الرئيسية بلوق الصفحة 143

هل ” الإخوان المسلمون ” مِن الفرَق الضالَّة؟.

هل ” الإخوان المسلمون ” مِن الفرَق الضالَّة؟.

السؤال:

أريد توضيحًا عن طائفة ” الاخوان المسلمين “، وهل هي من الفرق الضالة؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

” الإخوان المسلمون ” جماعة إسلامية عاملة للإسلام، وليست طائفة، ولا فِرقة، وقد أسسها الأستاذ حسن البنَّا عام ( 1347هـ – 1928م ) – وتوفي مقتولا عام ( 1368هـ – 1949م ).

ولا ينبغي لأحدٍ أن يَجعل الجماعات الإسلامية العاملة للإسلام مِن الفرق الضالة، المذكورة في قوله صلى الله عليه وسلم: ” وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إِلَّا مِلَّةً وَاحِدَةً، قَالُوا: وَمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي “، كما في حديث عبد الله بن عمرو عند الترمذي ( 2641 ) وحسَّنه، وحسَّنه ابن العربي في ” أحكام القرآن ” ( 3 / 432 )، والعراقي في ” تخريج الإحياء ” ( 3 / 284 ) ، والألباني في ” صحيح الترمذي “.

فالفرق الضالة هي من تتبنى اعتقادا مخالفا لاعتقاد أهل السنة والجماعة في الأصول، وأما من تبنى منهجا في الدعوة، أو طريقة في الفقه: فمثل هؤلاء لا يُحكم عليهم بأنهم من فرق الضلال.

نعم، قد يوجد من أتباع تلك الجماعات الإسلامية مَن يكون أشعريًّا، أو مرجئا، أو معتزليًّا، أو صوفيًّا، فمثل هؤلاء الأفراد يُحكم عليهم بأنهم من فِرق الضلال، سواء انتسبوا للإخوان المسلمين، أو للسلفيين! أما الحكم العام على جميع الجماعة بأنها من الفرق الضالة: فلا يجوز، إلا أن تتبنى الجماعة مذهباً اعتقاديًّا منحرفاً، وتُلزم به أتباعها جميعهم، فحينذاك يمكن وصف الجماعة بأنها من فرق الضلال.

سئل الشيخ الألباني – رحمه الله -:

هل الإخوان والتبليغ من الفِرق التي أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم؟.

فأجاب:

لا، لا، الإخوان المسلمون فيهم من جميع الطوائف فيهم سلفيون، فيهم خلفيون، فيهم شيعة! فيهم كذا، وكذا، فلا يصح أن يُطلق عليهم صفةٌ واحدة.

وإنما نقول: من تبنى منهجًا خلاف الكتاب والسنة من ” أفرادهم ” فهو ليس من الفرقة الناجية بل هو من الفرقة الهالكة.

أما جماعة: والله أنا لا أقول إن السلفيين, من الفرقة الناجية!.

السائل: يعني ” كأفراد ” يا شيخ؟.

الشيخ الألباني: نعم.

السائل: الحكم على ” الأفراد “؟.

الشيخ الألباني: الحكم على ” الأفراد “، أحسنت.

شريط رقم: ( 666 ) من سلسلة الهدى والنور.

ثانيا:

ولا تخلو هذه الجماعة من مآخذ وملاحظات، ونذكر هنا ما جاء في ” الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة ” ( ص 150 ، 151) في ذلك، حيث قالوا:

مآخذ على جماعة الإخوان:

إن المآخذ على جماعة الإخوان المسلمين لم تقتصر على المواقف السياسية، بل وجِّه لها النقد في بعض الجوانب العقائدية، والمنهجية، وأقوال الأتباع: فمن الناحية العقائدية: أُخذ على البنَّا قوله في مجال تعداد صفات الحركة الشمولية: ” وحقيقة صوفية “، والتصوف – كما هو معلوم – مخالف لمنهج أهل السنة، ولعل الشيخ – رحمه الله – قد تأثر بنشأته الأولى مع الطريقة ” الحصافية “، أو أنه أراد ( تقريب ) أهل التصوف للجماعة، وهذا مسلك خاطئ؛ لأنه يستحيل جمع الحق بالباطل، إلا بالتنازل والمداهنة.

كما أخذ على البنا موقفة التفويضي في مجال الأسماء والصفات، واعتبار البدعة الإضافية خلافًا فقهيًّا.

كما أن الجماعة لا تُعنى كثيرا بنشر عقيدة السلف، والدعوة إلى التوحيد الخالص، والتحذير من البدع، والشركيات المنتشرة، سواء في مصر منشأ الجماعة، أو غيرها، مما جعلها تهتم ( بالتجميع ) على حساب التصفية، وبالكم، لا الكيف.

وقد أُخذ على بعض أتباع الحركة الغلو في إعجابهم بالشيخ حسن البنَّا، كما صدرت عن بعضهم – التلمساني، وسعيد حوى – عدد من الأقوال التي لا يجيزها الإسلام. انتهى.

ونأسف أنه تمَّ تغيير هذا الكلام وتحريفه في الطبعات الجديدة للكتاب بما يوافق تمييع الموقف من هذه الجماعة، وعدم القدرة على الجهر بالحق.

 

والله أعلم.

إذا كان القرآن كاملًا مكتملًا وافيًا للشريعة فما الحاجة إلى السنة؟!.

إذا كان القرآن كاملًا مكتملًا وافيًا للشريعة فما الحاجة إلى السنة؟!.

السؤال:

إذا كان القرآن كاملًا مكتملًا وافيًا للشريعة فما الحاجة إلى السنة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

لا يزال أعداء الدِّين يحرصون على النيل من دين الله تعالى بشتى الصور والأساليب، وينشرون شبهاتهم وضلالاتهم بين عامة المسلمين، فينساق وراءهم بعض ضعاف الإيمان، والجهلة من المسلمين، ولو أن واحداً من هؤلاء العامة فكَّر قليلاً لعلم أن شبههم خاوية، وأن حجتهم داحضة.

ومن أيسر ما يمكن أن يرد به العامي على هذه الشبهة المتهافتة أن يسأل نفسه: كم ركعة أصلي الظهر؟ وكم هو نصاب الزكاة؟ وهذا سؤالان يسيران ولن يجد إجابتهما في كتاب الله تعالى، وسيجد أن الله تعالى أمره بالصلاة، وأمره بالزكاة، فكيف سيطبق هذه الأوامر من غير أن ينظر في السنَّة النبوية؟ إن هذا من المحال، ولذا كانت حاجة القرآن للسنَّة أكثر من حاجة السنَّة للقرآن ! كما قال الإمام الأوزاعي – رحمه الله -: ” الكتاب أحوج إلى السنَّة من السنَّة إلى الكتاب “، كما في ” البحر المحيط ” للزركشي ( 6 / 11 ) ، ونقله ابن مفلح الحنبلي في ” الآداب الشرعية ” ( 2 / 307 ) عن التابعي مكحول.

ولا نظن بالأخ السائل إلا خيرا، ونظن أن سأل مستفهماً عن أوجه الرد على من يقول بمثل هذه الأقاويل زاعماً تعظيمه للقرآن الكريم.

ثانيا:

ومن أوجه الرد على من يزعم أنه لا حاجة للمسلمين للسنَّة المشرفة، وأنه يُكتفى بالقرآن الكريم: أنه بهذا القول يرد كلام الله تعالى في كتابه الكريم، حيث أمر في آيات كثيرة بالأخذ بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، وبالانتهاء عما نهى عنه، وبطاعته، وقبول حكمه، ومن ذلك:

قال تعالى: ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) [ الحشر / الآية 7 ].

وقال تعالى: ( قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ ) [ النور / 54 ].

وقال تعالى: ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ ) [ النساء / من الآية 64 ].

وقال تعالى: ( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) [ النساء / الآية 65 ].

فماذا يصنع هذا الزاعم المدعي أنه يُكتفى بالقرآن ويُستغنى به عن السنَّة في هذه الآيات؟ وكيف سيستجيب لأمر الله تعالى فيها؟.

وهذا بالإضافة إلى ما قلناه أولاً باختصار، وهو أنه كيف سيقيم الصلاة التي أمره الله تعالى بها في كتابه الكريم؟ وما عددها؟ وما أوقاتها؟ وما شوطها؟ وما مبطلاتها؟ وقل مثل ذلك في الزكاة، والصيام، والحج، وباقي شعائر الدين وشرائعه.

وكيف سيطبق قول الله تعالى: ( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) [ المائدة / الآية 38 ] ؟ فكم هو نصاب السرقة؟ ومن أين يقطع اليد؟ وهل هي اليمين أم الشمال؟ وما هي الشروط في الشيء المسروق؟ ، وقل مثل ذلك في حد الزنا والقذف واللعان وغيرها من الحدود.

قال بدر الدين الزركشي – رحمه الله -:

” وقال الشافعي في ” الرسالة ” – في باب فرض طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم -: قال تعالى: ( من يطع الرسول فقد أطاع الله ) وكل فريضة فرضها الله تعالى في كتابه: كالحج، والصلاة، والزكاة: لولا بيان الرسول ما كنا نعرف كيف نأتيها, ولا كان يمكننا أداء شيء من العبادات, وإذا كان الرسول من الشريعة بهذه المنزلة: كانت طاعته على الحقيقة طاعة لله “. ” البحر المحيط ” ( 6 / 7 ، 8 ).

وكما يرى المسلم العاقل أن الزاعم أنه معظم لكتاب الله تعالى هو من أعظم المخالفين للقرآن، ومن أعظم المنسلخين عن الدين؛ حيث جعل القرآن كافيًا لإقامة الدين والأحكام، وهو بالضرورة إما أنه لا يفعل ما جاء بالسنة فيكفر، أو أنه يفعلها فيتناقض!.

ثالثا:

والله تعالى بعث نبيه صلى الله عليه وسلم بالإسلام، وهذه النعمة العظيمة ليست القرآن وحده، بل هي القرآن والسنَّة، ولما امتنَّ الله على الأمة بإتمام الدين وإكمال النعمة لم يكن المقصود منه إنزال القرآن، بل إتمام الأحكام في القرآن والسنَّة، بدليل نزول آيات من القرآن الكريم بعد إخبار الله تعالى بمنته على عباده بإكمال الدين وإتمام النعمة.

قال الله تعالى: ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً ) [ المائدة / من الآية 3 ].

قال بدر الدين الزركشي – رحمه الله -:

” قوله تعالى: ( اليوم أكملت لكم دينكم ) أي: أكملت لكم الأحكام، لا القرآن؛ فإنه نزل بعد ذلك منه آيات غير متعلقة بالأحكام “.

” المنثور في القواعد ” ( 1 / 142 ).

 

 

قال ابن حزم – رحمه الله -:

” دين الإسلام اللازم لكل أحد لا يؤخذ إلا من القرآن، أو مما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، إما برواية جميع علماء الأمة عنه عليه الصلاة والسلام – وهو الإجماع -، وإما بنقل جماعة عنه عليه الصلاة والسلام – وهو نقل الكافة -، وإما برواية الثقات واحداً عن واحد حتى يبلغ إليه عليه الصلاة والسلام، ولا مزيد.

قال تعالى: ( وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ) وقال تعالى: ( اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء ) وقال تعالى: ( اليوم أكملت لكم دينكم ) “. ” المحلى ” ( 1 / 72 ).

وقال ابن القيم – رحمه الله -:

” فقد بيَّن الله – سبحانه – على لسان رسوله بكلامه وكلام رسوله جميع ما أمره به، وجميع ما نهى عنه، وجميع ما أحله، وجميع ما حرمه، وجميع ما عفا عنه, وبهذا يكون دينُه كاملًا كما قال تعالى: ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي) “. ” إعلام الموقعين ” ( 1 / 250 ).

رابعا:

وقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أن السنَّة التي جاء بها هي مثل القرآن في كونها من الله تعالى، وفي كونها حجة، وفي كونها ملزمة للعباد، وحذَّر من الاكتفاء بما في القرآن وحده للأخذ به والانتهاء عن نهيه، وبيَّن مثالاً لحرامٍ ثبت في السنَّة ولم يأت له ذِكر في القرآن، بل في القرآن إشارة لحلِّه، وكل ذلك في حديث واحدٍ صحيح.

عَنْ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ” أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلَا يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعَانُ عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ: عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ, فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلَالٍ فَأَحِلُّوهُ, وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ, أَلَا لَا يَحِلُّ لَكُمْ لَحْمُ الْحِمَارِ الْأَهْلِيِّ وَلَا كُلُّ ذِي نَابٍ مِنْ السَّبُعِ “. رواه أبو داود ( 4604 ) ، وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود.

وهذا الذي فهمه الصحابة – رضي الله عنهم – من دين الله تعالى:

عن عبد الله قال: ” لعن الله الواشمات, والمستوشمات, والمتنمصات, والمتفلجات للحسن, المغيرات خلق الله, فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها: أم يعقوب, فجاءت فقالت: إنه بلغني أنك لعنت كيت وكيت، فقال: ومالي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم, ومن هو في كتاب الله؟ فقالت: لقد قرأتُ ما بين اللوحين فما وجدت فيه ما تقول، قال: لئن كنتِ قرأتيه لقد وجدتيه أما قرأت: ( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) [ الحشر / من الآية 7 ] ؟، قالت: بلى، قال: فإنه قد نهى عنه، قالت: فإني أرى أهلك يفعلونه، قال: فاذهبي فانظري، فذهبت فنظرت فلم تر من حاجتها شيئاً، فقال: لو كانتْ كذلك ما جامعَتنا “.

رواه البخاري ( 4604 ) ، ومسلم ( 2125 ).

وهو الذي فهمه التابعون وأئمة الإسلام من دين الله تعالى، ولا يعرفون غيره، أنه لا فرق بين الكتاب والسنَّة في الاستدلال والإلزام، وأن السنَّة مبينة ومفسرة لما في القرآن.

قال الأوزاعي عن حسان بن عطية: ” كان جبريل ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم والسنَّة تفسر القرآن “.

وقال أيوب السختياني: ” إذا حدَّث الرجل بالسنَّة فقال: دعنا من هذا، حدِّثنا من القرآن: فاعلم أنه ضال مضل “.

وقال الأوزاعي: ” قال الله تعالى: ( من يطع الرسول فقد أطاع الله ) ، وقال: ( وما آتاكم الرسول فخذوه ) …. “.

وقال الأوزاعي: ” قال القاسم بن مخيمرة: ما توفي عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو حرام: فهو حرام إلى يوم القيامة, وما توفي عنه وهو حلال: فهو حلال إلى يوم القيامة “.

انظر: ” الآداب الشرعية ” ( 2 / 307 ).

قال بدر الدين الزركشي – رحمه الله -:

” قال الحافظ الدارمي: يقول: ” أوتيت القرآن, وأوتيت مثله ” من السنن التي لم ينطق بها القرآن بنصه, وما هي إلا مفسرة لإرادة الله به, كتحريم لحم الحمار الأهلي, وكل ذي ناب من السباع, وليسا بمنصوصين في الكتاب “.

وأما الحديث المروي من طريق ثوبان في الأمر بعرض الأحاديث على القرآن, فقال الشافعي في ” الرسالة “: ” ما رواه أحد ثبت حديثه في شيء صغير ولا كبير, وقد حكم إمام الحديث يحيى بن معين بأنه موضوع, وضعته الزنادقة “. قال ابن عبد البر في كتاب ” جامع بيان العلم “: قال عبد الرحمن بن مهدي: الزنادقة والخوارج وضعوا حديث: ” ما أتاكم عني فاعرضوه على كتاب الله, فإن وافق كتاب الله فأنا قلته, وإن خالف فلم أقله “، قال الحافظ: وهذا لا يصح, وقد عارضه قوم, وقالوا: نحن نعرضه على كتاب الله فوجدناه مخالفًا للكتاب; لأنا لم نجد فيه: لا يقبل من الحديث إلا ما وافق الكتاب, بل وجدنا فيه الأمر بطاعته, وتحذير المخالفة عن أمره حكم على كل حال “. انتهى.

وقال ابن حبان في ” صحيحه ” في قوله صلى الله عليه وسلم: ” بلغوا عني ولو آية “: ” فيه دلالة على أن السنَّة يقال فيها: آي “.

” البحر المحيط ” ( 6 / 7 ، 8 ).

خامسا:

وقد ذكر العلماء أوجهاً لبيان السنة للقرآن، ومنها: أنها تأتي موافقة لما في القرآن، وتأتي مقيدة لمطلقه، ومخصصة لعمومه، ومفسرة لمجمله، وناسخة لحكمه، ومنشئة لحكم جديد، وبعض العلماء يجمع ذلك في ثلاث منازل.

قال ابن القيم – رحمه الله -:

” والذي يجب على كل مسلم اعتقاده: أنه ليس في سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة سنَّة واحدة تخالف كتاب الله، بل السنن مع كتاب الله على ثلاث منازل:

المنزلة الأولى: سنَّة موافقة شاهدة بنفس ما شهد به الكتاب المنزل.

المنزلة الثانية: سنَّة تفسر الكتاب، وتبين مراد الله منه، وتقيد مطلقه.

المنزلة الثالثة: سنَّة متضمنة لحكم سكت عنه الكتاب، فتبيِّنه بيانا مبتدأً.

ولا يجوز رد واحدة من هذه الأقسام الثلاثة، وليس للسنة مع كتاب الله منزلة رابعة.

وقد أنكر الإمام أحمد على من قال: ” السنة تقضي على الكتاب “, فقال: بل السنَّة تفسر الكتاب وتبينه.

والذي يشهد الله ورسوله به أنه لم تأت سنَّة صحيحة واحدة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تناقض كتاب الله وتخالفه ألبتة، كيف ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو المبين لكتاب الله، وعليه أنزل، وبه هداه الله، وهو مأمور باتباعه، وهو أعلم الخلق بتأويله ومراده؟!.

ولو ساغ رد سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فهمه الرجل من ظاهر الكتاب لردت بذلك أكثر السنن، وبطلت بالكلية.

وما من أحد يُحتج عليه بسنَّة صحيحة تخالف مذهبه ونحلته إلا ويمكنه أن يتشبث بعموم آية، أو إطلاقها، ويقول: هذه السنة مخالفة لهذا العموم والإطلاق فلا تقبل.

حتى إن الرافضة قبحهم الله سلكوا هذا المسلك بعينه في رد السنن الثابتة المتواترة، فردوا قوله صلى الله عليه وسلم: ” لا نُورث ما تركنا صدقة “, وقالوا: هذا حديث يخالف كتاب الله، قال تعالى: ( يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين ).

وردت الجهمية ما شاء الله من الأحاديث الصحيحة في إثبات الصفات بظاهر قوله: ( ليس كمثله شيء ).

وردت الخوارج من الأحاديث الدالة على الشفاعة، وخروج أهل الكبائر من الموحدين من النار بما فهموه من ظاهر القرآن.

وردت الجهمية أحاديث الرؤية مع كثرتها وصحتها بما فهموه من ظاهر القرآن في قوله تعالى: ( لا تدركه الأبصار ).

وردت القدرية أحاديث القدر الثابتة بما فهموه من ظاهر القرآن.

وردت كل طائفة ما ردته من السنة بما فهموه من ظاهر القرآن.

فإما أن يطرد الباب في رد هذه السنن كلها، وإما أن يطرد الباب في قبولها، ولا يرد شيء منها لما يفهم من ظاهر القرآن، أما أن يرد بعضها ويقبل بعضها – ونسبة المقبول إلى ظاهر القرآن كنسبة المردود -: فتناقض ظاهر.

وما مِن أحد رد سنَّة بما فهمه من ظاهر القرآن إلا وقد قبل أضعافها مع كونها كذلك.

وقد أنكر الإمام أحمد والشافعي وغيرهما على من ردَّ أحاديث تحريم كل ذي ناب من السباع بظاهر قوله تعالى: ( قل لا أجد في ما أوحى إليَّ محرماً ) الآية.

وقد أنكر النبي صلى الله عليه وسلم على من رد سنَّته التي لم تذكر في القرآن، ولم يدَّعِ معارضة القرآن لها: فكيف يكون إنكاره على من ادعى أن سنَّته تخالف القرآن وتعارضه؟ “.  ” الطرق الحكمية ” ( 65 – 67 ).

وللشيخ الألباني – رحمه الله – رسالة بعنوان: ” منزلة السنة في الإسلام، وبيان أنه لا يستغنى عنها بالقرآن “، وفيها:

تعلمون جميعا أن الله تبارك وتعالى اصطفى محمدا صلى الله عليه وسلم بنبوته، واختصه برسالته، فأنزل عليه كتابه القرآن الكريم، وأمره فيه – في جملة ما أمره به – أن يبينه للناس، فقال تعالى: ( وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نُزِّل إليهم ) [ النحل / من الآية 44 ]، والذي أراه أن هذا البيان المذكور في هذه الآية الكريمة يشتمل على نوعين من البيان:

الأول: بيان اللفظ ونظمه، وهو تبليغ القرآن، وعدم كتمانه، وأداؤه إلى الأمة، كما أنزله الله تبارك وتعالى على قلبه صلى الله عليه وسلم، وهو المراد بقوله تعالى: ( يا أيها الرسول بلِّغ ما أنزل إليك من ربك ) [ المائدة / من الآية 67 ] ، وقد قالت السيدة عائشة – رضي الله عنها – في حديث لها: ” ومن حدثكن أن محمداً كتم شيئاً أُمر بتبليغه: فقد أعظم على الله الفرية “، ثم تلت الآية المذكورة ” – أخرجه الشيخان -، وفي رواية لمسلم: ” لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتماً شيئاً أُمر بتبليغه لكتم قوله تعالى: ( وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمتَ عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه ) [ الأحزاب / من الآية 37 ].

والآخر: بيان معنى اللفظ، أو الجملة، أو الآية الذي تحتاج الأمة إلى بيانه، وأكثر ما يكون ذلك في الآيات المجملة، أو العامة، أو المطلقة، فتأتي السنَّة، فتوضح المجمل، وتُخصِّص العام، وتقيِّد المطلق، وذلك يكون بقوله صلى الله عليه وسلم، كما يكون بفعله وإقراره.

 

 

وقوله تعالى: ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ) [ المائدة / من الآية 38]، مثال صالح لذلك، فإن السارق فيه مطلقٌ كاليد، فبينتِ السنَّة القوليَّة الأول منهما، وقيدته بالسارق الذي يسرق ربع دينارٍ بقوله صلى الله عليه وسلم: ” لا قطع إلا في ربع دينار فصاعداً ” – أخرجه الشيخان -.

كما بينتِ الآخَرَ بفعله صلى الله عليه وسلم أو فعل أصحابه وإقراره، فإنهم كانوا يقطعون يد السارق من عند المفصل، كما هو معروف في كتب الحديث، وبينت السنة القوليَّة اليد المذكورة في آية التيمم: ( فامسحوا بوجوهكم وأيديكم ) [ النساء / من الآية 43 ] و [ المائدة /  من الآية 6 ] بأنها الكف أيضاً بقوله صلى الله عليه وسلم: ” التيمم ضربة للوجه والكفين ” أخرجه أحمد والشيخان وغيرهم من حديث عمار بن ياسر – رضي الله عنهما -.

وإليكم بعض الآيات الأخرى التي لم يمكن فهمها فهماً صحيحاً على مراد الله تعالى إلا من طريق السنة:

  1. قوله تعالى: ( الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون ) [ الأنعام / الآية 82 ]، فقد فهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قوله: ( بظلم ) على عمومه الذي يشمل كل ظلم ولو كان صغيراً، ولذلك استشكلوا الآية فقالوا: يا رسول الله أيُّنا لم يلبس أيمانه بظلم؟ فقال صلى الله عليه وسلم: ” ليس بذلك، إنما هو الشرك؛ ألا تسمعوا إلى قول لقمان: ( إن الشرك لظلم عظيم ) ؟ [ لقمان / 13 ] ” أخرجه الشيخان وغيرهما.
  2. قوله تعالى: ( وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ) [ النساء / من الآية 101 ] ، فظاهر هذه الآية يقتضي أن قصر الصلاة في السفر مشروط له الخوف، ولذلك سأل بعض الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ما بالنا نقصر وقد أَمِنَّا؟ قال: ” صدقة تصدَّق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته ” – رواه مسلم -.
  3. قوله تعالى: ( حرمت عليكم الميتة والدم ) [ المائدة / من الآية 3 ] ، فبينت السنة القولية أن ميتة الجراد والسمك، والكبد والطحال، من الدم حلال، فقال صلى الله عليه وسلم: ” أحلت لنا ميتتان ودمان: الجراد والحوت – أي: السمك بجميع أنواعه -، والكبد والطحال ” – أخرجه البيهقي وغيره مرفوعاً وموقوفاً، وإسناد الموقوف صحيح، وهو في حكم المرفوع؛ لأنه لا يقال من قِبَلِ الرأي -.
  4. قوله تعالى: ( قل لا أجد في ما أوحي إلي مُحرَّماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً، أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقاً أهل لغير الله به ) [ الأنعام / من الآية 145 ] ، ثم جاءت السنَّة فحرمت أشياء لم تُذكر في هذه الآية، كقوله صلى الله عليه وسلم: ” كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير حرام “، وفي الباب أحاديث أخرى في النهي عن ذلك، كقوله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر: ” إن الله ورسوله ينهيانكم عن الحمر الإنسية؛ فإنها رجس ” – أخرجه الشيخان -.
  5. قوله تعالى: ( قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ) [ الأعراف / من الآية 32 ] ، فبينت السنة أيضاً أن من الزينة ما هو محرم، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خرج يوماً على أصحابه وفي إحدى يديه حرير، وفي الأخرى ذهب، فقال: ” هذان حرام على ذكور أمتي، حلٌّ لإناثهم ” – أخرجه الحاكم وصححه -.

والأحاديث في معناه كثيرة معروفة في ” الصحيحين ” وغيرهما، إلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة المعروفة لدى أهل العلم بالحديث والفقه.

ومما تقدم يتبين لنا – أيها الإخوة – أهمية السنَّة في التشريع الإسلامي، فإننا إذا أعدنا النظر في الأمثلة المذكورة – فضلًا عن غيرها مما لم نذكر – نتيقن أنه لا سبيل إلى فهم القرآن الكريم فهماً إلا مقروناً بالسنَّة.

” منزلة السنة في الإسلام ” ( ص 4 – 12 ).

وننصح بالرجوع إلى رسالة الشيخ الألباني – رحمه الله – فهي في صلب موضوع السؤال.

وبه يتبين:

أنه لا يحل لأحدٍ أن يفصل القرآن عن السنَّة في إثبات الأحكام ولزومها للمكلَّف، وأن من فعل ذلك فهو من أعظم المخالفين لما في القرآن من أوامر بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم والأخذ بسنَّته والانتهاء عن نهيه، وأن السنَّة النبوية جاءت مؤيدة لما في القرآن وموضحة له ومقيدة لمطلقه ومخصصة لعمومه، وجاءت كذلك مستقلة في إنشاء الأحكام، وكل ذلك لازم للمسلم الأخذ به.

وأمر أخير:

هب أننا نعدُّ هذا تنازعا بيننا وبين خصومنا الذين يرون الاكتفاء بالقرآن: فإننا نقول: إننا أُمرنا في القرآن الكريم عند التنازع أن نرجع إلى القرآن والسنَّة! فقال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ) [ النساء / الآية 59 ] ، فماذا هو صانعٌ خصمنا بهذه الحجة القرآنية؟ إن قبلها: رجع إلى السنَّة فبطل قوله، وإن لم يرجع: فقد خالف القرآن الذي يزعم أنه كافٍ عن السنَّة.

 

والحمد لله رب العالمين.

أم قاسية تطلب من أبنائها العمل ثمن طعامهم! وتطلب من ابنتها العمياء أن تقتل نفسها!!.

أم قاسية تطلب من أبنائها العمل ثمن طعامهم! وتطلب من ابنتها العمياء أن تقتل نفسها!!.

السؤال:

يوجد أم قاسية جدًّا، لديها أولاد، لكنها تعاملهم معاملة قاسية، فهي تقول لهم: إن عليهم أن يعملوا لثمن طعامهم من بيتهم، وتخبر أباهم عنهم، فيقوم بضربهم، ولديها ابنة عمياء، تعاملها بقسوة أكثر من كل أولادها، وتقول لها: اهربي من البيت لتخلصي من هذه العيشة، فتقول الفتاة: أين سوف تذهب؟ وهي لا ترى، فتقول: سمِّمي نفسك! وتدلها لمكان السم، لكن الفتاة لا تريد أن تخسر ثوابها عند الله، مع العلم أن الأم ليست مصابة بمرض نفسي، ومن يحدثها يُعجب بشخصيتها وبكلامها، كأنها امرأة مثقفة، وإن هؤلاء الأولاد أولادها، وليسوا أولاد زوجها.

السؤال: ماذا تفعل الفتاة وهي لا تستطيع أن تتخلص من قسوة أمها بشتَّى الوسائل، وهي لن يقبل بها أحد كزوجة لأنها عمياء؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

لا ندري هل ما نقرؤه هو قصة من نسج الخيال، أم هو حقيقة واقعة! إننا لا نعلم عن الأمهات مثل هذا، ولا أقل من هذا! إننا نرى الأم من القطط، والكلاب، والصقور، والضباع، تحن على أولادها، وتعطف عليهم، وهي الأم البهيمية هي التي تفترس، أو تطير عاليًا في السماء، أو تبحث في القمامات من أجل إطعام أولادها، وهذه الأم البهيمية هي التي تقاتل عدوها الذي يتربص لأولادها ليأكلهم، وهي التي تجوع من أجلهم، وتموت من أجلهم، ثم نُفجع بمثل هذه الحكاية عن أم تقسو على أبنائها، وتطلب منهم العمل، بل وتطلب من ابنتها المصابة بالعمى أن تخرج من البيت لتتلقفها الذئاب البشرية؟! وتطلب منها أن تسمم نفسها لتموت؟! الله أكبر، سبحان الله، ما أقسى هذه القلوب، وصدق الله حين أخبرنا أن مثل هذه القلوب أشد قسوة من الحجارة الصمَّاء، قال تعالى: ( ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) [ البقرة / الآية 74 ]، وما ألين الجبل الأصم الذي لو نزل عليه القرآن رأيناه خاشعا متصدعا من خشية الله، وهذه القلوب الرقيقة في خلقتها قست حتى صارت أعظم قسوة من الجبال، ( لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ) [ الحشر / الآية 21 ]، ألم تقرأ هذه الأم في القرآن الثناء على الأمهات، والوصية بهن، وتحريم عقوقهم، ووجوب برهنَّ؟ فكيف ستكون في هذه الزمرة من الأمهات وهي على مثل هذه الحال المذكورة؟! ألم تعلم أنه لا يوجد في الشرع دليل يوصي الأم بالعطف على أولادها، والحنو عليهم؟! والسبب أن ذلك من الفطرة التي فطر الأمهات عليها، ومثل هذه الفطرة أوجدها الله حتى عند البهائم، ولا تنخرم إلا عند من فقدت عقلها، ولم تدر ما تفعل، ولأن القسوة، والغلظة متوقعة من الأولاد: أوصاهم الله تعالى في كتابه كثيراً بوالديهم، وجاءت الأحكام صارمة في حكم عقوق الوالدين، والإساءة إليهم.

ثانيا:

ولا ندري ما نقول في حل هذه المصيبة إلا أن ننصح بما يلي:

  1. إيقاف الأب على واقع زوجته المجرمة، وتبيين الحقيقة كاملة له، وتوثيق ذلك بتسجيل، أو غيره، ويُرجى إن كان له قلب، أو شخصية مستقلة أن يكون حل ذلك الأمر على يديه.
  2. وإن لم ينفع الحل السابق: فنرى أن يُخبر الأخوال، والأعمام، بحقيقة حال هذه الأم، وأن يوضع حدٌّ لمعاناة أولادها منها، وخاصة ابنتها المصابة بالعمى.
  3. أن يُسعى عند أهل المروءة والنخوة ليتزوج أحدهم تلك الفتاة المصابة بالعمى، ولا تخل الدنيا من مثل هؤلاء، ولعلَّ الله أن يرزق من يفعل ذلك أجراً عظيما في الآخرة، إن هو احتسب فعله عند ربه تعالى، وأن يبارك له في دنياه بذرية صالحة، وجاه، ومال يستعين بها على طاعة الله تعالى، وليس ذلك على الله بعزيز.
  4. ونوصي الابنة خاصة، والأولاد عامة: بالدعاء، دعاء الله أن يصلح حال أمهم، ويرقق قلبها عليهم، ودعاء الله أن يبصِّر أباهم بواقع حالهم، ويحننه عليهم، ودعاء الله تعالى أن يثبتهم على الدين، ويوفقهم لما فيه رضاه.

 

والله الموفق.

تعرضت للمضايقات في بلد كافر، فهل تخلع غطاء الوجه؟

السؤال:

أنا امرأة متدينة – ولله الحمد – من السعودية، وحجابي كامل، زوجي يدرس حاليًّا في كندا، ومدة دراسته ( 4 سنوات ) ، وأنا معه أنا منتقبة برغبة مني، ولكن لاحظت نظراتهم لي في كل مكان، في السيارة، والشارع، والسوق، وغير ذلك، لدرجة أني لو دخلت واحدة متحجبة حجاباً شرعيًّا بدون تغطية الوجه لا أحد ينظر إليها، أما أنا فأصبحت ملفتة للنظر بشكل كبير، أخاف على نفسي، وزوجي غيور، ولكني أخشى العنصرية الواضحة من خلال نظراتهم لي في الباص وفي كل مكان، وخاصة بعد ( 11 سبتمبر ) , ولقد تعرضت لموقف عندما ذهبت للبقالة لشراء بعض الحاجيات عندما مرت سيارة بجانبي وأخذ يشتمني ويبصق عليَّ، ماذا أفعل؟ أرجو الإفادة، أنا أحب ربي وأخشى على نفسي، لأنا لسنا نعيش مع مسلمين بل مع كفار لا يخافون الله، والكثرة تغلب الشجاعة، زوجي دوامه طويل، وليس لديه إرسال في مكان عمله، أخشى أن يتعرض لي أحد في بيتي في غير وجوده، الله يجزاك الجنة، ساعدني.

 

الجواب:

الحمد لله

ذكرنا في بعض أجوبتنا حُكم ومفاسد السفر إلى بلاد الكفر والإقامة فيها، وما قرأناه في سؤال أختنا يؤكد على ما ذكرناه من تحريم الإقامة في بلاد الكفر إلا من ضرورة، ويؤكد عظَم وكثرة المفاسد التي تواجه المسلمين في تلك البلاد، وخاصة من ينتقل منهم من بيئة محافظة مستقيمة.

ولو أنَّ زوجك أخبرنا بما يشاهده أثناء دراسته في تلك الجامعات والمعاهد لأخبرنا بعجائب، ولسمعنا عن محرمات كثيرة تُفعل وتُقال.

وما تتعرض له المرأة الصالحة العفيفة في تلك البلاد يتعرض لمثله أو أعظم الشباب المسلم المستقيم على طاعة الله تعالى.

وعلى كل حال:

لا يجوز لكِ التنازل عن خماركِ من أجل مضايقة سفيه، ولا يجوز للمسلم التنازل عن شعائر دينه وترك شرائعه من أجل دراسة أو عمل سواء في بلاد المسلمين أو في بلاد الكفار، وقد أوقع الشيطان في حبائله بعض المسلمين – وخاصة بعد أحداث ( 11 أيلول ) – فجعلهم يتنازلون عن بعض شعائر الدين قاذفاً في قلوبهم أنهم ربما تعرضوا لمضايقة أو مساءلة، فحلق بعض الرجال لحاهم، وألقت بعض النساء حجابها، والمشاهد أنه لا يزال يحافظ كثير من المسلمين على شعائر دينهم وشرائعه بعد تلك الأحداث، ولم يتعرضوا لمضايقات، أو أنهم تعرضوا وصبروا عليها، وقد وقعت حوادث في كثير من البلاد الغربية كبريطانيا وإسبانيا وهولندا، وفي تلك البلدان ملايين من المسلمين، ونسبة حوادث المضايقة قليلة بالنسبة لعددهم.

والمسلم يتوقع الابتلاء بالضراء في كل حين، وبالابتلاء يتبين صدق إيمان العبد، وتُرفع له الدرجات، والواجب على المسلمين الصبر والاستعانة بالله تعالى لتفريج الهم والكرب.

قال تعالى: ( أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ . وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ) [ العنكبوت / من الآية 2 – 3 ] .

وقال تعالى: ( أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ) [ البقرة / الآية 214 ].

وبخصوص الخمار:

فإن المرأة إذا علمت أن ذهابها لبلد سيجعلها تخلعه فإنه لا يجوز لها السفر لذلك البلد، وعلى الزوج أن يمتنع كذلك، وأرض الله واسعة، يستطيعان الذهاب إلى بلاد كثيرة فيها دراسة وعمل وليس فيها تهتك ومعاصٍ ومضايقات للمستقيمين على طاعة الله تعالى.

وإذا لم يمكنكم الخروج من تلك البلاد والانتقال إلى غيرها: فإنكِ لستِ ملزمة بالخروج من بيتكِ، وتستطيعين البقاء فيه حتى يحضر زوجك، وعليه هو قضاء حاجيات البيت، وهذا كله في حال أن تكون المضايقات كثيرة وعائقة وتتسبب في خلعكِ للخمار أو النقاب.

وماذا لو أن السفهاء في تلك البلاد الكافرة تطاولوا على حجاب رأسكِ – لو أنك نزعتِ الخمار – وتسبب لك الحجاب بالمضايقة، فهل ستنزعينه؟ وما هو الحد الذي يقف عنده المسلم في تنازلاته من أجل مضايقات السفهاء؟!.

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

وما يصيب النساء من الأذى في هذه الناحية من الأمور التي يجب الصبر عليها والاستعانة بالله تعالى على الصبر، ونسأل الله لولاة أمورهم أن يهديهم إلي الحق، ولا أظن هذا الإجبار إلا إذا خرجت المرأة من بيتها، وأما في بيتها فلن يكون هذا الإجبار، وبإمكانها أن تبقى في بيتها حتى تسلم من هذا الأمر.

” فتاوى المرأة المسلمة ” ( 1 / 446 ).

 

 

 

 

وسئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

هل يجوز للمرأة أن تتحجب من دون أن تغطي وجهها إذا سافرت للخارج؟.

فأجاب:

يجب على المرأة أن تحتجب عن الأجانب في الداخل والخارج؛ لقوله سبحانه: ( وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ) وهذه الآية الكريمة تعم الوجه وغيره، والوجه هو عنوان المرأة وأعظم زينتها، وقال تعالى: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ) , وقال سبحانه: ( وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آَبَائِهِنَّ أَوْ آَبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ ) الآية.

وهذه الآيات تدل على وجوب الحجاب في الداخل والخارج، وعن المسلمين والكفار.

ولا يجوز لأي امرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تتساهل في هذا الأمر؛ لما في ذلك من المعصية لله ولرسوله؛ ولأن ذلك يفضي إلى الفتنة بها في الداخل والخارج.

” فتاوى المرأة المسلمة ” ( 1 / 446 ، 447 ) .

وسئل الشيخ عبد الله الجبرين – حفظه الله -:

هل على المرأة إثم إذا سافرت للخارج مع زوجها وكشفت عن وجهها ولكنها متحجبة؟.

فأجاب:

لا يجوز للمرأة كشف وجهها أمام الرجال الأجانب في داخل المملكة وخارجها، فإذا استطاعت المرأة التحجب والتستر الكامل: جاز لها السفر إلى الخارج مع زوجها لتعفه عن الحرام . ” فتاوى المرأة المسلمة ” ( 1 / 447 ).

والخلاصة:

لا يجوز لكِ خلع خمارك من أجل مضايقة، والمسلم يتوقع الابتلاء والمس بالضراء، وعليكم السعي للخروج والانتقال من تلك البلاد إلى أخرى تأمنون فيها على أنفسكم ودينكم، فإن لم يتيسر لكم الأمر فاصبري على لباسك الشرعي وكوني داعية لهذا الدين، واعلمي أنه يوجد غيركِ كثيرات من المسلمات المستقيمات الملتزمات باللباس الشرعي، فإن تعسَّر عليكِ ذلك فلا تخرجي من البيت حتى يجعل الله لكم مخرجاً من تلك البلاد الكافر أهلها.

 

والله الموفق.

 

حكم مشاركة المسلم في التجارة مع الكافر والفاسق

حكم مشاركة المسلم في التجارة مع الكافر والفاسق

السؤال:

هل يجوز أن أشترك مع كافر أو فاسق في التجارة؟ وإذا كنتُ شريكا في التجارة مع رجل مسلم فاسق أو كافر، ثم انسحبت لكن بقي رأس مالي عنده على أساس يسدد لي المال نقدا بدل البضاعة في المستقبل، فهل عليَّ زكاة مالي الذي يتجر فيه، علما بأني لا أحصل على أي فائدة من ذلك المال، أم الزكاة على شريكي؟ علما بأن شريكي لا يدفع الزكاة، أو أنه قد يدفع الزكاة لكن في غير مصاريف الزكاة، فإذا لم يدفع زكاة ذلك المال فهل عليَّ زكاة ذلك؟ وأيضا قررنا أن يسدد لي الدَّين الذي عليه بأن نبني بناية لنؤجرها، ففي هذه الحال كيف يكون الزكاة؟ يعني: أني لا أحصل الدَّين الذي على شريكي نقدا، بل عند سداد الدَّيْن الذي عليه سيذهب ذلك المال مباشرة في تكلفة البناية، نرجو منكم التوضيح.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

الشركة – أو الشراكة – بين طرفين، أو أكثر: جائزة، بالكتاب، والسنَّة، والإجماع.

أما في الكتاب: ففي قوله تعالى: ( وإنَّ كثيرًا من الخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهم عَلَى بَعْضٍ إِلاَّ الذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ ما هُم ) [ ص / من الآية 24 ]، والخلطاء: هم الشركاء.

وأما السنَّة فقد استدلوا بما روي عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عن النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ: ” إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ أَنَا ثَالِثُ الشَّرِيكَيْنِ مَا لَمْ يَخُنْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ, فَإِذَا خَانَهُ خَرَجْتُ مِنْ بَيْنِهِمَا “. رواه أبو داود ( 3383 ) وضعفه الألباني، وحسَّنه غيره، وثمة ما يغني عنه.

* ونقل الإجماع أكثر من واحد من العلماء في الجملة على جواز الشراكة.

ثانيا:

وأما بخصوص شراكة الكافر والفاسق: فإن الأصل فيها الجواز.

عن عبد الله بن عمر- رضي الله عنهما – قال: أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم ” خيبر ” اليهود أن يعملوها، ويزرعوها، ولهم شطر ما يخرج منها.

رواه البخاري ( 2366 ).

– والحديث بوَّب عليه البخاري في كتاب الشركة من صحيحه بقوله: ” باب مشاركة الذمي والمشركين في المزارعة “.

فهذا هو الأصل، لكن ذهب أكثر أهل العلم على كراهة مشاركة الكافر، ومثله الفاسق الذي يختلط ماله الحلال بالحرام، فإن غلب المال الحرام عندهما على الحلال، ومن باب أولى أن يكون كل مالهما حراما: لم تجز مشاركتهما.

– فالشرط الأول لجواز مشاركتهما: أن يكون مالهما حلالاً كله, أو أكثره.

– والشرط الثاني: أن تكون التجارة مباحة في الأصل، فلا يحل للمسلم مشاركة أي أحد في بيع المعازف، أو الخمور، أو المسارح، ودور السينما، وغير ذلك من المحرمات القطعية.

– والشرط الثالث: أن يتولى المسلم أمر تجارته، ولا يترك ذلك للكافر والفاسق؛ خشية من عبثهما بالتجارة، وإدخال ما يحرم من التجارة على ما يحل.

– والشرط الرابع: أن لا تجر تلك المشاركة إلى موالاة الكافر، ومحبته.

ومع هذا: فإننا نرى للمسلم أن يربأ بتجارته أن تخالطها أموال كافر، أو فاسق، وليعلم أن البركة من الله تعالى، وإذا رأى الله مثل هؤلاء الشركاء فإنه قد يمحق بركة تجارتهما، لذا فلو يبحث المسلم عن مثله من أهل الخير والعدل والأمانة ليشاركه: لكان أفضل.

وفي ” الملخص الفقهي ” للشيخ صالح الفوزان – حفظه الله – ( 2 / 124 ):

وتجوز مشاركة المسلم للكافر بشرط أن لا ينفرد الكافر بالتصرف، بل يكون بإشراف المسلم؛ لئلا يتعامل الكافر بالربا، أو المحرمات إذا انفرد عن إشراف المسلم. انتهى.

وسئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

هل يجوز للمسلم أن يكون شريكا للنصراني في تربية الأغنام، أو تجارتها، أو أي تجارة أخرى؟ أفيدونا، أفادكم الله.

فأجاب:

فإن اشتراك مسلم مع نصراني، أو غيره من الكفرة في المواشي، أو في الزراعة، أو في أي شيء آخر: الأصل في ذلك: جوازه إذا لم يكن هناك موالاة، وإنما تعاون في شيء من المال، كالزراعة، أو الماشية، أو نحو ذلك، وقال جماعة من أهل العلم: بشرط أن يتولى ذلك المسلم، أي: أن يتولى العمل في الزراعة، أو في الماشية: المسلم، ولا يتولى ذلك الكافر؛ لأنه لا يؤمن.

وهذا فيه تفصيل: فإن كانت هذه الشركة تجر إلى موالاة، أو لفعل ما حرم الله، أو ترك ما أوجب الله: حرمت هذه الشركة؛ لما تفضي إليه من الفساد، أما إن كانت لا تفضي لشيء من ذلك، والمسلم هو الذي يباشرها، وهو الذي يعتني بها، حتى لا يخدع: فلا حرج في ذلك.

ولكن بكل حال: فالأولى به السلامة من هذه الشركة، وأن يشترك مع إخوانه المسلمين، دون غيرهم، حتى يأمن على دينه، ويأمن على ماله، فالاشتراك مع عدو له في الدين: فيه خطر على خلُقه، ودينه، وماله، فالأولى بالمؤمن في كل حال أن يبتعد عن هذا الأمر؛ حفظا لدينه، وحفظا لعِرضه، وحفظا لماله، وحذرا من خيانة عدوه في الدين، إلا عند الضرورة، والحاجة التي قد تدعو إلى ذلك، فإنه لا حرج عليه بشرط مراعاة ما تقدم.

أي: بشرط أن لا يكون في ذلك مضرة على دينه، أو عرضه، أو ماله، وبشرط أن يتولى ذلك بنفسه؛ فإنه أحوط له، فلا يتولاه الكافر، بل يتولى الشركة، والأعمال فيها: المسلم، أو مسلم ينوب عنهما جميعا.

” فتاوى نور على الدرب ” ( 1 / 377 ، 378 ).

* وينظر تفصيل أقوال المذاهب في المشاركة مع الكافر: ” الموسوعة الفقهية ” ( 2 / 312 ، 313 ) .

وما يقال في مشاركة الكافر يقال في مشاركة الفاسق، بجامع العلة بينهما، وهو عدم الأمن من تصرفاته، ومن خشية نزع البركة من الشركة، فمن حيث الأصل: يجوز، والأولى: ترك مشاركتهما، والأصل في المسلم أنه يبغض الكفر والفسق، ويبغض أهلهما، ومن لوازم البغض البعد عن الاتصال بهما، ومشاركتهما، إلا أن يرجو هدايتهما، ويستثمر تلك المشاركة من أجل ذلك، فيكون حينئذٍ على خير، ويُرجى له الأجر.

ثالثا:

وخروجك من الشراكة مع أي أحدٍ كان مع بقاء مالٍ لك في ذمة شريكك بعد المخالصة: يوجب عليك إضافة هذا المال لما عندك، وتزكي الجميع، ولا علاقة لك بعد تلك المخالصة بالتجارة التي بقي عليها شريكك، وإنما لك مال في ذمته، ليس بضاعة، ولا تجارة.

وتبقى تؤدي زكاة ذلك المال الذي في ذمة شريكك حتى يوضع ذلك المال في بناء بناية، وهنا يختلف الحكم بعدها باختلاف الغرض من تلك البناية، فإن كانت بنيت من أجل بيعها، أو بيع شققها: فعليها الزكاة على قيمتها عند حلول الحول، وإن كانت بنيت بغرض التأجير: فلا زكاة عليها، ولا على ما يحصَّل من أجرتها إلا أن يُحبس المال منها معك حولا كاملًا، مع بلوغه للنصاب.

 

والله أعلم.

شروط ترجمة أسماء الله تعالى، وكتب مزكاة في الموضوع

شروط ترجمة أسماء الله تعالى، وكتب مزكاة في الموضوع

السؤال:

أنا من ” بلغاريا “، فهل يجوز لي عندما أقوم بترجمة أسماء الله سبحانه وتعالى أن أزيد أداة على الاسم في حالة الرفع؟ فقد أخبرني أخ لي في الإسلام أنه لايجوز زيادة أداة على أسماء الله إلا في حالة كونه مفعولاً، وأن هذه قاعدة لغوية، فهل هذا صحيح؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

لا يوجد في الشرع ما يمنع المسلم من ترجمة معاني الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، لكن لا بدَّ من أن يكون القائم على الترجمة بصيرا باللغة العربية، وبصيراً باللغة التي يريد الترجمة لها، ولا بدَّ أن يكون أميناً في نقله وترجمته، ولابدَّ أن يكون على علمٍ بالشريعة، وأن يكون على اعتقاد أهل السنَّة والجماعة، وإلا فإنه لا يؤمن على ترجمته أن يدس بها اعتقادات ضالة منحرفة.

وترجمة معاني أسماء الله وصفاته لا تخرج عما ذكرناه من الجواز، ومن الشروط، وعلى المسلم الذي يود القيام بهذه المهمة الجليلة أن يُكثر من قراءة كتب أهل السنة والجماعة المؤلفة في بيان معاني أسماء الله وصفاته، قبل القيام بالترجمة؛ لئلا يقع منه الخطأ في فهم الاسم أو الصفة؛ وحتى يترجمه إلى المعنى اللائق به.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

” وأما مُخاطبة أهل الاصطلاح باصطلاحهم، ولغتهم: فليس بمكروه إذا احتيج إلى ذلك، وكانت المعاني صحيحةً، كمخاطبة العجم من الروم والفُرس والتُّرك بلغتهم وعُرفهم، فإنَّ هذا جائزٌ حسن للحاجة، وإنما كرهه الأئمة إذا لم يُحْتَجْ إليه .…”.

” درء تعارض العقل والنقل ” ( 1 / 43 ).

وقال – رحمه الله -:

” وكذلك في الإثبات، له الأسماء الحسنى التي يُدعى بها، وليس في تلك الأسماء أنه جسم، ولا جوهر، ونحو ذلك، ولا أن صفاته تسمَّى أعراضا، ونحو ذلك، فلم يكن واحد من هذين مشروعا على الإطلاق، ولا هو أيضا منهيًّا عنه على الإطلاق، بل إذا أثبت الرجل معنًى حقًّا، ونفى معنًى باطلا واحتاج إلى التعبير عن ذلك بعبارة لأجل إفهام المخاطب لأنها من لغة المخاطب، ونحو ذلك: لم يكن ذلك منهيًّا عنه؛ لأن ذلك يكون من باب ترجمة أسمائه، وآياته بلغة أخرى ليفهم أهل تلك اللغة معاني كلامه وأسمائه، وهذا جائز، بل مستحب أحيانا، بل واجب أحيانا – وإن لم يكن ذلك مشروعًا على الإطلاق – كمخاطبة أهل هذه الاصطلاحات الخاصة في أسماء الله وصفاته، وأصول الدين باصطلاحهم الخاص، إذا كانت المعاني التي تبيَّن لهم هي معاني القرآن والسنة، تشبه قراءة القرآن بغير العربية، وهذه الترجمة تجوز لإفهام المخاطب بلا نزاع بين العلماء “. ” بيان تلبيس الجهمية ” ( 2 / 389 ).

وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

هل يجوز ترجمة أسماء الله الحسنى إلى لغة غير عربية – يعني: أجنبية -؟.

فأجاب:

” ترجمة أسماء الله سبحانه وتعالى لمن يريد أن يتفهمها: هذا لا بأس به، بل قد يكون واجبا؛ إذ أن الذي لا يعرف اللغة العربية يحتاج إلى فهم المعنى؛ ولهذا قال الله عز وجل: ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ ) يعني: بِلُغتهم ( لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ) [إبراهيم / من الآية 4 ].

فترجمتها لأجل التفهيم: لا بأس به.

أما لأجل التأسيس بمعنى أن نُحلَّ غير اللغة العربية محل اللغة العربية: فهذا لا يجوز؛ لأنه طمسٌ للغة العربية “.

” دروس الحرمين: دروس المسجد النبوي ” الشريط 62، الوجه الثاني.

ثانيا:

والزيادة على أسماء الله تعالى باللغة المترجم إليها لا حرج فيه إن كان يؤدي إلى إيصال المعنى اللائق بالله تعالى، ولا يلتفت المترجم إلى كون الاسم منصوبا أو مرفوعا أو مجرورا في القرآن أو السنة؛ فإن هذا لا يؤثر في الترجمة، ولن يغير معنى الاسم وروده مرفوعا أو منصوبا؛ لأن تلك الحركات استحقها الاسم بحسب موقعه من الإعراب.

ومما نزكيه للأخ المترجم من كتب يقرؤها قبل قيامه بالترجمة:

  1. ” تفسير أسماء الله الحسنى ” للشيخ عبد الرحمن السعدي، منشور في ” مجلة الجامعة الإسلامية ” ( العدد 112 ).
  2. ” القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى ” للشيخ محمد بن صالح العثيمين.
  3. ” صفات الله عز وجل الواردة في الكتاب والسنَّة ” للشيخ علوي بن عبد القادر السقَّاف.
  4. ” النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى ” للشيخ محمد الحمود.

 

والله أعلم.

حكم استعانتها بصديقتها لحلق شعر العانة

السؤال:

هل يجوز أن تزيل لي صديقتي المقربة لي جدّا شعر منطقة العانة ؟ أنا أخاف جدّا، وأنا أتضايق من هذا الشعَر، وإن أزالت لي صديقتي سيكون بيننا يمين أن لا تنطق بأي شيء تراه، فأنا بحاجة لإزالته، واستحي أن أتحدث لأمي أن تزيله لي!

 

الجواب:

الحمد لله

حلق شعر العانة من سنن الفطرة ، وقد وقتت الشريعة في بقائه من غير حلق أربعين يوما، والأصل أن يحلق كل مكلَّف شعر عانته بنفسه، إلا من كان عاجزا عن ذلك لكبر سن، أو مرض.

وما تريد الأخت السائلة فعله هو من المحرَّمات، ومن القبائح، ولا يليق بالمسلمة فعله من غير ضرورة، وكونها تخاف من إزالته ليس بعذر، فهذا الأمر لا يتطلب شجاعة وجرأة، والطرق كثيرة في إزالته، وبعض هذه الطرق سهل ويسير.

ولا ينفع للإباحة أن تجعل صديقتها تُقسم على عدم إخبار أحدٍ بما تراه، ولو جاز هذا الفعل للضرورة لكانت أمها أولى بأن تحلق لها شعر عانتها.

وقد وردت النصوص الصحيحة الصريحة بتحريم اطلاع الرجل على عورة الرجل ، والمرأة على عورة المرأة، وقد أجمع العلماء على هذا التحريم.

عَن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( لَا يَنْظُرُ الرَّجُلُ إِلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ وَلَا تَنْظُرُ الْمَرْأَةُ إِلَى عَوْرَةِ الْمَرْأَةِ ).

رواه مسلم ( 338 ) .

قال ابن قدامة – رحمه الله -:

فأما الرجل مع الرجل: فلكل واحد منهما النظر من صاحبه إلى ما ليس بعورة … وحكم المرأة مع المرأة حكم الرجل مع الرجل.

” المغني ” ( 7 / 80 ).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – :

والنساء عن النساء في العورة الخاصة كما قال صلى الله عليه وسلم: ( لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل ولا تنظر المرأة إلى عورة المرأة )، وكما قال: (احفظ عورتك إلا عن زوجتك أو ما ملكت يمينك، قلت: فإذا كان القوم بعضهم في بعض؟ قال: إن استطعت أن لا يرينها أحد فلا يراها، قلت: فإذا كان أحدنا خاليا؟ قال: فالله أحق أن يستحيى منه )، ( ونهى أن يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد، والمرأة إلى المرأة في ثوب واحد )، وقال عن الأولاد: ( مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرِّقوا بينهم في المضاجع )، فنهى عن النظر واللمس لعورة النظير؛ لما في ذلك من القبح، والفحش، وأما الرجال مع النساء: فلأجل شهوة النكاح، فهذان نوعان، وفي الصلاة نوع ثالث.

” مجموع الفتاوى ” ( 22 / 113 ).

وقال ابن حجر – رحمه الله -:

…. وهذا مما لا خلاف فيه، وكذا الرجل إلى عورة المرأة والمرأة إلى عورة الرجل حرام بالإجماع … والمرأة إلى عورة المرأة على ذلك بطريق الأولى، ويستثنى الزوجان فلكل منهما النظر إلى عورة صاحبه.

” فتح الباري ” ( 9 / 338 ، 339 ).

والخلاصة:

لا يحل لك الطلب من صديقتك أن تحلق لك شعر العانة، ولا أن تمكنيها من فعل ذلك، وإن خالفتِ هذا وقعتِ – وإياها – في كبيرة من كبائر الذنوب، ولست معذورة في هذا الأمر؛ لأنه يتيسر العثور على طريقة سهلة لإزالة ذلك الشعر.

ويجوز هذا الفعل لضرورة العجز عن الحركة، والمرض، وذهاب العقل، وما يشبه هذه الأعذار التي لا يتمكن منها الرجل والمرأة من حلق شعر العانة.

 

 

والله أعلم.

حكم الدفاع عن النفس والمال وهل من يقتل يكون شهيدا وتفصيل معنى الشجاعة

حكم الدفاع عن النفس والمال وهل من يقتل يكون شهيدا وتفصيل معنى الشجاعة

السؤال:

ورد في أحد الأحاديث أنه جاء رجل إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وسأله عن رجل يريد أخذ ماله فقال له: ” لا تعطه مالك ” إلى أن قال له: ” هو في النار “.

هل معنى هذا أنه بلغ منزلة الشهداء مثل الشهيد الذي يموت في المعركة وله نفس الكرامات منها عدم سؤاله في القبر، وهو من الأحياء عند ربهم؟ وهل يعتبر من قتل شخصا يريد أن يسرقه ليس آثما؟ وهل الدفاع عن النفس فرض عين؟ وكيف يصبح الإنسان شجاعا؟ هل بتقوية الإيمان فقط أم بخوض معارك؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

نص الحديث:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي؟ قَالَ: فَلَا تُعْطِهِ مَالَكَ, قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلَنِي؟ قَالَ: قَاتِلْهُ, قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلَنِي؟ قَالَ: فَأَنْتَ شَهِيدٌ, قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلْتُهُ؟ قَالَ: هُوَ فِي النَّارِ. رواه مسلم ( 140 ).

وقوله صلى الله عليه وسلم في حق المقتول دون ماله إنه ” شهيد ” نصٌّ في أن له أجر الشهيد الوارد في السنَّة، لكن لا يلزم من هذا أنه في درجته ومنزلته؛ لما هو معروف من تفاوت درجات شهداء القتال أنفسهم فيما بينهم، كما أن أحكام شهيد القتال الدنيوية لا تطبَّق عليه، لذا فهو يغسَّل ويكفَّن.

قال النووي – رحمه الله -:

واعلم أن الشهيد ثلاثة أقسام:

أحدها: المقتول في حرب بسبب من أسباب القتال، فهذا له حكم الشهداء في ثواب الآخرة وفي أحكام الدنيا، وهو أنه لا يغسل ولا يصلى عليه.

والثاني: شهيد في الثواب دون أحكام الدنيا وهو المبطون, والمطعون, وصاحب الهدم, ومن قتل دون ماله, وغيرهم ممن جاءت الأحاديث الصحيحة بتسميته شهيدًا فهذا يغسل ويصلى عليه وله في الآخرة ثواب الشهداء, ولا يلزم أن يكون مثل ثواب الأول.

والثالث: مَن غلَّ في الغنيمة وشبهه من وردت الآثار بنفي تسميته شهيداً إذا قتل في حرب الكفار، فهذا له حكم الشهداء في الدنيا فلا يغسل, ولا يصلى عليه, وليس له ثوابهم الكامل في الآخرة.  ” شرح مسلم ” ( 2 / 65 ).

 

ثانيا:

كما أنَّ الحديث نصٌّ في عدم إثمه إن قتلَ مَن أراد أخذ ماله؛ إذ هو مأذون له في الشرع أن يقاتله، ولو أدى ذلك إلى قتله له.

قال النووي – رحمه الله -:

وأما أحكام الباب ففيه جواز قتل القاصد لأخذ المال بغير حق سواء كان المال قليلاً أو كثيراً لعموم الحديث، وهذا قول لجماهير العلماء.

وقال بعض أصحاب مالك: لا يجوز قتله إذا طلب شيئًا يسيرًا كالثوب والطعام, وهذا ليس بشيء والصواب ما قاله الجماهير.

” شرح مسلم ” ( 2 / 65 ).

ثالثا:

لا يختلف العلماء في وجوب الدفاع عن الحريم، وأما الدفاع عن المال فجائز غير واجب، ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: ” فلا تعطه مالك ” أي: لا يلزمك أن تعطيه.

وأما حكم الدفاع عن النفس: ففيه خلاف بين العلماء:

فذهب الحنفية والمالكية إلى وجوب الدفاع عن النفس، ولا فرق عندهم بين أن يكون الصائل مسلماً أو كافراً أو بهيمة.

واختلف الشافعية على أقوال ثلاثة، أظهرها: وجوب الدفاع عن النفس في حال كان الصائل كافراً أو بهيمة، وأما إن كان مسلماً: فلا يجب الدفاع عن النفس، بل يجوز الاستسلام له.

وذهب الحنابلة إلى وجوب الدفاع عن النفس إلا في زمان الفتنة.

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 28 / 103 – 105 ):

– اختلف الفقهاء في حكم دفع الصّائل على النّفس وما دونها:

فذهب الحنفيّة – وهو الأصحّ عند المالكيّة – إلى وجوب دفع الصّائل على النّفس وما دونها، ولا فرق بين أن يكون الصّائل كافرا أو مسلما، عاقلا أو مجنونا، بالغا أو صغيرا، معصوم الدّم أو غير معصوم الدّم، آدميًّا أو غيره.

واستدلّ أصحاب هذا الرّأي بقوله تعالى: ( وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ).

فالاستسلام للصّائل إلقاء بالنّفس للتّهلكة؛ لذا كان الدّفاع عنها واجبا.

وذهب الشّافعيّة إلى أنّه إن كان الصّائل كافرا والمصول عليه مسلما وجب الدّفاع, سواء كان هذا الكافر معصوما أو غير معصوم، إذ غير المعصوم لا حرمة له، والمعصوم بطلت حرمته بصياله، ولأنّ الاستسلام للكافر ذلّ في الدّين، وفي حكمه كلّ مهدور الدّم من المسلمين، كالزّاني المحصن، ومن تحتّم قتله في قطع الطّريق ونحو ذلك من الجنايات.

كما يجب دفع البهيمة الصّائلة، لأنّها تذبح لاستبقاء الآدميّ، فلا وجه للاستسلام لها، مثلها ما لو سقطت جرّة ونحوها على إنسان ولم تندفع عنه إلاّ بكسرها.

أمّا إن كان الصّائل مسلماً غير مهدور الدّم فلا يجب دفعه في الأظهر، بل يجوز الاستسلام له، سواء كان الصّائل صبيًّا أو مجنونا، وسواء أمكن دفعه بغير قتله أو لم يمكن، بل قال بعضهم: يسنّ الاستسلام له؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ” كن كابن آدم ” – يعني هابيل – ولما ورد عن الأحنف بن قيس قال: خرجت بسلاحي ليالي الفتنة، فاستقبلني أبو بكرة فقال: أين تريد؟ قلت: أريد نصرة ابن عمّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: ” إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فكلاهما من أهل النّار. قيل: فهذا القاتل، فما بال المقتول؟  قال: إنّه أراد قتل صاحبه “.

ولأنّ عثمان – رضي الله عنه – ترك القتال مع إمكانه، ومع علمه بأنّهم يريدون نفسه، ومنع حرّاسه من الدّفاع عنه وكانوا أربعمائة يوم الدّار وقال: من ألقى سلاحه فهو حرّ، واشتهر ذلك في الصّحابة – رضي الله عنهم – فلم ينكر عليه أحد.

ومقابل الأظهر – عند الشّافعيّة – أنّه يجب دفع الصّائل مطلقاً، أي سواء كان كافرا أو مسلما، معصوم الدّم أو غير معصوم الدّم، آدميًّا أو غير آدميّ؛ لقوله تعالى: ( وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ).

وفي قول ثالث عندهم: أنّه إن كان الصّائل مجنونا أو صبيًّا فلا يجوز الاستسلام لهما؛ لأنّهما لا إثم عليهما كالبهيمة.

وذهب الحنابلة إلى وجوب دفع الصّائل عن النّفس في غير وقت الفتنة؛ لقوله تعالى: ( وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ) .

ولأنّه كما يحرم عليه قتل نفسه يحرم عليه إباحة قتلها.

أمّا في زمن الفتنة، فلا يلزمه الدّفاع عن نفسه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ” فإن خشيت أن يبهرك شعاع السّيف، فألق ثوبك على وجهك “.

ولأنّ عثمان – رضي الله عنه – ترك القتال على من بغى عليه مع القدرة عليه، ومنع غيره قتالهم، وصبر على ذلك, ولو لم يجز لأنكر الصّحابة عليه ذلك.

انتهى.

والأظهر من الأقوال: وجوب الدفاع عن النفس، وهو قول الجمهور، لكن ينبغي التنبه إلى أن الصائل يُدفع بالأسهل فالأسهل، ولا يجوز مباشرة قتله مع القدرة على دفعه بغير القتل، ولو بالهرب.

 

 

 

رابعا:

والسؤال عن الشجاعة يقتضي منا تبيين بعض المسائل حولها، ومنها:

أ. أن فضيلة الشجاعة هي حيث تكون لتحقيق منفعة في الدين.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

ومما ينبغي أن يعلم أن الشجاعة إنما فضيلتها في الدين لأجل الجهاد في سبيل الله، وإلا فالشجاعة إذا لم يستعن بها صاحبها على الجهاد في سبيل الله: كانت إمَّا وبالاً عليه إن استعان بها صاحبها على طاعة الشيطان، وإما غير نافعة له إن استعملها فيما لا يقربه إلى الله تعالى. ” منهاج السنة النبوية ” ( 8 / 86 ).

وقال ابن القيم – رحمه الله –:

والشجاعة تحمله على عزة النفس، وإيثار معالي الأخلاق والشيم، وعلى البذل والندى الذي هو شجاعة النفس وقوتها على إخراج المحبوب ومفارقته، وتحمله على كظم الغيظ والحلم فإنه بقوة نفسه وشجاعتها يمسك بعنائها ويكبحها بلجامها عن النزغ والبطش كما قال: ” ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب “، وهو حقيقة الشجاعة، وهي ملكة يقتدر بها العبد على قهر خصمه.

” مدارج السالكين ” ( 2 / 308 ).

ب. وليس الشجاع هو من قَتل كثيرا، بل الشجاع هو قوي القلب، وهو الذي يملك نفسه عند الغضب، فإذا أضيف إليهما قوة في البدن كان شجاعا كاملا، ولا شك أن النبي صلى الله عليه كان أشجع الناس، كما وصفه أصحابه – رضي الله عنهم -، ومنهم من كان يتقي به في المعركة، وهو من الأبطال، ولما فرَّ بعض أصحابه من ” حنين ” ثبت وقاتل.

عَنْ أَنَسٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنَ النَّاسِ وَأَشْجَعَ النَّاسِ وَأَجْوَدَ النَّاسِ, وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ فَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبَقَهُمْ عَلَى فَرَسٍ وَقَالَ: وَجَدْنَاهُ بَحْرًا. رواه البخاري ( 2665 ) ومسلم ( 2307 ).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وكمال الشجاعة هو الحلم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ” ليْس الشديد بالصرعة وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب “.

” مجموع الفتاوى ” ( 15 / 432 ) .

وقال – رحمه الله -:

والشجاعة تفسر بشيئين:

أحدهما: قوة القلب وثباته عند المخاوف، والثاني: شدة القتال بالبدن، بأن يقتل كثيرا ويقتل قتلا عظيما.

والأول: هو الشجاعة، وأما الثاني: فيدل على قوة البدن وعمله.

وليس كل من كان قوي البدن كان قوي القلب ولا بالعكس، ولهذا تجد الرجل الذي يقتل كثيرا يقال: إذا كان معه من يؤمِّنه إذا خاف أصابه الجبن وانخلع قلبه، وتجد الرجل الثابت القلب الذي لم يقتل بيديه كثيرا ثابتا في المخاوف، مقداما على المكاره، وهذه الخصلة يحتاج إليها في أمراء الحروب وقواده ومقدميه أكثر من الأولى؛ فإن المقدَّم إذا كان شجاع القلب ثابتاً أقدم وثبت ولم ينهزم فقاتل معه أعوانه، وإذا كان جبانا ضعيف القلب ذل ولم يقدم ولم يثبت ولو كان قوي البدن.

والنبي صلى الله عليه وسلم كان أكمل الناس في هذه الشجاعة التي هي المقصودة في أئمة الحرب ولم يقتل بيده إلا أبيّ بن خلف، قتله يوم ” أُحُد “، ولم يَقتل بيده أحداً لا قبلها ولا بعدها، وكان أشجع من جميع الصحابة، حتى أن جمهور أصحابه انهزموا يوم ” حنين ” وهو راكب على بغلة والبغلة لا تكر ولا تفر وهو يقدم عليها إلى ناحية العدو وهو يقول:

أنا النبي لا كذب … أنا ابن عبد المطلب

فيسمِّي نفسه، وأصحابه قد انكفوا عنه، وعدوه مقدم عليه، وهو مقدم على عدوه على بغلته والعباس آخذ بعنانها، وكان عليٌّ وغيره يتقون برسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه أشجع منهم وإن كان أحدهم قد قتل بيده أكثر مما قتل النبي صلى الله عليه وسلم. ” منهاج السنة النبوية ” ( 77 – 79 ).

ج. وأما كيف يكتسب هذه الشجاعة؟ فيمكنه ذلك من خلال أمور، منها:

  1. تقوية قلبه بالإيمان والتوكل والثقة بالله تعالى.
  2. قراءة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم والنظر في غزواته.
  3. قراءة سير الشجعان من مجاهدي الإسلام وأبطاله.

 

والله أعلم.

حكم تقشير الوجه وشده؟

حكم تقشير الوجه وشده؟

السؤال:

ما حكم تقشير الوجه للمرأة وشد الوجه بالطرق الحديثة والأشعة أو باستعمال الإبر؟.

 

الجواب:

الحمد لله

التقشير هو إزالة الجلد ليتجدد بجلد آخر، وقد يكون سبب هذا الفعل إزالة عيب في الجلد نتيجة حرق أو تمزق، وقد يكون لأجل نضارة الوجه وتجميله، فإن كان للأول فهو جائز؛ لأن إزالة العيب يبيح هذا الفعل، وإن كان للثاني فلا يجوز؛ لأنه من تغيير خلق الله، ومن التجمل بما لا يباح شرعا.

وقد سئل عن هذه الظاهرة الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله –

فأجاب:

رأيي في هذه الظاهرة أنها إن كانت من باب التجميل: فحرام؛ قياسا على النمص والوشم ونحوهما.

وإن كانت لإزالة عيب كحفر في الوجه وسواد في الوجه الأبيض ونحو ذلك: فلا بأس به؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أذن للرجل الذي قطع أنفه أن يتخذ أنفا من ذهب. ” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 17 / السؤال رقم 3 ).

وعمليات شد الوجه يقصد بها غالبًا التزين وإزالة التجاعيد، وهي من تغيير خلق الله، وذكرنا أن منها ما هو ضروري فهو جائز، ومنها ما هو تحسيني وهو محرم؛ لأنه يدخل في تغيير خلق الله، وذكرنا من أمثلته عمليات ” شد الوجه “.

ويضاف إلى ما ذكرناه من أحكام في الجوابين السابقين الأضرار التي تسببها هذه بعض العمليات.

ولا حرج في إزالة تحسين الوجه والعمل على نضارته بغير التقشير من استخدام بعض الأدوية المباحة أو الأغذية، وبشرط عدم التسبب بضرر الوجه.

 

والله أعلم.

فوائد شرب أبوال الإبل

فوائد شرب أبوال الإبل

السؤال:

أرجو من فضيلتكم تزويدي بالجواب العلمي – إن توصل العلم له – وذلك بشأن الحديث الصحيح عن شرب أبوال الإبل – عافاكم الله – .

 

الجواب:

الحمد لله

الحديث الذي أشار إليه الأخ السائل حديث صحيح، وفيه أن قوما جاءوا المدينة النبوية فمرضوا فأشار عليهم النبي صلى الله عليه وسلم بالشرب من ألبان الإبل وأبوالها، فصحوا وسمنوا، وفي القصة أنهم ارتدوا وقتلوا الراعي، ثم أدركهم المسلمون وقتلوهم.

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – أَنَّ رَهْطًا مِنْ عُكْلٍ ثَمَانِيَةً قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاجْتَوَوْا الْمَدِينَةَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْغِنَا رِسْلًا قَالَ: مَا أَجِدُ لَكُمْ إِلَّا أَنْ تَلْحَقُوا بِالذَّوْدِ فَانْطَلَقُوا فَشَرِبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا حَتَّى صَحُّوا وَسَمِنُوا، وَقَتَلُوا الرَّاعِيَ … . رواه البخاري ( 2855 ) ومسلم ( 1671 ).

اجتووا: أصابهم الجوى وهو داء في البطن.

رِسلا: لبنا.

الذوْد: ما بين الثلاثة إلى العشرة من الإبل.

وأما عن فوائد أبوال وألبان الإبل الصحية فهي كثيرة، وهي معلومة للمتقدمين والمتأخرين من أهل العلم والخبرة من أهل الطب والبادية.

 

قال ابن القيم – رحمه الله -:

قال صاحب القانون – أي: الطبيب ابن سينا -:

وأنفع الأبوال: بول الجمل الأعرابي وهو النجيب، انتهى.

” زاد المعاد ” ( 4 / 47 ، 48 ).

 

وقد جاء في جريدة ” الاتحاد ” الإماراتية العدد11172، الأحد 6 محرم 1427 هـ ، 5 فبراير 2006 م:

أهم ما تربى الإبل من أجله أيضًا حليبها، وله تأثير ( فعَّال ) في علاج كثير من الأمراض، ومنها ( التهابات الكبد الوبائية، والجهاز الهضمي بشكل عام وأنواع من السرطان وأمراض أخرى )·

 

 

وقد جاء في بحث قامت به الدكتورة ” أحلام العوضي ” نشر في مجلة ” الدعوة ” في عددها ( 1938 ، 25 صفر 1425هـ 15 أبريل 2004 م )، حول الأمراض التي يمكن علاجها بحليب الإبل، وذلك من واقع التجربة: أن هناك فوائد جمة لحليب الإبل، وهنا بعض ما جاء في بحث الدكتورة ” أحلام “:

أبوال الإبل ناجعة في علاج الأمراض الجلدية كالسعفة – التينيا-، والدمامل، والجروح التي تظهر في جسم الإنسان وشعره، والقروح اليابسة والرطبة، ولأبوال الإبل فائدة ثابتة في إطالة الشعر ولمعانه وتكثيفه، كما يزيل القشرة من الرأس، وأيضًا لألبانها علاج ناجع لمرض الكبد الوبائي، حتى لو وصل إلى المراحل المتأخرة والتي يعجز الطب عن علاجها. انتهى.

وجاء في صحيفة ” الجزيرة السعودية ” العدد 10132، الأحد ، ربيع الأول 1421هـ، نقلاً عن كتاب ” الإبل أسرار وإعجاز ” تأليف: ضرمان بن عبد العزيز آل ضرمان، وسند بن مطلق السبيعي، ما يأتي:

أما أبوال الإبل فقد أشار الكتاب إلى أن لها استعمالات متعددة مفيدة للإنسان دلت على ذلك النصوص النبوية الشريفة، وأكَّدها العلم الحديث، … وقد أثبتت التجارب العلمية بأن بول الإبل له تأثير قاتل على الميكروبات المسببة لكثير من الأمراض.

ومن استعمالات أبوال الإبل: أن بعض النساء يستخدمنها في غسل شعورهن لإطالتها وإكسابها الشقرة واللمعان، كما أن بول الإبل ناجع في علاج ورم الكبد وبعض الأمراض، مثل الدمامل، والجروح التي تظهر في الجسم، ووجع الأسنان وغسل العيون. انتهى.

وقال الأستاذ الدكتور عبد الفتاح محمود إدريس:

وأبيِّن في هذا الصدد ما ينفع بول الإبل في علاجه من الأمراض، قال ابن سينا في ” قانونه “: ( أنفع الأبوال بول الجمل الأعرابي وهو ” النجيب ” )، وبول الإبل يفيد في علاج مرض ” الحزاز ” – الحزاز: قيل: إنه وجع في القلب من غيظ ونحوه -، وقد استخدمت أبوال الإبل وخاصة بول الناقة البكر كمادة مطهرة لغسل الجروح، والقروح، ولنمو الشعر، وتقويته، وتكاثره، ومنع تساقطه، وكذا لمعالجة مرض القرع، والقشرة، وفي رسالة الماجستير المقدمة من مهندس تكنولوجيا الكيمياء التطبيقية ” محمد أوهاج محمد “، التي أجيزت من قسم الكيمياء التطبيقية بجامعة ” الجزيرة ” بالسودان، واعتمدت من عمادة الشئون العلمية والدراسات العليا بالجامعة في نوفمبر ( 1998م ) بعنوان: ( دراسة في المكونات الكيميائية وبعض الاستخدامات الطبية لبول الإبل العربية ) ، يقول محمد أوهاج:

إن التحاليل المخبرية تدل على أن بول الجمل يحتوي على تركيز عالٍ من: البوتاسيوم، والبولينا، والبروتينات الزلالية، والأزمولارتي، وكميات قليلة من حامض اليوريك، والصوديوم، والكرياتين.

وأوضح في هذا البحث أن ما دعاه إلى تقصي خصائص بول الإبل العلاجية هو ما رآه من سلوك بعض أفراد قبيلة يشربون هذا البول حينما يصابون باضطرابات هضمية، واستعان ببعض الأطباء لدراسة بول الإبل؛ حيث أتوا بمجموعة من المرضى ووصفوا لهم هذا البول لمدة شهرين، فصحت أبدانهم مما كانوا يعانون منه، وهذا يثبت فائدة بول الإبل في علاج بعض أمراض الجهاز الهضمي.

كما أثبت أن لهذا البول فائدة في منع تساقط الشعر، ويقول:

إن بول الإبل يعمل كمدر بطيء مقارنة بمادة ” الفيروسمايد “، ولكن لا يخل بملح البوتاسيوم والأملاح الأخرى التي تؤثر فيها المدرات الأخرى، إذ إن بول الإبل يحتوي على نسبة عالية من البوتاسيوم والبروتينات، كما أنه أثبت فعالية ضد بعض أنواع البكتيريا والفيروسات، وقد تحسن حال خمس وعشرين مريضاً استخدموا بول الإبل من الاستسقاء، مع عدم اضطراب نسبة البوتاسيوم، واثنان منهم شفوا من آلام الكبد، وتحسنت وظيفة الكبد إلى معدلها الطبيعي، كما تحسن الشكل النسيجي للكبد، ومن الأدوية التي تستخدم في علاج الجلطة الدموية مجموعة تسمى FIBRINOLTICS، تقوم آلية عمل هذه المجموعة على تحويل مادة في الجسم من صورتها غير النشطة PLASMINOGEN إلى الصورة النشطة PLASMIN، وذلك من أجل أن تتحلل المادة المسببة للتجلط FIBRIN أحد أعضاء هذه المجموعة هو UROKINASE الذي يستخرج من خلايا الكلى أو من البول كما يدل الاسم (12 URO  ) .

وقد كشف عميد كلية المختبرات الطبية بجامعة الجزيرة السودانية البروفسير ” أحمد عبد الله أحمداني ” عن تجربة علمية باستخدام بول الإبل لعلاج أمراض الاستسقاء وأورام الكبد، فأثبتت نجاحها لعلاج المرضى المصابين بتلك الأمراض، وقال في ندوة نظمتها جامعة ” الجزيرة “:

إن التجربة بدأت بإعطاء كل مريض يوميًّا جرعة محسوبة من بول الإبل مخلوطاً بلبنها حتى يكون مستساغاً، وبعد خمسة عشر يوماً من بداية التجربة انخفضت بطون أفراد العينة وعادت لوضعها الطبيعي، وشفوا تماماً من الاستسقاء.

وذكر أنه جرى تشخيص لأكباد المرضى قبل بداية الدراسة بالموجات الصوتية، وتم اكتشاف أن كبد خمسة عشر مريضاً من خمس وعشرين في حالة تشمع، وبعضهم كان مصاباً بتليف الكبد بسبب مرض البلهارسيا، وقد استجاب جميع المرضى للعلاج باستخدام بول الإبل، وبعض أفراد العينة من المرضى استمروا برغبتهم في شرب جرعات بول الإبل يوميًّا لمدة شهرين آخرين، وبعد نهاية تلك الفترة أثبت التشخيص شفاءهم جميعاً من تليف الكبد، وقال:

إن بول الإبل يحتوي على كمية كبيرة من البوتاسيوم، كما يحتوي على زلال ومغنسيوم، إذ إن الإبل لا تشرب في فصل الصيف سوى أربع مرات فقط ومرة واحدة في الشتاء، وهذا يجعلها تحتفظ بالماء في جسمها لاحتفاظه بمادة الصوديوم، إذ إن الصوديوم يجعلها لا تدر البول كثيراً؛ لأنه يرجع الماء إلى الجسم.

وأوضح أن مرض الاستسقاء ينتج عن نقص في الزلال، أو في البوتاسيوم، وبول الإبل غني بهما.

وأشار إلى أن أفضل أنواع الإبل التي يمكن استخدام بولها في العلاج هي الإبل البكرية.

وقد أشرفت الدكتورة ” أحلام العوضي ” المتخصصة في الميكروبيولوجيا بالمملكة العربية السعودية على بعض الرسائل العلمية امتداداً لاكتشافاتها في مجال التداوي بأبوال الإبل، ومنها رسالتا ” عواطف الجديبي “، و ” منال قطان “، ومن خلال إشرافها على رسالة الباحثة ” منال القطان ” نجحت في تأكيد فعالية مستحضر تم إعداده من بول الإبل، وهو أول مضاد حيوي يصنع بهذه الطريقة على مستوى العالم، ومن مزايا المستحضر كما تقول الدكتورة أحلام:

إنه غير مكلف، ويسهل تصنيعه، ويعالج الأمراض الجلدية: كالإكزيما، والحساسية، والجروح، والحروق، وحب الشباب، وإصابات الأظافر، والسرطان، والتهاب الكبد الوبائي، وحالات الاستسقاء، بلا أضرار جانبية، وقالت:

إن بول الإبل يحتوي على عدد من العوامل العلاجية كمضادات حيوية ( البكتيريا المتواجدة به والملوحة واليوريا ) ، فالإبل تحتوي على جهاز مناعي مهيأ بقدرة عالية على محاربة الفطريات والبكتريا والفيروسات، وذلك عن طريق احتوائه على أجسام مضادة، كما يستخدم في علاج الجلطة الدموية، ويستخرج منه FIBRINOLYTICS، والعلاج من الاستسقاء ( الذي ينتج عن نقص في الزلال أو البوتاسيوم، حيث إن بول الإبل غني بهما )، كما أن في بول الإبل علاجاً لأوجاع البطن وخاصة المعدة والأمعاء، وأمراض الربو وضيق التنفس، وانخفاض نسبة السكر في المرضى بدرجة ملحوظة، وعلاج الضعف الجنسي، ويساعد على تنمية العظام عند الأطفال، ويقوي عضلة القلب، ويستخدم كمادة مطهرة لغسل الجروح والقروح، وخاصة بول الناقة البكر، ولنمو الشعر وتقويته وتكاثره ومنع تساقطه، ولمعالجة مرض القرع والقشرة، كما يستخدم بول الإبل في مكافحة الأمراض بسلالات بكتيرية معزولة منه، وقد عولجت به فتاة كانت تعاني من التهاب خلف الأذن يصاحبه صديد وسوائل تصب منها، مع وجود شقوق وجروح مؤلمة، كما عولجت به فتاة لم تكن تستطع فرد أصابع كفيها بسبب كثرة التشققات والجروح، وكان وجهها يميل إلى السواد من شدة البثور، وتقول الدكتورة أحلام:

إن أبوال الإبل تستخدم أيضاً في علاج الجهاز الهضمي، ومعالجة بعض حالات السرطان، وأشارت إلى أن الأبحاث التي أجرتها هي على أبوال الإبل أثبتت فاعليتها في القضاء على الأحياء الدقيقة كالفطريات والخمائر والبكتريا.

وأجرت الدكتورة ” رحمة العلياني ” من المملكة العربية السعودية أيضا تجارب على أرانب مصابة ببكتريا القولون، حيث تم معالجة كل مجموعة من الأرانب المصابة بداوء مختلف، بما في ذلك بول الإبل، وقد لوحظ تراجع حالة الأرانب المصابة التي استخدم في علاجها الأدوية الأخرى باستثناء بول الإبل الذي حقق تحسنا واضحا. ” مجلة الجندي المسلم ” ( العدد 118، 20 ذو القعدة 1425 هـ، 1 / 1 / 2005 م ).

 

والله أعلم.