الرئيسية بلوق الصفحة 161

هل يجوز ختم القرآن كل يوم؟ وكيف نفهم ما ثبت من ختم السلف في أقل من ثلاث؟

هل يجوز ختم القرآن كل يوم؟ وكيف نفهم ما ثبت من ختم السلف في أقل من ثلاث؟

السؤال:

هل يمكن أن أقرأ القرآن كاملاً في يوم واحد؟ وهل يجوز ذلك؟ فقد سمعت أنه لا يجوز قراءته كاملًا في أقل من ثلاثة أيام.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

قراءة كتاب الله تعالى من العبادات الجليلة في الإسلام، وكيف لا تكون كذلك والمقروء هو كلام الله تعالى؟! ومع هذا الشرف الذي يحصل لقارئ القرآن فقد وعد الله تعالى القارئ بالثواب الجزيل في الدنيا والآخرة، ومن ذلك أنه يكون له هدى وشفاء، وأن له بكل حرف عشر حسنات، وأن القرآن يكون له شفيعاً يوم القيامة، وغير ذلك من الثواب والأجور.

 

ثانيًا:

ولذا رأينا حرص الصحابة الأجلاء والتابعين الفضلاء ومن تبعهم من سلف هذه الأمة يحرصون على قراءة كتاب ربهم تبارك تعالى، ويجعلون لأنفسهم وِردًا منه كل يوم.

ومع حرصهم على قراءة كتاب ربهم فقد التزموا القدْر الذي لا يتجاوزون به الشرع، ولا يقعون بسببه في مخالفة للهدي النبوي، ولذا كان الأكثر على ختم القرآن كل سبعة أيام، ومن وجد قوة فلا يختم في أقل من ثلاث إلا في أحوال معينة يأتي ذِكرها.

وقد التزم أكثر السلف الختم على سبع اتباعًا لوصية النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو بن العاص.

فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( اقْرَإ الْقُرْآنَ فِي شَهْرٍ ) قُلْتُ: إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً … حَتَّى قَالَ ( فَاقْرَأْهُ فِي سَبْعٍ وَلَا تَزِدْ عَلَى ذَلِكَ ).

رواه البخاري ( 4767 ) ومسلم ( 1159 ).

– ولم يختموا في أقل من ثلاث لتنفير النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك.

فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ يَعْنِي ابْنَ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( لَا يَفْقَهُ مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ ). رواه الترمذي ( 2949 ) وأبو داود ( 1390) وابن ماجه ( 1347 ) وصححه الألباني في ” صحيح ابن ماجه “.

وهو الذي فهمه الصحابة الأجلاء من الهدي النبوي، وتبعهم على ذلك أئمة علم وهدى.

  1. فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ” اقرؤوا القرآن في سبع، ولا تقرؤوه في أقل من ثلاث “.

رواه سعيد بن منصور في ” سننه ” بإسناد صحيح كما قاله الحافظ ابن حجر في ” فتح الباري ” ( 9 / 78 ).

  1. وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه كان يكره أن يقرأ القرآن في أقل من ثلاث.

رواه أبو عبَيد في ” فضائل القرآن ” ( ص 89 ) وصححه ابن كثير في ” فضائل القرآن ” له ( ص 254 ).

  1. * قال ابن كثير – رحمه الله -:

وقد كره غير واحد من السلف قراءة القرآن في أقلِّ من ثلاثٍ، كما هو مذهبُ أبي عبيد، وإسحاق بن راهويه، وغيرهما من الخلف أيضًا.

” فضائل القرآن ” ( ص 254 ).

ومع عدم فقه من قرأ في أقل من ثلاث فإنه لا يستفيد – كذلك – معانٍ سامية عالية يستفيدها من قرأ القرآن بتدبر وطمأنينة.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

قراءة القرآن على الوجه المأمور به: تورث القلب الإيمان العظيم، وتزيده يقينًا وطمأنينة وشفاء. ” مجموع الفتاوى ” ( 7 / 283 ).

 

ثالثًا:

وما يُذكر في بعض كتب أهل العلم من ختمة بعضهم للقرآن أربعًا في النهار وأربعاً في الليل: فإنه لا يمكن واقعًا، والوقت لا يستوعب هذا أصلاً، ومثله ما يُزعم من أن بعضهم ختم القرآن بين المغرب والعشاء! وغير ذلك مما لا يمكن تصديقه حتى مع السرعة في القراءة.

وأما قراءة القرآن – كاملًا – في يوم واحد: فممكنة واقعًا، بل قد فعلها بعض الأئمة – كما روي عنهم – في ركعة واحدة.

* قال النووي – رحمه الله -:

وأما الذين ختموا القرآن في ركعة: فلا يُحصون؛ لكثرتهم، فمنهم: عثمان بن عفان، وتميم الداري، وسعيد بن جبير.  ” الأذكار ” ( ص 102 ).

ولكن هل من فعل ذلك يكون مهتدياً بسنَّة النبي صلى الله عليه وسلم أو يكون فَعَل ما يجوز له شرعًا؟! والجواب: أما من جعل ذلك ديدنًا له ومنهجًا في حياته: فلا شك أنه يقع في مخالفة للشرع، ولا يكون فعله ذلك إلا مع تفريط بواجبات شرعية عليه – كالصلاة وتربية أولاده وصلة رحِمه وعِشرة أهله بالمعروف – أو تفريط في عمل يرتزق به.

وأما من فعل ذلك أحياناً بقصد مراجعة حفظه، أو استثمارًا لزمان فاضل – كشهر رمضان -، أو بسبب أنه معتكف في مسجد، أو لأنه منقطع للعبادة في فترة محددة في مكة – مثلًا -: فلا يكون بذلك مخالفاً للشرع، وعلى هذه الأعذار يُحمل ما روي عن بعض الأئمة من ختمهم للقرآن مرتين في اليوم أو مرة في  اليوم، لا أن ذلك كان منهجًا لهم في حياتهم.

* قال ابن رجب الحنبلي – رحمه الله -:

وكان قتادة يختم في كل سبع دائمًا وفي رمضان في كل ثلاث وفي العشر الأواخر كل ليلة، وكان للشافعي في رمضان ستون ختمة يقرؤها في غير الصلاة، وعن أبي حنيفة نحوه.

وإنما ورد النهي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث على المداومة على ذلك، فأما في الأوقات المفضلة كشهر رمضان خصوصًا الليالي التي يطلب فيها ليلة القدر، أو في الأماكن المفضلة كمكة لمن دخلها من غير أهلها فيستحب الإكثار فيها من تلاوة القرآن اغتناماً للزمان والمكان، وهو قول أحمد وإسحاق وغيرهما من الأئمة، وعليه يدل عمل غيرهم كما سبق ذكره. ” لطائف المعارف ” ( ص 171 ).

 

والله أعلم.

هل يجوز الفرح بموت أعداء الإسلام وبما يصيبهم من مصائب دنيوية؟

هل يجوز الفرح بموت أعداء الإسلام وبما يصيبهم من مصائب دنيوية؟

السؤال:

عندما يتوفى الله أحد الأشخاص – سواء مسلم أو غير مسلم – من الذين يجاهرون بمعاداة الإسلام ويحرصون على الكيد له وللمسلمين سواء بكتاباتهم أو حواراتهم أو بالأفكار التي يطرحونها والتي تشكك في ثوابت الإسلام، دائما ما يثار تساؤل حول صحة ذكر ما فعلوا وأجرموا وبين حديث ( اذكروا محاسن موتاكم ) الذي قرأت أنه حديث ضعيف.

فأرجو توضيح الرأي الشرعي في هذه المسألة وما إذا كان شعور بالفرح لموت أمثال هؤلاء حلال على اعتبار أنهم يحاربون الله ورسوله صلى الله عليه وسلم؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الحديث الذي ذكره الأخ السائل ضعيف لا يصح.

عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( اذْكُرُوا مَحَاسِنَ مَوْتَاكُمْ وَكُفُّوا عَنْ مَسَاوِيهِمْ ). رواه أبو داود ( 4900 ) الترمذي ( 1019 ) وضعفه فقال: هذا حديث غريب سمعتُ محمَّدًا – أي: الإمام البخاري – يقول: عمران بن أنس المكي منكر الحديث.

وقد صحَّ في الباب عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( لَا تَسُبُّوا الْأَمْوَاتَ فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا ) رواه البخاري ( 1329 ).

 

ثانيًا:

والفرح بمهلك أعداء الإسلام وأهل البدع المغلظة وأهل المجاهرة بالفجور: مشروع، وهو من نِعَم الله على عباده وعلى الشجر والدواب، بل إن أهل السنَّة ليفرحون بمرض أولئك وسجنهم وما يحل بهم من مصائب.

ومما يدل على ما قلناه نصوص وآثار ووقائع، ومنها:

  1. قوله تعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً ) الأحزاب/ 9.

وفي الآية بيان أن إهلاك أعداء الله تعالى من نعَم الله على المسلمين التي تستوجب ذِكرًا وشكرًا.

  1. عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: مَرُّوا بِجَنَازَةٍ فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( وَجَبَتْ ) ثُمَّ مَرُّوا بِأُخْرَى فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا فَقَالَ ( وَجَبَتْ ) فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مَا وَجَبَتْ؟ قَالَ: ( هَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا فَوَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ وَهَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ ).

رواه البخاري ( 1301 ) ومسلم ( 949 ).

* قال بدر الدين العيني – رحمه الله -:

فإن قيل: كيف يجوز ذكر شر الموتى مع ورود الحديث الصحيح عن زيد بن أرقم في النهي عن سب الموتى وذكرهم إلا بخير؟ وأجيب: بأن النهي عن سب الأموات غير المنافق والكافر والمجاهر بالفسق أو بالبدعة، فإن هؤلاء لا يحرُم ذكرُهم بالشر للحذر من طريقهم ومن الاقتداء بهم.

” عمدة القاري شرح صحيح البخاري ” ( 8 / 195 ).

  1. عَنْ أَبِي قَتَادَةَ بْنِ رِبْعِيٍّ أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مُرَّ عَلَيْهِ بِجَنَازَةٍ فَقَالَ: ( مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ )، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْمُسْتَرِيحُ وَالْمُسْتَرَاحُ مِنْهُ؟ فَقَالَ: ( الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا، وَالْعَبْدُ الْفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ، وَالْبِلَادُ، وَالشَّجَر، وَالدَّوَابُّ ). رواه البخاري ( 6147 ) ومسلم ( 950 )، وبوَّب عليه النسائي في سننهِ ( 1931 ) : ” باب الاستراحةُ من الكفارِ “.

* قال النووي – رحمه الله -:

معنى الحديث: أن الموتى قسمان: مستريح ومستراح منه، ونصب الدنيا: تعبها، وأما استراحة العباد من الفاجر معناه : اندفاع أذاه عنهم، وأذاه يكون من وجوه، منها: ظلمه لهم، ومنها: ارتكابه للمنكرات فإن أنكروها قاسوا مشقة من ذلك، وربما نالهم ضرره، وإن سكتوا عنه أثموا.

واستراحة الدواب منه كذلك لأنه كان يؤذيها ويضربها ويحملها ما لا تطيقه ويجيعها في بعض الأوقات وغير ذلك.

واستراحة البلاد والشجر: فقيل: لأنها تمنع القطر بمصيبته قاله الداودي وقال الباجي لأنه يغصبها ويمنعها حقها من الشرب وغيره. ” شرح مسلم ” ( 7 / 20 ، 21 ).

  1. وقد سجد علي رضي الله عنه لله شكرًا لمقتل ” المخدَّج ” الخارجي لما رآه في القتلى في محاربته له.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وقاتل أمير المؤمنين علي بن أبى طالب رضي الله عنه الخوارجَ، وذكر فيهم سنَّة رسول الله المتضمنة لقتالهم، وفرح بقتلهم، وسجد لله شكراً لما رأى أباهم مقتولاً وهو ذو الثُّدَيَّة.

بخلاف ما جرى يوم ” الجمل ” و ” صفين “؛ فإن عليًّا لم يفرح بذلك، بل ظهر منه من التألم والندم ما ظهر، ولم يذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك سنَّة بل ذكر أنه قاتل باجتهاده. ” مجموع الفتاوى ” ( 20 / 395 ).

  1. ولما أُصيب المبتدع الضال ” ابن أبي دؤاد ” بالفالج – وهو ” الشلل النصفي ” -: فرح أهل السنَّة بذلك، حتى قال ابن شراعة البصري:

أفَلَتْ نُجُومُ سُعودِك ابنَ دُوَادِ … وَبَدتْ نُحُوسُكَ في جميع إيَادِ

فَرِحَتْ بمَصْرَعِكَ البَرِيَّةُ كُلُّها … مَن كَان منها مُوقناً بمعَادِ

لم يَبْقَ منكَ سِوَى خَيَالٍ لامِعٍ … فوق الفِرَاشِ مُمَهَّداً بوِسادِ

وَخَبتْ لَدَى الخلفاء نارٌ بَعْدَمَا … قد كنت تَقْدحُهَا بكُلِّ زِنادِ

” تاريخ بغداد ” للخطيب البغدادي ( 4 / 155 ).

وروى الخطيب في الموضع نفسه عن عبد العزيز بن يحيى المكي قال: دخلتُ على ” أحمد بن أبى دؤاد ” وهو مفلوج، فقلت: إني لم آتك عائدًا ولكن جئت لأحمد الله على أنه سجنك في جلدك. انتهى.

  1. قال الخلاَّل – رحمه الله -:

قيل لأبي عبد الله – أي: الإمام أحمد بن حنبل -: الرجل يفرح بما ينزل بأصحاب ابن أبي دؤاد، عليه في ذلك إثم؟ قال: ومن لا يفرح بهذا؟.

” السنَّة ” ( 5 / 121 ).

  1. قال ابن كثير – رحمه الله – فيمن توفي سنة 568 هـ -:

الحسن بن صافي بن بزدن التركي، كان من أكابر أمراء بغداد المتحكمين في الدولة، ولكنه كان رافضيًّا خبيثًا متعصبًا للروافض، وكانوا في خفارته وجاهه، حتى أراح الله المسلمين منه في هذه السنَة في ذي الحجة منها، ودفن بداره، ثم نقل إلى مقابر قريش، فلله الحمد والمنَّة.

وحين مات فرح أهل السنة بموته فرحًا شديدًا، وأظهروا الشكر لله، فلا تجد أحدًا منهم إلا يحمد الله. ” البداية والنهاية ” ( 12 / 338 ).

  1. وقال الخطيب البغدادي – رحمه الله – في ترجمة عبيد الله بن عبد الله بن الحسين أبو القاسم الحفَّاف المعروف بابن النقيب -:

كتبتُ عنه، وكان سماعه صحيحًا، وكان شديدًا في السنَّة، وبلغني أنه جلس للتهنئة لما مات ابن المعلم شيخ الرافضة وقال : ما أبالي أي وقت مت بعد أن شاهدت موت ابن المعلم. ” تاريخ بغداد ” ( 10 / 382 ).

وكل ما سبق – وغيره كثير – يدل على جواز الفرح بهلاك أعداء الإسلام، والكائدين له، وهلاك أهل الزندقة والبدع المغلظة، وهلاك أهل الفجور والفساد، بل يفرح أهل السنَّة بالمصائب التي تحل بهم كمرض أحدهم أو سجنه أو نفيه أو إهانته.

 

والله أعلم.

هل يجوز أن نقول ” لاتنس الله فينساك “؟

هل يجوز أن نقول ” لاتنس الله فينساك “؟

السؤال:

أريد معرفة هل قول ” لا تنس الله فينساك ” حرام أم حلال؟ وأريد الشرح؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

يأتي ” النسيان ” ويُراد به ” الذهول عن الشيء ” وهو هنا ضد التذكُّر، ويأتي ويراد به ” الترك ” وهو هنا ضد الفعل.

والأول نقص، ولذا كان منفيًّا عن الله تعالى، والثاني مثبت لله تعالى وليس نقصًا.

ثانيًا:

والنسيان على المعنى الثاني الثابت من أفعال الله تعالى وهو الترك: إنما كان جزاء وفاقًا على ترك المنافقين والكفار لشرع الله تعالى، فالمنافقون تركوا الالتزام في باطنهم بالشرع فتركهم الله في ظلمة الكفر وسيتركهم في ظلمةٍ عند الصراط.

قال تعالى ( الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) التوبة/ 67.

وقال تعالى  ( وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ ) البقرة/ 17.

والكفار تركوا الاستجابة لرسل الله تعالى فتركهم الله في ظلمة الجهل والكفر.

وكلا الفريقين سيتركهم في جهنم يوم القيامة خالدين فيها أبدًا.

قال تعالى ( فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) السجدة/ 14.

وقال تعالى ( وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ. الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ) الأعراف/ 50 ، 51.

* قال ابن كثير – رحمه الله -:

وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: نتركهم، كما تركوا لقاء يومهم هذا. وقال مجاهد: نتركهم في النار.

وقال السُّدِّي: نتركهم من الرحمة، كما تركوا أن يعملوا للقاء يومهم هذا.

” تفسير ابن كثير ” ( 3 / 425 ).

وروى مسلم ( 2968 ) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( فَيَلْقَى ( الله تعالى ) الْعَبْدَ فَيَقُولُ : أَي فُلْ أَلَمْ أُكْرِمْكَ وَأُسَوِّدْكَ وَأُزَوِّجْكَ وَأُسَخِّرْ لَكَ الْخَيْلَ وَالإِبِلَ وَأَذَرْكَ تَرْأَسُ وَتَرْبَعُ فَيَقُولُ: بَلَى، قَالَ: فَيَقُولُ: أَفَظَنَنْتَ أَنَّكَ مُلاَقِيَّ؟ فَيَقُولُ: لاَ، فَيَقُولُ: فَإِنِّي أَنْسَاكَ كَمَا نَسِيتَنِي ).

( أي فل ) معناه يا فلان.

( أسودك ) أي: أجعلك سيِّدًا على غيرك.

( تربع ) أي: تركتك مستريحًا لا تحتاج إلى مشقة وتعب.

وعليه:

فقول القائل ” لا تنس الله فينساك “: قول صحيح، ووعيد شرعي، ومعنى ” لا تنس الله ” أي: لا تترك حق الله، ولا تترك ما أمرك الله تعالى به، ومعنى ” ينساك ” أي: يتركك في غيِّك في الدنيا عقوبة على فعلك، ويتركك في العذاب يوم القيامة، فإن كانت معصية العبد دون الكفر المخرج من الملة: كان تركاً لأمَد، وإن كانت معصيته كفرًا مخرجًا عن الملة ومات عليه: كان تركًا للأبد.

ويؤيد ما قلناه من الجواز: قوله تعالى ( وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) الحشر/ 19.

* قال القرطبي – رحمه الله -:

( نَسُوا اللَّهَ ) أي: تركوا أمره.

( فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ ) أن يعملوا لها خيرًا.

” تفسير القرطبي ” ( 18 / 43 ).

* وقال ابن القيم – رحمه الله -:

فمن نسي الله تعالى: أنساه نفسه في الدنيا، ونسيه في العذاب يوم القيامة، قال تعالى ( وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى. قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا. قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى ) طه/ 124 – 126 ، أي: تُنسى في العذاب كما نسيت آياتي فلم تذكرها ولم تعمل بها، وإعراضه عن ذكره يتناول إعراضه عن الذِّكر الذي أنزله، وهو أن يذكر الذي أنزله في كتابه، وهو المراد بتناول إعراضه عن أن يذكر ربه بكتابه وأسمائه وصفاته وأوامره وآلائه ونعَمِه، فإن هذه كلها توابع إعراضه عن كتاب ربه تعالى.

” الوابل الصيب ” ( ص 67 ).

 

والله أعلم.

هل يجوز الصلاة في غرفة خُصصت لأتباع الأديان جميعًا وليس فيها شعارات دينية؟!

هل يجوز الصلاة في غرفة خُصصت لأتباع الأديان جميعًا وليس فيها شعارات دينية؟!

السؤال:

أنا طالب في إحدى الجامعات الألمانية، وقد حظينا بغرفة للصلاة وأداء الجمعة والجماعة في مقر السكن الطلابي، ولكن ذلك يبعد حوالي عشر دقائق من الجامعة، لذلك فقد اعتاد الطلاب المسلمون أن يصلّوا صلواتهم منفردين في بعض الغرف الفارغة أو خلف مبنى الكلية حيث يوجد مكان مناسب لذلك.

وفي محاولة لتسهيل أداء الصلاة في جماعة وتخصيص مكان لذلك داخل الجامعة نفسها: قامت رابطة الطلاب المسلمين داخل الجامعة بتقديم طلب لتزويدنا بغرفة لهذا الغرض، ولكن الجامعة رأت أنه لا يمكن أن تعطينا مكاناً آخر، وهي قد أعطتنا ذلك المصلَّى في السكن، ولكن تجاوبًا مع طلبنا قامت الجامعة بالسماح لنا بالصلاة في إحدى الغرف الهادئة والتي يستخدمها معظم الطلاب من مختلف الديانات، وقد حرصت الجامعة أن لا يوجد في هذه الغرفة أي رمز من رموز الديانات مثل الصلبان والأصنام … الخ، وقد توقعنا أن هذه الغرفة لن يستخدمها أحد بمجرد بدء استخدامنا لها كمصلى، وبالفعل كان توقعنا في محله، وقد بدأ الطلاب المسلمون – والذين قوامهم في بعض الأحيان يصل إلى حوالي ( 20 ) طالبًا – بأداء الصلاة في جماعة بانتظام ولله الحمد، إلا أن هناك إشكالًا صغيرًا، فهناك بعض الكتب المقدسة للمسيحين في هذه الغرفة، ولكنَّ أحدًا لا يلقي لها بالًا.

السؤال هو: هل تجوز الصلاة في هذه الغرفة والحالة هذه؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا حرج عليكم أن تصلوا في هذه الغرفة الصلوات الخمس وصلاة الجمعة، بل هو واجب عليكم، وليس يتيسر الأمر في تلك الديار كما يتيسر في بلاد المسلمين من وجود مساجد وجوامع تقام فيها الجمعة والجماعة، وعليه : فتكون تلك الغرفة هي مسجدكم.

* سئل علماء اللجنة الدائمة:

نعمل بمصفاة ” بترومين ” بالرياض، وعملنا ورديات حيث ننقسم إلى أربع مجموعات، وكل مجموعة توافق صلاة الجمعة في الشهر مرة واحدة داخل المصفاة، ويوجد عندنا مصلى داخل غرفة التحكم بالأجهزة، وإذا حان وقت صلاة الجمعة نصليها جمعة، مع أن عددنا يتراوح بين ( 13 إلى  15 ) موظفاً، فهل تصح صلاة الجمعة منَّا؟ حيث إننا لا نستطيع الخروج لظروف العمل مع العلم أننا نسكن في مدينة ” الرياض “، نرجو إفتاءنا بذلك.

فأجابوا:

إذا كان الأمر كما ذكر فإنكم تصلون جمعة في محل عملكم؛ لقوله تعالى: ( فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ) التغابن/ 16.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 8 / 194 ، 195 ).

 

ثانيًا:

ولا يمنع وجود بعض الكتب للديانة النصرانية أو غيرها من إقامة صلاة الجمعة والجماعة في تلك الغرفة.

* قال علماء اللجنة الدائمة:

إذا تمكن المسلمون من تخصيص محل لهم يجعلونه مسجداً ولا يكون في بناء مشترك مع أتباع الأديان الأخرى: تعيَّن عليهم ذلك، وإلا فيعبدون الله في المكان الذي يمكنهم، ولو كانوا هم وأتباع الأديان الأخرى تحت سقف واحد، سواء كان محجوزًا أو غير محجوز؛ لقوله سبحانه: ( فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ) التغابن/ 16.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 2 / 80 ، 81 ).

وبما أنه ليس في تلك الغرفة تماثيل ولا أصنام بل ولا صلبان: فالأمر حينئذٍ لا يدعو للقلق من جهة الصلاة فيها، وإذا كانت الصلاة في الكنيسة التي تخلو من التماثيل والأصنام جائزة: فهذه الغرفة الخالية من شعارات الأديان جميعها أولى.

وعليه: فلو جاء النصارى لهذه الغرفة وصلَّوا صلاتهم فيها: لم يكن ذلك بمانعكم من إقامة صلاة الجمعة وباقي الصلوات، وليس ثمة مشابهة في صورة الفعل بين صلاتنا وصلاة غيرنا لذا فإنه لا يقع اشتباه عند من يرى كلينا يصلي في تلك الغرفة، وهذا الملحظ الدقيق جعل الصلاة في الكنيسة جائزة، وجعل من الصلاة في مسجد المنافقين مسجد ” الضّرار ” غير جائزة.

* قال الشيخ صالح آل الشيخ – حفظه الله -:

لكن هنا إيراد: وهو أنه جاء الإذن عن الصحابة بالصلاة في الكنيسة، وقد صلَّى عمر رضي الله عنه في كنيسة ” بيت المقدس “، ومن الصحابة رضوان الله عليهم من صلَّى في كنائس بعض البلاد، فصلاتهم في الكنائس لله جل وعلا أليست مشابهة للصلاة في مسجد ” الضرار ” أو للذبح في مكان يذبح فيه لغير الله؟.

الجواب: أن هذا الإيراد ليس بوجيه؛ ذلك لأن نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في مسجد الضرار، وعن الذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله إنما هو: لأن صورة العبادة واحدة؛ فصورة الذبح من الموحد، ومن المشرك واحدة، وهي إمرار السكين وهي: آلة الذبح على الموضع من البهيمة المراد ذبحها، وإهراق دمها في ذلك المكان، والصورة الحاصلة من الموحد ومن المشرك واحدة، ولهذا فإنه لا تمييز بين الصورتين – من حيث الظاهر – وإن اختلفت مقاصدهما فكذلك صلاة النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة في مسجد الضرار فيها مشابهة من حيث الصورة لصلاة المنافقين، فرجع الاختلاف إلى اختلاف ما في القلب؛ والنيات، ومقاصد القلوب مما تخفى على الناس، ولهذا تقع المفسدة من حيث اشتباه الصورة الظاهرة، ولا يحصل بذلك الفعل ولو مع خلوص النية مصلحة.

وأما الصلاة في الكنيسة، فإن صورة الفعل مختلفة؛ لأن صلاة النصارى ليست على هيئة وصورة المسلمين، فيعلم من رأى المسلم يصلي أنه لا يصلي صلاة النصارى فليس في فعله إغراء بصلاة النصارى، ومشاركتهم فيها، فهذا هو الفرق بين المسألتين، وهو واضح بأدنى تأمل.

” التمهيد لشرح كتاب التوحيد ” ( ص 137 ، 138 ).

 

والله أعلم.

هل نرفع اليدين في قنوت الوتر عند الثناء الله تعالى أم فقط في حال الطلب؟

هل نرفع اليدين في قنوت الوتر عند الثناء الله تعالى أم فقط في حال الطلب؟

السؤال:

نلاحظ بعض الناس في دعاء القنوت لا يرفع يديه في بداية القنوت ( عند الثناء على الله ) حتى يبدأ الإمام بالدعاء.

هل في ذلك دليل أم أن الصحيح أن نرفع أيدينا في بداية القنوت؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

منع بعض العلماء من القنوت في الوتر، والصواب: ثبوت ذلك؛ لفعل بعض كبار الصحابة الأجلاء له في رمضان.

* قال محمد بن نصر المروزي – رحمه الله -:

عن الأسود صحبتُ عمرَ – يعني: ابن الخطاب – ستة أشهر، فكان يقنت في الوتر.

وكان عبد الله – يعني: ابن مسعود – يقنت في الوتر السنة كلها.

وعن علي – يعني: ابن أبي طالب -: أنه كان يقنت في رمضان كله، وفي غير رمضان في الوتر. ” مختصر قيام الليل ورمضان والوتر ” ( ص 314 ).

* وقال البيهقي – رحمه الله -:

إن عددًا من الصحابة رضي الله عنهم رفعوا أيديهم في القنوت، مع ما رويناه عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم .  ” السنن الكبرى ” ( 2 / 211 ).

ومنع بعض من أجاز القنوت من رفع اليدين فيه، ولكنَّ الصواب: أن الرفع في الوتر صحيح ثابت، إما بالقياس الصحيح على قنوت النوازل أو بفعل الصحابة الأجلاء له.

* قال محمد بن نصر المروزي – رحمه الله -:

سئل أحمد عن القنوت، في الوتر قبل الركوع أم بعده؟ وهل ترفع الأيدي في الدعاء في الوتر، فقال: القنوت بعد الركوع، ويرفع يديه؛ وذلك على قياس فعل النبي صلى الله عليه وسلم في القنوت في الغداة.

وبذلك قال أبو أيوب، وأبو خيثمة، وابن أبي شيبة، رحمهم الله.

” مختصر قيام الليل ورمضان والوتر ” ( ص 318 ).

وهو قول علماء اللجنة الشيخ عبد العزيز بن باز والشيخ العثيمين.

* قال علماء اللجنة الدائمة:

رفع اليدين حال الدعاء في دعاء القنوت وغيره: سنَّة ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ بكر أبو زيد. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” المجموعة الثانية ( 6 / 73 ).

* وقال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

يشرع رفع اليدين في قنوت الوتر؛ لأنه من جنس القنوت في النوازل، وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه رفع يديه حين دعائه في قنوت النوازل، خرَّجه البيهقي رحمه الله بإسناد صحيح .” فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 30 / 51 ).

* وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

نعم, من السنَّة أن يرفع الإنسان يديه عند دعاء القنوت؛ لأن ذلك وارد عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قنوته حين كان يقنت في الفرائض عند النوازل، وكذلك صح عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه رفع اليدين في قنوت الوتر، وهو أحد الخلفاء الراشدين الذين أمرنا باتباعهم.

فرفع اليدين عند قنوت الوتر سنَّة، سواء كان إماماً، أو مأمومًا، أو منفردًا، فكلما قنتَّ: فارفع يديك. ” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 14 / 136 ، 137 ).

 

ثانيًا:

والذي يظهر لنا أن رفع اليدين في قنوت الوتر يبدأ من أول الدعاء، ومن السنة البداءة بالثناء قبل الشروع في الدعاء، ولا نرى لمن خفض يديه عند الثناء أو لمن بدأ برفعهما عند الشروع بالدعاء وجهًا، ولا نرى تضادًّا بين رفع اليدين مع الثناء، ويمكن الاستدلال على الجواز من وجوه ثلاثة:

الوجه الأول:

ثبوت الرفع نصّاً في الثناء على الله عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أفقه أصحابه:

  1. عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ – وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم قَالَ : كُنْتُ أَرْتَمِي بِأَسْهُمٍ لِي بِالْمَدِينَةِ فِى حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذْ كَسَفَتِ الشَّمْسُ فَنَبَذْتُهَا فَقُلْتُ وَاللَّهِ لأَنْظُرَنَّ إِلَى مَا حَدَثَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في كُسُوفِ الشَّمْسِ قَالَ فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ قَائِمٌ فِى الصَّلاَةِ رَافِعٌ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يُسَبِّحُ وَيَحْمَدُ وَيُهَلِّلُ وَيُكَبِّرُ وَيَدْعُو حَتَّى حُسِرَ عَنْهَا. رواه مسلم ( 913 ).
  2. عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ : انْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصْلِحُ بَيْنَ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ فَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَجَاءَ الْمُؤَذِّنُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَأَمَرَهُ أَنْ يَجْمَعَ النَّاسَ وَيَؤُمَّهُمْ فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَرَقَ الصُّفُوفَ حَتَّى قَامَ فِي الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ وَصَفَّحَ النَّاسُ بِأَبِي بَكْرٍ لِيُؤْذِنُوهُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ لَا يَلْتَفِتُ فِي الصَّلَاةِ فَلَمَّا أَكْثَرُوا عَلِمَ أَنَّهُ قَدْ نَابَهُمْ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِمْ فَالْتَفَتَ فَإِذَا هُوَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْ كَمَا أَنْتَفَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ يَدَيْهِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِلِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ رَجَعَ الْقَهْقَرَى وَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ مَا مَنَعَكَ إِذْ أَوْمَأْتُ إِلَيْكَ أَنْ تُصَلِّيَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَا كَانَ يَنْبَغِي لِابْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَنْ يَؤُمَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ لِلنَّاسِ مَا ( بَالُكُمْ صَفَّحْتُمْ إِنَّمَا التَّصْفِيحُ لِلنِّسَاءِ ) ثُمَّ قَالَ ( إِذَا نَابَكُمْ شَيْءٌ فِي صَلَاتِكُمْ فَسَبِّحُوا ). رواه النسائي في ” سننه ” ( 1183 ) وصححه الألباني في ” صحيح النسائي “. وبوَّب عليه النسائي رحمه الله بقوله :” بَاب رَفْعِ الْيَدَيْنِ وَحَمْدِ اللَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ “.

* قال الشيخ عبد المحسن العبَّاد – حفظه الله -:

الحديث دالٌّ على ما ترجم له المصنِّف، من جهة رفع اليدين، وحمد الله والثناء عليه في الصلاة. ” شرح سنن النسائي ” ( شريط رقم 239 ).

الوجه الثاني:

أنه قد ثبت في السنَّة الصحيحة أدعية لا بصيغة الطلب بل بصيغة الثناء والذِّكر، وهي في الحقيقة أدعية عند تأمل حقيقتها، ومما ورد في ذلك:

أ. عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( أَفْضَلُ الذِّكْرِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ ، وَأَفْضَلُ الدُّعَاءِ الحَمْدُ لِلَّهِ ). رواه الترمذي (3383 ) – وحسَّنه -، وابن ماجه ( 3800 ) وحسَّنه الألباني في ” صحيح الترمذي”.

* قال ابن عبد البر – رحمه الله -:

وأما قوله في حديث جابر ( أفضل الدعاء الحمد لله ): فإن الذِّكر كله دعاء عند العلماء. ” التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد ” ( 6 / 43 ).

* وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

الثناء يتضمن مقصود الدعاء كما في الحديث – وساق حديث جابر – فإن ثناء الداعي على المدعو بما يتضمن حصول مطلوبة قد يكون أبلغ من ذكر المطلوب كما قيل: إذَا أَثْنَى عَلَيْك الْمَرْءُ يَوْمًا * * * كَفَاهُ مِنْ تَعَرُّضِهِ الثَّنَاءُ ” مجموع فتاوى ابن تيمية ” ( 22 / 381 ، 382 ).

ب. عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَدْعُو عِنْدَ الْكَرْبِ ( لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ). رواه البخاري ( 5985 ) ومسلم ( 2730 ).

ج. عَنْ سَعْد بن أبي وقاص قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا وَهُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنْ الظَّالِمِينَ فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ ).

رواه الترمذي ( 3505 )، وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

 

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

فما دُفعت شدائد الدنيا بمثل التوحيد، ولذلك كان دعاء الكرب بالتوحيد، ودعوة ذي النون التي ما دعا بها مكروب إلا فرج الله كرْبه بالتوحيد، فلا يُلقي في الكرب العظام إلا الشرك، ولا ينجِّي منها إلا التوحيد، فهو مفزع الخليقة وملجؤها وحصنها وغياثها. ” الفوائد ” ( ص 53 ).

والوجه الثالث:

أن الثناء على الله تعالى في أول الدعاء هو جزء منه لا أجنبي عنه.

عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِتَحْمِيدِ اللَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ ثُمَّ لْيُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ لْيَدْعُ بَعْدُ بِمَا شَاءَ ). رواه الترمذي ( 3477 ) وصححه، وأبو داود ( 1481) وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي ” . ومعنى ( صلَّى ) أي: دعا.

وكيف يفعل المانعون من رفع اليدين في الثناء على الله تعالى لو كان هذا الثناء في وسط الدعاء؟! فقد جاء في وسط دعاء الاستخارة ( فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علاَّم الغيوب ) فهل تُنزل الأيدي في وسط هذا الدعاء وتُرفع في أوله وفي آخره؟!.

وبه يتبين: أن الثناء على الله تعالى يتضمن الدعاء، بل هو أبلغ منه من وجوه كثيرة ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية – انظر ” مجموع الفتاوى ” ( 22 / 376 – 389 ) – ومنها أن الدعاء يكون من الكافر والمؤمن وأما الثناء فلا يكون إلا من المؤمن، وقد سبق في الأحاديث إطلاق الدعاء على الذِّكر وعلى الثناء على الله تعالى.

وبه يُعلم أنه لا وجه لعدم رفع اليدين في أول الدعاء عند الثناء؛ لأن الثناء على الله في أول الدعاء هو جزء من الدعاء، بل قد ذكرنا عن أبي بكر الصدِّيق رضي الله عنه رفع يديه في الثناء وحده.

 

والله أعلم.

هل كلَّم الله عزَّ وجلَّ نبيَّنا محمَّدًا صلى الله عليه وسلم؟

هل كلَّم الله عزَّ وجلَّ نبيَّنا محمَّدًا صلى الله عليه وسلم؟

السؤال:

ما الدليل على أن الله تعالى كلَّم النبيَّ محمداً صلى الله عليه وسلم؟ وما تفصيل الخلاف؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

أخبر الله تعالى في كتابه الكريم عن طرق الوحي لرسله الكرام عليهم السلام، وكان منها: التكليم من وراء حجاب، قال تعالى ( وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ) الشورى/ 51.

وأخبر تعالى أن التكليم من وراء حجاب هو منزلة عالية للنبي المكلَّم، قال تعالى ( تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ) البقرة/ 253.

ومن هؤلاء المكلَّمين:

  1. آدم عليه السلام.

عن أبي أمامة أن رجلًا قال: يا رسول الله أنبيٌّ كان آدم؟ قال: ( نَعَمْ مُكَلَّمٌ ) قال: فكم كان بينه وبين نوح؟ قال: ( عَشْرَةُ قُرُون ). رواه ابن حبان في ” صحيحه ” ( 14 / 69 ) وصححه شعيب الأرناؤوط محقق الكتاب.

  1. موسى عليه السلام.

قال تعالى ( وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا ) النساء/ 164، وقال عز وجل ( وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ  ) الأعراف/ 143، وقال سبحانه ( يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي ) لأعراف/ 144.

  1. محمَّد صلَّى الله عليه وسلم.

وهو ثابت في رحلة المعراج إلى السماء، وفيها قوله صلى الله عليه وسلم:

( فَرَجَعْتُ فَمَرَرْتُ عَلَى مُوسَى فَقَالَ: بِمَا أُمِرْتَ؟ قَالَ: أُمِرْتُ بِخَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ، قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لَا تَسْتَطِيعُ خَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ وَإِنِّي وَاللَّهِ قَدْ جَرَّبْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ وَعَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ الْمُعَالَجَةِ فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ، فَرَجَعْتُ ، فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ مِثْلَهُ … فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ قَالَ: سَأَلْتُ رَبِّي حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ وَلَكِنِّي أَرْضَى وَأُسَلِّمُ.

رواه البخاري ( 3674 ) ومسلم ( 162 ).

 

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

هذا من أقوى ما استُدل به على أن الله سبحانه وتعالى كلَّم نبيَّه محمَّدًا صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء بغير واسطة .” فتح الباري ” ( 7 / 216 ).

* وقال ابن كثير – رحمه الله -:

( مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ ) يعني: موسى ومحمَّدًا صلى الله عليه وسلم، وكذلك آدم، كما ورد به الحديث المروي في ” صحيح ابن حبان ” عن أبي ذر رضي الله عنه.

( وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ) كما ثبت في حديث الإسراء حين رأى النبي صلى الله عليه وسلم الأنبياء في السموات بحسب تفاوت منازلهم عند الله عز وجل.

” تفسير ابن كثير ” ( 1 / 670 ).

وحديث أبي ذر الذي أشار إليه ابن كثير رحمه الله هو في ” صحيح ابن حبان ” ( 2 / 76 ) وقال عنه الشيخ شعيب الأرناؤوط: إسناده ضعيف جدًّا.

قلنا : ويغني عنه حديث أبي أمامة رضي الله عنه المتقدم.

 

ثانيًا:

– فائدة في اختصاص موسى عليه السلام بتسميته ” كليم الله “:

* قال الشيخ عبد الرحمن المحمود – حفظه الله -:

ولعل العلة – والعلم عند الله سبحانه وتعالى – في تسمية موسى ” كليم الله ” مع أن الله كلَّم محمَّدًا وكلَّم آدم: أن الله كلَّمه على الأرض وهو على طبيعته البشرية, بخلاف تكليم الله لآدم فإنه كلمه وهو في السماء, وتكليم الله لمحمَّد فإنه كلمه وقد عرج بروحه وجسده إلى السماء, أما تكليمه لموسى : فهو على الأرض, وهذا فيه خصوصية لموسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم.

” تيسير لمعة الاعتقاد ” ( ص 152 ) – ترقيم الشاملة -.

 

والله أعلم.

هل تحسين القراءة في الصلاة من الرياء؟ وهل يترك الإمامة من يخاف من ذلك؟

هل تحسين القراءة في الصلاة من الرياء؟ وهل يترك الإمامة من يخاف من ذلك؟

السؤال:

منَّ الله عليَّ بصوت حسن وتلاوة طيبة لكتابه العزيز، وقد اقترح عليَّ أهل المسجد أن أكون إماماً لهم في صلاة التراويح، علمًا بأني أحفظ أكثر من نصف القرآن، وأسأل الله أن يتم عليَّ نعمته بحفظ كتابه، وقد ترددت في البداية خوفاً من الرياء لكنِّي استخرت الله عز وجل، ثم قبلت، والآن أنا أؤم القوم في المسجد ولكني أخاف من الرياء وأن يحبط عملي، ودائمًا أسأل الله الإخلاص، وتراني أحاول إتقان التلاوة عندما أؤم الناس لكي يخشعوا أما أنا فأتأثر بالآيات إذا فرأتها وحدي، وعندما أكون إماماً أحاول أن أتأثر بها وأن أتفكر في معانيها لكني قلَّ ما أفعل, وإن فعلت فأحاول أن لا أظهر ذلك أمام الناس.

فماذا يجب أن تكون نيتي وأنا أؤم الناس؟ وكيف أحقق الإخلاص وأتغلب على وسواس الرياء؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

اعلم أخانا الفاضل أن للشيطان مداخل على الصالحين ليتركوا طاعاتهم وعباداتهم، فليس كل ما تشعر به أنه رياء هو كذلك، وودَّ الشيطان لو ظفر بهذا من مثلك ليترك أحدكم طاعته وعبادته فيحقق للشيطان مقصوده، وإنما يبحث المسلم عن قلبه فيرى سلامته من عدمه، وينزه أفعاله أن تُصرف لغير الله، فيحافظ على عبادته أن لا يقوم بها، ويحافظ عليها أن لا يضيع أجرها عند ربه.

 

ثانيًا:

ومما ينبغي عليك معرفته أن تحسين الصوت وإتقان التلاوة في الصلاة ليسمعها الناس ليست من باب الرياء والسمعة من جهة، وهي كذلك من جهة أخرى:

  1. فإذا كنتَ تقصد بحسن قراءتك حصول الخشوع لقلبك والبكاء لعينك، أو من أجل أن يتأثر الناس: فعملك مشروع، بل هو مرغَّب فيه، ومما يدل على ذلك:

أ. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ ). رواه البخاري ( 7089 ).

* قال النووي – رحمه الله -:

وقوله ( يتغنى بالقرآن ) معناه عند الشافعي وأصحابه وأكثر العلماء من الطوائف وأصحاب الفنون: يحسِّن صوته به. ” شرح مسلم ” ( 6 / 78 ).

والحديث رواه أبو داود ( 1471 ) وفيه زيادة:

قَالَ عبد الجبار بن الورد – أحد رجال الإسناد -: فَقُلْتُ لِابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ أَرَأَيْتَ إِذَا لَمْ يَكُنْ حَسَنَ الصَّوْتِ؟ قَالَ: ” يُحَسِّنُهُ مَا اسْتَطَاعَ “.

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

الذي يتحصل من الأدلة: أن حسن الصوت بالقرآن مطلوب، فإن لم يكن حسناً فليحسنه ما استطاع كما قال ابن أبي مليكة أحد رواة الحديث، وقد أخرج ذلك عنه أبو داود بإسناد صحيح. ” فتح الباري ” ( 9 / 72 ).

ب. عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ ). رواه أبو داود ( 1468 ) والنسائي ( 1015 ) وابن ماجه ( 1342 ).

* قال الإمام أبو بكر الآجُرِّي – رحمه الله -:

عن صالح بن أحمد بن حنبل عن أبيه قال: قلت له قول النبي صلى الله عليه وسلم ( زينوا القرآن بأصواتكم ) ما معناه؟ قال: التزين: أن تحسِّنه.

” أخلاق أهل القرآن ” ( ص 160 ) وصححه محققه عنه.

ومما يؤكِّد جواز التكلف من أجل تحسين القراءة وجمال الصوت:

ج. عَنْ أَبِى مُوسَى قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ( لَوْ رَأَيْتَنِي وَأَنَا أَسْمَعُ قِرَاَءَتَكَ الْبَارِحَةَ لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَاراً مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ ) فَقَالَ: لَوْ عُلِّمْتُ لحَبَّرْتُهُ لَكَ تَحْبِيرًا. رواه البيهقي في ” سننه ” ( 3 / 12 ) وقال الألباني – في ” صحيح أبي داود ” ( 5 / 232 ) -: سنده جيد على شرط مسلم.

* قال الحافظ ابن كثير – رحمه الله -:

فدل على جواز تعاطي ذلك وتكلفه، وقد كان أبو موسى كما قال عليه السلام قد أعطي صوتًا حسنًا، مع خشية تامة ورقة أهل اليمن الموصوفة، فدل على أن هذا من الأمور الشرعية . ” تفسير ابن كثير ” ( 1 / 63 ).

* وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

قال العلماء: وفي هذا دليل على أن الإنسان لو حسَّن صوتَه بالقرآن لأجل أن يتلذذ السامع ويسر به: فإن ذلك لا بأس به، ولا يعدُّ من الرياء، بل هذا مما يدعو إلى الاستماع لكلام الله عز وجل حتى يسر الناس به. ” شرح رياض الصالحين ” ( 4 / 662 ).

  1. وأما إن كنتَ تحسِّن صوتك في قراءتك للقرآن من أجل أن يمدحك الناس، أو من أجل أن يقولوا: هذا قراءته جيدة: فيكون فعلك من باب الرياء والسمعة.

* قال الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله -:

والرياء مأخوذ من الرؤية، وذلك بأن يزيِّن العمل ويحسِّنه من أجل أن يراه الناس ويمدحوه ويثنوا عليه، أو لغير ذلك من المقاصد، فهذا يسمَّى رياء؛ لأنه يقصد رؤية الناس له.

والفرق بين الرياء والسمعة: أن الرياء فيما يُرى من الأعمال التي ظاهرها لله وباطنها لغيره كالصلاة والصدقة، أما السمعة: فهي لِمَا يُسْمَع من الأقوال التي ظاهرها لله والقصد منها لغير الله كالقراءة والذكر والوعظ وغير ذلك من الأقوال، وقصد المتكلِّم أن يَسمع النّاس كلامه فيثنوا عليه، ويقولوا: هو جيِّد في الكلام، جيِّد في المحاورة، جيِّد في الخُطْبة، إنه حسن الصوت في القرآن إذا كان يحسِّن صوته بالقرآن لأجل ذلك، فإذا كان يُلقي المحاضرات والندوات والدروس من أجل أن يمدحه النّاس: فهذا سُمعة. “إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد  ” ( ص 646 ).

 

ثالثًا:

ونختم معك سؤالك المهم بوصيتين جامعتين إحداهما لإمامٍ من السلف، والأخرى لإمام معاصر، ومع الوصية الثانية إجابة على مسائلك كلها؛ حيث ورد لصاحبها سؤال مطابق لسؤالك.

أ. * قال الإمام أبو بكر الآجُرِّي – رحمه الله -:

ينبغي لمن رزقه الله حسن الصوت بالقرآن أن يعلم أن الله قد خصه بخير عظيم فليعرف قدر ما خصه الله به وليقرأ لله لا للمخلوقين وليحذر من الميل إلى أن يستمع منه ليحظى به عند السامعين رغبة في الدنيا والميل إلى حسن الثناء والجاه أبناء الدنيا والصلات بالملوك دون الصلات بعوام الناس فمن مالت نفسه إلى ما نهيته عنه خفت أن يكون حسن صوته فتنة عليه وإنما ينفعه حسن صوته إذا خشي الله عز وجل في السر والعلانية وكان مراده أن يستمع منه القرآن لينتبه أهل الغفلة عن غفلتهم فيرغبوا فيما رغبهم الله عز وجل وينتهوا عما نهاهم ممن كانت هذه صفته انتفع بحسن صوته وانتفع به الناس. ” أخلاق أهل القرآن ” ( ص 161 ).

ب. * سئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

ما هو السبيل في عدم الشعور بإتقان الصلاة والخشوع فيها حيث إنني أقوم إماماً لأهل الحي في الصلوات الخمس ولله الحمد، ولكن كل محاولتي لحفظ القرآن وتجويد القراءة أثناء كل صلاتي: أشعر أني أرائي الناس فيها خاصة الصلوات الجهرية، حيث إنني أحسن من الصوت وإطالة القراءة حتى يخيل إليَّ أني أفعل ذلك من أجل إشعار الناس أني أهل للإمامة، ما حكم ذلك؟

فأجاب:

عليك – يا أخي – أن تستمر في عملك هذا، مع سؤال الله التوفيق للإخلاص والحرص على التعوذ بالله من الرياء، وأبشر بالخير، ودع عنك الوساوس التي يمليها الشيطان بأنك تقصد الرياء وتحسين صوتك لأجل مدح الناس أو ليقولوا : إنك أهل للإمامة دع عنك هذه الوساوس وأبشر بالخير وأنت مأمور بتحسين الصوت في القراءة حتى ينتفع بك المأمومون ولا عليك شيء مما يخطر من الوساوس بل حاربها، حاربها بالتعوذ بالله من الشيطان وسؤال الله التوفيق والهداية والإعانة على الخير وأنت على خير عظيم واستمر في الإمامة وأحسن إلى إخوانك واجتهد في تحسين الصوت، فقد جاء الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه قال ( ليس منا من لم يتغن بالقرآن – يجهر به – ) يعني: يحسِّن صوته بالقراءة، فتحسين الصوت بالقراءة من أعظم الأسباب للتدبر والتعقل وفهم المعنى والتلذذ بسماع القرآن، وفي الحديث الصحيح يقول النبي صلى الله عليه وسلم ( ما أذِن الله لشيء ما أذن لنبيٍّ حسن الصوت بالقرآن يجهر به ) – رواه البخاري – يعني: ما استمع الله سبحانه لشيء كاستماعه لنبي، وهو استماع يليق بالله لا يشابهه صفات المخلوقين؛ فإن صفات الله سبحانه تليق به لا يشابهه أحد من خلقه جل وعلا، كما قال سبحانه ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) الشورى/ 11، ولكن يدلنا هذا على أن الله سبحانه يحب تحسين الصوت بالقراءة، ويحب أن القراء يجتهدون في تحسين أصواتهم حتى ينتفعوا وحتى ينتفع من يستمع لقراءتهم، وما يخطر ببالك من الرياء : فهو من الشيطان، فلا تلتفت إلى ذلك، وحارب عدو الله بالاستعاذة بالله منه والاستمرار بتحسين صوتك والإحسان في قراءتك مع الخشوع في ركوعك وسجودك وسائر أحوال الصلاة وأنت على خير إن شاء الله، نسأل الله لنا ولك التوفيق والثبات على الحق . ” مجموع فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 30 / 129 – 131 ).

فكما علمتَ فإنَّ تحسين صوتك في القراءة أمر مرغَّب به بل هو واجب، وتجنب فعل ذلك من أجل مدح الناس لك، ولتكن نيتك الاستجابة لأمر النبي صلى اله عليه وسلم بالتغني بالقرآن وبتزيينه بالصوت الحسن، ولتكن نيتك أن يتأثر الناس بكلام الله ويخشعون بسماعه، وجاهد نفسك لتكون واحداً منهم في تأثير القرآن عليك، واصرف عنك وسوسة الشيطان بترك الإمامة، بل ابق فيها مع حسن النية والقصد.

 

والله أعلم.

هل أمر ابن أم مكتوم بصلاة الجماعة في المسجد مع أعذاره الكثيرة ينافي الرحمة؟

هل أمر ابن أم مكتوم بصلاة الجماعة في المسجد مع أعذاره الكثيرة ينافي الرحمة؟

السؤال:

ديننا دين الرحمة، ونبينا نبي الرحمة، وربنا الرحمن الرحيم، فلماذا لم يرخص رسولنا الكريم لعبد الله بن أم مكتوم بالصلاة في بيته مع ما يلاقيه من مخاطر في طريقه للمسجد ولا يجد من يقتاده إلى المسجد ؟ وجزاكم الله كل خير.

 

الجواب:

الحمد لله

أشكل حديث عبد الله بن أم مكتوم في ” صلاة الجماعة ” على كثيرين، وقد تعددت الأقوال في فهمه وتنوعت الآراء في توجيهه، ونحن نذكر الحديث وما وقفنا عليه من تلك الأقوال والآراء.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ أَعْمَى فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ لَيْسَ لِي قَائِدٌ يَقُودُنِي إِلَى الْمَسْجِدِ فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُرَخِّصَ لَهُ فَيُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ فَرَخَّصَ لَهُ فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ فَقَالَ ( هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ؟ ) قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ( فَأَجِبْ ). رواه مسلم ( 653 ).

وعَنْ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي رَجُلٌ ضَرِيرُ الْبَصَرِ شَاسِعُ الدَّارِ وَلِي قَائِدٌ لَا يُلَائِمُنِي فَهَلْ لِي رُخْصَةٌ أَنْ أُصَلِّيَ فِي بَيْتِي؟ قَالَ: ( هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ؟ ) قَالَ: نَعَمْ، قَالَ ( لَا أَجِدُ لَكَ رُخْصَةً ).

سنن أبي داود ( 552 ) ابن ماجه ( 792 )، وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

وفي رواية عند أحمد قال ابن أم مكتوم: إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَ الْمَسْجِدِ نَخْلًا وَشَجَرًا وَلَا أَقْدِرُ عَلَى قَائِدٍ كُلَّ سَاعَةٍ أَيَسَعُنِي أَنْ أُصَلِّيَ فِي بَيْتِي؟ قَالَ ( أَتَسْمَعُ الْإِقَامَةَ ؟ ) قَالَ: نَعَمْ، قَالَ ( فَأْتِهَا ). رواه أحمد ( 24 / 245 ) وصححه محققو المسند، وصححه الألباني في ” صحيح الترغيب والترهيب ” ( 1 / 103 ).

فهذه الروايات جمعت أعذارًا كثيرة لابن أم مكتوم ولم تكن مانعة من إيجاب صلاة الجماعة عليه، وهذه الأعذار هي:

فقد البصر، عدم وجود قائد يقوده للمسجد أو وجود غير ملائم، بُعد الدار عن المسجد، وجود حوائل بينه وبين المسجد كالشجر والنخيل، وجود الهوام والسباع.

ووجود هذه الأعذار مع ظاهر الأمر بصلاة الجماعة في المسجد جعلت بعض أهل العلم لا يرى ما يدل عليه الحديث من وجوب حضور ذاك الصحابي جماعة المسجد؛ لأن الشريعة جاءت بحفظ النفوس، ولم تجوِّز إلقاء النفس في التهلكة، حتى قال بعض العلماء إن الحديث لم يقل بظاهره أحد.

 

* قال ابن رجب الحنبلي – رحمه الله -:

وقد أشار الجوزجاني إلى أن حديث ابن أم مكتوم لم يقل أحد بظاهره.

يعني: أن هذا لم يوجب حضور المسجد على من كان حاله كحال ابن أم مكتوم. ” فتح الباري ” لابن رجب ( 2 / 391 ).

ويمكن حصر الموقف من هذا الحديث بما يأتي:

  1. قال بعض العلماء إن الحديث يدل على وجوب حضور ذاك الصحابي مع تلك الأعذار جماعة المسجد لكنه منسوخ بحديث آخر يرفع الوجوب عمن هو أقل منه عذراً، وهو حديث عتبان بن مالك، ونصه:

عن عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ الْأَنْصارِيَّ قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي لِقَوْمِي بَنِي سَالِمٍ فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ إِنِّي أَنْكَرْتُ بَصَرِي وَإِنَّ السُّيُولَ تَحُولُ بَيْنِي وَبَيْنَ مَسْجِدِ قَوْمِي فَلَوَدِدْتُ أَنَّكَ جِئْتَ فَصَلَّيْتَ فِي بَيْتِي مَكَانًا حَتَّى أَتَّخِذَهُ مَسْجِدًا فَقَالَ ( أَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ) فَغَدَا عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ مَعَهُ بَعْدَ مَا اشْتَدَّ النَّهَارُ فَاسْتَأْذَنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَذِنْتُ لَهُ فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى قَالَ ( أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ ) فَأَشَارَ إِلَيْهِ مِنْ الْمَكَانِ الَّذِي أَحَبَّ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ فَقَامَ فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ ثُمَّ سَلَّمَ وَسَلَّمْنَا حِينَ سَلَّمَ. رواه البخاري ( 804 ) ومسلم ( 33 ).

* قال ابن رجب الحنبلي – رحمه الله -:

ومن الناس من أشار إلى نسخ حديث ابن أم مكتوم بحديث عتبان؛ فإن الأعذار التي ذكرها ابن أم مكتوم يكفي بعضها في سقوط حضور المسجد.

” فتح الباري ” لابن رجب ( 2 / 389 ، 390 ).

  1. وقال آخرون: إن ابن أم مكتوم كان طلبه الحصول على أجر الجماعة في المسجد إذا صلَّى في بيته كونه معذوراً بتلك الأعذار، فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا أجر إلا بالحضور.

* قال الخَطَّابيُّ – رحمه الله -:

وأكثر أصحاب الشَّافعيِّ على أنَّ الجماعة فرضٌ على الكِفاية، لا على الأعيان، وتأوّلوا حديث ابن أُمِّ مَكْتُوم على أنَّه لا رخصة لك إن طلبت فضيلة الجماعة، وأنك لا تحرز أجرها مع التخلف عنها بحال. ” معالم السنن “( 1 / 292).

  1. وقال فريق ثالث: إن الأمر بحضور الصلاة في المسجد بقوله ( أَجِبْ ) لا يُحمل على الوجوب بل على الاستحباب.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

قال المسقطون لوجوبها: هذا أمر استحباب لا أمر إيجاب.

” الصلاة وحكم تاركها ” ( ص 144 ).

هذه مجمل الموقف من حديث ابن أم مكتوم، والذي يظهر لنا أن كل ما سبق لا ينهض لرد ظاهر الحديث من إيجاب الجماعة على ابن أم مكتوم رضي الله عنه، ومن كان مثل حاله، وأنه ليس في ذلك إلقاء للنفس في التهلكة، وكل أوامر الشرع لا يُكلَّف بها إلا المستطيع على أدائها، والمشقة لا تُسقط الواجبات، بل الذي يسقطها وجود الضرر.

والقول بالنسخ بعيدٌ لأسباب منها:

أ. أنه لا يُعرف المتقدم من المتأخر من الحديثين، وهذا شرط للقول بالنسخ.

ب. وجود الفرق بين حال الصحابيين رضي الله عنهما، فقد كان ابن أم مكتوم قد وُلد أعمى، ومثل هذا يكيِّف نفسه على الحياة ويستطيع ما لا يستطيعه ممن عمي في كبره، وقد لحظ هذا بعض العلماء ولذا فرَّقوا بين ابن أم مكتوم وبين عتبان رضي الله عنه والذي عمي في كبره.

ج. أن ابن أم مكتوم رضي الله عنه أراد الرخصة للصلاة في البيت، وعتبان رضي الله عنه أراد أن يتخذ مسجدًا في داره ليصلي فيه هو وأهل بيته ومن قرب منهم، فهو قد انتقل من مسجد إلى مسجد، وابن أم مكتوم أرد الانتقال إلى بيته، فافترقا، وهذا أحسن ما جُمع به بين الحديثين.

* قال ابن رجب الحنبلي – رحمه الله -:

ويحتمل أن يكون عتبان جعل موضع صلاة النبي صلى الله عليه وسلم من بيته مسجدًا يؤذن فيه، ويقيم، ويصلِّي بجماعة أهل داره ومن قرُب منه، فتكون صلاته حينئذ في مسجد: إما مسجد جماعة، أو مسجد بيت يجمع فيه، وأما ابن أم مكتوم فإنه استأذن في صلاته في بيته منفرداً، فلم يأذن له، وهذا أقرب ما جمع به بين الحديثين.  ” فتح الباري ” لابن رجب ( 2 / 391 ، 392 ).

د. ليس في حديث عتبان رضي الله عنه أنه كان يسمع النداء، بخلاف ابن أم مكتوم.

وتأويل ( لا رخصة لك ) على معنى ” إن طلبت فضيلة الجماعة ” لا يظهر صوابه؛ لأنه لا يقال ” لا رخصة في ترك فضيلة “، بل الرخصة تكون في ترك واجب.

* قال الإمام ابن خزيمة – رحمه الله – مبوِّباً على حديث ابن أم مكتوم:

باب أمر العميان بشهود صلاة الجماعة وإن كانت منازلهم نائية عن المسجد لا يطاوعهم قائدوهم بإتيانهم إياهم المساجد والدليل على أن شهود الجماعة فريضة لا فضيلة إذ غير جائز أن يقال لا رخصة للمرء في ترك الفضيلة.

” صحيح ابن خزيمة ” ( 2 / 368 ).

وحمل قوله صلى الله عليه وسلم ( أَجِب ) على الاستحباب خلاف الأصل؛ لأن الأصل في الأوامر الوجوب.

والقول بالوجوب لمثل حال ابن أم مكتوم هو القول الصواب ما لم يكن الضرر متحققًا بيقين أو غلبة ظن، وهو القول الراجح، وهو قول أكابر أئمة الحديث.

 

 

* قال ابن المنذر – رحمه الله -:

ذكر إيجاب حضور الجماعة على العميان وإن بعُدت منازلهم عن المسجد، ويدل ذلك على أن شهود الجماعة فرض لا ندب.

” الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف ” ( 4 / 132 ).

* وقال – رحمه الله – أيضًا -:

فدلَّت الأخبار التي ذكرناها على وجوب فرض الجماعة على مَن لا عذر له، فمما دل عليه قوله لابن أم مكتوم وهو ضرير ( لا أجد لك رخصة )، فإذا كان الأعمى كذلك لا رخصة له: فالبصير أولى بأن لا تكون له رخصة.

” الأوسط ” ( 4 / 134 ).

ولا يتصورنَّ أحدٌ أن الشريعة تأتي بما فيه إتلاف للنفوس ولا ما فيه ضرر على المكلفين، وقد عذرت الشريعة المبصرين المكلفين عن الحضور للمسجد لصلاة الجماعة في حال الشدة التي يتضررون بها وشرع لهم الصلاة في بيوتهم ويقال في الأذان ” صلوا في رحالكم “، وشرعت الصلاة في البيت في المرض والخوف والنعاس الشديد، فالشريعة يسر كلها، وقد رُفع الحرج عن أتباعها، والناس يختلفون في قدراتهم، فمن استطاع الوصول للمسجد فيجب عليه ذلك ولو بمشقة، ومن يتضرر بمجيئه فيُرفع عنه الحرج وله رخصة أن يصلي في بيته على أن يحرص على الصلاة جماعة.

 

والله أعلم.

نصرانية توفي والدها وتنكَّر لها أهل دينها وتفكر بالدخول في الإسلام

نصرانية توفي والدها وتنكَّر لها أهل دينها وتفكر بالدخول في الإسلام

السؤال:

بدأت في التفكير بأن أتقبل فكرة أن يكون الله هو الإله الوحيد بالنسبة لي، ولكني حائرة، ولهذا أرجو منكم النصح؟.

لقد اعتنقت المسيحية واعتدت الذهاب إلى الكنيسة باستمرار، ولكني توقفت عن الذهاب إليها منذ ما يقارب العام، عندما أصبحت مسيحية شعرت بأنني اتخذت القرار الصحيح وأني سلكت الطريق الواضح وتغيرت حياتي نحو الأفضل، فقد تركت معاقرة الخمر، وتزوجت زوجي الذي أنجبت منه ابنتي الوحيدة، وغيّرت طريقة لباسي، بل حتى تغيرت طريقة تفكيري، نعم، لقد تغير كل شيء في حياتي وشعرت بما لا يدع مجالاً للشك أن هذا الطريق هو الطريق الصحيح الذي اختاره الله لي.

ولكن بعد ذلك بثلاث سنين مرض والدي بالسرطان، وساءت حالته جدّاً، وفي تلك اللحظة التي كنت أحوج ما أكون فيها إلى شخص يواسيني ويقف بجانبي ويشد من عزمي: في تلك اللحظة لم أجد فيها أحدًا من أصدقاء الكنيسة!! نعم، لقد وقفت وحيدة أصارع الآلام والأحزان، فلولا أني كنت أصلي وأدعو أن يخفف الله ما بي لكنت فقدت عقلي.

لقد توفي والدي أخيرًا، ولكني سعيدة لأنه لن يضطر للمعاناة ومصارعة الألم بعد الآن، وفي تلك اللحظات التي يفترض أن يزورني من يعرفني وبالأخص أصدقاء الكنيسة لما يحملونه من معتقدات دينية تحث على ذلك لم أجد فيها أحداً، إن أحداً منهم لم يكلف نفسه حتى رفع السماعة ومهاتفتي، بل لم يصلني أي كرت للتعزية أو ورد أو ما شابه ذلك، وكأني كنت في صحراء لا يوجد فيها أحد! فكل ما وصلني هي رسالة من أحدهم يقول لي فيها ” إننا ندعو لك “، بل إلى هذه اللحظة لم يزرني أو يتصل بي أحد، أين عائلتي الكنسية التي كنت أثق بها وأؤمن بها؟! لا أدري أين ذهبوا.

لقد جُرحت جرحًا غائرًا من هذا التهميش والأنانية لذلك توقفت عن الذهاب إلى الكنيسة، غريب أمر هؤلاء الناس، لقد صادفت بعض النساء اللواتي كنّ يحضرن معي في الكنيسة في أحد المتاجر ورأينني وجهاً لوجه ولكنهن تظاهرن بعدم رؤيتي وتجاهلنني! لقد أثّر هذا الموقف فيّ كثيراً، بل حتى أثّر في ابنتي التي لا تبلغ من العمر سوى سبع سنوات.

لماذا كل هذا التجافي؟! لقد سخرت وقتي ونفسي لخدمة الكنيسة ومرتاديها، بل لقد نذرت أن أربّي ابنتي وأنشأها على تعاليم الكتاب المقدس، لكن لم أعد أشعر إلا أن الكنيسة ومن فيها ليسوا سوى منافقين وكذابين، في أي مكان في الكتاب المقدس يأمرهم دينهم بأن يلووا ظهورهم إلى إخوانهم في ساعة الشدة؟! أيأمرهم دينهم بكل هذا الجفاء؟!! ما الذي اقترفته حتى يعاملوني بهذا الشكل؟!.

الآن بعد كل هذا توقفت عن التدين والصلاة والذهاب إلى الكنيسة، حتى علاقتي مع زوجي تغيرت، نعم، ما زلنا مع بعض ولكن لم يعد أيٌ منّا يأبه بالآخر، لم يعد بقاؤنا معاً إلا من أجل ابنتنا، لكم أن تتصوروا أننا لا نتكلم إلا في النادر، وإذا تكلمنا فإن كلماتنا معدودة.

لقد تعرفتُ على رجل مسلم يعمل في نفس المكان الذي أعمل فيه، إنه رجل طيب ومحترم، فكرت بأن أتزوجه، لقد دفعني خلقه للتعرف على الإسلام عن كثب، إني لا أريد أن أعود إلى الحياة التي كنت عليها قبل أن أعتنق المسيحية، ولا أريد أن أمارس المسيحية، لكن في الوقت ذاته لا أريد أن أغضب الرب منّي، لذلك هذا ما دفعني للبحث عن الإسلام، وليس فقط مجرد الخلق الرفيع الذي لاقيته من هذا الرجل المسلم.

لقد بدأت أفكر بالإسلام كدين بديل، كدين يعوضني عما ينقصني في هذه الحياة، كدين يملأ عليّ حياتي ويشعرني بالسعادة، أيمكن أن يكون الإسلام هو الدين الحق؟ كل هذه أفكار جعلتني أتساءل: هل في الإسلام مكان لي؟ هل يقبلني الإسلام أن أدخل فيه وأنا من أصول أمريكية ( فنزولية )؟ هل يقبلني الإسلام ولدي طفلة من علاقة محرمة؟ هل يقبلني الإسلام وأنا مسيحية؟ وهل صحيح أن امرأة مثلي يمكن أن تفسد على الرجل المسلم دينه ما لو تزوجنا؟ وهل صحيح أنه لا يمكنني أن أتزوجه حتى وإن طلقني زوجي الحالي؟ صدقوني ليست رغبتي في الزواج من هذا الرجل هي التي جعلتني أتساءل وأسال كل هذه الأسئلة بل هي الرغبة الصادقة في معرفة الحق، فأرجو منكم النصح، ولكم مني التحية.

 

الجواب:

الحمد لله

  1. لعلنا نستطيع الجزم أن الله تعالى قد أراد بك خيرًا، فلولا ما فعله أولئك الأصحاب والأصدقاء معك لما حصل منك ذلك النفور منهم والإقبال علينا مراسلة وطلباً للنصح، وقد استطعتِ بحسن تصرفك ورجاحة عقلك أن تعيدي التفكير فيما أنت عليه من اعتقاد، وهذا أول سلوك الطريق الصحيح نحو رضا الله تعالى والفوز بثوابه.

وإن الذين يهديهم الله تعالى إلى الطريق الصحيح ويخرجهم من الظلمات إلى النور إنما يكون ذلك بأسباب يقدِّرها الله تعالى، وهي تختلف باختلاف الناس وبلدانهم، ولذا فإننا نرى أن ما حصل من أولئك تجاهك هو ما لعله أن يكون بسببه هدايتك، وانتقالك إلى طريق النور والسعادة الدنيوية والأخروية.

  1. وإن لمن المناسب أن تتفكري الآن في الدِّين الذي أنت عليه وتدافعين عنه هل هو الدين الذي ارتضاه الله تعالى لخلقه؟ وهل كانت السعادة التي قلتِ إنك كنت تعيشينها هي فعلاً سعادة حقيقية؟ وهل نظرتك للإسلام كانت صائبة ؟ ولعله قد آن الأوان لتسألي نفسك: كيف صار المسيح المعبود ناسوتُا في بطن امرأة مخلوقة ؟ وهل والدة هذا المعبود – مريم العذراء – خالقة أم مخلوقة ؟ ومن الذي صُلب على الصليب في ضوء الاعتقاد أن اللاهوت لم يفارق الناسوت فهل صُلب معه أم تخلى عنه وقت الصلب؟ وهل عجز الرب الإله عن إيجاد طريقة لمغفرة ذنوب الخلق غير الطريقة البشعة التي قُتل فيها ابنه الوحيد؟.

وهذا أوان التفكير في الوثنية التي أدخلها ” بولس ” على هذا الدين فابتدع القول بأن المسيح خُلِق من اللاهوت! بعد أن كانت كلمة النصارى متفقة على أنه مخلوق مربوب عبدُ لله عزَّ وجل، فمن هو المسيح عند النصارى؟ هل هو الرب أو ابن الرب أو ثالث ثلاثة؟! فهذا أوان التفكير في عقيدة التثليث المخالفة للفطرة والعقل والشرائع كلها، وهذا أوان التفكير في التناقض بالموقف تجاه الصليب فبدلًا من حرق كل صليب وإهانته لأنه على مثله صُلب الرب أو ابن الرب – والعياذ بالله – كما يزعم النصارى – رأينا تعظيمه وتقديسه وعبادته منهم!، وهذا أوان التفكير في اختلاف نسخ الإنجيل اختلافًا مُحرجًا لا مخرج منه إلا الاعتراف بأن أيدي العابثين لعبت به تحريفاً للفظه ومعناه.

واقرئي معنا قصة القسيس السابق والمسلم حاليًّا ” يوسف استيس ” فإذا كان هذا هو حال القساوسة في الكنائس فكيف يكون حال العوام من النصارى، يقول يوسف استيس متحدثًا عن قصة إسلامه:

” أما أنا فكانت هناك أمور في الكتاب المقدس لم أصدقها لأني كنت أرى التناقضات الكثيرة فيه، فمن تلك الأمور أني كنت أسأل نفسي وغيري: كيف يكون الإله واحدًا وثلاثة في نفس الوقت؟!، وقد سألت القسس المشهورين عالميًّا عن ذلك وأجابوني بأجوبة سخيفة جدًّا لا يمكن للعاقل أن يصدقها، وقلت لهم: كيف يمكنني أن أكون داعية للنصرانية وأعلّم الناس أن الإله شخص واحد وثلاثة أشخاص في نفس الوقت، وأنا غير مقتنع بذلك فكيف أقنع غيري به؟.

بعضهم قال لي: لا تبيّن هذا الأمر ولا توضحه، قل للناس: هذا أمر غامض ويجب الإيمان به، وبعضهم قال لي: يمكنك أن توضحه بأنه مثل التفاحة تحتوي على قشرة من الخارج ولب من الداخل وكذلك النوى في داخلها، فقلت لهم: لا يمكن أن يضرب هذا مثلاً للإله، التفاحة فيها أكثر من حبة نوى فستتعدد الآلهة بذلك ويمكن أن يكون فيها دود فتتعدد الآلهة، وقد تكون نتنة وأنا لا أريد إلهًا نتنًا.

وبعضهم قال: مثل البيضة فيها قشر وصفار وبياض، فقلت: لا يصح أن يكون هذا مثلاً للإله فالبيضة قد يكون فها أكثر من صفار فتتعدد الآلهة، وقد تكون نتنة، وأنا لا أريد أن أعبد إلهًا نتنًا.

وبعضهم قال: مثل رجل وامرأة وابن لهما، فقلت له: قد تحمل المرأة وتتعدد الآلهة، وقد يحصل طلاق فتتفرق الآلهة وقد يموت أحدها، وأنا لا أريد إلهًا هكذا.

وأنا منذ أن كنت نصرانيًّا وواعظًا وداعية للنصرانية لم أستطع أن اقتنع بمسألة التثليث ولم أجد من يمكنه إقناع الإنسان العاقل بها. انتهى.

وقد أسلم هو وزوجته ووالده بفضل الله تعالى، فلم ير في الإسلام تناقضاً، ولم يرَ شركاً، ولم يرَ نسخة أخرى للقرآن بين أيدي المسلمين جميعًا، فكان هذا هو سبب إسلامه وإسلام أسرته، وقد أنقذها الله تعالى به من الكفر والعذاب، وأدخلهم به جنة الدنيا، ونرجو لهم جميعًا دخول جنة الآخرة.

إن تلك التساؤلات التي ذكرناها لكِ – وغيرها كثير – كانت سبباً لتفكير الآلاف من أتباع الدين النصراني، وقد هدى الله تعالى كثيرًا من العقلاء الذين وقفوا مع أنفسهم وقفة تأمل، ووجدوا أن ما هم عليه ليس هو الدين الذي يوحِّد الخالق ويصرف العبادة له وحده لا شريك له وينزهه عن الزوجة والولد والشريك، ووجدوا أن الإسلام هو الدين الذي ختم الله تعالى به الأديان، وأرسل به رسوله محمَّداً صلى الله عليه وسلم إلى العالَمين ليكون لهم نذيرًا وبشيرًا.

فهل تتخيلين الآن الأمر؟ إن النبي صلى الله عليه وسلم مبعوث لكِ لكي يدلك على الطريق الموصل إلى الرب الإله الواحد الأحد، إن مبعوث لكِ لكي يأمرك باتباع شريعة الإسلام لكي تسعدي دنيا وأخرى، وأما باقي الأنبياء فكل واحدٍ منهم بُعث إلى قومه خاصة، وانتهت رسالتهم كلهم ببعثة النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يقبل الله تعالى ديناً من أحد إلا دين الإسلام، وتأملي قول الله تعالى ( إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ) آل عمران/ 19، وقوله تعالى ( وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) آل عمران/ 85.

إننا من خلال رسالتك قد علمنا الحزن الذي أصابك بوفاة والدك، والحزن الذي تبعه بسبب موقف من كنت تخدمينهم في الكنيسة، ولكنك الآن ابنة يومك هذا، فاصنعي من تلك الأحزان – التي لها ما يبررها – فرحًا وسعادة تدخلينهما على حياتك بالتفكير بما قلناه لك، والذي نجزم أنك لن تتوقفي عند اختيار الإسلام ديناً لكِ، وإننا لنجزم أن حالك سيكون كحال الملايين قبلك والذي تغيرت حياتهم بمجرد أن نطقوا بالشهادتين، وإنك ستشعرين ساعتها بالسعادة الحقيقية وسيتبين لك أنك ما ذقتيها أصلاً قبل هذه اللحظة.

  1. إننا لا نشك لحظة أن الإسلام هو الذي سيخلصك من آلامك وأحزانك، وأنه الدِّين الذي يدخل عليك السعادة وانشراح القلب، ولو تأملتِ حال من أسلم كيف كان وكيف صار بعد الإسلام لما ترددتِ للحظة في النطق بالشهادتين، وهو ما أُرنا أن ندعو أهل الكتاب إليه، قال تعالى ( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ) آل عمران/ 64.
  2. ومن قال لكِ إنه ليس لك في الإسلام مكان؟ ومن قال إن كونك أمريكية سيؤثِّر في مكانك ومكانتك عند المسلمين؟ بل إذا دخلتِ في الإسلام سيكون لك منزلة عالية في قلوب المسلمين، وستكونين أختاً لملايين المسلمات في أقطار الأرض، وستكونين موضع ترحيب وتقدير من كل مسلم؛ لأنه بإسلامك تصيرين أختاً في الدين لكل المسلمين، ولا يعني هذا أنك ستختلطين بمجتمع ملائكي، لكن لن يسبق أحدٌ المسلمينَ في تعاملهم وسلوكهم، وكل خير عند غيرنا فعندنا أضعافه، وكل شرٍّ عندنا فعند غيرنا أضعافه، وقد تعرَّض المسلمون لكثير من الفتن لصدهم عن دينهم وتغيير سلوكهم، ولا ننكر أن أعداء الله قد نجحوا في ذلك في كثير منه، لكن مع ذلك يبقى للمسلمين التميز في أخلاق وسلوك لا يوجد في سائر الأديان والمذاهب.
  3. ووجود ابنة لك من زوج نصراني لا يمنع من قبولك مسلمة، بل أنت تنقذين بذلك نفسك وتنقذين ابنتك، وعقد الزواج الذي كان بينك وبين زوجك يعترف به الإسلام، ويقبل آثاره، وقد دخل كثيرون في الإسلام ولم يطلب منهم الإسلام تغيير عقودهم، ولا نفى عن الأسرة أولادها، وقد كانت عقودهم في النكاح في حال الجاهلية.
  4. وليس صحيحًا أنك تفسدين على الرجل المسلم دينه إذا تمَّ الزواج بينكما، فالإسلام يبيح زواج المسلم من نصرانية أصلًا، وهو أفضل لها لأنه قد تدخل الإسلام بسبب ذلك، فإذا صارت مسلمة كان ذلك أفضل وأحسن للزوج لأنه يجد من يعينه على دينه.
  5. ولا يستطيع المسلم التزوج بنصرانية وهي على ذمة زوج آخر ولو كان نصرانيّاً أو يهوديّاً حتى يحصل فراق بينهما بطلاق أو وفاة، وأما إذا أسلمت الزوجة وزوجها على غير الإسلام فإن عقد زواجها منه ينفسخ بمجرد إسلامها، وإذا انقضت حيضة أو وضعت حملها ولم يدخل في الإسلام فإنها تصبح حرَّة في التزوج بغيره، فإن كان لها ولي مسلم زوَّجها وإلا زوَّجها القاضي الشرعي أو من يقوم مقامه.
  6. وأخيرًا: نسأل الله أن يهدي قلبك للإسلام، وأن يريك الحق حقًّا ويرزقك اتباعه، ويريك الباطل باطلاً ويرزقك اجتنابه.

 

والله أعلم.

مَن صلَّى أول الليل في مسجد وآخره في آخر هل يحصل أجر قيام ليلة؟

مَن صلَّى أول الليل في مسجد وآخره في آخر هل يحصل أجر قيام ليلة؟

السؤال:

عندي دوام يبدأ الساعة التاسعة والنصف ليلًا، فأصلي التراويح في مسجد بالحي المجاور حيث ينتهي قبل بداية الدوام لكي أحصل على أجر قيام ليلة كما في الحديث، فهل أحصل على هذا الأجر عندما أصلي في العشر الأواخر في هذا المسجد القيام الأول ثم أصلي التهجد الأخير في مسجد الحي القريب مني أم لا بد أن يكون مع نفس الإمام أو نفس المسجد؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الصلاة في رمضان يُطلق عليها ” القيام ” و ” التراويح ” و ” التهجد “، وكلها أسماء لمسمَّى واحد، وبعض أهل العلم يرى أن ” التهجد ” لفظ يُطلق على الصلاة آخر الليل أو الصلاة التي يسبقها نوم، ولا يظهر أنه ثمة دليل على هذا، بل الظاهر أنها أسماء لمسمى واحد، وإن كان في الاستعمال يطلق ” التراويح ” على صلاة أول الليل – في رمضان خاصة -، ويُطلق ” التهجد ” على صلاة آخر الليل، ولفظ ” القيام ” يجمع بينهما.

 

ثانيًا:

وتقسيم صلاة الليل في العشر الأواخر على فترتين أول الليل وآخره: لا حرج فيه، والصلاة فيها على وجهين:

الأول: أن تُختم الصلاة الأولى بصلاة الوتر، فهنا تكون الصلاة كاملة – ولو تعاقب مجموعة من الأئمة على الصلاة نفسها -، ومن أوتر فيها: كُتب له قيام ليلة كاملة، ولا يهم ما يكون بعدها في المسجد من صلوات أخرى، والصحيح: أنه يجوز الرجوع لمن شاء ليصلِّي ما يشاء، وهو الذي يسمَّى ” صلاة التعقيب ” خلافاً لمن كرهه.

* قال ابن قدامة – رحمه الله -:

فأما التعقيب وهو أن يصلِّي بعد التراويح نافلة أخرى جماعة أو يصلِّي التراويح في جماعة أخرى : فعن أحمد أنه لا بأس به؛ لأن أنس بن مالك قال: ” ما يرجعون إلا لخير يرجونه أو لشرٍّ يحذرونه “، وكان لا يرى به بأسًا، ونقل محمد بن الحكم عنه الكراهة، إلا أنه قولٌ قديمٌ والعمل على ما رواه الجماعة، وقال أبو بكر: الصلاة إلى نصف الليل أو إلى آخره لم تكره رواية واحدة وإنما الخلاف فيما إذا رجعوا قبل النوم.

والصحيح: أنه لا يكره؛ لأنه خير وطاعة فلمْ يكره كما لو أخره إلى آخر الليل.

” المغني ” ( 1 / 837 ).

الثاني: أن تقسَّم صلاة التراويح – القيام -ي المسجد الواحد على قسمين فيصلَّى أول الليل جزء منها ويؤخر الجزء الآخر بوتره إلى آخر الليل – ويسمِّي بعضهم الجزء الآخر بـ ” التهجد ” -، فهنا تكون الصلاة واحدة، ومن رام تحصيل أجر قيام ليلة: فلا يسعه إلا الصلاة في المسجد نفسه أول الليل وآخره حتى يوتَر في الصلاة، واختلاف الأئمة على الإمامة غير مؤثر.

* قال الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله -:

صلاة التهجد في آخر الليل في العشر الأواخر من رمضان ليست أمر مستجدّاً، بل كان الرسول صلى الله عليه وسلم في العشر الأواخر من رمضان يجمع الناس على إمام واحد، فعله النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه في رمضان، ويستوي في ذلك ما كان أول الليل أو آخره، كل ذلك يدخل في صلاة التراويح المشروع أداؤها جماعة، غاية ما يقال: إنها قُسِّمت على فترتين طلباً لزيادة الأجر، وكلا الفترتين تراويح، أما تسمية العوام للفترة الأولى بالتراويح والفترة الثانية بالقيام : فهي تسمية ليس فيها حجة. ” البيان لأخطاء بعض الكتاب ” ( ص 291 ).

وليست هذه صلاة التعقيب سابقة الذِّكر؛ لأن صلاة التعقيب ما كانت بعد الوتر، وأما هذه: فوترها مؤخَّر إلى آخرها، فهي صلاة واحدة لكن يطول الفصل بين جزئيها.

والخلاصة:

إن أوترتَ مع إمامك في التراويح كُتب لك قيام ليلة، ولك أن تصلي ما تشاء بعده في آخر الليل من غير وتر آخر، وإن كان المسجد لا يوتر أول الليل – كما هو حال الحرمين – بل يوتر في آخر الليل: فالظاهر أنه لا بدَّ من الصلاتين – في أول الليل وآخره – حتى يُكتب لك قيام ليلة، وصلاة إحداهما لا تكفي لتحصيل ذلك الأجر، وكذا يقال في تغيير المسجد: فمن صلَّى جزء من القيام في مسجد وصلَّى جزء آخر في مسجد آخر: لم يُكتب له قيام ليلة حتى لو كانت الصلاة جميعها في أول الليل أو آخره، فكيف إذا كان بعض الصلاة في أولها في مسجد وبعضها الآخر آخر الليل في مسجد آخر؟! فهذا أولى بعدم تحصيل أجر قيام ليلة.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

مَن قام مع الإمام حتى ينصرف في التراويح وإن لم يصلِّ معه العشاء: يُكتب له قيام تلك الليلة، فإن كان هناك تهجد: فلا بدَّ أن يكون معه في التهجد أيضاً، وإذا ختم التراويح بالوتر فقد انتهى. ” الفتاوى الثلاثية ” ( ص 56 ) – ترقيم الشاملة -.

 

 

* وقال – رحمه الله – أيضًا -:

لو كان قيام الإمام مقدار ساعة فقط من ليلٍ طوله اثني عشرة ساعة : كُتب للإنسان قيام ليلة كاملة، ولهذا ينبغي لنا أن نحرص إذا قمنا مع إمام ألا نفارقه حتى ينصرف، خلافاً لبعض العامة، مساكين، يضيعون أوقاتهم ولياليهم بغير فائدة، يصلُّون مع هذا تسليمة أو تسليمتين، ثم يذهبون إلى مسجدٍ آخر يصلون معه كذلك، ثم مسجد ثالث، وهذا خطأ، إذا دخلت مع إمام في صلاة العشاء: اثبت حتى ينصرف من التراويح من أجل أن يُكتب لك قيام ليلة، وأنت نائم على فراشك، وأنت تلهو مع أهلك يكتب لك القيام، ولله الحمد.  ” اللقاء الشهري ” ( اللقاء رقم 33 ).

 

والله أعلم.