كتب الشيخ غالب الساقي حفظه الله :
أجمعت الأمة على أن من أنكر حرفا من القرآن الكريم يكون كافرا ومع ذلك عندما أنكر ابن مسعود رضي الله عنه أن المعوذتين من المصحف عذرته الأمة ولم تكفره ولم تفسقه ولم تبدعه ٠ وهذا دليل قاطع على أن التكفير العام الذي يتمسك به الحدادية لا يستلزم تكفير المعين حتى تتوفر فيه شروط التكفير وتنتفي عنه موانعه ٠
انتهى
فعلقت على كلامه بقولي:
موقف عبد الله بن مسعود رضي الله عنه بحك المعوذتين كان متعلقا بمصحفه الشخصي وبما بلغه من العلم في مرحلة “الصحف” وقبل استقرار “المصحف الإمام”.
هو لم ينكر شيئا من المصحف العثماني الذي أجمعت عليه الأمة لاحقا، بل إن استقرار الإجماع على المصحف الإمام جعل الأمة قاطبة -بمن فيهم ابن مسعود- تلغي المصاحف الشخصية وتعتمد العرضة الأخيرة المكتوبة في المصحف الإمام.
هذا التحرير يدفع اللبس بالكلية؛ لأن رتبة الإجماع بعد صدور المصحف الإمام أصبحت قطعية لا يسوغ معها خلاف، بخلاف المرحلة التي سبقتها حيث كان الصحابي معذورا بالتأويل وبناء الحكم على ما بلغه من الوحي في كتابته الشخصية قبل حصول التواتر والإجماع العام.
انتهى
فعلق الأخ “هادي طلفاح” على تعليقي فقال:
هذا ما نحتج به على إعذار المتأولين، أن ابن مسعود رضي الله عنه لم يتحقق عنده الإجماع على كون المعوذتين من المصحف وإلا لسلم بالإجماع، كذلك المتأولين(كذا) عندهم شبهات عقلية ونقلية ولم يتحقق عندهم الإجماع على المسألة التي يتأولونها بعينها وإلا لم يتأولوها لأن الإجماع حجة عندهم، فتعليقك لا ينفي الاستدلال يا شيخ بل يؤكده.
انتهى
وتعليقي عليه :
الحمد لله
هذا القياس فاسد، والاستدلال به على إعذار المتأولين باطل قَطْعًا، وبيان ذلك من وجوه:
الوجه الأول:
أن الخلاف مع ابن مسعود رضي الله عنه كان في “ثبوت” كون المعوذتين من القرآن المكتوب في المصحف، وليس في “تأويل” النص الثابت.
هو -رضي الله عنه- لم يعارض النص بعقله، ولم يحرف معناه، بل ظن أنهما مجرد دعاء وتعويذ كان النبي صلى الله عليه وسلم يعوذ بهما الحسن والحسين، فلما تبين له التواتر وإجماع الصحابة رجع إليه ووافقهم.
أما المتأولون فهم يقرون بثبوت النص، لكنهم يحرفون معناه الظاهر إلى معان باطنية بناء على شبهات عقلية وفلسفية.
الوجه الثاني:
أن إعذار من خفي عليه الدليل أو الإجماع في مسألة علمية قبل أن تبلغه الحجة شيء، والإصرار على منهجية كلية تعارض الوحي بالعقل وتخالف إجماع السلف الصالح شيء آخر تَمَامًا.
المتأولون -المحرّفون- للصفات لا يقفون عند مجرد الجهل بمسألة، بل يؤسسون قواعد كلامية ترد النصوص، ويستمرون عليها جِيلًا بعد جيل، ويردون فهم الصحابة عَمْدًا.
الوجه الثالث:
إجماع الصحابة والتابعين على إثبات الصفات وإمرارها كما جاءت معلوم بالضرورة لكل من طالع كتب السنة، ولم يجهل المتأولون هذا الإجماع، بل طعنوا فيه أو زعموا أن العقل يقضي بخلافه، وهذا مشاقة لسبيل المؤمنين، كما قال الله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} النساء/ ١١٥.
الوجه الرابع:
أن الأصل في الدين الاتباع وترك الابتداع، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: “تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْمَحَجَّةِ الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا، لَا يَزِيغُ عَنْهَا إِلَّا هَالِكٌ” رواه ابن ماجه.
وأهل التأويل -التحريف- فارقوا المحجة البيضاء في باب الأسماء والصفات، وقدموا عقولهم على النقل.
فالفرق شاسع جِدًّا بين زلة عالم أو شبهة عرضت لصحابي في مسألة ثبوتية قبل استقرار الإجماع -ورجوعه للحق فور بلوغه-، وبين طوائف تبني عقائدها على أصول فاسدة، وتجعل التأويل والتحريف دِينًا تدين الله به وتوالي وتعادي عليه.
والله أعلم

✍️كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي
٢٨ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ – ١٤ حزيران ٢٠٢٦ م

