الرئيسية بلوق الصفحة 99

متى يكون المصلي مدركًا لتكبيرة الإحرام؟ وهل ثبت لها فضل معين؟

هل ثبت لإدراك تكبيرة الإحرام مع الإمام فضائل؟ ومتى يكون المصلي مدركًا لها؟

السؤال:

هل من أدرك الإمام قبل أن يركع الركعة الأولى مدركا لتكبيرة الإحرام وفضلها؟ أفيدوني، مأجورين.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الوارد في فضل إدراك تكبيرة الإحرام أمران: عام صحيح، وليس فيه التنصيص على فضل معيَّن، وخاص ضعيف، وفيه النص على الفضل:

* فمن العام الصحيح:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا ).

رواه البخاري ( 590 ) ومسلم ( 437 ) .

– ومعنى ( استهموا ) أي: اقترعوا.

* قال النووي – رحمه الله -:

التهجير: التبكير إلى الصلاة، أي صلاة كانت، قال الهروي وغيره: وخصَّه ” الخليل ” بالجمعة. والصواب المشهور: الأول. ” شرح مسلم ” ( 4 / 158 ).

* قال ابن عبد البر – رحمه الله -:

وفي هذا الحديث أيضًا: فضل النداء، وهو الأذان، وفضل الصف الأول، وفضل البكور بالهاجرة إلى الصلاة في المسجد، في الجمعة، وغيرها، ولا أعلم خلافًا بين العلماء أن من بكَّر، وانتظر الصلاة، وإن لم يصلِّ في الصف الأول: أفضل ممن تأخر، ثم تخطى إلى الصف الأول، وفي هذا ما يوضح لك معنى فضل الصف الأول: أنه ورد من أجل البكور إليه، والتقدم. ” التمهيد ” ( 22 / 14 ).

والشاهد من الحديث هو: الحث على التهجير، وهو التبكير في الحضور إلى الصلاة.

* وأما الخاص الضعيف:

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( مَنْ صَلَّى لِلَّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا فِي جَمَاعَةٍ يُدْرِكُ التَّكْبِيرَةَ الأُولَى كُتِبَتْ لَهُ بَرَاءَتَانِ بَرَاءَةٌ مِنْ النَّارِ وَبَرَاءَةٌ مِنْ النِّفَاقِ ). رواه الترمذي ( 241 ) وضعفه، وضعفه الحافظ ابن حجر كما في ” التلخيص الحبير” ( 2 / 520 )، وضعفه – كذلك – جمعٌ من العلماء من المتقدمين، والمتأخرين.

 

* قال ابن الملقن – رحمه الله -:

مروي من طرق، وقد نص غير واحد من الأئمة على ضعف هذا الحديث.

” البدر المنير ” ( 4 / 397 ).

– وللوقوف على فضل التبكير إلى المسجد للصلاة، وحال الصحابة والسلف في ذلك، وحرصهم على إدراك تكبيرة الإحرام.

ثالثًا:

وعلى القول بتحسين حديث الترمذي السابق – وقد حسَّنه الألباني-: فإن في متى يكون المأموم مدركًا لتكبيرة الإحرام مع الإمام أقولًا، أشهرها:

الأول: أنه يكون مدركًا لها إذا كبَّر بعد إمامه قبل أن يشرع الإمام في دعاء الاستفتاح.

الثاني: أنه يكون مدركًا لها قبل أن يشرع الإمام في الفاتحة.

الثالث: أنه يكون مدركًا لها إذا أدرك مع الإمام ركوع الركعة الأولى.

والراجح من الأقوال: هو القول الأول، وهو ظاهر حديث ( إذَا كبَّر فَكبِّروا )، وأنه إذا شرع الإمام بدعاء الاستفتاح: فقد فاته الإدراك، وهو الذي رجحه النووي، والمناوي، والمباركفوري، والعثيمين، وغيرهم.

* قال النووي – رحمه الله -:

واختلف أصحابنا فيما يُدرك به فضيلة تكبيرة الإحرام على خمسة أوجه:

أصحها: بأن يحضر تكبير الإمام، ويشتغل عقبها بعقد صلاته، من غير وسوسة ظاهرة، فإن أخر: لم يدركها.

والثاني: يدركها ما لم يشرع الإمام في الفاتحة فقط.

والثالث: بأن يدرك الركوع في الركعة الأولى.

والرابع : بأن يُدرك شيئًا من القيام.

والخامس: إن شغله أمر دنيوي: لم يدرك بالركوع، وإن منعه عذر، أو سبب للصلاة – كالطهارة -: أدرك به.

* قال الغزالي في ” البسيط ” في الوجه الثالث والرابع: هما فيمن لم يحضر أحرام الإمام، فأما من حضر: فقد فاته فضيلة التكبيرة، وإن أدرك الركعة.

” المجموع شرح المهذب ” ( 4 / 206، 207 ).

* وقال الشيخ عبد الرؤوف المناوي – رحمه الله -:

وإنما يحصل فضلها: بشهود التكبير مع الإمام، والإحرام معه عقب تحرمه، فإن لم يحضرها، أو تراخى: فاتته، لكن يغتفر له وسوسة خفيفة.

” فيض القدير ” ( 2 / 646 ).

 

 

 

* وقال الشيخ المباركفوري – رحمه الله -:

وظاهرها: التكبيرة التحريمية مع الإمام، ويحتمل أن تشمل التكبيرة التحريمية للمقتدي عند لحوق الركوع، فيكون المراد: إدراك الصلاة بكمالها مع الجماعة، وهو يتم بإدراك الركعة الأولى، كذا قال القارئ في ” المرقاة “.

قلت: هذا الاحتمال بعيد، والظاهر الراجح: هو الأول.

” تحفة الأحوذي ” ( 2 / 40 ).

* وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

متى تبدأ تكبيرة الإحرام، ومتى تنتهي؟ هل قبل الركوع، أو قبل الفاتحة؟.

فأجاب:

السؤال يريد به السائل: إدراك تكبيرة الإحرام، وإدراك تكبيرة الإحرام يكون: بالتكبير بعدها مباشرة، فإذا شرع الإمام بالاستفتاح: فقد فاتت الإنسان تكبيرة الإحرام؛ وذلك لأن إدراك الشيء يكون بالمتابعة عليه، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام ( إذا كبَّر فكبروا ) فجعل موضع تكبير المأموم بعد تكبير الإمام مباشرة، وعليه: فإذا دخل المأموم مع الإمام بعد أن كبَّر، وشرع في الاستفتاح : فقد فاتته تكبيرة الإحرام. ” فتاوى نور على الدرب ” ( شريط 262، وجه أ ).

*وسئل – رحمه الله – أيضًا-:

بماذا يكون إدراك فرض تكبيرة الإحرام خلف الإمام، هل هو بالتكبير خلفه مباشرة، أم بالدخول في الصلاة قبل شروع الإمام في الفاتحة؟.

فأجاب:

الظاهر الأول؛ لأنه بعده مباشرة؛ لأن هذه هي حقيقة المتابعة، وقد يطول زمن الاستفتاح فتنفصل تكبيرة المأموم عن تكبيرة الإمام.

” الفتاوى الثلاثية ” ( ص 41 ) – ترقيم الشاملة -.

وبخصوص الصلاة السريَّة: فإنه يقدَّر إدراك تكبيرة الإحرام فيها بالوقت.

 

 

والله أعلم.

 

 

 

 

 

 

 

تفصيل القول في حديث ( من صلى لله أربعين يومًا … ) روايةً ودرايةً

السؤال:

السلام عليكم سؤالي: قرأت الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم الذي حسنه الألباني: ( من صلى لله أربعين يوما في جماعة يدرك التكبيرة الأولى كُتبت له براءتان براءة من النار وبراءة من النفاق ).

سؤالي: أحيانا في الجامعة، أو في الشركة، توجد مصليات، ولا يوجد مسجد، وكل من أتى أقام وصلَّى بمن معه، وأحيانا تتأخر المحاضرة إلى بعد الأذان، فيسبقوننا، ويقيمون الصلاة قبل قدومنا، فهل يصح إذا كنت أريد تطبيق الحديث أن لا أصلي معهم، وأنتظر جماعة أخرى كي أدرك تكبيرة الإحرام، علمًا أن الجماعة الأخرى دائما تكون موجودة؛ لأن الجامعة تضم عدد ضخمًا من الطلاب؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نص الحديث، والكلام عليه:

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( مَنْ صَلَّى لِلَّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا فِي جَمَاعَةٍ يُدْرِكُ التَّكْبِيرَةَ الأُولَى كُتِبَ لَهُ بَرَاءَتَانِ: بَرَاءَةٌ مِنَ النَّارِ، وَبَرَاءَةٌ مِنَ النِّفَاقِ ).

* رواه الترمذي ( 241 ) وقال:

وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الحَدِيثُ عَنْ أَنَسٍ مَوْقُوفًا، وَلاَ أَعْلَمُ أَحَدًا رَفَعَهُ إِلاَّ مَا رَوَى سَلْمُ بْنُ قُتَيْبَةَ، عَنْ طُعْمَةَ بْنِ عَمْرٍو. انتهى.

وقد ضعَّف الحديث جمع من العلماء المتقدمين، والمتأخرين، وأعلُّوه بالإرسال، والاضطراب، ونذكر منهم: الترمذي، والدارقطني، وابن الجوزي، وابن حجر، وغيرهم كثير.

وقد حسَّنه الشيخ الألباني، كما في ” صحيح الترمذي ” و ” السلسلة الصحيحة ” (2652 ).

ورأى من صحح وقفَه من أهل العلم أن له حكم الرفع، كون مثله لا يقال بالرأي، فجعلوا في حكم المرفوع للنبي صلى الله عليه وسلم؛ لثبوته عن أنس عندهم، ولكونه لا يقال بالرأي.

* وفي ” تحفة الأحوذي ” ( 2 / 40 ):

قال القارىء: ومثل هذا ما يقال من قبَل الرأي، فموقوفه في حكم المرفوع.

انتهى.

 

ثانيًا:

وأما معناه:

فقد ذهب بعض العلماء إلى أن إدراك تكبيرة الإحرام مع الإمام الوارد في الحديث يستمر إلى إدراك الركوع معه، وقال بعضهم بأن إدراكها هو بتكبيره للإحرام قبل شروع الإمام في قراءة الفاتحة، وطائفة ثالثة من العلماء يرون أن إدراك تكبيرة الإحرام يكون بإدراك الإمام قبل شروعه بدعاء الاستفتاح، وهذا أرجح الأقوال.

* قال النووي – رحمه الله – وذكَر قولين إضافييْن -:

واختلف أصحابنا فيما يُدرك به فضيلة تكبيرة الإحرام على خمسة أوجه:

أصحها: بأن يحضر تكبير الإمام، ويشتغل عقبها بعقد صلاته، من غير وسوسة ظاهرة، فإن أخر: لم يدركها.

والثاني: يدركها ما لم يشرع الإمام في الفاتحة فقط.

والثالث: بأن يدرك الركوع في الركعة الأولى.

والرابع: بأن يُدرك شيئاً من القيام .

والخامس: إن شغله أمر دنيوي: لم يدرك بالركوع، وإن منعه عذر، أو سبب للصلاة – كالطهارة -: أدرك به.

* قال الغزالي في ” البسيط ” في الوجه الثالث والرابع: هما فيمن لم يحضر أحرام الإمام، فأما من حضر: فقد فاته فضيلة التكبيرة، وإن أدرك الركعة.

” المجموع شرح المهذب ” ( 4 / 206، 207 ).

* وقال الشيخ عبد الرؤوف المناوي – رحمه الله -:

وإنما يحصل فضلها: بشهود التكبير مع الإمام، والإحرام معه عقب تحرمه، فإن لم يحضرها، أو تراخى: فاتته، لكن يغتفر له وسوسة خفيفة.

” فيض القدير ” ( 2 / 646 ).

* وقال الشيخ المباركفوري – رحمه الله -:

وظاهرها: التكبيرة التحريمية مع الإمام، ويحتمل أن تشمل التكبيرة التحريمية للمقتدي عند لحوق الركوع، فيكون المراد: إدراك الصلاة بكمالها مع الجماعة، وهو يتم بإدراك الركعة الأولى، كذا قال القارىء في ” المرقاة “.

قلت: هذا الاحتمال بعيد، والظاهر الراجح: هو الأول.

” تحفة الأحوذي ” ( 2 / 40 ).

* وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

متى تبدأ تكبيرة الإحرام، ومتى تنتهي؟ هل قبل الركوع، أو قبل الفاتحة؟.

فأجاب:

السؤال يريد به السائل: إدراك تكبيرة الإحرام، وإدراك تكبيرة الإحرام يكون: بالتكبير بعدها مباشرة، فإذا شرع الإمام بالاستفتاح: فقد فاتت الإنسان تكبيرة الإحرام؛ وذلك لأن إدراك الشيء يكون بالمتابعة عليه، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام ( إذا كبَّر فكبروا ) فجعل موضع تكبير المأموم بعد تكبير الإمام مباشرة، وعليه: فإذا دخل المأموم مع الإمام بعد أن كبَّر، وشرع في الاستفتاح: فقد فاتته تكبيرة الإحرام. ” فتاوى نور على الدرب ” ( شريط 262، وجه أ ).

* وسئل – رحمه الله – أيضًا -:

بماذا يكون إدراك فرض تكبيرة الإحرام خلف الإمام، هل هو بالتكبير خلفه مباشرة، أم بالدخول في الصلاة قبل شروع الإمام في الفاتحة؟.

فأجاب:

الظاهر الأول؛ لأنه بعده مباشرة؛ لأن هذه هي حقيقة المتابعة، وقد يطول زمن الاستفتاح فتنفصل تكبيرة المأموم عن تكبيرة الإمام.

” الفتاوى الثلاثية ” ( ص 41 ) – ترقيم الشاملة -.

ثالثًا:

ومع ضعف الحديث إلا أنه لا يمنع من الالتزام بإدراك تكبيرة الإحرام مع الإمام، فقد كان هذا هو هدي السلف، ولم يكن يقصدون العمل بهذا الحديث، ولذا فقد صحَّ عن كثيرين منهم إدراك السنوات الكثيرة لتكبيرة الإحرام مع الإمام، وليس فقط أربعين يومًا.

* سئل الشيخ عبد العزيز آل الشيخ – حفظه الله -:

ما فضل متابعة الإمام في تكبيرة الإحرام؟

فأجاب:

لا أعلم في فضل إدراك تكبيرة الإحرام مع الإمام حديثًا إلا ما أخرجه الترمذي من حديث أنس ابن مالك رضي الله عنه مرفوعًا: ( مَن صلى لله أربعين يومًا في جماعة يدرك التكبيرة الأولى كتبت له براءتان: براءة من النار، وبراءة من النفاق )، لكنَّه لم يصح مرفوعًا، وقد روي موقوفًا على أنس، كما أخرجه ابن أبي شيبة في ” مصنفه “، وجاء أيضا خبر: ( لكل شيء أنْف، وإن أنْف الصلاة : التكبيرة الأولى ) لكنه ضعيف، وأيضًا: ( لكل شيء صفوة، وصفوة الصلاة التكبيرة الأولى ) وهو ضعيف أيضًا، وفيه أحاديث لا يصح رفعها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيما نعلم، لكن السلف الصالح كانوا شديدي الحرص عليها، ولهم في ذلك أخبار، فهذا قاضي بغداد ” ابن سماعة ” رحمه الله يقول الذهبي في ” الميزان ” عندما ترجم له: ” وقال أحمد بن عمران سمعته يقول: مكثت أربعين سنة لم تفتني التكبيرة الأولى إلا يوم ماتت أمي، فصليتُ خمسًا وعشرين صلاة أريد التضعيف”.

وفي مسند ” ابن الجعد ” قال: حدثنا محمود بن غيلان قال : قال وكيع: ” كان الأعمش قريبًا من سبعين سنة لم تفته التكبيرة الأولى، واختلفتُ إليه قريبًا من سنتين فما رأيته يقضي ركعة “.

وفي ” حلية الأولياء ” عن الأوزاعي رحمه الله قال: كانت لسعيد بن المسيب فضيلة لا نعلمها كانت لأحدٍ من التابعين، لم تفته الصلاة في جماعة أربعين سنة، عشرين منها لم ينظر في أقفية الناس، وفي ” الحلية ” أيضًا عن سعيد بن المسيب رحمه الله قال: ” ما فاتتني التكبيرة الأولى منذ خمسين سنَة، وما نظرتُ في قفا رجل في الصلاة منذ خمسين سنة “، والمعنى: أنه يكون في الصف الأول من شدة حرصه على المبادرة إلى الصلاة.

وفي ” الحلية ” عن إبراهيم التيمي رحمه الله قال: ” إذا رأيتَ الرجلَ يتهاون في التكبيرة الأولى فاغسل يدك منه “.

وآثار السلف الدالة على أهمية تكبيرة الإحرام، وفضلها، وحرصهم عليها: كثيرة، وفي الحرص على إدراك تكبيرة الإحرام فضائل، منها: تحصيل أجر الجماعة من مبدئها حتى نهايتها، وبالحرص عليها أيضًا يحصل التبكير إلى الصلاة، وهو مندوب، وبالحرص عليها وتعاهدها يكون قلب العبد معلقًا بالمساجد، وهذه صفة أحدِ مَن يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.

وبالجملة: فالحرص عليها فيه تحصيل لمنافع شرعية، واتباع لسيَر السلف الصالح، وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه. ” مجلة البحوث الإسلامية ” ( 64 / 85 ، 86 ).

رابعًا:

والمقصود في الحديث لمن أراد العمل به: هو إدراك الجماعة الأولى، مع الإمام الراتب، وليس الجماعة الثانية، أو ما بعدها؛ لأن فضائل الصلاة من حيث التبكير، والصف الأول، والجمع بين الصلاتين لعذر المطر، وغير ذلك: إنما تكون لمن أدرك الجماعة مع الإمام الراتب.

وإذا كان المسجد مسجدَ سوق، أو مجمع تجاري، أو مطار، أو طريق سفر، وليس له إمام راتب: فحيث صلَّى المسلم مع إحدى جماعات ذاك المصلى، وأدرك تكبيرة الإحرام معه: أدرك الفضل الوارد في الحديث إن شاء الله.

ومثله يقال فيمن كان من أهل الأعذار الشرعية، وصلَّى جماعة في بيته مع أهله، أو كانوا مسافرين وصلوا جماعة في طريق السفر.

* قال الشيخ محمد المختار الشنقيطي – حفظه الله -:

ويشترط لنيل هذا الفضل أن يدرك تكبيرة الإحرام مع إمامه، فإذا كان في حيٍّ: أدرك ذلك في مسجد الحيِّ، وإذا كان مع إمامه الذي صلَّى معه جماعة – كأن يكون في سفر -: فالعبرة بجماعة مَن سافر معهم

” شرح زاد المستقنع ” ( الدرس رقم: 75 ).

وعليه: فمن صلَّى في بيته جماعة وهو من غير أهل الأعذار ، أو أدرك تكبيرة الإحرام مع الجماعة الثانية في مسجد له إمام راتب : لم يحصل الفضل الوارد في الحديث .

 

وبخصوص حالتك على التحديد: اعلم أن الجماعة الثانية والثالثة والرابعة في المصليات التي ليس لها إمام راتب: أن إدراك إحدى جماعاتها عند دخولك المصلى له حكم الجماعة الأولى في مسجد له إمام راتب ، ولا يحل لك تفويت ما تدركه من تلك الجماعة من أجل أنك لم تدرك تكبيرة الإحرام مع الإمام، بل يلزمك الدخول مع الجماعة، على الحال التي عليها إمام تلك الجماعة.

 

وثمة فائدة لم نرَ من نبَّه عليها، وهي: أنه ليس في الحديث – على فرض صحته – أن الأربعين يومًا تكون متتالية! فيُرجى لمن حافظ على هذا العدد ولو غير متتالٍ أن يحصِّل الفضل الوارد فيه.

 

 

والله أعلم.

هل الجنة درجات؟ وهل يزور أهل الدرجات الدنيا أهل الدرجات العليا؟

هل الجنة درجات؟ وهل يزور أهل الدرجات الدنيا أهل الدرجات العليا؟

السؤال:

الناس في الجنة مراتب متفاوتة، فمنهم في مكانة عالية، وبعضهم في مكانة أقل، وبعضهم أقل، وهكذا، فهل يستطيع الذي في المكانة الأقل أن يحصل على نفس ما يحصل عليه الذي فوقه؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

مما يعتقده المسلمون أن الجنة درجات، وأن الله قد وعد الطائعين بمنازل في الجنة إن هم قاموا بما حثَّهم عليه من تلك الطاعات، وما ذلك التفاضل بين أهل الجنة في المنازل  والدرجات: إلا بسبب تفاضلهم في أعمال الطاعات في الدنيا.

قال تعالى: ( انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا) الإسراء/ 21، وقال تعالى: ( وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ) الأنعام/ من الآية132.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

والجنَّة درجات، متفاضلة تفاضلًا عظيمًا، وأولياء الله المؤمنون المتقون في تلك الدرجات: بحسب إيمانهم، وتقواهم . ” مجموع الفتاوى ” ( 11 / 188 ).

* وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -:

( وَلِكُلٍّ ) منهم ( دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ) بحسب أعمالهم، لا يُجعل قليل الشر منهم ككثيره، ولا التابع كالمتبوع، ولا المرءوس كالرئيس، كما أن أهل الثواب، والجنة وإن اشتركوا في الربح، والفلاح، ودخول الجنة: فإن بينهم من الفرق ما لا يعلمه إلا الله، مع أنهم كلهم قد رضوا بما آتاهم مولاهم، وقنعوا بما حباهم.

فنسأله تعالى أن يجعلنا من أهل الفردوس الأعلى، التي أعدها الله للمقربين من عباده، والمصطفيْن من خلقه، وأهل الصفوة من أهل وداده. ” تفسير السعدي ” ( ص 274 ).

ثانيا:

ومما لا شك فيه أن أهل الجنة يتفاوتون في النعيم في الجنان، بحسب درجتهم فيها، فليس من يسكن ” الفردوس ” كمن يسكن في الجنان دونها.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَأَعْلَى الْجَنَّةِ وفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ ). رواه البخاري ( 2637 ) ومسلم ( 2831 ).

– ومعنى ” أوسط الجنة ” أي: أفضلها.

وقد ذكر الله تعالى وصفًا لجنان من خاف مقامه سبحانه وتعالى، فقال: ( وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ . فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ . ذَوَاتَا أَفْنَانٍ ) الرحمن/ 46 – 48، فوصفهما، ثم قال تعالى: ( وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ ) الرحمن/ 62، فتبين به اختلاف الجنان بعضها عن بعض بحسب أعمال أهلها، ومنزلتهم عند ربهم.

ثالثًا:

وقد ثبت في صحيح السنَّة أن أهل الجنة في الدرجات الدنيا يرون من فوقهم.

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَتَرَاءَوْنَ أَهْلَ الْغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ كَمَا يَتَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الْغَابِرَ فِي الْأُفُقِ مِنْ الْمَشْرِقِ أَوْ الْمَغْرِبِ لِتَفَاضُلِ مَا بَيْنَهُمْ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ تِلْكَ مَنَازِلُ الْأَنْبِيَاءِ لَا يَبْلُغُهَا غَيْرُهُمْ قَالَ بَلَى وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ رِجَالٌ آمَنُوا بِاللَّهِ وَصَدَّقُوا الْمُرْسَلِينَ ).

رواه البخاري ( 3083 ) ومسلم ( 2831 ).

* قال القرطبي – رحمه الله -:

اعلم أن هذه الغرف مختلفة في العلو، والصفة، بحسب اختلاف أصحابها في الأعمال، فبعضها أعلى من بعض، وأرفع.

وقوله ( الغائر من المشرق أو المغرب ) يروى بالياء اسم فاعل، من غار، وروي ” الغابر ” بالباء بواحدة، ومعناه الذاهب، أو الباقي، ويعني به: أن الكوكب حالة طلوعه، وغروبه بعيد عن الأبصار، فيظهر صغيرًا لبعده، وقد بيَّنه بقوله ( من المشرق أو المغرب ) و قد روي العازب بالعين المهملة والزاي, أي: البعيد، ومعانيها كلها متقاربة المعنى. ” التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة ” ( ص 398 ).

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِنَّ أَهْلَ الدَّرَجَاتِ الْعُلَى لَيَرَاهُمْ مَنْ تَحْتَهُمْ كَمَا تَرَوْنَ النَّجْمَ الطَّالِعَ فِي أُفُقِ السَّمَاءِ وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ مِنْهُمْ وَأَنْعَمَا). رواه الترمذي ( 3658 )، وحسَّنه، وابن ماجه ( 96 )، وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

* قال المباركفوري – رحمه الله -:

والمعنى: أن أهل الجنة تتفاوت منازلهم، بحسب درجاتهم في الفضل، حتى إن أهل الدرجات العلى ليراهم مَن هو أسفل منهم كالنجوم.” تحفة الأحوذي ” ( 7 / 273 ).

 

رابعًا:

وما ذكرناه فيما سبق يبين بوضوح أنه لا يستطيع أهل الدرجات الدنيا تحصيل ما في الدرجات العلى؛ لعدم قيامهم بما استحقوا من أجله تلك الدرجات، ولو اشترك أهل الجنان بالنعيم الذي أعده الله لمن هو فوقهم: لما كان للتفاوت في المنازل والدرجات حكمة! ومن عظيم عدل الله تعالى أن لا يساوي بين المستحقين للجنة في الدرجة والنعيم؛ فالتفاضل بين الناس في الدنيا في الإيمان والطاعات يؤدي إلى التفاضل في المنازل والدرجات عنده سبحانه وتعالى.

* قال القرطبي – رحمه الله -:

وقوله: ( والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين ) ولم يذكر عملًا، ولا شيئًا سوى الإيمان، والتصديق للمرسلين؛ وذلك ليُعلم أنه عنى الإيمان البالغ، وتصديق المرسلين من غير سؤال آية، ولا تلجلج، وإلا فكيف تُنال الغرفات بالإيمان, والتصديق الذي للعامة؟! ولو كان كذلك: كان جميع الموحدين في أعالي الغرفات، وأرفع الدرجات، وهذا محال، وقد قال الله تعالى ( أولئك يجزون الغرفة بما صبروا )، والصبر: بذل النفس الثبات له، وقوفًا بين يديه بالقلوب، عبوديةً، وهذه صفة المقربين.

” التذكرة ” ( ص 398 ).

مع التنبيه على أنه ليس ثمة حسد في الجنة ولا بغضاء، وفي ذلك قال تعالى (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ ) الحجر/ 47.

عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ( أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَلِجُ الْجَنَّةَ صُورَتُهُمْ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، لاَ يَبْصُقُونَ فِيهَا وَلاَ يَمْتَخِطُونَ وَلاَ يَتَغَوَّطُون، آنِيَتُهُمْ فِيهَا الذَّهَبُ، أَمْشَاطُهُمْ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَمَجَامِرُهُمُ الأَلُوَّةُ، وَرَشْحُهُمُ الْمِسْكُ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ، يُرَى مُخُّ سُوقِهِمَا مِنْ وَرَاءِ اللَّحْمِ، مِنَ الْحُسْنِ، لاَ اخْتِلاَفَ بَيْنَهُمْ وَلاَ تَبَاغُضَ، قُلُوبُهُمْ قَلْبٌ وَاحِدٌ، يُسَبِّحُونَ اللَّهَ بُكْرَةً وَعَشِيًّا .

رواه البخاري ( 3073 ) ومسلم ( 2834 ).

* قال ابن عطية الأندلسي -رحمه الله -:

وكلُّ مَن فيها قد رُزق الرضا بحاله، وذهب عنه أن يعتقد أنه مفضول، وإن كنَّا نحن قد علمنا من الشريعة أن أهل الجنة تختلف مراتبهم، على قدر أعمالهم, وعلى قدر فضل الله على من شاء. ” المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ” ( 2 / 91 ).

 

 

 

خامسًا:

وما هي السبل التي يمكن أن يرتقي بها المسلم في الجنة ليصل إلى درجة أعلى مما هو فيه؟:

  1. محض فضل الله.

فقد يمنُّ الله على من يشاء من عباده، فيكرمه برفع منزلته في الجنة إلى حيث يشاء سبحانه، والله ذو الفضل العظيم، وعليه يدل عموم قوله تعالى ( نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ) الأنعام/ من الآية83، وهو داخل في معنى صفته تعالى ” رفيع الدرجات ” على أحد التفسيرين، قال تعالى: ( رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ ) غافر/ 15.

* قال القرطبي – رحمه الله -:

وقال يحيى بن سلام: ” هو رفعة درجة أوليائه في الجنة “، فـ ( رَفِيعُ )0 على هذا بمعنى رافع فعيل بمعنى فاعل. ” تفسير القرطبي ” ( 15 / 299 ).

* وقال أبو حفص الدمشقي – رحمه الله -:

وهذا يحتمل أن يكون المراد منه: ” الرافع “، وأن يكون المراد منه ” المرتفع “، فإن حملناهُ على الأول: ففيه وجوه:

الأول: أن الله يرفع درجات الأنبياء، والأولياء في الجنة .

والثاني: يرفع درجات الخلق في العلوم، والأخلاق الفاضلة.

” اللباب في علوم الكتاب ” ( 17 / 23 ).

  1. شفاعة الشافعين.

وفي ذلك حديثان:

أ. عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعُبَيْدٍ أَبِي عَامِرٍ ) – وَرَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ – ثُمَّ قَالَ: ( اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَوْقَ كَثِيرٍ مِنْ خَلْقِكَ ). رواه البخاري ( 4067 ) ومسلم ( 2498 ).

– وأبو عامر هو الأشعري، وهو عم أبي موسى، رضي الله عنهما.

ب. عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَبِي سَلَمَةَ وَقَدْ شَقَّ بَصَرُهُ فَأَغْمَضَهُ ثُمَّ قَالَ: ( إِنَّ الرُّوحَ إِذَا قُبِضَ تَبِعَهُ الْبَصَرُ ) فَضَجَّ نَاسٌ مِنْ أَهْلِهِ فَقَالَ: ( لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِلَّا بِخَيْرٍ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ ) ثُمَّ قَالَ (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَبِي سَلَمَةَ وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي الْمَهْدِيِّينَ وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ فِي الْغَابِرِينَ وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ وَافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ ). رواه مسلم ( 920 ).

 

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

والنوع الثاني: شفاعته صلى الله عليه وسلم لقوم من المؤمنين في زيادة الثواب، ورفعة الدرجات. ” حاشية ابن القيم على مختصر سنن أبي داود ” ( 13 / 56 ).

واستدل – رحمه الله – على كلامه بالحديثين السابقين.

* وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – في بيان أنواع الشفاعة -:

النوع الثالث: الشفاعة في رفع درجات المؤمنين، وهذه تؤخذ من دعاء المؤمنين بعضهم لبعض كما قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أبي سلمة: ( اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، وأفسح له في قبره، ونوِّر له فيه، واخلفه في عقبه )، والدعاء شفاعة، كما قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( ما من مسلم يموت، فيقوم على جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئا؛ إلا شفعهم الله فيه ).

” مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين ” ( 9 / 326 ).

  1. دعاء واستغفار الولد لوالده.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِنَّ الرَّجُلَ لَتُرْفَعُ دَرَجَتُهُ فِي الْجَنَّةِ فَيَقُولُ أَنَّى هَذَا فَيُقَالُ بِاسْتِغْفَارِ وَلَدِكَ لَكَ ).

رواه ابن ماجه ( 3660 )، وحسَّنه الألباني في ” السلسلة الصحيحة ” ( 1598 ).

  1. إلحاق الآباء بدرجة الأبناء والعكس.

قال تعالى ( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ) الطور/ 21.

وعن ابن عباس قال: ” إن الله يرفع ذرية المؤمن إلى درجته وإن كانوا دونه في العمل لتقر بهم عينه ” ، وهو أثر صحيح ، له حكم الرفع ، وانظر ” السلسلة الصحيحة ” ( 2490 ) .

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – :

قال عز وجل: ( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ) الطور/21، الذين آمنوا واتبعتهم الذرية بالإيمان، والذرية التي يكون إيمانها تبعًا: هي الذرية الصغار، فيقول الله عز وجل: ( أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ) أي: جعلنا ذريتهم تلحقهم في درجاتهم.

وأما الكبار الذين تزوجوا: فهم مستقلون بأنفسهم في درجاتهم في الجنة، لا يلحقون بآبائهم؛ لأن لهم ذرية، فهم في مقرهم، أما الذرية الصغار التابعون لآبائهم: فإنهم يرقَّون إلى آبائهم، هذه الترقية لا تستلزم النقص من ثواب ودرجات الآباء، ولهذا قال: (وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ )، ( ألتناهم ) يعني: نقصناهم، يعني: أن ذريتهم تلحق بهم، ولا يقال أخصم من درجات الآباء بقدر ما رفعتم درجات الذرية، بل يقول: ( وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ ).” تفسير القرآن من الحجرات إلى الحديد ” ( ص 187 ).

سادسًا:

وليُعلم بعدما سبق أن نزول أصحاب الدرجات العليا إلى الدرجات الدنيا: أنه لا يوجد ما يمنع منه، بخلاف العكس؛ فإنه الذي لا يوجد ما يدل عليه، بل الوارد هو أنه لا يحصل، وذلك بالنظر إلى الأحاديث التي جاء فيها أنهم ينظرون إليهم، دون الارتقاء إليهم، ولمخالفته الحكمة التي من أجلها جُعل التفاضل بين الدرجات.

وأعلى ما وقفنا عليه من كلام أهل العلم في المسألة هو ما رواه أبو نعيم الأصبهاني في ” صفة الجنة ” ( 422 ) عن حميد بن هلال قال: بلغنا أن أهل الجنة يزور الأعلى الأسفل، ولا يزور الأسفل الأعلى. وحميد من التابعين، وإسناده إليه صحيح.

* هذا، وقد جاءت أحاديث تنص على ما قررناه، لكنها لا تصح، ومنها:

  1. عن أبي سلام الأسود قال: سمعتُ أبا أمامة قال: سأل رجلٌ رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل يتزاور أهل الجنة؟ قال: ( نعم، إنه ليهبط أهل الدرجة العليا إلى أهل الدرجة السفلى، فيحيونهم، ويسلمون عليهم، ولا يستطيع أهل الدرجة السفلى يصعدون إلى الأعلين، تقصر بهم أعمالهم ). رواه ابن أبي حاتم في ” تفسيره ” ( 10 / 3371 ).

وفيه ضعف، فيه سعيد بن يوسف.

* قال يحيى بن معين: ضعيف الحديث، ليس بالقوي. ” الضعفاء والمتروكين ” لابن الجوزي ( 1 / 327 ).

  1. عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يتزاور أهل الجنة على نوق عليها الحشايا، فيزور أهل عليين من أسفل منهم، ولا يزور من أسفل منهم أهل عليين إلا المتحابين في الله فإنهم يتزاورون من الجنة حيث شاؤوا ). رواه الطبراني في ” المعجم الكبير ” ( 8 / 240 ). وفيه: بِشر بن نُمير، متروك، وقد اتهم بالوضع.

* قال الهيثمى – رحمه الله -:

فيه بشر بن نمير وهو متروك. ” مجمع الزوائد ” ( 10 / 496 ).

– “الحشايا”: هي الفرش المحشوة.

  1. ورواه أبو نعيم الأصبهاني في ” صفة الجنة ” برقم ( 421 ) من طريق جعفر بن الزبير، وبشر بن نمير، عن القاسم، عن أبي أمامة مرفوعا بنحوه.

– وجعفر بن الزبير: متروك، وقد اتهم بالوضع.

– وبشر بن نمير: سبق بيان حاله.

  1. ( إذا دخل أهل الجنة الجنة فيشتاق الإخوان بعضهم إلى بعض فيسير سرير هذا إلى سرير هذا وسرير هذا إلى سرير هذا حتى يجتمعا جميعا فيتكئ هذا ويتكئ هذا فيقول أحدهما لصاحبه: تعلم متى غفر الله لنا؟ فيقول صاحبه: نعم يوم كنا في موضع كذا وكذا فدعونا الله فغفر لنا ) . وهو حديث ضعيف، انظر ” السلسلة الضعيفة ” ( 5029 ).

 

 

والله أعلم.

لماذا لا تنهانا صلاتنا عن الفحشاء والمنكر؟!

لماذا لا تنهانا صلاتنا عن الفحشاء والمنكر؟!

السؤال:

أنا أفعل معاصي كثيرة، مثل كثير من الناس، ولكنني لا أستطيع أن يفوت عليَّ يوم دون أن أكون قد أديت صلواته كاملة، وأشعر بأنه ينقصني شيء إذا ضاعت عليَّ صلاة، حتى لو كنت قد فعلت معاصي كبيرة، فهل تلك الصلاة تكون مجرد عادة أم عبادة؟ وإذا كانت عادة ماذا أفعل لكي أجعلها عبادة، وأخشع فيها؟.

وجزاكم الله كل خير.

 

الجواب:

الحمد لله

إن العلاقة بين ترك المعاصي والسيئات وبين إقامة الصلاة: علاقة وثيقة متداخلة، وما تقوله أيها السائل يُرى في كثيرين ممن التزموا الصلاة، ومع ذلك لم تنههم صلاتهم عن الفحشاء والمنكر! فما هو سبب ذلك؟ يمكن إجمال الأسباب في سببين:

الأول: وجود الخلل في الصلاة ذاتها. الثاني: النفاق! – عياذًا بالله -.

والذي يَظهر لنا أن غالب الناس الذين يُرى عليهم عدم الانفكاك بين الصلاة وبين فعل الفحشاء والمنكر إنما يعود أمرهم إلى السبب الأول، وهو الخلل في الصلاة ذاتها، ومؤدَّى ذلك أن صارت الصلاة في حياتهم عادة، لا عبادة.

* والذي نرجو منك تأمله لعلاج مشكلتك أشياء، منها:

  1. أن الله تعالى لم يأمر في آية واحدة بأداء الصلاة! بل بإقامتها، ولم يذكر الله تعالى في صفة المؤمنين أنهم يؤدون الصلاة، بل يقيمونها، وشتان بين الأداء والإقامة، وهو كالفرق بين العادة والعبادة، والذي يقيم الصلاة حقًّا هو الذي ينتهي عن فعل المعاصي والسيئات، ففي وصف المؤمنين قال الله تعالى: ( الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ) البقرة/ 3.

* قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -:

ثم قال: ( وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ ) لم يقل: يفعلون الصلاة، أو يأتون بالصلاة؛ لأنه لا يكفي فيها مجرد الإتيان بصورتها الظاهرة، فإقامة الصلاة: إقامتها ظاهرًا، بإتمام أركانها، وواجباتها، وشروطها، وإقامتها باطنًا بإقامة روحها، وهو حضور القلب فيها، وتدبر ما يقوله، ويفعله منها، فهذه الصلاة هي التي قال الله فيها: ( إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ )، وهي التي يترتب عليها الثواب، فلا ثواب للإنسان من صلاته إلا ما عقل منها، ويدخل في الصلاة: فرائضها، ونوافلها.

” تفسير السعدي ” ( ص 40 ).

 

  1. أن الله تعالى أمر المؤمنين بالاستعانة بالصلاة، ومن أعظم وجوه الاستعانة: التخلي عن الصفات والأفعال القبيحة، والتحلي بالصفات والأفعال المليحة، قال تعالى: ( وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ) البقرة/ 45.

* قال الشيخ محمد الصالح العثيمين – رحمه الله -:

فإن قال قائل: كيف تكون الصلاة عونًا للإنسان؟.

الجواب: تكون عونًا: إذا أتى بها على وجه كامل، وهي التي يكون فيها حضور القلب، والقيام بما يجب فيها، أما صلاة غالب الناس اليوم: فهي صلاة جوارح، لا صلاة قلب، ولهذا تجد الإنسان من حين أن يكبِّر: ينفتح عليه أبواب واسعة عظيمة من الهواجس التي لا فائدة منها، ولذلك من حين أن يسلِّم تنجلي عنه، وتذهب، لكن الصلاة الحقيقية التي يشعر الإنسان فيها أنه قائم بين يدي الله، وأنها روضة فيها من كل ثمرات العبادة: لا بد أن يَسلوَ بها عن كل همّ؛ لأنه اتصل بالله عزّ وجلّ الذي هو محبوبه، وأحب شيء إليه، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (جُعِلَت قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلاة ) – رواه النسائي ( 3940 )، وهو صحيح -، أما الإنسان الذي يصلي ليتسلى بها، لكن قلبه مشغول بغيرها: فهذا لا تكون الصلاة عوناً له؛ لأنها صلاة ناقصة، فيفوِّت من آثارها بقدر ما نقص فيها، كما قال الله تعالى: (اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ) العنكبوت/ 45، وكثير من الناس يدخل في الصلاة، ويخرج منها، لا يجد أن قلبه تغير من حيث الفحشاء والمنكر، هو على ما هو عليه، لا لانَ قلبُه لذِكر، ولا تحوَّل إلى محبة العبادة. ” تفسير سورة البقرة ” ( 1 / 164، 165 ).

  1. وإذا أردتَ أن تكون الصلاة عبادة لا عادة، وأن تستعين بها على طاعة الله تعالى، وترك الفواحش والمنكرات: فعليك أن تقيمها حق القيام، وأن تتفكر بما فيها من تكبير، وتسبيح، وتحميد، وقرآن، وأن تتأمل ركوعك، وسجودك، وأن تستشعر قربك من ربك تعالى، وقرب ربك منك، وبهذا تكون الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وخاصة إذا علمت الحكمة العظيمة في جعلها خمس صلوات على طول اليوم؛ فكلما خبت تقواك، ونشطت نفسك الأمارة بالسوء: جاءت الصلاة الأخرى، وهكذا تبقى محاطًا من كيد الشيطان متصلًا بربك تعالى على الدوام. قال الله تعالى: ( وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ) العنكبوت/ من الآية 45.

* قال الشيخ الطاهر بن عاشور – رحمه الله -:

الصلاة تشتمل على مذكِّرات بالله، من أقوال، وأفعال، من شأنها أن تكون للمصلي كالواعظ المذكِّر بالله تعالى، إذ ينهى سامعه عن ارتكاب ما لا يُرضي الله، وهذا كما يقال: ” صديقك مرآة ترى فيها عيوبك “، ففي الصلاة من الأقوال: تكبير لله، وتحميده، وتسبيحه، والتوجيه إليه بالدعاء، والاستغفار، وقراءة فاتحة الكتاب المشتملة على التحميد، والثناء على الله، والاعتراف بالعبودية له، وطلب الإعانة، والهداية منه، واجتناب ما يغضبه، وما هو ضلال، وكلها تذكر بالتعرض إلى مرضاة الله، والإقلاع عن عصيانه، وما يفضي إلى غضبه، فذلك صدٌّ عن الفحشاء والمنكر.

وفي الصلاة أفعال هي خضوع، وتذلل لله تعالى: من قيام، وركوع، وسجود ، وذلك يذكِّر بلزوم اجتلاب مرضاته، والتباعد عن سخطه، وكل ذلك مما يصدُّ عن الفحشاء، والمنكر.

وفي الصلاة أعمال قلبية: من نية، واستعداد للوقوف بين يدي الله، وذلك يذكِّر بأن المعبود جدير بأن تُمتثل أوامره، وتُجتنب نواهيه.

فكانت الصلاة بمجموعها: كالواعظ الناهي عن الفحشاء، والمنكر ….

ثم الناس في الانتهاء متفاوتون، وهذا المعنى من النهي عن الفحشاء والمنكر هو من حكمة جعل الصلوات موزعة على أوقات من النهار، والليل؛ ليتجدد التذكير، وتتعاقب المواعظ، وبمقدار تكرر ذلك: تزداد خواطر التقوى في النفوس، وتتباعد النفس من العصيان، حتى تصير التقوى ملَكة لها، ووراء ذلك خاصية إلهية جعلها الله في الصلاة يكون بها تيسير الانتهاء عن الفحشاء والمنكر.

روى أحمد وابن حِبّان والبيهقي عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن فلانًا يصلي بالليل فإذا أصبح سرق، فقال: ( سينهاه ما تقول ) أي: صلاته بالليل.

واعلم أن التعريف في قوله ( الفحشاء والمنكر ) تعريف الجنس، فكلما تذكَّر المصلي عند صلاته عظمة ربه، ووجوب طاعته، وذكر ما قد يفعله من الفحشاء والمنكر: كانت صلاته حينئذ قد نهته عن بعض أفراد الفحشاء، والمنكر.

” التحرير والتنوير ” ( 20 / 259، 260 ).

* وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -:

ووجه كون الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر: أن العبد المقيم لها، المتمم لأركانها، وشروطها، وخشوعها: يستنير قلبُه، ويتطهر فؤادُه، ويزداد إيمانُه، وتقوى رغبته في الخير، وتقل – أو تعدم – رغبته في الشرِّ، فبالضرورة مداومتها، والمحافظة عليها على هذا الوجه: تنهى عن الفحشاء، والمنكر، فهذا من أعظم مقاصدها، وثمراتها. ” تفسير السعدي ” ( ص 632 ).

  1. وما قلناه يؤكده حديث في سنَّة النبي صلى الله عليه وسلم، يبيِّن فيه نبينا أن الخلل هو في صلاة المسلم، وأنه متى أقامها، وأحسن شروطها، وواجباتها: نهته عن الفحشاء والمنكر.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنَّ فُلَانًا يُصَلِّي بِاللَّيْلِ، فَإِذَا أَصْبَحَ سَرَقَ، قَالَ: ( إِنَّهُ سَيَنْهَاهُ مَا يَقُولُ ).

رواه أحمد ( 15 / 483 )، وصححه الألباني في ” السلسلة الصحيحة ” ( 3482 ).

وليس المسلمون على درجة واحدة في حضور القلب، والاطمئنان، في الصلاة، بل قد بين لنا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم تفاوتهم في هذا، ويُبنى عليه: تفاوتهم في الأجر، وتفاوتهم في فعل المنكرات.

عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ( إِنَّ الرَّجُلَ لَيَنْصَرِفُ وَمَا كُتِبَ لَهُ إِلَّا عُشْرُ صَلَاتِهِ تُسْعُهَا، ثُمْنُهَا، سُبْعُهَا، سُدْسُهَا، خُمْسُهَا، رُبْعُهَا، ثُلُثُهَا، نِصْفُهَا ). رواه أبو داود ( 796 ) وحسَّنه الألباني في ” صحيح أبي داود ” .

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

ولهذا يجب علينا جميعًا – وأقول ذلك لنفسي قبلكم – أن نراجع قلوبنا كل ساعة، وكل لحظة، أين يعيش القلب؟ بماذا ينشغل؟ لماذا ينصرف عن الله؟ لماذا يلتفت يمينًا وشمالًا؟ ولكن نعوذ بالله من الشيطان الرجيم، إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وغلب على كثير من الناس، حتى إنه ليصرف الإنسان عن صلاته، التي هي رأس ماله بعد الشهادتين، فتجده إذا دخل في صلاته: ذهب قلبُه يمينًا وشمالًا، حتى يخرج من صلاته ولم يعقل منها شيئًا، والناس يصيحون يقولون: صلاتنا لا تنهانا عن الفحشاء والمنكر، أين وعد الله؟ حينها يقال: يا أخي! هل صلاتك صلاة؟ إذا كنت من حين تكبِّر تفتح لك أبواب هواجس لا نهاية لها، فهل أنت مصلٍّ ؟ صليتَ بجسدك لكن لم تصلِّ بقلبك، وقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن الرجل لينصرف من صلاته وما كتب له إلا عُشر صلاته، تسعها، ثمنها، سبعها، سدسها، خمسها، ربعها، ثلثها، نصفها ) حسب ما يعقل منها.

” لقاء الباب المفتوح ” ( 34 / المقدمة ).

  1. وأما من استمر على فعل الفواحش والمنكرات وهو يصلي ويحافظ على صلواته: فليعلم أنها صلاة خاوية، وأنه ليس له منها إلا السهر والتعب.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( رُبَّ صَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ صِيَامِهِ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ وَرُبَّ قَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ قِيَامِهِ السَّهَرُ ).

رواه ابن ماجه ( 1690 )، وصححه الألباني في ” صحيح ابن ماجه “.

* قال المناوي – رحمه الله -: يعني: أنه لا ثواب له؛ لفقد شرط حصوله، من نحو إخلاص، أو خشوع، أما الفرض: فيسقط طلبه. “التيسير بشرح الجامع الصغير” (2 /55). وللاستعانة على الخشوع في الصلاة: انظر جواب السؤال رقم ( 25778 ).

* ونوصيك بتقوى الله تعالى، والخوف منه، واستشعار رقابته، واترك فعل المعاصي قليلها وكثيرها، كبيرها وصغيرها، وتب إلى الله مما فعلته توبة صادقة، واصدق مع ربك في عدم الرجوع لفعل ما يُسخطه، وأصلح ما بينك وبينه تعالى، وثق بوعد الله في تبديل سيئاتك حسنات، وفي تثبيتك على الهداية والطاعة.

والله الموفق.

لمَ تترك المرأة الصلاة أثناء نفاسها؟

لمَ تترك المرأة الصلاة أثناء نفاسها؟

السؤال:

عندما تلد المرأة لماذا لا تصلي لمدة أربعين يومًا؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

قد تصلِّي المرأة التي تلد قبل إتمام أربعين يوما باتفاق الفقهاء؛ إذ لا حد لأقل النفاس، وإنما اختلف العلماء في أكثره، فقد جمهورهم إنه أربعون يومًا، وقال الحسن البصري: خمسون، وقالت طائفة: ستون، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية وجمع من المحققين: لا حدَّ لأكثره، بل متى انقطع دم النفاس، ورأت المرأة علامة الطهر: انتهى زمن نفاسها. وهذا القول هو الصحيح.

 

ثانيًا:

النفساء لها أحكام الحائض في جميع أحكامها المتعلقة بما يحرم عليها، ويسقط عنها، وقد أجمع المسلمون على اشتراكهما في تحريم الصيام، والصلاة، وكذا يحرم على الزوج جماعهما، إلى أن تطهران.

ومما يدل على ذلك الاشتراك: إطلاق اسم ” النفاس ” على الحيض في مواضع من السنَّة النبويَّة، ومنها:

أ. عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَرِفَ وَأَنَا أَبْكِي فَقَالَ: ( مَا لَكِ؟ أَنَفِسْتِ؟ ) قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: ( هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ اقْضِي مَا يَقْضِي الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ ).

رواه البخاري ( 5239 ) ومسلم ( 1211 ).

ب. وعن أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: بَيْنَا أَنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُضْطَجِعَةٌ فِي خَمِيصَةٍ إِذْ حِضْتُ فَانْسَلَلْتُ فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حِيضَتِي، قَالَ: ( أَنُفِسْتِ؟ ) قُلْتُ: نَعَمْ، فَدَعَانِي، فَاضْطَجَعْتُ مَعَهُ فِي الْخَمِيلَةِ. رواه البخاري ( 294 ) وبوَّب عليه: باب من سمى النفاس حيضًا، ومسلم ( 296 ).

* قال ابن المنيِّر السكندري – رحمه الله – تعليقًا على ترجمة الإمام البخاري -:

إن قلتَ: ما فقه الترجمة، وكيف تطابق الحديث، وإنما فيه تسمية الحيض نفاسًا، لا تسمية النفاس حيضًا؟.

قلتُ: أما فقههما: فالتنبيه على أن حكم الحيض والنفاس في منافاة الصلاة، ونحوها: واحد، وألجأه إلى ذلك: أنه لم يجد حديثًا على شرطه في حكم النفاس، فاستنبط من هذا الحديث: أن حكمهما واحد.

وظن الشارح أنه يلزم من تسمية الحيض نفاسًا تسمية النفاس حيضًا، وليس كذلك؛ لجواز أن يكون بينهما عموم كالإنسان والحيوان، والعَرَض واللون، وإنما أخذه البخاري من غير هذا، وهو أن الموجب لتسمية الحيض نفاسًا: أنه دم – والنَّفْس: الدم – فلما اشتركا في المعنى الذي لأجله سمِّيَ النفاس نفاسًا: وجب جواز تسمية الحيض نفاسًا، وفهم أنه دم واحد، وهو الحق، فإن الحمْل يَمنع خروج الدم المعتاد، فإذا وضعَتْ: خرج دفعة، وهذا ينبىءُ على أن تسمية النفاس لم يكن لخروج النفْس التي هي النَّسَمة، وإنما كان لخروج الدم، والله أعلم.

” المتواري على أبواب البخاري ” ( ص 81، 82 ).

* قال ابن قدامة – رحمه الله -:

وحكم النفساء حكم الحائض في جميع ما يحرم عليها، ويسقط عنها، لا نعلم في هذا خلافًا، وكذلك تحريم وطئها، وحل مباشرتها، والاستمتاع بما دون الفرج منها. ” المغني ” ( 1 / 392 ).

 

ثالثًا:

ولا بدَّ لكل مسلم أن يعتقد أن الله تعالى ما شرعَ حكمًا إلا لحكمة، علمها من علمها، وجهلها من جهلها، وإنما واجب المسلم التسليم لأمر الله تعالى بتنفيذه، ولنهيه بتركه والكف عنه، ولا مانع من البحث عن حكَم تلك الأوامر والنواهي مما لم يُذكر في النصوص، شريطة عدم الجزم به، وعدم تعليق تنفيذ تلك الأوامر بمعرفة تلك الحكمة، ولا بدَّ للمسلم من أن يعلم أن التسليم لأمر الله مع جهله بالحكمة أعظم من التسليم لها مع معرفتها؛ لظهور التعبُّد في الأولى، كما لا يخفى.

قال تعالى: ( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) النساء/ 65.

* وهذا كان حال سلف الأمة كما وصفهم شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله:

وكان مِن أعظم ما أنعم الله به عليهم: اعتصامهم بالكتاب، والسنَّة، فكان من الأصول المتفق عليها بين الصحابة، والتابعين لهم بإحسان: أنه لا يُقبل من أحدٍ قط أن يعارِض القرآن، لا برأيه، ولا ذوقه، ولا معقوله، ولا قياسه، ولا وَجده، فإنهم ثبت عنهم بالبراهين القطعيات، والآيات البينات: أن الرسول صلى الله عليه وسلم جاء بالهدى، ودين الحق، وأن القرآن يهدي للتي هي أقوم: فيه نبأ من قبلهم، وخبر ما بعدهم، وحُكم ما بينهم، هو الفصل ليس بالهزل .. .

” مجموع الفتاوى ” ( 13 / 28 ).

* وقال الأوزاعي – رحمه الله -:

من الله تعالى التنزيل، وعلى رسوله التبليغ، وعلينا التسليم.

“التمهيد ” ( 6 / 14 ).

وفي هذا السياق نفسه: جاءت امرأة لعائشة رضي الله عنها تسألها لم كانت الحائض – ومثلها النفساء بالطبع – تقضي الصوم، ولا تقضي الصلاة، فما كان من عائشة إلا أن أجابت بالنص الذي يأمر بهذا، دون تعليل ذلك الحكم، أو ذكر معنى له، وقد ظنتها عائشة أنها ليست من أهل السنَّة بسؤالها ذلك، وظنتها من الخوارج، فلما علمت أنها جاءت مستفسرة، لا متعنتة: أجابتها بالنص، ولم تزد.

عَنْ مُعَاذَةَ قَالَتْ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ فَقُلْتُ: مَا بَالُ الْحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ؟ فَقَالَتْ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ قُلْتُ: لَسْتُ بِحَرُورِيَّةٍ وَلَكِنِّي أَسْأَلُ؟ قَالَتْ: كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ.

رواه البخاري ( 315 ) ومسلم ( 335 ).

* قال ابن دقيق العيد – رحمه الله -:

و ” الحروري “: مَن ينسب إلى ” حروراء “، وهو موضع بظاهر الكوفة، اجتمع فيه أوائل الخوارج، ثم كثر استعماله حتى استُعمل في كل خارجي، ومنه قول عائشة لمعاذة: ” أحرورية أنتِ؟ “، أي: أخارجية؟، وإنما قالت ذلك لأن مذهب الخوارج أن الحائض تقضي الصلاة، وإنما ذكرت ذلك أيضًا لأن معاذة أوردت السؤال على غير جهة السؤال المجرد، بل صيغتها قد تشعر بتعجب، أو إنكار، فقالت لها عائشة: ” أحرورية أنتِ؟ ” فأجابتها بأن قالت: ” لا، ولكني أسأل ” أي: أسأل سؤالاً مجردًا عن الإنكار، والتعجب، بل لطلب مجرد العلم بالحكم، فأجابتها عائشة بالنص، ولم تتعرض للمعنى؛ لأنه أبلغ، وأقوى في الردع عن مذهب الخوارج، وأقطع لمن يعارض، بخلاف المعاني المناسبة فإنها عرضة للمعارضة.

والذي ذكره العلماء من المعنى في ذلك أن الصلاة تتكرر، فإيجاب قضائها مفضٍ إلى حرج ومشقة، فعفي عنه، بخلاف الصوم؛ فإنه غير متكرر فلا يفضي قضاؤه إلى حرج، وقد اكتفت عائشة رضي الله عنها في الاستدلال على إسقاط القضاء بكونه لم يؤمر به ….” إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام ” ( ص 90 ).

 

رابعًا:

ومع كل ما سبق: فإن بعض المشككين أراد الطعن في حكمة التشريع، فقال: كيف تؤمر الحامل بالصلاة مع ما تعانيه من تعب، وتبذله من جهد، وتترك الحائض والنفساء الصلاة، وليس يصيبهما ما يصيب الحامل، وكما قلنا فإن الأمر في ذلك تعبُّدي في أصله، ومن آمن بالله ربًّا، وعلم ما لله تعالى من صفات الكمال والجلال: لم يشك للحظة أن في تشريعه هذا من الحكَم الجليلة ما فيه، وليس على المرأة إلا أن تصلي في حال حملها، لا يسعها ترك الصلاة، وتترك النفساء والحائض الصلاة، بل ويحرم عليها أداؤها.

والمعلوم أن المشقة التي تصيب الحامل في الصيام ليست هي ذاتها التي تصيبها في الصلاة، وهذا لا يشك فيه عاقل، ولذا أبيح لها الفطر في الصيام الواجب إن كانت حاملًا، ولم يُبح لها ترك الصلاة.

 

ولا نجد لذات السؤال خيرًا من جواب عائشة رضي الله عنها، ولا نمانع قبول البحث في حكمة ذلك التشريع بالشرطين السابقين.

 

ونذكر الأخوات المسلمات أن من تركت الصلاة والصيام في حال حيضها أو نفاسها أجرت على ذلك الامتثال، فلم تضع عليها تلك الأيام، بل هي تاركة للعبادات بجوارحها، لكنها مأجورة على ذلك الامتثال.

 

* وفي ” حاشية قليوبي ” ( 1 / 114 ):

وتثاب الحائض على ترك ما حرم عليها، إذا قصدت امتثال الشارع في تركه.

انتهى.

 

 

والله أعلم.

كيفية التخلص من ذنوب الخلَوات؟ وشرح ميسر لحديث ( الإثم ما حاك في صدرك )

كيفية التخلص من ذنوب الخلوات؟ وشرح ميسر لحديث ( الإثم ما حاك في صدرك )

السؤال:

ما المقصود بـ ” ذنوب الخلوات “؟ وكيف يستطيع الإنسان التخلص منها؟.

ولدي استفسار:

حديث ( الإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس ) المفهوم من الحديث: أن الإنسان بفطرته يخجل من الإثم، ويخفيه عن الناس، فكيف الرابط بين كون الإثم مجرد إثم يرتكبه الإنسان كونه غير معصوم، وكون هذا الإثم يعدُّ من ذنوب الخلوات؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

المسلم في هذه الدنيا معرَّض للوقوع في الذنب، والمعصية, والواجب عليه – إن وقع فيهما – أن يسارع إلى التوبة، والاستغفار، قال تعالى: ( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) الزمر/ 53، وقال تعالى: ( وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا ) النساء/ 110، وقال تعالى: ( وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا. يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا. إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا. وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا ) الفرقان/ 68 – 71.

 

والله تعالى يفرح بتوبة عبده إذا تاب إليه، كما جاء في الحديث عن أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ( لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلاَةٍ فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فَأَيِسَ مِنْهَا فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِى ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِى وَأَنَا رَبُّكَ. أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ ). رواه البخاري  ( 5950(  ومسلم ( 2747 ) – واللفظ له -.

 

 

 

 

 

ثانيًا:

والواجب على المسلم أن يحذر من ذنوب الخلوات, فالله تعالى قد ذم من يستخفي بذنبه من الناس، ولا يستخفي من الله، قال تعالى: ( يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً ) النساء/ 108.

وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من ذنوب الخلوة والسر، كما جاء في الحديث عَنْ ثَوْبَانَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: ( لأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا ) قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لاَ نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لاَ نَعْلَمُ، قَالَ: ( أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا ).

رواه ابن ماجه ( 4245 )، وصححه الألباني في ” صحيح ابن ماجه “.

 

ثالثًا:

وأما الأسباب التي يدفع بها الإنسان ذنوب الخلوات:

أ. الالتجاء إلى الله تعالى بالدعاء, والتضرع إليه، أن يصرف عنه الذنوب والمعاصي، قال تعالى: ( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ) البقرة/ 186.

ب. مجاهدة النفس، ودفع وسوستها، ومحاولة تزكيتها بطاعة الله، قال تعالى: ( وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا. فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا. قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا. وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ) الشمس/ 7 – 10، وقال تعالى: ( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ) العنكبوت/ 69.

ت. تأمل الوعيد العظيم الوارد في حديث ثَوْبَانَ السابق ذِكره، وخشية انطباقه على فاعل تلك الذنوب في خلواته.

ث.  استشعار مراقبة الله تعالى، وأنه رقيب، ومطلع على المسلم في كل حال.

* قال ابن كثير – رحمه الله -:

وقد ذُكر عن الإمام أحمد رحمه الله أنه كان ينشد هذين البيتين، إما له، أو لغيره:

إذَا مَا خَلَوتَ الدهْرَ يَومًا فَلا تَقُل … خَلَوتُ وَلكن قُل عَليّ رَقيب

وَلا تَحْسَبَن الله يَغْفُل ساعةً … وَلا أن مَا يَخْفى عَلَيْه يَغيب

” تفسير ابن كثير ” ( 6 / 219 ).

 

 

 

ج. أن يتخيل المسلم  من يجلهم، ويحترمهم، ينظرون إليه وهو يفعل ذلك الذنب!، ويستشعر استحياءه من الله أكثر من استحيائه من الخلق, وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( واستحي من الله استحياءك رجلًا مِنْ أهلكَ ) صححه الألباني رحمه الله في ” السلسلة الصحيحة ” ( 3559 )، وعزاه للبزار، والمروزي في ” الإيمان “.

ح.  تذكر الموت لو أنه جاءه وهو في حال فعل المعصية، وارتكاب الذنب, فكيف يقابل ربه وهو في تلك الحال؟!.

خ. تذكر ما أعده الله لعباده الصالحين من جنة عرضها السموات والأرض, والتفكر في عذاب الله تعالى، قال تعالى: ( أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ) فصلت/ من الآية 40.

 

رابعًا:

وأما حديث النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ الأَنْصَارِي قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الْبِرِّ وَالإِثْمِ فَقَالَ: ( الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ وَالإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ ): فقد رواه مسلم ( 2553 )، وهو ميزان يدل على معرفة الذنب، والمعصية، عند الاشتباه في أمرهما.

* قال النووي – رحمه الله – في شرح الحديث -:

ومَعنَى ( حَاكَ فِي صَدْرك ) أَي: تَحَرَّكَ فِيه، وَتَرَدَّدَ، وَلَمْ يَنشَرح لَهُ الصَّدر، وَحَصَل في القَلب مِنه الشَّكّ، وَخَوْف كَونه ذَنبًا.  ” شرح مسلم ”  ( 16 / 111 ).

وقال ابن رجب – رحمه الله -:

إشارةٌ إلى أنَّ الإثم: ما أثَّر في الصدر حرجًا، وضيقًا، وقلقًا، واضطرابًا، فلم ينشرح له الصَّدرُ، ومع هذا: فهو عندَ النَّاسِ مستنكرٌ، بحيث ينكرونه عند اطلاعهم عليه، وهذا أعلى مراتب معرفة الإثم عندَ الاشتباه.

” جامع العلوم والحكَم ”  ( ص 254 ).

فإذا تردد القلب السليم من الهوى في أمرٍ هل هو معصية أم لا؟ فلينظر صاحبه إلى فعله لهذا الأمر أمام الناس, فإن استحيى من فعله أمامهم ، أو اطلاعهم عليه : فهو مظنة كونه ذنبًا، ومعصية, وإن كانت النفس بطبيعتها تستحي من فعل الذنب والمعصية جهارًا أمام الناس.

ولا يعني ذلك أن لا يؤاخذ بذلك؛ لأن من طبيعة الناس إخفاء الذنب, بل فعل المعصية بحد ذاته ذنب, وإذا صاحبه مجاهرة: فهو ذنب آخر, وهكذا ربما يقترن بالذنب أمور أخرى تزيده آثامًا، وتضاعفه عقوبة.

 

 

وربما يكون ذنب الخلوة أعظم؛ لأن تعظيم الخالق أولى من تعظيم المخلوق, فأن يكون الإنسان استحياؤه من الناس أعظم من الله: دليل على نقص الإيمان، وضعف التقوى, فوجه تعظيم ذنوب الخلوات: أن بها استصغاراً لنظر الخالق، ومراقبته.

 قال ابن رجب – رحمه الله -: 

قال بعض العارفين: ” اتق الله أن يكون أهون الناظرين إليك “، وقال بعضهم: ” ابن آدم إن كنتَ حيث ركبتَ المعصية لم تصف لك من عينٍ ناظرة إليك، فلما خلوتَ بالله وحده صفتْ لك معصيته, ولم تستحي منه حياءك من بعض خلقه: ما أنت إلا أحد رجلين: إن كنتَ ظننتَ أنه لا يراك: فقد كفرت, وإن كنتَ علمتَ أنه يراك فلم يمنعك منه ما منعك من أضعف خلقه: لقد اجترأت.

” جامع العلوم والحكَم ” ( ص 162 ).

 

والله سبحانه نسأله أن يحفظنا وإياكم من الذنوب والمعاصي، وأن يعيننا على أنفسنا.

 

 

والله أعلم.

 

حكم تزيين المساجد وحكم كتابة الأدعية والآيات على جدرانها

حكم تزيين المساجد وحكم كتابة الأدعية والآيات على جدرانها

السؤال:

نحن الآن في طور بناء، وترميم المسجد الذي في حيِّنا، هنا في أمريكا، وقد عرض علينا بعض المحسنين أن يتكفلوا بتزيين الجدران الداخلية للمسجد ببعض الآيات القرآنية، والتشكيلات الدينية، والتي ستكون – بإذن الله – بعيدة عن أعين المصلِّين، بحيث لا تشغلهم ـ أو تلهيهم عن الصلاة، كما أن هذا ” النحت ” سيكون عبارة عن بعض الأدعية، والآيات، التي تعين مَن لا يحفظ مثل هذه الأدعية والآيات أن يقرأها مباشرة من الجدار، إضافة أنها ستضفي رونقًا خاصًّا للمسجد، بحيث يتعرف بعض الزوار من غير المسلمين على مدى اهتمام المسلمين بأماكن العبادة، علاوة على ذلك: فإن لها نكهة خاصة من شأنها أن تربط أبناءنا بنمط ” البناء الإسلامي “، لا سيما أنهم يعيشون هنا، ولا يعلمون شيئًا عن ثقافتهم المعمارية.  فما الحكم في هذا الشأن؟.

وجزاكم الله خيرًا.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

كتابة الآيات، والأحاديث، والأدعية على الجدران: الذي يظهر هو المنع من ذلك كله؛ لأن المقصود بالكتابة هو الزينة المتباهى بها، والتي تشغل المصلين في صلاتهم، والتي تجعل المساجد متاحف، وأماكن للسياحة، كما يحدث – للأسف – في كثير من البلدان، وليس هذا الأمر مما يفتخر به المسلمون، وإنما فعله من ركن إلى الدنيا، وأراد منافسة الكفار في بنائهم، أو مباهاة غيره من الحكام، وإنما عمارة المساجد عندنا: إقامة الصلاة فيها، والاعتكاف، والتعليم، وذِكر الله، وليس هو تشييدها بأنواع الحجارة، ولا طليها بمختلف الألوان، ولا تزويقها بأشكال من الخطوط تُرسَم فيها الآيات، وتُكتب فيها الأحاديث والأدعية.

 

ثانيًا:

ونبدأ بالآيات القرآنية فنقول: إن تعليق الآيات القرآنية على جدران البيوت، أو المساجد: لا يجوز، فالقرآن لم ينزله الله تعالى من أجل أن يكون زينةً للجدران.

 

 

* سئل فضيلة الشيخ ابن العثيمين – رحمه الله -:  

ما حكم كتابة الآيات والأحاديث على جدران المساجد؟.

فأجاب:

هذه تشوِّش على النَّاس، أما كتابة الآيات على الجدران سواءً في المساجد، أو غيرها : فإنها من البدع، لم يوجد عن الصحابة أنهم كانوا ينقشون جدرانهم بالآيات، ثم إن اتخاذ الآيات نقوشًا في الجدران: فيه شيء من إهانة كلام الله، ولذلك نجد بعضهم يكتب الآيات وكأنها قصور، أو مآذن، أو مساجد، أو ما أشبه ذلك، يكيف الكتابة حتى تكون كأنها قصر، ولا شك أن هذا عبث بكتاب الله عز وجل، ثم لو قدِّر أنها كُتبت بكتابة عربية مفهومة: فإن ذلك ليس من هدي السلف، وما الفائدة من كتابتها على الجدار؟ يقول بعض الناس: يكون تذكيرًا للناس، فنقول: التذكير يكون بالقول، لا بكتابة الآيات، ثم إنه أحيانًا يكتب على الجدار: ( وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ) الحجرات/ 12، وتجد الذين تحت الآية هذه يغتابون الناس، فيكون كالمستهزئ بآيات الله.

إذًا: كتابة الآيات في المساجد، وعلى جدران البيوت كلها: من البدع، التي لم تكن معهودة في عهد السلف.

أما كتابة الأحاديث: ففي المساجد إذا كانت في القبلة: لا شك أنها توجب التشويش، وقد يكون هناك نظرة، ولو من بعض المأمومين إليها في الصلاة، وقد كره العلماء رحمهم الله أن يُكتب الإنسان في قبلة المسجد شيء، أما في البيت: فلا بأس أن يَكتب حديثًا يكون فيه فائدة، مثل كفارة المجلس: ( سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليه ) هذا فيها تذكير.

” لقاء الباب المفتوح ” ( 197 / السؤال رقم 8 ).

* وسئل الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله -:

ما حكمُ تعليقِ الآيات القرآنية على الجدران؟.

فأجاب :

يجبُ تعظيمُ القرآنِ الكريمِ، وتلاوته، وتدبُّره، والعمل به، أما تعليقه على الجدران: فهو من العبث، وقد يؤدي ذلك إلى امتهانه.

وأيضًا: قد يتَّخذُ ذلك من باب تجميل الجدران بالديكورات، والرسومات، والكتابات، فيُجعل القرآن ضمن ذلك، وقد يُكتب على شكل نقوش يُقصد منها المناظرُ فقط.

وعلى كل حال: فالقرآن يجب أن يُصان عن هذا العبث، وما كان السَّلف يعملون هذا، والقرآن لم ينزل ليُكتب على الجدران، وإنما أنزل ليُكتب في القلوب، ويظهر أثره على الأعمال والتصرُّفات. ” المنتقى من فتاوى الشيخ الفوزان ” ( 2 / 77 ).

وكلام الشيخين في المنع يشمل جدران البيت، وجدران المسجد، بل عموم الجدُر.

 

ثالثًا:

وأما كتابة الأحاديث والأدعية على جدران المسجد: فالأظهر منع ذلك؛ لأنه لا يراد به -عادة وغالبًا- إلا الزينة، وإذا كان المراد به الفائدة للناس لحفظها والتذكير بألفاظها: فيجوز إذا التزمت الشروط التالية:

  1. عدم جعل الأحاديث والأدعية مكتوبة على الجدران رسمًا؛ لأنها لا تزال، فلا يستفاد من مكانها إن حفظها المصلون، بل تكتب على ورق حائط، يسهل تعليقه ونزعه، وخاصة فيما يحتاجه المسلمون من معرفة ما يُكتب في مناسباتهم الموسمية.
  2. أن لا تكون في قبلة المصلين؛ حتى لا تشغلهم في صلاتهم.
  3. أن لا تستعمل الزينة في الكتابة بما تفقد الحديث والدعاء هيبته .
  4. تجنب كتابتها بشكل غير مقروء، أو جعلها على شكل طائر، أو رجل ساجد، وما يشبهه.
  5. أن تغيَّر باستمرار، بحسب حاجة الناس، لإزالة جهل، أو تذكير بفضل، أو تثبيت حفظ.

والذي يظهر لنا أن منع من العلماء من كتابة الأدعية والأحاديث على الجدران إنه إنما نظر إلى اختلال هذه الشروط أو بعضها في كتابات كثيرين، وهو ما حاولنا ضبطه بالضوابط السابقة.

 

رابعًا:

وأما تزيين جدران المساجد: فقد اختلف فيه أهل العلم ، والراجح: هو المنع منه ، خاصة إن كانت الزينة من أموال الوقف، أو كانت مُلهية للمصلين، ومشوشة عليهم في صلاتهم، أو بُذلت أموال طائلة في سبيل ذلك.

عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ( لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَبَاهَى النَّاسُ فِي الْمَسَاجِدِ ). رواه أبو داود ( 449 ) والنسائي ( 689 ) وابن ماجه ( 739 ) وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

وروى البخاري ( 1 / 171 ) عن أَنَس بنِ مالِك: ” يَتَبَاهَوْنَ بِهَا، ثُمَّ لاَ يَعْمُرُونَهَا إِلاَّ قَلِيلًا “. والأثر وصله ابن أبي شيبة في ” المصنف ” ( 1 / 309 )، وفيه رجل مجهول.

* قال بدر الدين العيني -رحمه الله -:

قوله ” يتباهَون ” بفتح الهاء من المباهاة، وهي المفاخرة، والمعنى: أنهم يزخرفون المساجد، ويزينونها، ثم يقعدون فيها، ويتمارون، ويتباهون، ولا يشتغلون بالذِّكْر، وقراءة القرآن، والصلاة.

– قوله ” بها “، أي: بالمساجد، والسياق يدل عليه.

” عمدة القاري ” ( 4 / 205 ).

روى البخاري ( 1 / 171 ) عن ابْن عَبَّاسٍ قولَه: ” لَتُزَخْرِفُنَّهَا، كَمَا زَخْرَفَتِ الْيَهُودُ، وَالنَّصَارَى “.

وهذا الأثر وصله ابن أبي شيبة في ” المصنف ” ( 1 / 309 ) وغيره، وصححه الألباني في تحقيق ” إصلاح المساجد من البدع والعوائد ” لجمال الدين القاسمي ( 94 )، وفي ” صحيح أبي داود ” الكامل ( 2 / 347 ).

* قال البغوي – رحمه الله -:

وقول ابن عباس: لتزخرفنَّها كما زخرفت اليهود والنصارى، معناه: أن اليهود والنصارى إنما زخرفوا المساجد عندما حرفوا وبدلوا أمر دينهم، وأنتم تصيرون إلى مثل حالهم، وسيصير أمركم إلى المراءات بالمساجد، والمباهاة بتشييدها، وتزيينها.

” شرح السنة ” ( 2 / 350 ).

* وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 11 / 275 ):

يحرُم تزيين المساجد بنقشها، وتزويقها بمال الوقف، عند الحنفية، والحنابلة، وصرَّح الحنابلة بوجوب ضمان الوقف الذي صرف فيه؛ لأنه لا مصلحة فيه، وظاهر كلام الشافعية: منع صرف مال الوقف في ذلك، ولو وقف الواقف ذلك عليهما – النقش، والتزويق -: لم يصح في القول الأصح عندهم، أما إذا كان النقش والتزويق من مال الناقش: فيُكره – اتفاقًا- في الجملة إذا كان يُلهي المصلي، كما إذا كان في المحراب، وجدار القبلة.  انتهى.

 

 

 

 

* سئل علماء اللجنة الدائمة:

عن مشروع يتبنى ” زخرفة المساجد “؟.

فأجابوا:

هذا العمل غير مشروع؛ للأحاديث الصحيحة في النهي عن زخرفة المساجد، ولأن في ذلك إشغالًا للمصلين عن صلاتهم بالنظر، والتفكر في تلك الزخارف، والنقوش.

الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” المجموعة الثانية ( 5 / 191 ).

* وقد جُمعت مسألتا كتابة الآيات، وزخرفة المساجد في فتوى واحدة من فتاوى اللجنة الدائمة:

قالوا:

لا يجوز زخرفة المساجد ، ولا كتابة الآيات القرآنية على جدرانها؛ لما في ذلك من تعريض القرآن للامتهان، ولما فيه من زخرفة المساجد المنهي عنها ، وإشغال المصلين عن صلاتهم بالنظر في تلك الكتابات والنقوش.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” المجموعة الثانية ( 5 / 190 ).

 

 

والله أعلم.

تركت القيام في الصلاة وهي حامل؛ لجهلها بحكمه؛ ولمشقة ذلك عليها

تركت القيام في الصلاة وهي حامل؛ لجهلها بحكمه؛ ولمشقة ذلك عليها

السؤال:

زوجتي كانت حاملًا بطفلتي الأولى، قبل تسع سنوات تقريبًا، وكانت تعاني في حملها معاناة شديدة، فكانت تصلي جالسة غالب الصلوات، ولكنها أحيانا كانت تستطيع القيام في الصلاة، ولكنها تفضل الصلاة جالسة؛ لجهلها بالحكم، ولعدم زيادة الألم من جهة أخرى.

الآن ماذا عليها أن تفعل، هل تعيد تلك الصلوات أم ماذا عليها أن تفعل؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الواجب على المسلم أن يصلي حسب طاقته، وقدرته، فيصلي ابتداء قائمًا، فإن لم يستطع فقاعدًا، فإن لم يستطع فعلى جنبه؛ لقول الله عز وجل: ( فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ) التغابن / 16، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين – وقد أصابته ” البواسير ” -: ( صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِع فَقَاعَدًا، فَإِنْ لَمْ تَْستَطِع فَعَلَى جَنْبٍ ) رواه البخاري ( 1066 ).

ثانيًا:

ومتى قدر المريض في أثناء صلاته الفريضة على ما كان عاجزًا عنه، من قيام، أو قعود، أو ركوع، أو سجود، أو إيماء: انتقل إليه، وبنى على ما مضى من صلاته.

وإذا كان القيام يسبّب زيادة في المرض، أو تأخيرًا في البرء منه: فلا بأس بالصلاة جالسًا، ولكن لا تصح الصلاة جالسًا مع القدرة على القيام؛ لأن القيام ركن.

ثالثًا:

يجب العلم بأنه لا يعذر بالجهل من عنده القدرة على تعلم ما هو واجب عليه من ضروريات الدين ولم يتعلمه، كالصلاة لعموم المكلفين بها، وكالزكاة لمن ملك مالًا، فإذا كان بإمكانه أن يتعلم بسؤال أهل العلم، ولم يفعل: فهو مقصر، وعليه إثم التقصير.

رابعًا:

وإذا كان المكلّف معذورًا بجهله، فترك شرطًا من شروط صحة الصلاة، أو ترك ركنًا من أركانها: فليس عليه قضاء ما خرج وقته من الصلوات، وعليه قضاء الصلاة التي يبلغه فيها العلم قبل خروج وقتها، ودليل ذلك:

أ. أما في ترك الشرط جهلًا به: فهو ما وقع لعمر بن الخطاب في تركه للصلوات لما أجنب؛ ظانًّا عدم جوازه، والحديث رواه البخاري ( 339 ) ومسلم ( 368 ).

ب. وأما في ترك شيء من أركان الصلاة جهلًا بها: فهو ما وقع للصحابي الذي ترك الطمأنينة في الأركان، فحكم النبي صلى الله عليه وسلم على صلاته بالبطلان، ولم يأمره إلا بإعادة الصلاة نفسها، دون ما سبقها من صلوات.

 

* والخلاصة بخصوص زوجتك:

  1. عليها إثم التقصير في تعلم أحكام الصلاة، وإثم التقصير عن السؤال عن أحكام صلاتها.
  2. ليس عليها إثم، ولا قضاء في حال صلّت جالسة بسبب تعب حملها، ومشقة القيام عليها.
  3. عليها إثم الصلاة جالسة في حال استطاعت الصلاة قائمة من غير مشقة، ويرتفع عنها الإثم في حال جهلها بهذا الحكم، وليس عليها قضاء ما فات في كل الأحوال.

 

 

والله أعلم.

الرد على مقولة ” السماء قبلة الدعاء ” وبيان اعتقاد أهل السنَّة أن الله تعالى في السماء

الرد على مقولة ” السماء قبلة الدعاء ” وبيان اعتقاد أهل السنَّة أن الله تعالى في السماء

السؤال:        

ما رد فضيلتكم على هذه الأقوال: ” لأن الله تعالى لا يتحيز في مكان، إنما السماء قبلة الدعاء، ومهبط الرحمات، قال تعالى: ( يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب )، السماء إلى فناء، تعالى الله أن يتحيز فيها، وقال عليه الصلاة والسلام: (أطَّت السماء وحُقَّ لها أن تئط فليس فيها مكان إلا فيها ملك قائم أو راكع أو ساجد ) فتعالى الله أن يتحيز بين الملائكة، أما قول الله تعالى ( أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض ): فما من أحد من العلماء المعتبرين قال إن المقصود هو الله تعالى، إنما من ملائكته في السماء، والموكل بالخسف هو سيدنا جبريل “.

وشكرًا لكم.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الكلام الوارد في السؤال هو من إنشاء أهل البدع والأهواء نفاة العلو لله الواحد القهَّار ، وقد شاع بين ” الأشاعرة ” ، وكانوا قد ورثوه عن ” الجهمية “.

وأصل ذلك: أنهم أرادوا نفي علو ذات الله تعالى، وغاظهم ما يجده الناس في فطَرهم ضرورة من توجه قلوبهم نحو السماء، ومن رفع أيديهم تجاهها، فزعموا أن ” السماء قبلة للدعاء “! وأن توجه المسلمين بقلوبهم نحوها، ورفع أيديهم باتجاهها: هو توجه للقبلة، كما يتوجهون للكعبة قبلة الصلاة! حتى روى بعض الكذَّابين المعطلة في ذلك حديثاً نسبه للنبي صلى الله عليه وسلم، بلفظ ( السماءُ قِبلةُ الدعاء )!

* قال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني – رحمه الله -:

لم أقف له على أصل، إلا ما قاله الحافظ في ” نتائج الأفكار ” ( 1 / 259، 260 ) في ” آداب الدعاء “:

” قلت: أما الاستقبال: فلم أرَ فيه شيئاً صريحاً يختص به، وقد نقل الروياني أنه يقول رافعاً بصره إلى السماء، وقد تقدم ذلك فِي حَدِيثِ عمر، وفي حديث ثوبان: ” السماء قبلة الدعاء “، فلعل ذلك مراد مَن أطلق “.

كذا قال! وحديث ثوبان تقدم عنده ( 1 / 245 )، وليس فيه ما ذكر، ولا رأيتُ ذلك في كتاب من كتب السنَّة التي وقفتُ عليها، بل ظاهر كلام شارح ” العقيدة الطحاوية ” ابن أبي العز ( ص 327 ) وغيره: أن هذا الحديث المزعوم هو من قول بعض المؤولة، أو المعطلة الذين ينكرون علو الله على خلقه، واستواءه على عرشه، وما فُطر عليه الناس من التوجه بقلوبهم في دعائهم جهة العلو، فقال الشارح:

” إن قولكم: إن ” السماء قبلة الدعاء “: لم يقله أحدٌ من سلف الأمة، ولا أنزل الله به من سلطان … “. ” السلسة الضعيفة ” ( 13 / 443 ).

وقد تكررت هذه العبارة في كتب مشهورة، ولمؤلفين علماء، مما ساهم في انتشار هذه المقولة حتى ظنها كثيرون عقيدة صحيحة، وما ذلك منهم – رحمهم الله – إلا بسبب أشعريتهم، ونفيهم لعلو ذات الله تعالى، والحق أحق أن يُتبَّع، ولا ينبغي التوقف في خطأ هذه العبارة، وضلال معناها.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

إن الذين يرفعون أيديهم، وأبصارهم، وغير ذلك، إلى السماء وقت الدعاء: تقصد قلوبُهم الربَّ الذي هو فوق، وتكون حركة جوارحهم بالإشارة إلى فوق: تبعًا لحركة قلوبهم إلى فوق، وهذا أمرٌ يجدونه كلهم في قلوبهم وَجْدًا ضروريًّا، إلا من غُيرت فطرتُه باعتقاد يصرفه عن ذلك، وقد حكى محمد بن طاهر المقدسي عن الشيخ أبي جعفر الهمذاني أنه حضر مجلس أبي المعالي – أي: الجويني – فذكر العرش، وقال: ” كان الله ولا عرش “، ونحو ذلك، وقام إليه الشيخ أبو جعفر، فقال: يا شيخ دعنا من ذِكر العرش، وأخبرنا عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا: فإنه ما قال عارف قط ” يا الله “: إلا وجد في قلبه ضرورة لطلب العلو، لا يلتفت يمنة، ولا يسرة، قال: فضرب أبو المعالي على رأسه، وقال: ” حيرني الهمذاني “.

فأخبر هذا الشيخ عن كل من عرف الله: أنه يجد في قلبه حركة ضرورية إلى العلو إذا قال: ” يا الله “، وهذا يقتضي أنه في فطرتهم، وخِلقتهم: العلم بأن الله فوق، وقصده، والتوجه إليه: إلى فوق. ” بيان تلبيس الجهمية ” ( 2 / 446، 447 )، وفي ( 4 / 518 ، 519 ) طبعة المدينة.

ثانيًا:

وقد ردَّ علماء أهل السنَّة والجماعة على ذلك الزعم، وتلك العقيدة، وأثبتوا بمئات الأدلة علو الله تعالى على خلقه، بأدلة من القرآن، والسنَّة، والإجماع، والعقل، والفطرة، وقد جمعوا في ذلك مصنفات خاصة، ككتاب العلو للإمام الذهبي، أو جعلوها في مصنفاتهم العامة في الاعتقاد، ككتاب ” بيان تلبيس الجهمية ” لشيخ الإسلام ابن تيمية.

وقد ردَّ الإمام ابن أبي العز الحنفي رحمه الله على تلك المقولة، وذلك الاعتقاد، فقال:

واعترض على الدليل الفطري: أن ذلك إنما كان لكون ” السماء قبلة للدعاء “، كما أن الكعبة قبلة للصلاة.

وأجيب على هذا الاعتراض من وجوه:

أحدها: أن قولكم ” إن السماء قبلة للدعاء “: لم يقله أحدٌ من سلف الأمة، ولا أَنزل الله به من سلطان، وهذا من الأمور الشرعية الدينية، فلا يجوز أن يَخفى على جميع سلف الأمة، وعلمائها.

الثاني: أن قبلة الدعاء هي قبلة الصلاة، فإنه يستحب للداعي أن يستقبل القبلة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستقبل القبلة في دعائه في مواطن كثيرة، فمن قال إن للدعاء قبلة غير قبلة الصلاة، أو إن له قبلتين: إحداهما الكعبة، والأخرى السماء: فقد ابتدع في الدين، وخالف جماعة المسلمين.

الثالث: أن القبلة: هي ما يستقبله العابد بوجهه، كما تستقبل الكعبة في الصلاة، والدعاء، والذكر، والذبح، وكما يوجه المحتضر، والمدفون، ولذلك سميت: ” وجهة “، والاستقبال خلاف الاستدبار، فالاستقبال: بالوجه، والاستدبار: بالدبر، فأما ما حاذاه الإنسان برأسه، أو يديه، أو جنبه: فهذا لا يسمَّى ” قبلة “، لا حقيقة، ولا مجازًا، فلو كانت السماء قبلة الدعاء: لكان المشروع أن يوجه الداعي وجهه إليها، وهذا لم يشرع، والموضع الذي ترفع اليد إليه لا يسمَّى ” قبلة “، لا حقيقةً، ولا مجازًا.

ولأن القبلة في الدعاء أمر شرعي تتبع فيه الشرائع، ولم تأمر الرسل أن الداعي يستقبل السماء بوجهه، بل نهوا عن ذلك.

ومعلوم أن التوجه بالقلب، واللجأ، والطلب الذي يجده الداعي من نفسه: أمر فطري، يفعله المسلم، والكافر، والعالم، والجاهل، وأكثر ما يفعله: المضطر، والمستغيث بالله، كما فطر على أنه إذا مسه الضر يدعو الله.

مع أن أمر القبلة مما يَقبل النسخ، والتحويل، كما تحولت القبلة من الصخرة إلى الكعبة، وأمر التوجه في الدعاء إلى الجهة العلوية مركوز في الفطر.

والمستقبل للكعبة يعلم أن الله تعالى ليس هناك، بخلاف الداعي، فإنه يتوجه إلى ربه وخالقه، ويرجو الرحمة أن تنزل من عنده.

” شرح العقيدة الطحاوية ” ( ص 188 ).

 

ثالثًا:

وأما ما جاء في آخر السؤال:

” أما قول الله تعالى ( أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض ): فما من أحد من العلماء المعتبرين قال إن المقصود هو الله تعالى، إنما من ملائكته في السماء، والموكل بالخسف هو سيدنا جبريل “: فهو كلام باطل يحوي مغالطات عدَّة، وبيان ذلك:

  1. أن الإمام الطبري شيخ وإمام المفسرين ( توفي 310 هـ ) قد قال بأن المقصود بقوله تعالى ( من في السماء ): أنه الله! وهذا يكفي لتكذيب النفي الوارد في السؤال.

 

* قال الإمام الطبري – رحمه الله -:

قول تعالى ذِكره: ( أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ ) أيها الكافرون.

( أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ ) يقول: فإذا الأرض تذهب بكم، وتجيئ، وتضطرب.

( أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ ) وهو الله.

( أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ) وهو التراب فيه الحصباء الصغار.

” تفسير الطبري ” ( 23 / 513 ).

* وقال الحافظ ابن عبد البر – رحمه الله – :

وأما قوله تعالى: ( أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ ) الملك/16 فمعناه: مَن على السماء, يعني: على العرش. ” التمهيد ” ( 7 / 130 ).

فهذان قولان لمفسِّر فقيه، ومحدِّث فقيه, وبهما يتبين بجلاء نقض ذلك الزعم بأنه لا أحد من العلماء المعتبرين يقول بأن معنى ( من في السماء ) أنه الله، ولو شئنا لسردنا عشرات النقولات عن الأئمة المعتبرين، سلفًا, وخلَفًا.

  1. وفي النقل السابق تكذيب لزعم آخر في تلك الجملة، وهو أن جبريل عليه السلام هو الموكل بالخسف، وقد نسب الله تعالى ذلك لنفسه في مواضع أخرى، وهو يؤكد أن الضمير في الآية يرجع إليه سبحانه وتعالى، كما قاله الطبري، وكما هو اعتقاد أهل السنَّة والجماعة، ومن هذه المواضع:

أ. قوله تعالى: ( أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ ) النحل/ 45.

ب. قوله تعالى: ( وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْأِنْسَانُ كَفُورًا. أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا. أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا ) الإسراء/ 67 – 69.

وبذلك نطق النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة، منها:

أ. قوله: ( أَلاَ تَأْمَنُونِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِى السَّمَاءِ، يَأْتِينِي خَبَرُ السَّمَاءِ صَبَاحًا وَمَسَاءً ).

رواه البخاري ( 4351 ) ومسلم ( 1064 ).

ب. وقوله: ( ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ ).

رواه الترمذي ( 1924 )، وقال: حسن صحيح.

وبتأمل هذه الآيات يتبين خطأ ما زعمه ذلك الزاعم من نفي نسبة الخسف أنه من أفعال الله تعالى، وتحريف ذلك بنسبته للملائكة، وكل ذلك يفعلونه، ويتجرؤون عليه، من أجل تعطيل صفة العلو لله تعالى، والله المستعان.

 

 

رابعًا:

وأما قوله: ” السماء إلى فناء، تعالى الله أن يتحيز فيها، وقال عليه الصلاة والسلام: ( أطَّت السماء وحُقَّ لها أن تئط فليس فيها مكان إلا فيها ملك قائم أو راكع أو ساجد ) فتعالى الله أن يتحيز بين الملائكة “: فهو كلام حق أريد به باطل! فالحق أن الله ليس متحيزا في السماء، ولا هو – تعالى – متحيز بين الملائكة، والباطل: هو إرادة نفي علو الله تعالى على خلقه، والباطل هو إيهام الناس أن السماء له معنى واحد، وهو ذلك الجرم المخلوق.

ولم يثبت أهل السنَّة أن الله تعالى في السماء من شعرِ شاعر، ولا من نثر فصيح، بل أثبتوا ذلك من قوله تعالى نفسه، كما في آية الملك، وغيرها، وأثبتوا ذلك من سنَّة النبي صلى الله عليه وسلم الصحيحة.

ولدحض فرية المعطلة نقول: إن لفظ ” السماء ” له معنيان: الأول: العلو، والثاني: الجرم المخلوق، فإذا قال السلفي ” الله في السماء ” فإن يقول بما قاله ربه تعالى، ومعنى السماء هنا: العلو، ولا يعتقد أهل السنة أن ” في ” هنا ظرفية، وأن ” السماء ” هنا هي المظروف المخلوق، وهذا ما يكيد به أهل البدعة، ويوهمونه للناس أنه من اعتقاد أهل السنَّة، ومن أراد بلفظ السماء ذلك الجرم المخلوق: فإنه يجعل ” في ” بمعنى “على “.

* قال الحافظ ابن عبد البر – رحمه الله -:

وأما قوله تعالى: ( أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ ) الملك/16 فمعناه: مَن على السماء يعني: على العرش.

وقد يكون ” في ” بمعنى ” على “، ألا ترى إلى قوله تعالى: ( فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ) التوبة/ 2 أي: على الأرض، وكذلك قوله: ( وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ ) طه/ 71. ” التمهيد ” ( 7 / 130 ).

* وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

معنى كون الله في السماء: معناه على السماء أي فوقها، فـ ( في ) بمعنى ” على “، كما جاءت بهذا المعنى في قوله تعالى: ( قل سيروا في الأرض ) أي: عليها.

ويجوز أن تكون ( في ) للظرفية، و ( السماء ) على هذا بمعنى العلو، فيكون المعنى: أن الله في العلو، وقد جاءت السماء بمعنى العلو في قوله تعالى: ( أنزل من السماء ماء ).

ولا يصح أن تكون ( في ) للظرفية إذا كان المراد بالسماء الأجرام المحسوسة؛ لأن ذلك يوهم أن السماء تحيط بالله، وهذا معنى باطل؛ لأن الله أعظم من أن يحيط به شيء من مخلوقاته ” انتهى. ” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 4 / 283 ) .

 

* وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

السلف، والأئمة، وسائر علماء السنَّة إذا قالوا: ” إنه فوق العرش “، و ” إنه في السماء فوق كل شيء “: لا يقولون إن هناك شيئًا يحويه ، أو يحصره، أو يكون محلاًّ له، أو ظرفًا، ووعاءً، سبحانه وتعالى عن ذلك، بل هو فوق كل شيء، وهو مستغنٍ عن كل شيءٍ، وكل شيءٍ مفتقرٌ إليه، وهو عالٍ على كل شيءٍ، وهو الحامل للعرش، ولحملة العرش، بقوته، وقدرته، وكل مخلوق مفتقرٌ إليه، وهو غنيٌّ عن العرش، وعن كل مخلوق.

 

وما في الكتاب والسنة من قوله: ( أأمنتم من في السماء ) ونحو ذلك: قد يَفهم منه بعضُهم أن ” السماء ” هي نفس المخلوق العالي العرش فما دونه، فيقولون: قوله ( في السماء ) بمعنى: ” على السماء “، كما قال: ( ولأصلبنكم في جذوع النخل ) أي: على جذوع النخل، وكما قال: ( فسيروا في الأرض ) أي: على الأرض.

ولا حاجة إلى هذا، بل ” السماء ” اسم جنس للعالي، لا يخص شيئا، فقوله: ( في السماء ) أي: في العلو دون السفل.

 

وهو العلي الأعلى فله أعلى العلو، وهو ما فوق العرش، وليس هناك غيره، العلي الأعلى، سبحانه وتعالى. ” مجموع الفتاوى ” ( 16 / 100، 101 ).

 

والله أعلم.

الدعاء الجماعي، ما يجوز منه، وما لا يجوز

الدعاء الجماعي، ما يجوز منه، وما لا يجوز

السؤال:

هل يجوز الدعاء بشكل جماعي كأن يدعو الإمام بعد القاء المحاضرة مثلًا؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أوّلًا:

لا شك أن عبادة الدعاء من أفضل العبادات التي يتعبد المسلم فيها ربه؛ قال تعالى: ( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ) غافر/ 60.

وعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ( الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ، “قَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ” ). رواه الترمذي ( 2969 ) وصححه، وأبو داود (1479 ) وابن ماجه ( 3828 ).

 

ثانيًا:

وننبه هنا إلى أمرٍ مهم، يختلط على كثير من الناس، وهو التفريق بين ” الذِّكر الجماعي “، و ” الدعاء الجماعي “، فالأول: ليس له وجود في الشرع، وما يحاوله أهل البدع من الاستدلال عليه بأحاديث من السنَّة لا يسلم لهم، فلم يثبت أن ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ربَّه مع أصحابه بصوتٍ واحد، ولا أنه كان يذكر ربَّه ويردد من خلفه أصحابه رضي الله عنهم.

 

وأما الدعاء الجماعي: فله أصل في الشرع! وصوره كثيرة، ففي قنوت النوازل، وقنوت الوتر كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو، ويؤمن أصحابه على دعائه من خلفه، وجمهور العلماء يرون تأمين المصلين على دعاء الخطيب يوم الجمعة، وكذا في الاستسقاء، وهكذا في صور مختلفة متعددة، والأصل أنه من كان في مجتمع من الناس فجاز له – أو استُحب – الدعاء أنه يدعو للجميع، لا لنفسه، ويؤمِّن من حضر على دعائه.

 

 

 

وأما الدعاء الجماعي البدعي فمن صوره:

  1. أن يَجمع المسلمُ طائفة من الناس من أجل الدعاء فقط.

عن أبي عثمان قال: كتب عاملٌ لعمر بن الخطاب إليه: أن ها هنا قوماً يجتمعون، فيدعون للمسلمين، وللأمير، فكتب إليه عمر: ” أقبل، وأقبل بهم معك “، فأقبل، وقال عمر للبواب: أعِدَّ لي سوطًا، فلمَّا دخلوا على عمر: أقبل على أميرهم ضربًا بالسوط.

رواه ابن أبي شيبة في ” مصنفه ” ( 13 / 360 ) وسنده حسن.

  1. ومنه: اجتماع الناس للدعاء بصوت واحد.

قال الشيخ بكر أبو زيد – رحمه الله –:

الذِّكر الجماعي بصوت واحدٍ سرًّا، أو جهرًا، لترديد ذكر معين وارد، أو غير وارد، سواءً كان من الكل، أو يتلقونه من أحدهم، مع رفع الأيدي، أو بلا رفع لها: كل هذا وصف يحتاج إلى أصلٍ شرعيٍّ يدل عليه من الكتاب والسنَّة؛ لأنه داخل في عبادة، والعبادات مبناها على التوقيف، والاتباع، لا على الإحداث والاختراع؛ ولهذا نظرنا في الأدلة في الكتاب والسنَّة: فلم نجد دليلًا يدلُّ على هذه الهيئة المضافة، فتحقق أنه لا أصل له في الشرع المطهر، وما لا أصل له في الشرع: فهو بدعة، إذًا فيكون الذِّكر، والدعاء الجماعي بدعة، يجب على كل مسلم مقتدٍ برسول الله صلى الله عليه وسلم تركها، والحذر منها، وأن يلتزم بالمشروع.

وعليه: فالدعاء الجماعي بصوت واحدٍ، سواءً كان دعاءً مطلقًا، أو مرتَّبًا، كأن يكون بعد قراءة القرآن، أو الموعظة، والدرس: كل ذلك بدعة.

” تصحيح الدعاء ” ( ص 134 ، 135 ).

  1. الدعاء الجماعي قبل عمل مباح، أو بعده، كمن دعا بعد تناول طعام، وأمَّن الحاضرون، أو دعا قبل السفر وأمَّن من معه.

ولسنا نعني هنا أدعية الطعام، وأدعية السفر، فهذه ليس فيها تأمين، ويجوز الترداد فيها خلف الداعي للتعليم، وإنما نعني الأدعية العامة.

* سئل الشيخ عبد المحسن العباد – حفظه الله -:

ما حكم الدعاء الجماعي بعد الأكل؟.

فأجاب:

لا نعلم له أصلًا، وكلٌّ يدعو بنفسه، وكون الجالسين – كلهم – يدعون بصوت واحد: هذا ما له أصل. ” شرح سنن أبي داود ” ( 19 / 488 ) ترقيم الشاملة.

وبعض العلماء يرى أن هذا الدعاء يجوز إن لم يُتخذ عادة.

  1. الدعاء الجماعي في مواضع شرع فيها الدعاء، لكن ليس جماعة، كتأمين طائفة من الناس على دعاء أحدهم في الطواف، أو تأمين المصلين على دعاء الإمام بعد الانتهاء من أذكار الصلوات، أو تأمينهم على من دعا بعد دفن الميت، فهذه مواضع شرع فيها الدعاء، وفيها اجتماع الناس، لكن لم يشرع أن يكون لهم قائد يقودهم في الدعاء، وهم يؤمِّنون.

* قال علماء اللجنة الدائمة:

الصواب: القول بعدم جواز الدعاء بصفة جماعية بعد الفراغ من الصلاة على الميت، وأن ذلك بدعة. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 9 / 16 ).

وعليه: من أنكر الدعاء الجماعي من أهل العلم: فينبغي حمل كلامه على هذه الصور، وهذا لا شك أنه حكم صحيح.

والسؤال الآن هل من هذه المواضع: ما يدعو به المحاضِر، أو المعلِّم، في آخر درسه، فيؤمِّن الحاضرون على دعائه؟ الظاهر لنا من سنَّة النبي صلى الله عليه وسلم: جواز ذلك، بل استحبابه.

ووجه الفرق بين هذا والذي قبله: أن الأدعية في الطواف، وبعد الانتهاء من الأذكار أدعية شخصية، يقوم بها المسلم لنفسه، بينه وبين ربِّه، وليس كذلك إذا كان في مجلس، ومحاضرة، فدعاؤه هنا علني، يجهر به، والدعاء ليس بصيغة الفرد له، بل له ولمن معه، وعلى ذلك نصَّ الصحابي ابن عمر رضي الله عنهما.

عن ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَلَّمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُومُ مِنْ مَجْلِسٍ حَتَّى يَدْعُوَ بِهَؤُلَاءِ الدَّعَوَاتِ لِأَصْحَابِهِ ( اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ وَمِنْ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصِيبَاتِ الدُّنْيَا وَمَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى مَنْ عَادَانَا وَلَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا وَلَا تَجْعَلْ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا وَلَا تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لَا يَرْحَمُنَا ). رواه الترمذي ( 3502 )، وحسَّنه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

* وبوَّب عليه النووي في كتابه ” الأذكار ” بقوله: ” باب دعاء الجالس في جمع لنفسه ومن معه “.

* وسئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

أحيانًا بعد إلقاء محاضرة، أو درس من الدروس: يدعو المحاضر، ويرفع يديه، فهل نجلس معه أثناء الدعاء الجماعي، أم ننصرف بعد المحاضرة قبل بدء الدعاء؟.

 

فأجاب:

لا بأس بالدعاء بعد المحاضرة، أو بعد الموعظة، أو الذكرى، لا بأس بالدعاء، يدعو الله للحاضرين بالتوفيق، والهداية، وصلاح النية، والعمل، لكن رفع اليدين في مثل هذا لا أعلم فيه دليلًا، ولا أعلم أنه ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا العموم، عموم رفع اليدين بالدعاء، وأنه من أسباب الإجابة، لكن لم أحفظ عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان بعدما يعظ الناس، ويذكِّرهم، كان يرفع يديه، ويدعو، فلو كان هذا يفعله: لنقله الصحابة رضي الله عنهم؛ فإنهم ما تركوا شيئًا إلا نقلوه، رضي الله عنهم، فالأولى، والأحوط: عدم الرفع في مثل هذا، إلا لدليل يدل على ذلك، أما كونه يدعو لهم بعدما يفرغ، غفر الله لنا ولكم، أو وقفنا الله وإياكم، أو نفعنا الله وإياكم بما سمعنا، أو ما أشبه ذلك: فهذا لا بأس به، وإن أمَّنوا: فلا بأس بذلك.

” فتاوى نور على الدرب ” ( شريط رقم 610 ).

 

 

والله أعلم.

هل يمنع ارتكاب الذنب بعد الدعاء من إجابته؟

هل يمنع ارتكاب الذنب بعد الدعاء من إجابته؟

السؤال:

هل هناك متطلبات معينة لصلاة التهجد؟

إذا دعوت الله ثم ارتكبت إثماً هل يمكن أن يجاب هذا الدعاء؟

هل يجوز إعطاء الصدقة للمتسول المشرك أو الكافر؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

– اختلف العلماء رحمهم الله في معنى التهجد على ثلاثة أقوال:

الأول: أنه النوم ثم الصلاة ثم النوم ثم الصلاة.

الثاني: أنه الصلاة بعد النوم.

الثالث: أنه بعد صلاة العشاء.

وليس العبرة باللفظ بقدر ما هو العبرة بالصلاة ذاتها، وهديه صلى الله عليه وسلم في صلاة الليل أنه كان يصليها في أول الليل وأوسطه وآخره، وأكثر صلاته صلى الله عليه وسلم كانت بعد القيام من النوم.

وأصل اللفظة جاءت في قوله تعالى: { ومن الليل فتهجد به نافلة لك } [ الإسراء / 79 ].

والمعنى: اسهر بالقرآن في الصلاة، أو اطرد النوم بعد السهر.

واللفظة من الأضداد، فهي تطلق على النوم وعلى السهر، وقيل: هجد إذا نام، وتهجد إذا قام من النوم.

والأقرب – والله أعلم – أن التهجد يكون بعد النوم.

قال ابن كثير:

فإن التهجد ما كان بعد نوم، قاله علقمة والأسود وإبراهيم النخعي وغير واحد، وهو المعروف في لغة العرب، وكذلك ثبتت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يتهجد بعد نومه عن ابن عباس وعائشة وغير واحد من الصحابة رضي الله عنهم.

” تفسير ابن كثير ” ( 3 / 55 ).

وليس هناك متطلبات معينة لصلاة التهجد، لكن قد يقال إن هناك أحكامًا ينبغي الاهتمام بها، ومنها:

  1. أن ينوي القيام قبل النوم.

عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما من امرئ تكون له صلاة بليل فغلبه عليها نوم إلا كتب الله له أجر صلاته وكان نومه صدقة عليه.

رواه النسائي ( 1784 ) وأبو داود ( 1314 ).

 

  1. التسوك وتنظيف الفم لإزالة رائحة الفم.

عن حذيفة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام للتهجد من الليل يشوص فاه بالسواك. رواه البخاري ( 1085 ) ومسلم ( 255 ).

وقد ذُكر في بعض الأحاديث حكمة من تنظيف الفم قبل صلاة الليل.

عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ” إن العبد إذا قام يصلي أتاه الملك فقام خلفه يستمع القرآن ويدنو، فلا يزال يستمع ويدنو حتى يضع فاه على فيه فلا يقرأ آية إلا كانت في جوف الملك “. رواه البيهقي ( 11 / 38 ).

والحديث: صححه الشيخ الألباني في ” السلسلة الصحيحة ” ( 1213 ).

  1. أن يستفتح صلاته بركعتين خفيفتين.

عن زيد بن خالد الجهني أنه قال: لأرمقن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم الليلة، فصلى ركعتين خفيفتين، ثم صلى ركعتين طويلتين طويلتين طويلتين، ثم صلى ركعتين، وهما دون اللتين قبلهما، ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثم أوتر فذلك ثلاث عشرة ركعة. رواه مسلم ( 765 ).

وعن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل ليصلي افتتح صلاته بركعتين خفيفتين. رواه مسلم ( 767 ) .

بل جاء الأمر بهما لكنه أمر استحباب:

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام أحدكم من الليل فليفتتح صلاته بركعتين خفيفتين. رواه مسلم ( 768 ).

  1. أن يسلم بين كل ركعتين.

عن ابن عمر أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة الليل فقال رسول الله عليه السلام: صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى. رواه البخاري ( 946 ) ومسلم ( 749 ).

عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء وهي التي يدعو الناس العتمة إلى الفجر إحدى عشرة ركعة يسلم بين كل ركعتين ويوتر بواحدة. رواه مسلم ( 736 ).

  1. وليس للتهجد عددٌ معين يلزم فيه المصلي.

فإن صلَّى ثماني ركعات فجائز أو عشر ركعات فجائز، وله أن يقل أو يكثر.

قال ابن عبد البر:

وكيف كان الأمر فلا خلاف بين المسلمين أن صلاة الليل ليس فيها حدٌّ محدود، وأنها نافلة، وفعل خير وعمل بر، فمن شاء استقل، ومن شاء استكثر. ” التمهيد ” ( 21 / 69 ).

 

 

 

  1. ترك الصلاة حال شعوره بالنعس وخشية تخليطه بالقراءة والدعاء.

عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا نعس أحدكم وهو يصلي فليرقد حتى يذهب عنه النوم، فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس لا يدري لعله يستغفر فيسب نفسه.

رواه البخاري ( 209 ) ومسلم ( 786 ).

  1. ترك التكلف في القيام.

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: دخل النبي صلى الله عليه وسلم فإذا حبل ممدود بين الساريتين فقال: ما هذا الحبل؟ قالوا: هذا حبل لزينب فإذا فترت تعلقت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا، حلوه، ليصل أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليقعد. رواه البخاري ( 1099 ) ومسلم ( 784 ).

ثانيًا:

ارتكاب الإثم بعد الدعاء ليس من موانع الدعاء، وبعض الآثام مَن فعلها قبل الدعاء فإنه يكون فعله لها مانعاً من استجابة الدعاء، ومن هذه الموانع:

  1. أن يكون مطعمه ومشربه وملبسه حرامًا.

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: { يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم }، وقال: { يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم }، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذِّي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك. رواه مسلم ( 1015 ).

قال النووي:

قوله صلى الله عليه وسلم ” فأنى يستجاب  لذلك ” أي: مِن أين يستجاب لمن هذه صفته؟ وكيف يستجاب  له؟. ” شرح مسلم ” ( 7 / 100 ).

وقال ابن كثير:

والأكل من الحلال سبب لتقبل الدعاء والعبادة، كما أن الأكل من الحرام يمنع قبول الدعاء والعبادة. ” تفسير ابن كثير ” ( 1 / 206 ).

  1. ومن موانع استجابة الدعاء: الاستعجال في تحقيق دعائه.

عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يستجاب لأحدكم ما لم يعجل يقول دعوت فلم يستجب لي. رواه البخاري ( 5981 ) ومسلم ( 2735 ).

  1. ومن موانع استجابة الدعاء: الدعاء بإثم أو قطيعة رحم.

عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل، قيل: يا رسول الله ما الاستعجال؟ قال: يقول: قد دعوت، وقد دعوت، فلم أر يستجيب لي، فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء. رواه مسلم ( 2735 ).

 

 

 

قال القرطبي:

فيدخل في الإثم كل ما يأثم به من الذنوب ويدخل في الرحم جميع حقوق المسلمين ومظالمهم. ” جامع العلوم والحِكَم ” ( 2 / 311 ).

  1. ومن نفيس أقوال السلف في هذه المسألة ما ذكره القرطبي عن موانع الإجابة عن إبراهيم بن أدهم.

قال القرطبي:

وقيل لإبراهيم بن أدهم: ما بالنا ندعو فلا يستجاب لنا؟ قال: لأنكم عرفتم الله فلم تطيعوه، وعرفتم الرسول فلم تتبعوا سنته، وعرفتم القرآن فلم تعملوا به، وأكلتم نعم الله فلم تؤدوا شكرها، وعرفتم الجنة فلم تطلبوها، وعرفتم النار فلم تهربوا منها، وعرفتم الشيطان فلم تحاربوه ووافقتموه، وعرفتم الموت فلم تستعدوا له، ودفنتم الأموات فلم تعتبروا، وتركتم عيوبكم واشتغلتم بعيوب الناس. ” تفسير القرطبي ” ( 2 / 312 ).

ثالثًا:

وأما بالنسبة للصدقة على المتسول إذا كان مشركًا أو كافرًا: فيقال: ليس كل متسول يستحق الصدقة، حيث وجد من لا يستحق من هؤلاء ممن يكون غنيًّا، ومنهم من جعلها مهنته وحرفته.

وأما إذا كان مستحقًّا – على غلبة الظن -: فإنه يُعطى من الصدقة ولو كان كافرًا أو مشركًا، وهو قول الحنابلة والمشهور من قول الشافعية.

ومن الأدلة على الجواز:

  1. قوله تعالى: { ويطعمون الطعام على حبه مسكينًا ويتيمًا وأسيرًا } [ الإنسان / 8 ].

قال الإمام الطبري:

{ وأسيرًا } وهو الحربي من أهل دار الحرب، يؤخذ قهرًا بالغلبة أو مِن أهل القبلة يؤخذ فيحبس بحق، فأثنى الله على هؤلاء الأبرار بإطعامهم هؤلاء تقربًّا بذلك إلى الله وطلب رضاه ورحمة منهم لهم. ” تفسير الطبري ” ( 29 / 209 ).

  1. قوله تعالى { ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون } [ البقرة / 272 ].

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:

وقوله تعالى { ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون }، فبين أن عطية مثل هؤلاء إنما يعطونها لوجه الله، وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” في كل ذات كبد رطبة أجر “، فإذا أوصى أو وقف على معين، وكان كافرًا، أو فاسقًا، لم يكن الكفر والفسق هو سبب الاستحقاق، ولا شرطا فيه، بل هو يستحق ما أعطاه وإن كان مسلمًا عدلًا فكانت المعصية عديمة التأثير، بخلاف ما لو جعلها شرطا في ذلك على جهة الكفار والفساق، أو على الطائفة الفلانية، بشرط أن يكونوا كفاراً أو فساقًا، فهذا الذي لا ريب في بطلانه عند العلماء.

” الفتاوى الكبرى ” ( 4 / 251 ).

وأما الصدقة الواجبة: وهي الزكاة، فإنه يُعطى الكافر إن كان ممن يُتألف قلبه للإسلام، استدلالًا بقوله تعالى: { إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم .. } [التوبة / 60 ].

قال ابن الجوزي:

قوله تعالى { والمؤلفة قلوبهم } وهم قوم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتألفهم على الإسلام بما يعطيهم، وكانوا ذوي شرف، وهم صنفان: مسلمون وكافرون.

فأما المسلمون، فصنفان: صنف كانت نياتهم في الإسلام ضعيفة فتألفهم تقوية لنياتهم كعيينة بن حصن والأقرع.

وصنف كانت نياتهم حسنة، فأعطوا تألفا لعشائرهم من المشركين مثل عدي بن حاتم.

وأما المشركون، فصنفان: صنف يقصدون المسلمين بالأذى فتألفهم دفعًا لأذاهم مثل عامر بن الطفيل، وصنف كان لهم ميل إلى الإسلام تألفهم بالعطية ليؤمنوا كصفوان بن أمية.

وقد ذكرت عدد المؤلفة في كتاب ” التلقيح ” وحكمهم باق عند أحمد في رواية، وقال أبو حنيفة والشافعي: حكمهم منسوخ، قال الزهري: لا أعلم شيئًا نسخ حكم المؤلفة قلوبهم.

” زاد المسير ” ( 3 / 457 ).

 

هذا ويجب التنبه إلى أمرٍ مهم: وهو أن الكافر وإن كان يجوز دفع الصدقة له  – الواجبة والمستحبة – فإنه إن كان يستخدم المال المدفوع إليه في المعاصي والفجور كشرب المسكر والزنا وما أشبه ذلك من المعاصي، أو كان عدوًا محاربًا يتقوى بالمال على أذية المسلمين: فهذا لا تدفع الصدقة له، بل وتحرم ولا تحل.

 

 

والله أعلم.