الرئيسية بلوق الصفحة 168

هل يصح وضوء المسلم بانغماسه وسباحته في البحر؟ وهل يُعذر بالجهل بحكم ذلك؟

هل يصح وضوء المسلم بانغماسه وسباحته في البحر؟ وهل يُعذر بالجهل بحكم ذلك؟

السؤال:

شخص يرمي بنفسه في البحر بنية الوضوء، فهل هذا الفعل صحيح علمًا وأنه ليس على جنابة?.

إن كان هذا الوضوء غير صحيح: فهل يعيد الصلاة أم يُعذر لجهله، مع العلم أنه قادر على التعلم لكنه تقاعس عن ذلك؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولَا:

يختلف الوضوء عن الاغتسال من حيث أنه طهارة لبعض الأعضاء لا كلها، ومن حيث جمعه بين المسح والغسل، ومن حيث كون ترتيب طهارة الأعضاء فيه فرضًا.

ومن هنا أجزأ الجنب الانغماس في البحر ليخرج منه طاهرًا – مع المضمضة والاستنشاق – ولم يكن مجزئاً ذلك للمريد الوضوء؛ لأنه لم يرتب بين أعضائه، ولأنه غسلها كلها، ولذا إذا أراد المنغمس في البحر أو السابح الوضوء فإن عليه أن يتوضأ وهو في البحر بالترتيب الشرعي، ويلتزم مسح الرأس لا غسله.

* وفي فرض الترتيب في أعضاء الوضوء قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

قوله ” والتَّرتيبُ “، وهو أن يُطهَّر كلُّ عضو في محلِّه، وهذا هو الفرض الخامس من فروض الوُضُوء، والدليل: قوله تعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ) المائدة/ 6.

وجه الدِّلالة من الآية: إِدخال الممسوح بين المغسولات، ولا نعلم لهذا فائدة إلا التَّرتيب، وإلا لسيقت المغسولات على نسقٍ واحد، ولأنَّ هذه الجملة وقعت جوابًا للشَّرط، وما كان  جواباً للشَّرط فإِنَّه يكون مرتَّبًا حسب وقوع الجواب.

ولأن الله ذكرها مرتَّبة، وقد قال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم ( أبْدَأُ بما بَدَأَ اللَّهُ به).

والدَّليل من السُّنَّة: أن جميع الواصفين لوُضُوئه صلّى الله عليه وسلّم ما ذكروا إِلا أنَّه كان يرتِّبها على حسب ما ذكر الله.

” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 1 / 189 ، 190 ).

 

 

* وفي عدم إجزاء الانغماس في البحر في طهارة الوضوء:

  1. * قال الشيخ منصور البهوتي رحمه الله:

وإن انغمس ناويًا في ماء وخرج مرتَّبا: أجزأه وإلا فلا.

وفي ” حاشية الشيخ محمد بن قاسم ” عليه – ( 1 / 186) – قال:

أي: وإن لم يخرج مرتَّبًا فلا يرتفع حدثه، ونص أحمد في رجل أراد الوضوء فانغمس في الماء ثم خرج من الماء: فعليه مسح رأسه وغسل رجليه. انتهى.

 

  1. * وقال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

إذا كنتَ في البحر تسبح: فلا حرج عليك أن تتوضأ وأنت في البحر، مع مراعاة الترتيب والموالاة، تبدأ بوجهك، ثم يديك اليمنى ثم اليسرى، ثم تمسح رأسك وأذنيك، ثم تحرك رجليك بنية الوضوء اليمنى ثم اليسرى.

” فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 29 / 62 ).

 

  1. * وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

والحاصل: أن الغُسْلَ المجزئ: أن ينويَ، ثم يسمِّيَ، ثم يعمَّ بدَنَه بالغُسل مرَّة واحدة مع المضمضة والاستنشاق.

ولو أن رَجُلًا عليه جنابة فنوى الغُسْل ثم انغمس في بِرْكة – مثلًا – ثم خرج: فهذا الغُسْل مجزئ بِشَرط أنْ يتمضمض ويستنشق.

ولو أنَّه أراد الوُضُوء بعد أن انغمس: فلا يجزئ إِلا إِن خَرَج مرتِّباً؛ لأن التَّرتيب فرْضٌ على المذهب. ” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 1 / 364 ).

 

ثانيًا:

وليس على من انغمس في الماء ولم يتوضأ في الماء إعادة لما قد صلاّه؛ لأنه يُعذر بجهله، ومن صلَّى بطهارة خطأ فليس عليه إعادة؛ كما فعل الصحابي الجليل عمَّار بن ياسر في تمرغه بالتراب لما كان جُنباً، بل وأبلغ منه من ترك الصلاة وهو جنب لظنه أنه تلزمه طهارة الغسل لا غير، كما حصل مع الصحابي الجليل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ولم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم كلا الصحابيين بإعادة ما فات وقته من الصلوات، وكلا الأمرين ثبتا في حديث واحد في ” الصحيحين “.

 

ويُرجى أن يكون من فعل ذلك معذورًا؛ لخفاء ملحظ المسألة من جهة، ولوجود من يفتي بخلافها من جهة أخرى، لكن ما قلناه هو الصحيح الراجح، وليس على من كان خالفه إثم ولا إعادة إن شاء الله، إلا لمن علم بالحكم ولا يزال في الوقت فيلزمه إعادة الصلاة، كما حصل مع الصحابي الجليل الذي صلَّى من غير طمأنينة في الأركان وكان يأمره صلى الله عليه وسلم بإعادة الصلاة عينها دون ما قبلها من صلوات، وهو الحديث المشهور في الصحيحين والذي اشتهر عند العلماء باسم ” حديث المسيء في صلاته “.

 

والله أعلم.

هل يشرع الوضوء للحائض قبل نومها؟

هل يشرع الوضوء للحائض قبل نومها؟

السؤال:

هل يشرع للحائض أن تتوضأ أثناء حيضها؟ وهل يمكن قياس ذلك على وضوء النبي صلى الله عليه وسلم قبل نومه وهو جنب؟ وإذا توضأت الحائض أثناء حيضها أتكون بذلك الوضوء قد ابتدعت؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ قبل أن ينام إذا كان جُنبًا، وحثَّ على ذلك للمسلم أن يفعله، وذهب بعض العلماء إلى وجوبه عليه.

عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ أَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْقُدُ وَهُوَ جُنُبٌ قَالَتْ: نَعَمْ، وَيَتَوَضَّأُ. رواه البخاري ( 282 ).

وعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا كَانَ جُنُبًا فَأَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَنَامَ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاة ). رواه مسلمِ ( 305 ).

* قال ابن رجب الحنبلي – رحمه الله -:

وقد ذهب أكثر العلماء إلى هَذهِ الأحاديث، وقالوا: إن الجنب إذا أراد النوم غسل ذَكره وتوضأ.

وممن أمر بذلك: علي، وابن عمر، وعائشة، وشداد بنِ أوس، وأبو سعيد الخدري، وابن عباس، وَهوَ قول الحسن، وعطاء، وابن المبارك، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق وغيرهم مِن العلماء، وكرهوا تركه معَ القدرة عليهِ .

ومنهم مِن قالَ: هوَ واجب ويأثم بتركه، وَهوَ رواية عَن مالك، واختارها ابن حبيب مِن أصحابه، وَهوَ قول طائفة مِن أهل الظاهر.

” فتح الباري ” لابن رجب ( 1 / 357 ).

والظاهر أن المرأة الجنب والرجل في هذا سواء.

* قال ابن رجب الحنبلي – رحمه الله -:

واختلفوا: هل المرأة في ذَلِكَ كالرجل، أم لا؟.

فقالت طائفة: هما سواء، وَهوَ قول الليث، وحكي رواية عَن أحمد، وقد نص على التسوية بينهما في الوضوء للأكل .

والثاني: أن الكراهة تختص بالرجل دونَ المرأة، وَهوَ المنصوص عَن أحمد .

ولعله يستدل بأن عائشة لَم تذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم كانَ يأمرها بالوضوء، وإنما أخبرت عَن وضوئه لنفسه . ” فتح الباري ” لابن رجب ( 1 / 358 ).

والأقرب: اشتراك المرأة مع الرجل في حكم الوضوء من الجنابة قبل النوم.

ثانيًا:

وهل الحائض كالرجل الجنب يشرع لها – وجوبًا أو استحبابًا – الوضوء قبل النوم؟.

والجواب: أنه إذا كان ثمة خلاف بين العلماء في المرأة الجنب أينطبق عليها ما ورد في الرجل الجنب قبل نومه: فأولى أن يقع خلاف في الحائض، والمتفق عليه بين العلماء أن الحائض لا يرتفع حيضُها باغتسال فضلاً عن ارتفاعه بوضوء.

ومن هنا فإننا نقول: إن الحائض غير داخلة في مشروعية الوضوء قبل النوم لا وجوباً ولا استحبابًا؛ لأنها لو اغتسلت لم ينفعها ذلك، فكيف لو توضأت؟! بخلاف الرجل الجنب فإنه ترتفع جنابته بغسله، وتخف بوضوئه، وقياس الجنابة على الحيض قياس بعيد؛ فالجنابة تزول بالغسل وليس كذلك الحيض، والحيض خاص بالنساء والجنابة مشتركة مع الرجال، والحيض لا تملك المرأة إنهاءه بخلاف الجنابة.

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

وقال ابن دقيق العيد: نصَّ الشافعي رحمه الله على أن ذلك ليس على الحائض؛ لأنها لو اغتسلت لم يرتفع حدثُها بخلاف الجنب لكن إذا انقطع دمها استحب لها ذلك. ” فتح الباري ” ( 1 / 395 ).

بل ذهب بعض الشافعية إلى تحريم وضوء الحائض إذا قُصد به التعبد، وأما إذا قصدت النظافة فلا بأس.

* قال شمس الدين الرملي – رحمه الله -:

ومما يحرم عليها: الطهارة عن الحدث بقصد التعبد مع علمها بالحرمة لتلاعبها، فإن كان المقصود منها النظافة كأغسال الحج: لم يمتنع.

” نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج ” ( 1 / 330 ).

ثالثًا:

والذي يظهر من نصوص الشرع أن الوضوء يخفف الجنابة للرجل والمرأة.

* قال ابن رجب الحنبلي – رحمه الله -:

وقد دلت هَذهِ الأحاديث المذكورة في هَذا الباب: على أن وضوء الجنب يخفف جنابته. ” فتح الباري ” لابن رجب ( 1 / 358 ).

 

وعليه: فمن علَّل الوضوء للجنب بتخفيف الجنابة فإنه لم يرَ فرقًا بين الجنب والحائض.

 

* قال النووي – رحمه الله -:

قال المازري: ” ويجري هذا الخلاف في وضوء الحائض قبل أن تنام، فمن علَّل بالمبيت على طهارة استحبَّه لها ” هذا كلام المازري، وأما أصحابنا فإنهم متفقون على أنه لا يُستحب الوضوء للحائض والنفساء؛ لأن الوضوء لا يؤثر في حدثهما فإن كانت الحائض قد انقطعت حيضتها صارت كالجنب، والله أعلم.

” شرح مسلم ” ( 3 / 218 ).

وقد ورد ما يدل على عدم وضوء الحائض إذا أرادت أن تنام، ولذا فإن الظاهر أنه غير مشروع، فإن قصدت به التعبُّد كان بدعة، وإن قصدت به التنظف فلا بأس.

عن أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: بَيْنَمَا أَنَا مُضْطَجِعَةٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْخَمِيلَةِ إِذْ حِضْتُ فَانْسَلَلْتُ فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حَيْضَتِي فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم (أَنُفِسْتِ؟ ) قُلْتُ: نَعَمْ، فَدَعَانِي فَاضْطَجَعْتُ مَعَهُ فِي الْخَمِيلَةِ.

رواه البخاري ( 316 ) ومسلم ( 296 ).

– وبوَّب البخاري على الحديث بقوله: باب النوم مع الحائض وهي في ثيابها.

ثالثًا:

وثمة قول لبعض السلف أن على الحائض الوضوء كل وقت من أوقات الصلاة، لكنه صار قولًا مهجورًا، وعامة العلماء على خلافه.

* قال ابن عبد البر – رحمه الله -:

مِن السلف مَن كان يرى للحائض ويأمرها أن تتوضأ عند وقت الصلاة وتذكر الله وتستقبل القبلة ذاكرة لله جالسة.

– قال مكحول: كان ذلك من هدي نساء المسلمين في أيام حيضهن.

– قال معمر: بلغني أن الحائض كانت تؤمر بذلك عند وقت كل صلاة.

– وعن عطاء قال: لم يبلغني ذلك، وإنه لحَسَنٌ.

– قال أبو عمر – أي: ابن عبد البر -: هو أمرٌ متروكٌ عند جماعة الفقهاء بل يكرهونه.

– وعن سليمان التيمي قال: سئل أبو قلابة عن الحائض إذا حضرت الصلاة أتتوضأ وتذكر الله؟ فقال أبو قلابة: قد سألْنا عنه فلم نجد له أصلًا.

– وعن الوليد بن مسلم قال: سألتُ سعيد بن عبد العزيز عن الحائض أنها إذا كان وقت صلاة مكتوبة توضأتْ واستقبلتْ القبلة فذكرتْ الله في غير صلاة ولا ركوع ولا سجود، قال: ما نعرفُ هذا ولكنا نكرهه.

– وقال معمر: قلت لابن طاووس: أكان أبوك يأمر الحائض عند وقت كل صلاة بطُهر وذِكر؟ قال: لا.

وعلى هذا القول جماعة الفقهاء وعامة العلماء اليوم في الأمصار.

” الاستذكار ” ( 1 / 338 ) باختصار.

 

 

* وقال ابن رجب الحنبلي – رحمه الله –

وممن قالَ ليسَ ذَلِكَ على الحائض: الأوزاعي، والثوري، وأبو حنيفة، ومالك، وكذلك قالَ أحمد، قالَ: ليسَ عليها ذَلِكَ، ولا بأس أن تسبح وتهلل وتكبر .

وبه قالَ أبو خيثمة، وسليمان بنِ داود الهاشمي، وأبو ثور، وأصحاب الشَافِعي، وزادوا: أنه يحرم عليها الوضوء إذا قصدت بهِ العبادة ورفع الحدث، وإنما يجوز لها أن تغتسل أغسال الحج؛ لأنه لا يراد بها رفع الحدث، بل النظافة

” فتح الباري ” لابن رجب ( 1 / 500 ).

والخلاصة:

لا يشرع للحائض وضوء عند كل وقت صلاة، ولا يُشرع لها الوضوء إذا كانت حائضًا قبل النوم؛ لأنه لم يثبت هذا في حديث مرفوع ولم يثبت عن أحد من الصحابة، ووضوؤها لا هو بالذي يرفع حدثها، ولا هو بالذي يخففه، بخلاف وضوئها إذا كانت جنبًا فإن الوضوء يخفف حدثها، وإن قصدت بالوضوء التعبد: كان بدعة، وإن قصدت التنظف: جاز لها، ورُجي لها الدخول في قوله صلى الله عليه وسلم ( طَهِّرُوا هذِهِ الأَجْسَادَ طَهَّرَكُمُ الله فَإِنَّهُ لَيْسَ عَبْدٌ يَبِيتُ طَاهِراً إلاَّ بَاتَ مَعَهُ مَلَكٌ فِي شِعَارِهِ لاَ يَنْقَلِبُ سَاعَةً مِنَ اللَّيْلِ إلاَّ قَالَ : اللَّهُمَّ اغْفِرُ لِعَبْدِكَ فَإِنَّهُ بَاتَ طَاهِرًا ) – رواه الطبراني في ” الكبير ” ( 12 / 446 ) وجوَّد إسناده الحافظ ابن حجر في ” فتح الباري ” ( 11 / 109 )، وحسَّنه الهيثمي في ” مجمع الزوائد ” ( 10 / 178 ).

* وقد سئل الشيخ عبد الله بن جبرين – رحمه الله -:

المرأة الحائض هل تتوضأ وضوء الصلاة بنية أن تكون ممن يشملهم الحديث السابق؟.

فأجاب:

الطهارة تشمل الطهارة من الأوساخ والأقذار التي تكون على البدن سواء كانت نجسة أو مستقذرة، وتشمل الطهارة المعنوية لرفع الحدث الأكبر أو الأصغر، وتشمل الطهارة المعنوية بترك المعاصي والبعد عن المحرمات، وعلى هذا : فحيث إن المرأة الحائض لا يرتفع حدثها بالوضوء أو الاغتسال فلا يلزمها أن تتطهر عند كل وقت، أو في أول الليل والنهار، لكن إذا قصدت بالاغتسال تنظيف البدن وإزالة الوسخ : شملها ذلك.” فتاوى الشيخ ابن جبرين ” ( فتوى رقم 4248 ).

http://ibn-jebreen.com/ftawa.php?view=vmasal&subid=4284&parent=786

 

والله أعلم.

هل يجوز التبرع لصالح موقع ” الويكيبيديا “؟

هل يجوز التبرع لصالح موقع ” الويكيبيديا ” ؟

السؤال:

أنا طالب في كلية الطب، وأستخدم ” الويكيبديا ” استخداما شبه يومي، ولا يوجد لها بديل في مثل جودتها، وهي للعلم مؤسسة غير ربحية تعتمد في قيامها على التبرع غير المشروط من المنتفعين بها، ولو زرتها الآن ستجد أنها ترجو من المنتفعين بها التبرع، ونظراً لانتفاعي الشديد بها ففكرت في التبرع لها، ولكن المشكلة في الآتي:

  1. أن ” الويكيبديا ” مصدر معلومات يعتمد على ما يكتبه الناس، يعني: كما يوجد بها معلومات عن الإسلام يكتبها مسلمون يوجد معلومات عن كل الأديان الأخرى، وكما فيها المعلومات القيمة جدّاً فيها معلومات في كل شيء قبيحاً كان أو جيداً، عالماً أو عاهرة، حسب اجتهاد الكاتبين من المناصرين لها.

هل يمكن تشبيهها بالشراء من “سوبر ماركت ” يعرض لحوم الخنزير واللحم الحلال – مثلا – والمشتري هو الذي يختار، وعندما يدفع فهو يدفع مقابل الخدمة التي أديت له.

  1. أظن أنها كبقية المؤسسات الإعلامية العالمية ذات توجه يهودي أو تملك يهودي – لست متأكداً – ولكن مثلا في معلوماتهم عن ” القدس ” يكتبون عنها أنها عاصمة إسرائيل في صفحة غير قابلة للتحرير أو التغيير على عكس أغلب الصفحات مما يدل على وجود بعض التوجيه في هذه المؤسسة.

فما الحكم؟ فأنا أجد في نفسي ما يدفعني للتبرع لها كأي أحدٍ يقدم لك خدمات علمية كثيرة بدون مقابل، وأحببت أن تشكره بشيء رمزي لا يكافئ الخدمات التي يقدمها مطلقا كدافع إنساني بحت ومساعدة لها في أن تظل مصدر معلومات طبية جيد على الأقل بالنسبة لي، وفي نفس الوقت أتراجع للأسباب الماضية، فهل يجوز التبرع أم لا ولو بشيء رمزي؟ وإن كان لا فكيف يرد المرء على شعوره بالسلبية في رد الخدمات التي تقدمها هذه المؤسسة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

” الويكيبيديا ” كلمة مركبة تأتي من الكلمتين ” ويكي ويكي (wikiwiki)  ” و ” انسايكلوبيديا (encyclopedia)  “، الكلمة الأولى تأتي من لغة هاواي وتعني ” سريع ” والكلمة الثانية تأتي من اللغة الإنجليزية وتعني ” موسوعة ” – كما جاء في موقع الموسوعة نفسها – .

وهو موقع غير ربحي يقوم على تقديم معلومات عامة في التاريخ والجغرافيا والفلسفة والرياضيات والأديان والتراجم والأعلام وغير ذلك، ويسعى القائمون عليه ليكون أكبر وأضخم موسوعة حرة يمكن الاعتماد عليها، ويقوم صاحب الموقع في كل عام بطلب التبرع لموقعه؛ ليتم الصرف على تشغيله وتطويره، وقد احتل الموقع مرتبة متقدمة في المواقع الأكثر دخولاً عليها من الناس، ويرفض صاحبه الاستفادة من الشركات التجارية بالإعلان في موقعه، ويزعم أنه يقدِّم للناس معلومات ليس وراءها أهداف سوى العلم المجرد، وفي الموقع ميزة لا توجد في غيره وهي أنه يمكن لأي شخص أن يغيِّر في محتوى المعلومات في الموقع من خلال تحرير النص! ومن هنا فإن كثيرا من المؤسسات العلمية والجامعات العالمية لا يعدُّون الموقع مكاناً للمعلومة الموثقة المحققة المدققة، وبحسب كلام الأخ السائل فإن تحرير النصوص لا يطال ما يحرفه اليهود في التاريخ !.

ثانيًا:

والذي نراه أن لا يتبرع المسلمٌ بأي مبلغ مالي – ولو قلَّ – دعماً لذلك الموقع؛ لما فيه من نصوص كفرية وإلحادية وسب لله تعالى، وبالنظر فيما هو مكتوب فيها في قسم ” الأديان ” ترى العجب العجاب من التسويق والدعاية للديانات الوثنية، والإلحادية، كالهندوسية والبوذية والسيخية والشيوعية، وتجد في تعريف النصرانية التصريح القبيح في تعريف عيسى عليه السلام بأنه ابن الله ! فكيف يجوز للمسلم أن يساهم بدعم هذا الموقع وتطويره وتقويته ؟! .

واعلم أن هذا الموقع السيء قد تلقى أكثر من ( 180 ألف ) – وهذا العدد تضاعف كثيراً لأنه كان قبل ثلاث سنوات تقريباً – طلب لإزالة بعض الصور المرسومة لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم موجودة على الموقع وقد رفض رفضاً قاطعاً ! فهل مثل المواقع التي يديرها طائفة من الكفرة والملحدين يجوز أن يكون لنا فيها سهم نشاركهم بسببه فيما يكسبونه من آثام وذنوب ؟! .

ولو شئنا تتبع ما في الموقع من مخالفات لطال بنا الأمر – كتتبع ما يُكتب في السياحة والموسيقى والأفلام – وما ذكرناه كافٍ للقول بتحريم دفع أي مبلغ لهذا الموقع، وليعلم المسلم أنه لن تزول قدمه يوم القيامة حتى يسأله ربه تعالى عن ماله فيم أنفقه، فلا ينبغي أن يكون شكر الله تعالى على ما أنعم على المسلم من مال أن يجعله في نشر الكفر والإلحاد وسب الله تعالى وإيذائه.

وإننا إذ نثني عليك خيرًا لشعورك الطيب في رد الجميل لأهله، إلا أننا نريد منك أن تضع نصب عينيك واقع ما تريد دعمه والتبرع لصالحه، وليكن هذا الفعل منك للمواقع الإسلامية التي يقوم عليها أهل السنَّة، والتي تنشر الخير وتعلِّم الناس وتدعوهم إلى التوحيد، وليكن هذا الفعل للقنوات الإسلامية الصافية من الشوائب، وليكن هذا للدعاة من أهل السنَّة، وغير ذلك من مشاريع تفيد المسلمين في دينهم وتساهم في إخراج الكفار من الظلمات إلى النور، واعلم أن هذا الفعل منك لو حصل فهو من الخير الذي تقدمه لنفسك وتجد أثره الطيب الحسن – إن شاء الله – أمامك يوم لقاء ربك عز وجل.

 

والله أعلم.

نبذة عن الإمام محمد بن عبد الوهاب ودعوته

نبذة عن الإمام محمد بن عبد الوهاب ودعوته

السؤال:

أريد نبذة عن حياة الإمام محمد بن عبد الوهاب ودعوته؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

  1. هو محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي التميمي.
  2. ولد عام ألف ومائة وخمس عشرة للهجرة ( 1115 هـ ) في مدينة ” العيينة ” من نجد في الجزيرة العربية، في بيت علم وفضل.
  3. حفظ القرآن قبل بلوغه العاشرة، وقرأ على أبيه الفقه، وكان ذكيًّا كثير المطالعة.
  4. رحل الشيخ إلى مكة والمدينة والبصرة غير مرة، طلبًا للعلم.
  5. التقى بمدينة ” الدرعية ” بالأمير محمد بن سعود وحصلت بينهما البيعة على نشر التوحيد وإقامة حكم الله في الأرض.
  6. اشتغل بالدعوة إلى الله ولاقى الصعاب في ذلك، ومن ذلك إخراج أهل ” البصرة ” له بعد إنكاره عليهم بدعهم وضلالهم، وإنكاره على علمائهم سكوتهم، فخرج ماشياً باتجاه ” الزبير “
  7. ألَّف كتبًا عظيمة النفع، ومن أهمها ” كتاب التوحيد “، وكتاب ” القواعد الأربع “.
  8. توفي الشيخ رحمه الله في عام ست ومئتين وألف من هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم (1206 هـ ).

ثانيًا:

والشيخ محمد بن عبد الوهاب ( توفي 1206 هـ ) يعدُّ من أكثر الشخصيات الإسلامية تعرضًا للطعن والتشويه والكذب عليه وعلى دعوته، وقد كان هذا بسبب أمور كثيرة، منها:

  1. طبيعة دعوته وحقيقة منهجه، فقد جاء بالإسلام الصافي الخالي من الشوائب، وقد كان ذلك مخالفًا لما اعتاده الناس في زمانه، ولو أنه كان عابدًا لحجر أو معظمًا لشجر أو مقدِّسًا لبشر لكان رأسًا من رؤوس ذلك الزمان، ولما تعرَّض لطعن في دينه وكذب على منهجه، فقد بدأ الإسلام غريبًا، وقد كان غريبًا في زمان الشيخ رحمه الله.
  2. قلة أهل السنة وكثرة أهل البدعة، وإذا كان الإمام سفيان الثوري ( توفي 261 هـ) قد قال: سفيان الثوري إذ يقول: ” إذا سمعت برجل من أهل السنة بالشرق وأنت بالغرب فأقرأه السلام فإن أهل السنة قليل ” فماذا يقول الشيخ في زمانه؟!.

وكان الحسن البصري رحمه الله ( توفي 110 هـ ) يقول لأصحابه: ” يا أهل السنة تربطوا رحمكم الله فإنكم أقل الناس “، و قال يونس بن عبيد رحمه الله ( توفي 134 هـ ): ” ليس شيئًا أغربُ من السنَّة، وأغرب منها من يعرفها “.

  1. تيسر سبل الطباعة والسفر والاتصال، وهي وسائل ساهمت – بقوة – في انتشار المطاعن في الشيخ ودعوته.
  2. استغلال مواسم الحج للقاء الحجاج من كل مكان وبث الكذب على الشيخ ودعوته في صفوفهم، كما تمَّ توزيع كتبٍ كثيرة عليهم، فسمع الناس وقرؤوا وبلغوا من خلفهم في ديارهم، فساهم ذلك في انتشار المطاعن والكذب.
  3. تولِّي رموزٍ مشهورة لهذه الحملة الظالمة على الشيخ، فاستغلوا شهرتهم ومنصبهم للطعن والتقول، ومن أبرز هؤلاء: مفتي الشافعية في مكة ” أحمد زيني دحلان “، كما ساهم سليمان بن عبد الوهاب أخو الشيخ محمد في هذه الحملة، وإن كان نطاق تشويهه أقل من الأول.

ثالثًا:

ولم يكن الشيخ – رحمه الله – يدعو إلى مذهب خاص أو طريقة مبتدعة، بل كان متبعا للكتاب والسنَّة على فهم خير القرون.

* قال – رحمه الله -:

وأما ما ذُكر لكم عني: فإني لم آته بجهالة، بل أقول ولله الحمد والمنة وبه القوة: إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينًا قيَما ملة إبراهيم حنيفًا وما كان من المشركين، ولست – ولله الحمد – أدعو إلى مذهب صوفي أو فقيه أو متكلم أو إمام من الأئمة الذين أعظمهم مثل ابن القيم، والذهبي، وابن كثير، أو غيرهم.

بل أدعو إلى الله وحده لا شريك له، وأدعو إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي أوصى بها أول أمته وآخرهم، وأرجو ألا أرد الحق إذا أتاني، بل أشهد الله وملائكته وجميع خلقه إن أتانا منكم كلمة من الحق لأقبلنها على الرأس والعين، ولأضربن الجدار بكل ما خالفها من أقوال أئمتي، حاشا رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لا يقول إلا الحق.  ” الدرر السنية ” ( 1 / 37 ، 38 ).

* وقال – رحمه الله -:

عقيدتي وديني الذي أدين به: مذهب أهل السنة والجماعة الذي عليه أئمة المسلمين مثل الأئمة الأربعة وأتباعهم إلى يوم القيامة. ” الدرر السنية ” ( 1 / 64 ).

رابعا:

وقد ردَّ الشيخ – رحمه الله – بنفسه على جملة من الافتراءات عليه من قبل خصومه وأعدائه تنفيرًا منه ومن دعوته.

 

 

* قال – رحمه الله -:

” إذا تبين هذا فالمسائل التي شنع بها منها: ما هو من البهتان الظاهر:

  1. وهي قوله: إني مبطل كتب المذاهب.
  2. وقوله: إني أقول إن الناس من ستمائة سنة ليسوا على شيء.
  3. وقوله إني أدَّعى الاجتهاد.
  4. وقوله: إني خارج عن التقليد.
  5. وقوله إني أقول: إن اختلاف العلماء نقمة.
  6. وقوله إني أكفر من توسل بالصالحين.
  7. وقوله: إني أكفر البوصيري لقوله ” يا أكرم الخلق “.
  8. وقوله إني أقول لو أقدر على هدم حجرة الرسول لهدمتها.
  9. ولو أقدر على الكعبة لأخذت ميزابها وجعلت لها ميزاباً من خشب.
  10. وقوله إني أنكر زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم.
  11. وقوله إني أنكر زيارة قبر الوالدين وغيرهم.
  12. وإني أكفر من يحلف بغير الله.

فهذه اثنتا عشرة مسألة جوابي فيها أن أقول: ( سُبْحَانَكَ هَذا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ).

” الرسائل الشخصية ” ( ص 64 ).

 

ونسأل الله تعالى أن يُعظم أجر الشيخ وأن يجعله مع الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء، فقد نفع الله تعالى بدعوته، وقد عمَّ آثارها العالَم بطوله وعرضه، فكم أنقذ الله تعالى بهذه الدعوة مبتدعًا إلى السنَّة، وكم هدى ضالا إلى الهُدى، وها هي الآثار تُرى وتشاهد، ولا يُنكر ذلك إلا جاهل أو جاحد، ولا يُحارب هذه الدعوة إلا جاهل أو حاقد.

 

ولينظر مقال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله بعنوان ” الإمام محمد بن عبد الوهاب دعوته وسيرته “.

http://www.saaid.net/monawein/t/1.htm

 

والله أعلم.

من غاب عن ليلة إحدى نسائه لعذر أو غير عذر وجب عليه الرجوع لقضاء تلك الليلة

من غاب عن ليلة إحدى نسائه لعذر أو غير عذر وجب عليه الرجوع لقضاء تلك الليلة

السؤال:

سافر زوجي قبل نهاية لياليه الثلاث بمنزلي ( كما اتفقنا جميعًا )، فهل عليه أن يعود بمجرد وصوله لإكمال الليلتين الباقيتين أم أن له أن يختار أين يرغب في البقاء ( 3 ليالي ) جديدة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

إذا قسم الزوج لزوجاته ليلة ليلة أو ليلتين ليلتين أو ثلاثًا ثلاثًا: فإن من حق كل واحدة منهن أن يبيت عندها تلك الليالي المقسومة لها؛ فهي صاحبة الحق، وإذا حصل له ظرف جعله يغيب عن ليلة إحداهن غياباً كاملاً أو طويلاً كأن يُسجن أو يسافر أو يتزوج: فإنه لا يسقط حق صاحبة النوبة، بل عليه إذا خرج من سجنه أو رجع من سفره أو انتهى من القسم للزوجة الجديدة أن يعود لصاحبة النوبة فيبيت عندها، أو يكمل لها ما تبقى من ليلتها، وهذا هو مقتضى العدل.

* قال الشافعي – رحمه الله -:

وإذا قسم لامرأة ثم غاب، ثم قدِم: ابتدأ القسْم للتي تليها في القسم.

وهكذا إن كان حاضرًا فشغل عن المبيت عندها: ابتدأ القسم كما يبتدئه القادم من الغيبة، فيبدأ بالقسم للتي كانت ليلتها.

* وقال:

وإن كان عندها بعض الليل ثم غاب، ثم قدم: ابتدأ فأوفاها ما بقي من الليل، ثم كان عند التي تليها في آخر الليل حتى يعدل بينهن في القسم. ” الأم ” ( 5 / 281 ).

* وقال ابن قدامة – رحمه الله -:

فإن خرج من عند بعض نسائه في زمانها: فإن كان ذلك في النهار أو أول الليل أو آخره الذي جرت العادة بالانتشار فيه والخروج إلى الصلاة: جاز؛ فإن المسلمين يخرجون لصلاة العشاء ولصلاة الفجر قبل طلوعه، وأما النهار: فهو المعاش والانتشار.

وإن خرج في غير ذلك ولم يلبث أن عاد: لم يقض لها؛ لأنه لا فائدة في قضاء ذلك، وإن أقام : قضاه لها، سواء كانت إقامته لعذر من شغل أو حبس، أو لغير عذر؛ لأن حقها قد فات بغيبته عنها، وإن أحب أن يجعل قضاءه لذلك: غيبته عن الأخرى مثل ما غاب عن هذه: جاز؛ لأن التسوية تحصل بذلك، ولأنه إذا جاز له ترك الليلة بكمالها في حق كل واحدة منهما: فبعضها أولى. ” المغني ” ( 8 / 145 ).

ومما يثبت للزوجة من حق عند زوجها – وهو يؤكد ما سبق ذِكره – أنه لو سافر زوجها بقرعة بين نسائه فخرجت القرعة لواحدة منهن: فإن لها الحق في ليلتها بعد رجوعه من سفره، ولا يُسقط سفرُه بها حقها في ليلتها أو لياليها.

* قال الشيخ الخطيب الشربيني الشافعي – رحمه الله -:

قال البُلقيني: وإذا خرجت القرعة لصاحبة النوبة: لا تدخل نوبتُها في مدة السفر، بل إذا رجع: وفَّى لها نوبتها، قال: وفي نص ” الأم ” ما يشهد له.

” مغني المحتاج ” ( 3 / 258 ).

* وقال الشيخ منصور البهوتي الحنبلي – رحمه الله -:

( ويقسم ) الزوج ( لمن سافر بها ) من زوجاته ( بقرعة إذا قدم ) من سفره (ولا يحتسب عليها بمدة السفر ) لحديث عائشة السابق ولم تذكر قضاء، ولأن المسافرة اختصت بمشقة السفر. ” كشاف القناع ” ( 5 / 201 ).

والخلاصة:

يجب على زوجك إذا رجع من سفره أن يكمل لك بقية لياليك الثلاثة، وبه يتحقق العدل الذي أوجبه الله عليه، وليس عليه أن يبدأ القسم من جديد؛ لأن في ذمته ليالي لك يجب عليه قضاؤها.

 

والله أعلم.

مسألة في الميراث فيها مسائل متعددة

مسألة في الميراث فيها مسائل متعددة

السؤال:

أرجو من سماحتكم إعانتي في إيجاد حل لمسألة تقسيم الميراث في عائلتي حتّى ينال كل منّا نصيبه الشرعي.

  • توفّي والدي رحمه الله ( سنة 2000 ميلادي ) تاركًا أبويه وزوجته وستة من الأولاد ( 2 ذكور و 4 إناث ) ثمّ توفّيت ابنته الكبرى ( سنة 2010 م ).
  • بعد وفاة والدي تمّ ترميم المنزل وتوسيعه ( من سنة 2002 إلى سنة 2007 ) وشارك في ذلك البعض من الورثة بدفع مبالغ ماليّة ( لم يعد بالإمكان حصرها ) وشارك آخرون بالمجهود البدني في حين أنّ البعض الآخر لم يشارك بشيء.
  • يحاول بقيّة الورثة في هذه الأيام قسمة الميراث، فكيف يمكننا تحديد نصيب كل فرد – أم المتوفى وزوجته وأولاده ( 2 ذكور و3 إناث ) – مع العلم أنّ الجدّة ترفض أخذ نصيب من ميراث ابنها المتوفى.
  • توفيّت أختي ( سنة 2010 م ) مخلّفة سيّارة وثلاث قطع أرض صالحة للبناء وآلات خياطة، استعمل أحد الورثة السيّارة دون الاستئذان من بقيّة الورثة وتعرّض لحادث مرور بيعت بعده السيّارة بثمن بخس مقارنة بقيمتها قبل الحادث.
  • كيف يتم تقسيم ( المنابت )! بين ورثة المغفور لها إن شاء الله وهم أمها و خمسة إخوة ( 2 ذكور و 3 إناث ).
  • اشترت أمّي قطعة أرض صالحة للبناء ( سنة 1990 م ) بمبلغ قدره ( 300 دينار ) تلقته هبة من والدها ثمّ وهبتها لابنها ( سنة 2001 م ) عن طريق عقد بيع سجّل فيه أنّ ثمن الأرض ( 1000 دينار )، عند تقسيم الميراث طالب بقيّة الورثة – الأخ والأخوات الثلاث – بنصيبهم في هذه الهبة أو باحتسابها ضمن ميراث الأب، كيف يمكن للابن صاحب قطعة الأرض عن طريق عقد بيع مسجّل بالسجلات البلديّة منذ ( 2001 م ) التصرّف في هذه المسألة بما يرضي الله؟.

 

الجواب:

الحمد لله

نسأل الله أن يعظم أجركم ويغفر لوالدكم ولأختكم مغفرة واسعة.

أولًا:

كانَ الواجبُ قسمة التركةِ بين الورثة بعد وفاةِ والدكم مباشرة, وعدم تأخيرها, وأن تكونَ القسمة قبل ترميمِ المنزلِ وتوسيعه، وتأخير قسمة المواريث يوقع في حرج شرعي ومشكلات لا تقع لو أنهم التزم الورثة حكم الله تعالى فأعطوا كلَّ ذي حقٍّ حقَّه من غير تأخير.

* قال علماء اللجنة الدائمة:

لا ينبغي تأخير قسمة التركة؛ لما يترتب على ذلك من تأخير دفع الحقوق إلى أصحابها، وبالتالي تأخير دفع الزكاة؛ لأن كل وارث يحتج بأنه لا يعرف نصيبه، أو لم يستلمه. الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 16 / 441 ).

لكن هذا التقسيم لم يحصلْ، وقد ساهم بعض الورثةِ في ترميم المنزلِ بمجهودٍ مالي وبعضهم بمجهود بدني، فمن ساهم منهم بشيء تبرُّعًا: فلا يحل له المطالبة بشيء، ومن ساهم منه ديْنًا على أن يسترده من الميراث : فيقدَّر مجهوده – سواء ببدنه أو بماله – ويُعطى له من الميراث.

والأصل أن يقدِّر أهل الخبرة قيمة المجهود البدني فيُعطى لصاحب الحق، فإن اختلفتم فيفصل القضاء بينكم.

وأما تقسيم التركة: فللأم السدس؛ لقوله تعالى ( وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ ) النساء/ 11.

وللزوجةِ: الثمُن؛ لقوله تعالى ( فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ ) النساء/ 12.

والأبناء: عصبة مع الإناث؛ فميراثهم : ما في قولهِ تعالى ( للذًّكَرِ مثلُ حظِّ الأنْثَيَينِ ) النساء/ 11.

 

ثانيًا:

تنازلُ الأم عن حظها من الميراث إن كانَ برضاها واختيارها من طيبِ نفسٍ: فلا حرجَ في ذلكَ, وتنازلها إما أن يكونَ عن نصيبها: فإنه يحسبُ من الإرثِ, وإما أن يكون لمن تنازلَ له: فهو له.

* قال علماء اللجنة الدائمة:

وإذا تنازل جميع الورثة أو بعضهم وكانوا راشدين عن نصيبهم من التركة: فهو لمن تنازلوا له. الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 16 / 442 ) إلا إن كان تنازلًا لأحد أولادها – ذكورًا أو إناثًا -: فلا يجوز ولا يتملكه الموهوب له؛ لأنه يجب عليها العدل بين أولادها في الهبة.

ولتعلم الأم أن هبتها تلك الأرض لابنها دونَ بقيةِ أولادِها: إثم كبيرٌ؛ لما في ذلكَ من عدمِ العدلِ بينهم, ولا فرق في الحكم بينها وبين الأب، فكلا الوالديْن يجب عليه العدل في العطية بين أولاده، وتسجيلها في دائرة الأراضي باسم ابنها لا يجعله مالكاً لها.

عَنْ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ أَعْطَانِي أَبِي عَطِيَّةً فَقَالَتْ عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ لاَ أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَتَى رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: إِنِّي أَعْطَيْتُ ابْنِي مِنْ عَمْرَةَ بِنْتِ رَوَاحَةَ عَطِيَّةً فَأَمَرَتْنِي أَنْ أُشْهِدَكَ يَا رَسُولَ اللهِ قَال ( أَعْطَيْتَ سَائِرَ وَلَدِكَ مِثْلَ هَذَا؟ ) قَالَ: لاَ … قَالَ ( فَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلاَدِكُمْ ) قَالَ: فَرَجَعَ فَرَدَّ عَطِيَّتَه. رواه البخاري ( 2447 ).

وعليه: فعلى الابن رد هبة أمِّه لها، أو توزيعها بينه وبين أشقائه وشقيقاته بالتساوي إذا رضيت أمُّه بذلك، فالحق لها، إما أن ترد الأرض لها أو تقسمها بين أولادها بالعدل، ولا يجوز للأولاد المطالبة بالأرض على اعتبار أنه من مال أبيهم، بل تلك الأرض ملك أمهم.

* قال ابن حزم – رحمه الله -:

ولا يحل لأحد أن يهب ولا أن يتصدق على أحدٍ من ولده إلا حتى يعطي أو يتصدق على كل واحد منهم بمثل ذلك.

ولا يحل أن يفضل ذكرًا على أنثى, ولا أنثى على ذكر, فإن فعل: فهو مفسوخ مردود أبداً ولا بد. ” المحلى ” ( 8 / 95 ) .

 

ثالثًا: 

يظهر من السؤال أنَّ أختك ماتت ولم تأخذ نصيبها من ميراثِ أبيها, فإن كان كذلكَ: فإنَّ هذه المسألة تسمَّى بـ ” المناسخة “، وهي: أن يموت وارث فأكثر قبل قسمة التركة، وسمِّيت بذلك: لأن المال ينتقل فيها من وارث إلى وارث.

ولها – في الأصل – أحوال، وهنا نقول: لأنَّ ورثة أختكم هم بقية ورثة والدكم المتوفى من غير اختلاف: فتقسَّم التركة على من بقي منهم كأن الميت والدكم مات عنكم، فكأنها غير موجودة أصلًا.

 

رابعًا:

استخدامُ أحدِ الورثة شيئاً من التركةِ بغير إذن الورثة: لا يجوزُ، بل هو من التعدي والظلم خاصَّة إذا أدَّى هذا الاستخدام إلى إتلاف له أو إنقاص من قيمته.

وعليهِ: تُقسَمُ التركة على هذا النحو :

للأمِ السدس, وللزوجةِ الثمن, والأبناء والبنات عصبة بالغير, وحق المعتدي على التركةِ يخصمُ منه قدر ما أتلفه؛ لأنَّه بمنزلةِ المودَعِ عنده فيلزمه حفظه.

 

والله أعلم.

 

 

 

ما حكم شراء كنيسة لتحويلها لمسكن خاص؟ وما حكم ما فيها من صلبان وصور؟

ما حكم شراء كنيسة لتحويلها لمسكن خاص؟ وما حكم ما فيها من صلبان وصور؟

السؤال:

ما حكم من اشترى بيتًا كان يُستخدم كنيسة في السابق؟ فنحن نعيش في الغرب، وسننتقل للعيش في مدينة أخرى غير التي نحن فيها الآن، وقد بحثنا عن بيت لنشتريه ونسكن فيه، فكان من ضمن ما وجدنا بيتًا كان يُستخدم ككنيسة في السابق، وما زالت رموز الكنيسة موجودة فيه، فعلى سبيل المثال يوجد في مقدمة البناء لافتة عليها عبارة ” كنيسة المسيح “، ولا يمكننا أن نزيل هذه الأشياء لأن البلد أصلًا بلد مسيحي وهذه أمور حساسة ولن يسمحوا لنا بإزالتها حتى وإن كانوا يعرفون أنها تحولت إلى بيت، إن ما أعجبني في هذا البيت ( الكنيسة ) أنه كبير وواسع يفي بكل متطلبات الأسرة، لكن لن نُقدم على أي خطوة حتى نعلم الحكم الشرعي أولًا، فأرجو التوضيح والنصح؟

 

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا حرج على من اشترى كنيسة فحوَّلها لمسجد لتصير بيتًا من بيوت الله يقام فيه التوحيد ويكون مكانا لصلاة المسلمين، فأولى بالجواز شراء كنيسة لتكون بيتا لأحدٍ من المسلمين.

ثانيًا:

ويُشترط في حال تحولها لبيت من بيوت الله تعالى، أو لبيتٍ لآحاد المسلمين: أن تُطمس صورها وتماثيلها وأصنامها، وأن تزال صلبانها، وفي ذلك أحاديث، منها:

  1. عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ أَبَى أَنْ يَدْخُلَ الْبَيْتَ وَفِيهِ الْآلِهَةُ فَأَمَرَ بِهَا فَأُخْرِجَتْ فَأَخْرَجُوا صُورَةَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ فِي أَيْدِيهِمَا الْأَزْلَامُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( قَاتَلَهُمْ اللَّهُ أَمَا وَاللَّهِ قَدْ عَلِمُوا أَنَّهُمَا لَمْ يَسْتَقْسِمَا بِهَا قَطُّ ). رواه البخاري ( 4037 ).

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

( وفيه الآلهة ) أي: الأصنام، وأطلق عليها الآلهة باعتبار ما كانوا يزعمون ….

وكانت تماثيل على صوَر شتى فامتنع النبي صلى الله عليه وسلم من دخول البيت وهي فيه لأنه لا يُقرُّ على باطل، ولأنه لا يحب فراق الملائكة وهي لا تدخل ما فيه صورة.

” فتح الباري ” ( 3 / 469 ).

  1. عن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يَتْرُكُ فِي بَيْتِهِ شَيْئًا فِيهِ تَصَالِيبُ إِلَّا نَقَضَهُ. رواه البخاري ( 5952 ).

* قال الشوكاني – رحمه الله -:

قوله ( فيه تصاليب ) أي صورة صليب من نقش ثوب أو غيره والصليب فيه صورة عيسى عليه السلام تعبده النصار .

قوله ( نَقَضه ) بفتح النون والقاف والضاد المعجمة أي: كسره وأبطله وغيَّر صورة الصليب. وفي رواية أبي داود ( قَضَبَه ) بالقاف المفتوحة والضاد المعجمة والباء الموحدة أي: قطع موضع التصليب منه دون غيره، والقضب: القطع كذا قال ابن رسلان.

والحديث: يدل على عدم جواز اتخاذ الثياب والستور والبسط وغيرها التي فيها تصاوير.

” نيل الأوطار ” ( 2 / 97 ).

* وقال علماء اللجنة الدائمة:

ولا يجوز الإبقاء بل يجب القضاء عليه – أي: الصليب – وإزالته بما يذهب بمعالمه من كسر ومحو وطمس وغير ذلك، ولا يجوز بيعه ولا الصلاة عليه.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 3 / 438 ).

فالأحاديث واضحة الدلالة على تحريم بقاء الصلبان والصور المحرَّمة لذوات الأرواح على جدران الكنيسة التي اشتريتها لتجعلها منزلاً لك ولأسرتك، فلا تتردد في محوها وطمسها ونقضها بما يزيل معالمها.

ثالثًا:

وأما الزخرفة التي لا يختص بها النصارى وليست هي من شعارات دينهم: فلا حرج في بقائها منقوشة على الجدران.

وأما بخصوص اسم ” كنيسة المسيح ” الموضوع على لوحة خارج البيت: فلا بدَّ من السعي لإزالته، على أن تسلك الحكمة في ذلك بسبب ما ذكرته من أحوال لجيرانك وأهل بلدتك، ويمكنك الاستعانة ببعض العقلاء ليقدموا شكوى للبلدية – مثلًا – لجعل تغييرها يكون بطلب منهم لما يُحدثه بقاء الاسم من تغرير بالناس، كما يمكنك التقدم أنت بنفسك للبلدية – أو غيرها – لتغيير الاسم بسبب إزعاج القادمين للمنزل ظانين أنه كنيسة، أو غير ذلك من الطرق المناسبة بحسب ما يشير عليك عقلاء أهل بلدك، فلكل بلد ظروفها الخاصة بها، والمهم أن يكون منك سعي لإزالة اللوحة ولو تأخر الأمر في ذلك، على أنه لا سلطة لأحد عليك في بيتك فلا تُعذر في التأخر بطمس الصلبان والأصنام والصور المحرَّمة فيه.

 

والله أعلم.

 

ما حكم استئجار محل بمبلغ أقل من السوق مع دفع مبلغ من المال في بداية عقد الإيجار؟

ما حكم استئجار محل بمبلغ أقل من السوق مع دفع مبلغ من المال في بداية عقد الإيجار؟

السؤال:

استأجر شخص محلا، وقد اتفق مع صاحب المحل أنه يستأجره منه بمبلغ معين، مع أن هذا المبلغ أقل من قيمة الإيجار ولكنه سيقوم بدفع مبلغ مناسب لصاحب المحل مع كتابة العقد وفقاً للمدة المتفق عليها.

بمعنى أوضح: أنا – مثلًا – أمتلك محلا وقد أتى لي شخص يريد المحل للإيجار هو يريده لسنتين – مثلًا – إيجار المحل في الشهر مثلًا ( 200 دينار ) هو قال لي أنا سأدفع ( 50 دينارًا ) فقط أي: ربع المبلغ أو ثلث المبلغ في الشهر ومع كتابة العقد سأعطيك – مثلًا – عشرين ألف جنيه فهل هذا حرام أم حلال؟ وإن كان قد تم ذلك بغير علم فكيف التوبة منه؟.

 

الجواب:

الحمد لله

ما يطلبه مالك العقار من المستأجر مع الأجرة الشهرية له صور مختلفة:

  1. قد يطلب المالكُ من المستأجر مبلغًا عند بداية العقد غير الأجرة الشهرية يكون قرضًا يرده إليه نهاية عقد الإيجار، أو يطلب رهناً لكن له التصرف فيه حتى تتم مدة عقد الإيجار، ويكون من المالك مقابل ذلك تخفيض للأجرة الشهرية للمستأجر.

وهذا العقد محرَّم، وحقيقته: ” قرض جرَّ نفعًا “.

  1. قد يطلب المالكُ من المستأجر مبلغًا عند بداية العقد غير الأجرة الشهرية ويكون المبلغ كبيرًا مقابل تخفيض الأجرة الشهرية مع تأبيد عقد الإيجار.

ويلجأ بعض المالكين لهذا الأمر في بعض البلدان لأنهم لا يستطيعون إخراج المستأجر، فيكون عقد المستأجر في القانون تأبيديًّا, أو يكون العرض من المالك ابتداء.

وهذا العقد محرَّم باطل؛ لجمعه بين البيع والإجارة.

* قال الدكتور سعد الدين الكبي – وفقه الله -:

” لقد تقرر في الشريعة الإسلامية أن البيع إذا أُطلق فالمراد به: ” بيع الأعيان “، ومن مقتضياته: التمليك وحرية التصرف، وإذا قيِّد بوصف فإنما ينصرف إلى ما قُيِّد به، كتقييد البيع بالمنافع، فتقول – مثلًا -: ” بيع المنافع ” ويُسمَّى في الشريعة ” إجارة “.

وإذا كان كذلك: فإن ما يأخذه المالك من المستأجر لتمليكه المنافع على التأبيد: باطل؛ لأن بيع المنافع ” إجارة “، والإجارة إما أن تكون على مدة محددة ينتهي إليها العقد فيكون لازمًا إلى مدته، وإما أن تُحدد فيه نوع المدة دون غايتها – ( مثل أن يقول المالك: الأجرة كل شهر بمائة دينار ) – فيكون لازماً في المدة الأولى- ( أي: الشهر الأول كاملًا ) – جائزًا فيما بعدها – ( أي : قبل دخول الشهر الثاني ) -، ولكل واحد منهما الفسخ، وأما غير ذلك: فباطل لا يحل شرعًا.

وقال:

ليس في الشريعة ما تتخرج عليه هذه الصورة؛ لأن مقتضاها أن المؤجر باع المنفعة مرتين:

  1. 1. المرة الأولى: تمليك على التأبيد، وحقيقته في الشريعة: بيع أعيان.
  2. المرة الثانية: على أنه إجارة.

ولا يجوز للمؤجر إذا باع المنفعة على التأبيد أن يقول هي ” إجارة “، بل هو بيع عين، وإذا كان التكييف الشرعي لبيع التأبيد هو بيع الأعيان: لم يعُد للمؤجر حق في الجمع بين البيع والإجارة؛ لأنه إن باع على التأبيد : فقد خرج عن كونه مالكًا فلا يستحق الأجرة، والعبرة في الشريعة للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني، فمن أخذ مالاً مقابل نقل اليد على التأبيد: فيكون بيعاً وإن سمَّاه بعد ذلك ” خلوّاً في إجارة “. انتهى من ” المعاملات المالية المعاصرة في ضوء الإسلام ” ( ص 471 – 473 ) وما بين الأقواس فمِن توضيحنا.

  1. قد يَطلب المالكُ من المستأجر مبلغاً مقدَّماً عند بداية العقد غير الأجرة الشهرية ويخفض له في الأجرة، مع تحديد مدة عقد الإجارة.

وهذا عقد مباح بشرط أن يُحتسب المبلغ المدفوع من الأجرة في حال فسخ العقد لظروف قاهرة كتهدم العقار، وهو تخفيض مقابل التعجيل بجزء من الثمن، ولا حرج في هذا، والقول بجواز هذه الصورة في عقد الإيجار هو قول ” مجمع الفقه الإسلامي “.

 

والله أعلم.

قواعد نافعة في أسماء الله وصفاته، وهل ” الناسخ ” من أسمائه تعالى؟

قواعد نافعة في أسماء الله وصفاته، وهل ” الناسخ ” من أسمائه تعالى؟

السؤال:

قال الله تعالى ( ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير ) فهل نأخذ من هذه الآية اسم ” الناسخ ” ونضيفه لله سبحانه وتعالى؟ وهل النسخ صفة من صفات الله تعالى لأن الله أضاف النسخ إليه وهل الآية إذا نُسخت نقول بأن كلام الله نُسخ أو منسوخ، هل يجوز ذلك؟ وهل الله ينسخ ما يشاء من كلامه؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

النسخ في نصوص القرآن والسنَّة ثابت في شرع الله تعالى، وأجمع عليه أهل السنَة والجماعة في الجملة، ونعم يقال إن كلام الله تعالى فيه ناسخ ومنسوخ، وكذا يقال في كلام رسوله صلى الله عليه وسلم إن فيه ناسخًا ومنسوخا.

ثانيًا:

عقيدة أهل السنَّة والجماعة في أسماء الله تعالى أنها توقيفية، فلا يجوز لأحدٍ أن يسمِّي الله تعالى باسم لم يسمِّه نفسَه، أو لم يسمَّه به رسولُه صلى الله عليه وسلم، ولا مجال للعقل ولا للذوق ولا للرأي ولا للاجتهاد في إثبات أسمائه تعالى، بل تثبت أسماؤه بنصوص الكتاب والسنَّة الصحيحة.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

وعلى هذا فيجب الوقوف فيها على ما جاء به الكتاب والسنَّة، فلا يزاد فيها ولا ينقص؛ لأن العقل لا يمكنه إدراك ما يستحقه تعالى من الأسماء، فوجب الوقوف في ذلك على النص، لقوله تعالى: ( وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا ) الإسراء/ 36 وقوله: ( قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ) الأعراف/ 33، ولأن تسميته تعالى بما لم يُسَمِّ به نفسه أو إنكار ما سمَّى به نفسه جناية في حقه تعالى، فوجب سلوك الأدب في ذلك، والاقتصار على ما جاء به النص.

” القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى ” ( ص 13 ).

ثالثًا:

ومن قواعد أهل السنَّة والجماعة في باب الأسماء والصفات أن أسماءه تعالى أخص من صفاته، وأن صفاته أخص من أفعاله، فالأوسع مجالًا هي الأسماء والأضيق هي الأسماء، وأنه لا يجوز إثبات اسم لله تعالى من صفة ثابتة له ولا من فعلٍ نسبه لنفسه، بينما يمكن إثبات صفة له تعالى من أفعاله.

وأسماؤه تعالى تدل على ذاته وعلى صفة وعلى فعل – أحيانًا كثيرة وذلك بحسب الاسم هل هو لازم أو متعدي -، وأما صفاته فتدل على معنى وعلى فعل – بحسب الصفة -، فاسمه ” العزيز ” دلَّ على ذاته وعلى صفة ” العزَّة ” وعلى فعل فيقال ” يعزُّ من يشاء “.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

فأسماؤه كلها متفقة في الدلالة على نفسه المقدسة، ثم كل اسم يدل على معنى من صفاته  ليس هو المعنى الذي دل عليه الاسم الآخر، فـ ” العزيز ” يدل على نفسه مع عزته، و ” الخالق ” يدل على نفسه مع خلقه، و ” الرحيم ” يدل على نفسه مع رحمته، ونفسه تستلزم جميع صفاته، فصار كل اسم يدل على ذاته والصفة المختصة به بطريق المطابقة وعلى أحدهما بطريق التضمن وعلى الصفة الأخرى بطريق اللزوم . ” مجموع الفتاوى ( 7 / 185 ).

* وقال ابن القيم – رحمه الله -:

الاسم إذا أطلق عليه جاز أن يُشتق منه المصدر والفعل، فيُخبر به عنه فعلًا ومصدرًا، نحو ” السميع ” ” البصير ” ” القدير ” يطلق عليه منه: السمع والبصر والقدرة، ويُخبر عنه بالأفعال من ذلك نحو ( قد سمع الله ) المجادلة/ 1، ( وقدرنا فنعم القادرون ) المرسلات/ 23، هذا إن كان الفعل متعديّاً، فإن كان لازمًا: لم يُخبر عنه به نحو ” الحي ” بل يطلق عليه الاسم والمصدر دون الفعل، فلا يقال حيَّ!.

” بدائع الفوائد ” ( 1 / 170 ).

رابعًا:

ولا يجوز أن يُثبت أحدٌ اسمًا لله تعالى من صفة له أو من فعل، فلا يقال إنه ” الباسط ” اشتقاقًا من فعله ” يبسط ” أو من صفة ” البسط ” له عز وجل، ولا يقال هو ” المؤتي ” أو ” النازع ” استدلالًا بقوله تعالى ( تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ ) آل عمران/ 26.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

باب الصفات أوسع من باب الأسماء؛ وذلك: لأن كل اسم متضمن لصفة – كما سبق في القاعدة الثالثة من قواعد الأسماء -، ولأن من الصفات ما يتعلق بأفعال الله تعالى، وأفعاله لا منتهى لها، كما أن أقواله لا منتهى لها، قال الله تعالى ( وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) لقمان/ 27.

ومن أمثلة ذلك: أن من صفات الله تعالى: المجيء، والإتيان، والأخذ، والإمساك، والبطش، إلى غير ذلك من الصفات التي لا تحصى، كما قال تعالى:(وَجَاءَ رَبُّكَ ) الفجر/ 22، وقال: ( هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ ) البقرة/ 210، وقال: ( فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ) آل عمران/ 11 والأنفال/ 52 وغافر/ 21، وقال: ( وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلاّ بِإِذْنِهِ ) الحج/ 65، وقال: ( إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ) البروج/ 12، وقال: ( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ) البقرة/ 185، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( ينزل ربنا إلى السماء الدنيا) – متفق عليه -.

فنصف الله تعالى بهذه الصفات على الوجه الوارد، ولا نسميه بها، فلا نقول: إن من أسمائه الجائي، والآتي، والآخذ، والممسك، والباطش، والمريد، والنازل، ونحو ذلك، وإن كنا نخبر بذلك عنه ونصفه به.

” القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى ” ( ص 21 ).

 

وعليه: فقوله تعالى ( نَنْسخ ) هو من أفعاله تعالى، ولا يجوز أن يُسمَّى الله تعالى ” الناسخ “؛ لأن أسماءه تعالى توقيفية وهذا الاسم لم يرد في الكتاب والسنَّة، ولأنه لا يجوز اشتقاق الأسماء من الصفات فضلًا عن اشتقاقها من الأفعال.

 

والله أعلم.

 

 

 

 

 

 

عليه نذر ذبح خروفين فما حكم نذره؟ وما حكم جعل اللحم في تفطير صائمين؟

عليه نذر ذبح خروفين فما حكم نذره؟ وما حكم جعل اللحم في تفطير صائمين؟

السؤال:

أنا نذرت أن أذبح خروفين إن رفع الله عنِّي البلاء، والحمد لله رفعه عني، ونحن في شهر رمضان المبارك، ونحن هنا في أمريكا ولاية كاليفورنيا يوجد لدينا برنامج تفطير الصائمين في المسجد، ففي كل يوم يطبخ أحد المسلمين أو العائلات للمسجد – طبعًا تبرعًا منهم -.

وسؤالي هو: هل يجوز أن أطبخ هذين الخروفين لتفطير الصائمين في المسجد لأني سمعت أنه لا يجوز وإنما النذر للفقراء فقط حتى أنا وأهل بيتي لا يجوز أن نأكل منه ؟ فهل هذا صحيح؟, وليتكم توضحون لي ما حكم النذر وخصوصًا في الذبح؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

النَّذر الذي نذرته – أخي السائل – يطلق عليه ” نذر المعاوضة ” وحكمه دائر بين الكراهة والتحريم! وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن عقد، وأخبر أنه لا يُستخرج إلا من البخيل، ووجه البُخل أن الناذر لم يفعل تلك الطاعة – وهي الذبح في نذرك – إلا بعد أن يحقق الله له مطلوبه، وهذا بخلاف ” نذر الطاعة ” وهو الممدوح عاقده وهو من ينذر فعل طاعة لا مقابل حصل مقصود دنيوي، وكلا النذرين واجب الوفاء بهما.

مع التنبيه على حرمة النذر لمن اعتقد أن الله تعالى يحقق مطلوب الناذر بسبب أنه نذر!.

ثانيًا:

ولا يجوز للناذر أن يأكل من نذره إلا إن نوى أن يأكل منه أو كان اشترط ذلك، فإذا لم تشترط الأكل من نذرك الذي نذرت ولم تنو ذلك: فلا يحل لك – ولا لأهل بيتك – الأكل من لحم ذينك الخروفين.

ثالثًا:

والناذر إن حدَّد جهة لتصريف نذره: فيُلزم بما حدَّده كأن يكون نذره للأصدقاء أو الأقرباء أو الجيران أو غيرهم، فإن أطلق ولم يُحدِّد جهة: فيعطي ما نذر للفقراء والمساكين؛ لأن هؤلاء هم أهل الصدقة، ومصرف النذر المطلق من حيث الجهة هو مصرف الصدقة المطلقة، وهم الفقراء والمساكين، ولا شك أن أهله وأقاربه الفقراء أولى من غيرهم.

وعليه: فإذا كان الصائمون الذين يأتون المسجد للإفطار فيه هم من الفقراء أو المساكين: فلا حرج عليك من إعطاء الخروفين لمن يطبخهما من أجل إطعامهم، وإن لم يكونوا كذلك: فلا تفعل هذا، ولك أن توزع اللحم نيئًا على الفقراء والمساكين وقد يكون هذا أفضل لكثير منهم حتى تأكل الأسرة كلها منه، ولا تُلزم بالتوزيع على أهل منطقتك بل لكم أن توسع الدائرة لتشمل العالَم كلَّه، وإذا وُجد فقراء من أهلك في أي بلد وأوصيت من يذبح ليعطيهم فهو أفضل إن شاء الله، واحرص على أن يكون الخروفان مما يجزئ في الأضحية لتكون موفياً بنذرك خير وفاء.

* قال علماء اللجنة الدائمة – في سؤال مشابه وهو تلخيص لما سبق أن ذكرناه لك-:

يجب عليك أن تفي بنذرك المذكور، وذلك بأن تذبح الشاتين اللتين نذرت ذبحهما، وتوزع لحومهما على الفقراء والمساكين، ولا بد أن تكون الشاتان مما يجزئ في الأضحية، وهو جذع الضأن فما فوق، وثني المعز فما فوق، وفى الله عنك ويسر أمرك، ونوصيك بعدم النذر في المستقبل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن النذر وقال: ( إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل ) – متفق عليه -.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ بكر أبو زيد. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 23 / 332 ).

 

والله أعلم.