الرئيسية بلوق الصفحة 94

مخاطبة الجمادات والحيوانات هل هو من الشرك؟ وحكم الانحناء

مخاطبة الجمادات والحيوانات هل هو من الشرك؟ وحكم الانحناء

السؤال:

أبلغ من العمر 19 عاما، وأنا ضحية لقلق وضيق شديدين بسبب شكوكي المعلقة بالشرك، أحاول جاهدا أن أجد الشعور بالإيمان، لكني لا أزال غير قادر على إقناع نفسي أني على طريق التوحيد، سؤالي طويل، ولا يمكنني طرحه بصيغة مختصرة، لذلك فأنا أرجو منك أن تصبر على طرحي لهذا السؤال، فجوابك هام جدا على حياتي كمؤمن.

أولا: ما هو معنى “نداء (أو ربما دعاء) غير الله”؟ لقد سمعت كثيرين يخاطبون كائنات حية وأخرى غير حية. العديد منا عندما يجدون صعوبة في فتح شيء ما، كباب مثلا، أو غطاء لقنينة، فإنهم يقولون “افتح” وهم في حالة من الغضب لإخفاقهم في فتحه، مع أننا لا نعني أن نقول ذلك حقا. وقد سمعت شخصا كان أقاربه في مدينة أخرى، وكان يفتقدهم، فقال: “أنا أفتقدكم كثيرًا، أخبروني، ماذا أفعل؟”. كما أن هناك الكثير من الأشعار الخاصة بالصغار والتي تصور وكأن الواحد يستطيع التحدث إلى الطيور والحيوانات، مثل: “تعال يا عصفور، اشرب ماءك، ثم طر عاليا في الهواء”، أو “اذهب أيها الطائر، وانقل هذه الرسالة إلى والديّ”. وفي بعض الأحيان فإن الناس يصورون الجمادات وكأنها بشر ليسهل عليهم التعبير عما يريدون إيصاله، فعندما يكون هناك طقس جميل، فإنهم يقولون: “حتى السحب تخبرنا أن نخرج ونتناول طعامنا خارج المنزل” أو “نَفَسك كان كريها لدرجة أن الميكروفون شعر بالإنهاك وطلب المساعدة” وأيضا، “حتى الرياح خافت منك، وبدأت تنفخ من الشرق في اتجاه الغرب”. هل كل ما ورد هو من نداء غير الله؟ وما هو المقصود بنداء غير الله؟ ومتي يكون في نداء غير الله شركا؟ أرجو أن تحل (تعلق على) الأمثلة التي أوردتها أعلاه وأنت تجيب على السؤال.

ثانيا، فإن أمر شرك الاحترام (أو التقدير) يحيرني كثيرًا، فعندنا عادة بين أقاربنا أن ينحني الصغير قليلا أمام الكبار، ويقوم الكبار حينها بوضع أيديهم على رؤوس الصغار تعبيرًا عن المحبة، لكن الصغار لا ينحنون كما ينحني المسلم في ركوعه، لقد رأيت تقريبا كل الناس، حتى … انقطع النص – المترجم.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا ينبغي للمسلم أن يستسلم للشكوك ولا أن يسترسل معها، فإن هذا هو السبب في قلقه واضطرابه، وعليه أن يقوي إيمانه ويحسن توكله على ربه تعالى حتى يزول ما عنده من شكوك.

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي:

ومتى اعتمد القلب على الله، وتوكل عليه، ولم يستسلم للأوهام ولا ملكته الخيالات السيئة، ووثق بالله وطمع في فضله، اندفعت عنه بذلك الهموم والغموم، وزالت عنه كثير من الأسقام القلبية والبدنية، وحصل للقلب من القوة والانشراح والسرور ما لا يمكن التعبير عنه، والمعافى من عافاه الله ووفقه لجهاد نفسه لتحصيل الأسباب النافعة المقوية للقلب، الدافعة لقلقه، قال تعالى  { ومن يتوكل على الله فهو حسبه } أي: كافيه جميع ما يهمه من أمر دينه ودنياه.

فالمتوكل على الله قوي القلب لا تؤثر فيه الأوهام، ولا تزعجه الحوادث لعلمه أن ذلك من ضعف النفس ومن الخور والخوف الذي لا حقيقة له، ويعلم مع ذلك أن الله قد تكفل لمن توكل عليه بالكفاية التامة، فيثق بالله ويطمئن لوعده، فيزول همه وقلقه، ويتبدل عسره يسرًا، وترحه فرحًا، وخوفه أمنًا، فنسأله تعالى العافية وأن يتفضل علينا بقوة القلب وثباته بالتوكل الكامل الذي تكفل الله لأهله بكل خير، ودفع كل مكروه وضير.

” الوسائل المفيدة للحياة السعيدة ”  ( ص 12 ، 13 ).

 

ثانيًا:

ومن الشكوك التي يعانيها الأخ السائل ظنه أن الخطاب غير المقصود في ألفاظ الناس هي نفسها التي توقع صاحبها في الشرك وهذا الثاني هو ما يفعله المشركون في دعائهم وندائهم للأموات أو الجمادات يطلبون منهم كشف الضر وجلب النفع.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وهذا ونحوه مما يبين أنَّ الذين يدعون الأنبياء والصالحين بعد موتهم عند قبورهم وغير قبورهم هم من المشركين الذين يدعون غير الله، كالذين يدعون الكواكب والذين اتخذوا الملائكة والنَّبيّين أربابًا.

قال الله تعالى: { مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ.وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } [ آل عمران / 79 – 80].

وقال تعالى: { قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا.أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا } [ الإسراء / 56 – 57 ] …..

ومثل هذا كثيرٌ في القرآن، ينهى أنْ يُدعى غيرُ الله لا مِن الملائكة ولا الأنبياء ولا غيرهم، فإنَّ هذا شركٌ أو ذريعةٌ إلى الشرك، بخلاف ما يُطلب مِن أحدهم في حياته من الدعاء والشفاعة، فإنَّه لا يفضي إلى ذلك، فإنَّ أحـدًا من الأنبياء والصالحين لم يُعبد في حياته بحضرته، فإنَّه ينهى من يفعل ذلك بخلاف دعائهم بعد موتهم، فإنَّ ذلك ذريعة إلى الشرك بهم، وكذلك دعاؤهم في مغيبهم هو ذريعةٌ إلى الشرك…

فإنَّ الغائبَ والميتَ لا يَنهى مَن يشرك، بل إذا تعلقت القلوبُ بدعائه وشفاعته أفضى ذلك إلى الشرك به فدعي وقصد مكان قبره أو تمثاله أو غير ذلك كما قد وقع فيه المشركون ومن ضاهاهم من أهل الكتاب ومبتدعة المسلمين…

” مجموع الفتاوى ” ( 1 / 178-179 )، وانظر ( 1 / 312 و 1 / 69 – 70 و  1 / 294 ).

وأما نقله الأخ السائل من عبارات: فإنها كلها لا تدل على المحذور الذي نذكره هنا؛ وذلك أن أصحابها لم يقصدوا النداء ولا المخاطبة، وإنما هو أسلوب من أساليب اللغة العربية، والمقصود منها يعلمه السامع ويعلمه المتكلم قبله، ومنه:

  1. عن عمر رضي الله عنه أنه جاء إلى الحجر الأسود فقبَّله فقا: إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع, ولولا أنِّي رأيت النَّبي صلى الله عليه وسلم يقبُّلك ما قبلتك.

رواه البخاري ( 1520 ) ومسلم ( 1270 ).

  1. ما يروى عن هارون الرشيد أنه كان يستلقي على قفاه وينظر الى السحابة الحاملة للمطر ويقول ” اذهبي إلى حيث شئتِ يأتيني خراجك “.

وأصحاب هذه العبارات لهم مقصود معلوم ومنه: أن يكون حديث نفس لكنه يخرجه على لسانه، ومنه: أن يكون رسالة يريد توجيهها وإسماعها لمن حوله، ولا يعني هذا أنه لا يمكن مخاطبة الجمادات، بل قد خاطبها نبي الله داود عليه السلام، وهي لها شعور وإرادة وهي تسبح الله تعالى، لكن المقصود أنها لا تفقه كلامنا ولا نسمع تسبيحها، وبالتالي فإن المخاطِب لها لا يقصد إسماعها ولا ينتظر جوابها.

 

ثالثًا:

أما الركوع والانحناء فلا يحل عند ملاقاة أحد لا عند عالِم ولا غيره.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:

وأما الانحناء عند التحية: فينهى عنه كما في الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم ” أنهم سألوه عن الرجل يلقى أخاه ينحنى له؟ قال: لا “؛ ولأن الركوع والسجود لا يجوز فعله إلا لله عز وجل وإن كان هذا على وجه التحية في غير شريعتنا كما في قصة يوسف { وخروا له سجَّدًا وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل } وفي شريعتنا لا يصلح السجود إلا لله، بل قد تقدم نهيه عن القيام كما يفعله الأعاجم بعضها لبعض فكيف بالركوع والسجود؟ وكذلك ما هو ركوع ناقص   يدخل في النهي عنه. ” مجموع الفتاوى ” ( 1 / 377 ).

وقال:

وأما وضع الرأس عند الكبراء من الشيوخ وغيرهم أو تقبيل الأرض ونحو ذلك: فإنه مما لا نزاع فيه بين الأئمة في النهى عنه، بل مجرد الانحناء بالظهر لغير الله عز وجل منهي عنه، ففي المسند وغيره أن معاذ بن جبل رضى الله عنه لما رجع من الشام سجد للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: ما هذا يا معاذ؟ فقال: يا رسول الله رأيتهم في الشام يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم ويذكرون ذلك عن أنبيائهم، فقال: كذبوا يا معاذ لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحدٍ لأمرتُ المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها، يا معاذ أرأيتَ إن مررت بقبري أكنتَ ساجدًا؟ قال: لا، قال: لا تفعل هذا ” أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم …

وبالجملة: فالقيام والقعود والركوع والسجود حق للواحد المعبود خالق السموات والأرض وما كان حقًّا خالِصًا لله لم يكن لغيره فيه نصيب مثل الحلف بغير الله عز وجل.

” مجموع الفتاوى ” ( 27 / 92 ، 93 ).

وقال علماء اللجنة الدائمة:

لا يجوز الانحناء عند السلام و لا خلع النعلين له.

وقالوا:

لا يجوز الانحناء تحيةً للمسلم ولا للكافر، لا بالجزء الأعلى من البدن ولا بالرأس؛ لأن الانحناء تحية عبادة، والعبادة لا تكون إلا لله وحده.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 1 / 233 ، 234 ).

 

والله أعلم.

 

هل اسم ” رحمة أنوار ” مقبول؟

هل اسم ” رحمة أنوار ” مقبول؟

السؤال:

رزقت بابنة سميتها ” رحمة أنوار “، في اعتقادي أن معناه ” نور النعم ” أو ” أمطار النعم “، أود توجيههم بخصوص هذا الاسم ومعناه، بارك الله فيكم.

 

الجواب:

الحمد لله

سبق أن ذكرنا في السؤال رقم ( 7180 ) آداب تسمية الأبناء، وفيه قواعد مهمة يرجى مراجعته، وعليك حسن الاختيار في التسمية لأبنائك وبناتك.

ومن الأشياء التي ينبغي الاهتمام بها أن يكون الاسم ذا معنى شرعي أو سليم من التشبه بالكفار أو البهائم أو غيرها مما لا يليق بالمسلم التسمية به.

* قال ابن القيم: لما كانت الأسماء قوالب للمعاني ودالة عليها اقتضت الحكمة أن يكون بينها وبينها ارتباط وتناسب، وأن لا يكون المعنى معها بمنزلة الأجنبي المحض الذي لا تعلق له بها؛ فإن حكمة الحكيم تأبى ذلك والواقع يشهد بخلافه، بل للأسماء تأثير في المسميات، وللمسميات تأثر عن أسمائها في الحسن والقبح والخفة والثقل واللطافة والكثافة كما قيل:

وقلما أبصرت عيناك ذا لقب    إلا ومعناه إن فكرت في لقبه

” زاد المعاد ” ( 2 / 336 ).

والملاحظ أن الاسم المسئول عنه لا معنى له أو له معنى مختلف فيه، فكيف سيكون شعور هذه البنت عندما تسألها صاحباتها عن اسمها ومعناه؟

أضف إلى ذلك أنه من الأسماء المركبة والتي أقل ما يقال فيها إنها مكروهة.

* قال الشيخ بكر أبو زيد:

وتكره التسمية بالأسماء المركبة، مثل: محمد أحمد، محمد سعيد، فأحمد مثلًا فهو الاسم، محمد للتبرك … وهكذا.

وهي مدعاة إلى الاشتباه والالتباس، ولذا لم تكن معروفة في هدي السلف، وهي من تسميات القرون المتأخرة، كما سبقت الإشارة إليه.

ويلحق بها المضافة إلى لفظ الجلالة ( الله )، مثل: حسب الله، رحمة الله، جبره الله، حاشا: عبد الله، فهو من أحب الأسماء إلى الله.

أو المضافة إلى لفظ الرسول، مثل: حسب الرسول، وغلام الرسول … وبيَّنتها في: ” معجم المناهي “، و” تغريب الألقاب “.  ” تسمية المولود ” ( ص 22، 23 ).

وعليه: فننصح بعد تسمية مثل هذه الأسماء، فإن فعل فليغيره إلى ما هو أفضل منه كما كان هديه صلى الله عليه وسلم.

 

والله أعلم.

إلى ماذا يرمز الشعار المثمن ذو الثمان حواف في الإسلام؟

إلى ماذا يرمز الشعار المثمن ذو الثمان حواف في الإسلام؟

السؤال:

سؤالي يتعلق بالشعار الذي لاحظت أنه يظهر على الكثير من المواضيع (والبنود) الإسلامية، هذا الشعار مثمن الشكل وله ثماني حواف، وكنت أتساءل عن معناه، إن كان له معنى، كما أرجو أن تقدم لنا أي معلومات حول الموضوع.

 

الجواب:

الحمد لله

 

لا نعلم عن أصل هذا الشعار شيئًا، وهو من الزخارف المشهورة، ولا نظن أن له علاقة بشيءٍ من أمور الشرع.

 

والله أعلم.

 

 

كيف يجمع بين قوة إسرائيل وقرب قيام الساعة؟

كيف يجمع بين قوة إسرائيل وقرب قيام الساعة؟

السؤال:

قال النبي صلى الله عليه وسلم أن العلامات (أشراط الساعة) سوف تقع بسرعة، وأنه عليه السلام هو أول تلك العلامات … لكن ما الذي يحدث الآن؟  كيف يمكن أن تكون إسرائيل قوية إلى هذا الحد في الأرض؟

 

الجواب:

الحمد لله

أشراط الساعة ليست كلها على درجة واحدة، بل منها الصغرى ومنها الكبرى، والكبرى هي التي إذا ظهرت الأولى منها تعاقبت الذي بعدها، أما الصغرى فإن ما بين ظهور أولها وآخرها زمان كبير، وبعثة النبي صلى الله عليه وسلم هي من علامات الساعة الصغرى لا الكبرى.

عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” بعثت أنا والساعة كهاتين “، قال: وضم السبابة والوسطى. رواه البخاري ( 6139 ) ومسلم ( 2951 ).

* قال القرطبي:

أول أشراط الساعة: النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه نبي آخر الزمان، وقد بُعث وليس بينه وبين القيامة نبي. ” التذكرة ” ( ص 111 ).

وأما قوة إسرائيل فهو أمر حصل لهم بقدر الله تعالى.

قال تعالى: { ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس } [ آل عمران / 112 ].

وإمداد الله لهم وإمهالهم ليأخذهم بقوة وشدة.

عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، قال: ثم قرأ { وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد}. رواه البخاري ( 4409 ) ومسلم ( 2583 ).

وفي زمان المهدي وعيسى عليه السلام يتم انتصار المسلمين على اليهود.

فقد ثبت أنه بينما إمام المسلمين ” المهدي ” قد تقدم ليصلي بهم الصبح، إذ نزل عليهم عيسى بن مريم الصبح، فرجع الإمام يمشي القَهقَرى ليتقدم عيسى، فيضع عيسى يده بين كتفيه، ثم يقول له: تقدم فصل، فإنها لك أقيمت، فيصلي بهم إمامهم، فإذا انصرف، قال عيسى: افتحوا الباب فيفتحون ووراءه الدجال، معه سبعون ألف يهودي، كلهم ذو سيف محلى وساج، فإذا نظر إليه الدجال ذاب كما يذوب الملح في الماء، وينطلق هاربًا فيدركه عند باب لُدّ الشرقي، فيقتله، فيهزم الله اليهود، فلا يبقى شيء مما خلق الله عز وجل يتواقى به يهودي، إلا أنطق الله ذلك الشيء، لا حجر ولا شجر ولا حائط ولا دابة، إلا شجر الغرقد فإنها من شجرهم لا تنطق إلا قال: يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي فتعال اقتله.

فإذا أراد المسلمون القضاء على اليهود وعموم الكفرة فلا بدَّ لهم من الرجوع إلى الله تعالى ونصرة دينه حتى ينصرهم الله عز وجل، فاليهود أذل وأرذل مما يُتصور لكنه استقووا في غياب المسلمين وخذلان حكامهم لهم وللإسلام.

 

والله أعلم.

 

 

يخاف على نفسه ودينه الفتنة فهل يترك بلاده إلى غيرها حفاظا عليهما؟

يخاف على نفسه ودينه الفتنة فهل يترك بلاده إلى غيرها حفاظا عليهما؟

السؤال:

أحبتي في الله

والله إن فلسطين هي أحب إليَّ من كل شيء حتى إنني سجنت عند اليهود ثلاث سنوات ونصف من أجلها، ولكن – أخي الكريم – إن الحملات الأجنبية واليهودية ضد الشاب الفلسطيني قد بلغت أوجها، من تشويه للمقاومة وسمعتها، وبث الأفلام الساقطة لإسقاط الشاب الذي يرون فيه الخير، وكثرة الاعتقال الظالم من قبل اليهود والسلطة الفلسطينية بالضفة، والتضييق في الرزق، والتعرض للتحقيق من فترة إلى أخرى، والله – يا أخي – صرت أخاف أن أتكلم مع أصحابي الصالحين لأن ذلك يعرض للسجن الأكيد، وأنا أقصد شباب المسجد الذين يدلونني على الخير، ونتج عن ذلك أني في ظل هذه الفتنة أخاف على ديني – كثيرا – من الضياع، وأخاف أن أموت وأنا مفتون في ديني، ففكرت بالسفر إلى دولة أحفظ بها ديني، والمشكلة الكبيرة لدي هي أنني كثيرا ما أطلب الزواج، فعمري الآن ( 23,5 عاما )، ولكن التضييق الذي نعاني منه في الرزق لا يمكِّنني من الزواج، فمقابل عدم التضييق يريدونك أن تكون خائناً لدينك وأهلك، وهذا من المستحيلات السبع، فهل يحل لي السفر من فلسطين – وهي أرض الرباط – إذا كنت أخاف على ديني من الفتنة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

مَن كان يقيم في بلد لا يستطيع إظهار شعائر دينه أو يخشى على نفسه من الفتنة في دينه ويتيسر له الذهاب إلى بلد آخر يستطيع إظهار شعائر دينه ويأمن فيه من الفتنة: فيجب عليه الانتقال إليه ولا يحل له البقاء في بلده الذي يقيم فيه؛ قال تعالى ( إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا. إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا . فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا . وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا )  النساء/ 97 – 100.

 

 

قال القرطبي – رحمه الله -:

وفي هذه الآية دليل على هجران الأرض التي يُعمل فيها بالمعاصي، وقال سعيد بن جبير: إذا عُمل بالمعاصي في أرض فاخرج منها، وتلا ( أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ). ” تفسير القرطبي ” ( 5 / 346 ، 347 ).

والهجرة من البلاد التي يخاف المسلم فيها على دينه لا تزال مستمرة، وستبقى إلى قيام الساعة.

عَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ ( لاَ تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ وَلاَ تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا ). رواه أبو داود (2479 ) وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

قال أبو الحسن المباركفوري – رحمه الله -:

وقال الطِّيبي: لم يُرد بها الهجرة من مكة إلى المدينة؛ لأنها انقطعت، ولا الهجرة من الذنوب والخطايا كما ورد ( المهاجر من هجر الذنوب والخطايا )؛ لأنها عين التوبة، فليزم التكرار، فيجب أن يُحمل على الهجرة من مقام لا يتمكن فيه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة حدود الله، فتدبر.

” مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ” ( 8 / 48 ).

وينطبق عليك – أخي السائل – فتوى شيخ الإسلام ابن تيمية فِي ” ماردين ” – وهي بلدة إسلامية تقع فِي جنوب شرق ” تركيا ” كانت تُحكم بالإسلام ثم حكمهم التتار بغير الإسلام – حيث سئل – رحمه الله – فِي بلدة ” ماردين ” هل يجب على المسلم المقيم بِها الهجرة إلَى بلاد الإسلام أم لا؟ وإذا وجبت عليه الهجرة ولَمْ يهاجر وساعد أعداء المسلمين بنفسه أو ماله هل يأثم فِي ذلك؟.

فأجاب:

الحمد لله، دماء المسلمين وأموالهم مُحرمة حيث كانوا فِي ” ماردين ” أو غيرها، وإعانة الخارجين عن شريعة دين الإسلام مُحرمة، سواء كانوا أهل ” ماردين أو غيرهم “، والمقيم بِها إن كان عاجزاً عن إقامة دينه : وجبت الهجرة عليه، وإلا استحبت ولَمْ تَجب … . ” مجموع الفتاوى ” ( 28 / 240 ) مختصرا.

وقد ثبت في السيرة النبوية الشريفة أمْر النبي صلى الله عليه وسلم لطائفة من أصحابه بالهجرة إلى ” الحبشة “، كما هاجرت طائفة أخرى من أصحابه إلى المدينة النبوية تاركين خير بقاع الأرض وهي مكة المكرمة لما اشتدَّ عليهم المشركون بالعذاب وخافوا على دينهم، ولا فرق في الشرع المطهر بين بلد وأخرى من حيث المنع من البقاء فيه لمن خاف على دينه أو نفسه من الفتنة إذا كان يتيسر له الذهاب إلى بلد آخر أفضل منه لدينه، ومن لا يتيسر له مغادرة بلده أو لا يتيسر له بلد آخر أفضل منه : فليتق الله ربَّه، وليجاهد نفسه وهواه، وليحرص على الصحبة الصالحة التي تعينه على التمسك بدينه والإعانة على طاعة ربه.

وفي كثير من الأحيان قد يتعين على المسلم البقاء لحماية عرضه وأهله وعدم تركهم لقمة سائغة لشياطين الجن والإنس، وخاصة إذا أمكنه مقاومة الفتنة والشهوة بمزيد من الطاعة ومزيد من المشقة في حفظ النفس من الشهوة المحرمة بالزواج الحلال.

فعليك – أخي السائل- أن تعيد حساباتك مع نفسك، وأن تشاور العقلاء من أهل بيتك، وزن الأمور بالقسطاس المستقيم، ولا تغلِّب جانب هوى النفس وحب الذات على الحق والصواب والعدل من القرار الذي ستتخذه، ورأس مالك هو دينك فإن كان لا يمكنك المحافظة عليه إلا بالانتقال إلى بلد يكون فيه ذلك : فافعله، وإن أمكنك المحافظة عليه وأنت في بلدك وبين أهلك : فلا تفرط في ذلك، والله يسددك ويرعاك.

ونسأل الله تعالى أن يحفظ عليك دينك، وأن يفرِّج عن إخواننا في فلسطين، وأن يُخرج منها المغتصبين خائبين ذليلين عاجلاً غير آجل.

 

والله أعلم.

 

هل يؤذّنون للصلاة في مصلّى الجامعة؟

هل يؤذّنون للصلاة في مصلّى الجامعة؟

السؤال:

هل الأذان واجب؟ نحن طلبة كلية ونصلي في مصلى فهل يجب أن نؤذن قبل الصلاة ونحن نسمع الأذان من مساجد أخرى؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الأذان لغةً: الإعلام، قال الله تعالى: { وأذن في الناس بالحج } [ الحج  / 27 ]، أي: أعلمهم به.

وشرعًا: التعبد لله بالإعلام بوقت الصلاة المفروضة، بألفاظ معلومة مأثورة، على صفة مخصوصة.

 

ثانيًا:

اتفق الفقهاء على أن الأذان من خصائص الإسلام وشعائره الظاهرة، وأنه لو اتفق أهل بلد على تركه قوتلوا.

ولكنهم اختلفوا في حكمه، فقيل: إنه فرض كفاية:

وهو الصحيح عند كل من الحنابلة في الحضر والمالكية على أهل المصر، واستظهره بعض  المالكية في مساجد الجماعات، وهو رأي للشافعية ورواية عن الإمام أحمد، وهو قول لبعض الحنفية.

ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية، ومن المتأخرين: الشوكاني، ومن المعاصرين: الشيخ ابن عثيمين والشيخ الألباني وغيرهما.

وقيل: إنه سنة مؤكدة:

وهو الراجح عند الحنفية، والأصح عند الشافعية  وبه قال بعض المالكية للجماعة التي تنتظر آخرين ليشاركوهم في الصلاة، وفي السفر على الصحيح عند الحنابلة، ومطلقا في رواية عن الإمام أحمد، وهي التي مشى عليها الخرقي.

والصواب من القولين: القول بفرضيته على الكفاية، وأنه لا فرق بين السفر والحضر، ولا فرق بين أهل البادية والحضر، ولا فرق بين الأذان في البيت أو في المسجد.

قال الشيخ ابن عثيمين:

والدليل على فرضيتهما – أي: الأذان والإقامة -: أمْر النبي صلى الله عليه وسلم بهما في عدة أحاديث، وملازمته لهما في الحضر والسفر، ولأنه لا يتم العلم بالوقت إلا بهما غالبًا، ولتعين المصلحة بهما؛ لأنهما من شعائر الإسلام الظاهرة. ” الشرح الممتع ” ( 2 / 38 ).

 

وعلى ذلك دلَّت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومنها:

  1. الأذان في الحضر.

عن مالك بن الحويرث قال أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن شببة متقاربون فأقمنا عنده عشرين ليلة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم رحيما رفيقا فظن أنا قد اشتقنا إلى أهلنا فسألنا عمن تركناه من أهلنا فأخبرناه، فقال: ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا عندهم وعلموهم ومروهم إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم. رواه البخاري ( 602 ) ومسلم ( 674 ). وفي رواية للبخاري ( 604 ): ” إذا أنتما خرجتما فأذنا ثم أقيما ثم ليؤمكما أكبركما “.

قال النووي:

فيه: أن الأذان والجماعة مشروعان للمسافرين، وفيه: الحث على المحافظة على الأذان في الحضر والسفر. ” شرح مسلم ” ( 5 / 175 ).

وظاهر هذه الرواية أن الأذان بعد أن يصلوا إلى أهليهم، ويدل عليه قوله: ” فأقيموا عندهم وعلموهم .. “، وفي الرواية الأخرى ” إذا أنتما حرجتما ” ولا تعارض بينهما، فإن الأمر بالأذان لهما بعد الخروج من المدينة في طريق السفر، وبعد الوصول إلى أهليهم.

قال الحافظ ابن حجر:

قوله: ” فإذا حضرت الصلاة “: وجه مطابقته للترجمة مع أن ظاهره يخالفها لقوله: ” فكونوا فيهم وعلموهم فإذا حضرت “: فظاهره أن ذلك بعد وصولهم إلى أهلهم وتعليمهم، لكن المصنف أشار إلى الرواية الآتية في الباب الذي بعد هذا فإن فيها ” إذ أنتما خرجتما فأذنا ” ولا تعارض بينهما. ” فتح الباري ” ( 2 / 110 ، 111 ).

  1. الأذان في السفر.

عن مالك بن الحويرث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” إذا حضرت الصلاة فأذنا وأقيما ثم ليؤمكما أكبركما “. رواه البخاري ( 604 ) ومسلم ( 674 ).

وفي رواية: عن مالك بن الحويرث قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وابن عم لي فقال: ” إذا سافرتما فأذِّنا وأقيما وليؤمكما أكبركما “. رواه الترمذي ( 205 ) والنسائي (634). والحديث: صححه الشيخ الألباني في ” إرواء الغليل ” ( 1 / 230 ).

وعن نافع قال: أذَّن ابن عمر في ليلة باردة بضجنان ثم قال: صلوا في رحالكم فأخبرنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر مؤذنًا يؤذن ثم يقول على إثره ” ألا صلوا في الرحال ” في الليلة الباردة أو المطيرة في السفر. رواه البخاري ( 606 ) ومسلم ( 679 ).

– والحديث: بوب عليه البخاري: الأذان للمسافر إذا كانوا جماعة والإقامة كذلك.

  1. الأذان في البيوت.

عن أم ورقة بنت عبد الله بن نوفل الأنصارية أن النبي صلى الله عليه وسلم لما غزا بدرا قالت: قلت له: يا رسول الله ائذن لي في الغزو معك أمرض مرضاكم لعل الله أن يرزقني شهادة، قال: قري في بيتك فإن الله تعالى يرزقك الشهادة قال فكانت تسمى الشهيدة، قال: وكانت قد قرأت القرآن فاستأذنت النبي صلى الله عليه وسلم أن تتخذ في دارها مؤذنا فأذن لها قال وكانت قد دبرت غلاما لها وجارية فقاما إليها بالليل فغماها بقطيفة لها حتى ماتت وذهبا فأصبح عمر فقام في الناس فقال من كان عنده من هذين علم أو من رآهما فليجئ بهما فأمر بهما فصلبا فكانا أول مصلوب بالمدينة.

وفي رواية:

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزورها في بيتها وجعل لها مؤذنا يؤذن لها وأمرها أن تؤم أهل دارها قال عبد الرحمن فأنا رأيت مؤذنها شيخًا كبيرًا. رواه أبو داود ( 591 ).

  1. الأذان في البادية.

عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة الأنصاري ثم المازني عن أبيه أنه أخبره أن أبا سعيد الخدري قال له: إني أراك تحب الغنم والبادية فإذا كنت في غنمك أو باديتك فأذنت بالصلاة فارفع صوتك بالنداء فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة. رواه البخاري ( 584 ).

* قال الشوكاني بعد أن ذكر بعض أدلة الوجوب -:

والحاصل أنه ما ينبغي في مثل هذه العبادة العظيمة أن يتردد متردد في وجوبها فإنها أشهر من نار على علم وأدلتها هي الشمس المنيرة، … ثم هذا الشعار لا يختص بصلاة الجماعة، بل لكل مصل عليه أن يؤذن ويقيم، لكن من كان في جماعة كفاه أذان المؤذن لها وإقامته.

ثم الظاهر أن النساء كالرجال لأنهن شقائق الرجال والأمر لهم أمر لهن ولم يرد ما ينتهض للحجة في عدم الوجوب عليهن فإن الوارد في ذلك في أسانيده متروكون لا يحل الاحتجاج بهم فإن ورد دليل يصلح لإخراجهن فذاك وإلا فهن كالرجال. ” السيل الجرَّار ” ( 1 / 196 ، 197 ).

 

ثالثًا:

وعليه: فنرى أنه يجب عليكم في مصلاكم الذي تقيمون فيه الصلاة أن تجعلوا فيه أذانًا، وكونكم تسمعون الأذان من مساجد أخرى ليس بعذرٍ لكم في عدم الأذان، فإما أن تجيبوا نداء تلكم المساجد أو تؤذنوا لأنفسكم ولغيركم في مصلاكم ولكم حكم المساجد ولا فرق.

 

 

والله أعلم.

هل صحَّ الحديث القدسي ( من أجابني حين أدعوه أجيبه حين يدعوني )؟

هل صحَّ الحديث القدسي ( من أجابني حين أدعوه أجيبه حين يدعوني )؟

السؤال:

ما مدى صحة هذا الحديث القدسي ( من أجابني حين أدعوه أجيبه حين يدعوني )؟.

 

الجواب:

الحمد لله

بعد البحث في كتب السنَّة مما وقعت عليه أيدينا واستطعنا الوصول إليه لم نجد هذا الحديث لا بإسناد صحيح ولا بإسناد ضعيف، بل ولا بإسناد مركب، فالحديث لا أصل له البتة.

وقد جاء في كتاب الله تعالى ربط إجابة الله تعالى لدعاء عباده بالاستجابة له تعالى بالإيمان به وفعل أوامره واجتناب نواهيه، وهو ما يكاد يطابق معنى الحديث الوارد في السؤال، وفي ذلك يقول تعالى ( وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ) البقرة/ 186، وفي هذه الآية لفتة غاية في النفاسة وهي أن الله تعالى قدَّم جواب الشرط على فعله، فقدَّم إجابة الدعاء على دعاء عباده، فإجابة الله تعالى لعباده السائلين مضمونة مطلقا، وإجابة الله تعالى لدعاء لعباده لها صور ثلاثة: إما أن يعجل الله مطلوب السائل، أو يدفع عنه من الشر بقدر دعائه، أو يدخر له قدره ثوابا يوم القيامة، لكن على العباد تحقيق أسباب إجابة الدعاء والتخلص من موانع إجابته.

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -:

فمن دعا ربه بقلب حاضر ودعاء مشروع ولم يمنع مانع من إجابة الدعاء كأكل الحرام ونحوه: فإن الله قد وعده بالإجابة، وخصوصا إذا أتى بأسباب إجابة الدعاء وهي الاستجابة لله تعالى بالانقياد لأوامره ونواهيه القولية والفعلية والإيمان به الموجب للاستجابة، فلهذا قال ( فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ) أي: يحصل لهم الرشد الذي هو الهداية للإيمان والأعمال الصالحة، ويزول عنهم الغي المنافي للإيمان والأعمال الصالحة، ولأن الإيمان بالله والاستجابة لأمره سبب لحصول العلم كما قال تعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا ).

” تفسير السعدي ” ( ص 87 ).

 

والله أعلم.

 

نصائح وتوجيهات لمن لا يطيق الاختلاط بالناس ويفضِّل المكوث في البيت وحده

نصائح وتوجيهات لمن لا يطيق الاختلاط بالناس ويفضِّل المكوث في البيت وحده

السؤال:

لا أطيق الاختلاط بالناس، وأفضِّل الوحدة، وأشعر بحالة نفسيَّة سيئة عندما أختلط بالآخرين، الرسول عليه الصلاة والسلام يأمر بالصلاة في المسجد، ماذا أفعل؟ أفضل عدم الصلاة على الصلاة في المسجد.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

ليس الأمر الذي أنت فيه أخي السائل متعلقًّا بالصلاة في المسجد فحسب، بل يتعلق بواجبات محتمات عليك، توجب عليك الخروج من البيت، كصلة الرحم، والتكسب من أجل لقمة العيش، وطلب العلم، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر ، وغير ذلك.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

فحقيقة الأمر: أن الخلطة تارة تكون واجبة، أو مستحبة، والشخص الواحد قد يكون مأمورًا بالمخالطة تارة، وبالانفراد تارة، وجماع ذلك: أن المخالطة إن كان فيها تعاون على البر والتقوى: فهي مأمور بها، وإن كان فيها تعاون على الإثم والعدوان: فهي منهي عنها، فالاختلاط بالمسلمين في جنس العبادات كالصلوات الخمس والجمعة والعيدين وصلاة الكسوف والاستسقاء ونحو ذلك: هو مما أمر الله تعالى به، ورسوله صلى الله عليه وسلم، وكذلك الاختلاط بهم في الحج، وفي غزو الكفار، والخوارج المارقين، وإن كان أئمَّة ذلك فجارًا، وإن كان في تلك الجماعات فجَّارٌ.

وكذلك الاجتماع الذي يزداد العبد به إيمانا: إما لانتفاعه به، وإما لنفعه له، ونحو ذلك. ” مجموع الفتاوى ” ( 10 / 425 ).

 

وبه تعلَم أن ما أنت عليه من حال فهو غير مرضي عنه عند رب العالَمين، ووجب عليك إعادة النظر بحالك، وأنك ما أنت فيه إنما هو تلبيس من الشيطان، يحسِّن لك حالك، ويزين سوء عملك، فاحذره، وانتبه لمكائده، وأعدَّ العدَّة لمحاربته، وثق بربك في الانتصار عليه.

 

ثانيًا:

وإذا كنتَ تشعر بنفسية سيئة في اختلاطك بالناس: فإننا لنجزم أن نفسيتك أشد سوءً في وحدتك، وعزلتك، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية، وإنما يتسلط الشيطان على أصحاب الوحدة الذين لا يجدون أعوانًا يعينونهم على طاعة ربهم، ولا أنصارًا ينصرونهم على الشيطان وجنوده، وحتى لو كنتَ تجد في مخالطتك للناس أذى: فإن تلك المخالطة إن كان معها صبرٌ: فإنها خير من عدمها، وقد أثنى النبي صلى الله عليه وسلم على من يختلط بالناس ويصبر على أذاهم.

عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنْ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ ). رواه الترمذي ( 5207 ) وابن ماجه ( 4032 ).

 

ثم إن العزلة التي أنت فيها ليس عندك من أسبابها شيء، ولا لديك – فيما يظهر لنا – من مقوماتها ما نشجعك به عليها، فمن أسباب العزلة: فساد الناس بالكلية، وعدم وجود أنصار على الحق، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، وعدم نفع النصح في الناس، وكل هذا غير موجود – بفضل الله – في المجتمعات المسلمة، بل الكافرة، فها نحن نسمع عن آلاف يدخلون دين الله من الكفار كل حين، ونسمع عن مثلهم من العصاة السالكين درب الهداية، بل إننا لنجد الناس عطشى لمن يروي ظمأهم، وجوعى لمن يطعمهم، من الخير والهداية.

 

وأما مقومات العزلة التي نجدها مفقودة عندك: فهي العلم الشرعي، فها أنت تقدِّم العزلة على الخلطة الواجبة، وها أنت تفرط في واجبات شرعية بسبب عزلتك تلك، فأين العلم الشرعي الذي تحمله حتى نقول لك اعتزل الناس وتفرغ لطاعة ربك، والحفاظ على دينك؟! ومن هنا قال قال أبو سليمان الخطابي رحمه الله: ” فالعزلة إنما تنفع العلماء، العقلاء، وهي من أضر شيء على الجهَّال، وقد روِّينا عن إبراهيم أنه قال لمغيرة: ” تفقَّه ثم اعتزل “.

– انظر كتاب ” العزلة ” للخطابي ( ص 225 ).

 

ثالثًا:

وبما أنك راسلتنا – ونحن نشكرك على هذا – فهذا يعني أنك في الطريق الصحيح، وأن هذا بداية خروجك من الوحدة القاتلة، وأنت قد دخلت في عالم ” الإنترنت ” وهو أوسع بملايين المرات من عالَمك الصغير الذي هجرتَه، وفي هذا العالَم الفسيح من الشر والسوء أضعاف أضعاف ما في عالَمك المهجور، فكن على حذرٍ منه، فكم تسبب في فتنة صالح، وكم تسبب في السوء لامرأة فاضلة عفيفة.

 

 

 

 

* فاحرص على القيام بما أوجب الله عليك من الطاعات، وعلى رأس ذلك:

صلاة الجماعة في المسجد، وتجد في جواب السؤال رقم ( 120 ) الأدلة على ذلك الوجوب، كما عليك أن تقوم بالكسب المباح المشرع لتحفظ كرامتك من سؤال الناس، وتنجو من منَّتهم، وتقوم ببر والديك والعناية بهما، وإعانتهما بشراء ما يحتاجانه، أو توصيلهما لمكان يرغبان الذهاب إليه، وتقوم بصلة أرحامك.

 

واعلم أنه لن تخلو الدنيا من كدَر، وهمٍّ، وغمٍّ، وإذا أردت مكاناً ليس فيه شيء من هذا، مع سعادة تامة، وهناء بالغ، ورغد عيش، ورضوان من الله : فذلك تجده في جنة الله في الدار الآخرة، فاعمل لذلك اليوم، وتخلص مما يكدرك في الدنيا بالتخفيف منه، وسؤال الله الإعانة عليه، واعلم أن الوحدة ليست إلا خلوة بالشيطان، وليس يستكثر الإنسان فيها إلا الهموم والغموم، ألا ترى أن عقوبة الحبس هي أليمة على الحر؟! وآلم منها ” الحبس الإنفرادي ” فكيف ترضى لنفسك ما يبذل المساجين من أجل الفكاك منه الغالي والنفيس؟!.

 

ونسأل الله تعالى أن يهدي قلبك للحق، وأن يأخذ بيدك لسلوك طريق الصالحين من عباده، والذين لولا أن قيضهم الله تعالى للاختلاط بالناس وإقامة الطاعات لما عرفنا نحن وأنت الإسلام، ولا تشرفنا بالانتماء إليه، فكن جنديًّا من جنود الإسلام، وارفع سلاحك في وجه شيطانك، وعوِّض ما فاتك من أيام بالعمل الدؤوب، والطاعة المتينة.

 

 

والله الموفق.

 

من هو الذي يحق له التكلّم في الدين؟

من هو الذي يحق له التكلّم في الدين؟

السؤال:

نسمع بوجود أشخاص عندهم نشاط في تعليم أمور الإسلام، لكنهم لا يملكون مؤهلات حقيقية في العلم الإسلامي.  وهم, مع هذا, يدرسون من باب الحماس و( here-say- لا أعرف معناها لكن ربما تعني أنهم يبتون في كل أمر بسرعة ودون ترو).  إنهم يقولون بآرائهم في الدين, فهم يقولون: علينا أن نفعل كذا وكذا وهم لا يقدمون أدلة كاملة وواضحة تساند أقوالهم.  ونتيجة لجهل العامة, فإنهم يقبلون منهم.  فأين نضع الخط الفاصل لنتمكن من معرفة من يحق له تقديم رأيه في الدين ممن لا يحق له ذلك؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا بد أن يعلم المسلم أن شأن الفتيا عظيم، وفي ذلك يقول الله سبحانه وتعالى: { ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون }. [ النحل / 116 ].

 

ثانيًا:

من المقرر عقلا وبديهة عند الناس أنه لو تكلم إنسان في غير فنِّه لعابه الناس ووقعوا به، فلو تكلم إنسان في الطب مثلا وهي ليست مهنته لأسكته الناس بل لوجدته حريصا أن لا يتكلم، وكذلك لو استشرت إنسانًا مثلا في البناء والتعمير لقال لك: اسأل أصحاب الاختصاص فهذا ليس فني، وهكذا، وأما الفتيا فالجميع يتجرأ عليها ويتكلم بما شاء في الحلال والحرام إلا من رحم الله ممن ليسوا أهلًا لها.

 

ثالثًا:

أن السلف من الصحابة والتابعين كانوا أشد الناس حذرًا من الفتيا أو التكلم في الحلال والحرام، فهذا أبو بكر رضي الله عنه مع أنه أكثر الناس مصاحبة للنبي صلى الله عليه وسلم فهو من أقل الصحابة حديثًا، لماذا؟ حذرًا وخوفًا وورعًا، وكان رضي الله عنه إذا وقعت له مسألة جمع لها كبار الصحابة وأهل بدر، فأين هذا من صغار الشباب بل النساء العوام من التجرؤ على الفتيا والقول على الله بغير علم؟!.‍‍

 

رابعًا:

عظَّم الفقهاء في مصنفاتهم  من شأن الفتيا، ويحسن أن أنقل ما كتبه النووي في كتابه  ” المجموع ” في هذا الشأن، قال رحمه الله:

اعلم أن الإفتاء عظيم الخطر، كبير الموقع، كثير الفضل، وصاحبه وارث الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وقائم بفرض الكفاية، لكنه معرَّض للخطأ، ولهذا قالوا: المفتي موقع عن الله تعالى، وروِّينا عن ابن المنكدر قال: العالم بين الله تعالى وبين خلقه فلينظر كيف يدخل بينهم، وروِّينا عن السلف وفضلاء الخلف من التوقف عن الفتيا أشياء كثيرة معروفة: فمنها:

عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: أدركت عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل أحدهم عن المسألة فيردها هذا إلى هذا حتى ترجع إلى الأول، وفي رواية: ما منهم مَن يحدِّث بحديث إلا ودَّ أن أخاه كفاه إياه ولا يستفتى بشيء إلا ودَّ أن أخاه كفاه الفتيا.

– وعن ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم: من أفتى عن كل ما يسأل فهو مجنون.

– وعن الشعبي والحسن قالوا: إن أحدكم ليفتي في المسألة لو وردت على عمر بن الخطاب لجمع لها أهل بدر.

– وعن عطاء بن السائب قال: أدركت أقوامًا يسأل أحدهم عن الشيء فيتكلم وهو يرعد.

– وعن ابن عباس قال: إذا أغفل العالم لا أدري أصيبت مقاتله.

– وعن سفيان ابن عيينة قال: أجسر الناس على الفتيا أقلهم علمًا.

– وعن الهيثم بن جميل قال: أدركت مالكاً سئل عن ثمان وأربعين مسألة فقال في اثنتين وثلاثين مسألة منها: لا أدري.

– وعن مالك أيضا: أنه ربما كان يسأل عن خمسين مسألة فلا يجيب في واحدة منها وكان يقول: من أجاب في مسألة فينبغي قبل الجواب أن يعرض نفسه على الجنة والنار وكيف خلاصه ثم يجيب.

– وقال آخر: قلَّ مَن حرص على الفتيا وسابق إليها وثابر عليها إلا قل توفيقه واضطرب في أموره.

” المجموع ” للنووي ( 1 / 41 ).

 

فالشاهد: أن أمر الفتيا ليس بالهين،  فأنصح هؤلاء الشباب أن يتقوا الله، وأن يتجنبوا أمر الفتيا والقول في الحلال والحرام.

 

 

والله أعلم.

ملتزمة وحافظة لكتاب الله وشيء من معاناتها مع أهلها غير الملتزمين

ملتزمة وحافظة لكتاب الله وشيء من معاناتها مع أهلها غير الملتزمين

السؤال:

أنا حافظة لكتاب الله، وطالبة من طالبات العلم الشرعي، وأهلي نقيض لما أنا فيه، سؤالي هو: أني أشعر بالأمانة، والمسؤولية؛ لأن كل تصرفاتي تؤخذ بعين الاعتبار بالنسبة لهم، إني لا أحب التزين كثيرًا، وأحاول أن تكون زينتي بسيطة قدر الإمكان، وهم العكس، ودائمًا ما يرون ذلك تشددًا، وغلظة، وأخشى أني قد أعطيتهم صورة سيئة عن قرآني الذي أحمل، ولا أعلم أيحق لي التزين والتجمل لأجذبهم ولأخبرهم بأنه لا نقيض بين الإسلام والجمال؟ هذا من جانب، ومن جانب آخر: كثيرًا ما ينقمون عليَّ قلة جلوسي معهم، وعدم رغبتي في الخروج دائمًا، وعدم مشاركتي لهم في الأندية الرياضية، مع العلم أني أجلس معهم وقتًا لا بأس به، ولكن سبحان الله وكأن الشيطان يؤزهم عليَّ ليفسدوا عليَّ, فما رأيكم؟ أيعقل أن أكون معهم متى ما أرادوني؛ لأكسبهم، وأدعوهم، أم أن الأولى هو استغلال وقتي فيما يعود عليَّ بالنفع الأكثر؟ العيش في بيئة مناقضة للشخص صعب جدًّا، ويتطلب ثباتًا، وصبرًا، فأجزلوا لنا النصح، جزاكم الله خيرًا.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

– نسأل الله تعالى أن يوفقك لما فيه رضاه، وأن يثبتك على الحق.

والمسلم المستقيم على أمر الله تعالى بين أهلٍ يخالفونه في توجهه، ومنهجه: لا شك أنه يعاني من ذلك، وهو يعيش متقلبا بين مواجع كثيرة، فهو يحزن لما يراه من بُعدهم عن الاستقامة على شرع الله، وهو يعاني من ضغطهم عليه لينصهر في بيئتهم، ويسلك طرقهم في حياتهم، وهو يحرص على سلوك طريقة في دعوتهم تجمع بين عدم التنازل عن شيء من دينه، وبين تحبيبهم في الاستقامة، وهذه الصعوبات والمواجع يعانيها الأخ المستقيم على أمر الله تعالى إن كان رجلًا، أما إن كانت أنثى فلعل الأمر أن يكون أصعب، لذا نوصيك بالثبات على الطاعة, وكثرة الدعاء لك، ولأهلك، وليكن فيما تجدينه في كتاب الله الذي تحفظينه من قصص الأنبياء والمرسلين في قومهم، والدعاة والمصلحين مع الناس: أسوة، وسلوة، أسوة تقتدين بهم في صبرهم، وجلدهم، وثباتهم على الحق، وسلوة لأحزانك فيما ترينه من مخالفة أهلك للحق، وعسى الله أن يهديهم، ويوفقهم.

 

 

 

ثانيًا:

والحكم على المستقيم على أمر الله أنه متشدد: لا ينبغي أن يكون عائقًا أمامه، بل ولا ينبغي أن يعطيه وقتًا من يومه ليتأمله، فالأوقات أثمن من أن تُصرف في تتبع الطعونات والأوصاف القبيحة التي تُلصق من استقام على طاعة الله، فخروج المرأة من البيت، واختلاطها بالرجال في الأسواق، والأماكن العامة، والنوادي الرياضية، والمطاعم العائلية: كل ذلك فيه من المنكرات, والموبقات، والفتن والانحرافات، وتضييع الأوقات، ما لا يخفى على أحد، فموافقة الأهل على رغبتهم، والمشي وفق هواهم في هذه الأمور هو هدم لما تبنينه، ونقض لما تعمرينه، فاحذري من موافقتهم في ذلك، ولو أدى ذلك لغضب من غضب، ولو أدى ذلك لوصفك بما تكرهين، وغالبًا ما يستيقظ مثل هؤلاء عند صدمة، أو مشكلة، أو فتنة، يعلمون معها صحة الطريق التي تسلكين، وصواب المنهج الذي عليه تسيرين.

 

ثالثًا:

وفي الوقت نفسه ندعوكِ – وندعو المستقيمين على طاعة الله ممن حالهم كحالك – أن يحاولوا قدر استطاعتهم التقرب من أهليهم، ولو بفعل ما تكرهه نفوسهم، بشرط أن يكون من المباحات، فالتزين – مثلًا – مباح إذا لم يكن من أجل أجنبي يراه، والأكل مع الأهل، أو صلة الرحم معهم إذا لم يكن ثمة محذور في الزيارة، وغير ذلك مما أباحته الشريعة، أو استحبته: لا مانع من أن يشارك الإخوة والأخوات الملتزمين أهليهم بها، ولو كرهت نفوسهم مثل هذا؛ لأن في فعل ذلك تقربًا محمودًا لقلوب أولئك الأهل، وفيه رفع التهمة عنهم بالتشدد، ورفع التهمة عن دينهم واستقامتهم، ومراعاة الأهل والناس فيما ليس فيه ترك واجب، ولا فعل محرَّم: هدي نبوي، وسنة شريفة، فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهَا: ( يَا عَائِشَةُ لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ لَأَمَرْتُ بِالْبَيْتِ فَهُدِمَ فَأَدْخَلْتُ فِيهِ مَا أُخْرِجَ مِنْهُ وَأَلْزَقْتُهُ بِالْأَرْضِ وَجَعَلْتُ لَهُ بَابَيْنِ بَابًا شَرْقِيًّا وَبَابًا غَرْبِيًّا فَبَلَغْتُ بِهِ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ ) رواه البخاري ( 1509 ) ومسلم ( 1333 ).

* قال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

فتَرَك صلى الله عليه وسلم نقضَ الكعبة، وإدخال حِجر إسماعيل فيها: خشية الفتنة، وهذا يدل على وجوب مراعاة المصالح العامة، وتقديم المصلحة العليا، وهي تأليف القلوب، وتثبيتها على الإسلام على المصلحة التي هي أدنى منها، وهي إعادة الكعبة على قواعد إبراهيم. ” فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 6 / 345 ).

 

 

وعليه: فما تجدينه في شرع الله حلالًا فعله، وترين أنه مرغوب عند أهلك أن تفعليه: فافعليه، واحتسبي فعله عنه الله إن كنت تكرهينه، واقصدي بذلك أن تؤلفي قلوبهم، وأن ترغيبهم بك؛ حتى يكون ذلك أدعى أن يقبل منك كلام، ويذب عنك افتراء وتقوُّل.

واحذري من فعل الحرام، وترك الواجب، فاحرصي على رضا ربك ولو أسخط ذلك أهلك وأقرباءك، ولا تسخطي ربك حرصًا على رضاهم، فعن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قالت: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ( مَنْ الْتَمَسَ رِضَا اللَّهِ بِسَخَطِ النَّاسِ كَفَاهُ اللَّهُ مُؤْنَةَ النَّاسِ، وَمَنْ الْتَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ اللَّهِ وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَى النَّاسِ ) رواه الترمذي ( 2414 ) وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

ومما يجب أن يُعلم: أنه لا يسوغ في العقل، ولا الدِّين: طلب رضا المخلوقين لوجهين:

أحدهما: أن هذا غير ممكن، كما قال الشافعي رضي الله عنه: ” رضا الناس: غاية لا تُدرك، فعليك بالأمر الذي يصلحك فالزمه، ودع ما سواه، ولا تعانه ” .

والثاني: أنا مأمورون بأن نتحرى رضا الله ورسوله، كما قال تعالى: ( والله ورسوله أحق أن يُرضوه )، وعلينا أن نخاف الله، فلا نخاف أحدًا إلا الله، كما قال تعالى: ( فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين )، وقال: ( فلا تخشوا الناس واخشون )، وقال: (فإياي فارهبون )، ( وإياي فاتقون )، فعلينا أن نخاف الله، ونتقيه، في الناس، فلا نظلمهم بقلوبنا، ولا جوارحنا، ونؤدي إليهم حقوقهم بقلوبنا وجوارحنا، ولا نخافهم في الله فنترك ما أمر الله به ورسوله خيفة منهم، ومن لزم هذه الطريقة كانت العاقبة له كما، كتبت عائشة إلى معاوية: ” أما بعد: فإنه من التمس رضا الناس بسخط الله: سخِط الله عليه، وأسخط عليه الناس، وعاد حامده من الناس ذامًّا، ومَن التمس رضا الله بسخط الناس: رضي الله عنه، وأرضى عنه الناس “، فالمؤمن لا تكون فكرته وقصده إلا رضا ربه، واجتناب سخطه، والعاقبة له، ولا حول ولا قوة إلا بالله . ” مجموع الفتاوى ” ( 3 / 232 ، 233 ).

 

 

والله أعلم.