادية. السؤال: هل الإحرام من جدة جائز؟ هل يجوز لهم الإحرام في نفس اليوم من حضورهم، أم على حسب ما يرونه مناسب؟

فأجابت:

جدة ليست ميقاتاً لحج أو عمرة إلا للمستوطنين أو المقيمين بها، وكذا من وصل إليها لحاجة غير عازم على حج أو عمرة، ثم بدا له أن يحج أو يعتمر. أما من كان له ميقات قبلها كذي الحليفة بالنسبة لأهل المدينة وما وراءها، أو حاذاها برًّا أو جوًّا، وكالجحفة لأهلها ومن حاذاها برًّا أو بحرا أو مر بها جوًّا، وكــ “يلملم: كذلك، فإنه يجب عليه أن يحرم من ميقاته أو مما يحاذيه جوًّا أو بحراً أو برًّا.

وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء.

عبد العزيز بن عبد الله بن باز، عبد الرزاق عفيفي، عبد الله بن غديان، عبد الله ابن قعود” فتاوى اللجنة الدائمة ” الفتوى رقم (4575) ( 11 / 130، 131 ).

وينبغي أن يعلم أن الأصل في هذه المواقيت المكانية هو ما رواه البخاري في صحيحه ( 1748 ) ومسلم ( 1181 ) عن ابن عباس رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقَّت لأهل المدينة ذا الحليفة ولأهل الشام الجحفة ولأهل نجد قرن المنازل ولأهل اليمن يلملم، هنَّ لأهلهن ولكل آتٍ أتى عليهن مِن غيرهم ممن أراد الحج والعمرة فمن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة “.

وأما بالنسبة لجواز الإحرام إذا حاذى الإنسان ميقاتًا من هذه المواقيت ولا يلزمه أن يصل إلى نفس الميقات إذا كان في طائرة أو سفينة: هو ما أخرجه البخاري ( 1458 ) عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: لما فُتح هذا المصران – يعني: الكوفة والبصرة – أتَوا عمر فقالوا: يا أمير المؤمنين إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدَّ لأهل نجد قرنًا وهو جورٌ عن طريقنا، وإذا أردنا قرناً شق علينا قال: فانظروا حذوها من طريقكم فحدَّ لهم ذات عرق.

* قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:

” فانظروا حذوها ” أي: اعتبروا ما يقابل الميقات من الأرض التي تسلكونها من غير قبل فاجعلوه ميقاتًا. ” فتح الباري ” ( 3 / 389 ).

ويحسن بنا أخيرًا أن نذكر جوابًا للشيخ ابن باز رحمه الله لما سئل عن حكم من جاوز الميقات دون أن يحرم سواء كان لحج أو عمرة أو لغرض آخر:

فأجاب رحمه الله بقوله:

من جاوز الميقات لحجٍّ أو عمرة ولم يحرم وجب عليه الرجوع والإحرام بالحج والعمرة من الميقات؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بذلك بقوله ” يهل أهل المدينة من ذي الحليفة ويهل أهل الشام من الجحفة ويهل أهل نجد من قرن ويهل أهل اليمن من يلملم “. فإذا كان قصده الحج أو العمرة يلزمه الإحرام من الميقات الذي يمر عليه فإذا كان من طريق المدينة أحرم من ذي الحليفة، وإن كان من طريق الشام أو مصر أو المغرب أحرم من الجحفة من رابغ الآن وإن كان من طريق اليمن أحرم من يلملم وإن كان من طريق نجد أو الطائف أحرم من وادي قرن ويسمى حاليًّا ” السيل ” ويسميه بعض الناس ” وادي محرم ” فيحرم من ذلك بحجة أو عمرة أو بهما جميعًا .. إلخ فتاوى إسلامية ( 2 / 201 ).

وينبغي أن يعلم أنه ليس من السنة أن يحرم الإنسان قبل الميقات تعبدًّا لأنَّ هذا ليس من السنة وخير الهدي هدي محمد عليه الصلاة والسلام إلا إذا كان الإنسان في طائرة أو سيارة فلا يتمكن من الوقوف عند محاذاة الميقات فهذا يحتاط بما يغلب على ظنه أنه لن يتجاوز الميقات إلا وهو محرم.

* قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:

فلم ينقل عن أحدٍ ممن حجَّ من النَّبي صلى الله عليه وسلم أنه أحرم قبل ذي الحليفة، ولولا تعين الميقات لبادروا إليه لأنه يكون أشق فيكون أكثر أجرًا.

” فتح الباري ” ( 3 / 387 ).

 

ملاحظة:

يخطئ بعض الناس في معرفة الإحرام فيظن بعضهم أنه فقط لبس الرداء        والإزار، وليس الأمر كذلك بل هو نية الدخول في النسك مع وجوب لباس الرداء والإزار قبل مجاوزة الميقات.  ” الشرح الممتع ” ( 7 / 78 ).

 

والله أعلم.

المسبوق في الصلاة هل يسلّم ثم يُكمل صلاته؟ وهل الركعة التي يدركها تكون في حقّه الأولى؟

السؤال:

1) إذا أدرك الشخص صلاة الجماعة في موضع بعد الركوع الأخير من الصلاة هل الواجب عليه أن يستكمل صلاته بعد تسليم الإمام أم الواجب عليه أن يسلم ثم يستأنف صلاته.

2) لنفرض أن رجلًا أدرك مع الجماعة الركعة الثالثة على سبيل المثال. سؤالي هو: عندما يقف ليستكمل صلاته هل ستكون قراءته سرية أم جهرية، فهل يعني ذلك أنه يقضي ما فاته على سبيل المثال الركعة الأولى جهرية أو يقال أنه يتم صلاته وفي هذه الحالة تكون قراءته سرية لأنهما الركعتين الأخيرتين من صلاته (أرجو أن تكون قد فهمت قصدي). أنا أفهم أنه قد يكون هنالك اختلاف في جهات النظر حيال هذه المسألة كما هو مشار إليه في الترجمة الإنجليزية لبلوغ المرام.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

من أدرك شيئاً من صلاة الإمام، ولو كان ذلك في آخر لحظة قبل السلام فإنه تلزمه هذه الصلاة ولا يحل له أن ينقضها فإن سلم الإمام قام فأتم صلاته لأنه لما دخل المسجد والناس يصلون وجب عليه اللحاق بهم على الحال التي يكونون عليها من سجود وركوع وغير ذلك.

عن معاذ بن جبل قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ” إذا أتى أحدكم الصلاة والإمام  على حال فليصنع كما يصنع الإمام ” .رواه الترمذي ( 935 ).

والحديث: قال الشيخ الألباني رحمه الله في صحيح الترمذي: صحيح .

   ثانيًا:

 وأما كونه لا يسلم مع الإمام وإنما يتم ما فاته:

أ. فعن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه قال: ” بينما نحن نصلي مع النبي  صلى الله عليه وسلم إذ سمع جلبة رجال فلما صلى قال: ما شأنكم؟ قالوا: استعجلنا إلى الصلاة، قال: فلا تفعلوا، إذا أتيتم الصلاة فعليكم بالسكينة، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا “.

رواه البخاري ( 995 ) ومسلم ( 948 ).

–  فالدليل عام بالإتمام حتى ولو فاتته الصلاة ولم يدرك إلا آخرها.

– وقد فاتت صلاة الفجر يومًا رسول الله فلم يدرك منها إلا الأخيرة فلم يسلم مع الإمام وإنما قام فأتم.

ب. وعن المغيرة بن شعبة أخبره أنه غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تبوك قال المغيرة: ” فتبرز رسول الله  صلى الله عليه وسلم قبل الغائط فحملت معه إداوة قبل صلاة الفجر فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلي أخذت أهريق على يديه من الإداوة وغسل يديه ثلاث مرات ثم غسل وجهه ثم ذهب يخرج جبته عن ذراعيه فضاق كما جبته فأدخل يديه في الجبة حتى أخرج ذراعيه من أسفل الجبة وغسل ذراعيه إلى المرفقين ثم توضأ على خفيه ثم أقبل قال المغيرة فأقبلت معه حتى نجد الناس قد قدموا عبد الرحمن بن عوف فصلى لهم فأدرك رسول الله  صلى الله عليه وسلم إحدى الركعتين فصلى مع الناس الركعة الآخرة فلما سلم عبد الرحمن بن عوف قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يتم صلاته فأفزع ذلك المسلمين فأكثروا التسبيح فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم صلاته أقبل عليهم ثم قال أحسنتم أو قال قد أصبتم يغبطهم أن صلوا الصلاة لوقتها  “. رواه مسلم ( 640 ).

ثالثًا:

أما الجواب على سؤال هل يتم المسبوق ما لم يدرك أم أنه يقضي ما فاته؟

فالصحيح أنه يتم ما فاته وأن ما صلاه مع الإمام هو أول صلاته وأن الركعتين أو الركعة التي أدركها هي الأولى عنده فيقوم ليصلي ما بقي لا ما فاته وذلك لحديث المغيرة السابق.

* قال الإمام الخطابي:

قوله ” فأتموا “: دليل على أن الذي يدركه المرء من صلاة إمامه هو أول صلاته لأن لفظ الإتمام واقع على باق من شيء قد تقدم سائره وإلى هذا ذهب الشافعي في أن ما أدركه المسبوق من صلاة إمامه هو أول صلاته وقد روي ذلك عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وبه قال سعيد بن المسيب والحسن البصري ومكحول وعطاء والزهري والأوزاعي وإسحاق بن راهويه.

وقال سفيان الثوري وأصحاب الرأي: هو آخر صلاته وإليه ذهب أحمد بن حنبل وقد روي ذلك عن مجاهد وابن سيرين واحتجوا بما روي في هذا الحديث من قوله عليه السلام وما فاتكم فاقضوا قالوا والقضاء لا يكون إلا للفائت.

– وذكر أن أكثر الرواة اجتمعوا على قوله ” وما فاتكم فأتموا ” – ثم قال:

قلت: وقد يكون القضاء بمعنى الأداء للأصل، كقوله تعالى { فإذا قُضيت الصلاة فانتشروا في الأرض } ( الجمعة / 10 )، وكقوله { فإذا قضيتم مناسككم } (البقرة/200 )، وليس شيء من هذا قضاء لفائت.

فيحتمل أن يكون قوله ” وما فاتكم فاقضوا ” أي: أدوه في تمام، جمعاً بين قوله ” فأتموا ” وبين قوله ” فاقضوا ” ونفيا للاختلاف بينهما. ” معالم السنن ” ( 1 / 298).

   وقد ردَّ على أهل القول الآخر الحافظ ابن حجر أيضا فقال:

إن أكثر الروايات ورد بلفظ ” فأتموا ” وأقلها بلفظ ” فاقضوا ” وإنما تظهر فائدة ذلك إذا جعلنا بين الإتمام والقضاء مغايرة لكن إذا كان مخرج الحديث واحدًا واختلف في لفظة منه وأمكن رد الاختلاف إلى معنى واحد كان أولى، وهنا كذلك لأن القضاء وإن كان يطلق على الفائت غالباً لكنه يطلق على الأداء أيضا ويرد بمعنى الفراغ كقوله تعالى { فإذا قضيت الصلاة فانتشروا }.ويَرِدُ بمعانٍ أخر فيحمل قوله هنا ” فاقضوا “: على معنى الأداء أو الفراغ فلا يغاير قوله ” فأتموا ” فلا حجة فيه لمن تمسك برواية ” فاقضوا ” على أن ما أدركه المأموم هو آخر صلاته حتى استحب له الجهر في الركعتين وقراءة السورة وترك القنوت بل هو أولها وإن كان آخر صلاة إمامه لأن الآخر لا يكون إلا عن شيء تقدمه.

وأوضح دليل على ذلك أنه يجب عليه أن يتشهد في آخر صلاته على كل حال فلو كان ما يدركه مع الإمام آخرًا له لما احتاج إلى إعادة التشهد  وقول ابن بطال إنه ما تشهد إلا لأجل السلام لأن السلام يحتاج إلى سبق تشهد ليس بالجواب الناهض على دفع إيراد المذكور.

واستدل ابن المنذر لذلك أيضا على أنهم أجمعوا على أن تكبيرة الافتتاح لا تكون إلا في الركعة الأولى.” فتح الباري ” ( 2 / 119 ).

 

والله  أعلم.

الجمع بين حديث ( لو أنفق مثل أحد ذهبًا ) وحديث ( أجر خمسين منكم ).

السؤال:

قرأت في صحيح الجامع حديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر الصحابة أن أقواماً من المسلمين في زمن ضعف الدين يكون أجر العامل منهم أجر خمسين من الصحابة. وما سبب حيرتي هو حديث النبي صلى الله عليه وسلم: خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم. وقال أيضا: لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ ذلك مد أحد الصحابة أو نصيفه.

 

الجواب:

الحمد لله

  1. ذهب العلماء في الجمع بين الحديثين إلى أقوال كلها صحيحة، وبه يعرف أنه لا تعارض بين نصوص الوحي لأن كلها من عند الله.

أ. قال الحافظ ابن حجر:

حديث ” للعامل منهم أجر خمسين منكم “: لا يدل على أفضلية غير الصحابة على الصحابة لأن مجرد زيادة الأجر لا يستلزم ثبوت الأفضلية .

وأيضا: فالأجر إنما يقع تفاضله بالنسبة إلى ما يماثله في ذلك العمل، فأما ما فاز به مَن شاهد النبي صلى الله عليه وسلم مِن زيادة فضيلة المشاهدة فلا يعدله فيها أحد.

فبهذه الطريق يمكن تأويل الأحاديث المتقدمة. ” فتح الباري ” ( 7 / 7 ).

ب. وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام:

ليس هذا على إطلاقه بل هو مبني على قاعدتين:

إحداهما: أن الأعمال تشرف بثمراتها.

والثانية: أن الغريب في آخر الإسلام كالغريب في أوله وبالعكس لقوله عليه السلام: ” بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء من أمتي ” يريد المنفردين عن أهل زمانهم.

إذا تقرر ذلك فنقول:

الإنفاق في أول الإسلام أفضل لقوله عليه السلام لخالد بن الوليد رضي الله عنه ” لو أنفق أحدكم مثل أحُدٍ ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه ” أي: مدَّ الحنطة، والسبب فيه: أن تلك النفقة أثمرت في فتح الإسلام وإعلاء كلمة الله ما لا يثمر غيرها، وكذلك الجهاد بالنفوس لا يصل المتأخرون فيه إلى فضل المتقدمين لقلة عدد المتقدمين وقلة أنصارهم، فكان جهادهم أفضل، ولأن بذل النفس مع النصرة ورجاء الحياة ليس كبذلها مع عدمها ولذلك قال عليه السلام: ” أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر ” جعله أفضل الجهاد ليأسه من حياته.

وأما النهي عن المنكر بين ظهور المسلمين، وإظهار شعائر الإسلام: فإن ذلك شاق على المتأخرين لعدم المُعين، وكثرة المنكر فيهم كالمنكر على السلطان الجائر، ولذلك قال عليه السلام ” يكون القابض كالقابض على الجمر ” لا يستطيع دوام ذلك لمزيد المشقة؛ فكذلك المتأخر في حفظ دينه.

وأما المتقدمون فليسوا كذلك لكثرة المعين وعدم المنكر فعلى هذا ينزل الحديث. انتهى . انظر ” عون المعبود ” ( 11 / 333 ).

ج. وقال شيخ الإسلام رحمه الله:

وقد يكون لهم – أي: للمتأخرين – من الحسنات ما يكون للعامل منهم – أي: من الصحابة – أجر خمسين رجلا يعملها في ذلك الزمان؛ لأنهم كانوا يجدون من يعينهم على ذلك، وهؤلاء المتأخرون لم يجدوا مَن يعينهم على ذلك لكن تضعيف الأجر لهم في أمور لم يضعف للصحابة لا يلزم أن يكونوا أفضل من الصحابة ولا يكون فاضلهم كفاضل الصحابة فإن الذي سبق إليه الصحابة من الإيمان والجهاد ومعاداة أهل الأرض في موالاة الرسول وتصديقه وطاعته فيما يخبر به ويوجبه قبل أن تنتشر دعوته وتظهر كلمته وتكثر أعوانه وأنصاره وتنتشر دلائل نبوته بل مع قلة المؤمنين وكثرة الكافرين والمنافقين وإنفاق المؤمنين أموالهم في سبيل الله ابتغاء وجهه في مثل تلك الحال أمر ما بقي يحصل مثله لأحد كما في الصحيحين عنه  صلى الله عليه وسلم ” لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مدَّ أحدهم ولا نصيفه “. ” مجموع الفتاوى ” ( 13 / 65 ، 66 ).

وقال:

ومع هذا فما للمتأخرين كرامة إلا وللسلف من نوعها ما هو أكمل منها.

وأما قوله: ” لهم أجر خمسين منكم لأنكم تجدون على الخير أعوانا ولا يجدون على الخير أعوانًا “: فهذا صحيح إذا عمل الواحد من المتأخرين مثل عملٍ عَمِلَه بعضُ المتقدمين كان له أجر خمسين لكن لا يتصور أن بعض المتأخرين يعمل مثل عمل بعض أكابر السابقين كأبي بكر وعمر فإنه ما بقي يبعث نبيٌّ مثل محمدٍ يُعمل معه مثلما عَملوا مع محمَّدٍ  صلى الله عليه وسلم.

وأما قوله: ” أمتي كالغيث لا يدرى أوله خير أم آخره ” – مع أن فيه لينا – فمعناه: في المتأخرين مَن يشبه المتقدمين ويقاربهم حتى يبقى لقوة المشابهة والمقارنة لا يدري الذي ينظر إليه أهذا خير أم هذا، وإن كان أحدهما في نفس الأمر خيرا.

فهذا فيه بشرى للمتأخرين بأن فيهم من يقارب السابقين كما جاء في الحديث الآخر ” خير أمتي أولها وآخرها وبين ذلك ثبج أو عوج، وددت أنى رأيت إخواني، قالوا: أوَلَسنا إخوانك؟ قال: أنتم أصحابي “: هو تفضيل للصحابة فإن لهم خصوصية الصحبة التي هي أكمل من مجرد الأُخُوَّة.

” مجموع الفتاوى ” ( 11 / 370 ، 371 ).

 

  1. ونود لفت نظر السائل والإخوة جميعا، إلى أن لفظ الحديث الوارد في السؤال وهو ” خير القرون قرني “: لا أصل له بهذا اللفظ، وإن كثر استعماله في كتب أهل السنة، ثم هو خطأ من حيث المعنى، إذ لو كان هذا لفظه لقال بعده ” ثم الذي يليه “! لكن لفظ الحديث ” ثم الذين يلونهم “، ولفظ الحديث الصحيح: ” خير الناس قرني ” و ” خير أمتي قرني “.

 

والله أعلم.

التوفيق بين موقف ابن آدم مِن قتل أخيه له مع حديث (وَمَن قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ)

التوفيق بين موقف ابن آدم مِن قتل أخيه له مع حديث (وَمَن قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ)

السؤال:

هل هناك تعارض بين قول النبي صلى الله عليه وسلم ( وَمَن قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ ) وبين قول هابيل ( لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ) المائدة/ 28؟ أفتوني مأجورين، بارك الله فيكم، ودمتم للدين خادمين.

 

الجواب:

الحمد لله

هذا سؤال دقيق الملحظ، ورفع الإشكال فيه يكون بمعرفة معنى الآية الكريمة في رد ابنِ آدم المقتول على أخيه.

وقد اختلف المفسرون في سبب قول ابن آدم المقتول ظلما ( لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ ) فقال بعضهم: إنه لم يكن مأذونا لابن آدم المصول عليه أن يدافع عن نفسه تجاه أخيه الذي أراد قتله بل كان عليه أن يستسلم له، وقال آخرون: إن الأمر ليس كذلك بل السبب في ذلك القول أنه لا يحل له قتل أخيه الذي صرَّح له بأنه سيقتله، ولذا فإن القتل قد حصل غيلة، ولعلَّ هذا السبب أن يكون هو الأرجح، وبه يتبين معنى الآية وأنه ليس فيها دلالة على عدم مدافعة القاتل، وهو ما رجحه إمام المفسِّرين الإمام الطبري رحمه الله حيث قال:

وقد اختلف في السبب الذي من أجله قال المقتول ذلك لأخيه ولم يمانعه ما فَعَل به، فقال بعضهم: قال ذلك إعلاما منه لأخيه القاتل أنه لا يستحل قتلَه ولا بسطَ يده إليه بما لم يأذن الله جل وعز له به

وقال آخرون: لم يمنعه مما أراد من قتله وقال ما قال له مما قصَّ الله في كتابه إلا أن الله عزّ ذِكْره فرضَ عليهم أن لا يمتنع من أريد قتله ممن أراد ذلك منه.

قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله عزَّ ذِكْره قد كان حرَّم عليهم قتل نفسٍ بغير نفس ظلما، وأن المقتول قال لأخيه: ” ما أنا بباسط يدي إليك إن بسطت إليّ يدك “؛ لأنه كان حراما عليه مِن قتل أخيه مثلُ الذي كان حراما على أخيه القاتل من قتله، فأمّا الامتناع من قتله حين أراد قتله: فلا دلالة على أن القاتلَ حين أراد قتله وعزم عليه كان المقتول عالما بما هو عليه عازمٌ منه ومحاولٌ من قتله فترك دفعَه عن نفسه، بل قد ذكر جماعة من أهل العلم أنه قتله غِيلةً، اغتاله وهو نائم، فشدَخ رأسه بصخرةٍ، فإذْ كان ذلك ممكنا ولم يكن في الآيةِ دلالة على أنه كان مأمورا بترك منع أخيه مِن قتله: يكون جائزا ادِّعاءُ ما ليس في الآية إلا ببرهان يجب تسليمُه

” تفسير الطبري ” ( 10 / 213 ، 214 ).

ومن قال بخلاف ما رجحه الطبري رحمه الله وقال إن الآية تدل على عدم جواز مدافعة القاتل وأنه ينبغي الاستسلام للقتل: فلا يسعه إلا القول بأن هذا شرع من قبلنا وأنه جاء في شرعنا ما ينسخه، أو يقول إن هذا الأمر يُحمل على أحوال معيَّنة كحال الفتنة العظيمة، وبكلا التخريجين للآية قال طائفة من أهل العلم.

قال أبو بكر الجصَّاص – رحمه الله -:

قوله تعالى ( لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ ) قال ابن عباس: معناه: لئن بدأتني بقتل لم أبدأك به، ولم يُرد أني لا أدفعك على نفسي إذا قصدت قتلي، فروي أنه قتل غيلة بأن ألقى عليه صخرة وهو نائم فشدخه بها، وروي عن الحسن ومجاهد أنه كُتب عليهم إذا أراد رجل قتله أن يتركه ولا يدفعه عن نفسه.

قال أبو بكر: وجائز في العقل ورود العبادة بمثله، فإن كان التأويل هو الأول: فلا دلالة فيه على جواز ترك الدفع عن نفسه بقتل مَن أراد قتله وإنما فيه أنه لا يبدأ بقتل غيره، وإن كان التأويل هو الثاني : فهو منسوخ لا محالة، وجائز أن يكون نسخه بشريعة بعض الأنبياء المتقدمة، وجائز أن يكون نسخه بشريعة نبينا صلى الله عليه وسلم، والذي يدل على أن هذا الحكم غير ثابت في شريعة النبي صلى الله عليه وسلم وأن الواجب على مَن قصده إنسانٌ بالقتل أن عليه قتله إذا أمكنه وأنه لا يسعه ترك قتله مع الإمكان : قوله تعالى ( وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ ) الحجرات/ 9 ، فأمَر الله بقتال الفئة الباغية ولا بغيَ أشد من قصد إنسان بالقتل بغير استحقاق، فاقتضت الآية قتل مَن قصد قتل غيره بغير حق.

وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في أخبار مستفيضة ( مَن قُتِلَ دُونَ نَفْسِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَمَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ ) – رواه الترمذي والنسائي وأبو داود بإسناد صحيح من حديث سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ رضي الله عنه دون قوله ( دُونَ نَفْسِهِ ) -، وروى عبد الله بن الحسين عن عبدالرحمن الأعرج عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( مَنْ أُرِيدَ مَالُهُ بِغَيْرِ حَقٍّ فَقَاتَلَ فَقُتِلَ فَهُوَ شَهِيدٌ ) – رواه ابن ماجه وهو صحيح – فأخبر صلى الله عليه وسلم أن الدافع عن نفسه وأهله وماله شهيد، ولا يكون مقتولاً دون ماله إلا وقد قاتل دونه.

” أحكام القرآن ” ( 4 / 45 ).

وأما حمْل الآية على الاستسلام للقتل في الفتنة: فقد قال به طائفة من الحنابلة والشافعية، وهو متوافق مع حديث سَعْد بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ دَخَلَ عَليَّ بَيْتِي وَبَسَطَ يَدَهُ لِيَقْتُلَنِي؟ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ( كُنْ كَابْنَيْ آدَمَ ) وَتَلاَ يَزِيدُ ( لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَىَّ يَدَكَ ) الآيَةَ. رواه الترمذي ( 2194 ) وصححه، وأبو داود ( 4257 ).

وعليه يُحمل فعل عثمان رضي الله عنه حيث استسلم لقتل الخوارج ولم يقاتلهم، وينبغي تقييد الفتنة – عند من يقول بها – بأنها التي يترتب على المدافعة فيها شَرٌّ أكبر، أو كانت المدافعة فيها غير مجدية.

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

وقوله ” وَيَلْزَمُهُ الدَّفْعُ عَنْ نَفْسِهِ ” أي: يلزم من صال عليه آدمي أو بهيمة أن يدافع عن نفسه وجوبا؛ لقوله تعالى ( وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ) البقرة/ 195، ومَن استسلم للصائل الذي يريد قتله فقد ألقى بنفسه إلى التهلكة، ووقع فيما نهى الله عنه، ولقوله تعالى ( وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ ) البقرة/ 191، فأمر بقتلهم حتى عند المسجد الحرام مع حرمته وتعظيمه، ولقوله عليه الصلاة والسلام ( حين سئل ): أرأيتَ إن قاتلني؟ قال ( قاتله ) – رواه مسلم -، ولأن نفسه محترمة وأمانة عنده، ومسؤول عنها أمام الله، فوجب عليه أن يدافع عنها، ولأنها نفس محترمة، ونفس الصائل نفس معتدية ليس لها حرمة، ومعلوم أنه يجب فداء النفس المحترمة بالنفس المعتدية، وأن تتلف النفس المعتدية لإبقاء النفس المحترمة، فهذه تدل على وجوب المدافعة عن النفس.

فالحاصل: أنه يجب الدفاع عن نفسه، لكن هل يُستثنى من هذا شيء؟ اختلف العلماء في ذلك، فقال بعضهم : يُستثنى من ذلك حال الفتنة – نعوذ بالله من الفتنة – إذا اضطرب الناس وافتتنوا وصار بعضهم يقتل بعضا لا يدري القاتل فيما قَتَل ولا المقتول فيما قُتِل، فتنة مائجة، فإنه في هذه الحال لا يلزمه الدفع، واستدلوا بقول النبي – عليه الصلاة والسلام – ( إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتَنٌ، الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْمَاشِي ) فقيل: يا رسول الله  أرأيت إن دخل بيتي هل أقتله أم لا؟ قال ( لاَ تَقْتُلْهُ ) – هذان حديثان الأول متفق عليه والثاني رواه الترمذي وأبو داود وقد سبق -، وقال – عليه الصلاة والسلام – ( فَإِنْ بَهَرَكَ شُعَاع السَّيْف فَأَلْقِ رِدَاءَكَ عَلَى وَجْهِكَ ) – رواه أبو داود وابن ماجه بإسناد صحيح – يعني: واستسلم، واستدلوا أيضا بفعل عثمان رضي الله عنه فإن الصحابة طلبوا منه أن يدفعوا عنه الذين خرجوا عليه، ولكنه – رضي الله عنه – أبَى، وقال: ” لا تقاتلوا “، فإذا كانت فتنة: فلا تقاتل.

والصواب: أن الفتنة إذا كان يترتب على المدافع فيها شَرٌّ أكبر، أو كانت المدافعة لا تجدي لكثرة الغوغاء : ففي هذه الحال لا يجب الدفع، وإلا وجب الدفع لما ذكرت فيما سبق، وتُحمل النصوص الواردة في ذلك على هذه الحال، وكذلك ما ورد عن عثمان رضي الله عنه؛ لأن عثمان رأى أن أهل المدينة لو دافعوا لالتهمهم هؤلاء الخارجون؛ لأنهم عدد كبير لا طاقة لأهل المدينة بمدافعتهم.

ويرى بعض العلماء أنه يلزم الدفع مطلقا، وأن الأحاديث الواردة في ذلك فيما إن كان الإنسان لا يستطيع المدافعة؛ لأن مدافعته إذا كان لا يستطيع: لا فائدة منها .

” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 14 / 389 – 391 ).

وبما ذكرناه يتبين معنى الآية الكريمة وأنها إما أنها غير دالة على المنع من المدافعة، أو أنها تحمل على المنع فتكون منسوخة، وأنه لا يصح الاستدلال بها إلا على حالة الفتنة العظيمة التي يُعجز عن ردها، وهذا عند بعض العلماء، وأما الجمهور فيخالفون في ذلك ويوجبون مدافعة الفتنة بالقتال.

 

 

والله أعلم.

 

 

 

 

استعمال بطاقات الائتمان للشراء من خارج البلاد

استعمال بطاقات الائتمان للشراء من خارج البلاد

السؤال:

أريد أن أشتري برامج كمبيوتر من خلال الإنترنت ولكن الدفع يجب أن يكون باستعمال بطاقات الائتمان فهل هذا جائز؟

لدي بطاقة استعملتها من قبل للشراء من خارج البلد أو عندما أسافر، كنت حريصًا جدًّا على الدفع في الوقت المحدد أو حتى الدفع مقدما قبل الشراء لتجنب الربا.

في الحديث الذي رواه جابر أن الرسول صلى الله عليه وسلم لعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهده وقال كلهم سواء. رواه مسلم في صحيحه.

– ألغيت البطاقة بسبب الفقرة المذكورة في العقد عن الربا الذي يجب أن أوقعه.

كل مرة أحتاج للشراء من خارج البلاد أذهب للبنك (يتعامل بالربا) وأشتري بطاقات نقدية مدفوعة مقدمًا ( برسوم إضافية ) وأرسلها بالبريد المسجل ( برسوم إضافية مرة أخرى ) للبائع وهذا يستغرق الكثير من الوقت والرسوم، ولكنني أتجنب استعمال بطاقات الائتمان فهل يجوز استعمال بطاقات الائتمان لمثل هذا الشراء إذا دفعت القيمة مقدمًا؟

لا أريد أن أستعمل ميزات البطاقة ولكن فقط لكي أتمكن من الشراء عالميًّا، هذه المشكلة يواجهها الكثير من المسلمين في بلدي.

 

الجواب:

الحمد لله

تكرر هذا السؤال من قبل وذكرنا:

عرضنا السؤال التالي على فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين:

 بطاقة الفيزا تشتمل على شرط ربوي إذا تأخرت عن التسديد جعلوا عليّ غرامة لكن المكان الذي أقيم فيه في أمريكا لا يمكن لي أن أستأجر سيارة ولا محلًّا وكثير من الخدمات العامة لا تمكن إلا ببطاقة الفيزا وإذا لم أتعامل بها أقع في حرج كبير لا أطيقه، فهل التزامي بالتسديد في وقت معين حتى لا يصبح عليّ ربا يبيح لي التعامل بهذه البطاقة في وضع الحرج الذي أعيش فيه؟

فأجاب – حفظه الله – بما يلي: إذا كان الحرج متيقنًا واحتمال التأخير عن التسديد ضعيف، فأرجو أن لا يكون فيها بأس.

فيلاحظ الشرطان في الإجابة، وهما: 1. وجود الحرج، وأنه لا مناص من استخدامها. 2. أن يلتزم بالتسديد ولا يتأخر.

 

والله أعلم.