الرئيسية بلوق الصفحة 160

هل تحسين القراءة في الصلاة من الرياء؟ وهل يترك الإمامة من يخاف من ذلك؟

هل تحسين القراءة في الصلاة من الرياء؟ وهل يترك الإمامة من يخاف من ذلك؟

السؤال:

منَّ الله عليَّ بصوت حسن وتلاوة طيبة لكتابه العزيز، وقد اقترح عليَّ أهل المسجد أن أكون إماماً لهم في صلاة التراويح، علمًا بأني أحفظ أكثر من نصف القرآن، وأسأل الله أن يتم عليَّ نعمته بحفظ كتابه، وقد ترددت في البداية خوفاً من الرياء لكنِّي استخرت الله عز وجل، ثم قبلت، والآن أنا أؤم القوم في المسجد ولكني أخاف من الرياء وأن يحبط عملي، ودائمًا أسأل الله الإخلاص، وتراني أحاول إتقان التلاوة عندما أؤم الناس لكي يخشعوا أما أنا فأتأثر بالآيات إذا فرأتها وحدي، وعندما أكون إماماً أحاول أن أتأثر بها وأن أتفكر في معانيها لكني قلَّ ما أفعل, وإن فعلت فأحاول أن لا أظهر ذلك أمام الناس.

فماذا يجب أن تكون نيتي وأنا أؤم الناس؟ وكيف أحقق الإخلاص وأتغلب على وسواس الرياء؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

اعلم أخانا الفاضل أن للشيطان مداخل على الصالحين ليتركوا طاعاتهم وعباداتهم، فليس كل ما تشعر به أنه رياء هو كذلك، وودَّ الشيطان لو ظفر بهذا من مثلك ليترك أحدكم طاعته وعبادته فيحقق للشيطان مقصوده، وإنما يبحث المسلم عن قلبه فيرى سلامته من عدمه، وينزه أفعاله أن تُصرف لغير الله، فيحافظ على عبادته أن لا يقوم بها، ويحافظ عليها أن لا يضيع أجرها عند ربه.

 

ثانيًا:

ومما ينبغي عليك معرفته أن تحسين الصوت وإتقان التلاوة في الصلاة ليسمعها الناس ليست من باب الرياء والسمعة من جهة، وهي كذلك من جهة أخرى:

  1. فإذا كنتَ تقصد بحسن قراءتك حصول الخشوع لقلبك والبكاء لعينك، أو من أجل أن يتأثر الناس: فعملك مشروع، بل هو مرغَّب فيه، ومما يدل على ذلك:

أ. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ ). رواه البخاري ( 7089 ).

* قال النووي – رحمه الله -:

وقوله ( يتغنى بالقرآن ) معناه عند الشافعي وأصحابه وأكثر العلماء من الطوائف وأصحاب الفنون: يحسِّن صوته به. ” شرح مسلم ” ( 6 / 78 ).

والحديث رواه أبو داود ( 1471 ) وفيه زيادة:

قَالَ عبد الجبار بن الورد – أحد رجال الإسناد -: فَقُلْتُ لِابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ أَرَأَيْتَ إِذَا لَمْ يَكُنْ حَسَنَ الصَّوْتِ؟ قَالَ: ” يُحَسِّنُهُ مَا اسْتَطَاعَ “.

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

الذي يتحصل من الأدلة: أن حسن الصوت بالقرآن مطلوب، فإن لم يكن حسناً فليحسنه ما استطاع كما قال ابن أبي مليكة أحد رواة الحديث، وقد أخرج ذلك عنه أبو داود بإسناد صحيح. ” فتح الباري ” ( 9 / 72 ).

ب. عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ ). رواه أبو داود ( 1468 ) والنسائي ( 1015 ) وابن ماجه ( 1342 ).

* قال الإمام أبو بكر الآجُرِّي – رحمه الله -:

عن صالح بن أحمد بن حنبل عن أبيه قال: قلت له قول النبي صلى الله عليه وسلم ( زينوا القرآن بأصواتكم ) ما معناه؟ قال: التزين: أن تحسِّنه.

” أخلاق أهل القرآن ” ( ص 160 ) وصححه محققه عنه.

ومما يؤكِّد جواز التكلف من أجل تحسين القراءة وجمال الصوت:

ج. عَنْ أَبِى مُوسَى قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ( لَوْ رَأَيْتَنِي وَأَنَا أَسْمَعُ قِرَاَءَتَكَ الْبَارِحَةَ لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَاراً مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ ) فَقَالَ: لَوْ عُلِّمْتُ لحَبَّرْتُهُ لَكَ تَحْبِيرًا. رواه البيهقي في ” سننه ” ( 3 / 12 ) وقال الألباني – في ” صحيح أبي داود ” ( 5 / 232 ) -: سنده جيد على شرط مسلم.

* قال الحافظ ابن كثير – رحمه الله -:

فدل على جواز تعاطي ذلك وتكلفه، وقد كان أبو موسى كما قال عليه السلام قد أعطي صوتًا حسنًا، مع خشية تامة ورقة أهل اليمن الموصوفة، فدل على أن هذا من الأمور الشرعية . ” تفسير ابن كثير ” ( 1 / 63 ).

* وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

قال العلماء: وفي هذا دليل على أن الإنسان لو حسَّن صوتَه بالقرآن لأجل أن يتلذذ السامع ويسر به: فإن ذلك لا بأس به، ولا يعدُّ من الرياء، بل هذا مما يدعو إلى الاستماع لكلام الله عز وجل حتى يسر الناس به. ” شرح رياض الصالحين ” ( 4 / 662 ).

  1. وأما إن كنتَ تحسِّن صوتك في قراءتك للقرآن من أجل أن يمدحك الناس، أو من أجل أن يقولوا: هذا قراءته جيدة: فيكون فعلك من باب الرياء والسمعة.

* قال الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله -:

والرياء مأخوذ من الرؤية، وذلك بأن يزيِّن العمل ويحسِّنه من أجل أن يراه الناس ويمدحوه ويثنوا عليه، أو لغير ذلك من المقاصد، فهذا يسمَّى رياء؛ لأنه يقصد رؤية الناس له.

والفرق بين الرياء والسمعة: أن الرياء فيما يُرى من الأعمال التي ظاهرها لله وباطنها لغيره كالصلاة والصدقة، أما السمعة: فهي لِمَا يُسْمَع من الأقوال التي ظاهرها لله والقصد منها لغير الله كالقراءة والذكر والوعظ وغير ذلك من الأقوال، وقصد المتكلِّم أن يَسمع النّاس كلامه فيثنوا عليه، ويقولوا: هو جيِّد في الكلام، جيِّد في المحاورة، جيِّد في الخُطْبة، إنه حسن الصوت في القرآن إذا كان يحسِّن صوته بالقرآن لأجل ذلك، فإذا كان يُلقي المحاضرات والندوات والدروس من أجل أن يمدحه النّاس: فهذا سُمعة. “إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد  ” ( ص 646 ).

 

ثالثًا:

ونختم معك سؤالك المهم بوصيتين جامعتين إحداهما لإمامٍ من السلف، والأخرى لإمام معاصر، ومع الوصية الثانية إجابة على مسائلك كلها؛ حيث ورد لصاحبها سؤال مطابق لسؤالك.

أ. * قال الإمام أبو بكر الآجُرِّي – رحمه الله -:

ينبغي لمن رزقه الله حسن الصوت بالقرآن أن يعلم أن الله قد خصه بخير عظيم فليعرف قدر ما خصه الله به وليقرأ لله لا للمخلوقين وليحذر من الميل إلى أن يستمع منه ليحظى به عند السامعين رغبة في الدنيا والميل إلى حسن الثناء والجاه أبناء الدنيا والصلات بالملوك دون الصلات بعوام الناس فمن مالت نفسه إلى ما نهيته عنه خفت أن يكون حسن صوته فتنة عليه وإنما ينفعه حسن صوته إذا خشي الله عز وجل في السر والعلانية وكان مراده أن يستمع منه القرآن لينتبه أهل الغفلة عن غفلتهم فيرغبوا فيما رغبهم الله عز وجل وينتهوا عما نهاهم ممن كانت هذه صفته انتفع بحسن صوته وانتفع به الناس. ” أخلاق أهل القرآن ” ( ص 161 ).

ب. * سئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

ما هو السبيل في عدم الشعور بإتقان الصلاة والخشوع فيها حيث إنني أقوم إماماً لأهل الحي في الصلوات الخمس ولله الحمد، ولكن كل محاولتي لحفظ القرآن وتجويد القراءة أثناء كل صلاتي: أشعر أني أرائي الناس فيها خاصة الصلوات الجهرية، حيث إنني أحسن من الصوت وإطالة القراءة حتى يخيل إليَّ أني أفعل ذلك من أجل إشعار الناس أني أهل للإمامة، ما حكم ذلك؟

فأجاب:

عليك – يا أخي – أن تستمر في عملك هذا، مع سؤال الله التوفيق للإخلاص والحرص على التعوذ بالله من الرياء، وأبشر بالخير، ودع عنك الوساوس التي يمليها الشيطان بأنك تقصد الرياء وتحسين صوتك لأجل مدح الناس أو ليقولوا : إنك أهل للإمامة دع عنك هذه الوساوس وأبشر بالخير وأنت مأمور بتحسين الصوت في القراءة حتى ينتفع بك المأمومون ولا عليك شيء مما يخطر من الوساوس بل حاربها، حاربها بالتعوذ بالله من الشيطان وسؤال الله التوفيق والهداية والإعانة على الخير وأنت على خير عظيم واستمر في الإمامة وأحسن إلى إخوانك واجتهد في تحسين الصوت، فقد جاء الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه قال ( ليس منا من لم يتغن بالقرآن – يجهر به – ) يعني: يحسِّن صوته بالقراءة، فتحسين الصوت بالقراءة من أعظم الأسباب للتدبر والتعقل وفهم المعنى والتلذذ بسماع القرآن، وفي الحديث الصحيح يقول النبي صلى الله عليه وسلم ( ما أذِن الله لشيء ما أذن لنبيٍّ حسن الصوت بالقرآن يجهر به ) – رواه البخاري – يعني: ما استمع الله سبحانه لشيء كاستماعه لنبي، وهو استماع يليق بالله لا يشابهه صفات المخلوقين؛ فإن صفات الله سبحانه تليق به لا يشابهه أحد من خلقه جل وعلا، كما قال سبحانه ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) الشورى/ 11، ولكن يدلنا هذا على أن الله سبحانه يحب تحسين الصوت بالقراءة، ويحب أن القراء يجتهدون في تحسين أصواتهم حتى ينتفعوا وحتى ينتفع من يستمع لقراءتهم، وما يخطر ببالك من الرياء : فهو من الشيطان، فلا تلتفت إلى ذلك، وحارب عدو الله بالاستعاذة بالله منه والاستمرار بتحسين صوتك والإحسان في قراءتك مع الخشوع في ركوعك وسجودك وسائر أحوال الصلاة وأنت على خير إن شاء الله، نسأل الله لنا ولك التوفيق والثبات على الحق . ” مجموع فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 30 / 129 – 131 ).

فكما علمتَ فإنَّ تحسين صوتك في القراءة أمر مرغَّب به بل هو واجب، وتجنب فعل ذلك من أجل مدح الناس لك، ولتكن نيتك الاستجابة لأمر النبي صلى اله عليه وسلم بالتغني بالقرآن وبتزيينه بالصوت الحسن، ولتكن نيتك أن يتأثر الناس بكلام الله ويخشعون بسماعه، وجاهد نفسك لتكون واحداً منهم في تأثير القرآن عليك، واصرف عنك وسوسة الشيطان بترك الإمامة، بل ابق فيها مع حسن النية والقصد.

 

والله أعلم.

هل أمر ابن أم مكتوم بصلاة الجماعة في المسجد مع أعذاره الكثيرة ينافي الرحمة؟

هل أمر ابن أم مكتوم بصلاة الجماعة في المسجد مع أعذاره الكثيرة ينافي الرحمة؟

السؤال:

ديننا دين الرحمة، ونبينا نبي الرحمة، وربنا الرحمن الرحيم، فلماذا لم يرخص رسولنا الكريم لعبد الله بن أم مكتوم بالصلاة في بيته مع ما يلاقيه من مخاطر في طريقه للمسجد ولا يجد من يقتاده إلى المسجد ؟ وجزاكم الله كل خير.

 

الجواب:

الحمد لله

أشكل حديث عبد الله بن أم مكتوم في ” صلاة الجماعة ” على كثيرين، وقد تعددت الأقوال في فهمه وتنوعت الآراء في توجيهه، ونحن نذكر الحديث وما وقفنا عليه من تلك الأقوال والآراء.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ أَعْمَى فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ لَيْسَ لِي قَائِدٌ يَقُودُنِي إِلَى الْمَسْجِدِ فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُرَخِّصَ لَهُ فَيُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ فَرَخَّصَ لَهُ فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ فَقَالَ ( هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ؟ ) قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ( فَأَجِبْ ). رواه مسلم ( 653 ).

وعَنْ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي رَجُلٌ ضَرِيرُ الْبَصَرِ شَاسِعُ الدَّارِ وَلِي قَائِدٌ لَا يُلَائِمُنِي فَهَلْ لِي رُخْصَةٌ أَنْ أُصَلِّيَ فِي بَيْتِي؟ قَالَ: ( هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ؟ ) قَالَ: نَعَمْ، قَالَ ( لَا أَجِدُ لَكَ رُخْصَةً ).

سنن أبي داود ( 552 ) ابن ماجه ( 792 )، وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

وفي رواية عند أحمد قال ابن أم مكتوم: إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَ الْمَسْجِدِ نَخْلًا وَشَجَرًا وَلَا أَقْدِرُ عَلَى قَائِدٍ كُلَّ سَاعَةٍ أَيَسَعُنِي أَنْ أُصَلِّيَ فِي بَيْتِي؟ قَالَ ( أَتَسْمَعُ الْإِقَامَةَ ؟ ) قَالَ: نَعَمْ، قَالَ ( فَأْتِهَا ). رواه أحمد ( 24 / 245 ) وصححه محققو المسند، وصححه الألباني في ” صحيح الترغيب والترهيب ” ( 1 / 103 ).

فهذه الروايات جمعت أعذارًا كثيرة لابن أم مكتوم ولم تكن مانعة من إيجاب صلاة الجماعة عليه، وهذه الأعذار هي:

فقد البصر، عدم وجود قائد يقوده للمسجد أو وجود غير ملائم، بُعد الدار عن المسجد، وجود حوائل بينه وبين المسجد كالشجر والنخيل، وجود الهوام والسباع.

ووجود هذه الأعذار مع ظاهر الأمر بصلاة الجماعة في المسجد جعلت بعض أهل العلم لا يرى ما يدل عليه الحديث من وجوب حضور ذاك الصحابي جماعة المسجد؛ لأن الشريعة جاءت بحفظ النفوس، ولم تجوِّز إلقاء النفس في التهلكة، حتى قال بعض العلماء إن الحديث لم يقل بظاهره أحد.

 

* قال ابن رجب الحنبلي – رحمه الله -:

وقد أشار الجوزجاني إلى أن حديث ابن أم مكتوم لم يقل أحد بظاهره.

يعني: أن هذا لم يوجب حضور المسجد على من كان حاله كحال ابن أم مكتوم. ” فتح الباري ” لابن رجب ( 2 / 391 ).

ويمكن حصر الموقف من هذا الحديث بما يأتي:

  1. قال بعض العلماء إن الحديث يدل على وجوب حضور ذاك الصحابي مع تلك الأعذار جماعة المسجد لكنه منسوخ بحديث آخر يرفع الوجوب عمن هو أقل منه عذراً، وهو حديث عتبان بن مالك، ونصه:

عن عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ الْأَنْصارِيَّ قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي لِقَوْمِي بَنِي سَالِمٍ فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ إِنِّي أَنْكَرْتُ بَصَرِي وَإِنَّ السُّيُولَ تَحُولُ بَيْنِي وَبَيْنَ مَسْجِدِ قَوْمِي فَلَوَدِدْتُ أَنَّكَ جِئْتَ فَصَلَّيْتَ فِي بَيْتِي مَكَانًا حَتَّى أَتَّخِذَهُ مَسْجِدًا فَقَالَ ( أَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ) فَغَدَا عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ مَعَهُ بَعْدَ مَا اشْتَدَّ النَّهَارُ فَاسْتَأْذَنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَذِنْتُ لَهُ فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى قَالَ ( أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ ) فَأَشَارَ إِلَيْهِ مِنْ الْمَكَانِ الَّذِي أَحَبَّ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ فَقَامَ فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ ثُمَّ سَلَّمَ وَسَلَّمْنَا حِينَ سَلَّمَ. رواه البخاري ( 804 ) ومسلم ( 33 ).

* قال ابن رجب الحنبلي – رحمه الله -:

ومن الناس من أشار إلى نسخ حديث ابن أم مكتوم بحديث عتبان؛ فإن الأعذار التي ذكرها ابن أم مكتوم يكفي بعضها في سقوط حضور المسجد.

” فتح الباري ” لابن رجب ( 2 / 389 ، 390 ).

  1. وقال آخرون: إن ابن أم مكتوم كان طلبه الحصول على أجر الجماعة في المسجد إذا صلَّى في بيته كونه معذوراً بتلك الأعذار، فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا أجر إلا بالحضور.

* قال الخَطَّابيُّ – رحمه الله -:

وأكثر أصحاب الشَّافعيِّ على أنَّ الجماعة فرضٌ على الكِفاية، لا على الأعيان، وتأوّلوا حديث ابن أُمِّ مَكْتُوم على أنَّه لا رخصة لك إن طلبت فضيلة الجماعة، وأنك لا تحرز أجرها مع التخلف عنها بحال. ” معالم السنن “( 1 / 292).

  1. وقال فريق ثالث: إن الأمر بحضور الصلاة في المسجد بقوله ( أَجِبْ ) لا يُحمل على الوجوب بل على الاستحباب.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

قال المسقطون لوجوبها: هذا أمر استحباب لا أمر إيجاب.

” الصلاة وحكم تاركها ” ( ص 144 ).

هذه مجمل الموقف من حديث ابن أم مكتوم، والذي يظهر لنا أن كل ما سبق لا ينهض لرد ظاهر الحديث من إيجاب الجماعة على ابن أم مكتوم رضي الله عنه، ومن كان مثل حاله، وأنه ليس في ذلك إلقاء للنفس في التهلكة، وكل أوامر الشرع لا يُكلَّف بها إلا المستطيع على أدائها، والمشقة لا تُسقط الواجبات، بل الذي يسقطها وجود الضرر.

والقول بالنسخ بعيدٌ لأسباب منها:

أ. أنه لا يُعرف المتقدم من المتأخر من الحديثين، وهذا شرط للقول بالنسخ.

ب. وجود الفرق بين حال الصحابيين رضي الله عنهما، فقد كان ابن أم مكتوم قد وُلد أعمى، ومثل هذا يكيِّف نفسه على الحياة ويستطيع ما لا يستطيعه ممن عمي في كبره، وقد لحظ هذا بعض العلماء ولذا فرَّقوا بين ابن أم مكتوم وبين عتبان رضي الله عنه والذي عمي في كبره.

ج. أن ابن أم مكتوم رضي الله عنه أراد الرخصة للصلاة في البيت، وعتبان رضي الله عنه أراد أن يتخذ مسجدًا في داره ليصلي فيه هو وأهل بيته ومن قرب منهم، فهو قد انتقل من مسجد إلى مسجد، وابن أم مكتوم أرد الانتقال إلى بيته، فافترقا، وهذا أحسن ما جُمع به بين الحديثين.

* قال ابن رجب الحنبلي – رحمه الله -:

ويحتمل أن يكون عتبان جعل موضع صلاة النبي صلى الله عليه وسلم من بيته مسجدًا يؤذن فيه، ويقيم، ويصلِّي بجماعة أهل داره ومن قرُب منه، فتكون صلاته حينئذ في مسجد: إما مسجد جماعة، أو مسجد بيت يجمع فيه، وأما ابن أم مكتوم فإنه استأذن في صلاته في بيته منفرداً، فلم يأذن له، وهذا أقرب ما جمع به بين الحديثين.  ” فتح الباري ” لابن رجب ( 2 / 391 ، 392 ).

د. ليس في حديث عتبان رضي الله عنه أنه كان يسمع النداء، بخلاف ابن أم مكتوم.

وتأويل ( لا رخصة لك ) على معنى ” إن طلبت فضيلة الجماعة ” لا يظهر صوابه؛ لأنه لا يقال ” لا رخصة في ترك فضيلة “، بل الرخصة تكون في ترك واجب.

* قال الإمام ابن خزيمة – رحمه الله – مبوِّباً على حديث ابن أم مكتوم:

باب أمر العميان بشهود صلاة الجماعة وإن كانت منازلهم نائية عن المسجد لا يطاوعهم قائدوهم بإتيانهم إياهم المساجد والدليل على أن شهود الجماعة فريضة لا فضيلة إذ غير جائز أن يقال لا رخصة للمرء في ترك الفضيلة.

” صحيح ابن خزيمة ” ( 2 / 368 ).

وحمل قوله صلى الله عليه وسلم ( أَجِب ) على الاستحباب خلاف الأصل؛ لأن الأصل في الأوامر الوجوب.

والقول بالوجوب لمثل حال ابن أم مكتوم هو القول الصواب ما لم يكن الضرر متحققًا بيقين أو غلبة ظن، وهو القول الراجح، وهو قول أكابر أئمة الحديث.

 

 

* قال ابن المنذر – رحمه الله -:

ذكر إيجاب حضور الجماعة على العميان وإن بعُدت منازلهم عن المسجد، ويدل ذلك على أن شهود الجماعة فرض لا ندب.

” الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف ” ( 4 / 132 ).

* وقال – رحمه الله – أيضًا -:

فدلَّت الأخبار التي ذكرناها على وجوب فرض الجماعة على مَن لا عذر له، فمما دل عليه قوله لابن أم مكتوم وهو ضرير ( لا أجد لك رخصة )، فإذا كان الأعمى كذلك لا رخصة له: فالبصير أولى بأن لا تكون له رخصة.

” الأوسط ” ( 4 / 134 ).

ولا يتصورنَّ أحدٌ أن الشريعة تأتي بما فيه إتلاف للنفوس ولا ما فيه ضرر على المكلفين، وقد عذرت الشريعة المبصرين المكلفين عن الحضور للمسجد لصلاة الجماعة في حال الشدة التي يتضررون بها وشرع لهم الصلاة في بيوتهم ويقال في الأذان ” صلوا في رحالكم “، وشرعت الصلاة في البيت في المرض والخوف والنعاس الشديد، فالشريعة يسر كلها، وقد رُفع الحرج عن أتباعها، والناس يختلفون في قدراتهم، فمن استطاع الوصول للمسجد فيجب عليه ذلك ولو بمشقة، ومن يتضرر بمجيئه فيُرفع عنه الحرج وله رخصة أن يصلي في بيته على أن يحرص على الصلاة جماعة.

 

والله أعلم.

نصرانية توفي والدها وتنكَّر لها أهل دينها وتفكر بالدخول في الإسلام

نصرانية توفي والدها وتنكَّر لها أهل دينها وتفكر بالدخول في الإسلام

السؤال:

بدأت في التفكير بأن أتقبل فكرة أن يكون الله هو الإله الوحيد بالنسبة لي، ولكني حائرة، ولهذا أرجو منكم النصح؟.

لقد اعتنقت المسيحية واعتدت الذهاب إلى الكنيسة باستمرار، ولكني توقفت عن الذهاب إليها منذ ما يقارب العام، عندما أصبحت مسيحية شعرت بأنني اتخذت القرار الصحيح وأني سلكت الطريق الواضح وتغيرت حياتي نحو الأفضل، فقد تركت معاقرة الخمر، وتزوجت زوجي الذي أنجبت منه ابنتي الوحيدة، وغيّرت طريقة لباسي، بل حتى تغيرت طريقة تفكيري، نعم، لقد تغير كل شيء في حياتي وشعرت بما لا يدع مجالاً للشك أن هذا الطريق هو الطريق الصحيح الذي اختاره الله لي.

ولكن بعد ذلك بثلاث سنين مرض والدي بالسرطان، وساءت حالته جدّاً، وفي تلك اللحظة التي كنت أحوج ما أكون فيها إلى شخص يواسيني ويقف بجانبي ويشد من عزمي: في تلك اللحظة لم أجد فيها أحدًا من أصدقاء الكنيسة!! نعم، لقد وقفت وحيدة أصارع الآلام والأحزان، فلولا أني كنت أصلي وأدعو أن يخفف الله ما بي لكنت فقدت عقلي.

لقد توفي والدي أخيرًا، ولكني سعيدة لأنه لن يضطر للمعاناة ومصارعة الألم بعد الآن، وفي تلك اللحظات التي يفترض أن يزورني من يعرفني وبالأخص أصدقاء الكنيسة لما يحملونه من معتقدات دينية تحث على ذلك لم أجد فيها أحداً، إن أحداً منهم لم يكلف نفسه حتى رفع السماعة ومهاتفتي، بل لم يصلني أي كرت للتعزية أو ورد أو ما شابه ذلك، وكأني كنت في صحراء لا يوجد فيها أحد! فكل ما وصلني هي رسالة من أحدهم يقول لي فيها ” إننا ندعو لك “، بل إلى هذه اللحظة لم يزرني أو يتصل بي أحد، أين عائلتي الكنسية التي كنت أثق بها وأؤمن بها؟! لا أدري أين ذهبوا.

لقد جُرحت جرحًا غائرًا من هذا التهميش والأنانية لذلك توقفت عن الذهاب إلى الكنيسة، غريب أمر هؤلاء الناس، لقد صادفت بعض النساء اللواتي كنّ يحضرن معي في الكنيسة في أحد المتاجر ورأينني وجهاً لوجه ولكنهن تظاهرن بعدم رؤيتي وتجاهلنني! لقد أثّر هذا الموقف فيّ كثيراً، بل حتى أثّر في ابنتي التي لا تبلغ من العمر سوى سبع سنوات.

لماذا كل هذا التجافي؟! لقد سخرت وقتي ونفسي لخدمة الكنيسة ومرتاديها، بل لقد نذرت أن أربّي ابنتي وأنشأها على تعاليم الكتاب المقدس، لكن لم أعد أشعر إلا أن الكنيسة ومن فيها ليسوا سوى منافقين وكذابين، في أي مكان في الكتاب المقدس يأمرهم دينهم بأن يلووا ظهورهم إلى إخوانهم في ساعة الشدة؟! أيأمرهم دينهم بكل هذا الجفاء؟!! ما الذي اقترفته حتى يعاملوني بهذا الشكل؟!.

الآن بعد كل هذا توقفت عن التدين والصلاة والذهاب إلى الكنيسة، حتى علاقتي مع زوجي تغيرت، نعم، ما زلنا مع بعض ولكن لم يعد أيٌ منّا يأبه بالآخر، لم يعد بقاؤنا معاً إلا من أجل ابنتنا، لكم أن تتصوروا أننا لا نتكلم إلا في النادر، وإذا تكلمنا فإن كلماتنا معدودة.

لقد تعرفتُ على رجل مسلم يعمل في نفس المكان الذي أعمل فيه، إنه رجل طيب ومحترم، فكرت بأن أتزوجه، لقد دفعني خلقه للتعرف على الإسلام عن كثب، إني لا أريد أن أعود إلى الحياة التي كنت عليها قبل أن أعتنق المسيحية، ولا أريد أن أمارس المسيحية، لكن في الوقت ذاته لا أريد أن أغضب الرب منّي، لذلك هذا ما دفعني للبحث عن الإسلام، وليس فقط مجرد الخلق الرفيع الذي لاقيته من هذا الرجل المسلم.

لقد بدأت أفكر بالإسلام كدين بديل، كدين يعوضني عما ينقصني في هذه الحياة، كدين يملأ عليّ حياتي ويشعرني بالسعادة، أيمكن أن يكون الإسلام هو الدين الحق؟ كل هذه أفكار جعلتني أتساءل: هل في الإسلام مكان لي؟ هل يقبلني الإسلام أن أدخل فيه وأنا من أصول أمريكية ( فنزولية )؟ هل يقبلني الإسلام ولدي طفلة من علاقة محرمة؟ هل يقبلني الإسلام وأنا مسيحية؟ وهل صحيح أن امرأة مثلي يمكن أن تفسد على الرجل المسلم دينه ما لو تزوجنا؟ وهل صحيح أنه لا يمكنني أن أتزوجه حتى وإن طلقني زوجي الحالي؟ صدقوني ليست رغبتي في الزواج من هذا الرجل هي التي جعلتني أتساءل وأسال كل هذه الأسئلة بل هي الرغبة الصادقة في معرفة الحق، فأرجو منكم النصح، ولكم مني التحية.

 

الجواب:

الحمد لله

  1. لعلنا نستطيع الجزم أن الله تعالى قد أراد بك خيرًا، فلولا ما فعله أولئك الأصحاب والأصدقاء معك لما حصل منك ذلك النفور منهم والإقبال علينا مراسلة وطلباً للنصح، وقد استطعتِ بحسن تصرفك ورجاحة عقلك أن تعيدي التفكير فيما أنت عليه من اعتقاد، وهذا أول سلوك الطريق الصحيح نحو رضا الله تعالى والفوز بثوابه.

وإن الذين يهديهم الله تعالى إلى الطريق الصحيح ويخرجهم من الظلمات إلى النور إنما يكون ذلك بأسباب يقدِّرها الله تعالى، وهي تختلف باختلاف الناس وبلدانهم، ولذا فإننا نرى أن ما حصل من أولئك تجاهك هو ما لعله أن يكون بسببه هدايتك، وانتقالك إلى طريق النور والسعادة الدنيوية والأخروية.

  1. وإن لمن المناسب أن تتفكري الآن في الدِّين الذي أنت عليه وتدافعين عنه هل هو الدين الذي ارتضاه الله تعالى لخلقه؟ وهل كانت السعادة التي قلتِ إنك كنت تعيشينها هي فعلاً سعادة حقيقية؟ وهل نظرتك للإسلام كانت صائبة ؟ ولعله قد آن الأوان لتسألي نفسك: كيف صار المسيح المعبود ناسوتُا في بطن امرأة مخلوقة ؟ وهل والدة هذا المعبود – مريم العذراء – خالقة أم مخلوقة ؟ ومن الذي صُلب على الصليب في ضوء الاعتقاد أن اللاهوت لم يفارق الناسوت فهل صُلب معه أم تخلى عنه وقت الصلب؟ وهل عجز الرب الإله عن إيجاد طريقة لمغفرة ذنوب الخلق غير الطريقة البشعة التي قُتل فيها ابنه الوحيد؟.

وهذا أوان التفكير في الوثنية التي أدخلها ” بولس ” على هذا الدين فابتدع القول بأن المسيح خُلِق من اللاهوت! بعد أن كانت كلمة النصارى متفقة على أنه مخلوق مربوب عبدُ لله عزَّ وجل، فمن هو المسيح عند النصارى؟ هل هو الرب أو ابن الرب أو ثالث ثلاثة؟! فهذا أوان التفكير في عقيدة التثليث المخالفة للفطرة والعقل والشرائع كلها، وهذا أوان التفكير في التناقض بالموقف تجاه الصليب فبدلًا من حرق كل صليب وإهانته لأنه على مثله صُلب الرب أو ابن الرب – والعياذ بالله – كما يزعم النصارى – رأينا تعظيمه وتقديسه وعبادته منهم!، وهذا أوان التفكير في اختلاف نسخ الإنجيل اختلافًا مُحرجًا لا مخرج منه إلا الاعتراف بأن أيدي العابثين لعبت به تحريفاً للفظه ومعناه.

واقرئي معنا قصة القسيس السابق والمسلم حاليًّا ” يوسف استيس ” فإذا كان هذا هو حال القساوسة في الكنائس فكيف يكون حال العوام من النصارى، يقول يوسف استيس متحدثًا عن قصة إسلامه:

” أما أنا فكانت هناك أمور في الكتاب المقدس لم أصدقها لأني كنت أرى التناقضات الكثيرة فيه، فمن تلك الأمور أني كنت أسأل نفسي وغيري: كيف يكون الإله واحدًا وثلاثة في نفس الوقت؟!، وقد سألت القسس المشهورين عالميًّا عن ذلك وأجابوني بأجوبة سخيفة جدًّا لا يمكن للعاقل أن يصدقها، وقلت لهم: كيف يمكنني أن أكون داعية للنصرانية وأعلّم الناس أن الإله شخص واحد وثلاثة أشخاص في نفس الوقت، وأنا غير مقتنع بذلك فكيف أقنع غيري به؟.

بعضهم قال لي: لا تبيّن هذا الأمر ولا توضحه، قل للناس: هذا أمر غامض ويجب الإيمان به، وبعضهم قال لي: يمكنك أن توضحه بأنه مثل التفاحة تحتوي على قشرة من الخارج ولب من الداخل وكذلك النوى في داخلها، فقلت لهم: لا يمكن أن يضرب هذا مثلاً للإله، التفاحة فيها أكثر من حبة نوى فستتعدد الآلهة بذلك ويمكن أن يكون فيها دود فتتعدد الآلهة، وقد تكون نتنة وأنا لا أريد إلهًا نتنًا.

وبعضهم قال: مثل البيضة فيها قشر وصفار وبياض، فقلت: لا يصح أن يكون هذا مثلاً للإله فالبيضة قد يكون فها أكثر من صفار فتتعدد الآلهة، وقد تكون نتنة، وأنا لا أريد أن أعبد إلهًا نتنًا.

وبعضهم قال: مثل رجل وامرأة وابن لهما، فقلت له: قد تحمل المرأة وتتعدد الآلهة، وقد يحصل طلاق فتتفرق الآلهة وقد يموت أحدها، وأنا لا أريد إلهًا هكذا.

وأنا منذ أن كنت نصرانيًّا وواعظًا وداعية للنصرانية لم أستطع أن اقتنع بمسألة التثليث ولم أجد من يمكنه إقناع الإنسان العاقل بها. انتهى.

وقد أسلم هو وزوجته ووالده بفضل الله تعالى، فلم ير في الإسلام تناقضاً، ولم يرَ شركاً، ولم يرَ نسخة أخرى للقرآن بين أيدي المسلمين جميعًا، فكان هذا هو سبب إسلامه وإسلام أسرته، وقد أنقذها الله تعالى به من الكفر والعذاب، وأدخلهم به جنة الدنيا، ونرجو لهم جميعًا دخول جنة الآخرة.

إن تلك التساؤلات التي ذكرناها لكِ – وغيرها كثير – كانت سبباً لتفكير الآلاف من أتباع الدين النصراني، وقد هدى الله تعالى كثيرًا من العقلاء الذين وقفوا مع أنفسهم وقفة تأمل، ووجدوا أن ما هم عليه ليس هو الدين الذي يوحِّد الخالق ويصرف العبادة له وحده لا شريك له وينزهه عن الزوجة والولد والشريك، ووجدوا أن الإسلام هو الدين الذي ختم الله تعالى به الأديان، وأرسل به رسوله محمَّداً صلى الله عليه وسلم إلى العالَمين ليكون لهم نذيرًا وبشيرًا.

فهل تتخيلين الآن الأمر؟ إن النبي صلى الله عليه وسلم مبعوث لكِ لكي يدلك على الطريق الموصل إلى الرب الإله الواحد الأحد، إن مبعوث لكِ لكي يأمرك باتباع شريعة الإسلام لكي تسعدي دنيا وأخرى، وأما باقي الأنبياء فكل واحدٍ منهم بُعث إلى قومه خاصة، وانتهت رسالتهم كلهم ببعثة النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يقبل الله تعالى ديناً من أحد إلا دين الإسلام، وتأملي قول الله تعالى ( إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ) آل عمران/ 19، وقوله تعالى ( وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) آل عمران/ 85.

إننا من خلال رسالتك قد علمنا الحزن الذي أصابك بوفاة والدك، والحزن الذي تبعه بسبب موقف من كنت تخدمينهم في الكنيسة، ولكنك الآن ابنة يومك هذا، فاصنعي من تلك الأحزان – التي لها ما يبررها – فرحًا وسعادة تدخلينهما على حياتك بالتفكير بما قلناه لك، والذي نجزم أنك لن تتوقفي عند اختيار الإسلام ديناً لكِ، وإننا لنجزم أن حالك سيكون كحال الملايين قبلك والذي تغيرت حياتهم بمجرد أن نطقوا بالشهادتين، وإنك ستشعرين ساعتها بالسعادة الحقيقية وسيتبين لك أنك ما ذقتيها أصلاً قبل هذه اللحظة.

  1. إننا لا نشك لحظة أن الإسلام هو الذي سيخلصك من آلامك وأحزانك، وأنه الدِّين الذي يدخل عليك السعادة وانشراح القلب، ولو تأملتِ حال من أسلم كيف كان وكيف صار بعد الإسلام لما ترددتِ للحظة في النطق بالشهادتين، وهو ما أُرنا أن ندعو أهل الكتاب إليه، قال تعالى ( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ) آل عمران/ 64.
  2. ومن قال لكِ إنه ليس لك في الإسلام مكان؟ ومن قال إن كونك أمريكية سيؤثِّر في مكانك ومكانتك عند المسلمين؟ بل إذا دخلتِ في الإسلام سيكون لك منزلة عالية في قلوب المسلمين، وستكونين أختاً لملايين المسلمات في أقطار الأرض، وستكونين موضع ترحيب وتقدير من كل مسلم؛ لأنه بإسلامك تصيرين أختاً في الدين لكل المسلمين، ولا يعني هذا أنك ستختلطين بمجتمع ملائكي، لكن لن يسبق أحدٌ المسلمينَ في تعاملهم وسلوكهم، وكل خير عند غيرنا فعندنا أضعافه، وكل شرٍّ عندنا فعند غيرنا أضعافه، وقد تعرَّض المسلمون لكثير من الفتن لصدهم عن دينهم وتغيير سلوكهم، ولا ننكر أن أعداء الله قد نجحوا في ذلك في كثير منه، لكن مع ذلك يبقى للمسلمين التميز في أخلاق وسلوك لا يوجد في سائر الأديان والمذاهب.
  3. ووجود ابنة لك من زوج نصراني لا يمنع من قبولك مسلمة، بل أنت تنقذين بذلك نفسك وتنقذين ابنتك، وعقد الزواج الذي كان بينك وبين زوجك يعترف به الإسلام، ويقبل آثاره، وقد دخل كثيرون في الإسلام ولم يطلب منهم الإسلام تغيير عقودهم، ولا نفى عن الأسرة أولادها، وقد كانت عقودهم في النكاح في حال الجاهلية.
  4. وليس صحيحًا أنك تفسدين على الرجل المسلم دينه إذا تمَّ الزواج بينكما، فالإسلام يبيح زواج المسلم من نصرانية أصلًا، وهو أفضل لها لأنه قد تدخل الإسلام بسبب ذلك، فإذا صارت مسلمة كان ذلك أفضل وأحسن للزوج لأنه يجد من يعينه على دينه.
  5. ولا يستطيع المسلم التزوج بنصرانية وهي على ذمة زوج آخر ولو كان نصرانيّاً أو يهوديّاً حتى يحصل فراق بينهما بطلاق أو وفاة، وأما إذا أسلمت الزوجة وزوجها على غير الإسلام فإن عقد زواجها منه ينفسخ بمجرد إسلامها، وإذا انقضت حيضة أو وضعت حملها ولم يدخل في الإسلام فإنها تصبح حرَّة في التزوج بغيره، فإن كان لها ولي مسلم زوَّجها وإلا زوَّجها القاضي الشرعي أو من يقوم مقامه.
  6. وأخيرًا: نسأل الله أن يهدي قلبك للإسلام، وأن يريك الحق حقًّا ويرزقك اتباعه، ويريك الباطل باطلاً ويرزقك اجتنابه.

 

والله أعلم.

مَن صلَّى أول الليل في مسجد وآخره في آخر هل يحصل أجر قيام ليلة؟

مَن صلَّى أول الليل في مسجد وآخره في آخر هل يحصل أجر قيام ليلة؟

السؤال:

عندي دوام يبدأ الساعة التاسعة والنصف ليلًا، فأصلي التراويح في مسجد بالحي المجاور حيث ينتهي قبل بداية الدوام لكي أحصل على أجر قيام ليلة كما في الحديث، فهل أحصل على هذا الأجر عندما أصلي في العشر الأواخر في هذا المسجد القيام الأول ثم أصلي التهجد الأخير في مسجد الحي القريب مني أم لا بد أن يكون مع نفس الإمام أو نفس المسجد؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الصلاة في رمضان يُطلق عليها ” القيام ” و ” التراويح ” و ” التهجد “، وكلها أسماء لمسمَّى واحد، وبعض أهل العلم يرى أن ” التهجد ” لفظ يُطلق على الصلاة آخر الليل أو الصلاة التي يسبقها نوم، ولا يظهر أنه ثمة دليل على هذا، بل الظاهر أنها أسماء لمسمى واحد، وإن كان في الاستعمال يطلق ” التراويح ” على صلاة أول الليل – في رمضان خاصة -، ويُطلق ” التهجد ” على صلاة آخر الليل، ولفظ ” القيام ” يجمع بينهما.

 

ثانيًا:

وتقسيم صلاة الليل في العشر الأواخر على فترتين أول الليل وآخره: لا حرج فيه، والصلاة فيها على وجهين:

الأول: أن تُختم الصلاة الأولى بصلاة الوتر، فهنا تكون الصلاة كاملة – ولو تعاقب مجموعة من الأئمة على الصلاة نفسها -، ومن أوتر فيها: كُتب له قيام ليلة كاملة، ولا يهم ما يكون بعدها في المسجد من صلوات أخرى، والصحيح: أنه يجوز الرجوع لمن شاء ليصلِّي ما يشاء، وهو الذي يسمَّى ” صلاة التعقيب ” خلافاً لمن كرهه.

* قال ابن قدامة – رحمه الله -:

فأما التعقيب وهو أن يصلِّي بعد التراويح نافلة أخرى جماعة أو يصلِّي التراويح في جماعة أخرى : فعن أحمد أنه لا بأس به؛ لأن أنس بن مالك قال: ” ما يرجعون إلا لخير يرجونه أو لشرٍّ يحذرونه “، وكان لا يرى به بأسًا، ونقل محمد بن الحكم عنه الكراهة، إلا أنه قولٌ قديمٌ والعمل على ما رواه الجماعة، وقال أبو بكر: الصلاة إلى نصف الليل أو إلى آخره لم تكره رواية واحدة وإنما الخلاف فيما إذا رجعوا قبل النوم.

والصحيح: أنه لا يكره؛ لأنه خير وطاعة فلمْ يكره كما لو أخره إلى آخر الليل.

” المغني ” ( 1 / 837 ).

الثاني: أن تقسَّم صلاة التراويح – القيام -ي المسجد الواحد على قسمين فيصلَّى أول الليل جزء منها ويؤخر الجزء الآخر بوتره إلى آخر الليل – ويسمِّي بعضهم الجزء الآخر بـ ” التهجد ” -، فهنا تكون الصلاة واحدة، ومن رام تحصيل أجر قيام ليلة: فلا يسعه إلا الصلاة في المسجد نفسه أول الليل وآخره حتى يوتَر في الصلاة، واختلاف الأئمة على الإمامة غير مؤثر.

* قال الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله -:

صلاة التهجد في آخر الليل في العشر الأواخر من رمضان ليست أمر مستجدّاً، بل كان الرسول صلى الله عليه وسلم في العشر الأواخر من رمضان يجمع الناس على إمام واحد، فعله النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه في رمضان، ويستوي في ذلك ما كان أول الليل أو آخره، كل ذلك يدخل في صلاة التراويح المشروع أداؤها جماعة، غاية ما يقال: إنها قُسِّمت على فترتين طلباً لزيادة الأجر، وكلا الفترتين تراويح، أما تسمية العوام للفترة الأولى بالتراويح والفترة الثانية بالقيام : فهي تسمية ليس فيها حجة. ” البيان لأخطاء بعض الكتاب ” ( ص 291 ).

وليست هذه صلاة التعقيب سابقة الذِّكر؛ لأن صلاة التعقيب ما كانت بعد الوتر، وأما هذه: فوترها مؤخَّر إلى آخرها، فهي صلاة واحدة لكن يطول الفصل بين جزئيها.

والخلاصة:

إن أوترتَ مع إمامك في التراويح كُتب لك قيام ليلة، ولك أن تصلي ما تشاء بعده في آخر الليل من غير وتر آخر، وإن كان المسجد لا يوتر أول الليل – كما هو حال الحرمين – بل يوتر في آخر الليل: فالظاهر أنه لا بدَّ من الصلاتين – في أول الليل وآخره – حتى يُكتب لك قيام ليلة، وصلاة إحداهما لا تكفي لتحصيل ذلك الأجر، وكذا يقال في تغيير المسجد: فمن صلَّى جزء من القيام في مسجد وصلَّى جزء آخر في مسجد آخر: لم يُكتب له قيام ليلة حتى لو كانت الصلاة جميعها في أول الليل أو آخره، فكيف إذا كان بعض الصلاة في أولها في مسجد وبعضها الآخر آخر الليل في مسجد آخر؟! فهذا أولى بعدم تحصيل أجر قيام ليلة.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

مَن قام مع الإمام حتى ينصرف في التراويح وإن لم يصلِّ معه العشاء: يُكتب له قيام تلك الليلة، فإن كان هناك تهجد: فلا بدَّ أن يكون معه في التهجد أيضاً، وإذا ختم التراويح بالوتر فقد انتهى. ” الفتاوى الثلاثية ” ( ص 56 ) – ترقيم الشاملة -.

 

 

* وقال – رحمه الله – أيضًا -:

لو كان قيام الإمام مقدار ساعة فقط من ليلٍ طوله اثني عشرة ساعة : كُتب للإنسان قيام ليلة كاملة، ولهذا ينبغي لنا أن نحرص إذا قمنا مع إمام ألا نفارقه حتى ينصرف، خلافاً لبعض العامة، مساكين، يضيعون أوقاتهم ولياليهم بغير فائدة، يصلُّون مع هذا تسليمة أو تسليمتين، ثم يذهبون إلى مسجدٍ آخر يصلون معه كذلك، ثم مسجد ثالث، وهذا خطأ، إذا دخلت مع إمام في صلاة العشاء: اثبت حتى ينصرف من التراويح من أجل أن يُكتب لك قيام ليلة، وأنت نائم على فراشك، وأنت تلهو مع أهلك يكتب لك القيام، ولله الحمد.  ” اللقاء الشهري ” ( اللقاء رقم 33 ).

 

والله أعلم.

 

مقدار ما يقرأ الإمام في التراويح وحكم تخصيص سورة الإخلاص في الركعة الثانية

مقدار ما يقرأ الإمام في التراويح وحكم تخصيص سورة الإخلاص في الركعة الثانية

السؤال:

ما حكم الإصرار على قراءة ” سورة الإخلاص ” في الركعة الثانية في كل صلاة من التراويح؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أما صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في القيام فقد وصفتها عائشة رضي الله عنها في كلمتين اثنتين ” الطول والحُسن ” فقد قالت ” فلا تسل عن طولهن وحُسنهن” – متفق عليه -، وأما هدي أصحابه رضي الله عنهم ومن تبعهم بإحسان فقريب منه، وقد سمِّيت صلاة القيام بـ ” التراويح ” لأنهم كانوا يرتاحون بعد كل أربع ركعات من شدة تعبهم في القيام ، وإننا لنعجب ممن يتعب في صلاة القيام في هذه الأيام لا من طول القيام والركوع والسجود بل من سرعة الهبوط والنزول في صلاته!.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

كثير من إخواننا أئمة المساجد يسرعون في التراويح في الركوع والسجود إسراعًا عظيمًا، يخل بالصلاة ويشق على الضعفاء من المأمومين، وربما أسرع بعضهم إسراعاً يخل بالطمأنينة التي هي ركن من أركان الصلاة، ولا صلاة بلا طمأنينة، وإذا لم يخل بالطمأنينة فإنه يخل بمتابعة المأمومين إذ لا يمكنهم المتابعة التامة مع هذه السرعة، وقد قال أهل العلم رحمهم الله: ” إنه يكره للإمام أن يسرع سرعة تمنع المأمومين فعل ما يسن “، فكيف وهي قد تمنعه فعل ما يجب؟!.

فنصيحتي لهؤلاء الأئمة: أن يتقوا الله تعالى في أنفسهم وفيمن خلفهم من المسلمين، وأن يؤدوا تراويحهم بطمأنينة، وأن يعلموا أنهم في صلاتهم بين يدي مولاهم يتقربون إليه بتلاوة كلامه وتكبيره وتعظيمه والثناء عليه ودعائه بما يحبون من خيري الدنيا والآخرة، وهم على خير إذا زاد الوقت عليهم ربع ساعة أو نحوها، والأمر يسير، ولله الحمد. ” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 19 / 19 ).

وليُعلم أن التزام بعض الأئمة لقراءة سورة الإخلاص في الركعة الثانية ليس حبًّا لها كفعل ذاك الصحابي الجليل الذي كان يقرؤها دوما في الركعة الثانية من صلاة الفرض بل إنهم يقرؤونها في الركعة الثانية للدلالة على أنه في هذه الركعة؛ وذلك بسبب سرعته في الصلاة، فهو لا يعلم هل هي الركعة الأولى أم الثانية! فاخترعوا هذه الطريقة ليُعلموا أنفسهم أي ركعة هي هذه التي وصلوا لها، والله المستعان.

وكل من يعلم سبب تخصيص سورة الإخلاص في الركعة الثانية ويعلم معه هدي النبي صلى الله عليه وسلم في القيام ليجزم بمخالفة أولئك الأئمة للهدي النبوي، ويجزم بعدم جواز فعلهم ذاك، وأن عليهم أن يقرؤوا ما تيسر من القرآن بطمأنينة وتؤدة، وأن لا يسابقوا بعضهم بعضًا بالقراءة أيهم أنهاها أولًا، وأن لا يجعلوا من قراءتهم مجالًا للسخرية بكتاب الله من حيث قراءة ما لم يكتمل من المعنى أو من السرعة التي جعلت من صلاتهم مجالاً للسخرية بكتاب الله وبالصلاة.

ومراعاة أحوال الناس ومراعاة الليالي القصيرة أمر تفطن له علماء هذه الأمة وأوصوا الأئمة بمراعاته.

* قال ابن قدامة – رحمه الله -:

قال أحمد رحمه الله: يقرأ بالقوم في شهر رمضان ما يخف على الناس ولا يشق عليهم ولا سيما في الليالي، والأمر على ما يحتمله الناس.

وقال القاضي: لا يستحب النقصان عن ختمة في الشهر ليسمع الناس جميع القرآن ولا يزيد على ختمة كراهية المشقة على من خلفه.

والتقدير بحال الناس أولى؛ فإنه لو اتفق جماعة يرضون بالتطويل ويختارونه كان أفضل، كما روى أبو ذر قال: ” قمنا مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح – يعني: السحور – “، وقد كان السلف يطيلون الصلاة حتى قال بعضهم: كانوا إذا انصرفوا يستعجلون خدمهم بالطعام مخافة طلوع الفجر وكان القارئ يقرأ بالمائتين. ” المغني ” ( 1 / 833 ).

لكن هذا التخفيف ومراعاة أحوال الناس لا يعني قراءة آية في الركعة! ولا آيات غير مكتملات المعنى، بل هو أقرب إلى العبث.

قال ميمون بن مهران رحمه الله: أدركت القارئ إذا قرأ خمسين آية قالوا : إنه ليخفف، وأدركت القرَّاء في رمضان يقرءون القصة كلها قصرت أو طالت، فأما اليوم فإني أقشعر من قراءة أحدهم، يقرأ: ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ) البقرة/ 11، ثم يقرأ في الركعة الأخرى: ( غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ ) الفاتحة/ 7، ( أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ ) البقرة/ 12. ” مختصر قيام الليل ” لمحمد بن نصر المروزي ( ص 224 ).

وإذا جاءت السور ذوات الآيات قليلة الكلمات فإن الأصل في الإمام أن يزيد في قراءته لا أن يبقي القدْر على ما هو عليه، وعلى الأقل حتى يكتمل المعنى عند السامع.

عن عبد الرحمن بن القاسم رحمه الله قال: سئل مالك عن قيام رمضان، بكم يقرأ القارئ؟ قال: بعشر عشر، فإذا جاءت السور الخفيفة فليزدد، مثل ” الصافات “، و ” طسم “، فقيل له: خمس؟ قال: بل عشر آيات.

” مختصر قيام الليل ” للمروزي ( ص 224 ).

* قال علماء اللجنة الدائمة:

وعلى ذلك: فالمشروع للإمام في صلاة التراويح أن يطيل القراءة إطالة لا تشق على المأمومين وإلا فليقرأ جملة آيات في ركعة، أما أن يقتصر في كل ركعة على قراءة آية أو آيتين: فالأفضل تركه؛ لأن فيه تفويت سماع الكثير من القرآن على المأمومين وحرمانًا لهم من الأجر والثواب، وعلى أئمة المساجد أن يتقوا الله في صلاتهم، وأن يكونوا ناصحين لإخوانهم المأمومين، مرغِّبين لهم في الصلاة، مجتهدين في إيصال الخير إليهم. الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” المجموعة الثانية ( 6 / 86 ).

ولذلك فإن على الأئمة أن يتقوا الله في قراءتهم في التراويح، وأن لا يتخذوا آيات الله هزوا بقراءة آيات لا يكتمل معناها – مع سرعة في الصلاة -، وكذا أن لا يخصوا الركعة الثانية بقراءة سورة الإخلاص.

* سئل علماء اللجنة الدائمة:

هناك بعض أئمة المساجد يقرءون في صلاة التراويح بعد الفاتحة من طوال السور أو أوسطها في الركعة الأولى وفي الركعة الثانية يقرءون بعد الفاتحة سورة الإخلاص ويفعلون هذا باستمرار فهل هذا الفعل جائز مع أن بعد كل أربع ركعات يقولون دعاء جماعيًّا مثل قولهم ” اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا ” فما رأي سماحتكم على هذا الفعل؟.

فأجابوا:

الأفضل في صلاة التراويح أن يبدأ القرآن من أوله ويستمر حتى يختمه في آخر الشهر كما كان الصحابة رضي الله عنهم يفعلون ذلك، وإن اقتصر على قراءة بعض القرآن: جاز ذلك، لكن لا يخصص سوراً معينة لا يقرأ إلا بها، ولا يجوز الدعاء الجماعي بعد كل أربع ركعات؛ لأن هذا بدعة حيث لا دليل عليه من الكتاب والسنة. الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” المجموعة الثانية ( 6 / 84 ، 85 ).

* وسئل الشيخ عمر سليمان الأشقر – حفظه الله -:

ما حكم الاستمرار على قراءة سورة الإخلاص في الركعة الثانية من صلاة التراويح؟.

فأجاب:

الاستمرار عليها ليس من هدي الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا من هدي الصحابة.  ” أسئلة حول رمضان “.

http://audio.islamweb.net/audio/index.php?page=FullContent&audioid=175728

 

والله أعلم.

 

 

 

 

 

متزوج من ثلاث نساء وأهله يحتاجون وجوده بينهم وهو ينوي اعتكاف رمضان كاملًا!

متزوج من ثلاث نساء وأهله يحتاجون وجوده بينهم وهو ينوي اعتكاف رمضان كاملًا!

السؤال:

زوجي ينوي الاعتكاف طوال شهر رمضان، ونحن بحاجته إذ إنه متزوج من ثلاث نساء إحداهن بالشهر التاسع من الحمل وليست من نفس المنطقة التي يعيش فيها، ولديه عدة أطفال، ولا نريده أن يذهب من أول الشهر.

– فهل يحق له الذهاب بدون رضانا مع حاجتنا إلى وجوده معنا؟.

 

الجواب:

الحمد لله

الاعتكاف عبادة عظيمة ينقطع فيها العبد عن مشاغل الدنيا ليراجع نفسه، ويعبد ربه، وما كان لا يستطيع فعله قبل ذلك فإنه يتفرغ له الآن، وما كان مقصِّرًا فيه قبل ذلك فإن له وقته الذي يستحقه، ولا خلاف بين العلماء أنه سنَّة، وقد نقل الحافظ ابن حجر في ” فتح الباري ” ( 4 / 272 ) عن الإمام أحمد قوله ” لا أعلم عن أحد من العلماء خلافًا أنه مسنون “.

ولكن هذه العبادة لا يجوز أن يكون معها تقصير في واجب شرعي، كالقيام على الأهل، وكتمريض زوجة، أو رعاية والد أو والدة، إذا كان ذلك متعين على العبد ولا يقوم مقامه أحد، وإذا كان يمكن أن يقوم على والديه بعض أشقائه وشقيقاته فإنه لا يقوم على تربية أولاده غيره، ولا يقوم على العناية بزوجاته سواه.

ومن هنا: فإنه بحسب ما ذُكر في السؤال فإننا لا نرى جواز اعتكاف الزوج  كاملًا بل ولا أقل من شهر؛ لوقوعه في التفريط بسبب ذلك بواجبات شرعية أوجبها ربه تعالى عليه.

ونرى أنه يمكن أن يجمع بين الأمرين فيقوم على العناية بأهل بيته ويرمن لهم طلباتهم، ثم يعتكف أيامًا يسيرة، ثم يرجع للبيت ليقوم بما أوجبه الله عليه، ثم يرجع ليعتكف من جديد، وهكذا لا يقع في مخالفة شرعية ولا يتوجه له اللوم من أحد.

* سئل الشيخ عبد الله بن جبرين – رحمه الله -:

ما أكثر الاعتكاف وما أقله؟.

فأجاب:

لا حد لأكثره، إلا أنه يكره إطالته إذا حصل إضاعة العبد لأهله وانشغاله عنهم، فقد ورد في الحديث ( كفى بالمرء إثما أن يضيِّع من يعول ) فمن أطاله كثيرًا: فإنه يلزم منه ترك طلب المعاش، وتكليف غيره بالإنفاق عليه، وحصول المشقة بإحضار طعامه وشرابه إليه في المسجد ونحو ذلك من الأغراض.

رسالة ” حوار في الاعتكاف ” السؤال رقم ( 2 ).

* وسئل – رحمه الله -:

إذا أراد الاعتكاف ولكنه هو ولي بيته ولا يوجد غيره: فأيهما أفضل: ولايته على أهل بيته أم الاعتكاف في المسجد في العشر الأواخر من رمضان؟.

فأجاب:

نختار قيامه بواجب أهله وقضاء حوائجهم وإقامته معهم كمحرم ومؤنس يحميهم ويحفظ عليهم منزلهم وأنفسهم أو يكتسب لهم ما يقوتهم؛ فإن باعتكافه وتركهم بلا ولي يتعرضون للصوص والمفسدين، أو تتعطل حوائجهم، أو يتكلفون في إحضار أغراضهم من الأسواق، أو يكلِّفون غيرَهم بشراء ما هم بحاجته وفي ذلك منَّة عليهم قد لا يتحملونها، وقد روى مسلم عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت ) فيدخل فيه: عدم الإنفاق عليهم، وإهمالهم بلا كسب مع القدرة، فإن وجد من يتولى حوائجهم من أقاربه ويحفظهم ويحفظ لهم ما يتطلبونه: جاز الاعتكاف، بل هو مستحب؛ لعدم ما يشغله عنه. رسالة ” حوار في الاعتكاف ” السؤال رقم ( 11 ).

 

ويمكن الاطلاع عليها كاملة هنا:

http://ibn-jebreen.com/book.php?cat=3&book=10&toc=328

 

وقد سبق منَّا التنبيه على خطأ ما يفعله من ينشغل عن أهله والقيام بشئونهم بحجة الانشغال بالدعوة أو التعليم، وأن ذلك ليس بعذرٍ لهم في تفريطهم بما أوجب عليهم.

 

والله أعلم.

ما هي صفات المهدي المميِّزة له عن غيره؟

ما هي صفات المهدي المميِّزة له عن غيره؟

السؤال:

قد لا يخفى عليكم أن من علامات الساعة الكبرى ظهور المهدي المنتظر، فما هي صفاته المميزة غير أن اسمه يطابق اسم النبي عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم وأنه من أبناء فاطمة رضي الله عنها؟ً.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

ننبه الأخ السائل إلى أن خروج ” المهدي ” ليس من علامات الساعة الكبرى، بل يقع نهاية علامات الصغرى، فهو علامة ” وسطى ” بين الصغرى والكبرى.

ثانيًا:

وننبه الأخ السائل أيضاً إلى أن إطلاق لفظ ” المنتظر ” على المهدي خلاف الأولى؛ فأهل السنَّة لا ينتظرون المهدي وإنما يفعل ذلك الرافضة، وأهل السنَّة لا يدعون الله تعالى بأن يُخرج المهدي، فمصطلح ” المهدي المنتظر ” لا نرى جواز استعماله وإن استعمله أفاضل من العلماء قديمًا وحديثًا، ودعاء الله بأن يخرج المهدي لا يُعرف عن أحد من أهل السنَّة.

والمهدي عند أهل السنَّة ليس هو المهدي عند الرافضة، ولكننا ننبه إلى عدم مشابهتهم في اعتقادهم وأقوالهم.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

وأما الرافضة الإمامية فلهم قول رابع وهو: أن المهدي هو محمد بن الحسن العسكري المنتظر من ولد الحسين بن علي لا من ولد الحسن، الحاضر في الأمصار الغائب عن الأبصار، الذي يورث العصا ويختم الفضا، دخل سرداب سامراء طفلًا صغيرًا مِن أكثر من خمس مئة سنة – توفي ابن القيم عام 751 هـ – فلم تره بعد ذلك عين ولم يحس فيه بخبر ولا أثر .

وهم ينتظرونه كل يوم يقفون بالخيل على باب السرداب ويصيحون به أن يخرج إليهم أخرج يا مولانا اخرج يا مولانا، ثم يرجعون بالخيبة والحرمان فهذا دأبهم ودأبه.

ولقد أحسن من قال :

ما آن للسرداب أن يلد الذي كلمتموه بجهلكم ما آنا

فعلى عقولكم العفاء فإنكم ثلثتم العنقاء والغيلانا

ولقد أصبح هؤلاء عارًا على بني آدم وضحكة يسخر منها كل عاقل .

” المنار المنيف ” ( ص 152 ، 153 ).

* وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

أما كلمة ” المهدي المُنتظر “: فهذا هو مهدي الرافضة الذي يدَّعون أنه في سرداب في العراق، وأنه حي، وأنه ينتظر الفرَج، وأنه سوف يخرج، وجهَّالهم – كما نقل عنهم السفَّاريني رحمه الله – يخرجون في صباح كل يوم عند هذا السرداب ومعهم فرس ورمح وماء وعسل وخبز، كل يوم، يقولون: ننتظر خروجه في هذا الصباح من أجل أن يفطر بالخبز العسل والماء، ثم يركب الفرس برمحه ويخرج إلى الناس يقاتل الظلمة؛ لأن عندهم – أو كثير منهم – أن كل الناس ظالمون، حتى أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ظلمة في رأيهم، يقولون: إنهم ظَلموا عليَّ بن أبي طالب رضي الله عنه فأخذوا منه الخلافة واغتصبوها منه، فهم ظلمة وليسوا خلفاء، الخليفة المستحق للخلافة هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه ..

فإرداف كلمة ” المُنتظر ” بكلمة ” المهدي ” هذه مأخوذة عن الرافضة.

ونحن نقول: إن هذا المهدي – أعني: مهدي أهل السنَّة لا مهدي الرافضة – سوف يخرج إذا اقتضت حكمة الله تعالى ذلك بحيث تُملأ الأرض ظلمًا وجورًا.

والذي يقول: ” اللهم أخرجه “: فيه رائحة من الرفض؛ لأنه يعتقد الآن أن الأرض مملوءة ظلمًا وجورًا، والأرض الآن – والحمد لله – ليست مملوءة ظلمًا وجورًا، الأرض الآن فيها أناس يحكمون بالعدل، ويقضون بالحق، ويقيمون الشريعة بحسب المستطاع، سواء كانوا من أفراد الشعوب أو من حكام الشعوب، وهذا أمر يعرفه كل واحد، بل إن الناس اليوم ولا سيما الشعوب خير منهم بالأمس ….

السائل:

بعض المتقدمين من العلماء يطلق ” المُنتظر ” على ” المهدي “؟.

الشيخ: لا يصح هذا، نقول ” المهدي ” كما جاء في الحديث فقط، ولا نقول: ” المنتظر “. ” لقاء الباب المفتوح ” ( 53 / السؤال 3 ).

ثالثًا:

وأما صفات المهدي المتعلقة باسمه ونسبه وخَلْقه وخُلُقه ومدة بقائه وشيء من حاله: فقد جمعناها في جواب سابق، ونحن نذكرها هنا مع بعض الإضافات اليسيرة.

أ. أنه مِن ولد فاطمة ابنة النبي صلى اله عليه وسلم، ومِن ذرية الحسن بن علي رضي الله عنه، واسمه محمد بن عبد الله.

ب. أنه يخرج في آخر الزمان، مصاحبًا لنزول عيسى عليه السلام، ومقتل الدجال.

* قال الشيخ عبد المحسن العبَّاد – حفظه الله -:

فالمهدي عند أهل السنَّة لا يعدو كونه إمامًا من أئمة المسلمين الذين ينشرون العدل ويطبقون شريعة الإسلام، يولد في آخر الزمان ويتولى إمرة المسلمين، ويكون خروج الدجال ونزول عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام من السماء في زمانه.

” الرد على من كذب بالأحاديث الصحيحة الواردة في المهدي ” ( ص 8 ، 9 ).

ت. أنه يملأ الأرض قسطًا وعدلًا، كما ملأت جورًا وظلمًا.

ث. يمكث سبعًا، أو ثمانيًا من السنين؛ وتكثر الخيرات في زمنه.

ج. ينصر الله به الإسلامَ، والمسلمين، وتكون العزة في الأرض لأهل الإسلام.

ح. وَصَفَه النبي صلى الله عليه وسلم بأنه أَجْلَى الْجَبْهَةِ ( انحسار الشَّعر عن مقدّمة الجبهة )، أَقْنَى الأَنْفِ ( أي: أنفه طويل رقيق في وسطه حدب ).

خ . يعتصم بالبيت الحرام، ويغزوه جيشٌ يُخسف به بين مكة والمدينة.

د. وهو لا يدَّعي المهدية لنفسه, وإنما الناس يبايعونه لدلائل يرونها فيه.

عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

( يَكُونُ اخْتِلَافٌ عِنْدَ مَوْتِ خَلِيفَةٍ، فَيَخْرُجُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ هَارِبًا إِلَى مَكَّةَ، فَيَأْتِيهِ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ فَيُخْرِجُونَهُ وَهُوَ كَارِهٌ، فَيُبَايِعُونَهُ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ، وَيُبْعَثُ إِلَيْهِ بَعْثٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ فَيُخْسَفُ بِهِمْ بِالْبَيْدَاءِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، فَإِذَا رَأَى النَّاسُ ذَلِكَ أَتَاهُ أَبْدَالُ الشَّامِ، وَعَصَائِبُ أَهْلِ الْعِرَاقِ ، فَيُبَايِعُونَهُ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ … ) إلى آخر الحديث. رواه أبو داود ( 4286 ) وصححه ابن حبان في ” صحيحه ” ( 15 / 158)، وحسَّنه ابن القيم في ” المنار المنيف ” ( 145 ). والحديث ضعفه الألباني في ” السلسلة الضعيفة ” ( 1965 ).

* قال الشيخ حمود التويجري – رحمه الله -:

إن المهدي لا يطلب الأمر لنفسه ابتداء مدعيًّا أنه المهدي كما يفعل ذلك المدعون للمهدية كذبًا وزورًا، وإنما يأتيه ناس من أهل مكة فيخرجونه وهو كاره فيبايعونه، ثم يسميه الناس بعد ذلك بالمهدي؛ لما يرون من صلاحه وعدله وإزالته للجور والظلم. ” الاحتجاج بالأثر على من أنكر المهدي المنتظر! ” ( ص 302 ).

* قال الشيخ محمد بن إسماعيل – حفظه الله -:

فليس في الأحاديث الثابتة ما يدل على أن المهدي سوف يطالب الناس بالإقرار بمهديته، أو يمتحنهم على ذلك ويقهرهم فضلًا عن تكفيرهم واستباحة دمائهم، وليس التصديق بأن فلان هو المهدي من أركان الدين حتى يأثم من لم يصدق.   ” المهدي ” ( ص 575 ).

ذ. يصلي خلفه عيسى عليه السلام.

عن ابن سيرين قال: المهدي من هذه الأمة وهو الذي يؤم عيسى ابن مريم عليهما السلام. ” مصنف ابن أبي شيبة ” ( 15 / 198 ).

* قال ابن حجر – رحمه الله -:

وقال أبُو الْحَسَن الْخَسْعِيّ الْآبِدِيّ في ” مناقب الشافعي “: تواترت الأخبار بأن المهدي من هذه الأمة، وأن عيسى يصلي خلفه، ذكر ذلك ردًّا للحديث الذي أخرجه بن ماجه عن أنس وفيه: ( ولا مهدي إلا عيسى ).

” فتح الباري ” ( 6 / 493 ، 494 ).

فمن لم تتحقق فيه الصفات الثابتة بالسنَّة الصحيحة وادّعى أنه المهدي فهو من جملة الكذَّابين.

* قال علماء اللجنة الدائمة:

ولا يجوز لأحدٍ أن يجزم بأن فلان ابن فلان هو المهدي حتى تتوافر العلامات التي بيَّنها النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة وأهمها ما ذكرنا وهو كونه ( يملأ الأرض عدلًا وقسطًا ) الحديث.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 3 / 142 ).

 

والله أعلم.

ما حكم من يسرق مقالات وكتب وجهود غيره فينسبها لنفسه؟

ما حكم من يسرق مقالات وكتب وجهود غيره فينسبها لنفسه؟

السؤال:

هل يجب على من ينقل المقالات ومقاطع الفيديو أو المقاطع الصوتية من مواقع أخرى أن يذكر المصدر؟ وهل يحق لصاحب المقالة أو المقطع أن يستاء إذا رأى مقالته منشورة في مكان ما دون ذكر اسمه؟.

في الحقيقة: أنا واحد من الناشطين في مجال الدعوة بالكتابة والمقاطع الصوتية والمرئية، وقد وجدت في مرات عديدة أن بعض الإخوة والأخوات يأخذون هذه المواد وينشرونها دون أن يذكروا اسمي، بل إنهم أحيانًا يضيفون ويحذفون من محتوى هذه المواد دون إذن مني، ربما هم يفعلون ذلك بدافع الدعوة ونشر الخير ولكن ليس بهذا الأسلوب، ومما يدلل على حسن نواياهم أنهم لا يذكرون أسماءهم أيضاً وإلا لكانت الطامّة أشد.

لا أدري ما سبب هذه الفوضى، ولا أظن أنه من المناسب أن أسألهم، كما أني لا أعرف هؤلاء الإخوة والأخوات، ولكني في الحقيقة أشعر باستياء شديد حيال ذلك، لطالما حاولت إقناع نفسي أن هذا عمل خير ودعوة وأنه يجب عليَّ أن ابتغي الأجر من الله تعالى وأن أغض الطرف عن مثل تلك الأفعال، ولكن الكيل طفح هذا الصباح عندما رأيت مقالة هي من بُنيّات أفكاري منشورة دون أن يُذكر اسمي أو المصدر .

فأريد أن أعرف: ما حكم استيائي هذا؟ هل يقدح ذلك في إخلاصي؟ أنا في الحقيقة محتار، لا أدري إن كان استيائي هذا دافعه حب الظهور أم أنه شعور بعدم احترام الملكية الفكرية للآخرين، علمًا أنني لا أستخدم اسمي الحقيقي عند كتابة هذه المواد الدعوية لذلك فإن الناس لا يعرفون من هو كاتبها على وجه التحديد، بمعنى أن دافع حب الظهور قد يكون معدومًا.

أرجو منكم المساعدة، ماذا يجب عليَّ أن أفعل؟ أو بالأصح: ماذا يجب على هؤلاء الإخوة والأخوات أن يفعلوا؟ هل يجوز لهم نقل مثل هذه المواد دون أن يعزوها إلى أصحابها أو دون أن يذكروا المصدر؟ أرجو ذكر الدليل من الكتاب والسنة.

ربما يبدو أن الأمر يسير في نظر بعض الأشخاص ولكنه ليس كذلك بالنسبة لي، إنني أبكي في بعض الأحيان بسبب ذلك.

 

 

 

 

 

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نرجو أن تهوِّن على نفسك أخي السائل فالأمر لا يستحق البكاء، وما دمت تريد الفائدة للناس ورأيت جهودك تنتشر في المواقع والمنتديات فإن هذا ينبغي أن يدعوك للفرح لا للحزن.

ولعلَّ مما يسلِّيك في هذا الباب ما صحَّ عن الإمام الشافعي رحمه الله من قوله ” وددتُ أن الخلْق تعلموا منِّي هذا العلمِ على أن لا ينسب إليَّ حرف منه ” وإنما نُسب له العلم لأنه باشر التعليم بشخصه، والناس لا تأخذ العلم عن مجهول فلذا كتب اسمه على مصنفاته، وبما أنك لا تكتب باسمك الحقيقي فإنه يمكنك تحقيق أمنية الإمام الشافعي بما تصنعه من مواد دعوية وبما تنشره من مقاطع صوتية ومرئية.

ومن حقك أن تُنسب أعمالك وأقوالك لك، ولا يجوز لأولئك نشر تلك المواد دون إحالة على مصدرها الذي نقلوا عنه، ومن حقك مراسلة الموقع ومحاسبته على عدم الإحالة، لكننا في الوقت نفسه نرى أن عليك أن تفرح بأعمالك التي تلقى رواجاً في المواقع الإلكترونية ويستفيد منها القرَّاء، والتاريخ يبيِّن الحقائق ويميِّز الصادق من الكاذب؛ فأنت تعلم أنه لا يُنشر شيء في منتديات الإنترنت إلا بتاريخ، فمن نشر المواد التي قمت بصناعتها أو كتابتها فإنه يمكن تبيين حقيقة المصدر من خلال تاريخ النشر، فيتبين للناس الفارق بين المصنِّف والسارق.

وثمة اقتراح يمكن أن يكون نافعاً لك وهو أن تنشئ صفحة خاصة بك تجمع بها أعمالك ليسهل النقل عنها والإحالة عليها؛ فإن كثيرين قد لا يتبين لهم أن ما ينقلونه عنك هو من عمل يدك أنت، ولذا لا تراهم ينسبونه لك.

 

ثانيًا:

وأما بخصوص من ينسب أعمال غيره لنفسه ولا يحيل على مصدرها: فإنه قد وقع في محاذير كثيرة وينبغي أن يتنبه لنفسه ولا يستمر في هذه الطريق التي تحرمه من الأجور، ومن هذه المحاذير:

  1. منافاة لعمله للإخلاص.

والمسلم مأمور بالإخلاص في جميع طاعاته وعباداته، قال الله تعالى: ( وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ ) البينة/من الآية 5، وما يفعله مَن يسطو على جهود غيره لينشرها باسمه يتنافى عمله هذا مع الإخلاص؛ لأنه يريد الذِّكر والشهرة والتكثر بما ليس من فعله، ولو أراد وجه الله وثواب الآخرة لعلم أن الله تعالى لا يقبل عملاً يدَّعيه لنفسه وهو ليس له، ولكفَّ عن فعله هذا ونسب العمل لصاحبه، ولو فعل هذا فإنه يأخذ الأجر في التعليم والدلالة على الخير كاملًا غير منقوص، والله تعالى لا يقبل من الأعمال إلا طيِّبًا.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إِلا طَيِّبًا). رواه مسلم ( 1015 ).

2و3. الكذب في نسبة ما ليس له أنها له، والتشبع بما يُعط.

عَنْ أَسْمَاءَ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي ضَرَّةً، فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ إِنْ تَشَبَّعْتُ مِنْ زَوْجِي غَيْرَ الَّذِي يُعْطِينِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( الْمُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ ). رواه البخاري ( 4921 ) ومسلم ( 2130).

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

وأما حكم التثنية في قوله ( ثَوْبَيْ زُور ): فللإشارة إلى أن كذب المتحلِّي مثنَّى؛ لأنه كذب على نفسه بما لم يأخذ، وعلى غيره بما لم يُعطِ، وكذلك شاهد الزور، يظلم نفسه، ويظلم المشهود عليه. ” فتح الباري ” ( 9 / 318 ).

* وقال الشيخ محمد جمال الدين القاسمي – رحمه الله -:

لا خفاء أن مِن المدارك المهمة في باب التصنيف: عزوَ الفوائد والمسائل والنكت إلى أربابها تبرؤا من انتحال ما ليس له، وترفعاً عن أن يكون كلابس ثوبي زور، لهذا ترى جميع مسائل هذا الكتاب معزوة إلى أصحابها بحروفها وهذه قاعدتنا فيما جمعناه ونجمعه. ” قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث ” ( ص 40 ).

  1. السرقة.

* قال الأستاذ عصام هادي – وفقه الله -:

لما كثر اللغط حول ما يفعله بعض إخواننا من نقل لكلام دون أن يعزو ذلك إليهم: سألت شيخنا هل هذه سرقة أم لا؟.

فقال شيخنا: نعم هو سرقة، ولا يجوز شرعا؛ لأنه تشبّع بما لم يعط، وفيه تدليس وإيهام أن هذا الكلام أو التحقيق من كيس علمه.

فقلتُ: شيخنا بعضهم يحتج بما وقع فيه بعض العلماء السابقين؟.

فقال: هل يفخرون بذلك؟ لا ينبغي لطالب العلم أن يفخر بذلك، واعلم – يا أستاذ – أن المنقول هو أحد أمرين:

فمن نقل كلاماً لا يشك أحد رآه أنه ليس من كلامه كمثل ما أقوله أنا وغيري: ” إن فلانًا ضعيف أو ثقة “: فكل من يقرأ هذا يعلم أن هذا ليس كلامي، فهذا يُغتفر، أما ما فيه بحث وتحقيق فلا يجوز أيًّا كان فاعله.

” الألباني كما عرفته ” عصام موسى هادي ( ص 74 ، 75 ).

5و6. نزع البركة، وعدم شكر النعمة.

 

 

* قال النووي – رحمه الله – معلقًا على حديث ( الدِّين النَّصيحة ) -.

ومن النصيحة: أن تضاف الفائدة التي تُستغرب إلى قائلها، فمن فعل ذلك بورك له في علمه وحاله، ومن أوهم ذلك وأوهم فيما يأخذه من كلام غيره أنه له: فهو جدير أن لا ينتفع بعلمه، ولا يبارك له في حال، ولم يزل أهل العلم والفضل على إضافة الفوائد إلى قائلها، نسأل الله تعالى التوفيق لذلك دائمًا.

” بستان العارفين ” ( ص 4  ) – ترقيم الشاملة -.

* وقال السيوطي – رحمه الله -:

ومن بركة العلم وشكره: عزْوُه إلى قائله.

قال الحافظ أبو طاهر السِّلَفي: سمعت أبا الحسن الصيرفي يقول: سمعت أبا عبد اللّه الصوري يقول: قال لي عبد الغني بن سعيد: لما وصل كتابي إلى عبد الله الحاكم أجابني بالشكر عليه وذكر أنه أملاه على الناس وضمّن كتابه إليّ الاعترافَ بالفائدة وأنه لا يذكرها إلاّ عني.

وأن أبا العباس محمد بن يعقوب الأصم حدثهم قال: حدثنا العباس بن محمد الدوري قال: سمعت أبا عبيد يقول: منْ شكر العلم أن تستفيد الشيء فإذا ذكر لك قلت: خفي عليَّ كذا وكذا ولم يكن لي به علم حتى أفادني فلان فيه كذا وكذا فهذا شكر العلم. انتهى.

قلت – أي: السيوطي -: ولهذا لا تراني أذكر في شيء من تصانيفي حرفًا إلاّ معزوًّا إلى قائله من العلماء مبيِّنًا كتابه الذي ذكر فيه.

” المزهر في علوم اللغة ” ( 2 / 273 ).

 

ثالثًا:

وقد ذكر الأستاذ محمد رشيد رضا جنايات وذنوب كثيرة يتلبس بها من يسرق جهود غيره وينسبها لنفسه، وجعل هذه السرقة شرّاً من سرقة المال، حيث قال -رحمه الله -:

تكرر منا الانتقاد على الجرائد التي تنقل كلام غيرها ولا تعزوه إلى صاحبه، وقد يكون هذا من البعض عن عمد فيكون سرقة شرًّا من سرقة الأموال والعروض؛ لأن في سرقة دينار من رجل ذنبًا واحدًا، وفي سرقة الكلام عدة ذنوب:

أحدها: التعدي على حقوق الناس وانتحالها لنفسه، وهو المراد بتسميتها سرقة.

وثانيها: الخيانة في العلم، وهو لا ينجح إلا بالأمانة, وهي نسبة كل قول إلى قائله وكل رأي إلى صاحبه.

وثالثها: الكذب، وهو ظاهر.

ورابعها: التبجح والافتخار بالباطل، وقد ورد في الحديث الصحيح ( المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور ).

خامسها: الغش؛ فإن من الناس مَن إذا علم أن هذا القول لفلان يأخذ به ويقلده لأن التقليد مبني على الثقة, فإذا نسب القول إلى غير صاحبه يتركه من لو علم صاحبه لأخذ به وانتفع لثقته به دون من نسب إليه, ويأخذ به من يثق بالمنتحل على أنه له وما هو له.

سادسها: الجناية على التاريخ الذي يبين مراتب الناس وأقدارهم في العلم.

ولا شك أن المحدثين يعتبرون هؤلاء المنتحلين من الوضاعين الكاذبين حتى لا يثقون برواية لهم وكذلك يجب. ” مجلة المنار ” ( 3 / 569 ).

 

والخلاصة:

قد رأيت أخي السائل ما يجني به المنتحل لجهود غيره من جنايات ومساوئ وما يستحقه من صفات وأحكام، فالمرجو من الكتَّاب – في المواقع الإلكترونية وغيرها – أن يكفوا عن هذا العبث، وأن يصدقوا مع أنفسهم، وأن يلتزموا بالأمانة، فعسى الله أن يكتب لهم الأجور كاملة يوم القيامة إن هم فعلوا ذلك.

وأنت أخي السائل: قد رأيت ما قاله الإمام الشافعي رحمه الله، فلتتخذه قدوة لك، وخاصة أنك لا تكتب باسمك الصريح، فلا تلتفت لذِكر الناس وثنائهم، واجعل همَّك الحصول على رضا ربك عز وجل فهو خير لك.

 

والله أعلم.

 

ما حكم المشاركة في منتديات أهل البدع والكفر؟

ما حكم المشاركة في منتديات أهل البدع والكفر؟

السؤال:

ما حكم المشاركة في منتديات غير إسلامية مثل المسيحية؟.

 

الجواب:

الحمد لله

لا يجوز للمسلم المشاركة في منتديات أهل الكفر كاليهود والنصارى؛ وذلك للأسباب الآتية:

  1. هذه المنتديات يكثر فيها سب الله تعالى ودينه ورسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم، ولا يحل البقاء بين أظهر هؤلاء لا قراءة لمشاركاتهم، ولا سماعًا لكلامهم، وقد ورد الوعيد الشديد في حق من يكون جزء من مجلس سوء ومنكر يُكفر فيه بالله تعالى، ويُستهزأ بآياته، قال تعالى ( وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا ) النساء/140.
  2. ثبت النهي صراحة عن النظر في كتب أهل الكتاب، وأولى بالمنع النظر فيما يكتبه النصارى الجهلة الحاقدون على الإسلام وأهله وعلى النبي صلى الله عليه وسلم وشرعه.

عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكِتَابٍ أَصَابَهُ مِنْ بَعْضِ أَهْلِ الْكُتُبِ فَقَرَأَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَغَضِبَ فَقَالَ أَمُتَهَوِّكُونَ فِيهَا يَا ابْنَ الْخَطَّابِ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً لَا تَسْأَلُوهُمْ عَنْ شَيْءٍ فَيُخْبِرُوكُمْ بِحَقٍّ فَتُكَذِّبُوا بِهِ أَوْ بِبَاطِلٍ فَتُصَدِّقُوا بِهِ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا أَنْ يَتَّبِعَنِيِ. رواه أحمد ( 23 / 349) وحسَّنه الألباني في ” إرواء الغليل ” ( 6 / 34).

  1. في مشاركة المسلمين في تلك المنتديات النصرانية – وغيرها من أهل الكفر والإلحاد – تقوية لتلك المنتديات، وسبب لاستمرارها، ولو أنها تُركت من غير مشاركة أحدٍ من المسلمين لسرعان ما تعبوا من الصراخ وأغلقوا منتدياتهم.
  2. في المشاركة في منتدياتهم سبب للوقوع في الفتنة، والمسلم لا ينبغي له اقتحام مجالات الفتن ومعتركات الضلال والإلحاد، بل يجب عليه النأي بنفسه عنها والابتعاد عن الدخول في أماكنها ومشاركة أهلها قيلهم وقالهم، وكم من مسلم وقع في البدعة لكثرة نظره في كتب أهل البدعة، وكم من مسلم انحرف لإدمانه سماع قنوات التنصير والدخول في غرفهم في ” البال توك “.

لذا ولما سبق جميعه فإننا لا نشك أنه لا يحل لمسلم أن يشارك في منتديات النصارى، ولا غيرهم من أهل الكفر والبدع والضلال.

ويُستثنى من المنع: العلماء وطلبة العلم المتمكنون من دينهم والعارفون بضلال الأديان والمذاهب الفاسدة تلك.

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

والأولى في هذه المسألة: التفرقة بين من لم يتمكن ويَصِر من الراسخين في الإيمان فلا يجوز له النظر في شيء من ذلك، بخلاف الراسخ فيجوز له ولا سيما عند الاحتياج إلى الرد على المخالف، ويدل على ذلك: نقل الأئمة قديمًا وحديثًا من التوراة، وإلزامهم اليهود بالتصديق بمحمد صلى الله عليه وسلم بما يستخرجونه من كتابهم، ولولا اعتقادهم جواز النظر فيه: لما فعلوه وتواردوا عليه. ” فتح الباري ” (13 / 525 ، 526 ).

* وقال علماء اللجنة الدائمة:

لا تجوز مراسلة مراكز التبشير بالنصرانية، ولا حضور دروسها، ولا سماع أشرطتها، ولا المشاركة في المسابقات التي تنظمها وإن كانت مغرية؛ لما في ذلك من التعاون على الإثم والعدوان، لكن يجوز النظر في كتب اليهود والنصارى لمن عنده المقدرة على الرد على ما فيها من الباطل؛ إقامة للحجة وإزالة للشبهة.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ بكر أبو زيد . ” فتاوى اللجنة الدائمة ” المجموعة الثانية ( 1 / 444 ، 445 ).

ونوصي عموم إخواننا بالتزود بالعلم الشرعي، واستثمار الأوقات فيما ينفع، وأن يدعوا مناقشة النصارى والرافضة والصوفية لمن هم أهل لذلك، وقد يسَّر الله جنوداً للإسلام أوفياء – كما نحسبهم والله حسيبهم – يدافعون عن دين الله ويصدون هجمات الكفر والإلحاد، ويغزون أهل البدع والضلال في عقر دارهم، فينتظر منكم هؤلاء الدعم المادي والمعنوي لهم، وعدم تشتيت الجهود، وعدم التسبب في الطعن في الإسلام من قبَل أعدائه، ويحدث هذا عندما يرفع سيفه من لا يحسن حمله فضلًا عن القتال به.

 

والله أعلم.

 

ما حكم الجلوس في مجلس نساء يلبسن الضيِّق والقصير العاري من الثياب؟ً

ما حكم الجلوس في مجلس نساء يلبسن الضيِّق والقصير العاري من الثياب؟ً

السؤال:

بعد فتوى أحد المشايخ بجواز البنطال والبلوزة الواسعة  طار بها بعض الصالحين وتوسع فيها آخرون ولم تقف عند هذا الحد.

والآن أعاني في مسألة النصيحة في أن هذه الألبسة ضيقة وتحدد مفرق العورة ونجد أن الرد أنهن أمام نساء وقد أجازه العلماء.

ماذا أفعل خلال الزيارات هل أنكر أم لا خاصة أنني أجد هوى متبعًا وتمسكًا في الرأي وعدم القبول للنصيحة؟.

والسؤال: أنني أجد ضيقًا شديدًا في نفسي وأثره يظهر على ملامح وجهي ولا أستطيع أن أمكث كثيرًا في المجلس بل أصبحت أختصر كثيرًا في صلة الرحم بسبب لبس البنطلون الضيق والعاري والقصير خاصة أن لي بناتًا صغارًا أخشى أن يتأثرن بلبسهن، فهل هذا سوء تصرف مني؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لم يُصب من أفتى بلبس البنطال الضيق لا للرجال ولا للنساء؛ فالبنطال الضيق يصف العورة، وهو فتنة للناظرين وخاصة إذا كان الذي يلبسه امرأة.

واللباس الضيق والشفاف والقصير إنما يجوز للمرأة أن تلبسه أمام زوجها، وأمام أولادها غير المميزين، ولا يحل لها لبسه أمام نساء مثلها، ولا أمام محارمها – ومن باب أولى أنها يحرم عليها لبسه أمام الرجال الأجانب -.

وقد تساهلت كثير من الأخوات في لباسهن أمام بعضهن بعضًا، وخاصة في الأفراح والمناسبات، ولا نرى هذا تقليدًا لعالِم بل هو اتباع للهوى؛ لأنها تعلم أنه ليس مع أفتى بجواز لبس ذلك الضيق والقصير دليل من كتاب ولا من سنَّة ولا من قول عالِم معتبر.

وأما حدود ما يجوز أن تظهره المرأة أمام محارمها وأمام سائر النساء: فهو مواضع الوضوء أو مواضع وضع الزينة، ويحرم إبداء ما عدا ذلك.

ثانيًا:

والمجلس الذي فيه من تلبس الضيق أو القصير العاري: هو مجلس سوء، ويجب إنكار ذلك المنكر على فاعلته؛ تحقيقًا لحديث رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حيث قال: ( مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ ). رواه مسلم ( 49 ) من حديث أبي سَعِيد الخُدْري.

فإن لم تستطيعي تغيير المنكر بيدك لأنه لا سلطة لك على أولئك النساء، ولم يتغير المنكر بنصحك لهن بلسانك: فلم يبق إلا تغيير المنكر بالقلب، وهذا يقتضي مفارقة المكان وعدم الجلوس فيه إلا أن تكوني مكرهة على ذلك من زوج أو ليس ثمة مجال لمفارقة المكان.

* قال علماء اللجنة الدائمة:

جاء في هذا الحديث مراتب تغيير المنكر، وأنها ثلاث درجات: التغيير باليد للقادر عليه، كالحكام، والرجل مع ولده وزوجته، فإن لم يتمكن المكلف من التغيير باليد: فبلسانه، كالعلماء ومن في حكمهم، وإذا لم يتمكن من التغيير باللسان: فينتقل إلى التغيير بالقلب، والتغيير بالقلب يكون بكراهة فعل المنكر وكراهة المنكر نفسه، والتغيير بالقلب من عمل القلب، وعمل القلب إذا كان خالصًا صوابًا يثاب عليه الشخص، ومن تمام الإنكار بالقلب مغادرة المكان الذي فيه المنكر.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود . ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 12 / 333 ، 334 ).

واعلمي أنه إن كنتِ ترين أن مثل أولئك الأخوات يمكن لهن أن يتغيرن مع المدة ومع كثرة الحوار: فلا بأس من البقاء في تلك المجالس والصبر على رؤية المنكر من أجل تحقيق تلك الغاية النبيلة وهي هدايتهن، مع تقصير مدة البقاء بينهنَّ ما أمكن.

* قال علماء اللجنة الدائمة:

وإذا كانت المصلحة الشرعية في بقائه في الوسط الذي فشا فيه المنكر أرجح من المفسدة، ولم يخش على نفسه الفتنة: بقي بين من يرتكبون المنكر، مع إنكاره حسب درجته، وإلا هجرهم محافظة على دينه.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 12 / 335 ).

ويكون الأمر – حينئذٍ – قد انتقل من تغيير للمنكر إلى إنكار للمنكر، وهو أمر واجب ولو غلب على ظنك أنهن لا يستجبن إذ ليس عليك قبولهن للحق بل عليك البلاغ والبيان.

* قال النووي – رحمه الله -:

قال العلماء رضي الله عنهم: ولا يسقط عن المكلف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكونه لا يفيد في ظنه، بل يجب عليه فعله؛ فإن الذِّكرى تنفع المؤمنين، وقد قدمنا أن الذي عليه: الأمر والنهي لا القبول، وكما قال الله عز وجل ( مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ البَلاَغُ ). ” شرح مسلم ” ( 2 / 23 ).

واستعيني عليهن بربك تعالى بالدعاء أن يهديهن للحق، وتلطفي في الإنكار عليهن، وتسلحي بالحجج القوية والفتاوى العلمية لإيقافهن على خطأ فعلهن، فلعلَّ الله أن يصلحهن ويهديهن.

واحذري من اصطحاب بناتك لتلك المجالس، وإن اضطررت لذلك يومًا فلا بدَّ من إخبارهنَّ بمخالفة أولئك النساء للشرع بلباسهن وأنهن لسن قدوة حتى يُفعل كفعلهن.

 

والله أعلم.