الرئيسية بلوق الصفحة 159

يريد دراسة ” علم الوراثة ” فهل في ذلك حرج شرعي؟

يريد دراسة ” علم الوراثة ” فهل في ذلك حرج شرعي؟

السؤال:

أنا طالب في كلية العلوم، وأريد أن أختار تخصصًا لا يعارض الشرع، فما رأيكم في تخصص ” علم الوراثة “؟ هل يجوز لي أن أتخصص في هذا التخصص؟.

 

الجواب:

الحمد لله

لا يكاد يوجد علم يُدرس يكون ممنوعًا لذاته من حيث الاطلاع والنظر والإحاطة، ولكن الذي يخشى منه هو التطبيق العملي الممنوع لبعض تلك العلوم، فدراسة القوانين الوضعية من الناحية النظرية ليس فيها شيء وإنما تطبيقها من ناحية عملية هو الممنوع، وقل مثل ذلك في دراسة علم المحاسبة بالنسبة للتطبيق العملي في واقع الحياة المالية كالعمل في البنوك والمؤسسات الربوية، وهكذا يقال في علم الطب، فهو علم رائع مهم وهو يستعمل في الواقع العملي في أشياء يمنع منها الشرع كالجراحة التجميلية التحسينية والإجهاض، وغير ذلك.

ومثل هذا يقال في ” علم الوراثة ” – وقد جاء تعريفه في ” المعجم الوسيط ” ( 2 / 1024 ) أنه ” العلم الذي يبحث في انتقال صفات الكائن الحي من جيل إلى آخر وتفسير الظواهر المتعلقة بطريقة هذا الانتقال ” – فهو علم مهم، ومن أعظم منافعه وفوائده العلم بالأمراض الوراثية وكيفية الوقاية منها وعلاجها، كما يمكن استعماله في النافع المفيد في النباتات والحيوانات، وفي الوقت ذاته فإنه مجال العابثين بما يُسمَّى ” الاستنساخ “، وقد بينَّا شيئًا من الجائز والممنوع في ” الاستنساخ ” وفي علم ” الهندسة الوراثية ” في جوابين سابقين.

فالعبرة إذًا لا بالدراسة ذاتها لعلم الوراثة بل بالتطبيق العملي، فما كان منه جائزًا مباحًا نافعًا: فالشرع يحض عليه ويشجعه، وما كان منه محرَّمًا ضارًّا: فالشرع يمنعه.

وقد جاء في ندوة ” المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بالكويت ” والتي كانت بعنوان ” الوراثة والهندسة الوراثية والجينوم البشري والعلاج الجيني – رؤية إسلامية ” – وذلك بمشاركة ” مجمع الفقه الإسلامي ” بجدة، و ” المكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية ” بالإسكندرية، و ” المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة “، وذلك في الفترة من 23 – 25 جمادى الآخرة 1419هـ الذي يوافق 13 – 15 من شهر تشرين الأول – أكتوبر 1998م – ما نصُّه:

الإسلام دين العلم والمعرفة كما جاء في قوله تعالى ( قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ) الزمر/ 9، وهو لا يحجر على العقل الإنساني في مجال البحث العلمي النافع، ولكن حصيلة هذا البحث ونتائجه لا يجوز أن تنتقل تلقائيًّا إلى مجال التطبيقات العملية حتى تُعرض على الضوابط الشرعية، فما وافق الشريعة منها: أُجيز، وما خالفها: لم يجز، وإن علم الوراثة بجوانبه المختلفة هو – ككل إضافة إلى المعرفة – مما يحض عليه الإسلام، وكان أولى بعلماء المسلمين أن يكونوا فيه على رأس الركب. انتهى.

 

والله أعلم.

هل يجوز وضع صورة ذوات الأرواح خلفية للجوال؟

هل يجوز وضع صورة ذوات الأرواح خلفية للجوال؟

السؤال:

هل يجوز وضع صور لشيخ خلفية للجوال وهو حي غير متوفى؟

 

الجواب:

الحمد لله

ذكرنا غير مرة أن الراجح هو تحريم التصوير الفوتغرافي، وسبق في موقعنا ذِكر فتاوى كثيرة في حكم الاحتفاظ بالصور ” الفوتوغرافية ” – الشمسية – من أجل الذِّكرى .

ووضع صورة أحد الناس خلفية للجوال هو من تعليق الصور، وقد ذكرنا تحريم هذا الفعل كذلك.

ويتعين المنع في حالين:

الأولى: أن تكون الصورة لمعظَّم عند صاحب الجوَّال؛ لما في ذلك من مشابهة لقوم نوح في وقوعهم في عبادة من عظموهم بتصوير صورهم.

الثانية: أن تكون لميت؛ لما في النظر إليها من تجديد للحزن من غير فائدة.

 

والله أعلم.

 

 

 

 

هل يجوز فعل عبادات وقُرَب كالصوم والصدقة شكرًا لله تعالى على نِعَمه؟

هل يجوز فعل عبادات وقُرَب كالصوم والصدقة شكرًا لله تعالى على نِعَمه؟

السؤال:

ما حكم صوم يوم شكرًا لله؟ وهل هو واجب أم مستحب؟.

 

الجواب:

الحمد لله

* قال شيخ الإسلام بن تيمية – رحمه الله -:

مذهب أهل السنة: أن الشكر يكون بالاعتقاد والقول والعمل.

” مجموع الفتاوى ” ( 11 / 135 ).

وفي هذا النقل بيان لصريح لمذهب أهل السنَّة في ” الشكر ” وأن شكر الله تعالى ليس فقط في القلب واللسان بل والعمل أيضًا، بل هو أعلى أنواع الشكر.

وقد تأملنا في أحكام الشرع فوجدنا عبادات كثيرة وقربًا متعددة قد شرعها الله تعالى لعباده شكرًا له على نعمه العظيمة وآلائه الجليلة، ومن ذلك:

  1. سجود الشكر:

* قال ابن القيِّم – رحمه الله -:

وكان مِن هديه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهدي أصحابه سجودُ الشكر عند تجدُّد نِعمة تسُرُّ أو اندفاع نِقمة، كما في ” المسند ” عن أبي بكرة أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا أتاه أمرٌ يَسُرُّه خرَّ لله سَاجِداً شُكْراً لله تَعَالى.

وذكر ابنُ ماجه عن أنس أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بُشِّرَ بحَاجَةٍ فخَرَّ للّه سَاجِدًا. ” زاد المعاد في هدي خير العباد ” ( 1 / 360 ).

  1. صلاة قيام الليل:

عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُومُ مِنْ اللَّيْلِ حَتَّى تَتَفَطَّرَ قَدَمَاهُ فَقَالَتْ عَائِشَةُ : لِمَ تَصْنَعُ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ قَالَ ( أَفَلَا أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا).

رواه البخاري ( 4557 ) ومسلم ( 2820 ).

* قال المباركفوري – رحمه الله -:

قال ابن حجر المكي: قد ظن من سأل عن سبب تحمله المشقة في العبادة أن سببها إما خوف الذنب أو رجاء المغفرة فأفادهم أن لها سببًا آخر أتم وأكمل وهو: الشكر على التأهل لها مع المغفرة وإجزال النعمة انتهى.

( أفلا أكون عبداً شكورًا ) أي: بنعمة الله عليَّ بغفران ذنوبي وسائر ما أنعم الله عليَّ.  ” تحفة الأحوذي ” ( 2 / 382 ).

 

 

  1. صوم عاشوراء:

* قال ابن القيِّم – رحمه الله -:

فلما قَدِمَ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينة وجدهم يُعظِّمون ذلك اليوم ويصومونه، فسألهم عنه، فقالوا: هو اليومُ الذي نجَّى الله فيه موسى وقومَه من فرعون، فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( نحن أحقُّ منكم بموسى )، فصامه وأمر بصيامه تقريرًا لتعظيمه وتأكيدًا، وأخبر صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّه وأُمَّتَه أحقُّ بموسى من اليهود، فإذا صامه موسى شُكرًا للَّه: كنَّا أحقَّ أن نقتدي به من اليهود، لا سيما إذا قلنا: شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا مَا لَمْ يُخَالِفْهُ شَرْعُنَا.

” زاد المعاد في هدي خير العباد ” ( 2 / 70 ، 71 ).

  1. صدقة الفِطر:

* سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

ما المقصود بزكاة الفطر؟ وهل لها سبب؟.

فأجاب:

المقصود بزكاة الفطر: صاع من طعام يخرجه الإنسان عند انتهاء رمضان، وسببها: إظهار شكر نعمة الله تعالى على العبد للفطر من رمضان وإكماله، ولهذا سُميت ” صدقة الفطر “، أو ” زكاة الفطر “؛ لأنها تنسب إليه، هذا سببها الشرعي.

” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 18 / 257 ).

  1. ذبح الحاج هدي التمتع:

وقد سمِّي هذا الدم ” دم شكران “.

* سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

أنا شخص مقيم في المملكة وأريد أن أحج مفردًا، الهدي الذي يكون للقارن والمتمتع هل هو فضيلة أم يكون جبرًا لخلل؟ وهل عليَّ هدي؟.

فأجاب:

هو فضيلة، وهو من باب الشكر لله؛ لأن المتمتع والقارن حصل لهما نسكان في سفر واحد فكان من شكر نعمة الله عليهما أن يذبحا هديًا، والمفرد ليس عليه هدي، لكن التمتع مع الهدي أفضل.  ” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 24 / 172 ).

  1. العقيقة:

* قال ابن القيِّم – رحمه الله -:

فالذبيحة عن الولد فيها معنى القُربان والشكران والفداء والصدقة وإطعام الطعام عند حوادث السرور العظام شكرًا لله وإظهار لنعمته التي هي غاية المقصود من النكاح. ” تحفة المودود بأحكام المولود ” ( ص 70 ).

 

 

وبعد:

فهذا بعض ما تيسر لنا الوقوف عليه من عبادات وقرَب شُرعت ابتداء شكرًا لله تعالى، ومنه نستفيد أنه يجوز أن يشكر العبد ربَّه تعالى بعبادة من مثل ما سبق أو غيرها، وقد رأينا ذلك في فعل الصحابة رضي الله عنهم، وأقرَّهم النبي صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك:

أ. تصدق كعب بن مالك وأبي لبابة بماليهما شكرًا لربِّهما تعالى على قبوله توبتهما.

عن كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ( أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ ) قُلْتُ: فَإِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَرَ.

رواه البخاري ( 2606 ) ومسلم ( 2769 ).

وقال أبو لبابة بن عبد المنذر للنبي صلى الله عليه وسلم: إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَهْجُرَ دَارَ قَوْمِي الَّتِي أَصَبْتُ فِيهَا الذَّنْبَ وَأَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي كُلِّهِ صَدَقَةً قَالَ ( يُجْزِئُ عَنْكَ الثُّلُثُ ). رواه أبو داود ( 3319 ) وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

وقول كعب: ” يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي “: دليل على استحباب الصدقة عند التوبة بما قدر عليه من المال.

” زاد المعاد في هدي خير العباد ” ( 3 / 585 ، 586 ).

* وقال – رحمه الله -:

فإن الحديثَ ليس فيه دليل على أن كعبًا وأبا لبابة نذرا نذرًا منجَّزًا، وإنما قالا: إن مِن توبتنا أن ننخلِعَ مِن أموالنا، وهذا ليس بصريح في النذر، وإنما فيه العزمُ على الصدقة بأموالهما شكرًا لله على قبول توبتهما، فأخبر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن بعضَ المال يُجزئ من ذلك، ولا يحتاجان إلى إخراجه كله، وهذا كما قال لسعد وقد استأذنه أن يُوصِىَ بماله كلِّه فأذن له في قدر الثُلُث.

” زاد المعاد ” ( 3 / 588 ).

ب. عتق أبي هريرة لعبدٍ له شكرًا لربه أن وصل لنبي صلى الله عليه وسلم:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْتُ فِي الطَّرِيقِ:

يَا لَيْلَةً مِنْ طُولِهَا وَعَنَائِهَا *** عَلَى أَنَّهَا مِنْ دَارَةِ الْكُفْرِ نَجَّتِ

قَالَ: وَأَبَقَ مِنِّي غُلَامٌ لِي فِي الطَّرِيقِ قَالَ فَلَمَّا قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَايَعْتُهُ فَبَيْنَا أَنَا عِنْدَهُ إِذْ طَلَعَ الْغُلَامُ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( يَا أَبَا هُرَيْرَةَ هَذَا غُلَامُكَ ) فَقُلْتُ: هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ، فَأَعْتَقْتُهُ. رواه البخاري ( 2394 ).

 

 

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

وفي الحديث استحباب العتق عند بلوغ الغرض والنجاة من المخاوف.

” فتح الباري ” ( 5 / 163 ).

وعليه:

فلا حرج من التصدق أو العمرة أو الصوم أو الصلاة شكرُا لله تعالى على من أنعم به على عبده من نعمة، ودفع عنه من نقمة، والأفضل أن يباشر العبد بسجدة شكر عند تلقيه خبر النعمة، ثم يأتي بعد ذلك بما شاء من العبادات والقرَب المشروعة، وليس كل ذلك على سبيل الوجوب، بل هو مستحب، وهذه طائفة من أقوال العلماء في ذلك:

أ. قال ابن رجب الحنبلي – في بيان درجات الشكر -:

الدرجة الثانية من الشكر: الشكر المستحبُّ، وهو أنْ يعملَ العبدُ بعد أداءِ الفرائض، واجتنابِ المحارم بنوافل الطَّاعات، وهذه درجةُ السَّابقين المقرَّبين، وهي التي أرشد إليها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم في هذه الأحاديث التي سبق ذكرُها، وكذلك كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يجتهد في الصَّلاة، ويقوم حتَّى تتفطَّر قدماه، فإذا قيل له: أتفعلُ هذا وقد غَفَرَ الله لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخر؟ فيقول: ( أفلا أكونُ عبدًا شكورًا). ” جامع العلوم والحكم ” ( 1 / 246 ).

ب. * وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – في شرح حديث ( أفلا أكونُ عبدًا شكورًا ) -:

وفي هذا دليل على أن الشكر هو القيام بطاعة الله، وأن الإنسان كلما ازداد في طاعة ربه عز وجل فقد ازداد شكرًا لله عز وجل، وليس الشكر بأن يقول الإنسان بلسانه ” أشكر الله “، ” أحمد الله “، فهذا شكر باللسان، لكن الكلام هنا على الشكر الفعلي الذي يكون بالفعل بأن يقوم الإنسان بطاعة الله بقدر ما يستطيع.

” شرح رياض الصالحين ” ( 2 / 71 ).

ج. وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 26 / 181 ):

ويكون الشكر على ذلك أيضا بفعل قربة من القرب، … .

ومن ذلك: أن يذبح ذبيحة أو يصنع دعوة.

انتهى مختصرًا.

 

والله أعلم.

 

هل يجوز ختم القرآن كل يوم؟ وكيف نفهم ما ثبت من ختم السلف في أقل من ثلاث؟

هل يجوز ختم القرآن كل يوم؟ وكيف نفهم ما ثبت من ختم السلف في أقل من ثلاث؟

السؤال:

هل يمكن أن أقرأ القرآن كاملاً في يوم واحد؟ وهل يجوز ذلك؟ فقد سمعت أنه لا يجوز قراءته كاملًا في أقل من ثلاثة أيام.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

قراءة كتاب الله تعالى من العبادات الجليلة في الإسلام، وكيف لا تكون كذلك والمقروء هو كلام الله تعالى؟! ومع هذا الشرف الذي يحصل لقارئ القرآن فقد وعد الله تعالى القارئ بالثواب الجزيل في الدنيا والآخرة، ومن ذلك أنه يكون له هدى وشفاء، وأن له بكل حرف عشر حسنات، وأن القرآن يكون له شفيعاً يوم القيامة، وغير ذلك من الثواب والأجور.

 

ثانيًا:

ولذا رأينا حرص الصحابة الأجلاء والتابعين الفضلاء ومن تبعهم من سلف هذه الأمة يحرصون على قراءة كتاب ربهم تبارك تعالى، ويجعلون لأنفسهم وِردًا منه كل يوم.

ومع حرصهم على قراءة كتاب ربهم فقد التزموا القدْر الذي لا يتجاوزون به الشرع، ولا يقعون بسببه في مخالفة للهدي النبوي، ولذا كان الأكثر على ختم القرآن كل سبعة أيام، ومن وجد قوة فلا يختم في أقل من ثلاث إلا في أحوال معينة يأتي ذِكرها.

وقد التزم أكثر السلف الختم على سبع اتباعًا لوصية النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو بن العاص.

فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( اقْرَإ الْقُرْآنَ فِي شَهْرٍ ) قُلْتُ: إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً … حَتَّى قَالَ ( فَاقْرَأْهُ فِي سَبْعٍ وَلَا تَزِدْ عَلَى ذَلِكَ ).

رواه البخاري ( 4767 ) ومسلم ( 1159 ).

– ولم يختموا في أقل من ثلاث لتنفير النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك.

فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ يَعْنِي ابْنَ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( لَا يَفْقَهُ مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ ). رواه الترمذي ( 2949 ) وأبو داود ( 1390) وابن ماجه ( 1347 ) وصححه الألباني في ” صحيح ابن ماجه “.

وهو الذي فهمه الصحابة الأجلاء من الهدي النبوي، وتبعهم على ذلك أئمة علم وهدى.

  1. فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ” اقرؤوا القرآن في سبع، ولا تقرؤوه في أقل من ثلاث “.

رواه سعيد بن منصور في ” سننه ” بإسناد صحيح كما قاله الحافظ ابن حجر في ” فتح الباري ” ( 9 / 78 ).

  1. وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه كان يكره أن يقرأ القرآن في أقل من ثلاث.

رواه أبو عبَيد في ” فضائل القرآن ” ( ص 89 ) وصححه ابن كثير في ” فضائل القرآن ” له ( ص 254 ).

  1. * قال ابن كثير – رحمه الله -:

وقد كره غير واحد من السلف قراءة القرآن في أقلِّ من ثلاثٍ، كما هو مذهبُ أبي عبيد، وإسحاق بن راهويه، وغيرهما من الخلف أيضًا.

” فضائل القرآن ” ( ص 254 ).

ومع عدم فقه من قرأ في أقل من ثلاث فإنه لا يستفيد – كذلك – معانٍ سامية عالية يستفيدها من قرأ القرآن بتدبر وطمأنينة.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

قراءة القرآن على الوجه المأمور به: تورث القلب الإيمان العظيم، وتزيده يقينًا وطمأنينة وشفاء. ” مجموع الفتاوى ” ( 7 / 283 ).

 

ثالثًا:

وما يُذكر في بعض كتب أهل العلم من ختمة بعضهم للقرآن أربعًا في النهار وأربعاً في الليل: فإنه لا يمكن واقعًا، والوقت لا يستوعب هذا أصلاً، ومثله ما يُزعم من أن بعضهم ختم القرآن بين المغرب والعشاء! وغير ذلك مما لا يمكن تصديقه حتى مع السرعة في القراءة.

وأما قراءة القرآن – كاملًا – في يوم واحد: فممكنة واقعًا، بل قد فعلها بعض الأئمة – كما روي عنهم – في ركعة واحدة.

* قال النووي – رحمه الله -:

وأما الذين ختموا القرآن في ركعة: فلا يُحصون؛ لكثرتهم، فمنهم: عثمان بن عفان، وتميم الداري، وسعيد بن جبير.  ” الأذكار ” ( ص 102 ).

ولكن هل من فعل ذلك يكون مهتدياً بسنَّة النبي صلى الله عليه وسلم أو يكون فَعَل ما يجوز له شرعًا؟! والجواب: أما من جعل ذلك ديدنًا له ومنهجًا في حياته: فلا شك أنه يقع في مخالفة للشرع، ولا يكون فعله ذلك إلا مع تفريط بواجبات شرعية عليه – كالصلاة وتربية أولاده وصلة رحِمه وعِشرة أهله بالمعروف – أو تفريط في عمل يرتزق به.

وأما من فعل ذلك أحياناً بقصد مراجعة حفظه، أو استثمارًا لزمان فاضل – كشهر رمضان -، أو بسبب أنه معتكف في مسجد، أو لأنه منقطع للعبادة في فترة محددة في مكة – مثلًا -: فلا يكون بذلك مخالفاً للشرع، وعلى هذه الأعذار يُحمل ما روي عن بعض الأئمة من ختمهم للقرآن مرتين في اليوم أو مرة في  اليوم، لا أن ذلك كان منهجًا لهم في حياتهم.

* قال ابن رجب الحنبلي – رحمه الله -:

وكان قتادة يختم في كل سبع دائمًا وفي رمضان في كل ثلاث وفي العشر الأواخر كل ليلة، وكان للشافعي في رمضان ستون ختمة يقرؤها في غير الصلاة، وعن أبي حنيفة نحوه.

وإنما ورد النهي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث على المداومة على ذلك، فأما في الأوقات المفضلة كشهر رمضان خصوصًا الليالي التي يطلب فيها ليلة القدر، أو في الأماكن المفضلة كمكة لمن دخلها من غير أهلها فيستحب الإكثار فيها من تلاوة القرآن اغتناماً للزمان والمكان، وهو قول أحمد وإسحاق وغيرهما من الأئمة، وعليه يدل عمل غيرهم كما سبق ذكره. ” لطائف المعارف ” ( ص 171 ).

 

والله أعلم.

هل يجوز الفرح بموت أعداء الإسلام وبما يصيبهم من مصائب دنيوية؟

هل يجوز الفرح بموت أعداء الإسلام وبما يصيبهم من مصائب دنيوية؟

السؤال:

عندما يتوفى الله أحد الأشخاص – سواء مسلم أو غير مسلم – من الذين يجاهرون بمعاداة الإسلام ويحرصون على الكيد له وللمسلمين سواء بكتاباتهم أو حواراتهم أو بالأفكار التي يطرحونها والتي تشكك في ثوابت الإسلام، دائما ما يثار تساؤل حول صحة ذكر ما فعلوا وأجرموا وبين حديث ( اذكروا محاسن موتاكم ) الذي قرأت أنه حديث ضعيف.

فأرجو توضيح الرأي الشرعي في هذه المسألة وما إذا كان شعور بالفرح لموت أمثال هؤلاء حلال على اعتبار أنهم يحاربون الله ورسوله صلى الله عليه وسلم؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الحديث الذي ذكره الأخ السائل ضعيف لا يصح.

عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( اذْكُرُوا مَحَاسِنَ مَوْتَاكُمْ وَكُفُّوا عَنْ مَسَاوِيهِمْ ). رواه أبو داود ( 4900 ) الترمذي ( 1019 ) وضعفه فقال: هذا حديث غريب سمعتُ محمَّدًا – أي: الإمام البخاري – يقول: عمران بن أنس المكي منكر الحديث.

وقد صحَّ في الباب عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( لَا تَسُبُّوا الْأَمْوَاتَ فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا ) رواه البخاري ( 1329 ).

 

ثانيًا:

والفرح بمهلك أعداء الإسلام وأهل البدع المغلظة وأهل المجاهرة بالفجور: مشروع، وهو من نِعَم الله على عباده وعلى الشجر والدواب، بل إن أهل السنَّة ليفرحون بمرض أولئك وسجنهم وما يحل بهم من مصائب.

ومما يدل على ما قلناه نصوص وآثار ووقائع، ومنها:

  1. قوله تعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً ) الأحزاب/ 9.

وفي الآية بيان أن إهلاك أعداء الله تعالى من نعَم الله على المسلمين التي تستوجب ذِكرًا وشكرًا.

  1. عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: مَرُّوا بِجَنَازَةٍ فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( وَجَبَتْ ) ثُمَّ مَرُّوا بِأُخْرَى فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا فَقَالَ ( وَجَبَتْ ) فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مَا وَجَبَتْ؟ قَالَ: ( هَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا فَوَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ وَهَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ ).

رواه البخاري ( 1301 ) ومسلم ( 949 ).

* قال بدر الدين العيني – رحمه الله -:

فإن قيل: كيف يجوز ذكر شر الموتى مع ورود الحديث الصحيح عن زيد بن أرقم في النهي عن سب الموتى وذكرهم إلا بخير؟ وأجيب: بأن النهي عن سب الأموات غير المنافق والكافر والمجاهر بالفسق أو بالبدعة، فإن هؤلاء لا يحرُم ذكرُهم بالشر للحذر من طريقهم ومن الاقتداء بهم.

” عمدة القاري شرح صحيح البخاري ” ( 8 / 195 ).

  1. عَنْ أَبِي قَتَادَةَ بْنِ رِبْعِيٍّ أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مُرَّ عَلَيْهِ بِجَنَازَةٍ فَقَالَ: ( مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ )، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْمُسْتَرِيحُ وَالْمُسْتَرَاحُ مِنْهُ؟ فَقَالَ: ( الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا، وَالْعَبْدُ الْفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ، وَالْبِلَادُ، وَالشَّجَر، وَالدَّوَابُّ ). رواه البخاري ( 6147 ) ومسلم ( 950 )، وبوَّب عليه النسائي في سننهِ ( 1931 ) : ” باب الاستراحةُ من الكفارِ “.

* قال النووي – رحمه الله -:

معنى الحديث: أن الموتى قسمان: مستريح ومستراح منه، ونصب الدنيا: تعبها، وأما استراحة العباد من الفاجر معناه : اندفاع أذاه عنهم، وأذاه يكون من وجوه، منها: ظلمه لهم، ومنها: ارتكابه للمنكرات فإن أنكروها قاسوا مشقة من ذلك، وربما نالهم ضرره، وإن سكتوا عنه أثموا.

واستراحة الدواب منه كذلك لأنه كان يؤذيها ويضربها ويحملها ما لا تطيقه ويجيعها في بعض الأوقات وغير ذلك.

واستراحة البلاد والشجر: فقيل: لأنها تمنع القطر بمصيبته قاله الداودي وقال الباجي لأنه يغصبها ويمنعها حقها من الشرب وغيره. ” شرح مسلم ” ( 7 / 20 ، 21 ).

  1. وقد سجد علي رضي الله عنه لله شكرًا لمقتل ” المخدَّج ” الخارجي لما رآه في القتلى في محاربته له.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وقاتل أمير المؤمنين علي بن أبى طالب رضي الله عنه الخوارجَ، وذكر فيهم سنَّة رسول الله المتضمنة لقتالهم، وفرح بقتلهم، وسجد لله شكراً لما رأى أباهم مقتولاً وهو ذو الثُّدَيَّة.

بخلاف ما جرى يوم ” الجمل ” و ” صفين “؛ فإن عليًّا لم يفرح بذلك، بل ظهر منه من التألم والندم ما ظهر، ولم يذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك سنَّة بل ذكر أنه قاتل باجتهاده. ” مجموع الفتاوى ” ( 20 / 395 ).

  1. ولما أُصيب المبتدع الضال ” ابن أبي دؤاد ” بالفالج – وهو ” الشلل النصفي ” -: فرح أهل السنَّة بذلك، حتى قال ابن شراعة البصري:

أفَلَتْ نُجُومُ سُعودِك ابنَ دُوَادِ … وَبَدتْ نُحُوسُكَ في جميع إيَادِ

فَرِحَتْ بمَصْرَعِكَ البَرِيَّةُ كُلُّها … مَن كَان منها مُوقناً بمعَادِ

لم يَبْقَ منكَ سِوَى خَيَالٍ لامِعٍ … فوق الفِرَاشِ مُمَهَّداً بوِسادِ

وَخَبتْ لَدَى الخلفاء نارٌ بَعْدَمَا … قد كنت تَقْدحُهَا بكُلِّ زِنادِ

” تاريخ بغداد ” للخطيب البغدادي ( 4 / 155 ).

وروى الخطيب في الموضع نفسه عن عبد العزيز بن يحيى المكي قال: دخلتُ على ” أحمد بن أبى دؤاد ” وهو مفلوج، فقلت: إني لم آتك عائدًا ولكن جئت لأحمد الله على أنه سجنك في جلدك. انتهى.

  1. قال الخلاَّل – رحمه الله -:

قيل لأبي عبد الله – أي: الإمام أحمد بن حنبل -: الرجل يفرح بما ينزل بأصحاب ابن أبي دؤاد، عليه في ذلك إثم؟ قال: ومن لا يفرح بهذا؟.

” السنَّة ” ( 5 / 121 ).

  1. قال ابن كثير – رحمه الله – فيمن توفي سنة 568 هـ -:

الحسن بن صافي بن بزدن التركي، كان من أكابر أمراء بغداد المتحكمين في الدولة، ولكنه كان رافضيًّا خبيثًا متعصبًا للروافض، وكانوا في خفارته وجاهه، حتى أراح الله المسلمين منه في هذه السنَة في ذي الحجة منها، ودفن بداره، ثم نقل إلى مقابر قريش، فلله الحمد والمنَّة.

وحين مات فرح أهل السنة بموته فرحًا شديدًا، وأظهروا الشكر لله، فلا تجد أحدًا منهم إلا يحمد الله. ” البداية والنهاية ” ( 12 / 338 ).

  1. وقال الخطيب البغدادي – رحمه الله – في ترجمة عبيد الله بن عبد الله بن الحسين أبو القاسم الحفَّاف المعروف بابن النقيب -:

كتبتُ عنه، وكان سماعه صحيحًا، وكان شديدًا في السنَّة، وبلغني أنه جلس للتهنئة لما مات ابن المعلم شيخ الرافضة وقال : ما أبالي أي وقت مت بعد أن شاهدت موت ابن المعلم. ” تاريخ بغداد ” ( 10 / 382 ).

وكل ما سبق – وغيره كثير – يدل على جواز الفرح بهلاك أعداء الإسلام، والكائدين له، وهلاك أهل الزندقة والبدع المغلظة، وهلاك أهل الفجور والفساد، بل يفرح أهل السنَّة بالمصائب التي تحل بهم كمرض أحدهم أو سجنه أو نفيه أو إهانته.

 

والله أعلم.

هل يجوز أن نقول ” لاتنس الله فينساك “؟

هل يجوز أن نقول ” لاتنس الله فينساك “؟

السؤال:

أريد معرفة هل قول ” لا تنس الله فينساك ” حرام أم حلال؟ وأريد الشرح؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

يأتي ” النسيان ” ويُراد به ” الذهول عن الشيء ” وهو هنا ضد التذكُّر، ويأتي ويراد به ” الترك ” وهو هنا ضد الفعل.

والأول نقص، ولذا كان منفيًّا عن الله تعالى، والثاني مثبت لله تعالى وليس نقصًا.

ثانيًا:

والنسيان على المعنى الثاني الثابت من أفعال الله تعالى وهو الترك: إنما كان جزاء وفاقًا على ترك المنافقين والكفار لشرع الله تعالى، فالمنافقون تركوا الالتزام في باطنهم بالشرع فتركهم الله في ظلمة الكفر وسيتركهم في ظلمةٍ عند الصراط.

قال تعالى ( الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) التوبة/ 67.

وقال تعالى  ( وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ ) البقرة/ 17.

والكفار تركوا الاستجابة لرسل الله تعالى فتركهم الله في ظلمة الجهل والكفر.

وكلا الفريقين سيتركهم في جهنم يوم القيامة خالدين فيها أبدًا.

قال تعالى ( فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) السجدة/ 14.

وقال تعالى ( وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ. الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ) الأعراف/ 50 ، 51.

* قال ابن كثير – رحمه الله -:

وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: نتركهم، كما تركوا لقاء يومهم هذا. وقال مجاهد: نتركهم في النار.

وقال السُّدِّي: نتركهم من الرحمة، كما تركوا أن يعملوا للقاء يومهم هذا.

” تفسير ابن كثير ” ( 3 / 425 ).

وروى مسلم ( 2968 ) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( فَيَلْقَى ( الله تعالى ) الْعَبْدَ فَيَقُولُ : أَي فُلْ أَلَمْ أُكْرِمْكَ وَأُسَوِّدْكَ وَأُزَوِّجْكَ وَأُسَخِّرْ لَكَ الْخَيْلَ وَالإِبِلَ وَأَذَرْكَ تَرْأَسُ وَتَرْبَعُ فَيَقُولُ: بَلَى، قَالَ: فَيَقُولُ: أَفَظَنَنْتَ أَنَّكَ مُلاَقِيَّ؟ فَيَقُولُ: لاَ، فَيَقُولُ: فَإِنِّي أَنْسَاكَ كَمَا نَسِيتَنِي ).

( أي فل ) معناه يا فلان.

( أسودك ) أي: أجعلك سيِّدًا على غيرك.

( تربع ) أي: تركتك مستريحًا لا تحتاج إلى مشقة وتعب.

وعليه:

فقول القائل ” لا تنس الله فينساك “: قول صحيح، ووعيد شرعي، ومعنى ” لا تنس الله ” أي: لا تترك حق الله، ولا تترك ما أمرك الله تعالى به، ومعنى ” ينساك ” أي: يتركك في غيِّك في الدنيا عقوبة على فعلك، ويتركك في العذاب يوم القيامة، فإن كانت معصية العبد دون الكفر المخرج من الملة: كان تركاً لأمَد، وإن كانت معصيته كفرًا مخرجًا عن الملة ومات عليه: كان تركًا للأبد.

ويؤيد ما قلناه من الجواز: قوله تعالى ( وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) الحشر/ 19.

* قال القرطبي – رحمه الله -:

( نَسُوا اللَّهَ ) أي: تركوا أمره.

( فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ ) أن يعملوا لها خيرًا.

” تفسير القرطبي ” ( 18 / 43 ).

* وقال ابن القيم – رحمه الله -:

فمن نسي الله تعالى: أنساه نفسه في الدنيا، ونسيه في العذاب يوم القيامة، قال تعالى ( وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى. قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا. قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى ) طه/ 124 – 126 ، أي: تُنسى في العذاب كما نسيت آياتي فلم تذكرها ولم تعمل بها، وإعراضه عن ذكره يتناول إعراضه عن الذِّكر الذي أنزله، وهو أن يذكر الذي أنزله في كتابه، وهو المراد بتناول إعراضه عن أن يذكر ربه بكتابه وأسمائه وصفاته وأوامره وآلائه ونعَمِه، فإن هذه كلها توابع إعراضه عن كتاب ربه تعالى.

” الوابل الصيب ” ( ص 67 ).

 

والله أعلم.

هل يجوز الصلاة في غرفة خُصصت لأتباع الأديان جميعًا وليس فيها شعارات دينية؟!

هل يجوز الصلاة في غرفة خُصصت لأتباع الأديان جميعًا وليس فيها شعارات دينية؟!

السؤال:

أنا طالب في إحدى الجامعات الألمانية، وقد حظينا بغرفة للصلاة وأداء الجمعة والجماعة في مقر السكن الطلابي، ولكن ذلك يبعد حوالي عشر دقائق من الجامعة، لذلك فقد اعتاد الطلاب المسلمون أن يصلّوا صلواتهم منفردين في بعض الغرف الفارغة أو خلف مبنى الكلية حيث يوجد مكان مناسب لذلك.

وفي محاولة لتسهيل أداء الصلاة في جماعة وتخصيص مكان لذلك داخل الجامعة نفسها: قامت رابطة الطلاب المسلمين داخل الجامعة بتقديم طلب لتزويدنا بغرفة لهذا الغرض، ولكن الجامعة رأت أنه لا يمكن أن تعطينا مكاناً آخر، وهي قد أعطتنا ذلك المصلَّى في السكن، ولكن تجاوبًا مع طلبنا قامت الجامعة بالسماح لنا بالصلاة في إحدى الغرف الهادئة والتي يستخدمها معظم الطلاب من مختلف الديانات، وقد حرصت الجامعة أن لا يوجد في هذه الغرفة أي رمز من رموز الديانات مثل الصلبان والأصنام … الخ، وقد توقعنا أن هذه الغرفة لن يستخدمها أحد بمجرد بدء استخدامنا لها كمصلى، وبالفعل كان توقعنا في محله، وقد بدأ الطلاب المسلمون – والذين قوامهم في بعض الأحيان يصل إلى حوالي ( 20 ) طالبًا – بأداء الصلاة في جماعة بانتظام ولله الحمد، إلا أن هناك إشكالًا صغيرًا، فهناك بعض الكتب المقدسة للمسيحين في هذه الغرفة، ولكنَّ أحدًا لا يلقي لها بالًا.

السؤال هو: هل تجوز الصلاة في هذه الغرفة والحالة هذه؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا حرج عليكم أن تصلوا في هذه الغرفة الصلوات الخمس وصلاة الجمعة، بل هو واجب عليكم، وليس يتيسر الأمر في تلك الديار كما يتيسر في بلاد المسلمين من وجود مساجد وجوامع تقام فيها الجمعة والجماعة، وعليه : فتكون تلك الغرفة هي مسجدكم.

* سئل علماء اللجنة الدائمة:

نعمل بمصفاة ” بترومين ” بالرياض، وعملنا ورديات حيث ننقسم إلى أربع مجموعات، وكل مجموعة توافق صلاة الجمعة في الشهر مرة واحدة داخل المصفاة، ويوجد عندنا مصلى داخل غرفة التحكم بالأجهزة، وإذا حان وقت صلاة الجمعة نصليها جمعة، مع أن عددنا يتراوح بين ( 13 إلى  15 ) موظفاً، فهل تصح صلاة الجمعة منَّا؟ حيث إننا لا نستطيع الخروج لظروف العمل مع العلم أننا نسكن في مدينة ” الرياض “، نرجو إفتاءنا بذلك.

فأجابوا:

إذا كان الأمر كما ذكر فإنكم تصلون جمعة في محل عملكم؛ لقوله تعالى: ( فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ) التغابن/ 16.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 8 / 194 ، 195 ).

 

ثانيًا:

ولا يمنع وجود بعض الكتب للديانة النصرانية أو غيرها من إقامة صلاة الجمعة والجماعة في تلك الغرفة.

* قال علماء اللجنة الدائمة:

إذا تمكن المسلمون من تخصيص محل لهم يجعلونه مسجداً ولا يكون في بناء مشترك مع أتباع الأديان الأخرى: تعيَّن عليهم ذلك، وإلا فيعبدون الله في المكان الذي يمكنهم، ولو كانوا هم وأتباع الأديان الأخرى تحت سقف واحد، سواء كان محجوزًا أو غير محجوز؛ لقوله سبحانه: ( فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ) التغابن/ 16.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 2 / 80 ، 81 ).

وبما أنه ليس في تلك الغرفة تماثيل ولا أصنام بل ولا صلبان: فالأمر حينئذٍ لا يدعو للقلق من جهة الصلاة فيها، وإذا كانت الصلاة في الكنيسة التي تخلو من التماثيل والأصنام جائزة: فهذه الغرفة الخالية من شعارات الأديان جميعها أولى.

وعليه: فلو جاء النصارى لهذه الغرفة وصلَّوا صلاتهم فيها: لم يكن ذلك بمانعكم من إقامة صلاة الجمعة وباقي الصلوات، وليس ثمة مشابهة في صورة الفعل بين صلاتنا وصلاة غيرنا لذا فإنه لا يقع اشتباه عند من يرى كلينا يصلي في تلك الغرفة، وهذا الملحظ الدقيق جعل الصلاة في الكنيسة جائزة، وجعل من الصلاة في مسجد المنافقين مسجد ” الضّرار ” غير جائزة.

* قال الشيخ صالح آل الشيخ – حفظه الله -:

لكن هنا إيراد: وهو أنه جاء الإذن عن الصحابة بالصلاة في الكنيسة، وقد صلَّى عمر رضي الله عنه في كنيسة ” بيت المقدس “، ومن الصحابة رضوان الله عليهم من صلَّى في كنائس بعض البلاد، فصلاتهم في الكنائس لله جل وعلا أليست مشابهة للصلاة في مسجد ” الضرار ” أو للذبح في مكان يذبح فيه لغير الله؟.

الجواب: أن هذا الإيراد ليس بوجيه؛ ذلك لأن نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في مسجد الضرار، وعن الذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله إنما هو: لأن صورة العبادة واحدة؛ فصورة الذبح من الموحد، ومن المشرك واحدة، وهي إمرار السكين وهي: آلة الذبح على الموضع من البهيمة المراد ذبحها، وإهراق دمها في ذلك المكان، والصورة الحاصلة من الموحد ومن المشرك واحدة، ولهذا فإنه لا تمييز بين الصورتين – من حيث الظاهر – وإن اختلفت مقاصدهما فكذلك صلاة النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة في مسجد الضرار فيها مشابهة من حيث الصورة لصلاة المنافقين، فرجع الاختلاف إلى اختلاف ما في القلب؛ والنيات، ومقاصد القلوب مما تخفى على الناس، ولهذا تقع المفسدة من حيث اشتباه الصورة الظاهرة، ولا يحصل بذلك الفعل ولو مع خلوص النية مصلحة.

وأما الصلاة في الكنيسة، فإن صورة الفعل مختلفة؛ لأن صلاة النصارى ليست على هيئة وصورة المسلمين، فيعلم من رأى المسلم يصلي أنه لا يصلي صلاة النصارى فليس في فعله إغراء بصلاة النصارى، ومشاركتهم فيها، فهذا هو الفرق بين المسألتين، وهو واضح بأدنى تأمل.

” التمهيد لشرح كتاب التوحيد ” ( ص 137 ، 138 ).

 

والله أعلم.

هل نرفع اليدين في قنوت الوتر عند الثناء الله تعالى أم فقط في حال الطلب؟

هل نرفع اليدين في قنوت الوتر عند الثناء الله تعالى أم فقط في حال الطلب؟

السؤال:

نلاحظ بعض الناس في دعاء القنوت لا يرفع يديه في بداية القنوت ( عند الثناء على الله ) حتى يبدأ الإمام بالدعاء.

هل في ذلك دليل أم أن الصحيح أن نرفع أيدينا في بداية القنوت؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

منع بعض العلماء من القنوت في الوتر، والصواب: ثبوت ذلك؛ لفعل بعض كبار الصحابة الأجلاء له في رمضان.

* قال محمد بن نصر المروزي – رحمه الله -:

عن الأسود صحبتُ عمرَ – يعني: ابن الخطاب – ستة أشهر، فكان يقنت في الوتر.

وكان عبد الله – يعني: ابن مسعود – يقنت في الوتر السنة كلها.

وعن علي – يعني: ابن أبي طالب -: أنه كان يقنت في رمضان كله، وفي غير رمضان في الوتر. ” مختصر قيام الليل ورمضان والوتر ” ( ص 314 ).

* وقال البيهقي – رحمه الله -:

إن عددًا من الصحابة رضي الله عنهم رفعوا أيديهم في القنوت، مع ما رويناه عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم .  ” السنن الكبرى ” ( 2 / 211 ).

ومنع بعض من أجاز القنوت من رفع اليدين فيه، ولكنَّ الصواب: أن الرفع في الوتر صحيح ثابت، إما بالقياس الصحيح على قنوت النوازل أو بفعل الصحابة الأجلاء له.

* قال محمد بن نصر المروزي – رحمه الله -:

سئل أحمد عن القنوت، في الوتر قبل الركوع أم بعده؟ وهل ترفع الأيدي في الدعاء في الوتر، فقال: القنوت بعد الركوع، ويرفع يديه؛ وذلك على قياس فعل النبي صلى الله عليه وسلم في القنوت في الغداة.

وبذلك قال أبو أيوب، وأبو خيثمة، وابن أبي شيبة، رحمهم الله.

” مختصر قيام الليل ورمضان والوتر ” ( ص 318 ).

وهو قول علماء اللجنة الشيخ عبد العزيز بن باز والشيخ العثيمين.

* قال علماء اللجنة الدائمة:

رفع اليدين حال الدعاء في دعاء القنوت وغيره: سنَّة ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ بكر أبو زيد. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” المجموعة الثانية ( 6 / 73 ).

* وقال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

يشرع رفع اليدين في قنوت الوتر؛ لأنه من جنس القنوت في النوازل، وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه رفع يديه حين دعائه في قنوت النوازل، خرَّجه البيهقي رحمه الله بإسناد صحيح .” فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 30 / 51 ).

* وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

نعم, من السنَّة أن يرفع الإنسان يديه عند دعاء القنوت؛ لأن ذلك وارد عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قنوته حين كان يقنت في الفرائض عند النوازل، وكذلك صح عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه رفع اليدين في قنوت الوتر، وهو أحد الخلفاء الراشدين الذين أمرنا باتباعهم.

فرفع اليدين عند قنوت الوتر سنَّة، سواء كان إماماً، أو مأمومًا، أو منفردًا، فكلما قنتَّ: فارفع يديك. ” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 14 / 136 ، 137 ).

 

ثانيًا:

والذي يظهر لنا أن رفع اليدين في قنوت الوتر يبدأ من أول الدعاء، ومن السنة البداءة بالثناء قبل الشروع في الدعاء، ولا نرى لمن خفض يديه عند الثناء أو لمن بدأ برفعهما عند الشروع بالدعاء وجهًا، ولا نرى تضادًّا بين رفع اليدين مع الثناء، ويمكن الاستدلال على الجواز من وجوه ثلاثة:

الوجه الأول:

ثبوت الرفع نصّاً في الثناء على الله عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أفقه أصحابه:

  1. عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ – وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم قَالَ : كُنْتُ أَرْتَمِي بِأَسْهُمٍ لِي بِالْمَدِينَةِ فِى حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذْ كَسَفَتِ الشَّمْسُ فَنَبَذْتُهَا فَقُلْتُ وَاللَّهِ لأَنْظُرَنَّ إِلَى مَا حَدَثَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في كُسُوفِ الشَّمْسِ قَالَ فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ قَائِمٌ فِى الصَّلاَةِ رَافِعٌ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يُسَبِّحُ وَيَحْمَدُ وَيُهَلِّلُ وَيُكَبِّرُ وَيَدْعُو حَتَّى حُسِرَ عَنْهَا. رواه مسلم ( 913 ).
  2. عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ : انْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصْلِحُ بَيْنَ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ فَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَجَاءَ الْمُؤَذِّنُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَأَمَرَهُ أَنْ يَجْمَعَ النَّاسَ وَيَؤُمَّهُمْ فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَرَقَ الصُّفُوفَ حَتَّى قَامَ فِي الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ وَصَفَّحَ النَّاسُ بِأَبِي بَكْرٍ لِيُؤْذِنُوهُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ لَا يَلْتَفِتُ فِي الصَّلَاةِ فَلَمَّا أَكْثَرُوا عَلِمَ أَنَّهُ قَدْ نَابَهُمْ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِمْ فَالْتَفَتَ فَإِذَا هُوَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْ كَمَا أَنْتَفَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ يَدَيْهِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِلِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ رَجَعَ الْقَهْقَرَى وَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ مَا مَنَعَكَ إِذْ أَوْمَأْتُ إِلَيْكَ أَنْ تُصَلِّيَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَا كَانَ يَنْبَغِي لِابْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَنْ يَؤُمَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ لِلنَّاسِ مَا ( بَالُكُمْ صَفَّحْتُمْ إِنَّمَا التَّصْفِيحُ لِلنِّسَاءِ ) ثُمَّ قَالَ ( إِذَا نَابَكُمْ شَيْءٌ فِي صَلَاتِكُمْ فَسَبِّحُوا ). رواه النسائي في ” سننه ” ( 1183 ) وصححه الألباني في ” صحيح النسائي “. وبوَّب عليه النسائي رحمه الله بقوله :” بَاب رَفْعِ الْيَدَيْنِ وَحَمْدِ اللَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ “.

* قال الشيخ عبد المحسن العبَّاد – حفظه الله -:

الحديث دالٌّ على ما ترجم له المصنِّف، من جهة رفع اليدين، وحمد الله والثناء عليه في الصلاة. ” شرح سنن النسائي ” ( شريط رقم 239 ).

الوجه الثاني:

أنه قد ثبت في السنَّة الصحيحة أدعية لا بصيغة الطلب بل بصيغة الثناء والذِّكر، وهي في الحقيقة أدعية عند تأمل حقيقتها، ومما ورد في ذلك:

أ. عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( أَفْضَلُ الذِّكْرِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ ، وَأَفْضَلُ الدُّعَاءِ الحَمْدُ لِلَّهِ ). رواه الترمذي (3383 ) – وحسَّنه -، وابن ماجه ( 3800 ) وحسَّنه الألباني في ” صحيح الترمذي”.

* قال ابن عبد البر – رحمه الله -:

وأما قوله في حديث جابر ( أفضل الدعاء الحمد لله ): فإن الذِّكر كله دعاء عند العلماء. ” التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد ” ( 6 / 43 ).

* وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

الثناء يتضمن مقصود الدعاء كما في الحديث – وساق حديث جابر – فإن ثناء الداعي على المدعو بما يتضمن حصول مطلوبة قد يكون أبلغ من ذكر المطلوب كما قيل: إذَا أَثْنَى عَلَيْك الْمَرْءُ يَوْمًا * * * كَفَاهُ مِنْ تَعَرُّضِهِ الثَّنَاءُ ” مجموع فتاوى ابن تيمية ” ( 22 / 381 ، 382 ).

ب. عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَدْعُو عِنْدَ الْكَرْبِ ( لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ). رواه البخاري ( 5985 ) ومسلم ( 2730 ).

ج. عَنْ سَعْد بن أبي وقاص قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا وَهُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنْ الظَّالِمِينَ فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ ).

رواه الترمذي ( 3505 )، وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

 

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

فما دُفعت شدائد الدنيا بمثل التوحيد، ولذلك كان دعاء الكرب بالتوحيد، ودعوة ذي النون التي ما دعا بها مكروب إلا فرج الله كرْبه بالتوحيد، فلا يُلقي في الكرب العظام إلا الشرك، ولا ينجِّي منها إلا التوحيد، فهو مفزع الخليقة وملجؤها وحصنها وغياثها. ” الفوائد ” ( ص 53 ).

والوجه الثالث:

أن الثناء على الله تعالى في أول الدعاء هو جزء منه لا أجنبي عنه.

عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِتَحْمِيدِ اللَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ ثُمَّ لْيُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ لْيَدْعُ بَعْدُ بِمَا شَاءَ ). رواه الترمذي ( 3477 ) وصححه، وأبو داود ( 1481) وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي ” . ومعنى ( صلَّى ) أي: دعا.

وكيف يفعل المانعون من رفع اليدين في الثناء على الله تعالى لو كان هذا الثناء في وسط الدعاء؟! فقد جاء في وسط دعاء الاستخارة ( فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علاَّم الغيوب ) فهل تُنزل الأيدي في وسط هذا الدعاء وتُرفع في أوله وفي آخره؟!.

وبه يتبين: أن الثناء على الله تعالى يتضمن الدعاء، بل هو أبلغ منه من وجوه كثيرة ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية – انظر ” مجموع الفتاوى ” ( 22 / 376 – 389 ) – ومنها أن الدعاء يكون من الكافر والمؤمن وأما الثناء فلا يكون إلا من المؤمن، وقد سبق في الأحاديث إطلاق الدعاء على الذِّكر وعلى الثناء على الله تعالى.

وبه يُعلم أنه لا وجه لعدم رفع اليدين في أول الدعاء عند الثناء؛ لأن الثناء على الله في أول الدعاء هو جزء من الدعاء، بل قد ذكرنا عن أبي بكر الصدِّيق رضي الله عنه رفع يديه في الثناء وحده.

 

والله أعلم.

هل كلَّم الله عزَّ وجلَّ نبيَّنا محمَّدًا صلى الله عليه وسلم؟

هل كلَّم الله عزَّ وجلَّ نبيَّنا محمَّدًا صلى الله عليه وسلم؟

السؤال:

ما الدليل على أن الله تعالى كلَّم النبيَّ محمداً صلى الله عليه وسلم؟ وما تفصيل الخلاف؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

أخبر الله تعالى في كتابه الكريم عن طرق الوحي لرسله الكرام عليهم السلام، وكان منها: التكليم من وراء حجاب، قال تعالى ( وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ) الشورى/ 51.

وأخبر تعالى أن التكليم من وراء حجاب هو منزلة عالية للنبي المكلَّم، قال تعالى ( تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ) البقرة/ 253.

ومن هؤلاء المكلَّمين:

  1. آدم عليه السلام.

عن أبي أمامة أن رجلًا قال: يا رسول الله أنبيٌّ كان آدم؟ قال: ( نَعَمْ مُكَلَّمٌ ) قال: فكم كان بينه وبين نوح؟ قال: ( عَشْرَةُ قُرُون ). رواه ابن حبان في ” صحيحه ” ( 14 / 69 ) وصححه شعيب الأرناؤوط محقق الكتاب.

  1. موسى عليه السلام.

قال تعالى ( وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا ) النساء/ 164، وقال عز وجل ( وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ  ) الأعراف/ 143، وقال سبحانه ( يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي ) لأعراف/ 144.

  1. محمَّد صلَّى الله عليه وسلم.

وهو ثابت في رحلة المعراج إلى السماء، وفيها قوله صلى الله عليه وسلم:

( فَرَجَعْتُ فَمَرَرْتُ عَلَى مُوسَى فَقَالَ: بِمَا أُمِرْتَ؟ قَالَ: أُمِرْتُ بِخَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ، قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لَا تَسْتَطِيعُ خَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ وَإِنِّي وَاللَّهِ قَدْ جَرَّبْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ وَعَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ الْمُعَالَجَةِ فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ، فَرَجَعْتُ ، فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ مِثْلَهُ … فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ قَالَ: سَأَلْتُ رَبِّي حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ وَلَكِنِّي أَرْضَى وَأُسَلِّمُ.

رواه البخاري ( 3674 ) ومسلم ( 162 ).

 

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

هذا من أقوى ما استُدل به على أن الله سبحانه وتعالى كلَّم نبيَّه محمَّدًا صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء بغير واسطة .” فتح الباري ” ( 7 / 216 ).

* وقال ابن كثير – رحمه الله -:

( مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ ) يعني: موسى ومحمَّدًا صلى الله عليه وسلم، وكذلك آدم، كما ورد به الحديث المروي في ” صحيح ابن حبان ” عن أبي ذر رضي الله عنه.

( وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ) كما ثبت في حديث الإسراء حين رأى النبي صلى الله عليه وسلم الأنبياء في السموات بحسب تفاوت منازلهم عند الله عز وجل.

” تفسير ابن كثير ” ( 1 / 670 ).

وحديث أبي ذر الذي أشار إليه ابن كثير رحمه الله هو في ” صحيح ابن حبان ” ( 2 / 76 ) وقال عنه الشيخ شعيب الأرناؤوط: إسناده ضعيف جدًّا.

قلنا : ويغني عنه حديث أبي أمامة رضي الله عنه المتقدم.

 

ثانيًا:

– فائدة في اختصاص موسى عليه السلام بتسميته ” كليم الله “:

* قال الشيخ عبد الرحمن المحمود – حفظه الله -:

ولعل العلة – والعلم عند الله سبحانه وتعالى – في تسمية موسى ” كليم الله ” مع أن الله كلَّم محمَّدًا وكلَّم آدم: أن الله كلَّمه على الأرض وهو على طبيعته البشرية, بخلاف تكليم الله لآدم فإنه كلمه وهو في السماء, وتكليم الله لمحمَّد فإنه كلمه وقد عرج بروحه وجسده إلى السماء, أما تكليمه لموسى : فهو على الأرض, وهذا فيه خصوصية لموسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم.

” تيسير لمعة الاعتقاد ” ( ص 152 ) – ترقيم الشاملة -.

 

والله أعلم.

هل تحسين القراءة في الصلاة من الرياء؟ وهل يترك الإمامة من يخاف من ذلك؟

هل تحسين القراءة في الصلاة من الرياء؟ وهل يترك الإمامة من يخاف من ذلك؟

السؤال:

منَّ الله عليَّ بصوت حسن وتلاوة طيبة لكتابه العزيز، وقد اقترح عليَّ أهل المسجد أن أكون إماماً لهم في صلاة التراويح، علمًا بأني أحفظ أكثر من نصف القرآن، وأسأل الله أن يتم عليَّ نعمته بحفظ كتابه، وقد ترددت في البداية خوفاً من الرياء لكنِّي استخرت الله عز وجل، ثم قبلت، والآن أنا أؤم القوم في المسجد ولكني أخاف من الرياء وأن يحبط عملي، ودائمًا أسأل الله الإخلاص، وتراني أحاول إتقان التلاوة عندما أؤم الناس لكي يخشعوا أما أنا فأتأثر بالآيات إذا فرأتها وحدي، وعندما أكون إماماً أحاول أن أتأثر بها وأن أتفكر في معانيها لكني قلَّ ما أفعل, وإن فعلت فأحاول أن لا أظهر ذلك أمام الناس.

فماذا يجب أن تكون نيتي وأنا أؤم الناس؟ وكيف أحقق الإخلاص وأتغلب على وسواس الرياء؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

اعلم أخانا الفاضل أن للشيطان مداخل على الصالحين ليتركوا طاعاتهم وعباداتهم، فليس كل ما تشعر به أنه رياء هو كذلك، وودَّ الشيطان لو ظفر بهذا من مثلك ليترك أحدكم طاعته وعبادته فيحقق للشيطان مقصوده، وإنما يبحث المسلم عن قلبه فيرى سلامته من عدمه، وينزه أفعاله أن تُصرف لغير الله، فيحافظ على عبادته أن لا يقوم بها، ويحافظ عليها أن لا يضيع أجرها عند ربه.

 

ثانيًا:

ومما ينبغي عليك معرفته أن تحسين الصوت وإتقان التلاوة في الصلاة ليسمعها الناس ليست من باب الرياء والسمعة من جهة، وهي كذلك من جهة أخرى:

  1. فإذا كنتَ تقصد بحسن قراءتك حصول الخشوع لقلبك والبكاء لعينك، أو من أجل أن يتأثر الناس: فعملك مشروع، بل هو مرغَّب فيه، ومما يدل على ذلك:

أ. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ ). رواه البخاري ( 7089 ).

* قال النووي – رحمه الله -:

وقوله ( يتغنى بالقرآن ) معناه عند الشافعي وأصحابه وأكثر العلماء من الطوائف وأصحاب الفنون: يحسِّن صوته به. ” شرح مسلم ” ( 6 / 78 ).

والحديث رواه أبو داود ( 1471 ) وفيه زيادة:

قَالَ عبد الجبار بن الورد – أحد رجال الإسناد -: فَقُلْتُ لِابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ أَرَأَيْتَ إِذَا لَمْ يَكُنْ حَسَنَ الصَّوْتِ؟ قَالَ: ” يُحَسِّنُهُ مَا اسْتَطَاعَ “.

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

الذي يتحصل من الأدلة: أن حسن الصوت بالقرآن مطلوب، فإن لم يكن حسناً فليحسنه ما استطاع كما قال ابن أبي مليكة أحد رواة الحديث، وقد أخرج ذلك عنه أبو داود بإسناد صحيح. ” فتح الباري ” ( 9 / 72 ).

ب. عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ ). رواه أبو داود ( 1468 ) والنسائي ( 1015 ) وابن ماجه ( 1342 ).

* قال الإمام أبو بكر الآجُرِّي – رحمه الله -:

عن صالح بن أحمد بن حنبل عن أبيه قال: قلت له قول النبي صلى الله عليه وسلم ( زينوا القرآن بأصواتكم ) ما معناه؟ قال: التزين: أن تحسِّنه.

” أخلاق أهل القرآن ” ( ص 160 ) وصححه محققه عنه.

ومما يؤكِّد جواز التكلف من أجل تحسين القراءة وجمال الصوت:

ج. عَنْ أَبِى مُوسَى قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ( لَوْ رَأَيْتَنِي وَأَنَا أَسْمَعُ قِرَاَءَتَكَ الْبَارِحَةَ لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَاراً مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ ) فَقَالَ: لَوْ عُلِّمْتُ لحَبَّرْتُهُ لَكَ تَحْبِيرًا. رواه البيهقي في ” سننه ” ( 3 / 12 ) وقال الألباني – في ” صحيح أبي داود ” ( 5 / 232 ) -: سنده جيد على شرط مسلم.

* قال الحافظ ابن كثير – رحمه الله -:

فدل على جواز تعاطي ذلك وتكلفه، وقد كان أبو موسى كما قال عليه السلام قد أعطي صوتًا حسنًا، مع خشية تامة ورقة أهل اليمن الموصوفة، فدل على أن هذا من الأمور الشرعية . ” تفسير ابن كثير ” ( 1 / 63 ).

* وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

قال العلماء: وفي هذا دليل على أن الإنسان لو حسَّن صوتَه بالقرآن لأجل أن يتلذذ السامع ويسر به: فإن ذلك لا بأس به، ولا يعدُّ من الرياء، بل هذا مما يدعو إلى الاستماع لكلام الله عز وجل حتى يسر الناس به. ” شرح رياض الصالحين ” ( 4 / 662 ).

  1. وأما إن كنتَ تحسِّن صوتك في قراءتك للقرآن من أجل أن يمدحك الناس، أو من أجل أن يقولوا: هذا قراءته جيدة: فيكون فعلك من باب الرياء والسمعة.

* قال الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله -:

والرياء مأخوذ من الرؤية، وذلك بأن يزيِّن العمل ويحسِّنه من أجل أن يراه الناس ويمدحوه ويثنوا عليه، أو لغير ذلك من المقاصد، فهذا يسمَّى رياء؛ لأنه يقصد رؤية الناس له.

والفرق بين الرياء والسمعة: أن الرياء فيما يُرى من الأعمال التي ظاهرها لله وباطنها لغيره كالصلاة والصدقة، أما السمعة: فهي لِمَا يُسْمَع من الأقوال التي ظاهرها لله والقصد منها لغير الله كالقراءة والذكر والوعظ وغير ذلك من الأقوال، وقصد المتكلِّم أن يَسمع النّاس كلامه فيثنوا عليه، ويقولوا: هو جيِّد في الكلام، جيِّد في المحاورة، جيِّد في الخُطْبة، إنه حسن الصوت في القرآن إذا كان يحسِّن صوته بالقرآن لأجل ذلك، فإذا كان يُلقي المحاضرات والندوات والدروس من أجل أن يمدحه النّاس: فهذا سُمعة. “إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد  ” ( ص 646 ).

 

ثالثًا:

ونختم معك سؤالك المهم بوصيتين جامعتين إحداهما لإمامٍ من السلف، والأخرى لإمام معاصر، ومع الوصية الثانية إجابة على مسائلك كلها؛ حيث ورد لصاحبها سؤال مطابق لسؤالك.

أ. * قال الإمام أبو بكر الآجُرِّي – رحمه الله -:

ينبغي لمن رزقه الله حسن الصوت بالقرآن أن يعلم أن الله قد خصه بخير عظيم فليعرف قدر ما خصه الله به وليقرأ لله لا للمخلوقين وليحذر من الميل إلى أن يستمع منه ليحظى به عند السامعين رغبة في الدنيا والميل إلى حسن الثناء والجاه أبناء الدنيا والصلات بالملوك دون الصلات بعوام الناس فمن مالت نفسه إلى ما نهيته عنه خفت أن يكون حسن صوته فتنة عليه وإنما ينفعه حسن صوته إذا خشي الله عز وجل في السر والعلانية وكان مراده أن يستمع منه القرآن لينتبه أهل الغفلة عن غفلتهم فيرغبوا فيما رغبهم الله عز وجل وينتهوا عما نهاهم ممن كانت هذه صفته انتفع بحسن صوته وانتفع به الناس. ” أخلاق أهل القرآن ” ( ص 161 ).

ب. * سئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

ما هو السبيل في عدم الشعور بإتقان الصلاة والخشوع فيها حيث إنني أقوم إماماً لأهل الحي في الصلوات الخمس ولله الحمد، ولكن كل محاولتي لحفظ القرآن وتجويد القراءة أثناء كل صلاتي: أشعر أني أرائي الناس فيها خاصة الصلوات الجهرية، حيث إنني أحسن من الصوت وإطالة القراءة حتى يخيل إليَّ أني أفعل ذلك من أجل إشعار الناس أني أهل للإمامة، ما حكم ذلك؟

فأجاب:

عليك – يا أخي – أن تستمر في عملك هذا، مع سؤال الله التوفيق للإخلاص والحرص على التعوذ بالله من الرياء، وأبشر بالخير، ودع عنك الوساوس التي يمليها الشيطان بأنك تقصد الرياء وتحسين صوتك لأجل مدح الناس أو ليقولوا : إنك أهل للإمامة دع عنك هذه الوساوس وأبشر بالخير وأنت مأمور بتحسين الصوت في القراءة حتى ينتفع بك المأمومون ولا عليك شيء مما يخطر من الوساوس بل حاربها، حاربها بالتعوذ بالله من الشيطان وسؤال الله التوفيق والهداية والإعانة على الخير وأنت على خير عظيم واستمر في الإمامة وأحسن إلى إخوانك واجتهد في تحسين الصوت، فقد جاء الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه قال ( ليس منا من لم يتغن بالقرآن – يجهر به – ) يعني: يحسِّن صوته بالقراءة، فتحسين الصوت بالقراءة من أعظم الأسباب للتدبر والتعقل وفهم المعنى والتلذذ بسماع القرآن، وفي الحديث الصحيح يقول النبي صلى الله عليه وسلم ( ما أذِن الله لشيء ما أذن لنبيٍّ حسن الصوت بالقرآن يجهر به ) – رواه البخاري – يعني: ما استمع الله سبحانه لشيء كاستماعه لنبي، وهو استماع يليق بالله لا يشابهه صفات المخلوقين؛ فإن صفات الله سبحانه تليق به لا يشابهه أحد من خلقه جل وعلا، كما قال سبحانه ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) الشورى/ 11، ولكن يدلنا هذا على أن الله سبحانه يحب تحسين الصوت بالقراءة، ويحب أن القراء يجتهدون في تحسين أصواتهم حتى ينتفعوا وحتى ينتفع من يستمع لقراءتهم، وما يخطر ببالك من الرياء : فهو من الشيطان، فلا تلتفت إلى ذلك، وحارب عدو الله بالاستعاذة بالله منه والاستمرار بتحسين صوتك والإحسان في قراءتك مع الخشوع في ركوعك وسجودك وسائر أحوال الصلاة وأنت على خير إن شاء الله، نسأل الله لنا ولك التوفيق والثبات على الحق . ” مجموع فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 30 / 129 – 131 ).

فكما علمتَ فإنَّ تحسين صوتك في القراءة أمر مرغَّب به بل هو واجب، وتجنب فعل ذلك من أجل مدح الناس لك، ولتكن نيتك الاستجابة لأمر النبي صلى اله عليه وسلم بالتغني بالقرآن وبتزيينه بالصوت الحسن، ولتكن نيتك أن يتأثر الناس بكلام الله ويخشعون بسماعه، وجاهد نفسك لتكون واحداً منهم في تأثير القرآن عليك، واصرف عنك وسوسة الشيطان بترك الإمامة، بل ابق فيها مع حسن النية والقصد.

 

والله أعلم.