الرئيسية بلوق الصفحة 157

هل الأنبياء والرسل يُحاسبون يوم القيامة؟ وما الحكمة من استغفار النبي كثيرًا؟

هل الأنبياء والرسل يُحاسبون يوم القيامة؟ وما الحكَمة من استغفار النبي كثيرًا؟

السؤال:

وفقًا لما جاء في القرآن الكريم فإن كل إنسان سيحشر يوم القيامة ويُحاسب على ما كان منه، والنبي صلى الله عليه وسلم سيكون شافعاً للخلائق في ذلك اليوم.

وأريد أن أعرف ما إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم سيحاسب أيضًا في ذلك اليوم أم أنه معفيٌّ من الحساب كما يقول البعض؟.

وإذا كان الأمر كذلك فلماذا كان صلى الله عليه وسلم يستغفر في اليوم أكثر من سبعين مرة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

ذهب بعض أهل العلم إلى أن الحساب يوم القيامة يشمل الخلق كلَّهم بمن فيهم الأنبياء والمرسلين، وقد استدلوا بالعمومات الواردة في القرآن، كمثل قوله تعالى (فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِين ) الأعراف/ 6، وقوله تعالى ( فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ . عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) الحِجر/ 92، 93، وممن قال بهذا: الفخر الرازي في تفسيره، حيث قال – في تفسير الآية الأولى:

الذين أرسِل إليهم هم الأمة، والمرسلون هم الرسل، فبيَّن تعالى أنه يسأل هذين الفريقين، ونظير هذه الآية قوله ( فَوَرَبّكَ لَنَسْألَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) الحِجر/92.

ثم قال:

الآية تدل على أنه تعالى يحاسِب كل عباده لأنهم لا يخرجون عن أن يكونوا رسلا أو مرسَلا إليهم، ويبطل قول من يزعم أنه لا حساب على الأنبياء والكفار. ” تفسير الرازي ” ( 14 / 20،21).

وقد ذهب جماهير العلماء إلى أن الأنبياء والمرسلين لا يُحاسبون يوم القيامة، وأنهم إذا كانوا لا يُسألون في قبورهم فهو يعني أنه لا حساب عليهم، وأنهم أولى ممن يدخل من الذين سيدخلون من المسلمين من غير حساب.

وأما ما ورد من عمومات فهي إما للكفار، أو أنهم سيُسألون عن أقوامهم هل بلغوهم رسالة الله تعالى أم لا، وليس هذا سؤال توبيخ وتقريع بل هو لإقامة الحجة على من خالفهم.

  1. * قال القرطبي – رحمه الله -:

قوله تعالى ( فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ ) دليل على أن الكفار يحاسَبون، وفي التنزيل ( ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ) الغاشية/ 26، وفي سورة القصص ( وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ) القصص/ 78 يعني: إذا استقروا في العذاب، والآخرة مواطن: موطن يُسألون فيه للحساب، وموطن لا يُسألون فيه، وسؤالهم تقرير وتوبيخ وإفضاح، وسؤال الرسل سؤال استشهاد بهم وإفصاح، أي: عن جواب القوم لهم، وهو معنى قوله ( لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ ) الأحزاب/  8.

” تفسير القرطبي ” ( 7 / 164 ).

  1. * وقال ابن كثير – رحمه الله -:

وقوله ( فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ ) الآية، كقوله تعالى ( وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ ) القصص/ 65، وقوله ( يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ ) المائدة/ 109، فالرَّبُّ تبارك وتعالى يوم القيامة يسأل الأمم عما أجابوا رسله فيما أرسلهم به، ويسأل الرسل أيضا عن إبلاغ رسالاته، ولهذا قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في تفسير هذه الآية ( فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ) قال: يسأل الله الناس عما أجابوا المرسلين، ويسأل المرسَلين عمَّا بلَّغوا. ” تفسير ابن كثير ” ( 3 / 388 ).

  1. * وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -:

وقوله ( فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ ) أي: لنسألنَّ الأمم الذين أَرسل اللّه إليهم المرسلين عما أجابوا به رسلهم،( وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ ) الآيات.

( وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ )عن تبليغهم لرسالات ربهم، وعمَّا أجابتهم به أممهم.

” تفسير السعدي ” ( ص  283 ).

4.*  وقال الشيخ الشنقيطي – رحمه الله -:

السؤال قسمان: سؤال توبيخ وتقريع, وأداته غالبا ” لمَ “، وسؤال استخبار واستعلام وأداته غالبًا ” هل “، فالمثبت: هو سؤال التوبيخ والتقريع, والمنفي هو سؤال الاستخبار والاستعلام، وجه دلالة القرآن على هذا: أن سؤاله لهم المنصوص في القرآن كله توبيخ وتقريع كقوله ( وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ. مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ ), وكقوله ( أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ )، وكقوله ( أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ )، وكقوله ( أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ )، إلى غير ذلك من الآيات.

وسؤال الله للرسل ( مَاذا أُجِبْتُم ) لتوبيخ الذين كذبوهم، كسؤال الموءودة ( بِأيٍّ ذَنْبٍ قُتِلَت ) لتوبيخ قاتلها. ” دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ” ( ص 100 ).

  1. * وقال الشيخ عمر الأشقر – حفظه الله -:

ويُجاء في موقف القضاء والحساب بالرسل، ويسألون عن الأمانة التي حمَّلهم الله إياها، وهي إبلاغ وحي الله إلى مَن أرسلوا إليه، ويشهدون على أقوامهم ما علموه منهم. ” القيامة الكبرى ” (ص186، 187 ).

ثانيًا:

صحَّ في الأخبار أن رسول الله كان يستغفر الله كثيرًا, ومن ذلك:

قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: ( وَاللَّهِ إِنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً ). رواه البخاري ( 6307 ).

وعَنِ الأَغَرِّ الْمُزَنِي – وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ – أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ ( إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي وَإِنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ ). رواه مسلم ( 2702 ).

ومن المعلوم المتفق عليه: أن الله تعالى قد غفر للنبي صلى الله عليه وسلم ما تقدم من ذنوبه وما تأخر, قال تعالى ( لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ) الفتح/ 2.

وقد روى البخاري ( 4557 ) ومسلم ( 2820 ) عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُومُ مِنْ اللَّيْلِ حَتَّى تَتَفَطَّرَ قَدَمَاهُ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: لِمَ تَصْنَعُ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ قَالَ ( أَفَلَا أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا ).

* قال ابن حجر – رحمه الله -:

قال القرطبي: ظن من سأله عن سبب تحمله المشقة في العبادة أنه إنما يعبد الله خوفًا من الذنب وطلبًا للمغفرة والرحمة، فمن تحقق غفران الله تعالى له لا يحتاج لذلك، فأفادهم أن لذلك سببًا آخر هو الشكر على المغفرة وإيصال النعمة لمن لا يستحق عليه منها شيئًا.

* ثم قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

قال العلماء: إنما ألزم الأنبياء أنفسهم بشدة الخوف لعلمهم بعظيم نعمة الله تعالى عليهم وأنه ابتدأهم بها قبل استحقاقها فبذلوا مجهودهم في عبادته ليؤدوا بعض شكره مع أن حقوق الله أعظم من أن يقوم بها العباد، والله أعلم.  ” فتح الباري ” ( 3 / 15 ).

ويمكن ذِكر وجوه استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك:

  1. إرشاد النبي صلى الله عليه وسلم أمَّته إلى أن يُكثروا من الاستغفار والإنابة, قال تعالى ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) الأحزاب/ 21.
  2. أن الاستغفار نوعٌ من أنواعِ الشكرِ, كما قال رسول الله لما تورمت قدماه من القيام قَالَ ( أَفَلاَ أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا ).

* قال ابن حجر – رحمه الله -:

والمعنى: أن المغفرة سبب لكون التهجد شكرًا.

” فتح الباري ” ( 3 / 20 ).

  1. أن الله تعالى يحبُّ مِن عبده الاستغفار والتوبةَ كما قال تعالى ( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ) البقرة/ 222.
  2. أن الاستغفار شرع بعد عبادات جليلة كالصلاة والانتهاء من الحج، وهو طلب من الله تعالى بالتجاوز عما يحصل من تقصير في أداء العبادات على وجهها الكامل.
  3. أن الاستغفار يكون في مقابل التقصير في الشكر ومقابل الانشغال بأمور الأمة، ولعلو مقام الأنبياء فكأنهم يعدُّون تقصيرهم ذنبًا.

* قال ابن الأثير – رحمه الله – في شرح حديث ( إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي حَتَّى أَسْتَغْفِرَ اللَّهَ مِائَةَ مَرَّةٍ)-:

أراد: ما يَغْشَاه من السَّهْو الذي لا يَخْلو منه البَشَر لأنّ قلبه أبدًا كان مَشْغولًا باللّه تعالى فإنْ عَرَض له وَقْتًا مّا عارِضٌ بَشَرِيّ يَشْغله من أمور الأمّة والمِلَّة ومصالحهما عَدَّ ذلك ذَنْبًا وتقصيرًا فَيَفْزَعُ إلى الاسْتغفار. ” النهاية ” ( 3 / 403 ).

ويجمع أكثر ما سبق ذِكره ما قاله الحافظ ابن حجر رحمه الله:

الاستغفار من التقصير في أداء الحق الذي يجب لله تعالى، ويحتمل أن يكون لاشتغاله بالأمور المباحة من أكل أو شرب أو جماع أو نوم أو راحة، أو لمخاطبة الناس والنظر في مصالحهم ومحاربة عدوهم تارة ومداراته أخرى وتأليف المؤلفة، وغير ذلك مما يحجبه عن الاشتغال بذكر الله والتضرع إليه ومشاهدته ومراقبته، فيرى ذلك ذنبًا بالنسبة إلى المقام العلي، وهو الحضور في حظيرة القدس، ومنها: أن استغفاره تشريع لأمته أو من ذنوب الأمة فهو كالشفاعة لهم. ” فتح الباري ” ( 11 / 102 ).

 

والله أعلم.

هل كان ابن القيم صوفيًّا؟ وماذا عن كتابه ” مدارج السالكين “؟

هل كان ابن القيم صوفيًّا؟ وماذا عن كتابه ” مدارج السالكين “؟

السؤال:

قرأتُ كلامًا لابن قيم الجوزية في كتابيه ” مدارج السالكين ” و ” الوابل الصيِّب ” حيث تكلم عن الصوفية، ففهمت من كلامه أنه يؤيدها، وأنا هنا أتساءل: كيف يمكن لطالب العلم أن يفهم كلام ابن القيم؟ وماذا قال علماء الماضي والعلماء المعاصرون عن صوفية ابن القيم؟ وهل يمكن أن توجهوني إلى الكتب التي ينبغي عدم قراءتها؟ أرجو توضيح كل ذلك؛ لأن ابن القيم رضي الله معدود من أهل السنَّة والجماعة فقد احترت في فهم كلامه.

سؤال أخير: سمعتُ أن ابن تيمية رضي الله عنه كان يتبع طريقة صوفية معينة، فهل هذا صحيح؟ وإذا كان كذلك فأرجو الشرح والتفصيل؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

ابن قيم الجوزية – رحمه الله – هو محمد بن أبي بكر الزرَعي الدمشقي هو من أئمَّة أهل السنَّة والجماعة, ومن أخص تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – وقد تأثر به تأثرًا كبيرًا, وهو صاحبُ المؤلفات البديعة والكبيرة في مختلف العلوم الشرعية، وقد توفي عام 751 هـ.

ثانيًا:

لا شكَّ أنه لا أحد معصوم من الخطأِ من علماء الإسلام, فمن أصاب فله أجران ومن أخطأ فله أجر واحد, لهذا قيل ” يُعرف الرجال بالحق ولا يعرف الحق بالرجال “، وقال إمام دار الهجرة مالك بن أنس ” كلٌّ يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر- يريد: رسول الله صلى الله عليه وسلم – “، فغايةُ أمرنا هو اتباع الكتابِ والسنَّة والاهتداء بهديهما, لا اتباع الأشخاص والتمسك بهم, وإنه مما يُحكم به على الشخص ما انتهى إليه لا ما كان عليه, وقد حذر ابن القيم رحمه الله كثيراً من الصوفية من أقوالهم ومعتقداتهم في كثير من كتبه.

ثالثًا:

إن منشأ اختلاف أهل العلمِ في أن ابن القيم – رحمه الله – كان صوفيًّا أو لم يكن راجع إلى أمور ثلاثة:

  1. في إعلانه توبته مما كانَ عليهِ من الخلطِ في الاعتقادِ ومدحِهِ شيخ الإسلام ابن تيمية أنه كان سبباً في تلك الهداية – كما سيأتي ذكر الأبيات -.
  2. في كتابه ” مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين ” وهو شرح لكتاب شيخ الإسلام أبي إسماعيل الهروي ” منازل السائرين “.

وقد اشتملَ هذا الكتابُ على شرحٍ وتحقيق لكتاب الهروي من حدودَ ومسائل ذكرها, أبطل فيها بعض العقائدِ الصوفية, كما اشتمل على معالم السلوك وتزكية النفوس ومن الأمور القلبيةِ.

  1. مدحه للتصوف وبعض أئمة الصوفية.

وممن قال إن ابن القيم رحمه الله كان صوفيًّا:

  1. الشيخ الألباني – رحمه الله -.

– وقد ذكر أنَّ ابن القيم مرَّ بمرحلتينِ:

أ. مرحلة التصوف.

ب. مرحلة التوبة.

وقد ذكر الشيخ رحمه الله أن تأليف ابن القيم لكتاب ” مدارج السالكين” كان في المرحلة الأولى.  ” سلسلة الهدى والنور ” ( شريط رقم 437 ).

وقد رددنا على هذا في الجواب المحال عليه، وذكرنا ثمة أن كتاب ” مدارج السالكين ” قد ألَّفه ابن القيم بعد وفاة شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمهما الله، وأن كتاب ” مدارج السالكين ” هو آخر – أو: من أواخر – ما كتبه ابن القيم من كتبه، في أواخر حياته.

2.*  الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -.

وفي ذكره مَن مَنَّ الله عليه بالهداية قال:

وابن القيم كان صوفيًّا، ثم منَّ الله عليه بصحبة شيخ الإسلام ابن تيمية، فهداه الله على يده حتى كان ربانيًّا.  ” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 9 / 377 ).

  1. * الشيخ صالح آل الشيخ – حفظه الله -:

قال:

فأراد ابن القيم – وقد كان في فترة من حياته متأثرًا بالقوم بعض التأثر – أراد ابن القيم رحمه الله أن يكتب كتابًا سلفيًّا في السلوك، يهدي به المتصوفة، ويكون أيضا سبيلًا لأهل السنَّة للاطلاع على السلوك والسلفية …. ” منازل السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين ” … . ” مسائل في طلب العلم ” ( 4 / 15 ) – ترقيم الشاملة -.

 

رابعًا:

– وأما الرد على ما ذكره أولئك الأعلام:

  1. لم يكنِ ابنُ القيم أول أمره صوفيًّا، بل الذي ثبت أنه كان عنده بعض الأخطاءِ في الاعتقادِ ثم تاب منها على يدِ شيخ الإسلام ابن تيمية، ولم يكن ذلك الاعتقاد في باب التصوف، بل كان في باب الأسماء والصفات.

وبما أنَّ الشيخ بكر أبو زيد – رحمه الله – قد درسَ حياة ابن القيم وآثاره ولم يذكر تصوفًا له البتَّةَ، بل قد كانت البدع المتلبس بها غير هذا الباب.

* قال الشيخ بكر أبو زيد – رحمه الله -:

ذكر ابنُ القيم رحمه الله في ” النونية ” بعضَ ما يقوله الأشاعرة وغيرهم في الصفات من التأويلات, وبعض ما في كتب النفاة من الطامات, وبيَّن ضررهم على الدين، ومناهضتهم لنصوص الكتاب والسنَّة، ثم عقد فصلاً ذكر فيه أنه قد وقع في بعض المهالك حتى أتاحَ له الإله من أزال عنه تلك الأوهام, وأخذ بيده إلى طريق الحق والسلامة، وهو شيخ الإسلام ابن تيمية.

وفي إعلانه لتوبته على يديه يقول:

يا قوم والله العظيم نصيحة **** من مشفق وأخ لكم معوان

جربت هذا كله ووقعت في **** تلك الشباك وكنت ذا طيران

حتى أتاح لي الإله بفضله **** من ليس تجزيه يدي ولساني

بفتى أتى من أرض حران فيا **** أهلا بمن قد جاء من حران

فالله يجزيه الذي هو أهله **** من جنة المأوى مع الرضوان

أخذت يداه يدي وسار فلم يرم **** حتى أراني مطلع الإيمان

ورأيت أعلام المدينة حولها **** نزل الهدى وعساكر القرآن

ورأيت آثارا عظيما شأنها **** محجوبة عن زمرة العميان

ووردت رأس الماء أبيض صافيًا *** حصباؤه كلآلئ التيجان

ورأيت أكوازا هناك كثيرة *** مثل النجوم لوارد ظمآن

ورأيت حوض الكوثر الصافي الذي *** لا زال يشخب فيه ميزابان

ميزاب سنته وقول إلهه *** وهما مدى الأيام لا ينيان

والناس لا يردونه إلا من الآ *** لاف أفرادا ذوي إيمان

وردوا عذاب مناهل أكرم بها *** ووردتم أنتم عذاب هوان

ثم إن ابن القيم – رحمه الله – أعاد الكرة بذكر هذه النعمةِ فبيَّن أنه طاف المذاهب يبتغي الهدى والنور, فما زاده ذلك التطواف إلا ظلمة وحرقة حتى هداه الله تعالى وتداركه بلطفه, فأخذ بزمام الكتاب والسنَّة واستعصم بهما عن المذاهب الكلامية والمناهج الفلسفية، وفي ذلك يقول:

يا طالب الحق المبين ومؤثرا *** علم اليقين وصحة الإيمان

اسمع مقالة ناصح خبر الذي *** عند الورى مذ شب حتى الآن

ما زال مذ عقدت يداه إزاره *** قد شد ميرزه إلى الرحمن

وتخلل الفترات للعزمات أمـ *** ـر لازم لطبيعة الإنسان

وتولد النقصان من فتراته *** أو ليس سائرنا بني النقصان

طاف المذاهب يبتغي نورًا *** ليهديه وينجيه من النيران

وكأنه قد طاف يبتغي ظلمة الـ *** ـليل البهيم ومذهب الحيران

والليل لا يزداد إلا قوة *** والصبح مقهور بذي السلطان

حتى بدت في سيره نار على *** طور المدينة مطلع الإيمان

فأتى ليقبسها فلم يمكنه مع *** تلك القيود منالها بأمان

لولا تداركه الإله بلطفه *** ولى على العقبين ذا نكصان

لكن توقف خاضعا متذللًا *** مستشعر الإفلاس من أثمان

فأتاه جند حل عنه قيوده *** فامتد حينئذ له الباعان

والله لولا أن تحل قيوده *** وتزول عنه ربقة الشيطان

كان الرقي إلى الثريا مصعدا *** من دون تلك النار في الإمكان

فرأى بتلك النار آكام المديـ *** ـنة كالخيام تشوفها العينان

ورأى هنالك كل هاد مهتد *** يدعو إلى الإيمان والإيقان

فهناك هنأ نفسه متذكرًا *** ما قاله المشتاق منذ زمان

إلى أن قال:

إن رمتَ تبصر ما ذكرت فغضَّ *** طرفًا عن سوى الآثار والقرآن

” ابن القيم حياته وآثاره ” ( ص 130 – 134 ).

  1. وأما بخصوص كتابه ” مدارج السالكين “: فإن الأمر على عكس ما قاله بعض أولئك الأعلام وغيرهم؛ فإن كتاب ” مدارج السالكين ” لابن القيم رحمه الله هو مرجع مهم لمعرفة الصوفية وأحوالهم!.

* قال علماء اللجنة الدائمة:

ومَن أراد معرفة أحوال الصوفية ومعتقداتهم بالتفصيل: فليقرأ كتاب ” مدارج السالكين ” لابن قيم الجوزية، وكتاب ” هذه هي الصوفية ” لعبد الرحمن الوكيل.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد.  ” فتاوى اللجنة الدائمة ” المجموعة الثانية ( 2 / 90 ).

  1. وأما بخصوص ثناء الإمامين ابن القيم أو شيخ الإسلام ابن تيمية على بعضِ أهل التصوف فهو ليس ثناء على صوفيةِ أهلِ البدع والانحراف من المستأخرين منهم, إنما هو ثناء على أهل التصوف المتبعين لكتاب الله وسنَّة سيِّد المرسلين, كما أشار إلى ذلك شيخ الإسلام في ” مجموع فتاويه ” في المجلد العاشر ” علم السلوك “.

* سئل علماء اللجنة الدائمة:

قرأتُ في كتاب ” هذه الصوفية ” أنها فرقة ضالة منحرفة عن العقيدة والسلوك مبتدعة في العبادات، ثم قرأت في مجلد ” التصوف ” لشيخ الإسلام ابن تيمية و ” مدارج السالكين ” لابن القيم كلاماً دلَّ على أن الصوفية فيهم من أهل العلم والزهد والتقوى ومن هم على منهج السلف الصالح، وأن منهم من يقول ” إن طريقنا هو العمل بالكتاب والسنَّة “.

فأرجو من فضيلتكم أن تفيدوني هل يجوز أن نقول: الصوفية على الإطلاق فرقة ضالة منحرفة، أو نقول : الأمر على التفصيل، أو ماذا نقول فيهم؟.

فأجابوا:

كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم في الصوفية، وأن منهم أناسًا معتدلين، يعني: القُدامى منهم، وأما المتأخرون: فيغلب عليهم الانحراف والضلال، وعلى كل حال: فالتصوف مبتدع في الإسلام، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ( وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة ).

والواجب على المسلم التمسك بالكتاب والسنَّة والسير على منهج السلف في الاعتقاد والعمل.  وفق الله الجميع للعلم النافع والعمل الصالح.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد.  ” فتاوى اللجنة الدائمة ” المجموعة الثانية ( 2 / 94 ، 95 ).

خامسًا:

وأما كتاب ” الوابل الصيِّب ” فليس فيه أدنى إشارة إلى التصوف، وقد ذكر بعض محققي نسخ الكتاب منهج ابن القيم فيه وبعض المؤاخذات على الكتاب، وليس منها شيء يتعلق بالتصوف ومدحه ومدح أهله.

هذا، وليُعلم أنه لا يضير ابن القيم أن كان صوفيّاً أول أمره، بل العبرة بما كان عليه آخر أيامه؛ فالأعمال بالخواتيم، وإنما نفينا هذا عنه لأنه ليس موجودًا في سيرته، وليس لأنه منزَّه عن هذا، وكيف يكون هذا وقد ذكرنا أنه كان على ضلال في أبواب أخرى في الاعتقاد؟!.

وبخصوص شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: فقد كان إماماً في العلم، وسلفيًّا في الاعتقاد، وحاشاه أن يكون صوفيًّا.

 

والله أعلم.

 

 

 

 

 

 

هل يجوز المشاركة في التصويت للرسول صلى الله عليه وسلم في المواقع العالَمية؟

هل يجوز المشاركة في التصويت للرسول صلى الله عليه وسلم في المواقع العالَمية؟

السؤال:

هل يجوز التصويت الإلكتروني للرسول صلى الله عليه وسلم في أحد المواقع العالمية الذي يطرح التصويت بغرض اختيار أفضل رجل في التاريخ؟.

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

ذهب جماهير العلماء المعاصرين إلى عدم جواز المشاركة في التصويتات الإلكترونية لاختيار الرسول الله عليه وسلم كأفضل وأعظم شخصية في التاريخ، ومجمل أسباب المنع من المشاركة:

  1. أن النبي صلى الله عليه وسلم هو سيد ولد آدم ولا يمكن أن يقارَن بغيره من الناس، وأن من اختاره الله تعالى واصطفاه على العالَمين لا مجال للتصويت على اصطفائه وأفضليته.
  2. أن الشخصيات التي توضع للاختيار بينها هم كفار وملاحدة وزنادقة في غالبهم، ويعد ذِكر النبي صلى الله عليه وسلم بينهم انتقاصًا من قدره، فالمشاركة في الاختيار مشاركة في مهزلة انتقاص من مقام النبي الكريم صلى الله عليه وسلم.
  3. أن غالب مستخدمي الإنترنت في العالَم هم من غير المسلمين، وغالب هؤلاء لن يصوِّتوا لاختيار النبي صلى الله عليه وسلم، بل قد يتعمدون وضعه في ذيل القائمة مما يسبب انتكاسة عند عوام المسلمين والذين يعلقون آمالًا وأوهامًا على مثل هذه التصويتات، وفي حال مقاطعتنا لهذه التصويتات نكون قطعنا الطريق على الراغبين الانتقاص من قدر النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، بل يجب على المسلمين رفع شكوى على تلك الموقع لمجرد ذِكرهم لنبينا صلى الله عليه وسلم مع حثالات الأمم.
  4. أن بعض المواقع الإلكترونية تبحث عن الشهرة وتريد الانتفاع المادي جرَّاء دخول المسلمين – وغيرهم – لمواقعهم، وكلما كان الداخلون لتلك المواقع أكثر استطاعوا الحصول من شركات تجارية على دعايات لها في مواقعهم تلك، هذا عدا عما يمكن أن يكون في تلك المواقع من مواد ضارة ومفسدة للدِّين والخلُق.
  5. أن من شأن إعطاء فرصة الاختيار بين شخصيات تاريخية ومؤثرة مع النبي صلى الله عليه وسلم من شأن ذلك أن يفتح الفرصة للطعن بالنبي صلى الله عليه وسلم وسبِّه وشتمه، والمخايرة بين الأنبياء قد جاء النهي الصريح عنها لما قد يؤدي بالمتخايرين لازدراء نبي الدين الآخر فيقع فاعل ذلك في الكفر، فأولى أم يُمنع هذا بين نبي ومن هم دونه من غير المسلمين.

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

المخايَرة إذا وقعت بين أهل دينين لا يؤمن أن يَخرج أحدهما إلى الازدراء بالآخر فيُفضي إلى الكفر. ” فتح الباري ” ( 6 / 446 ).

  1. أن احتمال الكذب والتزوير واردَيْن من أولئك القوم القائمين على تلك المواقع، فيكون التصويت لصالح الرسول صلى الله عليه وسلم عبثاً والحال هو هذا.

وقد أفتى الشيخ عبد العزيز آل الشيخ – مفتى السعودية – بالمنع من المشاركة في التصويت، وكان مما قاله:

محمد سيد ولد آدم, ولا يمكن أن يقارن بأحدٍ من الخَلق، ولا يجوز التصويت؛ فهو نقص في حق الرسول عليه الصلاة والسلام، كما أنه عمل خطأ كله من الأصل، فهذا محمد نبي الله أفضل الخَلق على الإطلاق، كما أنه أفضل الأنبياء، ولا يجوز لأصحاب المواقع الالكترونية التعامل مع هذه التصويتات. ” جريدة المدينة “، السبت 6 / 2 / 1431 هـ ، 21 / 1 / 2010 م، العدد ( 17074 ).

* وقال الدكتور ابراهيم الحمود – الأستاذ بالمعهد العالي للقضاء -:

هذا النوع من التصويت في نظري أنه نوع من العبث وصرف الأنظار عما هو أهمّ، ومحمد صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يوضع في معادلة مع سائر البشر؛ فهو النبي المعصوم، وله خصائص ليست لغيره من الناس، ولا أحد من المسلمين يشكّ في فضله على هذه الأمة، وقد يؤدي هذا التصويت إلى الإساءة إليه من غير المسلمين، وهو الذي يقصده أعداء الإسلام من هذه الأفكار التي تبث بين فترة وأخرى، ومقام النبي صلى الله عليه وسلم أكبر من أن يَدخل في مثل هذه المنظومة، وقد أدَّبه ربه فأحسن تأديبه، وشرَّفه بالرسالة، وهو سيد الأنبياء والمرسلين، ومَن أنكر ذلك فهو مكابر معاند فكيف يخضع للتصويت؟ سبحانك هذا بهتان عظيم، فالحذر الحذر ممن يدسّ السّم في العسل . ” جريدة المدينة “، السبت 5 / 2 / 1431 هـ ، 20 / 1 / 2010 م ، العدد (17073 ).

ثانيًا:

وأخيرا نقول لأصحاب العواطف الطيبة تجاه نبيهم صلى الله عليه وسلم:

إنكم تُشكرون على ما تبدونه من محبة تميز نبيكم صلى الله عليه وسلم على العالَمين في مواقع أولئك الكفَّار: لكننا نريد منكم أن تعبِّروا عن محبتكم لنبيكم صلى الله عليه وسلم بأفضل من هذا بمراحل كثيرة، وذلك أن تلتزموا سنَّته في هديكم الظاهر، وأن تستقيموا على شريعته، وأن تتخلقوا بأخلاقه، فلا يكون بينكم ولا منكم من يحلق لحيته، ولا من يسبل إزاره، ولا من يأكل الربا، ولا من يأكل أموال اليتامى، ولا من يكون تاركاً للصلاة، ولا عاقّاً لوالديه، ولا قاطعاً لرحمِه، وأن يصلِّي كصلاة نبيِّه صلى الله عليه وسلم، وأن يحجَّ كحجِّه، وبمثل هذا – وما يماثله – نعبِّر عن صدق محبتنا لنبينا صلى الله عليه وسلم، ونكون دعاة لهذا الدين بأفعالنا وسلوكنا قبل أن ندعو بألسنتنا.

 

والله أعلم.

 

هل يجوز للمرأة أن تعمل من بيتها في إذاعة عبر الإنترنت تستضيف الرجال في برامجها؟

هل يجوز للمرأة أن تعمل من بيتها في إذاعة عبر الإنترنت تستضيف الرجال في برامجها؟

السؤال:

طرحت سؤالًا من قبلُ عن ” هل يجوز للمرأة أن تقوم باستضافة برامج عبر راديو الإنترنت عن التاريخ الإسلامي “، لكني نسيت أن أذكر أن هذه البرامج بما أنها ستكون عبر الإنترنت فإنها ستكون في المنزل ولن يكون هناك اختلاط بين الرجال والنساء، لكن يمكن أن يكون هناك ضيف رجل في البرنامج لكنه سيكون موجودًا عبر الإنترنت.

 

الجواب:

الحمد لله

ذكرنا في جواب سابق تحريم عمل المرأة مذيعة في الإذاعة، ومن المخالفات التي تقع المرأة بسبها في عملها هذا اختلاطها بالرجال واحتمال حصول الخلوة المحرمة وترقيق صوتها والخضوع بالقول، فإذا عملت المرأة في إذاعة عبر الإنترنت وهي في بيتها زال المحذور الأول والثاني، وبقي المحذور الثالث، وهو ترقيق صوتها والخضوع بقولها، فإذا لم يكن هذا منها: فنرجو أن لا يكون بأس بعملها ابتداءً.

وواقع العمل في تلك الإذاعة قد يجعل القول بالجواز محل نظر وتأمل، فقد يكون من عمل المرأة أن تتكلم وحدها مع ضيف من الرجال لبرنامجها، وهذا لا شك أن فيه مفسدة ظاهرة، وطريق للفتنة للطرفين، كما أنها قد تناقش ضيفها من الرجال على مسمع من الناس بالأخذ والرد، والمخالفة والموافقة، وكثرة هذا الأمر لا شك يؤثر على حيائها، ويُكسبها صفات الرجال، ومن يعرف حال المذيعات ومقدمات البرامج الحوارية لا يخالف في هذا.

لذا فإننا نحصر الجواز في عمل الأخت المسئول عن عملها إن كانت برامجها تخلو من استضافة الرجال، ولتستضف في برنامجها النساء فقط، ولتدع مهمة استضافة الرجال للرجال أنفسهم.

فإذا التزمت الأخت بعدم ترقيق صوتها وبعدم استضافة الرجال في برامجها: فنفتي لها بالجواز وإلا فلا؛ لما نراه من فتن تعصف بالرجال والنساء، وقد زادت الأمور عن حدِّها، فلن نكون جزء من أسباب ذلك إن شاء الله، والمرأة العاقلة تعلم أن هذا المنع يصب في صالح دينها وعرضها، ويحافظ على استقامتها وحيائها.

ونرجو أن تجتمع مجموعة من الأخوات طالبات العلم لاستثمار هذه الإذاعة في إصلاح بيوت المسلمين، وإصلاح النساء خاصة، ويلتزمن بضوابط الشرع في عملهن، ولعلهنَّ أن يرين من الخير والنفع الشيء الكثير العظيم، وما أحوج كثير من النساء لمخاطبة امرأة طالبة علم لتشكو لها همَّها أو تستشيرها في أمر نفسها، أو تسألها عمَّا يُستحى من سؤال الرجال عنه، فوجود مثل أولئك الأخوات اللاتي يخصصن حديثهم وبرامجهن للنساء فقط أنفع، وأبعد عن المخالفات الشرعية.

 

– ونسأل الله تعالى أن يحفظ أعراضنا، وأن يوفقنا لما فيه رضاه.

 

والله أعلم.

 

يريد عمل موقع يكون دليلا للمواقع الإسلامية الموثوقة

يريد عمل موقع يكون دليلا للمواقع الإسلامية الموثوقة

السؤال:

إن شاء الله أريد عمل موقعًا لدليل المواقع الإسلامية، فأريد شروط قبول المواقع التي أضعها على الموقع؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نسأل الله أن يكتب لأخينا السائل الأجر الجزيل لما أراده من نشر الخير في الشبكة العنكبوتية، ونبشره بقول عنهم رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ( مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ ) رواه مسلم ( 5007 ).

* قال النووي – رحمه الله -:

فيه فضيلة الدلالة على الخير والتنبيه عليه والمساعدة لفاعله.

” شرح مسلم ” ( 13 / 39 ).

ومفهوم المخالفةِ من الحديث أن ” الدال على الشر كفاعله “، وقد وردَ في معنى هذا ما رواه الإمام مسلم في صحيحه ( 6980 ) عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ ( مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لاَ يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلاَلَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ لاَ يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا ).

* قال ابن عبد البر – رحمه الله -:

حديث هذا الباب أبلغ شيء في فضائل تعليم العلم اليوم، والدعاء إليه، وإلى جميع سبل البر والخير.  ” التمهيد ” ( 24 / 329 ).

* وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

وفي هذا دليل على أن المتسبب كالمباشر المتسبب للشيء كالمباشر له، فهذا الذي دعا إلى الهدى تسبَّب فكان له مثل أجر من فعله، والذي دعا إلى السوء أو إلى الوزر تسبب فكان عليه مثل وزر من اتبعه. ” شرح رياض الصالحين ” ( 2 / 361 ).

 

 

 

 

ثانيًا:

ومن علامات المواقع التي ندعوك لجمعها في سياق واحد لتدل عليها:

  1. أن تكون مواقع شخصية لعلماء ثقات من أهل السنة والجماعة، كمواقع: الشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ محمد بن صالح العثيمين، والشيخ صالح الفوزان، والشيخ عبد الله بن جبرين، والشيخ الألباني.
  2. المواقع التي يشرف عليها مشايخ ودعاة ثقات من أهل السنَّة، كموقع الإيمان، وموقع الإحسان، وغيرهما.
  3. المواقع التي تحوي أخبار العالَم ويشرف عليها دعاة من أهل السنَّة، كموقع ” المختصر “، و ” مفكرة الإسلام “.
  4. المنتديات التي يشرف عليها طلبة علم من أهل السنَّة، كموقع ” ملتقى أهل الحديث “، و ” الألوكة “.
  5. مواقع الفتاوى الشرعية والتي تفتي الناس وفق الكتاب والسنَّة، كموقع ” اللجنة الدائمة “، و ” الشبكة الإسلامية “.
  6. مواقع الصوتيات والمرئيات والتي يقوم عليها إخوة ودعاة من أهل السنَّة، كموقع ” طريق الإسلام “، و ” أنا السلفي ” .
  7. المواقع التي تجمع المقالات المفيدة، والكتب النافعة، وعلى رأس هذه المواقع موقع ” صيد الفوائد “، و ” الشاملة “.
  8. مواقع الجامعات الإسلامية، كموقع ” جامعة أم القرى “، وموقع ” الجامعة الإسلامية “.
  9. مواقع القنوات الإسلامية، موقع ” قناة المجد “، و ” قناة الرحمة “.
  10. مواقع المجلات الإسلامية، كموقع ” مجلة الأسرة “، و ” مجلة التوحيد “.
  11. المواقع الموثوقة للنساء والتي يقوم عليها أخوات ثقات، كموقع ” لها أون لاين “، و ” ملتقى طالبات العلم “.

وبكل حال فالمواقع الإسلامية النافعة قد كثرت بفضل الله تعالى، وكل ما سبق مما دللناك عليه من مواقع فهي تخلو من الصور والموسيقى والترويج لبدعة، ويقوم على تلك المواقع مشايخ ودعاة وإخوة ثقات، ومثلها كثير مما يشبهها، وما خاب من استشار، فاحرص على المشورة تفلح بإذن الله ولا تقع في الترويج لموقع غير موثوق.

ونسأل الله تعالى أن يوفقك لما يحب ويرضى.

 

والله أعلم.

هل تقرُّ الشريعة ظلمَ الأبوين لأولادهم أم تدفع ذلك؟ وهل يتعارض هذا مع الأمر ببرِّهما؟

هل تقرُّ الشريعة ظلمَ الأبوين لأولادهم أم تدفع ذلك؟ وهل يتعارض هذا مع الأمر ببرِّهما؟

السؤال:

كثيرًا ما يساورني الشك بأن هناك تناقضًا وتعارضًا بين دعوة الإسلام إلى بر الوالدين وبين دعوته إلى نصرة المظلومين وردع الظالمين! فكيف يتم ردع الظالمين في حالة أن يكون الآباء هم من يظلمون أبناءهم ويعاملونهم معاملة العبيد إضافة إلى قسوتهم عليهم الأمر الذي يولِّد في الأبناء الكراهية والبغض لهم ولدينهم الذي لا يجدوا منه إلا دعوة لأن يبروا من يظلمونهم ويعاملونهم بقسوة دون أن يكون هناك رادع فعَّال وقوي؟!.

أعتقد أنها مسألة مهمة تستحق النظر, وأتمنى أن أكون قد سددتُ السؤالَ إلى الشخص المناسب، فالإجابة عليه تحتاج إلى مزيد من الإقناع، مع العلم بأن هذه المسألة تشغلني منذ فترة ليست بالقصيرة ولم أعثر لها على إجابة.

 

الجواب:

الحمد لله

  1. من الخطأ الاعتقاد بأن ظلم الآباء والأمهات لا تشمله النصوص التي تحرِّم الظلم وتتوعد الظالمين بالعقوبات، بل هم داخلون فيها وتشملهم أحكامها، ولا يجوز لأحدٍ استثناء الوالدين أو غيرهم، وعظم حقِّهم لا يجعلهم غير مشمولين في مثل قوله تعالى (وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا ) الفرقان/ 19 ، وهم داخلون في عباد الله في حديث أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَى عَنْ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: ( يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا ) رواه مسلم ( 2577 )، وهم داخلون في الأمر الوارد في حديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( اتَّقُوا الظُّلْمَ فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) رواه مسلم ( 2578 ).
  2. وقد نصَّ النبي صلى الله عليه وسلم على تسمية فعل الأب المخالف للشرع بـ ” الجوْر ” أي: الظلم، وأمر بردِّ هذا الظلم ووضع الأمر في نصابه الصحيح.

عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال : سألتْ أمي أبي بعضَ الموهبة لي من ماله ثم بدا له فوهبها لي، فقالت لا أرضى حتى تشهد النبي صلى الله عليه وسلم، فأخذ بيدي وأنا غلام فأتى بي النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إن أمه بنت رواحة سألتني بعض الموهبة لهذا قال: ( أَلَكَ وَلَدٌ سِوَاهُ ) قال: نعم، قال: ( لاَ تُشْهِدْنِي عَلَى جَوْرِ ).

وفي رواية ( لاَ أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ ). رواه البخاري ( 2507 ) ومسلم ( 1623 ).

فأنتَ ترى في هذا الحديث التنصيص على تسمية ظلم الأب لأولاده بما يستحقه، وترى أن الشريعة لم تستثني الوالدين من حكم ووصف وإثم الظلم.

وفي باب الأموال فإنه إن امتنع الأب عن النفقة على أولاده فإن القضاء الشرعي يجبره على تلك النفقة، ويجوز لهم دفع هذا الظلم منه بالأخذ منه دون إذنه.

لذلك فإن كان والدك لا يُنفق على البيت: فإن لها أن تأخذ منه بقدر النفقة فقط.

عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ هِنْدَ بِنْتَ عُتْبَةَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ وَلَيْسَ يُعْطِينِي مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي إِلَّا مَا أَخَذْتُ مِنْهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ، فَقَالَ: ( خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ ). رواه البخاري ( 5364 ) ومسلم ( 1714 ).

  1. ومن الخطأ الاعتقاد بأن للأبوين أن يتصرفا كيف شاءا في أولادهما وكأنهم سلعة، بل إن الشريعة المطهرة لها موقفها من ظلم الأب والأم كموقفها من ظلم غيرهما، وما سبق من موقف الشرع من ظلم الوالد في الأموال جاء مثله فيما هو أعظم منه في باب الولاية والنكاح:

أ. فالأب الظالم الذي يمنع ابنته من الزواج من غير سبب شرعي لا شك في استحقاقه إثم الظالمين ودخوله في الوعيد المترتب على فعلهم، وللشريعة موقفها العملي من هذا الظلم وذلك برفع ولاية ذلك الأب الظالم لابنته عنها وجعلها في غيره من الأولياء، وإن لم يكن لها ولي فتكون ولايتها للحاكم المسلم أو من يقوم مقامه.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

أرى أن هؤلاء الذين يمنعون بناتهم من النكاح إلا ببني أعمامهن: أرى أنه ظالم، وأنه معتدٍ، وللبنت أن ترفع الأمر إلى المحكمة، ونقول لهذا الرجل: ليس لك ولاية، أهل العلم يقولون: الرجل إذا منع المرأة أن يزوجها كفئًا رضيَتْه: فإن الولاية تنتقل إلى من بعده، وتسقط ولايته، قالوا: وإذا تكرر ذلك منه صار فاسقاً، والفاسق ضد العدل، … وهؤلاء الظلمة الذين يمنعون بناتهم أن يزوجوهن من أكفاء رضيتْه المرأة: هؤلاء سوف يلقون جزاءهم عند الله يوم القيامة. ” اللقاء الشهري ” ( اللقاء رقم 46 ).

ب. والأب الظالم الذي يزوِّج ابنته البالغة إكراهًا: لها أن ترفع أمرها للقضاء الشرعي لينصفها في زواجها فيخيِّرها بين إمضائه أو إبطاله.

روى البخاري ( 4845 ): خَنْسَاءَ بِنْتِ خِذَامٍ الأَنْصَارِيَّةِ أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا وَهْي ثَيِّبٌ، فَكَرِهَتْ ذَلِكَ فَأَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – فَرَدَّ نِكَاحَهُ.

وبوَّب عليه البخاري بقوله: ” باب إذا زوَّج ابنته وهي كارهة فنكاحه مردود “.

وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ جَارِيَةً بِكْرًا أَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَتْ أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا وَهِيَ كَارِهَةٌ فَخَيَّرَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. رواه أبو داود ( 2096 ) وابن ماجه (1875 )، وصححه ابن القيم في ” تهذيب السنن ” ( 3/40 ) والألباني في ” صحيح أبي داود “.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

وهذه غير خنساء، فهما قضيتان قضى في إحداهما بتخيير الثيب، وقضى في الأخرى بتخيير البكر. ” زاد المعاد ” ( 5 / 95 ).

والابن الذي يرغب بالزواج ليس لأبويه أن يجبراه من التزوج بامرأة لا يرغبها، وإذا خالف الابنُ أبويه في هذا لا يكون عاقًّا.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله:

ليس لأحد الأبوين أن يلزم الولد بنكاح مَن لا يريد، وأنه إذا امتنع لا يكون عاقًّا، وإذا لم يكن لأحدٍ أن يُلزمه بأكل ما ينفِر عنه مع قدرته على أكل ما تشتهيه نفسه: كان النكاح كذلك وأولى؛ فإن أكل المكروه مرارة ساعة وعِشرة المكروه من الزوجين على طول يؤذي صاحبه كذلك ولا يمكن فراقه . ” مجموع الفتاوى ” ( 32 / 30 ).

وما ذكرناه في أمري الولاية والنكاح هو من المسائل العملية التي حفظ فيها الشرع الحق لصاحبه – وهم الأولاد هنا – وأخذ على يد الظالم – وهم الأب هنا -، والأمثلة كثيرة لو رحنا نذكرها لطال بنا المقام، وفي كلها لا يرضى الله تعالى بظلم الوالدين لأولادهم، بل إنه ليمنعهم من ظلمهم، وإن الشرع ليأخذ على أيديهم، فمَن أخذ من أولاده مالًا بغير وجه حق ردَّته إليه الشريعة، ومن أساء في تربية أولاده نُزعت منه الحضانة، وهكذا في مسائل عملية كثيرة، وأنت تحتاج أن تنظر إليها بعين الإنصاف؛ لتعلم بعدها عظمة التشريعات الربانية، وأنه لا أحكم منها ولا أعدل.

  1. ومما ظهر لنا أنك لم تستطع الجمع بين أمر الشريعة المطهرة ببرِّ الوالدين والإحسان إليهما بالقول والعمل مع كونهما ظالميْن، وظننتَ أن بينهما تضادًّا، والأمر ليس كذلك، ونحن نذكر لك شيئاً لعله غاب عن ذهنك، وهو أن أعظم الظلم هو أن يزعم أحدٌ أن مع الله آلهة أخرى، ويعظُم الظلم حينما يكون ذلك المشرك داعية لشركه، ويعظم أكثر وأكثر حين يكون المدعوون هم أولاد أولئك المشركين! ومع كل هذا الظلم والإيذاء لله تعالى فإن الله تعالى أمر الأولاد بالإحسان إلى الوالديْن الداعييْن إلى الشرك والمجاهديْن في سبيل تحقيق رغبتهما في تبني أولادهم الشرك وعدم تحقيق التوحيد، قال تعالى (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ) العنكبوت/ 8، وقال تعالى ( وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً ) لقمان/ 15، فها هم الآن الوالدان في غاية الشرك وغاية الظلم ومع ذلك أَمر الله تعالى – الذين آذَوه – بالإحسان إليهم والبرِّ بهم؛ لما لهما من حق على أولادهم، ولما يعلمه الله تعالى من أثر مثل ذلك الإحسان عليهم، فماذا يمكن أن يرى الإنسان من والديه في مقابل ما يراه الله تعالى منهم إن كانوا كفَّارًا مشركين؟! ولهذا لم يكن أحد أصبر على أذى يسمعه من الله جلَّ جلاله.

عن أبي موسى الأشعري قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ( لَيْسَ أَحَدٌ أَصْبَرَ عَلَى أَذًى يَسْمَعُهُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى إِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ لَهُ نِدًّا وَيَجْعَلُونَ لَهُ وَلَدًا وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَرْزُقُهُمْ وَيُعَافِيهِمْ وَيُعْطِيهِمْ ). رواه البخاري ( 5748 ) ومسلم ( 2804 ) – واللفظ له -.

فلعلَّ هذا أن يدعوك إلى مزيد تأمل في أن الشرع لا يقرُّ ظلم الأبوين، وأنه عندما يدعو الأولاد إلى الإحسان لهما والبر بهما فليس يعني هذا بحال إقرار ظلمهما، وقد تبين لك بما لا شك فيه ما جاءت به أحكام الشرع في دفع ظلمهما، ومع هذا أُمر الأولاد بالصبر على والديْهم لما للصبر من جزاء عظيم لفاعله، ولما له أثر حسن على المصبور عليهم.

ونسأل الله تعالى أن نكون قد وفِّقنا في إزاحة الإشكال عنك، وأن نكون أوضحنا أحكام الشرع المطهَّر في تعامل الأولاد مع والديهم الظلمة، وعسى الله تعالى أن يجزي الصابرين على صبرهم، وأن يحقق لهم مقصودهم من هداية والديهم للحق والصواب.

 

والله أعلم.

 

 

متى يحل للموكِّل بالأضحية أن يقص شعره مع وجود فارق في التوقيت بينه وبين بلد الوكيل؟

متى يحل للموكِّل بالأضحية أن يقص شعره مع وجود فارق في التوقيت بينه وبين بلد الوكيل؟

السؤال:

أعيش في ” أمريكا “، وقد طلبت من أحد الإخوة المقيمين في إحدى دول الشرق الأوسط أن يضحي بالنيابة عني، فهل يجب عليه أن ينتظر فلا يذبح الأضحية حتى أنتهي من صلاة العيد هنا في أمريكا؟ وهل يجب عليَّ أن أنتظره إلى أن يذبح الأضحية فلا أحلق رأسي ولا أقص أظافري؟ أم أنه يجوز لي أن أحلق وأقص أظافري حال الانتهاء من صلاة العيد دون الأخذ بالاعتبار ما إذا كان قد ضحّى أم لا؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا يشك أحد أن السنَّة في الأضحية أن تكون في بلد المضحي؛ إظهارًا للشعيرة العظيمة، وأن من قدر على الذبح بنفسه فهو أفضل ممن وكَّل غيره لذبحها.

وعليه: فالتوكيل في ذبح الأضاحي في غير بلد المضحي خلاف السنَّة في الأصل، إلا أنه قد تعتري المضحي بعض الظروف مما يكون معه توكيل بذبح الأضحية في غير بلده، ومن ذلك: ما يفعله رب الأسرة العامل في غير بلده ولا يستطيع شهود العيد مع أسرته، ومنه: من يكون في بلد تَمنع الذبح الإسلامي وتجرِّم فاعله، ومنه: من يرغب بذبح أكثر من أضحية فيجعل واحدة – أو أكثر – في بلده، وواحدة أخرى – أو أكثر – في بلد فقير، فكل هؤلاء -وغيرهم من مثل حالهم – لا يُمنع من توكيلهم غيرهم ليذبحوا في غير بلدهم الذي يقيمون فيه.

 

ثانيًا:

وفي كثير من الأحيان يكون ثمة فارق في التوقيت بين بلد المضحِّي الموكِّل وبين بلد الوكيل الذي ستُذبح فيه الأضحية، ومن المعلوم أن المضحِّي – لا الوكيل – يُمنع من الأخذ من أظفاره وشعره وجلده شيئاً حتى ينتهي من ذبح أضحيته؛ لحديث أُمّ سَلَمَة قالت: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ( مَنْ كَانَ لَهُ ذِبْحٌ يَذْبَحُهُ فَإِذَا أُهِلَّ هِلاَلُ ذِي الْحِجَّةِ فَلاَ يَأْخُذَنَّ مِنْ شَعْرِهِ وَلاَ مِنْ أَظْفَارِهِ شَيْئًا حَتَّى يُضَحِّيَ ) – رواه مسلم ( 1977 ) -، فكيف يصنع صاحب الأضحية في حال ذبَحَ وكيلُه أضحيته قبل –  أو بعد – وقت عيد الأضحى عنده؟!.

في المسألة أقوال:

  1. أحوطها: أن لا يأخذ صاحب الأضحية من شعره وأظفاره شيئًا إلا بعد انتهاء صلاتي العيد في البلدين، مع قيام موكِّله بذبح أضحيته، وهذا القول اعتبر صاحبه بلد المضحي ومكان الأضحية جميعًا، وبه يقول الحسن بن زياد الحنفي.

* قال الكاساني الحنفي – رحمه الله -:

وقال الحسن بن زياد: انتظرت الصلاتين جميعَا، وإن شكوا في وقت صلاة المصر الآخر انتظرت به الزوال فعنده لا يذبحون عنه حتى يصلوا في المصرين جميعًا, وإن وقع لهم الشك في وقت صلاة المِصر الآخر لم يذبحوا حتى تزول الشمس فإذا زالت ذبحوا عنه.

وجْه قول الحسن: أن فيما قلنا اعتبار الحالين حال الذبح وحال المذبوح عنه فكان أولى، ولأبي يوسف ومحمد رحمهما الله أن القربة في الذبح, والقربات المؤقتة يعتبر وقتها في حق فاعلها لا في حق المفعول عنه. ” بدائع الصنائع ” ( 5 / 74 ).

  1. وقال بعض العلماء: إن العبرة ببلد المضحي لا بمكان الأضحية، فمتى دخل وقت ذبح الأضحية عنده أخذ من شعره وأظفاره ولو لم يذبح وكيله!، وهذا قول بعض الحنفية، ويرجحه الشيخ عبد الله الجبرين رحمه الله، فقد سئل:

متى يبدأ المضحي بالتحلل علمًا أن أضحيته قد تتأخر يوم، أو تتقدم يوم، حسب الدولة المضحَّى فيها؟.

فأجاب:

يُراد بالتحلل: إباحة أخذ الشعر والظفر، فمتى دخل وقت الذبح في البلاد التي فيها المتبرع: جاز له التحلل، يعني: القص من شعره وبشرته، ولو لم يتحقق ذبح أضحيته في ذلك اليوم.

http://ibn-jebreen.com/ftawa.php?view=vmasal&subid=1917&parent=1268

* وقال – رحمه الله -:

فيجوز له الحلق والتقليم ولو تأخر ذبح أضحيته في البلاد البعيدة لفوارق التوقيت.

http://ibn-jebreen.com/ftawa.php?view=vmasal&subid=10377&parent=1268

  1. وقال آخرون: إن صاحب الأضحية مرتبط بذبح الأضحية لا بصلاة العيد ولا بوقت ذبح الأضحية، فمتى تمَّ ذبح الأضحية من قِبَل الوكيل أخذ من شعره وأظفاره ولو كان صلَّى العيد قبل ذبحها، بل ولو مرَّ يومان من أيام التشريق، وهذا هو مذهب الحنفية، وبه يقول الشيخ العثيمين رحمه الله، وهو الراجح عندنا؛ لتعليق النبي صلى الله عليه وسلم المنع من الأخذ من الشعر والأظفار حتى يضحي لا بصلاة العيد، ولا بدخول وقت الأضحية، فإذا قام الوكيل بذبح الأضحية عن الموكِّل : جاز لهذا الموكِّل الأخذ من شعره وأظفاره.

* قال الكاساني الحنفي – رحمه الله -:

وإن كان الرجل في مصر وأهله في مصر آخر فكتب إليهم أن يضحوا عنه: روي عن أبي يوسف أنه اعتبر مكان الذبيحة فقال: ينبغي لهم أن لا يضحوا عنه حتى يصلي الإمام الذي فيه أهله, وإن ضحوا عنه قبل أن يصلِّي لم يجزه, وهو قول محمد – عليه الرحمة -. ” بدائع الصنائع ” ( 5 / 74 ).

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 5 / 92 ) – نقلًا عن الحنفية -:

وإذا كان من عليه الأضحية مقيماً في المصر ووكَّل من يضحي عنه في غيره أو بالعكس: فالعبرة بمكان الذبح لا بمكان الموكِّل المضحي؛ لأن الذبح هو القربة. انتهى.

* قال الشيخ العثيمين رحمه الله – في بيان مفاسد التوكيل في الأضحية في غير بلد المضحي -:

ومنها: أنها إذا ضحيت في بلاد أخرى فإنه لا يدري متى تضحى، قد تضحى قبل الوقت جهلًا من المضحي، وقد تضحى بعده، ثم هو مرتبط بها؛ لأنه لا يأخذ من شعره ولا من بشَرته – جلده – ولا من أظفاره شيئًا حتى يضحي، ولا يدري متى تذبح هذه الأضحية فيبقى معلقًا كل أيام العيد لا يأخذ من شعره ولا من ظفره ولا من بشرته شيئًا؛ لأنه لا يدري هل ذبحت الأضحية أم لا، ولا سيما إن كانت في بلاد شرقية فإنهم يتأخرون عنها في الغالب يومًا وربما يتأخرون يومين، فيبقى معلقًا من العيد إلى أيام التشريق الثلاثة إلى اليوم الرابع الزائد أو الخامس. ” لقاء الباب المفتوح ” ( مقدمة اللقاء رقم 92 ).

وعليه: فإذا كان ذبح الأضحية قبل صلاة العيد في بلد الموكِّل: جاز له الأخذ من شعره وأظفاره ولو كان قبل صلاته للعيد، وإذا كان الذبح للأضحية يكون بعد صلاة العيد عنده: فينتظر حتى يتم ذبح الأضحية ثم يأخذ من شعره وأظفاره، ولا يفعل ذلك بعد صلاته للعيد قبل ذبح أضحيته؛ لأن العبرة بمكان الأضحية وذبحها، وليست العبرة ببلده وصلاته للعيد.

 

والله أعلم.

هل التفكر الذي يؤدي للإنزال وممارسة العادة السرية يبطلان الصيام؟

هل التفكر الذي يؤدي للإنزال وممارسة العادة السرية يبطلان الصيام؟

السؤال:

في إحدى الدول الأوروبية تعرضت في شهر رمضان لإثارة جنسية قوية عن طريق التفكر مما أدى لخروج المني، واعتقادًا مني أن صيامي قد فسد سوَّلت لي نفسي فقمت بالاستمناء، فهل عليَّ القضاء أم الكفارة؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

يجب على المسلم أن يحفظ سمعه وبصره وجوارحه من الوقوع فيما حرَّم الله تعالى عليه، والأصل أن الصيام يهذِّب النفوس ويكون وقاية لصاحبه من الوقوع في الشهوات، وإذا كان هذا الصيام في الشهر المبارك شهر رمضان كان ذلك أدعى لأن يزداد الحفظ والتهذيب.

وقد اختلف العلماء في إبطال الصوم بإنزال المني بالتفكر، فأبطله المالكية، ولم يبطله جمهور العلماء، والظاهر أنهم لم يبطلوا به الصيام لأنه لا إرادة للعبد به، فهو شيء يأتي على الخاطر ولا يمكن دفعه، أما مع تعمد التفكر والاسترسال به بقصد الإنزال: فلا فرق – حينئذٍ – بينه وبين تعمد النظر من أجل الإنزال، والجمهور يرون إبطال الصيام بتعمد النظر حتى الإنزال.

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 26 / 267 ):

ذهب الحنفية والشافعية إلى: أن إنزال المني أو المذي عن نظر وفِكر لا يبطل الصيام، ومقابل الأصح عند الشافعية أنه: إذا اعتاد الإنزال بالنظر، أو كرر النظر فأنزل: يفسد الصيام.

وذهب المالكية والحنابلة إلى: أنَّ إنزال المني بالنظر المستديم يفسد الصوم؛ لأنه إنزال بفعل يتلذذ به، ويمكن التحرز منه.

وأما الإنزال عن فكر: فيفسد الصوم عند المالكية، وعند الحنابلة لا يفسده لأنه لا يمكنه التحرز عنه  انتهى.

ثانيًا:

وإذا فُرض أنك لم تتعمد قصد التفكر في الشهوة من أجل الإنزال وأن صومك لم يكن باطلًا بسبب ذلك: فإنه لا خلاف بين الأئمة الأربعة في بطلان صيامك بسبب إنزالك بفعل العادة السرية السيئة، مع ترتب الإثم بسبب المعصية ذاتها، فتكون قد جمعت بين معصيتين في فعل واحد: معصية العادة السرية ومعصية تعمد الإفطار وإبطال صوم ذلك اليوم.

والواجب عليك فعله:

  1. التوبة من معصية فعل العادة السرية.
  2. التوبة من إبطال صوم ذلك اليوم.
  3. قضاء ذلك اليوم.

وليس عليك كفارة؛ لأن الكفارة تجب في الجماع فقط.

 

والله أعلم.

ماذا يمكن للولد أن يفعل ليكون والداه أكثر تديُّنًا وأكثر قربًا إلى الله؟

ماذا يمكن للولد أن يفعل ليكون والداه أكثر تديُّنًا وأكثر قربًا إلى الله؟

السؤال:

ما الذي ينبغي عليَّ فعلُه لأجعل والداي أكثر تديُّنًا وأقرب إلى الله؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نحمد الله تعالى على ما هداكَ به في طلبِ تديُّن والديكَ؛ فإنَّ هذا من البر الذي وصَّى به ربنا في كتابه الكريم, ومن أعظمَ البرِّ أن يكون الولد سبباً في إسلام والديه أو في هدايتهما أو تدينهما، قال تعالى ( وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ) الإسراء/ 23، والإحسانُ إليهما شاملٌ لكلِّ معروفٍ قولي وفعلي.

* قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله-:

أي: أحسنوا إليهما بجميع وجوه الإحسان القولي والفعلي؛ لأنهما سبب وجود العبد، ولهما من المحبة للولد والإحسان إليه والقرب ما يقتضي تأكد الحق ووجوب البر.  ” تفسير السعدي ” ( ص 456 ).

 

ثانيًا:

ثمَّ إنَّ الطرق المثلى في تحصيل التزام الوالدين أو في طلب قربهما إلى الله تعالى يكونُ بأمورٍ عديدة, تجعلُ المدعو يسمعُ وينصت ويذعن بإذن الله، ومن هذه الطرق النافعة:

  1. الدعاء لهما بالهدايةِ والصلاحِ, فإنَّ الدعاء مفتاح الفرج, وهو باب لقضاء الحاجات, قال سبحانه وتعالى ( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) غافر/ 60، وقال تعالى ( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ) البقرة/ 186.

* قال ابن كثيرٍ – رحمه الله -:

هذا من فضله تبارك وتعالى وكرمه, أنه ندب عباده إلى دعائه، وتكفل لهم بالإجابة، كما كان سفيان الثوري يقول: ” يا مَنْ أحبُّ عباده إليه مَنْ سأله فأكثر سؤاله، ويا من أبغض عباده إليه من لم يسأله، وليس أحد كذلك غيرك يا رب “.

” تفسير ابن كثير ” ( 7 /  153 ).

 

  1. أن يقدِّم بين يدي نصحه نوعاً من البر والإحسان؛ فإن هذا أجلب للاستجابة والقبول, وهو أوقعُ في القلب وأقرب, كما قال القائل:

أحسن إلى الناس تستعطف قلوبهم *** فطالما استعطف الإحسان إنسانًا

  1. اللين في النصح وتحمل الأذى في حال حصوله, فعلى الابنِ أن يكثر من النصحِ والإرشاد لهما بالرفقِ واللينِ والحكمة, ومراعاةِ مدى استدراكهما للأمور, فليسَ الأبُ الشاب كالأبِ المسنِّ الكهل ! فللدعوةِ أساليبُ متعددة تقتضيها حال المدعو، ومن أهم تلك الأساليب حسن المدخل في بداية الخطاب – مع اللين في العبارات -، وقد قصَّ الله علينا في سورةِ مريم دعوةَ إبراهيمَ الخليل لأبيهِ, أسلوبَ الحاني الشفيق, فكان يبدأ خطابه مع أبيه بقوله ” يا أبتِ ” وهو أسلوب لطيف رقيق، وكان يرفع من شأنه في خطابه معه لا يحط منه.

* قال الشيخ السعدي – رحمه الله -:

وفي هذا من لطف الخطاب ولينه ما لا يخفى، فإنه لم يقل: ” يا أبت أنا عالم، وأنت جاهل ” أو ” ليس عندك من العلم شيء ” وإنما أتى بصيغة تقتضي أن عندي وعندك علمًا، وأن الذي وصل إليَّ لم يصل إليك ولم يأتك، فينبغي لك أن تتبع الحجة وتنقاد لها.  ” تفسير السعدي ” ( ص 494 ).

ثم تحمَّله إبراهيم عليهِ السلام عندما قسا عليه وقال ( وَاهْجُرنِي مَليَّا ) أي: أبدًا، فكان رد إبراهيم عليه السلام ( سلامٌ عليكَ ) فصبرَ واحتسبْ.

فيبتدئ الولد الداعية في مخاطبة والديه بالثناءِ الجميل عليهما والاعتراف بفضلهما فيقول: يا من عانيتما في تربيتي، يا أحب الناس إلى قلبي، وهكذا من العباراتِ اللطيفةِ الجذابةِ؛ فإن هذا يُعتبر مدخلًا حسنًا وطريقًا سالكًا إلى قلبيهما.

ولمَّا أمر الله نبيه موسى عليه السلام أن يذكِّر فرعون قال سبحانه ( فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ) طه/ 44؛ فإن القول اللين داع لذلك، وهو أسلوب الداعيةِ الناجح.

* قال ابن كثير – رحمه الله -:

والحاصل من أقوالهم: أن دعوتهما له تكون بكلام رقيق لين قريب سهل، ليكون أوقع في النفوس وأبلغ وأنجع، كما قال تعالى ( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) الآية النحل/ 125.” تفسير ابن كثير ” ( 5 / 295 ).

والقول الغليظ منفر عن صاحبه, وهو أسلوب الدعوة الفاسد, قال تعالى في حق نبيه محمد عليه الصلاة والسلام ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ) آل عمران/ 159.

وعليهِ: فإنَّ الوالدين إذا غضبًا وشاطًّا بسبب نصحِ ولدهما لهما: فعليهِ أن يلزمَ الصمتَ ولا يرد عليهما بغلظ القول بل يصبر ويحتسب ويعاود النصح المرة بعد المرة.

  1. الاستعانة عليهما بمن يكون نصحه مؤثرًا عليهما, كالاستعانة ببعضِ الشخصيات التي لها ثقل لديهما ممن هم في مثل سنِّهما من هل التدين والحكمة, كأصدقاء لهما، أو إمام المسجد، أو داعية حسن الأسلوب والمنطق, وغيرهم من الأخيارِ.
  2. استغلال المواقف والأحداث في الدعوةِ، كموت قريب، أو حصول حادث لهما أو لأحدهما، ونحو ذلك, فبمثل هذه الحوادث تكون النفوس مهيأة للاستجابة للنصح، وعلى الابن أن يختار الأوقاتَ والأماكنَ المناسبة لنصحهما.
  3. أن يضع كتيبات ومطويات وأشرطة في متناول يدهما, دونَ أن يطلب منهما الاستماع أو القراءة, والحرص على أن تكون الموضوعات متنوعة مع التركيز على الأشرطةِ والمطوياتِ التي ترغب بالطاعةِ والإذعانِ, والتي ترهب من الفسوق والعصيانِ.
  4. السفرُ بهما لأداءِ فريضةِ الحجِّ والعمرةِ, فإنَّ سفر الوالدينِ لأداءِ فريضةِ الله الحجِّ أو العمرة ومشاهدتهما بيت الله “الكعبة المشرفة” ومشاهدتهم الجمع الغفير يذكرون الله ويسبحونه ويهللونه: لمن أكبر المجالب الخيرية, والمنافع الدينية, وهي من أكثر الأمور تأثيرًا في النفس.

 

ثالثًا:

وليعلم الولد أن الهدايةَ دائمًا وأبدًا من الله تعالى, ونحن لسنا مطالبين حقيقة بهداية قلوب آبائنا وأمهاتنا، وإنما نحن مطالبون بالدعوة ودلالتهما على طريق الخير، وهادي القلوب هو الله وحده، وقد حرص النبي صلى الله عليه وسلم أشد الحرص على هداية عمِّه أبي طالب، لكنه لم يستجب له ومات على الكفر، فأنزل الله تبارك وتعالى ( إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) القصص/ 56، والحمد الله تعالى أن والديك مسلميْن أصلًا وإنما تريد لهما زيادة الخير والقرب من الله تعالى أكثر.

 

والله الموفق.

 

 

هل يجوز لوالد الخاطب أن يرى مخطوبة ابنه ويجلس معها؟

هل يجوز لوالد الخاطب أن يرى مخطوبة ابنه ويجلس معها؟

السؤال:

هل يحق لأب أن يجلس مع مخطوبة ابنه قبل أن يعقد عليها ابنه أو يراها حتى بحجة أنه يريد أن يطمئن إذا كانت تناسب ابنه أم لا؟

 

الجواب:

الحمد لله

يشيع بين كثير من العامة أمور منكرة في باب ” الخطبة ” حيث يذهب الخاطب لرؤية مخطوبته فتحضر أمها فتحضر مجلس الرؤية فتراه ويراها، كما يحدث أن يشارك والد الخاطب ابنَه في رؤية المخطوبة، فالأم تزعم أنها تريد أن ترى الخاطب لترى أنه يصلح لابنتها أو لا، والأب يزعم أنه يريد أن يرى المخطوبة ليرى تصلح لابنه أو لا، وكلا الأمرين محرم منكر، فأم المخطوبة أجنبية على الخاطب لا يحل لها أن ترى زوج ابنتها ولا هو يراها، ووالد الخاطب أجنبي عن المخطوبة ولا يحل له أن يراها، وإنما أُبيح للخاطب أن يرى مخطوبته وهي أجنبية – من غير خلوة – تحقيقاً لأمر النبي صلى الله عليه وسلم ولا شك أن فيه مصالح عظيمة، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( أَنَظَرْتَ إِلَيْهَا؟ ) قَالَ: لَا، قَالَ: ( فَاذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا؛ فَإِنَّ فِي أَعْيُنِ الْأَنْصَارِ شَيْئًا ). رواه مسلم ( 2414 ).

والقبول بالزوجة والرضا بها أمّاً لأولاده إنما هو قرار الرجل لا والده، ويمكنه استشارة والده بمنطقها ومنهجها لكن ليس للأب أن يطالب بالنظر فهو محرَّم عليه.

* سئل علماء اللجنة الدائمة:

” هل يجوز مقابلة والدة المخطوبة وهي كاشفة الوجه قبل عقد القران – أي: والدة المخطوبة -؟ هل يجوز لوالدي رؤية المخطوبة كاشفة الوجه قبل عقد القران؟.

فأجابوا:

أولًا: لا يحل لأم المرأة المخطوبة أن تكشف وجهها لخاطب ابنتها؛ لأنها قبل العقد على ابنتها تعتبر أجنبية من الخاطب.

ثانيًا: لا يحل للمرأة المخطوبة أن تكشف وجهها لوالد خاطبها؛ لأنه قبل عقد النكاح ليس من محارم المخطوبة.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق، الشيخ عفيفي عبد الله بن غديان.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 17 / 358 ، 359 ).

وأما الجلوس معها من غير خلوة: فلا بأس به، فإذا حضرت المخطوبة متحجبة متسترة في مجلس فيه والدها وإخوتها وفيه الخاطب ووالده: فلا حرج في ذلك إذا رضي بذلك والدها أو وليُّها.

فإذا تمَّ العقد الشرعي: صارت أم المخطوبة محرَّمة على زوج ابنتها على التأبيد، كما يصير والد الخاطب محرَّماً على زوجة ابنه على التأبيد، والتسمية بعد العقد بالخاطب والمخطوبة هو من اصطلاحات العامة وإلا فإنها تكون زوجة له ويكون هو زوجها.

 

والله أعلم.