هل تطلق من طلقها زوجها ثلاثاً في مجلس واحد؟

السؤال

شخص قال لزوجته ” أطلقك ثلاثاً ” في مجلس واحد, هل هذا يقع أم لا؟

الجواب

الحمد لله

ذهب الأئمة الأربعة وابن حزم إلى أن من قال لزوجته ” أنت طالق أنت طالق أنت طالق ” في مجلس واحد , ونوى تكرار الوقوع : فإنه يقع ثلاثاً , ولا  تحل له حتى تنكح زوجا غيره ؛ لما رواه محمود بن لبيد , قال : ” أُخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعا , فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال : أيلعب بكتاب الله عز وجل وأنا بين أظهركم ؟ حتى قام رجل , فقال : يا رسول الله ألا أقتله ؟ ” . رواه النسائي ( 3401 ) – وهو ضعيف كما سيأتي – .

وعن ابن عباس قال : ” طلَّق أبو ركانة أم ركانة , فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : راجع امرأتك , فقال : إني طلقتها ثلاثا , قال : قد علمت , راجعها “.  أخرجه أبو داود ( 2196 ) – وهو ضعيف كما سيأتي – .

وخالف فيه بعض أهل الظاهر فذهبوا إلى أنها تقع طلقة واحدة ، وهو قول ابن عباس , وبه قال إسحاق وطاوس وعكرمة ؛ لما في صحيح مسلم أن ابن عباس قال : ” كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة , فقال عمر : إن الناس قد استعجلوا في أمر كان لهم فيه أناة , فلو أمضيناه عليهم , فأمضاه عليهم ” .

وأجيب عنه بستة أجوبة : أقربها جوابان :

الأول : أن هذا الحديث ورد في صورة خاصة هي قول المطلق أنت طالق أنت طالق أنت طالق أن اللفظ الثاني والثالث توكيد للأول لا تأسيس طلاق آخر ويحمل قوله على السلامة والصدق فيقبل قوله ، فلما رأى عمر تغير أحوال الناس وغلبة الدعاوى الباطلة رأى من المصلحة أن يجري المتكلم على ظاهر قوله , ولا يصدق في دعوى ضميره , وهذا الجواب ارتضاه القرطبي قال النووي : هو أصح الأجوبة .

وأجيب عنه : أنه يتضح من خلال الجواب أن نهي عمر كان رأياً محضاً ، ومع ذلك فالناس مختلفون في كل عصر فيهم الصادق والكاذب وما يعرف ما في ضمير الإنسان إلا من كلامه فيقبل قوله , وإن كان مبطلا في نفس الأمر فيحكم بالظاهر والله يتولى السرائر ، مع أن ظاهر قول ابن عباس أن طلاق الثلاث يقع واحدة بأية عبارة وقعت .

الثاني : أن معنى قوله كان طلاق الثلاث واحدة أن الطلاق الذي كان يوقع في عهده صلى الله عليه وسلم وعهد أبي بكر إنما كان يوقع في الغالب واحدة لا يوقع ثلاثا فمراده أن هذا الطلاق الذي توقعونه ثلاثا كان يوقع في ذلك العهد واحدة فيكون قوله فلو أمضيناه عليهم بمعنى لو أجريناه على حكم ما شرع من وقوع الثلاث , وهذا الجواب يتنزل على قوله استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة تنزلا قريبا من غير تكلف ويكون معناه الإخبار عن اختلاف عادات الناس في إيقاع الطلاق لا في وقوعه فالحكم متقرر , وقد رجح هذا التأويل ابن العربي ونسبه إلى أبي زرعة وكذا البيهقي أخرجه عنه قال : معناه أن ما تطلقون أنتم ثلاثا كانوا يطلقون واحدة .

وأجيب عنه : أن هذا يتم إن اتفق على أنه لم يقع في عصر النبوة إرسال ثلاث تطليقات دفعة واحدة وحديث أبي ركانة وغيره يدفعه ، وينبو عنه قول عمر ” فلو أمضيناه ” , فإنه ظاهر في أنه لم يكن مضى في ذلك العصر حتى رأى إمضاءه , وهو دليل وقوعه في عصر النبوة لكنه لم يمض فليس فيه أنه كان وقوع الثلاث دفعة نادرا في ذلك العصر .

انظر ” سبل السلام ” ( 2 / 252 – 254 ) وقال في آخر بحثه :

والأقرب أن هذا رأي من عمر ترجح له كما منع من متعة الحج وغيرها ، وكل أحدٍ يؤخذ من قوله ويترك غير رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكونه خالف ما كان على عهده صلى الله عليه وسلم فهو نظير متعة الحج بلا ريب ، والتكلفات في الأجوبة ليوافق ما ثبت في عصر النبوة لا يليق , فقد ثبت عن عمر اجتهادات يعسر تطبيقها على ذلك ، نعم إن أمكن التطبيق على وجه صحيح , فهو المراد . انتهى .

– وحديثهم الأول ضعفه الشيخ الألباني في ” ضعيف سنن النسائي ” ( 6 / 142 ) .

– وحديثهم الثاني ضعفه الإمامان أحمد والبخاري .

قال ابن القيم رحمه الله :

وهذا هو الحديث الذي ضعفه الإمام أحمد , والناس فإنه من رواية عبد الله بن علي بن السائب عن نافع بن عجير عن ركانة , ومن رواية الزبير بن سعيد عن عبد الله بن علي بن يزيد بن ركانة عن أبيه عن جده , وكلهم ضعفاء , والزبير أضعفهم , وضعف البخاري أيضا هذا الحديث , قال : علي بن يزيد بن ركانة عن أبيه لم يصح حديثه . ” شرح تهذيب سنن أبي داود ” ( 6 / 191 ) .

والصحيح : أن طلاق الثلاث في مجلس واحد أو بلفظ واحد أنه يقع واحدة ، وهو الذي ثبت في السنة الصحيحة – كما مرَّ في رواية مسلم – وأفتى به الأجلة من الصحابة فكان إجماعاً .

عن ابن عباس , قال : طلق ركانة بن عبد يزيد أخو بني المطلب امرأته ثلاثا في مجلس واحد , فحزن عليها حزنا شديدا , قال : فسأله رسول الله : كيف طلقتها ؟ قال : طلقتها ثلاثا , قال : فقال : في مجلس واحد ؟ قال : نعم , قال : فإنما تلك  واحدة , فأرجعها إن شئت , قال : فراجعها .

فكان ابن عباس يرى إنما الطلاق عند كل طهر , وقد صحح الإمام أحمد هذا الإسناد وحسنه .

قال ابن القيم :

والمقصود أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم يخف عليه أن هذا هو السنة , وأنه  توسعة من الله لعباده ; إذ جعل الطلاق مرة بعد مرة , وما كان مرة بعد مرة لم يملك المكلف إيقاع مراته كلها جملة واحدة كاللعان , فإنه لو قال : ” أشهد بالله أربع شهادات إني لمن الصادقين ” كان مرة واحدة , ولو حلف في القسامة وقال : ” أقسم بالله خمسين يمينا أن هذا قاتله ” كان ذلك يمينا واحدة , ولو قال المقر بالزنا : ” أنا أقر أربع مرات أني زنيت ” كان مرة واحدة ; فمن يعتبر الأربع لا يجعل ذلك إلا إقرارا واحدا , وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ” من قال في يومه سبحان الله وبحمده مائة مرة حطت عنه خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر ” فلو قال : ” سبحان الله وبحمده مائة مرة ” لم يحصل له هذا الثواب حتى يقولها مرة بعد مرة , وكذلك قوله : ” من سبح الله دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين , وحمده ثلاثا وثلاثين , وكبره ثلاثا وثلاثين ” الحديث ; لا يكون عاملا به حتى يقول ذلك مرة بعد مرة , ولا يجمع الكل بلفظ واحد , وكذلك قوله : ” من قال في يومه لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير مائة مرة كانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي ” لا يحصل هذا إلا بقولها مرة بعد مرة , وهكذا قوله : { يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات } ، وهكذا قوله في الحديث : ” الاستئذان ثلاث مرات , فإن أذن لك وإلا فارجع ” لو قال الرجل ثلاث مرات هكذا كانت مرة واحدة حتى يستأذن مرة بعد مرة , وهذا كما أنه في الأقوال والألفاظ فكذلك هو في الأفعال سواء , كقوله تعالى : { سنعذبهم مرتين } إنما هو مرة بعد مرة , وكذلك قول ابن عباس ” رأى محمد ربه بفؤاده مرتين ” إنما هو مرة بعد مرة , وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم : ” لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين ” .

فهذا المعقول من اللغة والعرف في الأحاديث المذكورة , وهذه النصوص المذكورة وقوله تعالى : { الطلاق مرتان } كلها من باب واحد ومشكاة واحدة , والأحاديث المذكورة تفسر المراد من قوله : { الطلاق مرتان } كما أن حديث اللعان تفسير لقوله لقوله تعالى : { فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله } .

فهذا كتاب الله , وهذه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم , وهذه لغة العرب , وهذا عرف التخاطب , وهذا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة كلهم معه في عصره وثلاث سنين من عصر عمر على هذا المذهب ; فلو عدهم العاد بأسمائهم واحدا واحدا لوجد أنهم كانوا يرون الثلاث واحدة إما بفتوى وإما بإقرار عليها , ولو فرض فيهم من لم يكن يرى ذلك فإنه لم يكن منكرا للفتوى به , بل كانوا ما بين مفت ومقر بفتيا وساكت غير منكر . وهذا حال كل صحابي من عهد الصديق إلى ثلاث سنين من خلافة عمر , وهم يزيدون على الألف قطعا كما ذكره يونس بن  بكير عن أبي إسحاق قال : حدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير قال : استشهد من المسلمين في وقعة اليمامة ألف ومائتا رجل منهم سبعون من القراء كلهم قد قرءوا القرآن , … وكل صحابي من لدن خلافة الصديق إلى ثلاث سنين من خلافة عمر كان على أن الثلاث واحدة فتوى أو إقرارا أو سكوتا , ولهذا ادعى بعض أهل العلم أن هذا إجماع قديم , ولم تجمع الأمة ولله الحمد على خلافه , بل لم يزل فيهم من يفتي به قرنا بعد قرن , وإلى يومنا هذا , فأفتى به حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس كما رواه حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس : ” إذا قال أنت طالق ثلاثا بفم واحدة فهي واحدة ” وأفتى أيضا بالثلاث , أفتى بهذا وهذا ، وأفتى بأنها واحدة الزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف , حكاه عنهما ابن وضاح , وعن علي رضي الله عنهه وابن مسعود روايتان كما عن ابن عباس , وأما التابعون فأفتى به عكرمة , رواه إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب عنه , وأفتى به طاوس , وأما تابعو التابعين فأفتى به محمد بن إسحاق , حكاه الإمام أحمد وغيره عنه , وأفتى به خلاس بن عمرو والحارث العكلي , وأما أتباع تابعي التابعين فأفتى به داود بن علي وأكثر أصحابه , حكاه عنهم أبو المفلس وابن حزم وغيرهما , وأفتى به بعض أصحاب مالك , حكاه التلمساني في شرح تفريع ابن الجلاب قولا لبعض المالكية . وأفتى به بعض الحنفية , حكاه أبو بكر الرازي عن محمد بن مقاتل , وأفتى به بعض أصحاب أحمد , حكاه شيخ الإسلام ابن تيمية عنه , قال : وكان الجد يفتي به أحيانا …

* والمقصود:

أن هذا القول قد دل عليه الكتاب والسنة والقياس والإجماع القديم , ولم  يأت بعده إجماع يبطله , ولكن رأى أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه أن الناس قد استهانوا بأمر الطلاق , وكثر منهم إيقاعه جملة واحدة ; فرأى من المصلحة عقوبتهم بإمضائه عليهم ; ليعلموا أن أحدهم إذا أوقعه جملة بانت منه المرأة وحرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره نكاح رغبة يراد للدوام لا نكاح تحليل , فإنه كان من أشد الناس فيه , فإذا علموا ذلك كفوا عن الطلاق المحرم , فرأى عمر أن هذا مصلحة لهم في زمانه ، ورأى أن ما كانوا عليه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعهد الصديق وصدرا من خلافته كان الأليق بهم ; لأنهم لم يتتابعوا فيه , وكانوا يتقون الله في الطلاق , وقد جعل الله لكل من اتقاه مخرجا , فلما تركوا تقوى الله وتلاعبوا بكتاب الله وطلقوا على غير ما شرعه الله ألزمهم بما التزموه عقوبة لهم ; فإن الله تعالى إنما شرع الطلاق مرة بعد مرة , ولم يشرعه كله مرة واحدة , فمن جمع الثلاث في مرة واحدة فقد تعدى حدود الله , وظلم نفسه , ولعب بكتاب الله , فهو حقيق أن يعاقب , ويلزم بما التزمه , ولا يقر على رخصة الله وسعته , وقد صعبها على نفسه , ولم يتق الله ولم يطلق كما أمره الله وشرعه له , بل استعجل فيما جعل الله له الأناة فيه رحمة منه وإحسانا , ولبس على نفسه واختار الأغلظ والأشد ; فهذا مما تغيرت به الفتوى لتغير الزمان , وعلم الصحابة رضي الله عنهم حسن سياسة عمر وتأديبه لرعيته في ذلك فوافقوه على ما ألزم به , وصرحوا لمن استفتاهم بذلك …

فليتدبر العالم الذي قصده معرفة الحق واتباعه من الشرع والقدر في قبول الصحابة هذه الرخصة والتيسير على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقواهم ربهم تبارك وتعالى في التطليق , فجرت عليهم رخصة الله وتيسيره شرعا وقدرا , فلما ركب الناس الأحموقة , وتركوا تقوى الله , ولبسوا على أنفسهم , وطلقوا على غير ما شرعه الله لهم , أجرى الله على لسان الخليفة الراشد والصحابة معه شرعا وقدر إلزامهم بذلك , وإنفاذه عليهم , وإبقاء الإصر الذي جعلوه هم في أعناقهم كما جعلوه , وهذه أسرار من أسرار الشرع والقدر لا تناسب عقول أبناء الزمن …

والذي ندين لله به ولا يسعنا غيره وهو القصد في هذا الباب أن الحديث إذا صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يصح عنه حديث آخر ينسخه أن الفرض علينا وعلى الأمة الأخذ بحديثه وترك كل ما خالفه , ولا نتركه لخلاف أحد من الناس كائنا من كان لا رواية ولا غيره ; إذ من الممكن أن ينسى الراوي الحديث , أو لا يحضره وقت الفتيا , أو لا يتفطن لدلالته على تلك المسألة , أو يتأول فيه تأويلا مرجوحا , أو يقوم في ظنه ما يعارضه ولا يكون معارضا في نفس الأمر , أو يقلد غيره في فتواه بخلافه لاعتقاده أنه أعلم منه وأنه إنما خالفه لما هو أقوى منه , ولو قدر انتفاء ذلك كله , ولا سبيل إلى العلم بانتفائه ولا ظنه , لم يكن الراوي معصوما , ولم توجب مخالفته لما رواه سقوط عدالته حتى تغلب سيئاته حسناته , وبخلاف هذا الحديث الواحد لا يحصل له ذلك . “إعلام الموقعين ” ( 3 / 32 – 38 ) باختصار .

وهذا الذي ذكرناه هو الذي يفتي به علماؤنا المحققون في هذا العصر ، وهو الذي يُعمل به في عامة الدول العربية والإسلامية .

سئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله – :

رجل طلق امرأته ثلاثاً بكلمة واحدة ، فما الحكم ؟ .

فأجاب :

إذا طلق الرجل امرأته بالثلاث بكلمة واحدة كأن يقول لها ” أنت طالق بالثلاث ” ، أو ” مطلقة بالثلاث ” فقد ذهب جمهور أهل العلم إلى أنها تقع بها الثلاث على المرأة ، وتحرم على زوجها بذلك حتى تنكح زوجاً غيره نكاح رغبة لا نكاح تحليل ، ويطأها ثم يفارقها بموت أو طلاق .

واحتجوا على ذلك بأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمضاها على الناس .

وذهب آخرون من أهل العلم إلى أنها تعتبر طلقة واحدة وله مراجعتها ما دامت في العدة فإن خرجت من العدة حلت له بنكاح جديد ، واحتجوا على ذلك بما ثبت في صحيح مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : ” كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهد أبي بكر رضي الله عنه وسنتين من خلافة عمر رضي الله عنه طلاق الثلاث واحدة ، فقال عمر : إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة ، فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم  ” ، وفي رواية أخرى لمسلم ” أن أبا الصهباء قال لابن عباس رضي الله عنهما : ألم تكن الثلاث تجعل واحدة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعهد أبي بكر رضي الله عنه وثلاث سنين من عهد عمر رضي الله عنه ؟ قال : بلى ” ، واحتجوا أيضاً بما رواه الإمام أحمد في المسند بسند جيد عن ابن عباس رضي الله عنهما أن أبا ركانة طلَّق امرأته ثلاثاً فحزن عليها فردها عليه النبي صلى الله عليه وسلم وقال إنها واحدة ” ، وحملوا هذا الحديث والذي قبله على الطلاق بالثلاث بكلمة واحدة جمعاً بين هذين الحديثين وبين قوله تعالى : { الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ } [ البقرة / 229 ] ، وقوله عز وجل : { فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } [ البقرة / 230 ] الآية .

وذهب إلى هذا القول : ابن عباس رضي الله عنهما في رواية صحيحة عنه ، وذهب إلى قول الأكثرين في الرواية الأخرى عنه ، ويروى القول بجعلها واحدة عن علي وعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام رضي الله عنهم جميعا .

وبه قال جماعة من التابعين ومحمد بن إسحاق صاحب السيرة وجمع من أهل العلم من المتقدمين والمتأخرين ، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم رحمة الله عليهما ، وهو الذي أفتى به ؛ لما في ذلك من العمل بالنصوص كلها ؛ ولما في ذلك أيضاً من رحمة المسلمين والرفق بهم . ” فتاوى إسلامية ” ( 3 / 271 ، 272 ) .

وفي فوائد آية { الطلاق مرتان … } قال الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله – :

ومنها : الإشارة إلى أن الطلاق المكرر بلفظ واحد ليس بطلاق ؛ بمعنى أنه لا يتكرر به الطلاق ؛ لأن قوله تعالى : { الطلاق مرتان } وصف يجب أن يكون معتبراً ؛ فإذا طلقت امرأتك فقلت : ” أنت طالق ” : فقد طلقت ؛ فإذا قلت ثانية : ” أنت طالق ” فكيف تورد طلاقاً على مطلقة ؛ لأن الطلاق لا يرد إلا على من كانت غير مطلقة حتى يقال : طلقت ؛ وهنا قال تعالى : { الطلاق مرتان } ؛ ولهذا قال الفقهاء – رحمهم الله – : لو أن الرجل طلق امرأته ، وحاضت مرتين ، ثم طلقها بعد الحيضة الثانية لا تستأنف عدة جديدة للطلقة الثانية ؛ بل تبني على ما مضى ؛ وإذا حاضت الثالثة ، وطهرت انقضت عدتها ؛ لأن الطلاق الثاني ليس له عدة ؛ وهذا مما يؤيد اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية : أن الطلاق المكرر لا عبرة به إلا أن يصادف زوجة غير مطلقة ؛ ولأن الله سبحانه وتعالى قال : { فطلقوهن لعدتهن } ؛ والفقهاء الذين خالفوا في ذلك يقولون : إنه إذا كرر الطلاق في المرة الثانية لا تستأنف العدة ؛ فإذاً هي مطلقة لغير عدة فلا يقع الطلاق ؛ لأنه سيكون على خلاف ما أمر الله به ؛ وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ” من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد ” ، وقد قال شيخنا – أي : الشيخ ابن باز – عن اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية : ” إن من تأمله تبين له أنه لا يسوغ القول بخلافه ” ؛ لأنك إذا تأملت كلامه في أنه لا يقع طلاق على طلاق ، وأنه لا يتكرر إلا على زوجة غير مطلقة فلا يمكن أن يتكرر الطلاق إلا إذا راجعها ، أو عقد عليها عقداً جديداً ؛ وهذا القول هو الراجح ؛ وهو الذي أفتي به ؛ وهو أنه لا طلاق على طلاق حتى لو قال ألف مرة : ” أنت طالق ” ؛ فليس إلا مرة واحدة فقط ؛ ويدل على هذا قول تعالى : { الطلاق مرتان } أي : مرة بعد مرة ؛ فلا بد أن يقع على زوجة غير مطلقة . ” تفسير القرآن الكريم ” ( 3 / 110 ، 111 ) .

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة