الرئيسية بلوق الصفحة 263

هل تطلق من طلقها زوجها ثلاثاً في مجلس واحد؟

كم تطلق مَن طلقها زوجها ثلاثاً في مجلس واحد؟

السؤال:

شخص قال لزوجته ” أطلقك ثلاثاً ” في مجلس واحد, هل هذا يقع أم لا؟

 

الجواب:

الحمد لله

ذهب الأئمة الأربعة وابن حزم إلى أن من قال لزوجته ” أنت طالق أنت طالق أنت طالق ” في مجلس واحد , ونوى تكرار الوقوع : فإنه يقع ثلاثاً , ولا  تحل له حتى تنكح زوجا غيره ؛ لما رواه محمود بن لبيد , قال : ” أُخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعا , فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال : أيلعب بكتاب الله عز وجل وأنا بين أظهركم ؟ حتى قام رجل , فقال : يا رسول الله ألا أقتله ؟ ” . رواه النسائي ( 3401 ) – وهو ضعيف كما سيأتي – .

وعن ابن عباس قال : ” طلَّق أبو ركانة أم ركانة , فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : راجع امرأتك , فقال : إني طلقتها ثلاثا , قال : قد علمت , راجعها “.  أخرجه أبو داود ( 2196 ) – وهو ضعيف كما سيأتي – .

وخالف فيه بعض أهل الظاهر فذهبوا إلى أنها تقع طلقة واحدة ، وهو قول ابن عباس , وبه قال إسحاق وطاوس وعكرمة ؛ لما في صحيح مسلم أن ابن عباس قال : ” كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة , فقال عمر : إن الناس قد استعجلوا في أمر كان لهم فيه أناة , فلو أمضيناه عليهم , فأمضاه عليهم ” .

وأجيب عنه بستة أجوبة : أقربها جوابان :

الأول : أن هذا الحديث ورد في صورة خاصة هي قول المطلق أنت طالق أنت طالق أنت طالق أن اللفظ الثاني والثالث توكيد للأول لا تأسيس طلاق آخر ويحمل قوله على السلامة والصدق فيقبل قوله ، فلما رأى عمر تغير أحوال الناس وغلبة الدعاوى الباطلة رأى من المصلحة أن يجري المتكلم على ظاهر قوله , ولا يصدق في دعوى ضميره , وهذا الجواب ارتضاه القرطبي قال النووي : هو أصح الأجوبة .

وأجيب عنه : أنه يتضح من خلال الجواب أن نهي عمر كان رأياً محضاً ، ومع ذلك فالناس مختلفون في كل عصر فيهم الصادق والكاذب وما يعرف ما في ضمير الإنسان إلا من كلامه فيقبل قوله , وإن كان مبطلا في نفس الأمر فيحكم بالظاهر والله يتولى السرائر ، مع أن ظاهر قول ابن عباس أن طلاق الثلاث يقع واحدة بأية عبارة وقعت .

الثاني : أن معنى قوله كان طلاق الثلاث واحدة أن الطلاق الذي كان يوقع في عهده صلى الله عليه وسلم وعهد أبي بكر إنما كان يوقع في الغالب واحدة لا يوقع ثلاثا فمراده أن هذا الطلاق الذي توقعونه ثلاثا كان يوقع في ذلك العهد واحدة فيكون قوله فلو أمضيناه عليهم بمعنى لو أجريناه على حكم ما شرع من وقوع الثلاث , وهذا الجواب يتنزل على قوله استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة تنزلا قريبا من غير تكلف ويكون معناه الإخبار عن اختلاف عادات الناس في إيقاع الطلاق لا في وقوعه فالحكم متقرر , وقد رجح هذا التأويل ابن العربي ونسبه إلى أبي زرعة وكذا البيهقي أخرجه عنه قال : معناه أن ما تطلقون أنتم ثلاثا كانوا يطلقون واحدة .

وأجيب عنه : أن هذا يتم إن اتفق على أنه لم يقع في عصر النبوة إرسال ثلاث تطليقات دفعة واحدة وحديث أبي ركانة وغيره يدفعه ، وينبو عنه قول عمر ” فلو أمضيناه ” , فإنه ظاهر في أنه لم يكن مضى في ذلك العصر حتى رأى إمضاءه , وهو دليل وقوعه في عصر النبوة لكنه لم يمض فليس فيه أنه كان وقوع الثلاث دفعة نادرا في ذلك العصر .

انظر ” سبل السلام ” ( 2 / 252 – 254 ) وقال في آخر بحثه :

والأقرب أن هذا رأي من عمر ترجح له كما منع من متعة الحج وغيرها ، وكل أحدٍ يؤخذ من قوله ويترك غير رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكونه خالف ما كان على عهده صلى الله عليه وسلم فهو نظير متعة الحج بلا ريب ، والتكلفات في الأجوبة ليوافق ما ثبت في عصر النبوة لا يليق , فقد ثبت عن عمر اجتهادات يعسر تطبيقها على ذلك ، نعم إن أمكن التطبيق على وجه صحيح , فهو المراد . انتهى .

– وحديثهم الأول ضعفه الشيخ الألباني في ” ضعيف سنن النسائي ” ( 6 / 142 ) .

– وحديثهم الثاني ضعفه الإمامان أحمد والبخاري .

قال ابن القيم رحمه الله :

وهذا هو الحديث الذي ضعفه الإمام أحمد , والناس فإنه من رواية عبد الله بن علي بن السائب عن نافع بن عجير عن ركانة , ومن رواية الزبير بن سعيد عن عبد الله بن علي بن يزيد بن ركانة عن أبيه عن جده , وكلهم ضعفاء , والزبير أضعفهم , وضعف البخاري أيضا هذا الحديث , قال : علي بن يزيد بن ركانة عن أبيه لم يصح حديثه . ” شرح تهذيب سنن أبي داود ” ( 6 / 191 ) .

والصحيح : أن طلاق الثلاث في مجلس واحد أو بلفظ واحد أنه يقع واحدة ، وهو الذي ثبت في السنة الصحيحة – كما مرَّ في رواية مسلم – وأفتى به الأجلة من الصحابة فكان إجماعاً .

عن ابن عباس , قال : طلق ركانة بن عبد يزيد أخو بني المطلب امرأته ثلاثا في مجلس واحد , فحزن عليها حزنا شديدا , قال : فسأله رسول الله : كيف طلقتها ؟ قال : طلقتها ثلاثا , قال : فقال : في مجلس واحد ؟ قال : نعم , قال : فإنما تلك  واحدة , فأرجعها إن شئت , قال : فراجعها .

فكان ابن عباس يرى إنما الطلاق عند كل طهر , وقد صحح الإمام أحمد هذا الإسناد وحسنه .

قال ابن القيم :

والمقصود أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم يخف عليه أن هذا هو السنة , وأنه  توسعة من الله لعباده ; إذ جعل الطلاق مرة بعد مرة , وما كان مرة بعد مرة لم يملك المكلف إيقاع مراته كلها جملة واحدة كاللعان , فإنه لو قال : ” أشهد بالله أربع شهادات إني لمن الصادقين ” كان مرة واحدة , ولو حلف في القسامة وقال : ” أقسم بالله خمسين يمينا أن هذا قاتله ” كان ذلك يمينا واحدة , ولو قال المقر بالزنا : ” أنا أقر أربع مرات أني زنيت ” كان مرة واحدة ; فمن يعتبر الأربع لا يجعل ذلك إلا إقرارا واحدا , وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ” من قال في يومه سبحان الله وبحمده مائة مرة حطت عنه خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر ” فلو قال : ” سبحان الله وبحمده مائة مرة ” لم يحصل له هذا الثواب حتى يقولها مرة بعد مرة , وكذلك قوله : ” من سبح الله دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين , وحمده ثلاثا وثلاثين , وكبره ثلاثا وثلاثين ” الحديث ; لا يكون عاملا به حتى يقول ذلك مرة بعد مرة , ولا يجمع الكل بلفظ واحد , وكذلك قوله : ” من قال في يومه لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير مائة مرة كانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي ” لا يحصل هذا إلا بقولها مرة بعد مرة , وهكذا قوله : { يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات } ، وهكذا قوله في الحديث : ” الاستئذان ثلاث مرات , فإن أذن لك وإلا فارجع ” لو قال الرجل ثلاث مرات هكذا كانت مرة واحدة حتى يستأذن مرة بعد مرة , وهذا كما أنه في الأقوال والألفاظ فكذلك هو في الأفعال سواء , كقوله تعالى : { سنعذبهم مرتين } إنما هو مرة بعد مرة , وكذلك قول ابن عباس ” رأى محمد ربه بفؤاده مرتين ” إنما هو مرة بعد مرة , وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم : ” لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين ” .

فهذا المعقول من اللغة والعرف في الأحاديث المذكورة , وهذه النصوص المذكورة وقوله تعالى : { الطلاق مرتان } كلها من باب واحد ومشكاة واحدة , والأحاديث المذكورة تفسر المراد من قوله : { الطلاق مرتان } كما أن حديث اللعان تفسير لقوله لقوله تعالى : { فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله } .

فهذا كتاب الله , وهذه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم , وهذه لغة العرب , وهذا عرف التخاطب , وهذا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة كلهم معه في عصره وثلاث سنين من عصر عمر على هذا المذهب ; فلو عدهم العاد بأسمائهم واحدا واحدا لوجد أنهم كانوا يرون الثلاث واحدة إما بفتوى وإما بإقرار عليها , ولو فرض فيهم من لم يكن يرى ذلك فإنه لم يكن منكرا للفتوى به , بل كانوا ما بين مفت ومقر بفتيا وساكت غير منكر . وهذا حال كل صحابي من عهد الصديق إلى ثلاث سنين من خلافة عمر , وهم يزيدون على الألف قطعا كما ذكره يونس بن  بكير عن أبي إسحاق قال : حدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير قال : استشهد من المسلمين في وقعة اليمامة ألف ومائتا رجل منهم سبعون من القراء كلهم قد قرءوا القرآن , … وكل صحابي من لدن خلافة الصديق إلى ثلاث سنين من خلافة عمر كان على أن الثلاث واحدة فتوى أو إقرارا أو سكوتا , ولهذا ادعى بعض أهل العلم أن هذا إجماع قديم , ولم تجمع الأمة ولله الحمد على خلافه , بل لم يزل فيهم من يفتي به قرنا بعد قرن , وإلى يومنا هذا , فأفتى به حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس كما رواه حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس : ” إذا قال أنت طالق ثلاثا بفم واحدة فهي واحدة ” وأفتى أيضا بالثلاث , أفتى بهذا وهذا ، وأفتى بأنها واحدة الزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف , حكاه عنهما ابن وضاح , وعن علي رضي الله عنهه وابن مسعود روايتان كما عن ابن عباس , وأما التابعون فأفتى به عكرمة , رواه إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب عنه , وأفتى به طاوس , وأما تابعو التابعين فأفتى به محمد بن إسحاق , حكاه الإمام أحمد وغيره عنه , وأفتى به خلاس بن عمرو والحارث العكلي , وأما أتباع تابعي التابعين فأفتى به داود بن علي وأكثر أصحابه , حكاه عنهم أبو المفلس وابن حزم وغيرهما , وأفتى به بعض أصحاب مالك , حكاه التلمساني في شرح تفريع ابن الجلاب قولا لبعض المالكية . وأفتى به بعض الحنفية , حكاه أبو بكر الرازي عن محمد بن مقاتل , وأفتى به بعض أصحاب أحمد , حكاه شيخ الإسلام ابن تيمية عنه , قال : وكان الجد يفتي به أحيانا …

* والمقصود:

أن هذا القول قد دل عليه الكتاب والسنة والقياس والإجماع القديم , ولم  يأت بعده إجماع يبطله , ولكن رأى أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه أن الناس قد استهانوا بأمر الطلاق , وكثر منهم إيقاعه جملة واحدة ; فرأى من المصلحة عقوبتهم بإمضائه عليهم ; ليعلموا أن أحدهم إذا أوقعه جملة بانت منه المرأة وحرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره نكاح رغبة يراد للدوام لا نكاح تحليل , فإنه كان من أشد الناس فيه , فإذا علموا ذلك كفوا عن الطلاق المحرم , فرأى عمر أن هذا مصلحة لهم في زمانه ، ورأى أن ما كانوا عليه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعهد الصديق وصدرا من خلافته كان الأليق بهم ; لأنهم لم يتتابعوا فيه , وكانوا يتقون الله في الطلاق , وقد جعل الله لكل من اتقاه مخرجا , فلما تركوا تقوى الله وتلاعبوا بكتاب الله وطلقوا على غير ما شرعه الله ألزمهم بما التزموه عقوبة لهم ; فإن الله تعالى إنما شرع الطلاق مرة بعد مرة , ولم يشرعه كله مرة واحدة , فمن جمع الثلاث في مرة واحدة فقد تعدى حدود الله , وظلم نفسه , ولعب بكتاب الله , فهو حقيق أن يعاقب , ويلزم بما التزمه , ولا يقر على رخصة الله وسعته , وقد صعبها على نفسه , ولم يتق الله ولم يطلق كما أمره الله وشرعه له , بل استعجل فيما جعل الله له الأناة فيه رحمة منه وإحسانا , ولبس على نفسه واختار الأغلظ والأشد ; فهذا مما تغيرت به الفتوى لتغير الزمان , وعلم الصحابة رضي الله عنهم حسن سياسة عمر وتأديبه لرعيته في ذلك فوافقوه على ما ألزم به , وصرحوا لمن استفتاهم بذلك … 

فليتدبر العالم الذي قصده معرفة الحق واتباعه من الشرع والقدر في قبول الصحابة هذه الرخصة والتيسير على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقواهم ربهم تبارك وتعالى في التطليق , فجرت عليهم رخصة الله وتيسيره شرعا وقدرا , فلما ركب الناس الأحموقة , وتركوا تقوى الله , ولبسوا على أنفسهم , وطلقوا على غير ما شرعه الله لهم , أجرى الله على لسان الخليفة الراشد والصحابة معه شرعا وقدر إلزامهم بذلك , وإنفاذه عليهم , وإبقاء الإصر الذي جعلوه هم في أعناقهم كما جعلوه , وهذه أسرار من أسرار الشرع والقدر لا تناسب عقول أبناء الزمن …

والذي ندين لله به ولا يسعنا غيره وهو القصد في هذا الباب أن الحديث إذا صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يصح عنه حديث آخر ينسخه أن الفرض علينا وعلى الأمة الأخذ بحديثه وترك كل ما خالفه , ولا نتركه لخلاف أحد من الناس كائنا من كان لا رواية ولا غيره ; إذ من الممكن أن ينسى الراوي الحديث , أو لا يحضره وقت الفتيا , أو لا يتفطن لدلالته على تلك المسألة , أو يتأول فيه تأويلا مرجوحا , أو يقوم في ظنه ما يعارضه ولا يكون معارضا في نفس الأمر , أو يقلد غيره في فتواه بخلافه لاعتقاده أنه أعلم منه وأنه إنما خالفه لما هو أقوى منه , ولو قدر انتفاء ذلك كله , ولا سبيل إلى العلم بانتفائه ولا ظنه , لم يكن الراوي معصوما , ولم توجب مخالفته لما رواه سقوط عدالته حتى تغلب سيئاته حسناته , وبخلاف هذا الحديث الواحد لا يحصل له ذلك . “إعلام الموقعين ” ( 3 / 32 – 38 ) باختصار .

وهذا الذي ذكرناه هو الذي يفتي به علماؤنا المحققون في هذا العصر ، وهو الذي يُعمل به في عامة الدول العربية والإسلامية .

سئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله – :

رجل طلق امرأته ثلاثاً بكلمة واحدة ، فما الحكم ؟ .

فأجاب :

إذا طلق الرجل امرأته بالثلاث بكلمة واحدة كأن يقول لها ” أنت طالق بالثلاث ” ، أو ” مطلقة بالثلاث ” فقد ذهب جمهور أهل العلم إلى أنها تقع بها الثلاث على المرأة ، وتحرم على زوجها بذلك حتى تنكح زوجاً غيره نكاح رغبة لا نكاح تحليل ، ويطأها ثم يفارقها بموت أو طلاق .

واحتجوا على ذلك بأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمضاها على الناس .

وذهب آخرون من أهل العلم إلى أنها تعتبر طلقة واحدة وله مراجعتها ما دامت في العدة فإن خرجت من العدة حلت له بنكاح جديد ، واحتجوا على ذلك بما ثبت في صحيح مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : ” كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهد أبي بكر رضي الله عنه وسنتين من خلافة عمر رضي الله عنه طلاق الثلاث واحدة ، فقال عمر : إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة ، فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم  ” ، وفي رواية أخرى لمسلم ” أن أبا الصهباء قال لابن عباس رضي الله عنهما : ألم تكن الثلاث تجعل واحدة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعهد أبي بكر رضي الله عنه وثلاث سنين من عهد عمر رضي الله عنه ؟ قال : بلى ” ، واحتجوا أيضاً بما رواه الإمام أحمد في المسند بسند جيد عن ابن عباس رضي الله عنهما أن أبا ركانة طلَّق امرأته ثلاثاً فحزن عليها فردها عليه النبي صلى الله عليه وسلم وقال إنها واحدة ” ، وحملوا هذا الحديث والذي قبله على الطلاق بالثلاث بكلمة واحدة جمعاً بين هذين الحديثين وبين قوله تعالى : { الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ } [ البقرة / 229 ] ، وقوله عز وجل : { فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } [ البقرة / 230 ] الآية .

وذهب إلى هذا القول : ابن عباس رضي الله عنهما في رواية صحيحة عنه ، وذهب إلى قول الأكثرين في الرواية الأخرى عنه ، ويروى القول بجعلها واحدة عن علي وعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام رضي الله عنهم جميعا .

وبه قال جماعة من التابعين ومحمد بن إسحاق صاحب السيرة وجمع من أهل العلم من المتقدمين والمتأخرين ، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم رحمة الله عليهما ، وهو الذي أفتى به ؛ لما في ذلك من العمل بالنصوص كلها ؛ ولما في ذلك أيضاً من رحمة المسلمين والرفق بهم .

” فتاوى إسلامية ” ( 3 / 271 ، 272 ) .

وفي فوائد آية { الطلاق مرتان … } قال الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله – :

ومنها : الإشارة إلى أن الطلاق المكرر بلفظ واحد ليس بطلاق ؛ بمعنى أنه لا يتكرر به الطلاق ؛ لأن قوله تعالى : { الطلاق مرتان } وصف يجب أن يكون معتبراً ؛ فإذا طلقت امرأتك فقلت : ” أنت طالق ” : فقد طلقت ؛ فإذا قلت ثانية : ” أنت طالق ” فكيف تورد طلاقاً على مطلقة ؛ لأن الطلاق لا يرد إلا على من كانت غير مطلقة حتى يقال : طلقت ؛ وهنا قال تعالى : { الطلاق مرتان } ؛ ولهذا قال الفقهاء – رحمهم الله – : لو أن الرجل طلق امرأته ، وحاضت مرتين ، ثم طلقها بعد الحيضة الثانية لا تستأنف عدة جديدة للطلقة الثانية ؛ بل تبني على ما مضى ؛ وإذا حاضت الثالثة ، وطهرت انقضت عدتها ؛ لأن الطلاق الثاني ليس له عدة ؛ وهذا مما يؤيد اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية : أن الطلاق المكرر لا عبرة به إلا أن يصادف زوجة غير مطلقة ؛ ولأن الله سبحانه وتعالى قال : { فطلقوهن لعدتهن } ؛ والفقهاء الذين خالفوا في ذلك يقولون : إنه إذا كرر الطلاق في المرة الثانية لا تستأنف العدة ؛ فإذاً هي مطلقة لغير عدة فلا يقع الطلاق ؛ لأنه سيكون على خلاف ما أمر الله به ؛ وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ” من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد ” ، وقد قال شيخنا – أي : الشيخ ابن باز – عن اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية : ” إن من تأمله تبين له أنه لا يسوغ القول بخلافه ” ؛ لأنك إذا تأملت كلامه في أنه لا يقع طلاق على طلاق ، وأنه لا يتكرر إلا على زوجة غير مطلقة فلا يمكن أن يتكرر الطلاق إلا إذا راجعها ، أو عقد عليها عقداً جديداً ؛ وهذا القول هو الراجح ؛ وهو الذي أفتي به ؛ وهو أنه لا طلاق على طلاق حتى لو قال ألف مرة : ” أنت طالق ” ؛ فليس إلا مرة واحدة فقط ؛ ويدل على هذا قول تعالى : { الطلاق مرتان } أي : مرة بعد مرة ؛ فلا بد أن يقع على زوجة غير مطلقة .

” تفسير القرآن الكريم ” ( 3 / 110 ، 111 ) . 

 

والله أعلم.

هل إذا تدخل المرأة في نكاح التحليل إذا نوت المرأة فراق الزوج الثاني لتعود لزوجها الأول؟

هل إذا تدخل المرأة في نكاح التحليل إذا نوت المرأة فراق الزوج الثاني لتعود لزوجها الأول؟

السؤال:

منذ سبعة أشهر طلقت زوجتي ، والتي هي أم لولدين بيننا ، كنت أحبُّها حبّاً شديداً ، لكن نظراً لبعض الوسواس : طلقتها ، وندمت على ذلك ، بعد ذلك بمدة : تزوجتْ من شخص آخر ، ثم طلقها ، فحمدتُ الله على ذلك ، فتزوجتها من جديد ، منذ عدة أيام وجدتها تبكي ، فعندما سألتها في ذلك قالت : إنها ما تزوجت ذلك الرجل إلا ليطلقها ، وقد أخبرته بذلك بعد الزواج ، وقالت له : أنا لا أحبك ، وإنما أحب رجلاً آخر ، فقال لها : طالما أنك تحبين رجلاً آخر فأنتِ طالق .

طبعاً أنا لا أعلم شيئاً عن هذا ، حتى أني لا أعرف زوجها الذي تزوجته ، فهل زواجنا هذا صحيح ، أم أننا ندخل من ضمن الذين لعنهم النبي صلى الله عليه وسلم ( لعن الله المحلِّل والمحلَّل له ) ؟ . أفتونا مأجورين ، وجزاكم الله خيراً . 

 

الجواب:

الحمد لله

أولاً:

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : ( لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُحِلَّ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ ) .

رواه الترمذي ( 1120 ) وصححه ، والنسائي ( 3416 ) .

قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله – :

وصححه ابن القطان ، وابن دقيق العيد على شرط البخاري .

” التلخيص الحبير ” ( 3 / 372 ) .

قال ابن القيم – رحمه الله – :

ولعنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لهما : إما خَبَر عن الله تعالى بوقوع لعنته عليهما ، أو دُعاء عليهما باللعنة ، وهذا يدلُّ على تحريمه ، وأنه من الكبائر .

” زاد المعاد في هدي خير العباد ” ( 5 / 672 ) .

عن عُقْبَة بْنِ عَامِرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِالتَّيْسِ الْمُسْتَعَارِ ) قَالُوا : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : ( هُوَ الْمُحَلِّلُ لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ ) . رواه ابن ماجه ( 1936 ) وحسنه الألباني في ” صحيح ابن ماجه ” .

قال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله – :

وهذا من أقبح الباطل ، ومن أعظم الفساد ، وهو زانٍ في المعنى ؛ لأنه ما تزوجها لتكون زوجة ، لتعفه ولتبقى لديه لتحصنه ، ليرجو منها وجود الذرية لا ، إنما جاء تيساً مستعاراً ، ليحللها لمَن قبله ، بوطء مرة واحدة ، ثم يفارقها وينتهي منها ، هذا هو المحلل ، ونكاحه باطل ، وليس بشرعي ، ولا تحل للزوج الأول إذا علم هذا ، فإنه يستحق أن يؤدب ، ويعزر بالتعزير البليغ ، الذي يردعه وأمثاله ، وهذه الزوجة لا تحل بذلك ، بل يعزر أيضاً المحلِّل ، وهي كذلك ، إذا كانت راضية ، كلهم يعزرون لهذا العمل السيئ ؛ لأنه نكاح فاسد ، نكاح خبيث ، نكاح منكر ومعصية ، فوجب أن يعزر القائمون به : المحلِّل والمحلِّلة ، والمحلَّل له أيضاً ، كلهم سواء ، فالمرأة إذا كانت راضيةً ، وعالمة بهذا الشيء : فهي أيضاً تستحق التعزير ، والتأديب ؛ لرضاها بالمعصية ، ومواطأتها عليها ، ولو أراد أن يبقى عندها : لم تحل له ، ما دام نكحها بهذه النية ، وبهذا القصد ؛ فإنه نكاح فاسد ، ولا تحل له ، ولا تحل للزوج الأول ؛ لأن هذا ليس بزواج ، والله قال : ( حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ) ، وهذا تيس مستعار ، وليس بزوج شرعي ، فلا يحللها للزوج الأول . ” فتاوى الشيخ ابن باز ” (20 / 277 ، 278 ) .

ثانياً:

– والأطراف في مسألة نكاح التحليل  ثلاثة : الزوج الأول ، والثاني ، والمرأة – أو المرأة ووليها – .

والمعلوم : أنه إن اتفق الأول والثاني على إنشاء عقد ترجع به المرأة للأول : أنهما ملعونان ، وأن النكاح الثاني فاسد ، ولا تحل للأول ، ومثله : لو نوى الثاني أنه يتزوج المرأة ليرجعها لزوجها ، دون علم الأول .

والمرأة إن كانت جزءً من الاتفاق السابق : كانت مشتركة معهم في الإثم ، واللعن ، وإن كانت عالمة بنية الثاني : كانت كذلك .

وبقيت علينا مسألة ، وهي : ماذا لو نوت المرأة – أو المرأة ووليها – أنها تتزوج من آخر ، لترجع لزوجها الأول دون علم الأول والثاني ؟ .

لا شك أنها آثمة بهذا الفعل ، هل لكن لنيتها تأثير في العقد ؟ فيه خلاف بين العلماء :

– منهم من يرى أنه لا تأثير لنية المرأة ؛ لأنها لا تملك الفراق من زوجها ، ويقولون ” من لا فُرقة بيده لا أثر لنيَّته  ” ، وهو قول الحنفية ، والمالكية ، والحنابلة ، وأحد أقوال الشافعي .

– والقول الثاني : أن لنيتها تأثيراً ، وهو قول بعض التابعين .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – :

قال إبراهيم النخعي : ” إذا همَّ الزوج الأول , أو المرأة , أو الزوج الأخير , بالتحليل : فالنكاح فاسد . رواهما حرب الكرماني  .

وعن الحسن , وإبراهيم النخعي , قالا : ” إذا هم أحد الثلاثة بالتحليل فقد فسد العقد ” . رواهما سعيد . ” إقامة الدليل على إبطال التحليل ” ( ص 8 ، 9 ) .

والصواب : التفصيل ، وهو أن يقال : إن تزوجت المرأة من الثاني بقصد الرجوع للأول ، مع السعي في أسباب طلاقها منه ، أو مخالعته بغير وجه حق ، أو بالخديعة والمكر : كان فعلها محرَّماً ، وله تأثير ، فلا ترجع للأول ، إما لدخولها في ” التحليل ” ، أو من باب ” العقوبة بنقيض القصد ” ، ولا يجوز له إرجاعها إن علم نيتها ، أما مجرد الرغبة في الرجوع للأول : فهذا لا حرج فيها ، ولا تأثم بهذه النية ، ومثله يقال فيمن يشترك معها ممن لا يملك الفرقة ، وهو الزوج الأول ، وأولياؤها ، فمجرد رغبة هؤلاء برجوع المرأة لزواجها الأول : لا حرج فيه ، وأما مع سعيهم لتطليقها من الثاني ، بالدسائس والمكائد ، وبذل الأموال : فهذا مؤثِّر ، ولا شك ، ويمنع من إرجاع المرأة لزواجها الأول ؛ لأن العقد الثاني ينبغي أن يكون بقصد الدوام ، لا التأقيت ، ولذا جاء هنا قوله تعالى ( حتَّى تَنكِح زَوْجاً غَيْرَه ) ولم يقل ” حتى تُنكح من زوجٍ غيره ” ! ولعل هذا هو مقصود من قال بأنه لا تأثير لنية المرأة على العقد ، وهو الذي رجحه شيخ الإسلام رحمه الله ، حيث قال :

والكلام في هذا الموضع يظهر بيان حال المرأة في النية ، وهي مراتب :

الأولى : أن تنوي أن هذا الزوج الثاني إن طلقها ، أو مات عنها ، أو فارقها بغير ذلك : تزوجت بالأول ، أو ينوي المطلق ذلك أيضاً ، فينوي أن هذا الثاني إن طلقها ، أو فارقها بغير ذلك : تزوجها ، فهذا قصد محض لما أباحه الله ، لم يقترن بهذا القصد فعل منها في الفرقة ، وإنما نوت أن تفعل ما أباحه الله ، إذا أباحه الله : فقد قصدت فعلاً لها معلقاً على وجود الفرقة ، وصار هذا مثل أن ينوي الرجل أن فلانا إن طلق امرأته ، أو مات عنها : تزوجها ، أو تنوي المرأة التي لم تطلَّق أنها إن فارقها هذا الزوج تزوجت بفلان .

فهذه الصور كلها لم تتعلق بهذا العقد ، ولا بفسخه ، فلم تؤثر فيه ، وإنما تعلقت بفعل لها إن رفع العقد ، أو قصد صاحبه رفعه ، فلهذا لم يُشترط أن يكون نكاح المرأة نكاح رغبة ، فإنها إذا ملكت نفسها للزوج فسواء عليه كانت راغبة أو غير راغبة إذا لم تسبب في الفرقة : فإنه ليس بيدها فرقة .

المرتبة الثانية : إن تسبب إلى أن يفارقها من غير معصية غير الاختلاع ، ولا خديعة توجب فراقها ، مثل أن تسأله أن يطلقها ، أو أن يخلعها ، وتبذل له مالاً على الفرقة ، أو تظهر له محبتها للأول ، أو بغضها المقام معه حتى يفارقها : فهذا ينبني على الانتزاع والاختلاع من الرجل ، فنقول : إذا كانت المرأة تخاف أن لا تقيم حدود الله : جاز لها الاختلاع ، وإلا نهيت عنه نهي تحريم ، أو تنزيه ، فإن كانت لم تنو هذا الفعل إلا بعد العقد : فهي كسائر المختلعات ، يصح الخلع ، ويباح أن تتزوج بغيره ، هذا إذا كان مقصودها مجرد فرقته ، وهنا مقصودها التزوج بغيره ، فتصير بمنزلة المرأة التي تختلع من زوجها لتتزوج بغيره ، وهذا أغلظ من غيره .

وإن كانت حين العقد تنوي أن تتسبب إلى الفرقة بهذه الطرق : فهذه أسوأ حالاً من التي حدث لها إرادة الاختلاع لتتزوج بغيره مع استقامة الحال ، فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد قال ( المُخْتَلِعات والمُنْتَزِعَات هُنَّ المُنَافِقَات ) : فالتي تختلع لتتزوج بغيره لا لكراهته : أشد ، وأشد ، ومن كانت من حين العقد تريد أن تختلع وتنتزع لتتزوج بغيره : فهي أولى بالذم ، والعقوبة ؛ لأن هذه غارَّة للرجل ، مدلِّسة عليه ، ولو علم أنها تريد أن تتسبب في فرقته : لم يتزوجها ، فكيف إذا علم أن غرضها أن تتزوج بغيره ، بخلاف التي حدث لها الانتزاع ، فإنها لم تخدعه ولم تغره ، وهذا نوع من الخلابة ، بل هو أقبح الخلابة ، ولا تحل الخلابة لمسلم ، وهذه الصورة لا يجب إدخالها في كلام أحمد رضي الله عنه ، فإنه إنما رخص في مطلَق نية المرأة ، ونية المرأة المطلَّقة إنما تتعلق بأن تتزوج الأول ، وذلك لا يستلزم أن تنوي اختلاعا من الثاني لتتزوج الأول ، فإن هذا نية فعل محرم في نفسه لو حدث ، وغايته أن يقال : هو نية مكروهة ، تسوية بينه وبين الاختلاع المطلق – على إحدى الروايتين – ، فأما إذا قارن العقد : فتحريمه ظاهر ؛ لأن ذلك يمنع رغبتها في النكاح وقصدها له ، والزوجة أحد المتعاقدين ، فإذا قصدت بالعقد أن تسعى في فسخه : لم يكن العقد مقصوداً ، بخلاف من قصدت أن العقد إذا انفسخ : تزوجت الأول ، وتحريم هذا أشد من تحريم نية الرجل من وجه ، وذلك التحريم أشد من وجه آخر ، فإن المحلل إذا نوى الطلاق : فقد نوى شيئاً يملكه ، والمرأة تعلم أنه يملك ذلك ، وهذه المرأة الاختلاع والانتزاع لتعود إلى غيره ، وكراهة الاختلاع أشد من كراهة طلاق الرجل ابتداء ، والاختلاع لتتزوج غيره : أشد من مطلق الاختلاع ، وإرادة الرجل الطلاق لا يوقعه في محرم ، فإنه يملك ذلك فيفعله ، وإرادة المرأة الاختلاع قد يوقعها في محرم ، فإنها إذا لم تختلع ربما تعدت حدود الله ، ونية التحليل ليس فيها من خديعة المرأة ما في نية المرأة من خديعة الرجل ، وإنما حرمت تلك النية لحق الله سبحانه ، فإن الله حرم استباحة البضع إلا بملك بنكاح أو ملك يمين، والعقد الذي يقصد رفعه ليس بعقد نكاح، وهذا حال المرأة إذا تزوجت بمن تريد أن يطلقها كحالها إذا تزوجت بمن بدا له طلاقها فيما بعد ، من حيث إنه في كلا الموضعين قطع النكاح عليها ، وهذا جائز له ، وليس تعلق حقها بعينه كتعلق حقه بعينها ؛ فإن له أن يتزوج غيرها ولا حرام عليه إذا كانت محبته لتلك واستمتاعه بها أكثر إذا عدل بينهما في القسْم ، والمرأة إذا تزوجت قاصدة للتسبب في الفُرقة : فهذا التحريم لحقِّ الزوج ؛ لما في ذلك من الخلابة والخديعة له ، وإلا فهو يملكها بهذا العقد ، ويملك أن لا يطلقها بحال ، ومن هذا الوجه صارت نية التحليل : أشد ؛ فإن تلك النية تمنع كون العقد ثابتاً من الطرفين ، وهنا العقد ثابت من جهة الزوج ، بأنه نكح نكاح رغبة ، ومن جهة المرأة فإنها لا تملك الفرقة ، فصار الذي يملك الفرقة لم يقصدها ، والذي قصدها لم يملكها ، لكن لما كان من نية المرأة التسبب إلى الفرقة : صار هذا بمنزلة العقد الذي حرم على أحد المتعاقدين لإضراره بالآخر .

المرتبة الثالثة : أن تتسبب إلى فرقته ، مثل أن تبالغ في استيفاء الحقوق منه ، والامتناع من الإحسان إليه ، لست أعني أنها تترك واجباً تعتقد وجوبه ، أو تفعل محرَّماً تعتقد تحريمه ، لكن غير ذلك مثل أن تطالبه بالصداق جميعه ، ليفسخ ، أو يُحبس ، أو …. .

– فظهر أنه لا يجوز اختلاعها رغبة في نكاح غيره ولا العقد بهذه النية ولا يحل أمرها .

المرتبة الرابعة: أن تتسبب إلى فرقته بمعصية مثل أن تنشز عليه ، أو تسيء العشرة ، بإظهار الكراهة في بذل حقوقه ، أو غير ذلك ، مما يتضمن ترك واجب ، أو فعل محرم ، مثل طول اللسان ، ونحوه : فإن هذا لا ريب أنه من أعظم المحرمات ، وكل ما دل على تحريم النشوز ، وعلى وجوب حقوق الرجل : فإنه يدل على تحريم هذا ، وهذا حرام من ثلاثة أوجه : من جهة أنه في نفسه محرم ، ومن جهة أنها تقصد به أن تزيل ملكه عنها بفعل هو فيه مكرَه إذا طلق ، أو خلَع مفادياً من شرها ، والاحتيال على إبطال الحقوق الثابتة : حرام بالاتفاق ، ومن جهة أن مقصودها أن تتزوج غيره ، لا مجرد التخلص منه ، وقريب من هذا : أن تُظهر معصيةً تنفِّره عنها ليطلقها ، مثل أن تريه أنها تتبرج للرجال الأجانب ، ويكونوا في الباطن ذوي محارمها ، فيحمله ذلك على أن يطلقها ؛ فإن هذا الفعل حرام في نفسه ؛ إذ لا يحل للمرأة أن تُري زوجها أنها فاجرة ، كما لا يحل لها أن تفجر ؛ فإن هذا أشد إيذاء له من نشوزها عنه ، فهذا أشد تحريماً، وأظهر إبطالاً للعقد الثاني من خِطبة الرجل على خطبة أخيه .

وبالجملة : فهذه قصدت الفسخ بفعل محرم ، فالواجب أن تلحق بالتي قبلها ، إذ لا فرق بين أن يكون الفعل المحرم يوجب الفسخ مباشرة ، أو بطريق التسبب المفضي إليه غالباً ، أو السبب المغلب بالمباشرة .

المرتبة الخامسة : أن تفعل هي ما يوجب فرقتها ، مثل أن ترتد ، أو ترضع امرأة صغيرة حتى تصير من أمهات النساء ، أو تباشر أباه ، أو ابنه ، وقد قدمنا أن مثل هذه المرتدة : لا ينبغي أن ينفسخ نكاحها ، فأما الإرضاع والمباشرة : فينفسخ بهما النكاح ، فهذا أيضاً تحريمه مقطوع به ، وهذا قد أزيل نكاحه بغير فعل منه ، كما صرف الخاطب بغير فعل منه ، ثم إزالة النكاح الذي قد حصل : ليس مثل منع المنتظر ، فإذا كانت قد قصدت هذا حين العقد : فقد تعددت المحرمات ، وفساد العقد الثاني هذا أظهر من فساد عقد الخاطب الثاني بكثير ، وفساد العقد الأول هنا محتمل ؛ فإن هذه بمنزلة المحلِّل حيث نوت أن تفعل ما يوجب الفرقة ، كما نوى الرجل الفرقة ، ولا فرق بين نية الفرقة ونية سبب الفرقة .

وبالجملة : فهذه قصدت الفسخ بفعل محرم ، فالواجب أن تلحق بالتي قبلها ؛ إذا لا فرق بين أن يكون الفعل المحرم يوجب الفسخ مباشرة ، أو بطريق التسبب المفضي إليه غالباً ، أو السبب المغلب بالمباشرة .

المرتبة السادسة : أن تقصد وقت العقد الفرقة بسبب تملكه بغير رضى الزوج ، مثل أن تتزوج بفقير تنوي طلب فرقته بعد الدخول بها : فإنها تملك ذلك في إحدى الروايتين عن أحمد وغيره ، فإنها إذا رضيت بمعسر ثم سخطته : ففي ثبوت الفسخ قولان معروفان ، فهذه إلى المحلَّل أقرب من التي قبلها ، إذ السبب هنا مملوك لها شرعاً ، كطلاق المحلِّل ، بخلاف ما لو قالت : لم أعلم أنه معسر ، أو : لم أعلم أنه ناقص عني ليس بكفء ، أو لم أعلم أنه معيب : فإن هذا يثبت لها الفسخ ، لكن إذا نوت ذلك : فقد نوت الكذب ، فتصير من جنس التي قبلها إذا نوت الإرضاع ، أو المباشرة .

– ومتى تزوجت على هذا الوجه ، وفارقت : فهي كالرجل المحلِّل ، وأسوأ ، فلا يحل …

لكن نيتها تؤثر في جانبها خاصة فلا يحصل لها بهذا النكاح حلُّها للأول ، حيث لم تقصد أن تَنْكِح ، وإنما قصدت أن تُنْكح ، والقرآن قد علَّق الحلَّ بأن تَنْكِحَ زوْجاً غيره ، وقد تقدم أن قوله : ( حتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ ) : يقتضي أن يكون هناك نكاح حقيقة من جهتها لزوج هو زوج حقيقة ، فإذا كان محلِّلا لم يكن زوجاً بل تيساً مستعاراً ، وإذا كانت قد نوت أن تفعل ما يرفع النكاح : لم تكن ناكحة حقيقة ، وهذه المسائل المتعلقة بهذا النوع من الأحكام دقيقة المسلك وتحريرها يستمد من تحقيق اقتضاء النهي .

وهذه المراتب التي ذكرناها في نية المرأة لا بد من ملاحظتها ، ولا تحسبن أن كلام أحمد وغيره من الأئمة أن نية المرأة ليست بشيءٍ يعم ما إذا نوت أن تفارق بطريقٍ تملكه ؛ فإنهم عللوا ذلك بأنها لا تملك الفرقة ، وهذه العلة منتفية في هذه الصورة ، ثم إنهم قالوا : إن نية المرأة ليست بشيء ، فأما إذا نوت وعمِلت ما نوت : فلم ينفوا تأثير العمل مع النية ، على أن النية المطلقة إنما تتعلق بما يملكه الناوي ، فعلم أنهم أرادوا بالنية أن تتزوج بالأول ، ولا ريب أنها إذا نوت أن تتزوج بالأول : لم يؤثر ذلك شيئاً كما تقرر ؛ فإن هذه النية لا تتعلق بنكاح الثاني ، ولم يكن اللفظ يقتضي ذلك ؛ فإن العرف قد دل على أن نية المرأة عند الإطلاق هي نية مراجعة الأول إذا أمكنت ، فأما إذا نوت فعلاً محرَّماً ، أو خديعة ، أو مكراً ، وفعلت ذلك : فهذا نوع آخر ، وبهذا التقسيم يظهر حقيقة الحال في هذا الباب ، ويظهر الجواب عما ذكرناه من جانب من اعتبر نية المرأة مطلقاً ، والمسألة تحتمل أكثر من هذا ، ولكن هذا الذي تيسر الآن .

الفتاوى الكبرى – (6 / 304 – 320 ) باختصار .

وهو الذي رجحه الشيخ العثيمين رحمه الله ، حيث قال :

وماذا لو نوته الزوجة ، فوافقت على التزوج بالثاني من أجل أن تحل للأول ؟ فظاهر كلام المؤلف : أنه لا أثر لنية الزوجة ؛ ووجهه : أنه ليس بيدها شيء ، والزوج الثاني لا يطلقها ؛ لأنه تزوجها نكاح رغبة ، فليس على باله هذا الأمر ، فإن لم تنوه هي ، ولكن نواه وليها : فكذلك .

ولهذا قال بعض الفقهاء عبارة تعتبر قاعدة ، قال : ” مَن لا فُرقة بيده : لا أثر لنيته ” ، فعلى هذا تكون الزوجة ووليها لا أثر لنيتهما ؛ لأنه لا فُرقة بيدهما .

وذهب بعض أهل العلم إلى أن نية المرأة ووليها : كنية الزوج ، وهو خلاف المذهب ، وسلموا بأنه لا فرقة بيدهما ، لكن قالوا : بإمكانهما أن يسعيا في إفساد النكاح ، بأن تنكِّد على الزوج حتى يطلقها ، أو يغروه بالدراهم ، والنكاح عقد بين زوج وزوجة ، فإذا كانت نية الزوج مؤثرة : فلتكن نية الزوجة مؤثرة أيضاً .

فعندنا ثلاثة : الزوج ، والزوجة ، والولي ، والذي تؤثر نيته منهم هو : الزوج ، على المذهب ، والقول الراجح : أن أي نية تقع من واحدٍ من الثلاثة : فإنها تبطل العقد ؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم : ( إنما الأعمال بالنيات ) والولي حينما عقد لم ينوِ نكاحاً مستمراً دائماً ، وكذلك الزوجة .

فإذا قال قائل : امرأة رفاعة القرظي تزوجت عبد الرحمن بن الزَّبير رضي الله عنهما ، وجاءت تشكو للرسول عليه الصلاة والسلام أن ما معه مثل هدبة الثوب ، فقال لها : ( أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة ؟ ) ، فقالت : ” نعم ” : ألا يدل ذلك على أن نية الزوجة لا تؤثر ؟ نقول : هذه الإرادة ، هل هي قبل العقد ، أو حدثت بعد أن رأت الزوج الثاني بهذا العيب ؟ الذي يظهر : أنها بعد أن رأته ؛ لأن كون الرجل يتزوجها ويدخل بها ، وليس عندها أي ممانعة ، ثم جاءت تشتكي : فظاهر الحال : أنه لولا أنها وجدت هذه العلة ما جاءت تشتكي ، والله أعلم ، وإن كان الحديث فيه احتمال . ” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 12 / 177 ، 178 ) .

وهذا القول هو الراجح ، وبه يُعلم الجواب عن مسألتك ، في حكم تزوج زوجته من الثاني ، وطلب الطلاق منه ، وأن حالها أن نوت أصلاً في العقد الثاني عدم الديمومة ، وأنها فعلت ما لا تسبب في طلاقها ، وهو ما لا يحتمله الأزواج من قول الزوجة له إنها لا تحبه ، وتحب أحداً غيره ! ومن ذا الذي يرضى بإمساك مثل هذه المرأة ؟! فنرى أن طلاقها من الثاني صحيح ، وأنك أنت والثاني لستما داخليْن في اللعن الوارد في الحديث ، وأما هي : فنعم هي داخلة فيه ، ولا يحل لها التزوج بك ، ونرى أن عليك فسخ النكاح ، وعليها أن ترجع ما أخذته منك من مال ومهر – إن أردتَ ذلك – ؛ لأنها هي الخادعة لك ، والمتسببة بفسخ نكاحك منها .

ونوصي الجميع بالاطلاع على الكتاب العلمي المتقن ” إقامة الدليل على إبطال نكاح التحليل ” لشيخ الإسلام ابن تيمية، فقد أفرد للمسألة ذلك الكتاب الخاص، فأبدع، وأجاد، وأفاد.

 

والله أعلم.

حكم الملَكية والديمقراطية

حكم الملَكية والديمقراطية

السؤال:

في هذه الظروف الخاصة وحالة المسلمين مع رؤسائهم الذين يبررون للكفار ما يفعلون ، أود أن أعرف حكم الملَكية والديمقراطية في الإسلام ، كما أرجو أن توضح لي معنى الحديث الذي لا أحفظه بالضبط ” سيكون بعدي خلافة راشدة على منهج السنة ثم سيكون ملكية ثم سيكون بعدها مأساة بعدها مأساة بعدها مأساة ثم سيكون بعدها خلافة راشدة على منهج السنة ”  هل هذا الحديث صحيح ؟ وما هو دورنا كشباب في هذا الوقت ؟ .

 

الجواب:       

الحمد لله

أولاً :

الديمقراطية تعني أن مصدر التشريع والتحليل والتحريم هو الشعب وليس الله ، ويتم ذلك عن طريق اختيار الشعب لممثلين ينوبون عنه في مهمة التشريع وسن القوانين ، فهي باختصار ” حكم الشعب للشعب ” .

ولا شك أن هذا النظام هو أحد صور الشرك الحديثة .

جاء في ” موسوعة الأديان والمذاهب المعاصرة ” ( 2 / 1066 ، 1067 ) :

– ديمقراطية نيابية :

أحد مظاهر النظم الديمقراطية التي يمارس فيها الشعب مظاهر السيادة بواسطة مجلس منتخب من نواب من الشعب ، وفيها يحتفظ الشعب بحق التدخل المباشر لممارسة بعض مظاهر السيادة عن طريق وسائل مختلفة ، أهمها :

  1. حق الاقتراع الشعبي : بأن يقوم عدد من أفراد الشعب بوضع مشروع للقانون مجملاً أو مفصَّلاً ، ثم يناقشه المجلس النيابي ويصوِّت عليه .
  2. حق الاستفتاء الشعبي : بأن يُعرض القانون بعد إقرار البرلمان له على الشعب ليقول كلمته فيه .
  3. حق الاعتراض الشعبي : وهو حق لعدد من الناخبين يحدده الدستور للاعتراض في خلال مدة معينة من صدوره ، ويترتب على ذلك عرضه على الشعب في استفتاء عام ، فإن وافق عليه نُفِّذ وإلا بطل ، وبه تأخذ معظم الدساتير المعاصرة .

ولا شك في أن النظم الديمقراطية أحد صور الشرك الحديثة في الطاعة والانقياد أو في التشريع ، حيث تُلغى سيادة الخالق –  سبحانه وتعالى –  وحقه في التشريع المطلق ، وفي توجيه الخطاب المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاء أو تخييراً أو وضعاً ، وتجعلها من حقوق المخلوقين ، والله تعالى يقول : { مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } [ يوسف / 40 ] ، ويقول تعالى : { إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ } [ الأنعام / 57].

وفي هذا يقول الدكتور صلاح الصاوي في ” الثوابت والمتغيرات ” :

”  فإن هذا الأمر لا يكون إلا لله وحده ، لا يشاركه فيه أحد ، كما قال تعالى : { مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } [ يوسف / 40 ] ، وهذه النقطة تمثل مفترق الطرق بين المنهج الإسلامي والمناهج العلمانية المعاصرة التي فصلت الدولة عن الدين ، ونقلت مصدرية الأحكام والتشريعات إلى الأمة ، تمارسها من خلال نوابها في المجالس النيابية ، بحيث تستطيع بهذه السلطة أن تحل ما تشاء ، وأن تحرِّم ما تشاء ، لا سلطان عليها في ذلك لأحد ، ولا رقابة عليها من أحد .

أما سلطة الإسلام في الإسلام في تدور في فلك سيادة الشريعة ، وليس لها –  ولو اجتمعت في صعيد واحد –  أن تحلَّ شيئاً مما حرَّم الله ، أو أن تحرِّم شيئاً مما أحلَّ الله ، أو أن تشرع شيئاً من الدين مما لم يأذن به الله ” ( ص 237 ) . انتهى.

 

ثانياً :

وأما نظام ” الملكية ” في الحكم : فهو نظام شرعي وهو ولاية العهد المعروفة في التاريخ الإسلامي ، فقد ثبت أن أبا بكر رضي الله عنه قد عهد بالخلافة لعمر بن الخطاب ، وعهد عمر بها إلى أهل الشورى ، لكن ” الملَكية ” ولاية عهد خاصة بذرية وأقرباء الخليفة ، فمن حيث ولاية العهد ذاتها فليس بها بأس ، ومن حيث الاختيار فالواجب على من ولاَّه الله أمر المسلمين أن يختار أصلح الناس ليتولى بعده زمام المسئولية ، أما جعلها في الذرية والأقرباء حتى مع عدم صلاحيتهم للخلافة فهو غش للمسلمين ، ولا يعني هذا أنه لا يتم له الأمر ، بل الواجب السمع والطاعة بالمعروف .

وولاية العهد للأصلح أفضل من جعل مرجع الاختيار لعامة الناس أو لخاصتهم ، خاصة في أزمنةٍ يكثر فيها حب التسلط والفتن للوصول إلى الحكم ، فتكون ولاية العهد طريقاً لدفع شرورٍ ، وحقن دماء المسلمين .

 

 

قال الماوردي :

– والإمامة تنعقد من وجهين :

أحدهما : باختيار أهل العقد والحل .

والثاني : بعهد الإمام من قبل .

فأما انعقادها باختيار أهل الحل والعقد : فقد اختلف العلماء في عدد من تنعقد به الإمامة منهم على مذاهب شتى ; فقالت طائفة لا تنعقد إلا بجمهور أهل العقد والحل من كل بلد ليكون الرضاء به عاما والتسليم لإمامته إجماعا , وهذا مذهب مدفوع ببيعة أبي بكر رضي الله عنه على الخلافة باختيار من حضرها ولم ينتظر ببيعته قدوم غائب عنها…

فإذا اجتمع أهل العقد والحل للاختيار تصفحوا أحوال أهل الإمامة الموجودة فيهم شروطها فقدموا للبيعة منهم أكثرهم فضلا وأكملهم شروطا ومن يسرع الناس إلى طاعته ولا يتوقفون عن بيعته , فإذا تعين لهم من بين الجماعة من أداهم الاجتهاد إلى اختياره عرضوها عليه , فإن أجاب إليها بايعوه عليها وانعقدت ببيعتهم له الإمامة فلزم كافة الأمة الدخول في بيعته والانقياد لطاعته , وإن امتنع من الإمامة ولم يجب إليها لم يجبر عليها لأنها عقد مراضاة واختيار لا يدخله إكراه ولا إجبار , وعدل عنه إلى من سواه من مستحقيها…

وأما انعقاد الإمامة بعهد من قبله فهو مما انعقد الإجماع على جوازه ووقع الاتفاق على صحته لأمرين عمل المسلمون بهما ولم يتناكروهما أحدهما : أن أبا بكر رضي الله عنه عهد بها إلى عمر رضي الله عنه فأثبت المسلمون إمامته بعهده . والثاني : أن عمر رضي الله عنه عهد بها إلى أهل الشورى فقبلت الجماعة دخولهم فيها وهم أعيان العصر اعتقادا لصحة العهد بها وخرج باقي الصحابة منها …

وإذا عهد الإمام بالخلافة إلى من يصح العهد إليه على الشروط المعتبرة فيه : كان العهد موقوفاً على قبول المولى …

ولو عهد الخليفة إلى اثنين أو أكثر ورتب الخلافة فيهم فقال الخليفة بعدي فلان فإن مات فالخليفة بعد موته فلان فإن مات فالخليفة بعده فلان جاز وكانت الخلافة متنقلة إلى الثلاثة على ما رتبها , فقد ” استخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم على جيش مؤتة زيد بن حارثة وقال فإن أصيب فجعفر بن أبي طالب فإن أصيب فعبد الله بن رواحة فإن أصيب فليرتض المسلمون رجلا فتقدم زيد فقتل فأخذ الراية جعفر وتقدم فقتل فأخذ الراية عبد الله بن رواحة فتقدم فقتل فاختار المسلمون بعده خالد بن الوليد ” مسند الإمام أحمد ( 22045 ) ، وصححه الشيخ الألباني في تعليقه على فقه السيرة ص 365, وإذ فعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في الإمارة جاز مثله في الخلافة . فإن قيل هي عقد ولاية على صفة وشرط والولايات لا يقف عقدها على الشروط والصفات . قيل هذا من المصالح العامة التي يتسع حكمها على أحكام العقود الخاصة , فقد عمل بذلك في الدولتين من لم ينكر عليه أحد من علماء العصر , هذا سليمان بن عبد الملك عهد إلى عمر بن عبد العزيز ثم بعده إلى يزيد بن عبد الملك . ولئن لم يكن سليمان حجة فإقرار من عاصره من علماء التابعين ومن لا يخافون في الحق لومة لائم هو الحجة ; وقد رتبها الرشيد رضي الله عنه في ثلاثة من بنيه في الأمين ثم المأمون ثم المؤتمن عن مشورة من عاصره من فضلاء العلماء .

”  الأحكام السلطانية ” للماوردي ( 8 – 16 ) مختصراً .

وأول ملِك للمسلمين هو معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه ، وقد عهد بالولاية من بعده لابنه يزيد ، فحفظ الله تعالى بفعله هذا دماء المسلمين من فتنٍ عظيمة ، وكان فعله هذا سبباً في اجتماع كلمة المسلمين ، حتى سمي عام خلافته ” عام الجماعة ” .

قال الربيع بن نافع : معاوية سِتر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فإذا كشف الرجل الستر : اجترأ على ما وراءه .  ” مختصر تاريخ دمشق ” ( 25 / 74 ) .

وقال الإمام أحمد – كما في ” طبقات الحنابلة ” – وقد سئل : نصلي خلف من يشتم معاوية ؟ قال : لا ، ولا كرامة .

وقد عقد ابن كثير في كتابه ” البداية والنهاية ” فصلاً كاملاً في فضائله وثناء السلف عليه من الصحابة والتابعين ، وكذلك فعل الإمام الذهبي في ” سير أعلام النبلاء ” ، وقد عقد البخاري باباً في فضائله في صحيحه ، وكذلك الترمذي في سننه .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

 وفضائل معاوية في حسن السيرة والعدل والإحسان كثيرة ، وفي الصحيح أن رجلا قال لابن عباس : هل لك في أمير المؤمنين معاوية ، إنه أوتر بركعة ، قال : أصاب ، إنه فقيه .  رواه البخاري ( 3554 ) .

* وقد سئل عبد الله بن المبارك، أيهما أفضل: معاوية بن أبي سفيان ، أم عمر بن عبد العزيز؟.  

فقال : والله إن الغبار الذي دخل في أنف معاوية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل من عمر بألف مرة ، صلى معاوية خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : سمع الله لمن حمده ، فقال معاوية : ربنا ولك الحمد ، فما بعد هذا ؟ .

 ” وفيات الأعيان ” لابن خلكان ( 3 / 33 ) ، وبلفظ قريب منه عند الآجري في كتابه ” الشريعة ” ( 5 / 2466 ) .

وللمؤرخ العلامة ابن خلدون رأيٌ سديد في اعتبار معاوية من الخلفاء الراشدين فقد قال :

إن دولة معاوية وأخباره كان ينبغي أن تلحق بدول الخلفاء الراشدين وأخبارهم ، فهو تاليهم في الفضل ، والعدالة ، والصحبة .

– انظر هذا القول في ” العواصم من القواصم ” ( ص 213 ) .  

وعليه : فالمُلك بحد ذاته ليس طعناً في صاحبه ، لكن ما يحصل فيه من ظلم وتعدٍّ ، وما يحصل من ولاية للعهد لمن لا يستحقه هو المنكر في هذا الأمر .

* واختصاص الملوك أبناءهم وقراباتهم بالولاية والعهد له أسباب .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية :

– فإن عادة الملوك : إيثار أقاربهم بالولايات لوجوه :

أحدها : محبتهم لأقاربهم أكثر من الأجانب ؛ لما في الطباع من ميل الإنسان إلى قرابته .

والثاني : لأن أقاربهم يريدون إقامة ملكهم ما لا يريده الأجنبي ؛ لأن في عزِّ قريب الإنسان عزٌّ لنفسه ، ومن لم يكن له أقارب من الملوك استعان بممالكه ومواليه فقرَّبهم واستعان بهم ، وهذا موجود في ملوك المسلمين والكفار .

ولهذا لما كان ملوك بني أمية وبني العباس ملوكاً : كانوا يريدون أقاربهم ومواليهم بالولايات أكثر من غيرهم ، وكان ذلك مما يقيمون به ملكهم .

وكذلك ملوك الطوائف كبني بويه وبني سلجق وسائر الملوك بالشرق والغرب ، والشام واليمن ، وغير ذلك .

وهكذا ملوك الكفار من أهل الكتاب والمشركين ، كما يوجد في ملوك الفرنج وغيرهم ، وكما يوجد في آل جنكشخان بأن الملوك تبقى في أقارب الملك ، ويقولون : هذا من العظم ، وهذا ليس من العظم ، أي : من أقارب الملك .

 ” منهاج السنة ” ( 7 / 466 ) .

ثالثاً :

وأما الحديث المذكور في السؤال :

عن النعمان بن بشير قال : كنَّا قعوداً في المسجد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم – وكان بشير رجلا يكفُّ حديثه – فجاء أبو ثعلبة الخشني فقال : يا بشير بن سعد أتحفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأمراء ؟ فقال حذيفة : أنا أحفظ خطبته ، فجلس أبو ثعلبة ، فقال حذيفة : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ، فتكون ما شاء الله أن تكون ، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها ، ثم تكون ملكا عاضّاً ، فيكون ما شاء الله أن يكون ، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ، ثم تكون ملكا جبرية ، فتكون ما شاء الله أن تكون ، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ” . رواه أحمد ( 30 / 355 ) وحسَّنه الشيخ الألباني في ” السلسلة الصحيحة ” ( 5 ) .

– ومعنى يكف حديثه : أي : يجمعه ويضمه ، وليس بجريء اللسان .

 

والله أعلم.

 

حكم لعبة الدومينو؟ وحكم من يلعب بها في مسجد طيلة الليل ولا يصلي الفجر!.

حكم لعبة “الدومينو”، وحكم من يلعب بها في مسجد طيلة الليل ولا يصلي الفجر!

السؤال:

ما حكم لعبة ” الدومينو ” ؟ هل هو جائز ، أم مكروه ، أم حرام ؟ .

أصبحت هذه اللعبة قضية يدور حولها الجدل هنا في مدينة ” نيويورك ” حيث يجتمع بعض الشباب بعد صلاة العشاء ، ويبدؤون باللعب داخل المسجد ! حتى الصباح ، ثم يغادرون قبل صلاة الفجر ، ولا يشهدون الجماعة ! وقد أصبحت هذه ظاهرة متكررة منهم ، بالإضافة إلى أنهم يستخدمون كهرباء المسجد ، والثلاجة ، وغيره من الممتلكات أثناء مكوثهم ، كل ذلك دون إذن من الإمام ، وعندما أخبرهم بخصوص ذلك هددوا بأنهم سيهجرون المسجد ، وينفصلون عنه . فما رأيكم ؟.

 

الجواب:

          الحمد لله

أولاً:

لعبة الدومينو – وتسمَّى ” الضومنة – عرَّفها الأستاذ على حسين أمين يونس بقوله: ” هي حجارة مستطيلة ملساء مستوية على أحد أوجهها خط يفصلها من النصف، على كل جهة مجموعة النقاط ، ليأخذ كل لاعب مجموعة منها ، بحيث ترمى ، أو تقلب على الوجه الخاوي من النقاط ، ليأخذ كل لاعب مجموعة منها ، ثم يرتبونها بطريقة معينة ، ليفوز أحدهم بالحظ كالنرد تقريباً ، وتمارَس على قمار غالباً ” .

” الألعاب الرياضية ، أحكامها ، وضوابطها في الفقه الإسلامي ” ( ص 269 ) .

وهذه صورة تلك الأحجار لمن يرغب رؤيتها :

http://file14.9q9q.net/preview/44272342/domeno.jpg.html

 

ثانياً:

تقدم لنا التفصيل في حكم الألعاب ، وأنها تنقسم إلى قسمين : ألعاب مُعِيْنة على الجهاد في سبيل الله ، وألعاب لا تُعين على الجهاد ، وهي نوعان  : ألعاب ورد النص بالنهي عنها ، كاللعب التي يستعمل فيها حجر ” النرد ” .

الضرب الثاني : ألعاب غير مشتملة على محرّم ، ولا تؤدي في الغالب إليه ، كأكثر ما نشاهده من الألعاب ، فهذه تجوز بالقيود الآتية :

الأول : خلوُّها من القمار ، وهو الرهان بين اللاعبين .

الثاني : ألا تكون صادَّةً عن ذكر الله الواجب ، وعن الصلاة ، أو أي طاعة واجبة ، مثل برّ الوالدين .

الثالث : ألا تستغرق كثيراً من وقت اللاعب ، فضلاً عن أن تستغرق وقته كلّه . 

ثالثاً:

وقد صحَّ نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن اللعب بالنرد , ولذا كانت كلمة أكثر أهل العلم على تحريم اللعب بها ، وقد قال بعض الشافعية بالكراهة ، وردَّ عليهم من أئمة المذهب ، ورجحوا – تبعاً لأكثر العلماء – القول بالتحريم .

* ففي ” الموسوعة الفقهية ” ( 40 / 224 ، 225 ) :

اللعب بالنرد حرام عند جمهور الفقهاء – المالكية والحنابلة ، والصحيح عند الشافعية ورأي لبعض الحنفية ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : ( مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدَشِيرِ فَكَأَنَّمَا صَبَغَ يَدَهُ فِي لَحْمِ خِنْزِيرٍ وَدَمِهِ ) – رواه مسلم – ، ولقوله : ( مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدِ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ ) – رواه أبو داود وابن ماجه ، وهو حديث حسن – .

ويُكره تحريماً عند الحنفية ؛ للحديث السابق ، ولأنه إن قامر به : فالميسر حرام بالنص ، وإن لم يقامر : فهو عبث ولهو ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لَيْسَ مِنَ اللَّهْوِ إِلاَّ ثَلاَثٌ : تَأْدِيبُ الرَّجُل فَرَسَهُ ، وَمُلاَعَبَتُهُ أَهْلَهُ ، وَرَمْيُهُ بِقَوْسِهِ وَنَبْلِهِ ) – رواه أبو داود والنسائي ، وإسناده ضعيف ، لكن له شواهد – .

وعلل الشافعية التحريم بأن معتمده الحزر ، والتخمين المؤدي إلى غاية من السفاهة ، والحمق  .

قال الرافعي : ويقاس على الشطرنج ، والنرد كل ما في معناه من أنواع اللهو : فكل ما معتمده الحساب كالمنقلة حفرٌ ، أو خطوط ينقل منها ، وإليها حصي بالحساب : لا يحرم ، وكل ما معتمده التخمين : يحرم ، النرد ونحوه ، والنرد موضوعه ما يخرجه الكعبان: أي: الحصى، فهو كالأزلام، ومقابل الصحيح عند الشافعية أنه يكره. انتهى.

قال الماوردي – رحمه الله – :

ولا يختلف مذهب الشافعي أن النرد أغلظ في المنع من الشطرنج ، وصرح فيها بالكراهة ، واختلف أصحابه ، هل هي كراهة تحريم أم كراهة تنزيه ؟ فذهب بعضهم إلى أنها كراهة تنزيه وتغليظ ، ترد به الشهادة وإن لم تحرم ، وذهب أكثرهم – وهو الصحيح – إلى أنها كراهة تحريم توجب فسق اللاعب بها ، ورد شهادته  .

” الحاوي الكبير ” ( 17 / 187 ) .

 

 

رابعاً:

لعبة ” الدومينو ” قائمة على الحظ في ابتداء لعبها ، وذلك بالتوزيع العشوائي لكعابها ، ثم تقوم على الحظ في أكثر شأنها أثناء اللعب ؛ لأن اللاعب عندما يلصق حجر الدمينو بما يشبهه من جهة فإنه لا يتحكم في النصف الآخر منه ، فهذا جانب الحظ ، وهكذا الأمر بالنسبة للاعب المقابل له .

ومن هنا فإن ” الدومينو ” تقوم على الحظ غالباً ، ولا ينبغي إنكار أن فيها شيئاً من الذكاء ، لكنه نادر ، والحكم إنما هو للغالِب .

ولذلك عرَّف الدكتور عبد الله الناصر – وفقه الله – اللعبة بقوله :

الضومنة : وهي لعبة مكونة من مجموعة قطع مستطيلة , يلعب بها ألعاب متعددة غالبها معتمد على الحظ والصدفة . ” الضوابط العامة في مجال السبق وتطبيقاتها المعاصرة ” ( ص 23 ) – ترقيم الشاملة – .

وكل ما كان من الألعاب قائماً على الحظ – ولو غالباً – : فله حكم اللعب بـ ” النرد ” ، ولا ينبغي الاختلاف في تحريمه ، وقد صح النهي عنه في صريح السنَّة وصحيحها ، كما لا ينبغي تعليق التحريم على اللعب على مال ، بل النرد من الميسر ، والميسر محرَّم لذاته .

قال الشيخ الألباني – رحمه الله – :

وأخرج الآجرِّي والبيهقى عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يقول : ” النرد من الميسر ” . وإسناده صحيح . ” إرواء الغليل ” ( 8 / 427 ) .

قال أبو بكر الآجرِّي – رحمه الله – :

واللاعبُ بهذه النرد من غيرِ قمارٍ : عاصٍ للهِ عز وجل ، يجبُ عليه أن يتوبَ إلى الله عز وجل من لهوه بها ، فإن لعب بها ، وقامر : فهو أعظمُ ؛ لأنه أكل الميسر ، وهو القمارُ ، وقد نهى اللهُ عز وجل عن الميسرِ ، واللعبُ بالنردِ فهو من الميسر لا يختلفُ العلماءُ فيه ” . ” تحريم النردِ والشطرنج والملاهي ” ( ص 53 ) .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – :

فالميسر محرَّم بالنص ، والإجماع ، ومنه : اللعب بالنرد ، والشطرنج ، وما أشبهه ، مما يصد عن ذكر الله ، وعن الصلاة ، ويوقع العداوة والبغضاء ، فإن كان بعوض : حرم إجماعاً ، وإن لم يكن بعِوَض : ففيه نزاع عند الصحابة ، وجمهور العلماء ، كمالك ، وأبي حنيفة ، وأحمد ، ونص الشافعي : على تحريم النرد وإن كان بلا عوض ، وتوقف في الشطرنج ، ومنهم من أباح النرد الخالي عن العوض ؛ لما ظنوا أن الله حرم الميسر لأجل ما فيه من المخاطرة المتضمنة أكل المال بالباطل ، فقالوا : إذا لم يكن فيه أكل مال بالباطل : زال سبب التحريم .

وأما الجمهور فقالوا : إن تحريم الميسر مثل تحريم الخمر ؛ لاشتماله على الصدِّ عن ذكر الله ، وعن الصلاة ، ولإلقائه العداوة والبغضاء ، ومنعه عن صلاح [ ذات ] البيْن الذي يحبه الله ورسوله ، وإيقاعه اللاعبين في الفساد الذي يبغضه الله ورسوله ، واللعب بذلك يلهي القلب ، ويشغله ، ويغيب اللاعب به عن مصالحه أكثر مما يفعله الخمر ؛ ففيها ما في الخمر وزيادة ، ويبقى صاحبها عاكفًا عكوف شارب الخمر عن خمره ، وأشد ، وكلاهما مشبَّه بالعكوف على الأصنام ، كما في المسند أنه قال : ( شارب الخمر كعابد الوثن ) – رواه ابن ماجه بلفظ ” مدمن الخمر ” وحسنه الألباني – ، وثبت عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه : أنه مرَّ بقوم يلعبون بالشطرنج فقال : ” ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون ” وقلَب الرقعة .

وإذا كان ثمَّ مال : تضمن أيضاً أكل المال بالباطل ، فيكون حراماً من وجهين .

” المستدرك على مجموع الفتاوى ” ( 4 / 60 ، 61 ) .

خامساً:

وقد أفتى طائفة من أهل العلم بخصوص ” الدومينو ” بعينها ، وأن لها حكم ” النرد ” ، ولو كان اللعب بها على غير مال :

  1. سئل علماء اللجنة الدائمة :

ما حكم لعب ” الورقة ” و ” الضومنة ” عندما يكون المرء مؤديّاً كامل الحقوق ، والواجبات التي عليه ، وعدم الانشغال بها عن أمور العبادة ، وإنما مجرد تسلية مع الأهل ، أو الأصدقاء ؟ .

فأجابوا :

يحرم اللعب بـ ” الورقة ” ، وبـ ” الضومنة ” ، ولو لمجرد التسلية مع الأهل والأصدقاء ، ولْيشغلوا ذلك الوقت مما هو خير : كتلاوة القرآن ، ودراسة علم شرعي ، وإصلاح ذات البين ، ونحو ذلك ، مما يعود عليهم بالنفع ، وعلى الأمة بالخير .

الشيخ عبد العزيز بن باز ، الشيخ عبد الرزاق عفيفي ، الشيخ عبد الله بن غديان ، الشيخ عبد الله بن قعود . ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 15 / 236 ، 237 ) .

  1. وسئل علماء اللجنة الدائمة – أيضاً – :

هذه الألعاب التي يمارسها الناس ، وهي : الضومنة ، والجوكر ، والبييه – أي :البيه – ، والشطرنج ، والنرونج ، والطبل ، والفصوص ، هل هذه الألعاب تعتبر من الميسر ؟ وهل هي يا صاحب الفضيلة محرمة أم مكروهة ؟ وهل تجوز للإمام الذي يؤم المسلمين في أوقات الصلاة ، ويعتلي المحراب أيام الجمع والأعياد لكي يخطب الخطبة المنبرية ؟ هذا سؤالي أرجو الإفادة .

فأجاب :

اللعب مما ذكر من اللعب : محرَّم ، بل من كبائر الذنوب ، إذا كان بعوَض ، ويعتبر قماراً ، قال أبو عمر بن عبد البر رحمه الله : ” أجمع العلماء على أن اللعب بالشطرنج على العوض قمار لا يجوز ” . ا.هـ وكذا يحرم اللعب مما ذُكر إذا ترتب عليه ترك واجب : كتأخير الصلاة عن وقتها ، وضياع حق زوجته وأبويه ، وسائر من يعولهم ، أو أدى إلى الوقوع في محرم من عداوة وبغضاء ، ونزاع ، وسباب : فهو حرام ، ولو كان بغير عوض .

أما إذا قدِّر خلو اللعب بها عن ذلك : فالصحيح أنه محرم أيضاً ؛ لما صح عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه مرَّ بقوم يلعبون بالشطرنج ، فقال : ” ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون ” ؟ فشبههم بالعاكفين على الأصنام ، ولما نقل عن ابن عمر ، وغيره من الصحابة رضي الله عنهم ،  من النهي عن اللعب بها ، وممن قال بتحريم ذلك : أبو حنيفة وأصحابه ، وأحمد وأصحابه ، رحمهم الله ، ومالك وأصحابه ، رحمهم الله تعالى ؛ وذلك لأن اللعب بها وبأمثالها ذريعة إلى اللعب بعوَض آجلاً ، وإن خلا منه عاجلاً ، ولأن الغالب بها أنه يشغل عن واجبات ، ويفضي إلى النزاع والسباب ، ويولد العداوة والبغضاء ، ويصد عن الصلاة وعن ذكر الله ، وفي الحديث : ( من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله ) .

وإذا كان الإنسان في مركز قيادي ، كالدعاة إلى الله ، وجماعة الحسبة ، وأئمة المساجد وخطبائها ، ومَن فوقهم في المنصب ، أو أدنى منهم : كان اجتناب المنكر ، وفعل الواجب : ألزم عليه ؛ لكونه قدوة لغيره ، يحتذى حذوه .

الشيخ عبد العزيز بن باز ، الشيخ عبد الرزاق عفيفي ، الشيخ عبد الله بن غديان .

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 15 / 207 – 209 ) .

  1. وقال الشيخ أبو بكر الجزائري – حفظه الله – تحت عنوان ” فيما لا يجوز المسابقة فيه برهن ولا بغيره ” – :

لا تجوز المباراة ، والمسابقة ، في لعب النرد ، والشطرنج ، وما ما ثلهما من ألعاب زماننا هذا ، من ” الكيرم ” ، و ” الورق ” ، و ” الديمنو ” ، وكرة الطاولة ، وما إلى ذلك . ” منهاج المسلم ” ( ص 282 ) طبعة دار السلام .

  1. وقال الدكتور عبد الله الناصر – وفقه الله – بعد أن ذكر مجموعة من الألعاب المعاصرة ، ومنها ” الدومينو ” – :

والذي يجمع بين هذه الألعاب : أن معتمدها هو الحدس ، والتخمين , وقد يظهر فيها شيءٌ من التدبير ، والتحليل ، ولكن عامل التخمين هو الغالب ، فيكون لها حكم الغالب ، فلا يجوز لعبها ، ولا المسابقة فيها ، ولا بذل السَّبَق في لعبها .

” الضوابط العامة في مجال السبق وتطبيقاتها المعاصرة ” ( ص 24 ) .

سادساً:

وأما قضاء الليل في لعبها ، مع تضييع الأوقات : فلا شك أنه فعل محرم ؛ ويترتب على ذلك حرمة هذه اللعبة في حقهم – على فرض أنها كانت مباحة في أصلها – ؛ لأنها صدت عن أمر واجب ، واستغرقت وقتاً طويلاً ؛ ورأس مال المسلم هو الوقت , ويسأل عنه يوم القيامة ، كما جاء في الحديث عَنْ أَبِى بَرْزَةَ الأَسْلَمِىِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : ( لاَ تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمْرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَا فَعَلَ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَا أَبْلاَهُ ) . رواه الترمذي ( 2417 ) وصححه .

وأما استخدام المسجد لذلك : فلا شك أنه مخالفة شرعية أخرى ؛ فالمساجد إنما بنيت لذكر الله ، وإقام الصلاة , ويجب أن تصان عن مثل هذه الألعاب ؛ ولا يصح التذرع بفعل الحبشة ؛ لأن الحبشة كانوا يلعبون بالحراب ؛ فهي من الألعاب المعينة على الجهاد , وأما هذه اللعبة : فهي من ألعاب اللهو .

– وكذلك يحرم استخدام وقف المسجد لغير غرضه الصحيح .

فالنصيحة لأولئك الإخوة أن يتقوا الله تعالى , وأن يجتنبوا تضييع وقتهم , وأن يصونوا بيت الله عن هذا اللهو .

وأما تهديد إمام المسجد أو المسئول بهجران بيت الله إن منعهم : فهو فعل لا يليق أن يصدر من مسلم ، والواجب عليهم قبول النصيحة ، بل وشكره عليها ، ولا يمنعكم تهديدهم من الإنكار عليهم ، ومنعهم من استعمال المسجد لهذا المنكر ، قال تعالى ( مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ) الإسراء/ من الآية 15 .

والخلاصة :

أن لعبة ” الدومينو ” لها حكم اللعب بالنرد ، والنرد من الميسر المحرَّم لذاته ، وإن لم تكن محرَّمة في ذاتها : فهي حرام في حق أولئك المسئول عنهم ؛ لتخلف شروط الجواز في اللعب المباحة ، فهم :

  1. ضيَّعوا أنفسَ أوقات عمرهم – عمر الشباب – في اللعب بها ، فضاعت بها أعمارهم .
  2. ضيعوا أنفسَ أوقات الليل وهو الثلث الأخير من الليل ، والذي ينزل فيه رب العزة إلى السماء الدنيا ليغر للتائبين ، وليستجيب دعاء الداعين ، وهم في غفلة معرضون .
  3. تسببوا في تضييع واجب ، وهو صلاة الجماعة .
  4. استعملوا بيت الله لغير ما بُني له ، وما بني له فلم يشهدوه ! فبيت الله تعالى ليس نادياً ، ولا مضافة ، ولا مكان تسلية ، وهم قد جعلوه كذلك ، ولما حضرت الصلاة – وهو ما بني المسجد في الأصل له – غادروه ، ولم يشهدوها فيه .
  5. استعملوا أموال الوقف الموقوفة على المصلين ، والمتعلمين ، والمعتكفين ، استعملوها في غير ما وقف لأجله .

فنسأل الله أن يهديهم لما فيه رضاه ، وأن يصلح بالهم ، وقلوبهم ، وأن يستثمروا شبابهم ، وطاقتهم ، في حفظ القرآن ، وفي العلم الشرعي ، وفي الدعوة إلى الله .

 

والله أعلم .

حكم لعب الأطفال بالنرد

السؤال:

يدرس ابني في مدرسة إسلامية.  وقد لعب الأطفال مؤخرا لعبة في الصف، وكانت تتضمن رمي النرد (زهر الطاولة) ثم تسجيل الأرقام التي تظهر، والطفل الذي يسجل أعلى رقم يكون هو الفائز.  فهل هذه اللعبة جائزة؟  وما هو الحكم إن كانت هناك جوائز تعطي للفائز؟

وجزاك الله خيرا، والسلام عليكم ورحمة الله.

 

الجواب:

الحمد لله

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

أولًا:

تعريف النرد وأصله:

قال الهيتمي:

فص أو فصوص من نحو عظم أو خشب فيها نقط تطرح على لوح فيه بيوت لكل نقطة بيت يعرف بها كيفية اللعب وهذا مع أني لم أره أخذته من قول البيضاوي وضعه سابرزن ثاني ملوك الساسان ولأهله يقال له النردشير وشبه رقعته بالأرض وقسمها أربعة أقسام تشبيها بالفصول الأربعة أ.هـ له ومن قول الماوردي رحمه الله تعالى وقيل إنه موضوع على البروج الاثنا عشر والكواكب السبعة لأن بيوته اثنا عشر ونقطه من جانب الفص يتبع كالكواكب السبعة يعدل به إلى تدبير الكواكب السبعة والبروج أ.هـ له.

” الفتاوى الفقهية الكبرى ” ( 4 / 353 )

 

ثانيًا:

حكم اللعب به بعِوض وغير عِوض:

لعب النرد حرام لا يجوز، وسواء كان ذلك على عوض أو ليس كذلك، ووجود من يعطي جائزة من خارج اللاعبين لا يُحل اللعب بها، وهو قول جمهور أهل العلم ومنهم الأئمة الأربعة، إلا أن بعض أصحاب الشافعي جوَّزه إن كان بغير عوض، وسيأتي بيان سبب قولهم هذا والرد عليه من كلام ابن عمر وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

وهذه أقوال العلماء وأدلتهم:

قال ابن حزم:

ولا يحل بيع النرد؛ لما روينا من طريق مالك عن موسى بن ميسرة عن سعيد بن أبي هند عن أبي موسى الأشعري ” أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله “, فهي محرمة فملكها حرام، وبيعها حرام.

وقد روينا عن مالك عن نافع عن ابن عمر: أنه كان إذا أخذ أحدٌ من أهله يلعب بالنرد ضربه وكسرها. ومن طريق مالك عن علقمة عن أمه عن عائشة أم المؤمنين: أنها بلغها أن أهل بيت في دارها كانوا سكانا فيها أن عندهم نردًا فأرسلت إليهم لئن لم تخرجوها لأخرجنكم من داري، وأنكرت عليهم. ” المحلى ” ( 7 / 514 ).

وحديث أبي موسى رواه أبو داود ( 4938 ) وابن ماجه ( 3762 ).

وحسَّنه الشيخ الألباني في ” إرواء الغليل ” ( 8 / 285 ).

وقال ابن قدامة:

كل لعب فيه قمار، فهو محرم، أي لعب كان، وهو من الميسر الذي أمر الله تعالى باجتنابه، ومن تكرر منه ذلك ردت شهادته، وما خلا من القمار، وهو اللعب الذي لا عوض فيه من الجانبين، ولا من أحدهما، فمنه ما هو محر، ومنه ما هو مباح؛ فأما المحرم: فاللعب بالنرد.

وهذا قول أبي حنيفة، وأكثر أصحاب الشافعي.

وقال بعضهم: هو مكروه، غير محرم.

ولنا، ما روى أبو موسى، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” من لعب بالنردشير، فقد عصى الله ورسوله “، وروى بريدة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” من لعب بالنردشير، فكأنما غمس يده في لحم الخنزير ودمه “، رواهما أبو داود.

وكان سعيد بن جبير إذا مر على أصحاب النردشير، لم يسلم عليهم.

إذا ثبت هذا: فمن تكرر منه اللعب به: لم تقبل شهادته، سواء لعب به قمارا أو غير قمار.

وهذا قول أبي حنيفة، ومالك ، وظاهر مذهب الشافعي.

قال مالك: من لعب بالنرد والشطرنج، فلا أرى شهادته طائلة؛ لأن الله تعالى قال: { فماذا بعد الحق إلا الضلال }، وهذا ليس من الحق، فيكون من الضلال.

فأما الشطرنج فهو كالنرد في التحريم، إلا أن النرد آكد منه في التحريم؛ لورود النص في تحريمه، لكن هذا في معناه، فيثبت فيه حكمه، قياسا عليه.

” المغني ” ( 10 / 172 ).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

وتحريم النرد ثابت بالنص، كما في السنن عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله ” وقد رواه مالك في الموطأ.

وروايته عن عائشة رضي الله عنها أنه بلغها أن أهل بيت في دارها كانوا سكانا لها عندهم نرد فأرسلت إليهم إن لم تخرجوها لأخرجكم من داري، وأنكرت ذلك عليهم.

ومالك عن نافع عن عبد الله ابن عمر: أنه كان إذا وجد من أهله من يلعب بالنرد ضربه وكسرها.

وفي بعض ألفاظ الحديث: عن أبي موسى قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكرت عنده فقال: ” عصى الله ورسوله من ضرب بكعابها يلعب بها “، فعلق المعصية بمجرد اللعب بها، ولم يشترط عوضا بل فسر ذلك بأنه الضرب بكعابها.

وقد روى مسلم في صحيحه: عن أبي بريدة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من لعب بالنردشير فكأنما غمس يده في لحم خنزير ودمه “، وفي لفظ آخر: ” فليشقص الخنازير “، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الصحيح اللاعب بها كالغامس يده في لحم الخنزير ودمه، والذي يشقص الخنازير، يقصبها ويقطع لحمها كما يصنع القصاب، وهذا التشبيه متناول اللعب بها باليد، سواء وجد أكل أو لم يوجد، كما أن غمس اليد في لحم الخنزير ودمه وتشقيص لحمه متناول  لمن فعل ذلك سواء كان معه أكل بالفم، أو لم يكن فكما أن ذلك ينهى عنه وإن لم يكن معه أكل مال بالباطل.

وهذا يتقرر بوجوه يتبين بها تحريم النرد والشطرنج ونحوهما:

أحدها: أن يقال: النهي عن هذه الأمور ليس مختصا بصورة المقامرة فقط، فإنه لو بذل العوض أحد المتلاعبين أو أجنبي لكان من صور الجعالة، ومع هذا فقد نهي عن ذلك إلا فيما ينفع: كالمسابقة، والمناضلة، كما في الحديث الأسبق: ” إلا في خف أو حافر أو نصل “؛ لأن بذل المال فيما لا ينفع في الدين، ولا في الدنيا منهي عنه وإن لم يكن قمارًا، وأكل المال بالباطل حرام بنص القرآن وهذه الملاعب من الباطل لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ” كل لهو يلهو به الرجل فهو باطل إلا رميه بقوسه، أو تأديبه فرس، أو ملاعبته امرأته فإنهن من الحق “.

قوله: ” من الباطل ” أي: مما لا ينفع، فإن الباطل ضد الحق: والحق يراد به الحق الموجود اعتقاده والخبر عنه، ويراد به الحق المقصود الذي ينبغي أن يقصد، وهو الأمر النافع، فما ليس من هذا فهو باطل ليس بنافع.

وقد يرخص في بعض ذلك إذا لم يكن فيه مضرة راجحة لكن لا يؤكل به المال، ولهذا جاز السباق بالأقدام، والمصارعة، وغير ذل، وإن نهي عن أكل المال به. وكذلك رخص في الضرب بالدف في الأفراح، وإن نهي عن أكل المال به، فتبين أن ما نهي عنه من ذلك ليس مخصوصا بالمقامرة، فلا يجوز قصر النهي على ذلك، ولو كان النهي عن النرد ونحوه لمجرد المقامرة لكان النرد مثل سباق الخيل، ومثل الرمي بالنشاب، ونحو ذلك، فإن المقامرة إذا دخلت في هذا حرموه، مع أنه عمل صالح، واجب أو مستحب، كما في الصحيح: عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” ارموا واركبوا، وأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا “، ” ومن تعلم الرمي ثم نسيه فليس منا “.

وكان هو وخلفاؤه يسابقون بين الخيل، وقرأ على المنبر: { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل } الآية ثم قال: ” ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي “، فكيف يشبه ما أمر الله به ورسوله؟ واتفق المسلمون على الأمر به، بما نهى الله عنه ورسوله وأصحابه من بعده، وإذا لم يجعل الموجب للتحريم إلا مجرد المقامرة كان النرد، والشطرنج، كالمناضلة.

الوجه الثاني: أن يقال هب أن علة التحريم في الأصل هي المقامرة، لكن الشارع قرن بين الخمر والميسر في التحريم فقال تعالى: { إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون }.

فوصف الأربعة بأنها رجس من عمل الشيطان، وأمر باجتنابها، ثم خص الخمر والميسر بأنه { إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة }.

ويهدد من لم ينته عن ذلك بقوله تعالى: { فهل أنتم منتهون } كما علق الفلاح بالاجتناب في قوله: { فاجتنبوه لعلكم تفلحون }، ولهذا يقال إن هذه الآية دلت على تحريم الخمر والميسر من عدة أوجه. ومعلوم أن الخمر لما أمر باجتنابها حرم مقاربتها بوجه، فلا يجوز اقتناؤها ولا شرب قليلها، بل كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر بإراقتها، وشق ظروفها، وكسر دنانها، ونهى عن  تخليلها، وإن كانت ليتامى مع أنها اشتريت لهم قبل التحريم، ولهذا كان الصواب الذي هو المنصوص عن أحمد، وابن المبارك، وغيرهما أنه ليس في الخمر شيء محترم، لا خمرة الخلال ولا غيرها، وأنه من اتخذ خلا فعليه أن يفسده قبل أن يتخمر بأن يصب في العصير خلا وغير ذلك مما يمنع تخميره، بل كان { النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الخليطين } لئلا يقوى أحدهما على صاحبه فيفضي إلى أن يشرب الخمر المسكر من لا يدري، ونهى عن الانتباذ في الأوعية التي يدب السكر فيها ولا يدرى ما به: كالدباء والحنتم والظرف المزفت والمنقور من الخشب، وأمر بالانتباذ في السقاء الموكئ لأن السكر ينظر إذا كان في الشراب انشق الظرف، وإن كان في نسخ ذلك أو بعضه نزاع ليس هذا موضع ذكره.

فالمقصود سد الذرائع المفضية إلى ذلك بوجه من الوجوه، وكذلك كان يشرب النبيذ ثلاثا، وبعد الثلاث يسقيه أو يريقه؛ لأن الثلاث مظنة سكره، بل كان أمر بقتل الشارب في الثالثة أو الرابعة فهذا كله، لأن النفوس لما كانت تشتهي ذلك وفي اقتنائها ولو للتخليل ما قد يفضي إلى شربها، كما أن شرب قليلها يدعو إلى كثيرها فنهي عن ذلك، فهذا الميسر المقرون بالخمر إذا قدر أن علة تحريمه أكل المال بالباطل، وما في ذلك من حصول المفسدة وترك المنفعة، ومن المعلوم أن هذه الملاعب تشتهيها النفوس، وإذا قويت الرغبة فيها أو دخل فيها العوض كما جرت به العادة، وكان من حكم الشارع أن ينهى عما يدعو إلى ذلك، لو لم يكن فيه مصلحة راجحة، وهذا بخلاف المغالبات التي قد تنفع مثل: المسابقة والمصارعة، ونحو ذلك، فإن تلك فيها منفعة راجحة لتقوية الأبدان، فلم ينه عنها لأجل ذلك ولم تجر عادة النفوس بالاكتساب بها.

” الفتاوى الكبرى ” ( 4 / 462 – 464 ).

وحديث بريدة رواه مسلم ( 2260 ).

وحديث أبي موسى بلفظه الآخر: رواه أحمد ( 19700 ).

وهو حسن.

انظر: ” الإرواء ” ( 8 / 286 ).

وحديث ” ارموا واركبوا، وأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا ” ليس في الصحيح، وإنما رواه الإمام أحمد (16849) والترمذي (1637) والنسائي (3578) وأبو داود (2513) وابن ماجه (2811) وضعفه الألباني في ضعيف ابن ماجه ( 618 ) وغيره -.

وحديث ” ومن تعلم الرمي ثم نسيه فليس منا ” – رواه ابن ماجه (2814) وهذا لفظه وقد رواه الإمام مسلم (1919) عن عقبة بن عامر بلفظ”من علم الرمي ثم تركه فليس منا أو قد عصى”-.

 

وقال:

اللعب بالشطرنج حرام عند جماهير علماء الأمة وأئمتها كالنرد، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” من لعب بالنرد فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه “، وقال: ” من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله “، وثبت عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه مر بقوم يلعبون بالشطرنج، فقال: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون، وروي أنه قلب الرقعة عليهم.

وقالت طائفة من السلف: الشطرنج من الميسر، وهو كما قالوا، فإن الله حرم الميسر، وقد أجمع العلماء على أن اللعب بالنرد والشطرنج حرام إذا كان بعوض، وهو من القمار والميسر الذي حرم الله، والنرد حرام عند الأئمة الأربعة سواء كان بعوض أو غير عوض، ولكن بعض أصحاب الشافعي جوزه بغير عوض، لاعتقاده أنه  لا يكون حينئذ من الميسر، وأما الشافعي وجمهور أصحابه، وأحمد، وأبو حنيفة، وسائر الأئمة فيحرمون ذلك بعوض وبغير عوض.

” الفتاوى الكبرى ” ( 4 / 475 ، 476 ).

والنرد من الميسر كما قال ابن عمر رضي الله عنهما.

وقد روى ذلك عنه البيهقي والآجري بإسناد صحيح كما قال الشيخ الألباني رحمه الله في ” الإرواء ” ( 8 / 287 ).

 

ثالثًا:

وما يحرم اقتناؤه واستعماله: فلا يصح شراؤه ولا بيعه ولا هبته ولا إيداعه ولا رهنه، ولا الإجارة على حفظه، ولا وقفه، ولا الوصية به كسائر المحرمات.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ” إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام “. رواه البخاري ( 2121 ) ومسلم ( 1581 ).

 

رابعًا:

قال ابن مفلح الحنبلي:

يكره لكل مسلم مكلف أن يجالس من يلعب بشطرنج أو نرد وأن يسلم عليه بل ينكر عليه ذلك ويهجره إن لم ينزجر عنهما.

وحكى الشيخ تقي الدين أن أبا حنيفة وأحمد وغيرهما قالوا: إنه لا يسلم على لاعب الشطرنج؛ لأنه مظهر للمعصية، وقال مالك وصاحبا أبي حنيفة: يسلم عليه انتهى كلامه.

وقال أحمد – في رواية ابن منصور – فيمن يلعب بالشطرنج: ما هو أهل أن يسلم عليه، وهذا معنى كلام الشيخ عبد القادر وغيره، وأنه لا يسلم على المتلبسين بالمعاصي، قال الشيخ عبد القادر: وإن سلموا هم عليه رد عليهم إلا أن يغلب على ظنه انزجارهم بتركه الرد عليهم فإذا لا يرد. ” الآداب الشرعية ” ( 3 / 374 ).

 

 

خامسًا:

ولا فرق فيما سبق بين الأطفال والرجال، فما حرمه الشرع فهو على الرجال فلا يحل للأطفال إلا ما استثناه الدليل.

 

والله أعلم.

 

 

 

 

 

هل يمكن للمسلم أن يعمل تمثالًا كتذكار لأحد الأبطال؟

السؤال:

أجد صعوبة في أن أشرح لأحد أخواني المسلمين هنا أن عمل تمثال غير إسلامي حرام، وقد كانت إجابته أن المرأة التي يراد عمل التمثال لها من أبطال البلد إذ أنها حاربت المسلمين دفاعا عن بلادها، وهي من جداتي في الفترة قبل دخول الإسلام.

هل يمكن للمسلم أن يعبد تمثالا، أو أن يعمل تمثالا كتذكار لأحد الأبطال؟ حتى لو كان هذا البطل غير مسلم؟

وشكرا.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

فهمنا من الأخ السائل أنه ينكر على صاحبه كون التمثال لكافر، وأنه إن كان لمسلم فإنه يجوز صنعه، وهذا الظن خطأ، ولا فرق من حيث كونه صنمًا في التحريم، وإن كان صُنع تمثالٍ لكافرٍ من مسلمٍ أشدَّ في الحرمة لما في ذلك من جمع شرَّين، شر صنع التمثال، وصنع تعظيم هذا الكافر، وبيان تحريم ذلك ومسائله فيما يأتي:

  1. إن قضية صنع التماثيل لا تتوقف على كونها قضية فقهية، بل تتعداها إلى أبواب الاعتقاد، وذلك أن الله تعالى اختص بتصوير خلقه وإبداعهم على أحسن صورة، فكان في فعل هذا مضاهاة لخلق الله تعالى، وكذا يتعلق الأمر في باب الاعتقاد من حيث اتخاذ هذه الأصنام آلهة تُعبد من دون الله عز وجل.

    ومما يدل على ما سبق:

  • قوله تعالى { هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء } ( آل عمران / 6 ).

      وقوله تعالى: { ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم } (الأعراف / 11).

وقوله تعالى: { هو الله الذي لا إله إلا هو الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السموات  والأرض وهو العزيز الحكيم } ) الحشر / 24).

 وقوله تعالى  { يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم. الذي خلقك فسواك فعدلك. في أي صورة ما شاء ركبك } ) الانفطار / 6 – 8 ).

فهذه الآيات تقرر عقيدة لا شك فيها أن تصوير الخلق هو من قِبل ربهم وخالقهم ومصورهم، وأن لا يحل لأحد أن يتعدى على ربه تعالى فيضاهي الله في خلقه وتصويره.

  • عن عائشة أم المؤمنين أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاوير فذكرتا للنبي صلى الله عليه وسلم فقال إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور فأولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة. رواه البخاري ( 417 ) ومسلم ( 528 ).

* قال الحافظ ابن حجر:

          وفي الحديث دليل على تحريم التصوير، وحمل بعضهم الوعيد على من كان في ذلك الزمان لقرب العهد بعبادة الأوثان وأما الآن فلا! وقد أطنب ابن دقيق العيد في رد ذلك كما سيأتي في كتاب اللباس. ” فتح الباري ” ( 1 / 525 ).

* وقال النووي:

          قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: تصوير صورة  الحيوان  حرام شديد التحريم، وهو من الكبائر لأنه متوعد عليه بهذا الوعيد الشديد المذكور في الأحاديث وسواء صنعه بما يمتهن أو بغيره فصنعته حرام بكل حال لأن فيه مضاهاة لخلق الله تعالى، وسواء ما كان في ثوب أو بساط أودرهم أو دينار أو فلس أو إناء أو حائط أو غيرها وأما تصوير صورة  الشجر ورحال الإبل وغير ذلك مما ليس فيه صورة  حيوان فليس بحرام هذا حكم نفس التصوير. ” شرح مسلم ” ( 14 / 81 ).

  • عن سعيد بن أبي الحسن قال كنت عند ابن عباس رضي الله عنهما إذ أتاه رجل فقال يا أبا عباس إني إنسان إنما معيشتي من صنعة يدي وإني أصنع هذه التصاوير فقال ابن عباس لا أحدثك إلا ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول سمعته يقول من صور صورة فإن الله معذبه حتى ينفخ فيها الروح وليس بنافخ فيها أبدا فربا الرجل ربوة شديدة واصفر وجهه فقال ويحك إن أبيت إلا أن تصنع فعليك بهذا الشجر كل شيء ليس فيه روح.

     رواه البخاري ( 2112 ) ومسلم ( 2110 ).

  • عن عبد الله بن مسعود قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إن أشد الناس عذابا عند الله يوم القيامة المصورون.

     رواه البخاري ( 5606 ) ومسلم ( 2109 ).

  • عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم القيامة يقال لهم أحيوا ما خلقتم.

     رواه البخاري ( 5607 ) ومسلم ( 2108 ).

  • عن أبي هريرة أنه دخل دارًا بالمدينة فرأى أعلاها مصورا يصور قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي فليخلقوا حبة وليخلقوا ذرَّة. رواه البخاري ( 5609 ) ومسلم ( 2111 ).

 * قال النووي:

          وأما قوله تعالى ” فليخلقوا ذرة أو حبة أو شعيرة “: فالذرَّة بفتح الذال وتشديد الراء، ومعناه: فليخلقوا ذرة فيها روح تتصرف بنفسها كهذه الذرة التي هي خلق الله تعالى وكذلك فليخلقوا حبة حنطة أو شعير، أي: ليخلقوا حبة فيها طعم تؤكل وتزرع وتنبت ويوجد فيها ما يوجد في حبة الحنطة والشعير ونحوهما من الحب الذي يخلقه الله تعالى وهذا أمر تعجيز كما سبق. ” شرح مسلم ” ( 14 / 90 ).

  • عن أبي جحيفة قال: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب وثمن الدم ونهى عن الواشمة والموشومة وآكل الربا وموكله ولعن المصور.

   رواه البخاري ( 1980 ).

  1. وقد جاءت الشريعة بهدم الأصنام وتحطيمها لا بصنعها وترميمها، ومما يدل على ذلك:
  • عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة وحول الكعبة ثلاث مائة وستون نصبا فجعل يطعنها بعود في يده وجعل يقول {جاء الحق وزهق الباطل } الآية. رواه البخاري ( 2346 ) ومسلم ( 1781 ).
  • عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أن لا تدع تمثالا إلا طمسته ولا قبرا مشرفا إلا سويته وفي رواية ( ولا صورة إلا طمستها ). رواه مسلم ( 969 ).

* قال ابن القيم:

          والتماثيل جمع تمثال وهو الصور الممثلة.

” الفوائد ” ( ص 196 ).

* قال شيخ الإسلام:

          فأمره بمحو التمثالين الصورة الممثلة على صورة الميت و التمثال الشاخص المشرف فوق قبره فإن الشرك يحصل بهذا و بهذا.

” مجموع الفتاوى ” ( 17 / 462 ).

 

 

  1. وقد توعد النبي صلى الله عليه وسلم صاحب الصور أن يدخلها في بيته، ورتب على ذلك آثامًا وحرمانًا للخير، ومما يدل على ذلك:
  • عن أبي طلحة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ” لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة تماثيل “. رواه البخاري (3053) ومسلم (2106).
  • عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أنها أخبرته أنها اشترت نمرقة فيها تصاوير فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم قام على الباب فلم يدخله فعرفت في وجهه الكراهية فقلت: يا رسول الله أتوب إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم ماذا أذنبتُ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بال هذه النمرقة؟ قلت: اشتريتها لك لتقعد عليها وتوسدها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أصحاب هذه الصور يوم القيامة يعذبون فيقال لهم أحيوا ما خلقتم وقال: إن البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة.

     رواه البخاري ( 1999 ) ومسلم ( 2107 ).

  1. واتخاذ الصور وسيلة للوقوع في الشرك، لأن بداية الوقوع فيه التعظيم لصاحب الصورة، وخاصة مع قلة العلم أو انعدامه، ويدل على هذا:

          عن ابن عباس رضي الله عنهما: صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد أما ( ود ) كانت لكلب بدومة الجندل وأما ( سواع ) كانت لهذيل وأما (يغوث ) فكانت لمراد ثم لبني غطيف بالجوف عند سبأ وأما ( يعوق ) فكانت لهمدان وأما ( نسر ) فكانت لحمير لآل ذي الكلاع أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابا وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت.

رواه البخاري ( 4636 ).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:

وأيضا فإن اللات كان سبب عبادتها تعظيم قبر رجل صالح كان هناك.

” اقتضاء الصراط المستقيم ” ( 2 / 333 ).

وقال:

وهذه العلة – أي: التعظيم – التي لأجلها نهى الشارع هي التي أوقعت كثيرًا من الأمم إما في الشرك الأكبر أو فيما دونه من الشرك.

” الاقتضاء ” ( 2 / 334 ).

 

وقال ابن القيم رحمه الله في بيان تلاعب الشيطان بالنصارى:

وتلاعب بهم في تصوير الصور في الكنائس وعبادتها فلا تجد كنيسة من كنائسهم تخلو عن صورة مريم والمسيح وجرجس وبطرس وغيرهم من القديسين عندهم والشهداء وأكثرهم يسجدون للصور ويدعونها من دون الله تعالى حتى لقد كتب بطريق الاسكندرية إلى ملك الروم كتابا يحتج فيه للسجود للصور: بأن الله تعالى أمر موسى عليه السلام أن يصور في قبة الزمان صورة الساروس وبأن سليمان بن داود لما عمل الهيكل عمل صورة الساروس من ذهب ونصبها داخل الهيكل ثم قال في كتابه: وإنما مثال هذا مثال الملك يكتب إلى بعض عماله كتابا فيأخذه العامل ويقبله ويضعه على عينيه ويقوم له لا تعظيما للقرطاس والمداد بل تعظيما للملك كذلك السجود للصور تعظيم لاسم ذلك المصور لا للأصباغ والألوان.  

وبهذا المثال بعينه عبدت الأصنام.

” إغاثة اللهفان ” ( 2 / 292 ).

وقال:

وغالب شرك الأمم كان من جهة الصور والقبور.

” زاد المعاد ” ( 3 / 458 ).

  1. فما سبق من الآيات والأحاديث يدل على أن علة تحريم الصور ثلاثة أمور:

الأول: المضاهاة لخلق الله.

والثاني: أنه مشابهة للكفار.

والثالث: أنه وسيلة للتعظيم والوقوع في الشرك.

  1. وبعد هذا، أرجو أن يكون فيما سبق كفاية لإقناع الأخ السائل وصاحبه بحرمة عمل التماثيل، سواء كان ذلك لمسلم أو لكافر، وأن من فعل ذلك فقد ضاهى الله في خلقه، واستحق اللعنة، ويؤمر يوم القيامة بأن ينفخ فيها الروح وأنى له ذلك؟.

 

والله أعلم.

 

تلبيس الشيطان على طالب علم في إقامة علاقة مع امرأة ملتزمة!

تلبيس الشيطان على طالب علم في إقامة علاقة مع امرأة ملتزمة!

السؤال:

أنا شاب في الـ 20 من عمري تقريباً ، من … , طالب علم ، بحمد الله وفضله , قدَّر الله أني تعرّفت منذ زمن ليس ببعيد على امرأة عن طريق الانترنت ، وكان سبب ذلك التساؤل عن ” الاسم الشخصي ” الذي كانت تضعه ، والذي بالفعل كان يلفت الأنظار ( كان عبارة عن حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم صحيح يثبت ما نحن عليه اليوم ) , المهم : دار الكلام بيننا لمدة 3 أسابيع تقريباً بشكل دائم ( ضمن الكلام كنا نخوض في الأمور العلمية الشرعية التي من خلالها استفاد كِلا الطرفين ، بالإضافة إلى الكلام الذي تخلله تعاطف هذه المرأة معي من كل النواحي ، ضمن الضوابط ، والقيود الشرعية ، بحيث في آخر المطاف طلبتْ مني أن أعتبرها كأم لي ! عن حسن نية ، بعد أن اعتبرتني كابن لها من أول فترة تحدثي معها ، علمتُ فيما بعد بأنها والدة أحد أصدقائي – هداه الله وإيانا – , فأمه امرأة لم يتخطَّ عمرها 38 سنة بعد , أستاذة ، تعطي التربية الإسلامية ، والقرآن الكريم , ختمت الروايات السبع ، فهي مجازة ، بحمد الله , بالإضافة أنها منتقبة ، ومواظبة على الدروس الأسبوعية عند شيخ مدينتنا الذي أدرس عنده أيضاً ، وهو شيخ فاضل من أحد تلامذة الشيخ ابن عثيمين – طيب الله ثراه – ومن الناس الذين يركزون جدّاً على طرح جهود العلماء المعاصرين ، وخاصة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله وطيب ثراه ، أرادت إحدى المرّات أن تقدم لي مساعدة ( مالية ) بعد أن علمت بمشاكل أتعرض لها مع والديّ من هذه الناحية , وبالفعل قدّمت لي المساعدة ، وذلك بعد أن قابلتها وتحدثت معها بحضور زوجها وابنها ، وهكذا ، كل آخر يوم من الأسبوع تطلب مني الحضور لعندها ؛ لتطمئن على حالي ، وعلى حال وضعي في منزلي ؛ وذلك لما أخبرها من مشاكل جمّة أتعرض لها على الدوام ، وأشعر بارتياح كبير حين أخبرها بذلك , فحقّاً إني أحببتها في الله ! واعتبرتها كأم لي ! وأخاف عليها كما أخاف على أمِّي ، من قلقها ، وتوترها الدائم إن قاطعتها عن الكلام لمدة طويلة ، إلا أن جلساتي الأخيرة معها كانت بمفردنا ( وطبعا بمكان في البيت يستحيل أن يستدل من خلاله أي شخص على شرط واحد يثبت فيه وقوع الخلوة بيننا ، والحمد لله ! ) ، وشعرنا نوعاً ما بأن الضرورة ( إن كانت تعد ضرورة ) قد زالت ، وأنه ينبغي أن ننتهي من هذه الجلسات ؛ لما فيها من شبهات , وفي ذات الوقت الذي أرسل فيه رسالة لها أوضح من خلالها الأمور التي نتساهل بها نوعاً ما وهي غير جائزة ( من ناحية الكلام ، ومن ناحية النظر ، ومن ناحية الجلوس بمفردنا ) : إذ بها ترسل رسالة ذات مضمون رسالتي ، إلا أن رسالتها تختلف عنّي ، بأنها قد كتبتها منذ زمن بعيد ، وتقول في آخرها بأنه لولا محبتها لي ، ومعزتها لي : لما تأخرت في إرسالها منذ البداية ؛ لأن هذا الأمر يفرحها ، بأنها تتبع ما أمرنا به الله ونبيه صلى الله عليه وسلم ، ويحزنها في آن لفراقي ؛ ولحرمانها من شخص ( اعتبرتْه بالنسبة لها كابن ، وأن الله عوضها بعد سنوات طوال من التربية بابن صالح كما تحب وترضى ، وكما تتمنى لابنها الحقيقي أن يكون , وأكثر من ذلك : صارحتني بأمر متعلق بشان ابنتها من ناحية الزواج , فأنا الآن أرغب بالزواج المبكر ، وأتحرى عن بنت على المنهج ، أعلم من خلالها أننا سوف نكون سعيدين بإذن الله مدى العمر ، وقدّر الله أن البنت التي سألت عنها ولفتت نظري في إحدى المرات بعد خروجها من مكان النساء بعد الدرس عند الشيخ : هي بنت هذه المرأة , فقالت لي : بأنها تتمنى أن يكون المتقدم لابنتي شخص مثلك ، بل أنت ، وذلك بعد مصارحتي لها أنا أيضاً بالنسبة لموضوع الزواج ، وهكذا تعمّدنا قطع الكلام بيننا ، وكلُّ منَّا ما زال يفكّر بالآخر على الدوام حتى هذا الأسبوع , أردت أن أكلمها ، وكلّمتها ، وجعلتها تطمئن عليَّ نوعاً ما ، وأنهيت حديثي معها بشكل سريع ، ووضحت بأني لم أفعل هذا كراهية بها إنما اتباع لكلام الله ، وهدي نبيه ، وقالت لي : بأنها متفهمة ، وتعلم ما أقصده تماماً ؛ لأن ما يجول في خاطرها كالذي يجول بخاطري تماماً , ومن ثم قلت لها بأني سوف ألغي بريدها الإلكتروني ، ولم يعد هناك حاجة للكلام ، وهكذا حتى الآن أعلم من خلال ابنها – أي : صديقي – ومن مصادر أخرى بأنها قلقة على الدوام ، وحزينة جدّاً ، جدّاً ، وأن أسرتها تلاحظ في هذه الآونة الأخيرة بكاءها المفاجئ ، وعدم استطاعتها من إخفاء دموعها ؛ لأسباب لا يعلمونها , وبالطبع أنا متيقن ما هو السبب , فإن كان باستطاعتي إخفاء حزني عليها : فهي امرأة ، وعاطفية أكثر ، بل هي أم ، ولا تستطيع إخفاء مشاعرها بسهولة ، وخصوصا تجاه ابنها ، كما تعتقد .

فسؤالي لكم :

هل الذي قمت به ، أي : قطع حديثي نهائيّاً معها أمر صائب ؟ أم أني مخطئ في تصرّفي معها ؟ وما الشيء المناسب الذي عليَّ القيام به تجاهها دون أي تعدٍّ على أطر الضوابط والقيود الشرعية ؟ فأمرها يهمني مثل ما يهمني أمر والدتي الحقيقية .

أفيدوني رجاء بجواب شافٍ وكافٍ , فمن الممكن أن أرسل لها جوابكم لو رأيت فيه مصلحة ومنفعة للطرفين , وجزاكم الله كل خير ، وسامحوني إن أطلت عليكم , فلو باستطاعتي أن أخبر شيخي لما كنت أخبرتكم , بارك الله فيكم ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

 

الجواب:

الحمد لله

أولاً:

هذه القصة تصلح مثالاً لتلبيس إبليس على أهل الالتزام والاستقامة ؛ حيث نسج الشيطان شراكه وشباكه بخيوط الشرع ، فأوهم فريسته بذلك حتى علقوا ! .

– وانظر – أخي السائل – لتلك التلبيسات وتمعن بها ، فلعلها تكون عبرة لغيرك حتى لا يقع في مثلها :

أ. كانت البداية في تلك العلاقة الآثمة منك : السؤال عن ” الاسم الشخصي ” والذي هو عبارة عن حديث نبوي ! فقد فتح لك الشيطان الباب لسؤال أجنبية عنك ، بعذر أنه قد لفت نظرك جعل الحديث النبوي اسماً لها ! ثم انظر كيف امتدت العلاقة بعدها، وتطورت .

ب. وكانت البداية في تلك العلاقة الآثمة منها : إجابتك على سؤالك ، والسماح لنفسها بتكوين علاقة مع أجنبي ، بل زادت الوقاحة برؤيته ، بل والخلوة معه ، حتى وصل الأمر إلى البكاء على فراقه ! .

ج. ومن تلبيس الشيطان عليكما : إيهامكما أنكما ملتزمان بضوابط الشرع في تلك العلاقة ، وأين هذه الضوابط والأمر فاسد ومخالف للشرع من أصله ؟! .

د. ومن تلبيس الشيطان عليكما : جعلك لك بمنزلة أمك ! وجعلها لك بمنزلة ابنها ! وهذا مخالف للشرع ، وليس ثمة ما يبيح اجتماع أجنبي بامرأة أجنبية عنه واعتبار بعضهما أشقاء ، أو أحدها أباً والأخرى ابنة ! أو أحدها ابناً والأخرى أمّاً ! وهذا لا يغيِّر من واقع أمركما شيئاً ، فأنتما أجنبيان عن بعضكما ، وإنما هو من تلبيس الشيطان ، ومكره .

هـ. ومن تلبيس الشيطان عليكما : إيهامكما أن اللقاء والاجتماع فيه فوائد علميَّة ! ويستفيد كل منكما من الآخر ، وحقّاً إن الشيطان قد نجح في ذلك ، حتى ظننتما أنكما غير مخالفيْن للشرع في تلك العلاقة .

و. ومن تلبيس الشيطان عليكما : كتابة كل واحدٍ منكما رسالة للآخر ، وهذا معروف في عالم العلاقات المحرَّمة ، وخاصة بين المستقيمين والملتزمين ، حتى يظن كل واحدٍ منهما أنه غير راضٍ عن فعله ، وأنه يخالف شرع الله ، فيبادله الآخر الشعور نفسه ، حتى لا يكون أحدهما ملاكاً والآخر شيطاناً ! ، ثم سرعان ما ترجع العلاقة ؛ لأن الكتابة أصلا ليست توبة من تلك العلاقة المحرَّمة ، بل هي إحدى محطات التوقف فيها ! .

ز. ولعله من آخر تلبيس الشيطان عليك أنت : وضعك لاحتمال أن قطع العلاقة بالكلية ليس هو التصرف الشرعي المناسب ، وأنه من الممكن أن تجد سبيلاً لاستمرار تلك العلاقة معها ! ولذا ختمت سؤالك بقولك ” هل الذي قمت به ، أي : قطع حديثي نهائيّاً معها أمر صائب ؟ أم أني مخطئ في تصرّفي معها ؟ ” ! فها هو الشيطان ما يزال يسول لك باستمرار تلك العلاقة ، وأن قطعها بالكلية قد يكون تصرفّاً خطأً ! .

ومن تأمل مثل هذه الحادثة : علم عظم أحكام الشريعة ، وعظيم حكمَتها ، حيث حرَّم العلاقة بين الرجل والمرأة الأجنبيين ، سواء بمكالمات ، أو مراسلات ، فضلاً عن اللقاءات والمشاهدات ، وقد ذكرنا كثيراً من الفتاوى في هذا الباب لأهل العلم.

ثانياً:

لا ينبغي لك أن تشك للحظة أن قطع علاقتك بتلك المرأة هو الصواب ، بل ليس لك خيار آخر ، فلا تتردد ، واجزم به ، ولا تجعل للشيطان عليك سبيلاً ، وبكاء تلك المرأة على قطع العلاقة خير لها – ولكَ – من فرحها باستمرارها ، فلا تأخذك الرأفة والرحمة لبكائها ، وأسفها على الفراق ؛ لأن هذا يؤكد أن العلاقة بينكما لم تكن شرعيَّة ، وكان الأولى بها أن تفرح على قطعها ، لا أن تبكي وتتحسر .

وما حصل منكما إنما هو اتباع لخطوات الشيطان التي حذرنا ربنا تعالى من السير فيها ، وبيَّن لنا الحكمة في ذلك ، قال تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ  ) النور/ 21 .

* قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله –:

– ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ) أي : طرقه ووساوسه .

وخطوات الشيطان : يدخل فيها سائر المعاصي المتعلقة بالقلب ، واللسان ، والبدن ، ومِن حكمته تعالى : أن بيَّن الحُكم ، وهو : النهي عن اتباع خطوات الشيطان ، والحكمة ،، وهو : بيان ما في المنهي عنه مِن الشرِّ المقتضي والداعي لتركه ، فقال : ( وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ ) أي : الشيطان ( يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ ) أي : ما تستفحشه العقول والشرائع من الذنوب العظيمة ، مع ميل بعض النفوس إليه ، ( وَالْمُنْكَرِ ) وهو ما تنكره العقول ، ولا تعرفه ، فالمعاصي التي هي خطوات الشيطان : لا تخرج عن ذلك ، فنهي الله عنها للعباد : نعمة منه ، عليهم أن يشكروه ، ويذكروه ؛ لأن ذلك صيانة لهم عن التدنس بالرذائل والقبائح ، فمن إحسانه عليهم أن نهاهم عنها، كما نهاهم عن أكل السموم القاتلة، ونحوها. ” تفسير السعدي ” ( ص 563 ).

واحذر أنت وإياها أن يقول أحدكما إنه بعيد من الفتنة ، وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين أن ( الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ) وأينا الذي يأمن على نفسه الوقوع في الفتنة ؟! .

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – :

لا يحل للمرأة أن تسترسل في الكلام مع رجل ليس محرماً لها ؛ لأن ذلك يؤدي إلى الفتنة ، وقد قال الله تبارك وتعالى : ( فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً ) الأحزاب/ 32 .

تخاطب البائع بقدر الحاجة ، ولا تزيد على هذا ؛ لأن ( الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ) وكم من امرأة تقول إنها بعيدة عن الفتنة ، ولكن لا يزال بها الشيطان حتى يفتنها، ربما إذا انصرفت من الرجل الذي تحدثت معه حديثاً أكثر مما تحتاج إليه : ربما إذا انصرفت : أدخل الشيطان عليها الهواجس ، حتى ترجع إلى الرجل الأول ، ويكون أول الكلام شرارة ، وآخره سعيراً ، والعياذ بالله .

– فعلى النساء أن يتقين الله، وألا يخضعن بالقول، وألا يكثرن الكلام إلا لحاجة …

– لهذا : لتحذر النساء من الاستمرار في مكالمة الرجال ؛ فإنه خطر ، خطر عظيم ، نسأل الله السلامة من الفتن . ” اللقاء الشهري ” ( 45 / 7 ) .

ثالثاً:

ولا ننصحك بالتزوج من ابنتها ؛ لما يؤدي ذلك لأن تكون قريباً منها ، ولا ندري ماذا أعدَّ لكما الشيطان من خطة بديلة في حال ظهرت التوبة منكما من تلك العلاقة ، وحصل زواج من ابنتها ، والقصص المثيلة تجعلنا ننصحك بالبُعد ، ففي البعد غنيمة ، أو على الأقل : سلامة .

 

والله أعلم.