الرئيسية بلوق الصفحة 154

الخلاف في مكان قبر علي بن أبي طالب وهل هو في ” أفغانستان “؟!

الخلاف في مكان قبر علي بن أبي طالب وهل هو في ” أفغانستان “؟!

السؤال:

معظم الناس يقولون إن قبر ” عليّ بن أبي طالب ” رضي الله عنه في ” أفغانستان “، فهل هذا صحيح؟ وإذا لم يكن كذلك فأين هو إذًا؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

اختلف العلماء والمؤرخون في مكان قبر علي بن أبي طالب رضي الله عنه على أقوال، أشهرها:

  1. أنه دُفن في قصر الإمارة بالكوفة، وهو قول محمد بن سعد كما في “تاريخ بغداد ” (1 / 136 ) للخطيب البغدادي، وقول ابن خلكان، كما في كتابه ” وفيات الأعيان ” (4/55 )، ونسبه شيخ الإسلام ابن تيمية في ” مجموع الفتاوى ” ( 27 / 446 ) لجمهور أهل المعرفة.
  2. أنه دُفن في الكوفة في مكان غير معلوم، وهو قول عبد الله العجلي، كما نقله عنه الخطيب البغدادي في كتابه ” تاريخ بغداد ” ( 1 / 136 ).
  3. أنه دُفن في الكوفة أولاً ثم نقله ابنه الحسن إلى المدينة، وهو قول الحافظ أبي نعيم، كما نقله عنه الخطيب البغدادي في ” تاريخ بغداد ” ( 1 / 137 ).
  4. أنه لا يُدرى أين قبره على الحقيقة، وهو قول إبراهيم الحربي، كما نقله عنه ابن أبي يعلى في كتابه ” طبقات الحنابلة ” ( 1 / 92 )، وهو قول كمال الدين محمد بن موسى بن عيسى الدميري، كما ذكره في كتابه ” حياة الحيوان الكبرى ” ( 2 / 308 ).

وأقرب الأقوال إلى الصحة أنه دُفن في قصر الإمارة في الكوفة، ولا يُدرى على الحقيقة البقعة التي دُفن فيها في القصر؛ وقد عُمَّي مكان قبره لئلّا تنبشه الخوارج فيعرضونه للمهانة.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

ومثل مَن يظن مِن الجهال أن قبر علي بباطن النجف، وأهل العلم بالكوفة وغيرها يعلمون بطلان هذا، ويعلمون أن عليًّا ومعاوية وعمرو بن العاص كلٌّ منهم دفن في قصر الإمارة ببلده خوفًا عليه من الخوارج أن ينبشوه.

” منهاج السنة النبوية ” ( 7 / 43 ).

 

* وقال ابن تغري بردي – رحمه الله -:

وقال جعفر بن محمد عن أبيه قال: صلَّى الحسن على عليٍّ رضي الله عنه، ودُفن بالكوفة عند قصر الإمارة، وعمِّي قبره لئلّا تنبشه الخوارج.

” النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة ” ( 1 / 120 ).

 

ثانيًا:

وأما المشهد الذي في النجف والذي يزعم الرافضة أنه قبر علي بن أبي طالب فمما يُجزم بكذبه، وأول من زعم أن قبر علي بن أبي طالب في ” النجف ” هو: عضد الدولة البويهي أبو شجاع  فنَّاخُسرو ابن السلطان الحسن الملقب ركن الدولة البويهي الديلمي، والذي توفي سنة 372 هـ.

* قال الذهبي – رحمه الله – في ترجمته -:

وكان شيعيَّا جلدًا، أظهر بالنجف قبرًا زعم أنه قبر الإمام علي، وبنى عليه المشهد، وأقام شعار الرفض، ومأتم عاشوراء، والاعتزال. ” سير أعلام النبلاء ” (16/250 ).

وقد قال بعض العلماء إن ذاك القبر الذي أظهره ذاك الحاكم الرافضي هو قبر الصحابي الجليل المغيرة بن شعبه رضي الله عنه.

* قال الذهبي – رحمه الله -:

وقال مطيَّن: لو علمت الرافضة قبر من هذا الذي يزار بظاهر الكوفة لرجمته، هذا قبر المغيرة بن شعبة. ” تاريخ الإسلام ” ( 3 / 651 ).

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وأما المشهد الذي بـ ” النجف “: فأهل المعرفة متفقون على أنه ليس بقبر علي، بل قيل: إنه قبر المغيرة بن شعبة، ولم يكن أحدٌ يذكر أن هذا قبر علي ولا يقصده أحد أكثر من ثلاثمائة سنة مع كثرة المسلمين من أهل البيت والشيعة وغيرهم وحكمهم بالكوفة، وإنما اتخذوا ذلك مشهداً في ملك بني بويه الأعاجم بعد موت علي بأكثر من ثلاثمائة سنة، ورووا حكاية فيها أن الرشيد كان يأتي إلى تلك، وأشياء لا تقوم بها حجة.

” مجموع الفتاوى ” ( 4 / 502 ).

* وقال – رحمه الله – أيضًا -:

وأما مشهد علي: فعامة العلماء على أنه ليس قبره، بل قد قيل: إنه قبر المغيرة بن شعبة؛ وذلك أنه إنما أظهر بعد نحو ثلاثمائة سنة من موت علي، في إمارة بني بويه….

وجمهور أهل المعرفة يقولون: إن عليّاً إنما دُفن في قصر الإمارة بالكوفة أو قريبا منه، وهكذا هو السنَّة، فإن حمل ميت من الكوفة إلى مكان بعيد ليس فيه فضيلة أمر غير مشروع، فلا يظن بآل علي رضي الله عنه أنهم فعلوا به ذلك ولا يظن أيضًا أن ذلك خفي على أهل بيته وعلى المسلمين ثلاثمائة سنة حتى أظهره قوم من الأعاجم الجهال ذوي الأهواء.  ” مجموع الفتاوى ” ( 27 / 446 ، 447 ).

وإذا كان ذاك المشهد في النجف ليس هو قبر علي بن أبي طالب رضي الله عنه فأولى بأن يكون كذبًا ادعاء أن قبره رضي الله عنه في ” أفغانستان ” في ” مزار الشريف “! وإنما يدَّعي ذلك ويزعمه القبوريون الذي يسوِّقون للشرك في الأمة، وكم لهم في ذلك ادعاءات ومزاعم يُعلم أنها كذب ككذبهم في مكان قبر آدم وهود وقابيل وكثير غيرهم من الصالحين.

وإنه حتى لو عُلم أن هذا القبر أو ذاك هو عين البقعة التي دفن فيها علي رضي الله عنه أو غيره من الصحابة بل ولو كان نبيًّا من الأنبياء فإنه لا يشك موحِّد عاقل أن ما يفعله أولئك القبوريون عند تلك القبور من الدعاء والطواف والذبح والزحف إلى قبره أن ذلك كله من الشرك الأكبر والكفر المخرج من ملة الإسلام.

 

والله أعلم.

يطالبها المستشفى بثمن العلاج وتخشى من ثقل الدَّيْن لدفع الحق

يطالبها المستشفى بثمن العلاج وتخشى من ثقل الدَّيْن لدفع الحق

السؤال:

منذ فترة قصيرة تم الإسراع إلى نقلي للمستشفى ( يومين متتابعين ) بسبب مرض أصابني، والسبب الذي دفعني للعودة للمستشفى اليوم الثاني هو أنه لم يتم وصف دواء يكفي للتخلص من الألم، لكن حدث هذا والحمد لله في اليوم الثاني، ولهذا تم إرسال فواتير طبية باهظة الثمن للغاية، ولم يكن لديَّ تأمين في هذا الوقت، ولذلك فقد قاموا بتخفيض نفقات العلاج بدرجة كبيرة لكنها لا تزال مبالغ كبيرة، وأنا لا أعرف كيف سأتمكن من دفع المال لكي أغطى هذه الفواتير لأن زوجي ليس ثريًّا بالرغم من أني لا أعتبر أننا فقراء والحمد لله، وأنا أعرف أن الاستدانة هي أمر بالغ الخطورة وأن وفاة المرء مدينا هو أمر في غاية السوء، وسبحان الله فأنا أعرف أن الله سبحانه وتعالى هو أرحم الراحمين لكن هل لديكم علم بما إذا كان هذا يعتبر ديْنًا عليَّ يجب قضاؤه أم أنه يجوز لي أن أدفع قدر استطاعتي وألا أعتبره ديْنا لأنها كانت زيارة طارئة للمستشفى؟.

 

الجواب:

الحمد لله

نسأل الله أن يجمع لك بين الأجر والعافية، ونسأله تعالى أن يسددكِ ويوفقكِ لما يحب ويرضى، ونحن وإن كان آلَمَنا ما أصابك من مرض فإننا سعدنا بشعورك بثقل الدَّيْن وعدم التهاون في الاستدانة، وقد وقع في التساهل في الدَّيْن كثيرون، ولم يبالوا بأن تكون ذممهم مشغولة بديون للناس أو لمؤسسات.

واعلمي أن ثمن العلاج الذي تطالبكِ به المستشفى هو حق لها لا مناص من دفعه، وهو ديْن عليك في ذمتك يجب قضاؤه لها، وليس لك اعتبار حقهم ما تملكينه فقط دون غيره، بل حقهم هو تكلفة العلاج كاملا.

واعلمي أن الدَّين الذي يلام صاحبه، والذي يُحبس عن الجنة ليس هو – إن شاء الله – من استدان ليأكل أو يعالَج أو يقضي ضرورة في حياته ومعيشته، بل هو من استدان في كماليات وترفه يمكن الاستغناء عنهما ولم يوفِ حتى مات، وهو – كذلك – الذي استدان ولم يوصِ بإعطاء صاحب الحق حقَّه.

* قال ابن عبد البر – رحمه الله -:

والدَّيْن الذي يُحبس به صاحبه عن الجنة – والله أعلم – هو الذي قد تَرك له وفاء ولم يوصِ به، أو قدِر على الأداء فلم يؤد، أو أدانه في غير حق، أو في سرَف ومات ولم يؤده، وأما من أدان في حقٍّ واجبٍ لفاقةٍ ( فقر ) وعُسرة ومات ولم يترك وفاء: فإن الله لا يحبسه به عن الجنَّة إن شاء الله . ” التمهيد ” ( 23 / 238 ، 239 ).

واستدانتكِ لثمن العلاج هي لضرورة الحفاظ على الحياة والتخلص من الألم، ولا شك أنك لو استدنتِ فسيكون في نيتك السداد والقضاء، لذا فإذا استدنتِ فعملك مشروع لا حرج فيه، ونرجو الله أن ييسر لك أمر قضاء هذا الدَّيْن كما وعد بذلك، وقد جاء ذلك الوعد في أحاديث، منها:

  1. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ ). رواه البخاري (2257).

* سئل علماء اللجنة الدائمة:

مَن مات وعليه دين لم يستطع أداءه لفقره هل تبقى روحه مرهونة معلقة؟.

فأجابوا:

أخرج أحمد والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ( نفس المؤمن معلقة بديْنه حتى يُقضى عنه )، وهذا محمول على مَن ترك مالاً يُقضى منه دينُه، أما مَن لا مال له يقضى منه فيرجى ألا يتناوله هذا الحديث؛ لقوله سبحانه وتعالى ( لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ) البقرة/ 286، وقوله سبحانه ( وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ ) البقرة/ 280، كما لا يتناول من بيَّت النيَّة الحسنة بالأداء عند الاستدانة ومات ولم يتمكن من الأداء؛ لما روى البخاري رحمه الله عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( مَن أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله ).

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن قعود.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 8 / 344 ، 345 ).

  1. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( كَانَ اللَّهُ مَعَ الدَّائِنِ حَتَّى يَقْضِيَ دَيْنَهُ مَا لَمْ يَكُنْ فِيمَا يَكْرَهُ اللَّهُ ).

رواه ابن ماجه ( 2409 ) وصححه الألباني في ” صحيح ابن ماجه “.

وفي ” شرح سنن ابن ماجه ” ( ص 174 ) للسيوطي وآخرين – رحمهم الله -:

( ما لم يكن فيما يَكره الله ) أي: إذا كان الدَّيْن في رضاء الرب لنفقة الأهل والعيال، والتصدق في نوائب الحق، ونية القضاء. انتهى.

 

والله أعلم.

هل تجوز الصلاة في مسجد يلتصق بقبلته مقبرة؟

هل تجوز الصلاة في مسجد يلتصق بقبلته مقبرة؟

السؤال:

نحن عمال في شركة في صحراء الجزائر وأقرب مدينة تبعد عنا ( 3 كم ) وبها مسجد واحد يوجد في قبلته خلف الجدار قبور. هل تجوز فيه الصلوات أم لا؟

 

الجواب:

الحمد لله

إذا كان المسجد مبنيًّا من أجل تلك القبور: فإنه لا تشرع الصلاة فيه؛ وهو من جنس فعل اليهود والنصارى الذين عظَّموا القبور وبنوا عليها أماكن للعبادة.

وإن لم يكن هذا هو الحال ولم يُبن المسجد من أجل تلك القبور: فإنه يشرع لكم الصلاة فيه، ويشترط بعض أهل العلم أن يكون بين جدار المسجد وبين القبور فضاء أو مسافة تفصلهما بعضهما عن بعض.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وذكر الآمدي وغيره: أنه لا تجوز الصلاة فيه – أي: المسجد الذي قبلته إلى القبر – حتى يكون بين الحائط وبين المقبرة حائل آخر، وذكر بعضهم هذا منصوص أحمد. ” المستدرك على مجموع الفتاوى ” ( 3 / 75 ).

وفي ” الدرر السنية في الأجوبة النجدية ” ( 4 / 265 ):

وأجاب الشيخ محمد بن الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن والشيخ سليمان بن سحمان: مسجد الطائف الذي في شقه الشمالي قبر ابن عباس رضي الله عنهما: الصلاة في المسجد: إذا جُعل بين القبر وبين المسجد جدار يرفع يُخرج القبر عن مسمى المسجد: فلا تكره الصلاة فيه. انتهى.

ويشترط آخرون: أن يُرفع جدار المسجد بحيث لا تُرى القبور من قِبَل المصلين.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

إذا صلَّى الإنسان في مسجد أمامه مقبرة: فإن كان هناك فاصل شارع – مثلًا – أو جدار تام بحيث يكون المصلون لا يشاهدون المقبرة: فلا بأس بذلك، أما إذا كان قريباً يلي المسجد مباشرة وليس فيه جدار أو فيه جدار قصير بحيث يشاهد المصلون هذه القبور: فإنه لا يجوز؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال ( لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها ) رواه مسلم -. ” لقاء الباب المفتوح ” ( 137 / السؤال الأول ).

ولا نرى ما سبق – من رفع الجدار ووجود فضاء – لازمًا، وإن حصل فهو أفضل وفعله أحوط، وإنما يكفي أن يكون فصلٌ بين المسجد والقبور بجدار يؤكِّد الانفصال بينه وبين القبور، ومن علامات الانفصال التام: أن كل واحد – من المقبرة والمسجد – قد بُني في أرضه الخاصة به، وأن المسجد لم يُبنَ من أجل القبور، فإذا كان الأمر كذلك: جازت الصلاة في المسجد.

* سئل علماء اللجنة الدائمة:

بعض المساجد والأماكن المعدة لصلاة العيدين والاستسقاء قد أقيمت على مقربة من المقابر بحيث إن المقبرة في قبلة المسجد لا يفصلها عن ذلك إلا بضعة أمتار، والبعض الآخر ملاصق للمقبرة، وبعض الأماكن المعدة لصلاة العيدين والاستسقاء محاطة بحائط يفصلها عن المقبرة، والبعض الآخر بدون حائط يفصلها عن المقبرة، فما الحكم؟.

فأجابوا:

إذا لم تُبن هذه المساجد ولم تعد أماكن صلاة العيدين والاستسقاء قريباً من المقابر من أجل المقابر تكريماً لمن قُبر فيها، أو طلباً لمزيد الثواب والأجر بالصلاة فيها لقربها من المقابر: فبناؤها وإعدادها للصلاة والتقرب إلى الله فيها: جائز، والصلاة فيها: مشروعة، وعمارتها بها وبسائر القربات التي من شأنها أن تقام فيها: مرغوب فيه شرعًا، وما أحيط منها بحائط يفصلها عن المساجد: فقد كفيتم مؤنته، وما لم يحط منها بسور: فيعمل لها سور يفصلها عن المساجد وأماكن صلاة العيد والاستسقاء، وإذا تيسر جعل فراغ جدار المسجد ومصلى العيد والاستسقاء وبين جدار المقابر: كان ذلك أحوط، أما إن كانت إقامة المساجد حول المقابر من أجل تعظيم القبور: فلا تجوز الصلاة فيها، ويجب هدمها؛ لأن إقامتها على الوجه المذكور من وسائل الشرك بأهل القبور، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها )، وصح عنه أيضًا أنه قال عليه الصلاة والسلام ( إنه من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك ) رواهما مسلم في صحيحه, والأحاديث في هذا الباب لا تخفى. الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. ” مجلة البحوث الإسلامية ” ( 15 / 78 ، 79 ).

 

والله أعلم.

هل تجوز ” المراوحة ” في ” التراويح “؟

هل تجوز ” المراوحة ” في ” التراويح “؟

السؤال:

نحن نصلي التراويح فهل يجوز أن أعتمد على رِجل في الوقوف ثم الاعتماد على الأخرى ثم الوقوف على الرِّجلين لأجل تخفيف التعب؟.

 

الجواب:

الحمد لله

ولا بأس للمصلي إن طال قيامه في الصلاة أن يعتمد على إحدى رجليه تارة، وعلى الأخرى؛ ليريح نفسه، وتسمى هذه الفعلة ” المراوحة “، على أن لا يقدِّم رجلًا على أخرى، فتكون رجلٌ مع الناس وأخرى متقدمة أو متأخرة عنهم، والمراوحة جائزة لمن له عذر، ومكروهة من غير عذر.

* قال النووي – رحمه الله -:

لو قام على إحدى رجليه: صحَّت صلاته مع الكراهة، فإن كان معذورًا: فلا كراهة. ” المجموع ” ( 3 / 230 ).

* وقال – رحمه الله – أيضًا -:

واعلم بأنه يكره للصحيح أن يقوم على إحدى رجليه، ويصح.

” روضة الطالبين ” ( 1 / 234 ).

* وقال الشيخ موسى الحجاوي – رحمه الله -:

ولو وقف غير معذور على إحدى رجليه: كُره وأجزأه في ظاهر كلام الأكثر.

” الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل ” ( 1 / 133 ).

وفي ” حاشية الروض المربع ” ( 2 / 93 ):

( ومراوحته بين رجليه مستحبة ) ذكره صاحب ” الفروع ” وغيره رواية واحدة، وعن أبي عبيدة أن عبد الله – يعني: ابن مسعود – رأى رجلاً يصلِّي صافًّا بين قدميه فقال: لو راوح هذا بين قدميه كان أفضل، رواه الأثرم، ورواه النسائي وفيه: قال أخطأ السنَّة، لو راوح بينهما كان أعجب إليّ.

والمراوحة: أن يعتمد على إحدى رجليه تارة وعلى الأخرى تارة إذا طال القيام.

وكذا تفرقته بينهما مستحبة، قال الأثرم: رأيت أبا عبد الله – يعني: الإمام أحمد – يفرِّج بين قدميه، ورأيته يراوح بينهما، وأما تقديم إحدى رجليه: فمكروه. انتهى.

 

والله أعلم.

هل يجوز أن نصلي ركعتين من التراويح بنية راتبة العشاء؟

هل يجوز أن نصلي ركعتين من التراويح بنية راتبة العشاء؟

السؤال:

نحن نصلي التراويح فهل هل يجوز أن أصلِّي مع الإمام أول ركعتين من التراويح بنية سنَّة العشاء؟ وقد فعلتُ لأنه لم يكفِ الوقت بين المفروضة والتراويح لصلاة السنَّة فهل يجوز؟.

 

الجواب:

الحمد لله

لا ينبغي لمن استطاع أن يؤخر راتبة العشاء إلى ما بعد التراويح؛ لأن وقت التراويح يبدأ بعد أداء تلك الركعتين. وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 25 / 281 ):

وأما صلاة التراويح: فوقتها يبدأ من بعد الانتهاء من سنَّة العشاء، ويستمر إلى قبيل الفجر بالقدر الذي يسع صلاة الوتر بعدها. انتهى.

– ولا يعني هذا عدم صحة التراويح من غير أداء راتبة العشاء.

* قال الشيخ منصور البهوتي – رحمه الله -:

وإن صلَّى التراويح بعد العشاء وقبل سنَّتها: صحَّ جزمًا، ولكن الأفضل فعلها بعد السنَّة على المنصوص. ” كشاف القناع ” ( 1 / 426 ).

وهل يصح أن يصلي المسلم ركعتي تراويح بنية راتبة العشاء؟ والجواب: نعم يصح، بل ويصح أن يصلي العشاء خلف من يصلي التراويح.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

ادخلْ مع الإمام في التَّراويح بنيَّة الفريضة، أي: بنية العشاء، فإذا سَلَّم فَقُمْ وائتِ بركعتين إكمالًا للفريضة، إلا أن تكون مسافرًا فَسلِّم معه، ثم ادخلْ معه في التَّراويح بنيَّة راتبة العشاء إن لم تكن مسافرًا، فإذا صَلَّيت راتبة العِشاء: ادخلْ معه في التَّراويح، ولا يضرُّ اختلاف نيَّة الإمام والمأموم، أي: يجوز أن ينوي الإمام النَّافلة والمأموم الفريضة، وهذا ما نصَّ عليه الإمامُ أحمد: من أنَّه يجوز أن يُصلِّيَ الإنسان صلاة العشاء خلف من يُصلِّي التَّراويح. ” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 4 / 66 ).

لكن لا يُحسب ما صلاه – في الحالتين – أنه من صلاة القيام؛ لأن صلاة التراويح مستقلة بذاتها، ولا يُجمع معها راتبة العشاء بنية واحدة – والفرض من باب أولى – بل ينوي راتبة العشاء وحدها، ويَنقص من قيامه قدرُ تلك الركعتين.

 

 

* قال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

راتبة العشاء سنَّة مؤكدة، وهي ركعتان، والسنَّة أن تُصلَّى قبل صلاة التراويح؛ لأنها سنَّة مستقلة، والتراويح سنَّة مستقلة. ” فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 30 / 56 ).

وحتى يحوز الفضل كلَّه: فعليه أن يكلِّم الإمام أن ينتظر بعد فرض العشاء ليتسنَّى للمصلين التسبيح والذِّكر وصلاة راتبة العشاء، ثم يبدأ بهم صلاة التراويح.

فإن أبى الإمام ذلك، أو كانت المدة قليلة بحيث لا يمكن معها صلاة راتبة العشاء فهو بالخيار:

أ. إما أن يؤخِّر راتبة العشاء بعد صلاة التراويح على أن لا يتعدى الوقت نصف الليل؛ لأنه به ينتهي وقت العشاء وراتبتها.

ب. أو يصلِّي راتبة العشاء بين ركعات التراويح أثناء استراحة المصلين أو أثناء إلقاء موعظة، ولا يدخل هذا في نهي بعض أهل العلم عن التنفل بين ركعات التراويح؛ لأن هذه الصلاة راتبة ليست نفلاً مطلقًا.

ج. أو يصليهما أول ركعتي التراويح بنية راتبة العشاء.

 

والله أعلم.

أسلم حديثا واسمه ” دانيال ” ووالده متبنَّى ويريد تغيير الاسمين واسم العائلة

أسلم حديثا واسمه ” دانيال ” ووالده متبنَّى ويريد تغيير الاسمين واسم العائلة

السؤال:

اعتنقت الإسلام مؤخرًا، ولقد سمعت أنه إذا كان اسمك غير مناسب إسلاميّا فأنت في حاجة إلى تغيير اسمك، وأنا متأكد أنه ينبغي عليَّ تغيير اسمي لأن اسمي الأول ربما يكون مخالف إسلاميّا ( فيه تزكية ومدح )، وأنا أعلم أن الله سبحانه وتعالى هو الأحق بالتزكية والمدح ولست أنا، وأيضاً أنا في حاجة إلى تغيير لقبي، وأنا غير متيقن لأن أبي كان من التبني لذا فاسم عائلته ليس حقيقيًّا، لذا أرى أنه لا يمكنني استعمال هذا الاسم، علاوة على أن له معنى حرامًا، الاسم الأول من الممكن أن يكون لا بأس به ( دانيال )  ولأن الاسم الأخير ( بن دانيال )، ولكن لأني غير متيقن منه، ولأنه ليس الاسم الذي ولد به أبي ونحن على علم بأن له اسمًا آخر حين ولد إلا أن والداي لا يمكنهما تذكر ذلك الأمر وليس لديهم أي أوراق متصلة بذلك الأمر.

فهل يجوز استخدام اسم والدي الذي حصل عليه نتيجة التبني؟ وإذا كان لا يجوز فما العمل إذن؟.

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نحمد الله تعالى أن منَّ عليك بالإسلام، ونسأله تعالى أن يثبتك عليه، ونوصيك بطلب العلم وتزكية النفس بالطاعات، والدوام على دعاء الله أن يوفقك ويهديك ويسددك.

ثانيًا:

لا نرى أن اسم ” دانيال ” فيه تزكية، فلا داعي لتغييره، وقد صحح بعض أهل العلم روايات تثبت أن ” دانيال ” نبي من الأنبياء، وعليه: فليس في الاسم محذور شرعي.

* سئل الشيخ عبد الرحمن البراك – حفظه الله -:

لدي مولودة وأريد أن أسميها ” دانيال “؛ وذلك نسبة للنبي ” دانيال “، فهل يجوز؟.

فأجاب:

الحمد لله، الأسماء التي يتسمَّى بها الناس ويسمُّون بها أولادهم: منها ما هو مستحب، كتسمية المولود عبد الله، أو عبد الرحمن، وكذلك التسمية بأسماء الأنبياء، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( إن أحب أسمائكم إلى الله عبد الله وعبد الرحمن ) رواه مسلم ( 2132 ) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.

وصح عنه أنه قال ( تسموا بأسماء الأنبياء ) رواه أبو داود ( 4950 ) والنسائي (3565) من حديث أبي وهب الجُشَمي رضي الله عنه.

ومنها ما هو مكروه أو خلاف الأولى، كالتسمية بما يتضمن التزكية للمسمى مثل ” برّ ” و ” برَّة ”  و ” إيمان ” و ” هدى ” و ” رباح “.

ومنها ما هو جائز، كالتسمية بالأسماء المعروفة المشهورة مثل ” علي ” و ” عمر ” و ” عثمان “، ومن أسماء النساء : ” دعد ” و ” سعاد ” و ” زينب “.

ومن الأسماء ما هو محرم، كالأسماء المعبدة لغير الله كعبد النبي، وعبد الحسين، وقد أجمع العلماء على تحريم كل اسم معبد لغير الله.

ومن الأسماء الحسنة: ما كان معبَّداً لاسم من أسماء الله كـ ” عبد العزيز ” و ” عبد الملك ” و ” عبد الرحيم ” و ” عبد الجبار “.

ومن أحسن الأسماء: ما كان مطابقاً لواقع الإنسان كـ ” حارث ” و ” همام “، كما قال صلى الله عليه وسلم في الأسماء ( وأصدقها حارث وهمام ) – رواه مسلم -.

ومن الأسماء المستكرهة: التسمية بالأسماء الدالة على معانٍ مكروهة مثل ” حرب ” و ” مُرَّة “.

وأما ما سألت عنه من تسمية المولود أو المولودة باسم النبي ” دانيال “: فلا بأس به خصوصاً إذا كان المولود ذكرًا، أما إذا كان أنثى: فلا ينبغي أن تسمى ” دانيال “؛ لأنه لا يليق أن تسمَّى الأنثى باسم نبي من الأنبياء؛ لأن الأنبياء كلهم رجال، كما لا يليق أن تسمَّى الأنثى بـ ” عمر ”  و ” عثمان “؛ لأن هذه من أسماء الرجال، فلو سميت بها الأنثى لكان بذلك لبس وتوهيم للسامع.

والله أعلم.

http://www.islamway.com/?iw_s=Fatawa&iw_a=view&fatwa_id=9430.

وقد ذكرنا سابقًا أنه لا يلزم من أسلم حديثًا أن يغيِّر اسمه إلا إذا كان معبَّدًا لغير الله، ولو كان اسمه ” جورج ” و ” بولس “.

ثالثًا:

ولا يجوز لك تغيير اسم والدك؛ فليس ثمة حاجة لذلك، فأبقه على ما هو عليه.

أما ما يتعلق باسم عائلة والدك: فإذا كنت تجزم أن والدك كان ابنًا بالتبني: فلا تضع اسم أبيه واسم عائلته، ويمكن وضع أي اسم مركب لتيسير المعاملات الدنيوية، وبما أنكم في الغرب فلعله لا يكون لوجود ذلك الاسم لعائلة والدك كبير أثر لما يوجد من تقطع لأواصر الأسَر في دول الكفر تلك، ولا يجوز أن يُبنى أحكام على انتسابك لتلك الأسرة من حيث الأنكحة والرحم والمواريث وغيرها من الأحكام، وينبغي أن يوثق ذلك بالأوراق الرسمية إن استطعتم إلى ذلك سبيلا، وأما مع عدم الاستطاعة فلا حرج عليك فيه، لكن لتُكتب أوراق يُشهد عليها بواقع الحال الذي تعرفه، وهذا كله في حال أن يكون ما تذكره عن تبني تلك الأسرة لوالدك يقيناً، وأما إن كان شكًّا أو وسوسة: فنرجو أن لا تلتفت لهذا الأمر؛ فهذه وساوس شيطانية يريد الشيطان أن يُحزنك بها.

والله أعلم.

يأبون مساعدة أخيهم لكسله عن العمل وبطالته ووالدتهم تغضب عليهم لعدم مساعدته!

يأبون مساعدة أخيكم لكسله عن العمل وبطالته ووالدتهم تغضب عليهم لعدم مساعدته!

السؤال:

لي أخ كبير ولديه مشاكل مادية منذ ( 5 سنوات )، ولا يعمل وهو بكامل صحته وشبابه ( 32 عامًا )، آخر مشكلة له أنه مديون بمبلغ كبير، وكلنا رفضنا أن نساعده لأجل أن يشتغل، ولكن والدتي مصممة تأخذ منَّا حتى لو نستلف له ونسدد ديونه وإلا نبقى هكذا لسنا جيدين، وتقول: أنا ليس لي أولاد وغضبانة عليكم، مع العلم أن ربنا وفقنا وحلِّينا له مشاكل كثيرة قبل هذا مادية وبمبالغ كبيرة، لكن نحن موظفون قطاع خاص، وكلنا متزوجون، فما الحل؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

مواقفكم السابقة مع أخيكم الأكبر في حل مشكلاته والسداد عنه أمرٌ تحمدون عليه وتشكرون على فعله، وهو يدل على خير عظيم فيكم – إن شاء الله -، كما أن موقفكم الأخير منه في عدم مساعدته أيضاً هو موقف صحيح تُشكرون عليه؛ إذ هو سبيل جيد ليصحِّح أخطاءه ويترك بطالته وكسله وينتبه لنفسه ويترك إذلالها، ولا تلتفتوا لحكم والدتكم على موقفكم هذا؛ فهو حكم عاطفي ليس له مستند لا من عقل ولا من شرع، وهي بحكمها ذاك تزيد في اتكاله على غيره وتساهم في إذلاله وتتسبب في مهانته، وهي لن تصنع له معروفًا بأخذها المال منكم ليقضي به ديْنه ويحل به مشكلاته، والواجب عليها أن تقف في صفكم، وأن تدفع ابنها الأكبر للعمل، والاعتماد على نفسه؛ فهي بذلك تصنع له معروفًا وتبني له شخصيته وتجعل منه رجلاً يتحمل مسئولياته بنفسه.

 

ثانيًا:

وإنما يلزمكم شرعًا أن تعطوا من أموالكم لوالدتكم لو أن هذا الإعطاء كان لها لتنفقه على نفسها، أما أن تطلبه منكم لتعطيه لابنها فلا يلزمكم الاستجابة لها.

* قال الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله -:

للوالد أن يأخذ من مال ولده ما لا يضره ولا يحتاجه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم (إن أطيب ما أكلتم من كسبكم وإن أولادكم من كسبكم ) – رواه أصحاب السنن الأربعة، وهو صحيح -، وقوله ( أنت ومالك لأبيك ) – رواه أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو، وابن ماجه من حديث جابر، وهو صحيح -، وهذا في حق الأب لا شك فيه، وكذلك في حقّ الأم؛ لأنها كالأب على الصحيح، تأخذ من مال ولدها ما تنتفع به، وتسد به حاجتها، ما لم يكن بذلك إضرار على الولد، أو أن تتعلق به حاجة الولد.

” المنتقى من فتاوى الشيخ الفوزان ” ( 3 / 333 ).

وقد ذكرنا في تلك الأجوبة شرطاً مهمّاً يتعلق بجواز أخذ الأب – ومثله الأم – من مال أولاده، وهو:

” أن لا يأخذ المال مِن أحد أبنائه ليعطيه لابنٍ آخر؛ لأن ذلك إلقاء للعداوة بين الأبناء، ولأن فيه تفضيلًا لبعض الأبناء على بعض إذا لم يكن الثاني محتاجًا، فإن كان محتاجًا: فإن إعطاء الأبناء لحاجة دون إخوته الذين لا يحتاجون: ليس فيه تفضيل، بل هو واجب عليه “.

ثالثًا:

وأما غضب أمكم عليكم في حال أنكم لم تستجيبوا لها بإعطاء أخيكم مالًا: فلن يضركم؛ لأنه دعاء بغير حق، وأنتم لم تخالفوا شرع الله في فعلكم، ولا تلزمكم طاعة والدتكم، وعليه: فلن يكون لدعائها وغضبها عليكم أي أثَر إن شاء الله.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ناصحا في قضية مشابهة لبعض أجزاء قضيتكم -:

أما بالنسبة للأولاد: فإني أنصحهم بأن يصبروا ويحتسبوا الأجر من الله عز وجل، ويسألوا الله تعالى ألا يسلط عليهم آباءهم وأمهاتهم، وليعلموا أن لكل أزمة فرجا وأن الله تعالى يجزي الصابرين أجرهم بغير حساب، ثم إذا أمرهم آباؤهم أو أمهاتهم بأمر فيه مشقة عليهم وليس فيه مصلحة للأبوين أو أمروهم بأمر فيه ضرر في دينهم أو دنياهم: فإنه لا يجب عليهم طاعة الوالدين في ذلك؛ لأن طاعة الوالدين إنما تجب فيما إذا كان الأمر ينفع الوالدين ولا يضر الأولاد، ولْيفضِّلوا دائما جانب الصبر والاحتساب وانتظار الفرج، وليدعوا الله تعالى بذلك فإن الله تعالى يقول ( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ).

” فتاوى نور على الدرب ” ( شريط رقم 297 ).

رابعًا:

والخلاصة أن الذي يجب عليكم:

  1. البقاء على موقفكم من أخيكم لدفعه للعمل والاعتماد على نفسه، إلا أن يكون ثمة أمر ملح في قضية قد تستوجب عليه سجنًا – مثلًا – فلا بأس بإعانته فيها، مع عدم تسليم المال لوالدتكم أو له، بل تؤدون عنه بأنفسكم.
  2. التلطف في الإنكار على والدتكم؛ فإن لها حقًّا عليكم في البر والإحسان لها بالقول والفعل، فلا ترفعوا أصواتكم عليها، ولا تؤذوها بالكلام الغليظ الجارح.
  3. الصبر والاحتساب في دعائها وغضبها عليكم، ومقابلة ذلك بالحسنى، وقد علمتم أن ذلك غير ضارِّكم في شيء فلا تقلقوا منه، وما تريده منكم لا يصب في مصلحة ابنها بل يضره، ولكنها عاطفتها التي تمنعها من التفكير بعقلها أو الاستجابة لشرع الله، وعسى أن يكون موقفكم يجعلها تعيد النظر في حكمها عليكم وموقفها منكم.
  4. نصح أخيكم بالحسنى أن يعمل ويعتمد على نفسه، ولا بأس بتشجيعه على ذلك بأن تجعلوا له مكافأة ببذل مثل ما يكسب، فإذا كسب مائة جنيه – مثلًا – تجعلون له مثلها أو أقل أو أكثر بحسب ما ترون؛ لتشجعوه على الكسب والعمل، ولتخففوا من مشكلاته المالية.

ونسأل الله أن يوفقكم لما يحب ويرضى، وأن يهدي أخاكم لما فيه خير دينه ودنياه، وأن يهدي والدتكم للبر والتقوى.

 

والله أعلم.

 

وهب أبناءه شققًا ثم مات قبل أن يقبض الصغارُ شققَهم فكيف يتصرفون؟

وهب أبناءه شققًا ثم مات قبل أن يقبض الصغارُ شققَهم فكيف يتصرفون؟

السؤال:

رجل وهب بعض أبنائه أثناء حياته شققًا، وله أبناء صغار، وله شقق أخرى، وقال: إن هذه الشقق لهؤلاء الأبناء الصغار، وتوفي قبل أن يكبروا ويقبضوا هذه الشقق، فهل يحق لهؤلاء الأبناء الذين كبروا الآن أن يأخذوا هذه الشقق بناء على وعد أبيهم أم أن هذه الشقق مال للورثة كلهم؟ مع العلم أن هذه الشقق كانت مستأجرة أثناء حياته وهي الآن فارغة وغير مستأجرة.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

العدل بين الأولاد في العطية واجب على الأب والأم.

 

ثانيًا:

إذا كان ذلك الأب له بنات ولم يعطهن شققًا أو ما يعادل قيمتها كما أعطى أبناءه: فيكون ظالمًا بتلك العطية، ولا تحل تلك الشقق لأولئك الأبناء، وإذا مات قبل أن يقيم العدل: فإن على الأبناء إرجاع تلك الشقق وجعلها في التركة ليتم قسمة الجميع وفق شرع الله تعالى بالأنصبة المبينة لأصحاب الحقوق، وهذا القول هو الصواب؛ لموافقته للسنَّة التي سمَّت ما يُعطاه المفضَّل من الأولاد ” جورًا”، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم الوالدَ الواهب بغير عدل أن يردَّ ما أعطاه لولده المفضَّل، فدلَّ على عدم إباحة تملكه، وهو رواية عن الإمام أحمد، وهو قول لبعض الأئمة قبله وبعده، وهو ما رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية، والشيخ محمد بن صالح العثيمين، رحمهم الله.

* يقول الشيخ عبدالله البسام – رحمه الله -:

واختلفوا فيما إذا خصَّ الوالدُ بعضَ أولاده دون بعض، أو فضَّله دون البعض الآخر بلا مسوغ شرعي، ثم مات الوالد قبل أن يرجع فيما خص به، ولا بما زاد به بعضهم على بعض فهل تمضي العطية لمن أُعطيها والإثم على الوالد المُفَضِل بينهم؟ أم يرجع الورثة على المُعْطَى ويكونون فيها سواء؟.

ذهب جمهور العلماء إلى القول الأول، ومنهم الأئمة الأربعة، والرواية الأخرى عن الإمام أحمد أن العطية لا تثبت، وللباقي الرجوع، واختاره ابن عقيل، والعكبري، والشيخ تقي الدين، وصاحب الفائق، واختاره الشيخ عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب، وهو قول عروة بن الزبير، وإسحاق.  ” توضيح الأحكام من بلوغ المرام ” ( 5 / 116).

* وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

يجب على الرجل أن يسوي بين أولاده في العطية، ولا يجوز أن يفضِّل بعضًا على بعض كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك حيث نهى عن الجور في التفضيل وأمر برده، فإن فعل ومات قبل العدل: كان الواجب على من فُضل أن يتبع العدل بين إخوته؛ فيقتسمون جميع المال – الأول والآخر – على كتاب الله تعالى ( للذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْن )، والله أعلم. ” مجموع الفتاوى ” ( 31 / 297 ).

* وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

ولكن لو فرض أنه لم يفعل ثم مات – أعني: الأب – قبل أن يسوِّي بين الأولاد فهل يطيب لهذا المفضَّل؟ فالجواب: لا تطيب له، ويجب عليه أن يردها في التركة وأن يرثها الورثة أجمعون. ” نور على الدرب ” ( شريط 314 ).

 

ثالثًا:

وإذا لم يكن لذلك الأب بنات فإنه لا يكون ظالمًا في العطية بل يُثنى على فعله ويشكر له، والصواب أن يقال: إن الشقق التي وهبها لأبنائه الذين كانوا صغارًا أنها تُعطى لهم تحقيقاً للعدل الذي أوجبه الله تعالى عليه وتنفيذاً لفعله الذي أراده في حياته، ولا ينبغي القول بأنها ترد إلى التركة فتقسم مع باقي ماله بينهم وبين الورثة؛ لما فيه من الظلم لهم؛ لأنها عطية عدل في حال الحياة فتنفذ، ولو كان حكم تلك الشقق أنها لا تملَّك لهم لما كانت شقق الأبناء الآخرين مباحة لهم، بل لكان حكمها أنها ترد إلى التركة ليقسَّم الجميع بين الورثة، كما سبق في المسألة السابقة، لكن الصواب أن الجميع يُملَّك ما وهبهم إياه والدهم من الشقق.

وننبه على أمرين:

  1. ينبغي أن تكون الشقق الموهوبة لكل الأبناء متساوية في ثمنها حين وهبها حتى يتحقق العدل، فنرجو أن يكون الأمر كذلك أو يكون تسامح من بعضهم لبعض على ما يوجد من تفاوت في القيمة بين الشقق.
  2. الأجرة المحصلة من شقق الأبناء الذين كانوا صغارًا: فهي من حقهم، فإذا كان الأب قد ادخرها لهم فيعطوها مع خصم ما دُفع عليها من تكاليف صيانة وترميم من قبَل الأب، وإذا كان الأب قد أنفق هذا المال عليهم وعلى أهل البيت فلا يطالِبون به من التركة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم ( أَنْتَ وَمَالُكَ لأَبِيكَ ) – رواه ابن ماجه ( 2291 ) من حديث جابر وهو صحيح -.

ونحن نبهنا على هذين الأمرين الأخيرين أداء للأمانة، فنرجو أن يكون من الأبناء جميعًا تسامح فيهما وعفو؛ تقديراً لما أراده الوالد الكريم من العدل في العطية بينهم، وجمعًا لكلمتهم؛ فإنه خير من مال الدنيا كله.

 

والله أعلم.

هل يجوز له توصيل زميله النصراني إلى الكنيسة تأليفاً لقلبه على الإسلام؟!

هل يجوز له توصيل زميله النصراني إلى الكنيسة تأليفاً لقلبه على الإسلام؟!

السؤال:

أنا طالب في الجامعة، ولدي زميل نصراني طيب القلب، أسأل الله أن يشرح صدره للإسلام، بحكم الزمالة نحتك ببعضنا كثيرا في الجامعة ونتعاون على أشياء مختلفة، أحاول بقدر المستطاع وبما أملك من علم أن أبيِّن له سماحة الإسلام كلما سنحت الفرصة، فالأخلاق العالية تؤثر فيه كثيرا.

سؤالي هو:

أحيانا قد يطلب مني أن أوصله للكنيسة بالعربة، أو يسألني كيف يتصرف في موقف ما حصل له مع صديقته، أنا أحاول أن أغيِّر الموضوع أو أن أتهرب من سؤاله، هل عليِّ إثم إن ساعدته فيما ذكرت سابقا؟ أم أنه يجب علي ألا أساعده؟ وما الضابط في هذه المسألة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولا:

لا يمنع الشرع المطهر من المعاملة مع الكافر في بيع أو شراء، ولا يمنع من الاستفادة منهم في علم أو تجارة أو غيرها من المعاملات الدنيوية التي تُصلح الحياة، لكنه يمنع من مصادقة ومصاحبة لهم بغير قصد دعوتهم إلى الإسلام؛ لأن من شأن تلك المصادقة والمصاحبة أن تؤدي إلى التأثر بهم وبدينهم، أو تؤدي إلى محبتهم القلبية، وكل ذلك خطر على دين المسلم، وما ضاع من ضاع من الطلاب والمبتعثين والمقيمين في بلاد الكفار إلا بسبب هذا الأمر حتى انصهروا في تلك البلاد وتشبهوا بأهلها معجبين بهم ومتأثرين بمنهاجهم في الحياة حتى فقد طوائف منهم أغلى ما أنعم الله تعالى به عليهم وهو الدين.

لذا فإننا نوصيك أيها الأخ السائل بأن تكون نيتك في مزاملة ذلك النصراني تأليف قلبه على الإسلام وإظهار أخلاق المسلمين التي تعلموها من دينهم، واحذر أن يوجد في قلبك مودة ومحبة لمثل هؤلاء؛ لأن الله تعالى جعل ذلك بين المسلمين الذين يوحِّدون ربَّهم ولا يشركون به شيئا ولم يجعلها بين المسلمين وبين من يسبُّه ويشتمه فيعتقد له الولد – سبحانه – ويعبد الصليب ويقدِّسه.

ثانيا:

وإذا كانت قاعدة التعاون بين المسلمين أنفسهم أنها لا تكون إلا في البر والتقوى، ولا تكون في الإثم والعدوان: فأحرى أن تكون كذلك فيما لو كان التعاون بين المسلمين وغيرهم من الكفار، ومصاحبة الكفار بقصد دعوتهم، ومجاورتهم في مسكن ومشاركتهم في تجارة لا تعني التنازل عن قواعد الشرع وثوابته ومحكماته، ولا تعني ارتكاب المعاصي من أجل تأليف قلوبهم على الإسلام، فلا يجوز تزويجهم من بناتنا، ولا يجوز ابتداؤهم بالسلام، ولا يجوز تهنئتهم بأعيادهم، فالعلاقة مع الكفار يحكمها نصوص الشرع وقواعده وضوابطه المحكمة، وليست المسألة مطلقة مرسلة على هوى المسلم ومزاجه.

وما سألتَ عنه لا شك في منعه أشد المنع وتحريمه أشد التحريم، والأول منه أعظم إثمًا وحرمة من الآخر.

فتوصيل زميلك إلى الكنيسة حرام مغلَّظ؛ لما في الكنائس من كفر بالله تعالى وعبادة للأصنام، وإذا كان توصيل أحدٍ إلى مكان فيه زنا وشرب خمر ورقص لا يحل ولو بأجرة فإن التوصيل المجاني إلى كنيسة أشد حرمة؛ لما فيها من كفر بالله وإشراك به عز وجل.

وإعانة زميلك الكافر على إصلاح علاقة محرمة مع صديقته: من المحرمات كذلك؛ لأن في فعلك إقرارا على تلك العلاقة المحرمة بينهما، بل أنت تساهم برأيك في تقويتها وتنميتها، وهذا لا يحل لك فعله، ولا فرق في ذلك بين كون زميلك مسلما أو كافرا؛ إذ كل ذلك داخل تحت التعاون على الإثم، وهو محرَّم بنص القرآن، قال تعالى ( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) المائدة/ 2 .

وقد يكون التلطف في الاعتذار له في كلا المسألتين، وبيان الحكم الشرعي لهما طريقا لهدايته وإيقافه على حقيقة ما يفعل من كفر وفسق، وهذا – لا شك – خير من تغطية الحقيقة عليه، وتعميته عن إبصار الحق والحقيقة، فاجعل من عدم تعاونك معه في كلا المسألتين طريقا للوصول إلى قلبه وعقله، ولعلَّه أن يهتدي بسبب ذلك، واعلم أنه – غالبا – سيحترمك إن رفضتَ فعل شيء يخالف دينك، فاجهر بالحق ولا تخف من عاقبته، بل اطمئن إلى أن ذلك هو الحق وأنه سينفعه بإذن الله، ونسأل الله أن يوفقك لما يحب ويرضى، ونسأله تعالى أن يكتب له الهداية ويكون أجر ذلك في ميزان أعمالك.

 

والله أعلم.

هل يجوز له أن يتمنى أن لا يزوجه الله في الجنة بالحور العين وأن يدعو بذلك؟

هل يجوز له أن يتمنى أن لا يزوجه الله في الجنة بالحور العين وأن يدعو بذلك؟

السؤال:

أعلم أن المسلم سيرزق في الجنة بالحور العين إن شاء الله تعالى، ولكني لا أريد حوريات في الجنة!! أريد أن أكون وحدي أنا وزوجتي، أنا لم أتزوج بعد ولكن أريد هذه الأمنية من الله عز وجل أن أظل أنا وزوجتي بمفردنا في الجنة, وبصراحة أدعو به الله عز وجل، فهل هذا ممكن.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نرى أن ما تريد الدعاء به لا يجوز وأنه داخل في الاعتداء في الدعاء، وأسباب المنع منه كثيرة، منها:

  1. أن فيه ردّاً لفضل الله تعالى وكرمه على عبيده الذي أكرمهم الله بالجنة، فالله تعالى قد تفضَّل وأكرم من أدخله الجنة بمزيد من الثواب والنعيم، وحقيقة دعائك هو رد هذه النعمة التي أنعم الله تعالى بها من أكرمه بالجنة، ورغَّبهم فيها كثيرًا، كمل قوله تعالى: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ. فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ. يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَقَابِلِينَ. كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ ) الدخان/ 51 – 54 ، وقوله تعالى ( كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ. مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ ) الطور/ 19 ، 20، وقوله (وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَّهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلًا ) النساء/ 57، والله عز وجل هو خالق الناس وخالق الجنة وخالق الحور العين، وهو سبحانه وتعالى أعلم بما يصلح لخلقه وما يَسعدون به، فلا ينبغي للمسلم ردَّ هذه النعمة وهذا الفضل من ربِّه عز وجل ابتداء.
  2. وكما أن في الدعاء بعدم التزوج بالحور العين ردّاً لفضل الله ونعمته ففيه – أيضًا – اعتراض على حكم الله تعالى وقضائه، وهذا أمرٌ جلل خطير نربأ بالمسلم العاقل أن يقع فيه؛ لأنه يصبح الأمر – على حسب رغبته تلك – أنه لا حكمة لحكم الله تعالى في أن الشهيد يزوَّج باثنتين وسبعين من الحور العين، ولا حكمة من حُكم الله تعالى بأن لكل مسلم في الجنة زوجتين من الحور العين، وقد قضى الله تعالى وحكم أن هذه النعمة وهذا الفضل هو مما يجازي به عباده العاملين في الدنيا، قال تعالى ( وَحُورٌ عِينٌ. كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ. جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) الواقعة/ 22 – 24، وسبق ذِكر آيات أخرى فيما سبق.
  3. أن دعاءك بعدم التزويج بالحور بالعين يدل على عدم علمك بحقيقة النعمة التي أنعم الله بها على من كتب له الجنة، فصفات الحور العين مما أخبرنا الله تعالى بها يجعل المسلم في شوق لأن يحوز هذه النعمة وذلك الفضل، ومن حصر تلك النعمة بمجرد الجماع فقد أخطأ في فهمه لحقيقة تلك النعمة ولم يقدِّرها حق قدرها، فقد جاء – مثلًا – أن الحور العين يغنين لأزواجهن في الجنة، فعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( إِنَّ أَزْوَاجَ أَهْلِ الْجَنَّةِ لَيُغَنِّينَ أَزْوَاجَهُنَّ بِأَحْسَنِ أَصْوَاتٍ سَمِعَهَا أَحَدٌ قَطُّ، إِنَّ مِمَّا يُغَنِّينَ: نَحْنُ الْخَيِّرَاتُ الْحِسَانُ أَزْوَاجُ قَوْمٍ كِرَامٍ ) رواه الطبراني في ” المعجم الأوسط ” ( 5 / 149 )، وصححه الألباني في ” صحيح الترغيب ” ( 3 / 269 )، ومن ذلك: حسن تبعلها وحسن منطقها مع زوجها بما يدخل غاية السرور إلى قلبه، وهو معنى ” العُرب “.

* قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -: ” ( عُرُبًا أَتْرَابًا ) ملازم لهن في كل حال، والعروب: هي المرأة المتحببة إلى بعلها بحسن لفظها، وحسن هيئتها ودلالها وجمالها ومحبتها، فهي التي إن تكلمت سبت العقول وود السامع أن كلامها لا ينقضي، خصوصًا عند غنائهن بتلك الأصوات الرخيمة والنغمات المطربة، وإن نظر إلى أدبها وسمتها ودلها: ملأت قلب بعلها فرحًا وسرورًا، وإن برزت من محل إلى آخر: امتلأ ذلك الموضع منها ريحًا طيبًا ونورًا، ويدخل في ذلك الغنجة عند الجماع.

والأتراب اللاتي على سن واحدة، ثلاث وثلاثين سنة، التي هي غاية ما يتمنى ونهاية سن الشباب، فنساؤهم عرب أتراب، متفقات مؤتلفات، راضيات مرضيات، لا يَحزن ولا يُحزن، بل هن أفراح النفوس ، وقرة العيون ، وجلاء الأبصار “. انتهى من ” تفسير السعدي ” ( ص  833 ).

  1. ومن أسباب رغبتك بذلك الدعاء قياس حال الجنة على حال الدنيا، وقياس الزوجات من الحور العين على نساء الدنيا، وهذا بعيد عن الحقيقة الشرعية، فأنت تظن أنه سيكون ثمة انصراف منك عن زوجتك التي في الدنيا، وستكون ثمة غيرة منها تجاه الحور العين، وكل ذلك غير كائن، فالنفوس في الجنة مطهرة وينزع الله منها الشحناء الغيرة والتأذي، قال تعالى ( إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ. ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ. وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ. لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ ) الحِجر/ 45 – 48.

* قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -:

” ( وَنزعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ ) فتبقى قلوبهم سالمة من كل دغل وحسد متصافية متحابة “. انتهى من ” تفسير السعدي ” ( ص 431 ).

* سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

ما منزلة المرأة في الجنة مع وجود الحور العين؟ وماذا بالنسبة لزوجها؟ وهل المرأة تصبح زوجة للشهداء؟.

فأجاب:

” لا شك أن الزوجات يكنَّ مع أزواجهن في الآخرة، يقول الله عز وجل في دعاء الملائكة للمؤمنين ( رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ )، وقال تعالى ( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ )، ولا شك أن الزوجة مع زوجها في الجنة لها مقام عظيم عالٍ، حتى إن بعض العلماء قال في دعاء الميت ” وأبدلها زوجًا خيرًا من زوجها ” أن المعنى: أبدلها زوجًا خيرًا من زوجها أي: اجعل زوجها لها في الجنَّة خيرًا مما هو عليه في الحياة الدنيا، ثم إن قول الله تعالى ( وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) شامل لكل ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، فليس فيها كدر ولا نصب، ولا هم ولا غم، فلتبشر النساء بالخير، ولتعلم أن الجنَّة ليس فيها ما في الدنيا من الغيرة والتأذي. ” فتاوى نور على الدرب ” ( 316 ).

  1. ومن أسباب رغبتك بذلك الدعاء المبالغة في الحب لزوجتك في الدنيا، ولا مانع أن يكون المسلم محبًّا لزوجته بل هو أمر محبوب للشرع، وهو يؤدي إلى عشرة حسنة، لكن لا نريد لهذا الحب أن يؤدي إلى الاعتراض على حكم الله وإلى رد فضل الله وكرمه، وما وُعد به أهل الجنة من الحور العين إنما لإكرام المسلم بزيادة فضل من ربه تعالى وهو غير مؤثر على اجتماعه بزوجته في الجنة؛ لأن النفوس هناك لن تكون كما هي في الدنيا.

وهذه المبالغة في تعلق الأزواج بزوجاتهم سرعان ما يصطدمون بعدها بالحقائق، ويظن أولئك أن التزوج بأكثر من زوجة لا داعي لها في حياته، فكثير ممن تعلق بزوجته كثيرًا واعتقد أنه لن يتزوج بغيرها سرعان ما تبين له خطؤه، وأنه بحاجة لزوجة ثانية تكمل نقص الأولى أو تزيد في سعادته، وبعضهم من شدة تعلقه بزوجته رضي بشرط عدم التزوج عليها وكان اعتقد أنه لن يفعل، ثم تبين له خطؤه ولم يجد مجالاً للتزوج بأخرى إلا بإسقاط الزوجة الأولى شرطها أو بتطليقها، وقل مثل ذلك فيمن رضي بمؤخر صداق مبالغ فيه، ثم استعد لدفع أضعافه للتخلص من زوجته تلك، ولسنا نقول إلا الواقع، وإذا كان هذا هو حال الأزواج مع زوجاتهم في الدنيا فكيف أن يتعدى الأمر إلى الآخرة؟! لذا فلسنا نشك أن هذه الأمنية عندك ستتحطم أمام واقع حال النساء وحال الدنيا وما فيها من كدر وتعب، وأنك ستتندم على تلك الأمنية وذلك الدعاء إن حصل منك.

ولذا لا نشك أن دعاءك بأن لا يزوجك الله في الجنة من الحور العين اعتداء في الدعاء لا يجوز لك فعله، وقد ذكرنا لك ما سيصرفك عنه إن شاء الله.

وندعو الأخ السائل أن يتفكر فيما يصلح حاله وفيما يقربه من ربه تعالى، وليسع لنيل رضا ربِّه تعالى عنه، كما ندعوه لأن يُشغل نفسه وزوجته – وعسى أن يكون زواجه قريبًا – بالقيام بما أوجبه الله تعالى عليهما، والسعي نحو إقامة أسرة مستقيمة على أمر الله تعالى، والتفكر بتربية أولادهم، فهذا – والله – خير له ولها، ونسأل الله أن يوفق الأخ السائل لما يحب ربه ويرضاه منه، وأن يشرح صدره للحق لقبوله وللعمل به.

 

والله أعلم.