الرئيسية بلوق الصفحة 147

هل تحريم العيشة معها يعتبر طلاقًا؟

هل تحريم العيشة معها يعتبر طلاقًا؟

السؤال:

ما الحكم في رجل قال لزوجته أمام القاضي الشرعي العبارة التالية:  ” تحرم العيشة معك وأستعيذ بالله منك “, ثم أرسل لها رسالة قصيرة من خلال الموبايل يقول لها: ” مبارك عليك الطلاق “، مع العلم أن الرجل كان في حالة غضب؟

 

الجواب:

الحمد لله

بما أنكَ تقول إن الرجل قال هذه الكلمات ” أمام القاضي الشرعي ” فإنه هو الذي يحكم بينه وبين زوجته، والذي يظهر لنا أن القاضي قد حكم بالطلاق، ولذلك أرسل لها الزوج رسالة يبارك لها بالطلاق، وهو حكم صحيح.

ولا يشترط للطلاق حتى يقع أن يكون بلفظ الطلاق، بل كل لفظ تعارف الناس عليه أن معناه الطلاق يقع به، وكل لفظ أراد به صاحبه الطلاقَ يقع به.

قال ابن القيم – رحمه الله -:

والله سبحانه ذكر الطلاق ولم يعيِّن له لفظا، فعُلم أنه ردَّ الناس إلى ما يتعارفونه طلاقا، فأي لفظ جرى عرفُهم به: وقع به الطلاق مع النية.

والألفاظ لا تراد لعينها بل للدلالة على مقاصد لافظها، فإذا تكلم بلفظٍ دالٍّ على معنى وقصد به ذلك المعنى: ترتَّب عليه حكمُه، ولهذا يقع الطلاق من العجمي، والتركي، والهندي بألسنتهم. ” زاد المعاد ” ( 5 / 288 ).

 

والله أعلم.

يوصل زبائنه إلى أماكن معصية ويأخذ عمولة من أصحابها

يوصل زبائنه إلى أماكن معصية ويأخذ عمولة من أصحابها

السؤال:

أسكن في ألمانيا ولدي صديق يعمل سائق تاكسي، وقال: في كثير من الأحيان تأتينا طلبية تطلب إيصاله إلى أماكن دعارة، وعند الوصول إلى مكان الدعارة وأخذ الأجرة من المستأجر للتاكسي ويدخل في مكان الدعارة صديقنا صاحب التاكسي له الخيار أن ينزل ويأخذ من صاحب محل الدعارة بقشيش ( إكرامية أو عمولة ) وهي قيمة مرتفعة لا تقل على ( 30 يورو ) ، وإذا صديقنا صاحب التاكسي أنزل الراكب وانصرف لا يأخذ شيئا.

السؤال:

هل يجوز له أخذ هذا المبلغ ( بقشيش، أو إكرامية أو عمولة ) ولا يتركه لهم على أن يعطيه لصالح المسلمين, ولا ينتفع به قياساً على أخذ الفوائد من البنوك الربوية وصرفها فيما ينفع المسلمين وليس لشخصه.

 

الجواب:

الحمد لله

كان الواجب أن يكون السؤال عن حكم إيصال هؤلاء العصاة إلى أماكن المعصية، لا أن يكون السؤال عن حكم عمولة توصيلهم إلى أماكن الفواحش والمنكرات، وإنما حكم هذه العمولة تابع لحكم توصيلهم.

وقد ذكرنا في جواب سابق تحريم توصيل العصاة إلى أماكن يعصون الله فيها، فيحرم على هذا الأخ السائق أن يوصل أحداً إلى مكان يجزم أو يغلب على ظنه أنه مكان معصية كأماكن الزنا والحانات والمسابح وغيرها.

وإذا فعل وأوصل أحدا إلى تلك الأماكن فإنه يكون شريكاً في آثامهم وجرائمهم، ويكون من الذين يسعون في الأرض فساداً، وهو من التعاون على الإثم والعدوان، وقد توعد الله على ذلك بالعقاب الشديد فقال تعالى: ( وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) [ المائدة / من الآية 2 ] .

وإذا فعله مع علمه فليسارع إلى التوبة والاستغفار والندم والعزم على عدم العود، ولا يلتفت لتلك الأموال الخبيثة التي يدفعها أصحاب تلك الأماكن الفاجرة، والفقراء في غنى عنها، وهذه الأماكن التي يُعصى فيها الله تعالى يجب على المسلم أن ينكر على أهلها؛ لقول رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ, فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ, فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ؛ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ “. رواه مسلم ( 49 ) من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه -، فكيف يوجب عليه الشرع إنكار المنكر وهو يترجل من سيارته ويدخل لتلك الأماكن ليأخذ عمولة توصيل صاحب فاحشة ومنكرات ليفعلها عندهم؟! فلا هو بالذي غيَّر المنكر بيده ولا بلسانه ولا حتى بقلبه، وهذا أمرٌ خطير على صاحبه.

قال النووي – رحمه الله -:

وأما قوله صلى الله عليه وسلم: ( فليغيره ) فهو أمر إيجاب بإجماع الأمة، وقد تطابق على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الكتاب والسنة وإجماع الأمة وهو أيضًا من النصيحة التي هي الدين … .

واعلم أن هذا الباب أعني باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد ضيع أكثره من أزمان متطاولة, ولم يبق منه في هذه الأزمان إلا رسوم قليلة جدًّا، وهو باب عظيم به قوام الأمر وملاكه، وإذا كثر الخبث عم العقاب الصالح والطالح، وإذا لم يأخذوا على يد الظالم أو شك أن يعمهم الله تعالى بعقابه: ( فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ).

” شرح مسلم ” ( 2 / 22 – 24 ) باختصار.

ولا يحل لمسلم أن يتعمد ذلك ليأخذ أموالهم ويصرفها في مصالح المسلمين، ولا يُعرف لهذا الفعل وجه في الشرع ولا دليل، بخلاف من تاب من الربا أو الكسب الحرام فإن توبة مثل هؤلاء تقتضي تصريف تلك الأموال في وجوه الخير.

 

والله أعلم.

هل يتناول دواءه بعد السحور؟

هل يتناول دواءه بعد السحور؟

السؤال:

لقد وَصف لي الطبيب نوعا من الفيتامينات عبارة عن خلاصة الخضار للتقليل من آثار مرض التهاب المفاصل الروماتيزمي؛ حيث أتناول حبة كل يوم، فهل يجوز تناولها بعد السحور في رمضان؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أباح الله تعالى للمسلمين أن يأكلوا ويشربوا إلى طلوع الفجر، فإذا طلع الفجر حرم الطعام والشراب، ولا فرق بين كون المُتناول طعاماً أو دواء، قال الله تعالى: ( وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ) [ البقرة / 187 ].

وعن عبد الله بن عمر أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ” إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ, فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ ” ثُمَّ قَالَ – أي: ابن عمر – وَكَانَ رَجُلًا أَعْمَى لَا يُنَادِي حَتَّى يُقَالَ لَهُ: أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ. رواه البخاري ( 592 ) ومسلم (1092 ).

وعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ مِنْ سَحُورِهِ؛ فَإِنَّهُ يُؤَذِّنُ لِيَرْجِعَ قَائِمَكُمْ؛ وَيُنَبِّهَ نَائِمَكُمْ “. رواه البخاري (6802 ) ومسلم ( 1093 ) .

وعليه: فيجوز لكم أخذ الدواء بعد السحور إذا كان ذلك قبل طلوع الفجر، بلا أدنى حرج، وبقاء أثر الطعام والدواء على الجسم في نهار رمضان أحد بركات السحور، ولذا شرع تأخيره حتى يتقوى المسلم على صيام نهار رمضان، ونسأل الله تعالى لكم العافية في الدين والدنيا.

 

والله أعلم.

هل يجوز أن يتعالج عند من يزعم أنه يتعامل مع طبيب من الجن المسلم؟

هل يجوز أن يتعالج عند من يزعم أنه يتعامل مع طبيب من الجن المسلم؟

السؤال:

إذا تعالجت عند رجل عنده أطباء مسلمون من الجن، فهل يفسد صومي؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

يحرم الذهاب للكهنة والعرافين من أجل التكهن بعلم الغيب أو من أجل العلاج، ولا يجوز تصديق هؤلاء فيما يزعمونه مِن خوارق أو مِن تعامل مع الجن المسلم؛ لأن هذه دعوى لا يعجز عنها أعظم الكهنة والعرّاَفين كفرا، والأصل في هؤلاء الكذب، ومن كان صادقا منهم في نفسه فلا يجوز له أن يدَّعي أنه يتعامل مع جن مسلم، ولا يجوز له الانسياق وراء ادعاءاتهم أو شيء من أفعالهم، فباب الاستدراج عند الجن عظيم، ويخشى على هذا أن يقع في الكفر الأكبر.

وزعم التعامل مع جن مسلم فيه محاذير كثيرة، ومنها:

  1. أنه فعل لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من أصحابه، وقد أسلم طائفة من الجن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يتعامل معهم ولم يستعن بهم مع حاجته لذلك، وكذا أصحابه – رضي الله عنهم -، وقد وجدت الحاجة للاستعانة بهم في قتال المرتدين وعلاج المصابين، ولم يكن شيء من ذلك في زمانهم.
  2. وكيف لهذا المتعامل أن يُثبت أن الجن الذي يتعامل معه أنه من المسلمين؟ فالجن عالم غيبي عنا وهو يرانا ولا نراه فكيف سيُثبت لنفسه أنهم مسلمون فضلاً عن قدرته أن يثبت ذلك لغيره؟ وقد ثبت في حوادث كثيرة كذب زعم مثل هذا الادعاء منهم، وثبت أيضًا استدراج كثير من المتعاملين مع من يزعمون أنهم مسلمون حتى وقعوا في الكفر.
  3. ولا ينبغي لمسلم أن يغتر بنجاح علاج أحد ورؤية أثر ذلك في الواقع، فها هو الدجال يقول للسماء أمطري فتمطر، وللأرض أخرجي كنوزك فتخرج، فهل يغتر المسلم به ويصدقه في دعواه؟! وبعض الأمراض والآفات تكون من الجن أصلا، ويمكن أن يكف الجن عن ذلك المريض لفترة ثم سرعان ما يعود له.

قال علماء اللجنة الدائمة:

يجوز للمسلم أن يذهب إلى طبيب أمراض باطنية أو جراحية أو عصبية أو نحو ذلك ليشخص له مرضه ويعالجه بما يناسبه من الأدوية غير المحرمة شرعًا حسب ما يعلمه في علم الطب؛ لأن ذلك من باب الأخذ بالأسباب العادية، وقد أنزل الله تعالى الداء وأنزل الدواء عرف ذلك من عرفه وجهله من جهله، ولا يجوز أن يذهب إلى الكهنة الذين يزعمون معرفة الغيب؛ ليعرف منهم مرضه، ولا يجوز له أن يصدقهم فيما يخبرونه به فإنهم يتكلمون رجمًا بالغيب أو يستحضرون الجن؛ ليستعينوا بهم على ما يريدون، وهؤلاء شأنهم الكذب، والاستعانة بالجن شرك أكبر، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ” من أتى عرَّافًا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة “. رواه مسلم.

وفي السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” من أتى كاهناً فصدقه بما يقول, فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم “. رواه البزار بإسناد جيد، ولا يجوز له أن يخضع لما يزعمونه علاجًا من صب رصاص ونحوه على رأسه فإن هذا من الكهانة، ورضاه بذلك مساعدة لهم على الكهانة والاستعانة بشياطين الجن، كما لا يجوز لأحد أن يذهب إلى من يسأله من الكهان من سيتزوجه ابنه أو عما يكون من الزوجين أو أسرتيهما من المحبة والعداوة والوفاق والفراق؛ فإن ذلك من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 1 / 373 ، 374 ).

وسئل الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز – رحمه الله – عن: حكم استخدام الجن من المسلمين في العلاج إذا لزم الأمر؟.

فأجاب:

لا ينبغي للمريض استخدام الجن في العلاج ولا يسألهم، بل يسأل الأطباء المعروفين، وأما اللجوء إلى الجن فلا؛ لأنه وسيلة إلى عبادتهم وتصديقهم؛ لأن في الجن من هو كافر، ومن هو مسلم، ومن هو مبتدع، ولا تعرَف أحوالُهم، فلا ينبغي الاعتماد عليهم، ولا يسألون، ولو تمثلوا لك، بل عليك أن تسأل أهل العلم والطب من الإنس، وقد ذم الله المشركين بقوله تعالى: ( وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنْ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنْ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا ) [ سورة الجن / 6 ] ؛ ولأنه وسيلة للاعتقاد فيهم والشرك، وهو وسيلة لطلب النفع منهم والاستعانة بهم، وذلك كله من الشرك.

” مجلة الدعوة ” ( العدد 1602 ، ربيع الأول 1418 هـ ، ص 34 ).

وقال الشيخ صالح الفوزان -حفظه الله -:

لا يستعان بالجان، لا المسلم منهم ولا الذي يقول أنه مسلم؛ لأنه قد يقول مسلم وهو كذاب من أجل أن يتدخل مع الإنس، فيُسد هذا الباب من أصله، ولا يجوز الاستعانة بالجن ولو قالوا إنهم مسلمون؛ لأن هذا يفتح الباب.

والاستعانة بالغائب لا تجوز سواء كان جنيًّا أو غير جني، وسواء كان مسلما أو غير مسلم، إنما يستعان بالحاضر الذي يقدر على الإعانة، كما قال تعالى عن موسى: ( … فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ … ) [ القصص / 15 ]، هذا حاضر ويقدر على الإغاثة فلا مانع من هذا في الأمور العادية.

” السحر والشعوذة ” ( ص 86 ، 87 ).

ثانيا:

والصائم يجب عليه أن ينزه صومه عن كل مخالفة فيه، والذهاب إلى الكهنة والعرافين إما أن يكون كفرا وإما أن يكون كبيرة – كما سبق تفصيله -، وهو غير لائق بمن ترك طعامه وشرابه لربه تعالى، فمن ترك المباح في أصله – وهو الطعام والشراب – فحري به ترك المحرَّم في كل الأحوال، والذهاب إلى من يزعم أنه يتعامل مع أطباء من الجن المسلم أيضًا لا يجوز لا من صائم ولا ومن غير صائم، لكنه لا يفسد الصوم بل ينقصه.

 

والله أعلم.

تركت الطيورَ في فترة حيضها حتى ماتت فهل تأثم؟

تركت الطيور حتى ماتت فهل تأثم؟

كنا نربي عصافير، وكانت أمي تطعمهم، وكانت تسمع أنه من الغلط أن تأتي بجانب الطيور أثناء الدورة، وكلفتني بإطعامهم، وكنت أخاف منهم في بعض الأوقات لأنهم يعضون، وكنت أنسى أوقاتاً إلى أن نسيتهم تمامًا، فماتوا، فكيف نكفر عما فعلنا؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

لا أصل للاعتقاد بعدم جواز قربان الطيور أثناء الدورة الشهرية للمرأة، وليس ثمة علاقة بين الأمرين، فالواجب التخلي عن مثل هذه الاعتقادات، وللحائض أحكام خاصة ليس منها مثل هذا الأمر ولا قريب منه.

ثانيا:

كان الواجب عليكِ الاعتذار لأمكِ من إطعامهم؛ لأن الواجب على ملك هذه الطيور وغيرها من البهائم أن يقوم على رعايتها، وإذا كان لا يستطيع ذلك, فالواجب عليه الاعتذار عن المهمة أو بيعها أو ذبحها إن كان مما يؤكل.

– وقد ورد الوعيد الشديد فيمن مسك حيواناً ولم يطعمه أو يسقيه حتى مات.

عن عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم قال: ” عُذِّبت امرأةٌ في هرة حبستها حتى ماتت جوعاً, فدخلت فيها النار، قال: فقال: والله أعلم لا أنتِ    أطعمتِها ولا سقيتِها حين حبستها، ولا أنتِ أرسلتِها فأكلتْ من خشاش الأرض “. رواه البخاري ( 2236 ) ومسلم ( 2242 ).

قال ابن قدامة المقدسي – رحمه الله -:

ومن ملك بهيمة لزمه القيام بها, والإنفاق عليها ما تحتاج إليه, من علفها, أو إقامة من يرعاها; لما روى ابن عمر, أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” عذبت امرأة في هرة حبستها حتى ماتت جوعًا؛ فلا هي أطعمتها؛ ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض “. متفق عليه. فإن امتنع من الإنفاق عليها, أجبر على ذلك فإن أبى أو عجز, أجبر على بيعها, أو ذبحها إن كانت مما يذبح. ” المغني ” ( 8 / 205 ).

وقال الشوكاني – تعليقًا على شرح حديث ” حبس الهرة ” -:

وقد استدل بهذا الحديث على تحريم حبس الهرة وما يشابهها من الدواب بدون طعام ولا شراب؛ لأن ذلك من تعذيب خلق الله, وقد نهى عنه الشارع … قال النووي: والأظهر أنها كانت مسلمة, وإنما دخلت النار بهذه المعصية.

” نيل الأوطار ” ( 7 / 7 ).

 

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 5 / 119 ، 120 ):

يجوز حبس حيوان لنفع, كحراسة وسماع صوت وزينة, وعلى حابسه إطعامه وسقيه لحرمة الروح ويقوم مقامه التخلية للحيوانات لترعى وترد الماء إن ألفت ذلك, فإن لم تألفه فعل بها ما تألفه؛ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ” عذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت فدخلت فيها النار؛ لا هي أطعمتها وسقتها إذ حبستها؛ ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض “, فإن امتنع أجبر على بيعه أو علفه أو ذبح ما يذبح منه, فإن لم يفعل ناب الحاكم عنه في ذلك على ما يراه. وهذا رأي الشافعية والحنابلة, وهو الرأي الراجح عند الحنفية والمالكية. انتهى.

وفي جواب سابق قلنا:

يجوز الاحتفاظ بطيور الزينة ومثيلاتها في أقفاص خاصة من أجل منظرها أو صوتها، بشرط تقديم الطعام والشراب لها. انتهى.

 

ثالثا:

إن كان عذركِ في عدم إطعام تلك الطيور حتى ماتت هو النسيان لها: فهو عذر شرعي، نسأل الله أن يعفو عنكِ بسببه، قال الله تعالى: ( لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا … } [ البقرة / من الآية 286 ] ، وقد أجاب الله تعالى دعوة المؤمنين هذه فقال: ” قد فعلت “, كما رواه مسلم ( 126 ) من حديث ابن عباس – رضي الله عنه -.

 

والله أعلم.

هل يجوز لصاحب مطعم أن يبيع الطعام للمفطرين والكفار في نهار رمضان؟

هل يجوز لصاحب مطعم أن يبيع الطعام للمفطرين والكفار في نهار رمضان؟

السؤال:

أنا مقيم في دولة أجنبية ولدي مطعم صغير، وأرى بعض المسلمين غير الصائمين – وهم كثيرون – يريدون أن يأكلوا عندي في مطعمي في وقت الظهيرة، فما هو حكم البيع لهؤلاء المفطرين نوعاً من السندوتش مع العلم أنني أبيع نفس السندوتش لغير المسلمين؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

سبق لنا أن بينا أنه لا يجوز للمسلم أن يقيم في دول الكفر، وبينا أن العمل ليس من الضرورات التي تبيح للمسلم الإقامة بين أظهر الكفار، وبالإضافة إلى حرمة الفعل فإن في الإقامة هناك خطراً على دين المسلم وعلى أبنائه، وأنه لا يستطيع المسلم أن يحسن تربية أبنائه في تلك البلاد، وبخاصة في ظل الظروف الأخيرة والتي أعلنت فيها أكثر تلك الدول الحرب على الإسلام وشعائره، وضيقت على المسلمين في عبادتهم؛ لذا فلا ينبغي لك ولا لغيرك مخالفة هذا الحكم والبقاء هناك إلا من ضرورة كعلاج أو تجارة أو دعوة.

ثانيا:

وأما بخصوص مسألتك: فاعلم أنه لا يجوز لك تمكين أحد من الفطر في مطعمك، ولا يجوز لك بيع طعام تعلم أنه سيؤكل – عندك أو في الحال – من قبل مشتريه غير الصائم، ولا فرق بين مسلم وكافر في هذا الحكم، فالمسلم المفطر مخاطب بالصوم، وهو عاصٍ بفطره، وتمكينه من الطعام والشراب في نهار رمضان تعاون على الإثم والعدوان، والكافر مخاطب – أيضاً – بالصوم ومطلوب منه أن يأتي بالواجبات، وهو محاسب يوم القيامة على تركها – ولا تقبل منه إلا بأن يسلم قبل أدائها – وتمكينه من الطعام والشراب في نهار رمضان تعاون على الإثم والعدوان، وهو حرام، قال الله تعالى: ( وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ) [ المائدة / من الآية 2 ].

قال النووي – رحمه الله -:

والمذهب الصحيح الذي عليه المحققون والأكثرون: أن الكفار مخاطبون بفروع الشرع، فيحرم عليهم الحرير، كما يحرم على المسلمين.

” شرح مسلم ” ( 14 / 39 ).

 

 

سئل الشيخ محمد الصالح العثيمين – رحمه الله -:

كيف يحاسب الكافر يوم القيامة وهو غير مطالب بالتكاليف الشرعية؟.

فأجاب:

هذا السؤال مبني على فهم ليس بصحيح؛ فإن الكافر مطالب بما يطالب به المؤمن، لكنه غير ملزم به في الدنيا، ويدل على أنه مطالب: قوله تعالى: ( إلا أصحاب اليمين . في جنات يتساءلون . عن المجرمين . ما سلككم في سقر . قالوا لم نك من المصلين . ولم نك نطعم المسكين . وكنا نخوض مع الخائضين . وكنا نكذب بيوم الدين ) فلولا أنهم عوقبوا بترك الصلاة وترك إطعام المساكين ما ذكروه؛ لأن ذكره في هذه الحال لا فائدة منه، وذلك دليل على أنهم يعاقبون على فروع الإسلام، وكما أن هذا هو مقتضى الأثر فهو أيضاً مقتضى النظر: فإذا كان الله تعالى يعاقب عبدَه المؤمن على ما أخل به من واجب في دينه فكيف لا يعاقب الكافر؟ بل إني أزيدك أن الكافر يعاقب على كل ما أنعم الله به عليه من طعام وشراب وغيره قال تعالى: ( ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين ) فمنطوق الآية رفع الجناح عن المؤمنين فيما طعموه ومفهومها وقوع الجناح على الكافرين فيما طعموه …

” مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين ” ( 2 / السؤال رقم 164 ).

وعليه: فلا يجوز للمسلم أن يصنع طعاما أو يقدم شرابا لغير المسلم في نهار رمضان؛ لأن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة في العبادات.

ولا يدخل في المنع من كان مفطراً لعذر شرعي كمسافر أو مريض أو امرأة حائض أو نفساء فإن هؤلاء يحل إطعامهم بعوض وغير عوض، ضيافة وتجارة.

ولا يدخل في المنع من تتيقن أو يغلب على ظنك أنه يشتري الطعام ليتناوله بعد غروب الشمس.

 

والله أعلم.

الوطء في الدبر محرم ولو بحائل

الوطء في الدبر محرم ولو بحائل

السؤال:

ماحكم من وطئ امرأته في دبرها وهو يرتدي الواقي الذكري، فلا يصل لامرأته شيء من مائه؟.

 

الجواب:

الحمد لله

– الوطء في الدبر من الكبائر التي جاءت الشريعة بتحريمها والتغليظ فيها.

والوطء المحرم هو تغييب حشفة الذكر في الدبر بحائل أو بغير حائل، ولو لم ينزل، فإن الحكم معلق بالإدخال والتغييب وليس بالإنزال أو المباشرة.

يقول السيوطي – رحمه الله – في ” الأشباه والنظائر ” (458):

” لا فرق في الإيلاج بين أن يكون بخرقة أو لا “. انتهى.

* ومن ذلك أيضًا: أن الفقهاء – رحمهم الله -، نصوا على حرمة إتيان الحائض ولو كان بحائل.

جاء في أسنى المطالب (1/100) ومثله في تحفة المحتاج (1/390) من كتب الشافعية:

” وكذا يحرم وطؤه في فرجها ( الحائض )، ولو بحائل “. انتهى.

ولم أقف على خلاف بين أهل العلم في هذا الحكم، فإن نصوصهم في تحريم إتيان الدبر مطلقةٌ، شاملةٌ ما إذا كان بحائلٍ أو بغير حائلٍ.

– هذا من حيث الحكم الشرعي التكليفي: التحريم.

أما من حيث الطهارة والعقوبة وثبوت التحريم أو المهر أو إفساد الإحرام وغير ذلك من الأحكام، ففيها تفصيل وخلاف، مَحَلُّه في كتب الفقه الموسعة.

 

والله أعلم.

العمل في تحميل وتنزيل التلفزيونات واللاقطات

العمل في تحميل وتنزيل التلفزيونات واللاقطات

السؤال:

في البداية – يا فضيلة الشيخ – أريد أن أقول لك: أني أحبك في الله.

صدقني لم أجد أحدا سواكم لكي أرسل له سؤالي، كثيرا ما يحدث خلافات وفتن بيننا نحن العمال وعملنا في السوق، وسبب هذا الخلاف بأنني أرفض تنزيل جهاز التلفزيون أو الدش عند قدوم السيارة، وفي بعض الأحيان تأتي السيارة فيها جهاز الثلاجة والمجمدات ومعها مادة جهاز التلفزيون، فما حكم تنزيل هذا الجهاز إذا كان السيارة فيها تلفزيون فقط؟ وما حكم تنزيل السيارة إذا كان معها عدد قليل من التلفزيون؟ مع العلم أن هذا العمل هو مصدر رزقي الوحيد، وفي حالة رفضي نزول التلفزيون يمنعوني من العمل.

وجزاكم الله خيرا، وأتمنى من فضيلتكم الجواب عن سؤالي بسرعة، وأنا كتبت سؤالي لكم لكثرة ثقتي ومحبتي لكم، مع الشكر..

أخوكم من العراق, من بلاد الرافدين.

الجواب:

الحمد لله

ذكرنا في جواب سابق أن أجهزة التلفاز تستعمل في الخير والشر، وأن غالب استعمالها اليوم إنما هو في الشر، لذا كان بيعها وشراؤها وصيانتها حراما، وأنه لا يجوز بيعها وشراؤها إلا لمن عُلم أو غلب على ظنه أنه يستعملها في المباح.

والحكم ذاته يكون في تحميلها وتنزيلها، ولا فرق، وخاصة إذا أضيف إليها ” الدش “، ولا شك أنه إذا كان الغالب على استعمالها من الناس اليوم الإثم: فإنه لا يجوز الإعانة على هذا الإثم والمساعدة فيها، كالدلالة على محلاته، والدعاية لهم، ومنه: تحميلها وتنزيلها لمصانعها ومسوقيها وزبائنها الذين يشترونها.

ولا فرق بين كونها كثيرة أو قليلة، والله تعالى يقول: ( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ . وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ) [ الزلزلة / الآية 7- 8 ].

ويمكنك التفاهم مع مسئول العمل بأنك استفتيتَ في حكم تحميلك وتنزيلك لهذه الأجهزة المحرمة، فلعل الله أن يهديه بها، أو أن يسمح لك بعدم تنزيلها وتحميلها.

ولا ينبغي لك أن تقول إن هذا مصدر رزقك الوحيد؛ فمصادر الرزق كثيرة، ولو أدى امتناعك عن العمل لخروجك من الوظيفة فاعلم أن الله تعالى يقول: ( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا . وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ) [ الطلاق / الآية 2- 3 ] ، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: ” إنك لن تدع شيئاً لله عز وجل إلا بدَّلك الله به ما هو خير لك منه “. رواه الإمام أحمد، وصححه الألباني في” حجاب المرأة المسلمة ” ( 47 ). والله أعلم.

إذا بلع بعض أجزاء جِلده فهل يفطر؟

إذا بلع بعض أجزاء جِلده فهل يفطر؟

السؤال:

هل إذا أكلت قطعة من جلدي صغيرة أصغر من ربع الظفر فهل هذا سيفطرني؟

 

الجواب:

الحمد لله

 

لا يجوز لمن تلبس بالصيام أن يُدخل إلى جوفه شيئًا من طعام أو شراب أو دواء، ولا كذلك غيرها حتى لو كانت مما لا يؤكل كبلع حصاة أو درهم، وحتى لو كان ضارًّا أو مؤذياً كبلع أظفر أو جلد من أصبعه، وهذا قول الأئمة الأربعة لا يعرف بينهم خلاف.

قال الشيرازي الشافعي – رحمه الله -:

ولا فرق بين أن يأكل ما يؤكل وما لا يؤكل, فإن استف ترابا أو ابتلع حصاةً أو درهما أو دينارا: بطل صومه؛ لأن الصوم هو الإمساك عن كل ما يصل إلى الجوف, وهذا ما أمسك; ولهذا يقال: فلان يأكل الطين ويأكل الحجر؛ ولأنه إذا بطل الصوم بما وصل إلى الجوف مما ليس بأكل كالسعوط والحقنة وجب أن يبطل أيضا بما ليس بمأكول. انظر ” المجموع ” ( 6 / 337 ).

وعلق الإمام النووي – رحمه الله – عليه فقال:

قال الشافعي والأصحاب – رحمهم الله – : إذا ابتلع الصائم ما لا يؤكل في العادة كدرهم ودينار أو تراب أو حصاة، أو حشيشا أو نارا أو حديدا أو خيطا أو غير ذلك: أفطر بلا خلاف عندنا، وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد وداود وجماهير العلماء من السلف والخلف, وحكى أصحابنا عن أبي طلحة الأنصاري الصحابي – رضي الله عنه – والحسن بن صالح وبعض أصحاب مالك أنه لا يفطر بذلك، وحكوا عن أبي طلحة أنه كان يتناول البرَد وهو صائم ويبتلعه ويقول: ” ليس هو بطعام ولا شراب “, واستدل أصحابنا بما ذكره المصنف وبما رواه البيهقي بإسناد حسن أو صحيح عن ابن عباس – رضي الله عنهما – أنه قال: ” إنما الوضوء مما يخرج وليس مما يدخل, وإنما الفطر مما دخل وليس مما خرج “، والله تعالى أعلم.

” المجموع ” ( 6 / 340 ).

وعليه: فلا يجوز تعمد بلع هذا القليل من الجلد، ويجب أن تعلم أنه بالإضافة لكونه مفطراً فهو ضار لبدنك، وعلى مَن علم أنه مفطر وتعمد فعله أن يتوب ويستغفر، ولا يغنيه صوم الدهر كله لو صامه عن يومه ذاك الذي أبطله متعمدا، وأما إن كان لا يدري ولم يقصد إبطال صومه: فليس عليه إثم، وعليه قضاء يوماً آخر مكانه، وإن دخل هذا الجلد بغير قصد منه ولا اختيار فلا قضاء عليه.

قال علماء اللجنة الدائمة:

وإذا كان في لثته قروح أو دميت بالسواك: فلا يجوز ابتلاع الدم، وعليه إخراجه، فإن دخل حلقه بغير اختياره ولا قصده: فلا شيء عليه، وكذلك القيء إذا رجع إلى جوفه بغير اختياره فصيامه صحيح.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” (10 / 254 ).

 

والله أعلم.

أحكام اللباس من حيث لونه

أحكام اللباس من حيث لونه

السؤال:

ما المقصود بالثوب ( المعصفر ) في الحديث؟.

وهل يجوز لبس الثوب النباتي أو السكري؟ أم هناك دليل بكراهيته؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الأصل في اللباس الإباحة، وذلك لأن الله تعالى يقول: ( هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) [ البقرة / الآية 29 ].

وقد امتن علينا بأن جعل لنا ما نلبسه فقال: ( يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشا وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ) [الأعراف / الآية 26 ] .

فمن زعم تحريم نوع أو لون معين من اللباس فهو المطالب بالدليل الظاهر على ذلك.

ثانيًا:

اختلف أهل العلم في حكم لبس الرجل ثلاثةً من الألوان:

  • اللون الأحمر الخالص الذي لم يخالطه غيره من الألوان، أما الأحمر الذي خالطه غيره فقد اتفقوا على جوازه.
  • المصبوغ بالعصفر: ( والعصفر: [ العصفر هو نبات وليس صبغًا، فيمكن القول بأنه نبات يُصبغ لوناً أحمر، وفي ” المصباح المنير ” في تعريف العصفر: نبت معروف، وعصفرت الثوب صبغته بالعصفر فهو معصفر اسم مفعول ] صبغ أحمر يؤخذ من نبات معروف )، وأما المصبوغ بالحمرة من غير العصفر فهي المسألة السابقة.
  • المصبوغ بالزعفران: ( وهو نبات يعطي لونًا أصفر ) ، وأما المصبوغ بالأصفر من غير الزعفران فقد اتفق أهل العلم على جوازه.

فأما حكم لبس الثياب المعصفرة، فقد اختلف فيها أهل العلم على ثلاثة أقوال:

القول الأول: التحريم، وهو مذهب الظاهرية واختيار ابن القيم.

ودليلهم ما رواه مسلم (2077) عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: ”  رَأَى رَسُولُ اللهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ – عَلَيَّ ثَوبَينِ مُعَصفَرَينِ فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ مِن ثِيَابِ الكُفَّارِ فَلا تَلبَسهَا “.

وفي رواية: ” أَأُمُّكَ أَمَرَتكَ بِهَذَا؟ قُلتُ: أَغسِلُهُمَا؟ قَالَ: بَل احرِقهُما “.

وما رواه مسلم (2078) عن علي – رضي الله عنه -: ” أَنَّ رَسُولَ اللهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ – نَهَى عَن لُبسِ المُعَصفَرِ “.

القول الثاني: الكراهة، وإليه ذهب الحنفية والمالكية، وهي الرواية المعتمدة عند الحنابلة.

قالوا: والنهي السابق محمول على الكراهة؛ لما ثبت عن البراء بن عازب – رضي الله عنه –  قال: ” رَأَيتُ النَّبِيَّ – صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ – فِي حُلَّةٍ حَمرَاءَ “.

رواه البخاري (3551) ومسلم (2337).

القول الثالث: الجواز، وهو مذهب الشافعية.

( المجموع 4/450، المغني 2/299، المحلى 4/69، تهذيب سنن أبي داود 11/117، حاشية ابن عابدين 5/228 ).

والذي يترجح – والله أعلم – القول بالتحريم، وذلك لأن الأصل في النهي أنه للتحريم، وأما لبس النبي – صلى الله عليه وسلم – الأحمر فذلك لا يعني أن حمرته كانت بسبب العصفر، بل كانت مصبوغة بالحمرة من غير العصفر. انظر “معالم السنن” (4/179) والله أعلم [ اجعل “والله أعلم في نهاية الجواب لكل الأجوبة].

وأما الثياب المزعفرة، فقد اختلف فيها أهل العلم على ثلاثة أقوال أيضًا، أصحها ما ذهب إليه الشافعية ورواية عند الحنابلة أنه يحرم على الرجل لبس الثياب المزعفرة، والدليل على ذلك ما جاء عن أنس – رضي الله عنه – قال: ” نَهَى رَسُولُ اللهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ – أَن يَتَزَعفَرَ الرَّجُلُ “. رواه البخاري (5846) ومسلم (2101).

يقول الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله -:

” القول الصحيح أن لبس المعصفر حرام على الرجل، والمزعفر مثله “. انتهى. “الشرح الممتع” (2/218).

(انظر التمهيد 2/180، الإنصاف 1/481، المحلى 4/76، المجموع 4/449، حاشية ابن عابدين 5/228، المغني 2/299).

ثالثًا:

ما تبقى من غير هذه الألوان من الألبسة لم يختلف أهل العلم في جوازها، بل نقلوا الاتفاق عليها فمن ذلك:

قال النووي في ” المجموع ” (4/337):

” يجوز لبس الثوب الأبيض والأحمر والأصفر والأخضر والمخطط وغيرها من ألوان الثياب، ولا خلاف في هذا، ولا كراهة في شيء منه “. انتهى.

وجاء في الموسوعة الفقهية (6/132 – 136):

” اتّفق الفقهاء على استحباب لبس ما كان أبيض اللّون من الثّياب …

اتّفق الفقهاء على جواز لبس الأصفر ما لم يكن معصفراً أو مزعفراً “. انتهى.

كما لم أقف على خلاف في أن المرأة لها أن تلبس ما تشاء من الألوان – ما لم تكن متبرجة بذلك للأجانب – والذين تكلموا على تحريم المعصفر والمزعفر وغيره إنما قيدوا ذلك بالرجال.

يقول ابن عبد البر في ” التمهيد ” (16/123):

” وأما النساء فإن العلماء لا يختلفون في جواز لباسهن المعصفر المُفَدَّمَ والمُوَرَّدَ والمُمَشَّقَ… المُفَدَّم: المُشبع حُمرةً، والمُورَّد: دونه في الحمرة، وأما الممشق فطين أحمر يصبغ به “. انتهى.

الخلاصة: أن اللون النباتي والسكري من الألوان الجائزة، ولم يرد في تحريمها شيء، إلا إذا كان لونها ذلك بسبب صبغ الزعفران، فعند ذلك يصبح محرما لبسه على الرجل فقط، وذلك على الصحيح من أقوال أهل العلم.

 

والله أعلم.