الرئيسية بلوق الصفحة 247

حكم التجارة مع اليهود

هل يجوز عموماً أن نتاجر مع اليهود أو شركات يملكها يهود أو يملك بعض أسهمها يهود أو شركات لها فروع في إسرائيل …..؟

 مؤخراً بدأ الكثير من المسلمين يقولون بأنه يحرم التعامل مع اليهود والتجارة معهم.

حسب علمي (حتى ولو كان المسلمون ذلك الوقت يحاربون اليهود) ففي وقت الرسول صلى الله عليه وسلم، لم يحرم التجارة مع اليهود، وعندما مات كانت درعه مرهونة عند يهودي.

أرجو أن ترشدنا للموقف الصحيح في هذا الشأن. جزاكم الله خيرا.     

الجواب

الحمد لله

ذكر الشيخ ابن باز جواز هذا الأمر مستدلاً بما ذكره السائل من شراء النبي صلى الله عليه وسلم من يهودي طعاماً ورهن درعه عنده، وكان هذا في آخر أيامه صلى الله عليه وسلم، وذكر الشيخ أنه صلى الله عليه وسلم اشترى من وثني أغناماً ووزعها على أصحابه.

أما بالنسبة لليهود الآن: فإن البيع والشراء معهم لا يجوز لا من كون التعامل مع الكفار حراماً، بل قد سبق جواز ذلك، بل لأنهم مغتصبون للأرض التي يقيمون عليها مصانعهم ومزارعهم وشركاتهم، وبالتالي فإن ما ينتجونه ويزرعونه ليس ملكاً لهم، بل لهم ما للغاصب من أجرة المثل، وأصحاب الأرض هم أصحاب الحق.

ولا فرق على الصحيح بين الكافر المعاهد والكافر الحربي من حيث جواز البيع والشراء منهم، إلا أنه يحرم إعانتهم على باطلهم كبيع العنب لمن يتخذه منهم خمراً، ويحرم بيع ما يقوون به على المسلمين كالسلاح، كما لا يجوز تقويتهم بالمال لمن يعلم أن عين ماله سيذهب في تقويتهم.

أما من حيث الأصل: فإن البيع والشراء منهم جائز، وهذا فيما يملكونه وفيما لا يقويهم في حربهم على المسلمين.

قال البخاري:

باب الشراء والبيع مع المشركين وأهل الحرب.   

وروى تحت هذا الباب حديث عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما قال:

كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم جاء رجل مشرك بغنم يسوقها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “بيعاً أم عطية – أو قال: أم هبة -؟ قال: لا، بل بيع، فاشترى منه شاة”. رواه البخاري (2103) ومسلم (2506).

قال الحافظ ابن حجر: “قال ابن بطال: معاملة الكفار جائزة إلا بيع ما يستعين به أهل الحرب على المسلمين … وفيه: جواز بيع الكافر وإثبات ملكه على ما في يده”. “فتح الباري” (4 / 410).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:

ثم إن الرجل لو سافر إلى دار الحرب ليشتري منها جاز عندنا، كما دل عليه حديث تجارة أبي بكر رضي الله عنه في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أرض الشام وهي حينذاك دار حرب، وحديث عمر رضي الله عنه، وأحاديث أخر، بسطتُ القول فيها في غير هذا الموضع. “اقتضاء الصراط المستقيم” (ص 226).

وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – عن معاملة التتار هل هي مباحة لمن يعاملونه؟

 فأجاب:

أما معاملة التتار: فيجوز فيها ما يجوز في أمثالهم، ويحرم فيها ما يحرم من معاملة أمثالهم، فيجوز أن يبتاع الرجل من مواشيهم وخيلهم ونحو ذلك كما يبتاع من مواشي التركمان والأعراب والأكراد وخيلهم، ويجوز أن يبيعهم من الطعام والثياب ونحو ذلك ما يبيعه لأمثالهم.

 فأما إن باعهم وباع غيرهم ما يعينهم به على المحرمات كالخيل والسلاح لمن يقاتل به قتالاً محرَّماً: فهذا لا يجوز، قال الله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2]، وفي السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لعن في الخمر عشرة: “لعن الخمر وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه وبائعها ومبتاعها وساقيها وشاربها وآكل ثمنها” فقد لعن العاصر وهو إنما يعصر عنباً يصير عصيراً والعصير حلال يمكن أن يتخذ خلاًّ ودبساً وغير ذلك. ” مجموع الفتاوى ” (29 / 275).

والعجيب أن بعض الناس الآن حصروا المقاطعة للكفار بالمأكولات والمشروبات الغازية! بينما لا نجد هؤلاء يركزون على المحرَّمات القطعية عند أولئك الكفار مما يجب مقاطعتها الآن وقبل الآن نحو أفلامهم وأغانيهم ومجلاتهم وسجائرهم وغيرها.

والمقاطعة النافعة للعدو هي مقاطعة القوي للضعيف كما فعل ثمامة بن أثال رضي الله عنه فقد قرر ألا يصل إلى كفار مكة من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم كما رواه البخاري (4024) ومسلم (3310) فأذن له النبي صلى الله عليه وسلم أن يحمل الميرة بعدما اشتكوا إليه الجوع.

المقاطعة النافعة هي مقاطعة الدول التي تشتري بالمليارات من الكفار أسلحة لا تستعمل، وأشياء يمكن الاستغناء عنها أو الشراء من بديل مسلم أو كافرٍ أقل كفراً وضرراً على المسلمين.

لذا فإننا نقول: إن استعمال المقاطعة الاقتصادية كورقة ضغط على الحكومات الكافرة التي تعين المحاربين على قتال المسلمين وقتلهم واجب متعيَّن على كل من قدر عليه.

فمن حيث الأصل: البيع والشراء مع الكافر ولو كان محارباً: جائز، فإذا كانت مقاطعته تُضعفه وتوقف حربه وظلمه: فهي واجبة.

 قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن:

“الكافر الحربي لا يُمَكَّن مما يعينه على حرب أهل الإسلام ولو بالميرة، والمال، ونحوه، والدواب والرواحل، حتى قال بعضهم بتحريق ما لا يتمكن المسلمون من نقله في دار الحرب من أثاثهم وأمتعتهم، ومنعهم مـن الانتفاع بـه”. “الدرر السنيّة” (8 / 340).

كما لا يجوز إيقاع الضرر على المسلمين أكثر منه على الكفار وذلك نحو مقاطعة وكلائهم من المسلمين والذين يأخذون امتيازاً منهم يدفعون مقابله مبلغاً من المال، وهؤلاء المسلمون مستفيدون من البيع والشراء باسم صاحب العلامة، ويشتغل عنده المسلمون ، فمقاطعة مثل هؤلاء يسبِّب ضرراً بالغاً عليهم، ولا نجد في فتاوى الذين يوجبون مقاطعة هؤلاء أي حلٍّ عملي لهم، فهم يسعون لإغلاق محل – أو شركة – يشتغل فيه ألفٌ من المسلمين، ويكون هذا المحل – أو الشركة – فرع من ( 30 ) ألف فرع في العالم للشركة الأم الكافرة، وعند التأمل تجد الخسارة الكبرى إنما هي للمسلمين .

والله أعلم.

 

هل يسمِّي ابنته ” ماريا “؟

السؤال:

أطلقنا على ابنتنا اسم ” ماريا ” ولكن قيل لنا بأن هذا الاسم ليس من أسماء المسلمين.

أرجو أن تخبرنا لكي نغير الاسم إذا كان الأمر ضروريا.

الجواب

الحمد لله

قال الشيخ بكر أبو زيد حفظه الله:

يجب على الأب اختيار الاسم الحسن في اللفظ والمعنى في قالب النظر الشرعي واللسان العربي، فيكون: حسناً، عذباً في اللسان، مقبولاً للأسماع، يحمل معنى شريفاً كريماً، ووصفاً سابقاً خالياً مما دلت الشريعة على تحريمه أو كراهته، مثل: لوثة العجمة، وشوائب التشبه، والمعاني الرخوة.

ومعنى هذا ألَّا تختار اسماً إلا وقد قلبت النظر في سلامة لفظه، ومعناه، على علم ووعي وإدراك، وإن استشارت بصيراً في سلامته مما يحذر: فهو أسلم وأحكم.

ومن الجاري قولهم: حق الولد على والده أن يختار له أمّاً كريمة، وأن يسميه اسماً حسناً وأن يورثه أدباً حسناً.” تسمية المولود ” (ص 13).

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يغيِّر الاسم القبيح إلى حسن، وكان اسم ” ماريا ” – أو ” مارية ” – معروفاً عنده صلى الله عليه وسلم ولم يغيره، فقد كان اسم جاريته التي أهداها له المقوقس حاكم مصر، ولو كان قبيحاً لغيَّره، على أن هناك ما هو أفضل منه مثل: مريم، عائشة، فاطمة، زينب…

والله أعلم.

هل يجوز تأجير أرض أو عمارة لشركة اتصالات لإقامة أبراجها عليها؟.

0
السؤال: 
عرضت عليَّ شركة ” موبايلي ” وضع برج جوال لها، مقابل أجرة, فهل هذا يجوز؟.

الجواب:

الحمد لله..

يُعرف حكم تأجير صاحب الأرض أرضَه لشركة اتصالات لإقامة أبراجها عليها: بالوقوف على أمرين:

  • الأول: طبيعة خدمات هذه الشركة, فإن كانت تحوي منكرات يكون مشاركة لها في أفعالها المحرَّمة، ويكون من التعاون على الإثم والعدوان، والكسب الناتج من تأجير الأرض: كسب محرَّم.
  • الثاني: معرفة الضرر الذي تسببه هذه الأبراج على السكان المحيطين بها، فإن ثبت ضرر بذلك, فالأصل في تحريم الضرر بالنفس وبالآخرين أدلة كثيرة، وقواعد في الشرع متفق عليها، وإن كان أكثر أهل الاختصاص ينفون وجود الضرر, ويثبت مثل هذا بالدراسات والأبحاث العلمية.

والله أعلم..

هل رفض صاحب العمل إعطاء الموظف إجازة للحج يُعدُّ عذرًا له لتأخير الحج؟

 السؤال:

السلام عليكم ورحمه الله وبركاته

في فترة الحج يكون عندنا ضغط في العمل ولا يَسمح لي صاحب العمل بالسفر، وإن ذهبت دون موافقته يكون الظن الراجح فقدان مكان عملي، فهل هذا عذر لتأخير أداء فريضة الحج حتى ييسر الله لي وما أظن الأمر سيكون ببعيد إن شاء الله ؟ .

الجواب:

الحمد لله

الراجح من أقوال العلماء أن الحج يجب على القادر على الفور، ولا يجوز له تأخير أداء هذا الركن العظيم من أركان الإسلام، وقد بينَّا هذا في جواب السؤال رقم ( 41702 ) فلينظر .

وقد يمتلك المسلم الزاد والراحلة ويأمن الطريق لكن تمنعه موانع من الذهاب للحج، فمثل هذا لا شك أنه معذور، كأن يكون بجانب زوجة مريضة أو أب يحتضر، وكأن تحدد الدولة أعداداً معينة لأداء الحج فلا يكون له نصيب بسبب عدم خروجه في القرعة أو عدم تناسب عمره مع السن المطلوب، وغير ذلك من الأسباب المشروعة التي يكون معها تأخير أداء الحج على من ملك الزاد والراحلة وأمن الطريق .

وعليه : فيكون أولئك المعذورون ممن لا يستطيعون إلى الحج سبيلاً .

والذي يظهر لنا أن عدم إعطاء الموظف – في القطاع العام أو الخاص – إجازة للذهاب إلى الحج يكون عذراً لذلك الموظف، ولا يلزمه الخروج من الوظيفة – إن كانت حلالاً -، على أن يُحاول الموظف التقديم للحج كل عام، وأن يبذل ما يستطيع من جهد لأداء نسك الحج، حتى لو كان ذلك بأخذه إجازة من غير راتب إن كان ذلك لا يؤثر على نفقته على أهله .

سئل علماء اللجنة الدائمة :

أرغب العمرة في رمضان متمتعاً بها إلى الحج ! ما الذي يترتب علينا حتى الحج ؟ وأنا موظف ولا أستطيع مغادرة العمل إلا بإجازة الحج، وإجازة العمرة في رمضان، هل يجوز السفر من منطقة إلى أخرى ؟ .

فأجابوا :

أولاً : العمرة في رمضان رغَّب فيها النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنها ليست العمرة التي يتمتع بها إلى الحج، بل التي يتمتع بها إلى الحج هي التي يؤتى بها في أشهر الحج، وهي : شوال، وذو القعدة، والعشر الأولى من ذي الحجة، ثم يحج من عامه .

ثانياً : إذا كان الواقع ما ذُكر من أنك لا تستطيع مغادرة العمل للحج أو العمرة : فلا يجوز لك ترك العمل إلا بإذن مرجعك .

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود .

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 11 / 163 ، 164 ) .

وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – :

الرجل إذا كان لا يستطيع أن يحج بناءً على وظيفته : فإنه لا شيء عليه؛ لأنه لم يستطع إليه سبيلاً، لكن أنا أسمع كثيراً ما يذهب الإخوان من أفراد الجنود أو غيرهم إلى مكة مندوبين، وإذا دخل وقت الحج أذنوا لهم في الحج، فإذا أذنوا لك : فحُجَّ ولا شيء عليك، أما إذا لم يأذنوا : فأنت غير مستطيع، ولا حج عليك .

” لقاء الباب المفتوح ” ( 92 / السؤال 8 ) .

والله أعلم

تنبيه على مقال سابق: لمن سأل عن اختلاف الدول في بداية شهر محرم🚫

هام جدا
🚫تعديل على مقال سابق🚫

٦ مسائل متعلقة بعاشوراء ١٤٤٣هـ
لمن سأل عن اختلاف الدول في بداية شهر محرم

الحمد لله:

١. ذهب جمهور أهل العلم إلى أن ثبوت دخول الشهر يكفي فيه ثبوت رؤيته في أي بلد، وأنه لا عبرة باختلاف المطالع.
ففي “الموسوعة الفقهية” (23/142) : ” ذهب الحنفية والمالكية والحنابلة، وهو قول عند الشافعية :
👈🏻إلى عدم اعتبار اختلاف المطالع في إثبات شهر رمضان ، فإذا ثبت رؤية هلال رمضان في بلد، لزم الصوم جميع المسلمين في جميع البلاد ، وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم : (صوموا لرؤيته ) وهو خطاب للأمة كافة .
والأصح عند الشافعية اعتبار اختلاف المطالع ” انتهى .
والراجح عندي قول الجمهور.

٢. وقد ثبتت رؤية هلال الشهر المحرم لعام ١٤٤٣ هـ ليلة الاثنين الفائت في عدة دول، منها : مصر، العراق، تشاد، النيجر، غانا، الصومال، جيبوتي، السنغال.

وعليه : فقد ثبت دخول الشهر شرعا فيكون غدا الأربعاء هو عاشوراء، وهو يوم واحد بليلة واحد فمن غربت شمس يوم الثلاثاء عنده فقد دخل اليوم العاشر عنده، وهكذا كل بلد تغرب شمس نهاره بعده كالدول الإفريقية.

٣. ومن كان يرى اعتبار اختلاف البلدان – وهو قول لا أصل له في الشرع – مقلدا لغيره وكان يوم العاشر في بلده يوم الخميس فيسعه التقليد، ونفضل له صوم يوم غد الأربعاء مع الخميس (احتياطا) ليجزم بإصابة اليوم العاشر.

قَالَ الإمام أَحْمَدُ: ” فَإِنْ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ أَوَّلُ الشَّهْرِ صَامَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ؛ وَإِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ لِيَتَيَقَّنَ صَوْمَ التَّاسِعِ وَالْعَاشِرِ”.
“المغني” لابن قدامة.

٤. وبخصوص من يريد صوم القضاء عن رمضان في هذا اليوم فنقول : ذهب جمهور أهل العلم إلى أنه لا يُجمع بين النيتين في صوم يوم واحد، وهو الراجح عندي، ومن نوى بالصوم عاشوراء فلا يقع قضاء قطعا، ومن نواه قضاء فيقع قضاء فحسب دون تحصيل فضل صوم عاشوراء؛ لأن عاشوراء يوم يراد لذاته وفيه فضيلة خاصة فلا يشرك مع غيره.

٥. ويمكن لمن أراد تحصيل أجر صوم يوم عاشوراء أن ينويه وحده ولو كان عليه قضاء؛ فإن الصحيح أنه يجوز التطوع بالمستحب المعين قبل إبراء الذمة من الفريضة في هذه الحالة لأن واجب القضاء موسع حتى نهاية شعبان، وتفوت النافلة المستحبة بفوات وقتها – كعرفة وعاشوراء -.

٦. وأما فضله فقد صحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله ” صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ ” رواه مسلم.

والله أعلم وهو الموفق لا رب سواه.

إحسان العتيبي
يوم الثلاثاء
٠٩ محرّم ١٤٤٣هـ
(حسب الرؤية الشرعية -الثابتة عند بعض الدول- وبتقويم أم القرى الرسمي)
الموافق
١٧-٠٨-٢٠٢١ م
•┈••✦🔹✦••┈•
خدمة موقع إحسان العتيبي
+962787873264

التعليق على قصة منتشرة ( تعليم الحسن والحسين كيفية الوضوء لرجل كبير في السن) – تعقبات على أخطاء مشتهرة.

التعليق على قصة منتشرة في تعليم الحسن والحسين كيفية الوضوء لرجل كبير في السن

القصة المنتشرة:

( دخل الحسن والحسين رضي الله عنهما المسجد، فشاهدا رجلا كبيرا في السن لا يحسن الوضوء، ولأنهما تربّيا في بيت النبوّة كانا يفيضان أدبا وحكمة، فخجلا لفارق السن بينهما وبين الرجل أن يخبراه أنه لا يعرف كيف يتوضّأ.

فعمدا إلى الذكاء والحيلة، فقالا له: يا عم! قد اختصمنا أينا أحسنُ وضوءا، فأردنا أن نحتكم إليك لترى من منا أحسن وضوءا من صاحبه.

فتقدّم الحسن فتوضّأ وضوءا نبويا كاملا، أسبغه ولم يترك شيئا من سننه إلا فعله، ثم تقدّم الحسين فتوضّأ كما علمه جده عليه الصلاة والسلام، ثم التفتا إلى الرجل ينتظران منه الحكم.

فقال الرجل: والله كلاكما يتوضأ أحسن مني). اهـ.

قال الشيخ إحسان العتيبي -حفظه الله-:

القصه ليس لها إسناد كما قال شيخنا الألباني رحمه الله.

ومتن القصة منكر:

ففيها أن الرجل جاهل في الوضوء، وأنه رأى وضوءين مختلفين من الحسن والحسين، فكيف لجاهل مثله أن يحكم بينهما؟

وكيف عرف أن وضوءه هو الخطأ ورجّح صحة وضوءيهما وهما مختلفين؟

وأما لو كان يعلم وهو مقصّر فيه فلا تكون تلك “التمثيلية” بتلك الكيفية، بل تكون بالتنبيه على التقصير لا بالتنبيه على الجهل بالوضوء.

والقصة موجودة في بعض كتب الرافضة، ومنا انتشرت.

والله أعلم.

وكتبه:

إحسان العتيبي أبو طارق

16 ذو الحجة 1442هـ

تعقيب على برنامج فتاوى على الهواء في مسألة السفر وشد الرحل وبناء المساجد على القبور – بقلم: د. أبو عبد الرحمن

تعقيب على برنامج فتاوى على الهواء في مسألة السفر وشد الرحل وبناء المساجد على القبور

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أما بعد : فهذا تعقيب على برنامج فتاوى على الهواء في مسألة السفر وشد الرحل وبناء المساجد على القبور وكان ضيف البرنامج مفتي المفرق الدكتور أحمد الخطيب , ولما كان الحق لا يعرف بقائله وإنما يعرف الحق بدلائله وبراهينه , أحببت أن أبدي بعض الملحوظات على حلقة هذا البرنامج مع احترامنا لشخص المفتي ومقدم البرنامج , وقديما قالوا : إنك لن تعرف خطأ شيخك حتى تسمع من غيره  , ويمكن تلخيص هذه الملحوظات كالآتي :

  • ادعاء الدكتور الإجماع في مسألة شد الرحل والسفر إلى قبور وأضرحة الصالحين وأن من استدل بحديث : لا تشد الرحال .. في منع السفر وشد الرحال لها فقد خالف الإجماع .
  • تقريرهم لمسألة جواز بناء المقامات والمساجد على قبور وأضرحة الصالحين
  • قولهم  بجواز التعبد والتبرك والدعاء عند قبور الصالحين

وغير ذلك من المسائل , والله المستعان وعليه التكلان ومنه نستمد الهداية والسداد .

مقدمة بين يدي التعقيب

  • أولا : لا بد من الإشارة من أن هذه المسائل  أثيرت في هذا الوقت , لما ارتفعت بعض الدعوات تطالب بفتح السياحة الدينية للشيعة من العراق وإيران , ومعلوم أن الفتوى لا بد لها من تصور لواقعها قبل إبداء الرأي فيها – كما ذكر ابن القيم في إعلام الموقعين – ومعلوم أن للشيعة غلوا كبيرا في قبور أئمتهم يصل إلى حد العبادة وصرف الطاعات الصرفة التي لا تصرف إلا لله  لغير الله كدعاء الأموات والاستغاثة بهم وطلب الرزق والشفاء منهم والسجود والذبح لهم إلى غير ذلك مما هو معلوم وموثق بالصوت والصورة ومواقع التواصل تمتلئ بتلك المقاطع , ولا شك أن هذا فتح باب شر لا يمكن إغلاقه , وهنا تحضر واقعية الفقيه وفطنته , والذي يستعمل  قاعدة سد الذرائع وقطع الوسائل المفضية إلى الشرك الأكبر .
  • ثانيا : من المسائل التي يقع فيها الخلط ألا وهي مسألة الخلط بين الزيارة الشرعية التي ندب إليها النبي صلى الله عليه وسلم والتي يراد منها تذكر الآخرة والدعاء للميت والاستغفار له وبين مسألة شد الرحال والسفر لقصد قبور وأضرحة الصالحين .

قال شيخ الإسلام : الوجه الثالث: أن يقال: لا ريب أن أهل البدع يحجون إلى قبور الأنبياء والصالحين، ويزورونها غير الزيارة الشرعية، لا يقصدون الدعاء لهم كالصلاة على جنائزهم، بل الزيارة عندهم والسفر لذلك من باب تعظيمهم لعظم جاههم وقدرهم عند الله، ومقصودهم دعاؤهم أو الدعاء بهم أو عندهم وطلب الحوائج منهم وغير ذلك مما يقصد بعبادة الله تعالى .

الرد على الإخنائي (198)

وقال رحمه الله : وأما ” زيارة القبور المشروعة ” فهو أن يسلم على الميت ويدعو له بمنزلة الصلاة على جنازته، كما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: «سلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم» وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «ما من رجل يمر بقبر رجل كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام» والله تعالى يثيب الحي إذا دعا للميت المؤمن، كما يثيبه إذا صلى على جنازته .

زيارة القبور (16)

  • ثالثا :  كثير من القبور والمقامات والتي يزعم الناس أنها لفلان أو علان لا أصل لها , وإنما انتشرت من خلال منامات مزعومة أو تشابه في الأسماء .

فمثلا  قبور الأنبياء والرسل ,  قرر العلماء أنه لا يعرف قبر نبي قط إلا قبر نبينا عليه الصلاة والسلام .

وقد اعترف الدكتور أحمد الخطيب بذلك وجعله من خصائص هذه الأمة على الأمم السابقة .

ومثال : ضرار بن الأزور

قال ابن حجر : واختلف في وفاته، فقال الواقديّ: استشهد باليمامة. وقال موسى بن عقبة:

بأجنادين، وصحّحه أبو نعيم.

وقال أبو عروبة الحرّانيّ: نزل حران ومات بها. ويقال: شهد اليرموك وفتح دمشق.

ويقال: مات بدمشق .

الإصابة لابن حجر (3/391)

فتأمل هذا الاختلاف في وفاته , وقد سمعت من سنوات من جيران مقام ضرار بن الأزور أن السبب في الزعم في أن مقام ضرار في هذا المكان أن رجلا من أهل تلك المنطقة رأى مناما أن ضرارا مدفون في هذا المكان ! .

مثال شرحبيل بن حسنة

قال ابن حجر : وذكره ابن حبّان في الصحابة، وقال: كان عاملا على حمص، ومات بها.

الإصابة (3/268)

وهكذا لو أردت أن تتبع قبور الصحابة والصالحين لوجدت أن أكثرها وقع فيه الخلاف , وأكثره كما ذكرنا جاء من خلال رؤى ومنامات مزعومة , فما بالكم بقبور الرسل والأنبياء والتي تتكرر في الدول والأماكن المختلفة .

فمثلا : داود يزعمون أنهم في دمشق وفي فلسطين وفي الأردن

وقد أشار الأستاذ عبدالله العبادي في مداخلته إلى وجود مقام للخضر في إربد وفي السلط !! .انتهى

وتأمل أن مقام الخضر في السلط في كنيسة !! .

وهكذا الأمر فمقام الحسين في عدة بلاد في فلسطين والعراق وحلب ودمشق ومصر وغيرها .

وهكذا الأمر في كثير من القبور المزعومة .

والآن نأتي إلى المسائل المذكورة في حلقة البرنامج :

  • المسألة الأولى : ادعاء الدكتور أحمد الخطيب  الإجماع في مسألة شد الرحل والسفر إلى قبور وأضرحة الصالحين وأن من استدل بحديث : لا تشد الرحال .. في منع السفر وشد الرحال لها فقد خالف الإجماع .

قال الدكتور أحمد الخطيب : نص علماء بل أجمع علماء الأمة الأعلام ممن يفهمون اللغة العربية ودلالات اللغة العربية أن الاستدلال – أي بحديث لا تشد الرحال …- في تحريم زيارة الأضرحة وقبور الصالحين على بطلان هذا الاستدلال ثم قال  ومعنى حديث : لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد .. معناه لا تشد الرحال لزيادة الثواب وزيادة الأجر إلا لهذه المساجد وإلا بقية المساجد سواء في الأجر .

التعليق : أولا : تأمل في هذا الإجماع المزعوم , وقد قال الإمام أحمد : من ادعى الإجماع فهو كاذب وما يدريه لعل الناس اختلفوا .

وإليك بعض أقوال أهل العلم في رد هذا الإجماع المزعوم

قال ابن حجر : قَوْلُهُ لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ بِلَفْظِ النَّفْيِ وَالْمُرَادُ النَّهْيُ عَنِ السَّفَرِ إِلَى غَيْرِهَا قَالَ الطِّيبِيُّ هُوَ أَبْلَغُ مِنْ صَرِيحِ النَّهْيِ كَأَنَّهُ قَالَ لَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يُقْصَدَ بِالزِّيَارَةِ إِلَّا هَذِهِ الْبِقَاعُ لِاخْتِصَاصِهَا بِمَا اخْتَصَّتْ بِهِ .

فتح الباري (3/64)

فتأمل قول الطيبي الذي جعل دلالة النص أبلغ في النهي .

وقال النووي : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي شَدِّ الرِّحَالِ وَإِعْمَالِ الْمَطِيِّ إِلَى غَيْرِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ كَالذَّهَابِ إِلَى قُبُورِ الصَّالِحِينَ وَإِلَى الْمَوَاضِعِ الْفَاضِلَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا هُوَ حَرَامٌ وَهُوَ الَّذِي أَشَارَ الْقَاضِي عِيَاضٌ إِلَى اخْتِيَارِهِ وَالصَّحِيحُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْمُحَقِّقُونَ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ وَلَا يُكْرَهُ .

شرح النووي لصحيح مسلم (9/106)

وقول القاضي عياض ذكره في إكمال المعلم (4/449)  فقال : الحديث: فيه تعظيم هذه المساجد وخصوصها بشد الرحال إليها، ولأنها مساجد الأنبياء، ولفضل الصلاة فيها، وتضعيف أجرها، ولزوم ذلك لمن نذره، بخلاف غيرها مما لا يلزم ولا يباح بشد الرحال إليها إلا لناذر، ولا لمتطوع لهذا النهى .

فأين هو الإجماع المزعوم ! .

بل هو قول الصحابي بصرة الغفاري

قال ابن حجر : وَاخْتُلِفَ فِي شَدِّ الرِّحَالِ إِلَى غَيْرِهَا كَالذَّهَابِ إِلَى زِيَارَةِ الصَّالِحِينَ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا وَإِلَى الْمَوَاضِعِ الْفَاضِلَةِ لِقَصْدِ التَّبَرُّكِ بِهَا وَالصَّلَاةِ فِيهَا فَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ يَحْرُمُ شَدُّ الرِّحَالِ إِلَى غَيْرِهَا عَمَلًا بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ وَأَشَارَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ إِلَى اخْتِيَارِهِ وَبِهِ قَالَ عِيَاضٌ وَطَائِفَةٌ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ مِنْ إِنْكَارِ بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ خُرُوجَهُ إِلَى الطُّورِ وَقَالَ لَهُ لَوْ أَدْرَكْتُكَ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مَا خَرَجْتُ وَاسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يَرَى حَمْلَ الْحَدِيثِ عَلَى عُمُومِهِ وَوَافَقَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ.

فتح الباري (3/65)

بل هو قول الإمام مالك

ففي المدونة (1/400) : وَقَالَ مَالِكٌ: وَنَاسٌ يَقُولُونَ زُرْنَا قَبْرَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ: فَكَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ هَذَا وَيُعَظِّمُهُ أَنْ يُقَالَ إنَّ النَّبِيَّ يُزَارُ.

وقال شيخ الإسلام : والقاضي عياض مع مالك، وجمهور أصحابه يقولون: إن السفر إلى غير المساجد الثلاثة محرم كقبور الأنبياء. فقول القاضي عياض: إن زيارة قبره سنة مجمع عليها وفضيلة  مرغب فيها، أراد به الزيارة الشرعية كما ذكره مالك وأصحابه من أنه يسافر إلى مسجده ثم يصلى عليه ويسلم عليه كما ذكروه في كتبهم.

الرد على الإخنائي (408)

ومن الأدلة التي استدل بها الدكتور أحمد الخطيب في مشروعية السفر وشد الرحال لقبور الصالحين .

  • النصوص التي فيها الترغيب في زيارة القبور كقوله عليه الصلاة والسلام : كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزورها فإنها تذكركم الآخرة . وحديث زيارة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل البقيع ودعائه لهم .

التعليق : تقدم في المقدمة تفريق العلماء  بين  الزيارة الشرعية للقبور لتذكر الآخرة والدعاء والاستغفار للأموات وبين السفر وشد الرحل لقبور وأضرحة الصالحين , وعدم التفريق بينهما من الخلط في المسائل . فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن شد الرحل لغير المساجد الثلاثة وظاهر النهي التحريم كما ذهب إليه الصحابي  بصرة الغفاري ووافقه أبو هريرة وهو قول أبي محمد الجويني والقاضي عياض والقاضي حسين وطائفة من أهل العلم كما تقدم .

  • من الأدلة التي استدل بها مقدم البرنامج ووافقه عليها الدكتور أحمد الخطيب أن النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح أمر بضرب خيمته على قبر خديجة .

التعليق : هذا الحديث لا أصل له في دواوين الإسلام وكتب السنة بل ذكره بعض المعاصرين من غير دليل ولا بينة

وانظر موقع سؤال وجواب تحت عنوان : هل صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( انصبوا لي خيمة عند قبر خديجة ) .

وأعجب من مفتي وأكاديمي في زمن التحقيق يورد مثل هذه الأكاذيب !! .

  • ومن الأدلة التي استدل بها الدكتور أحمد الخطيب في جواز شد الرحل والسفر إلى الأضرحة وقبور الصالحين زعمه أن النبي صلى الله عليه وسلم طلب من الله أن يدله على قبر أمه وأنه سافر لزيارتها !! .

التعليق :  تأمل أن كلامه فيه تلفيق , فليس في الحديث أنه صلى الله عليه وسلم  طلب من الله أن يدله على قبرها وليس في الحديث أنه سافر لذلك

والحديث رواه مسلم في صحيحه : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: زَارَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْرَ أُمِّهِ، فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ، فَقَالَ: «اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأُذِنَ لِي، فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ» .

قال القاضي عياض : فى زيارة قبر أمه والإذن فى ذلك، دليل على جواز زيارة القبور، وصلة الآباء المشركين، وإذا كان هذا بعد الموت ففى الحياة أحق، وكأنه قصد – عليه السلام – قوة الموعظة والذكرى؛ بمشاهدته قبرها ورؤيته مصرعها، وشكر الله على ما منَّ به عليه من الإسلام، الذى حُرَمُته، وخص قبرها لمكانها منه، ويدل مقصده قوله آخر الحديث: ” فزوروا القبور، فإنها تذكر الموت “.

إكمال المعلم (3/452)

  • ومن الأدلة التي استدل بها الدكتور أحمد الخطيب في جواز شد الرحل والسفر إلى الأضرحة وقبور الصالحين حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن موسى: «فَلَوْ كُنْتُ ثَمَّ لَأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ، إِلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ، عِنْدَ الكَثِيبِ الأَحْمَرِ» .

قال الدكتور أحمد الخطيب : لولا وجود البركة  في زيارة القبر وفي معرفة القبر .. ما قال : لَوْ كُنْتُ ثَمَّ لَأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ .

التعليق : تأمل أن العلماء استدلوا بهذا الحديث على خلاف ما فهمه الدكتور أحمد الخطيب , ففي الحديث أن موسى طلب الإدناء  وليس نزول الأرض المقدسة حتى يعمي قبره عن بني إسرائيل .

قال النووي : قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ وَإِنَّمَا سَأَلَ الْإِدْنَاءَ وَلَمْ يَسْأَلْ نَفْسَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ لِأَنَّهُ خَافَ أَنْ يَكُونَ قَبْرُهُ مَشْهُورًا عِنْدَهُمْ فَيَفْتَتِنَ بِهِ النَّاسُ .

شرح النووي لمسلم (15/128)

وقال الحافظ العيني : وَفِي (الْمرْآة) اخْتلفُوا فِي مَوضِع قبر مُوسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، على أَقْوَال.

أَحدهَا: أَنه بِأَرْض التيه، هُوَ وَهَارُون، عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَلم يذخل الأَرْض المقدسة إلاَّ رمية حجر، رَوَاهُ الضَّحَّاك عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَقَالَ: لَا يعرف قَبره، وَرَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أبهم ذَلِك بقوله: (إِلَى جَانب الطَّرِيق عِنْد الْكَثِيب الْأَحْمَر) ، وَلَو أَرَادَ بَيَانه لبين صَرِيحًا. وَقَالَ ابْن عَبَّاس: لَو علمت الْيَهُود قبر مُوسَى وَهَارُون لاتخذوهما ال هَين من دون الله تَعَالَى .

عمدة القاري (8/150)

بل إعفاء القبر سنة عن الصحابة

قال أبو العالية قال: “لما فتحنا تُسْتَر؛ وجدنا في بيت مال الهُرْمُزان سريرًا عليه رجل ميت، قلت: فما صنعتم بالرجل؟ قال: حفرنا بالنهار ثلاثة عشر قبرًا متفرقة، فلمَّا كان الليل دفناه, وسوَّينا القبور كلها لنعميه على الناس لا ينبشونه, قلت: وما يرجون منه؟ قال: كانت السماء إذا حبست عنهم أبرزوا السرير، فيمطرون, قلت: من كنتم تظنون الرجل؟ قال: رجل يُقَالُ له: دانيال”.

رواه ابن إسحاق في “مغازيه”, ورواه غيره على وجوه أُخَر، وفي بعضها أن الدفن كان بأمر عمر.

انظر تخريج أحاديث فضائل الشام فضائل الشام (52)

ثانيا : ما زعمه الدكتور أحمد الخطيب أن النبي صلى الله عليه وسلم زار قبر موسى . انتهى

لا دليل عليه وقول النبي صلى الله عليه وسلم لا يحتمل لا السفر ولا شد الرحل المزعوم .

ومن الأدلة التي استدل بها الدكتور أحمد الخطيب على جواز شد الرحل والسفر إلى الأضرحة وقبور الصالحين حديث وضع الحجر على قبر عثمان بن مظعون وقال : أتعلم بها قبر أخي .

قال الدكتور أحمد الخطيب : والحجر من جنس البناء !! .

التعليق : الحديث رواه أبو داود في سننه عَنِ الْمُطَّلِبِ، قَالَ: لَمَّا مَاتَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ، أُخْرِجَ بِجَنَازَتِهِ فَدُفِنَ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا أَنْ يَأْتِيَهُ بِحَجَرٍ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ حَمْلَهُ، فَقَامَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَحَسَرَ عَنْ ذِرَاعَيْهِ، قَالَ كَثِيرٌ: قَالَ الْمُطَّلِبُ: قَالَ الَّذِي يُخْبِرُنِي ذَلِكَ: عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِ ذِرَاعَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حِينَ حَسَرَ عَنْهُمَا ثُمَّ حَمَلَهَا فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَأْسِهِ، وَقَالَ: «أَتَعَلَّمُ بِهَا قَبْرَ أَخِي، وَأَدْفِنُ إِلَيْهِ مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِي» .

فالحديث : بين السبب في وضع الحجر ليدفن إليه من مات من أهله , وليزوره الزيارة الشرعية , وقدمنا الفرق بين السفر وشد الرحل وبين الزيارة الشرعية التي يراد بها الدعاء للميت والاستغفار له .

ثانيا : قول قال الدكتور أحمد الخطيب : والحجر من جنس البناء !! .

من عجيب الفهم ! وإلا فالنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن البناء على القبور فكيف يقال الحجر من جنس البناء ! .

ففي صحيح مسلم عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ، وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ» فتأمل .

  • ومن الأدلة التي استدل بها الدكتور أحمد الخطيب في جواز شد الرحل والسفر إلى الأضرحة وقبور الصالحين أن قبور هؤلاء الصحابة هم ارتباطنا بأصلنا ووجودهم يدل على وجودنا ..

التعليق : تأمل هذا الكلام الغريب الذي صرح به الدكتور أحمد الخطيب , فهل هذه القبور والأضرحة هي التي تثبت وجود هذه الأمة وهي حبل الوصال بتاريخ الأمة !! .

فقد مات النبي صلى الله عليه وسلم عن أكثر من مائة ألف صحابي , ولا يعرف إلا النزر اليسير من قبورهم فهل انقطعت صلة الأمة بهم بعدم معرفة قبورهم بل الرسل والأنبياء الكرام لا يعرف من قبورهم إلا قبر نبينا عليه الصلاة والسلام فهل انقطعت الصلة بهم بعدم معرفة قبورهم .

الصلة يا دكتور أحمد لا تنقطع بموت الصالحين ولا بعدم معرفة قبورهم فصلتنا بكتاب ربنا كما جاء في الحديث : إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ سببٌ طَرفُهُ بِيَدِ اللَّهِ وطَرفُهُ بِأَيْدِيكُمْ فَتَمَسَّكُوا بِهِ فَإِنَّكُمْ لَنْ تضلُّوا وَلَنْ تَهْلِكُوا بَعْدَهُ أبداً) وكما جاء في الحديث : “تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي .

وهذه مآثرهم وأفعالهم وأقوالهم مسطرة تتناقلها الأمة جيلا بعد جيل , لم تنقطع ولم تفقد .

  • المسألة الثانية : تقريرهم لمسألة جواز بناء المقامات والمساجد على قبور وأضرحة الصالحين

فقال مقدم البرنامج : مشروعية إقامة المقامات الحل والإباحة لم يرد في كتاب الله وسنة رسوله ما يخالف ذلك .

واستدل الدكتور أحمد الخطيب على جواز اتخاذ المساجد والمقامات على قبور الصالحين بقوله تعالى : { قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا } فقال : يدل على مشروعية إقامة المسجد على قبورهم .

التعليق : تأمل هذا التلفيق وهذا النفي المزعوم عن وجود دليل في حرمة بناء المساجد على القبور !! .

مع أن المسجد والقبر لا يجتمعان في دين الإسلام فالأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام .

وتأمل هذه الأحاديث :

فعن عَائِشَةَ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، قَالاَ: لَمَّا نَزَلَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَإِذَا اغْتَمَّ بِهَا كَشَفَهَا عَنْ وَجْهِهِ، فَقَالَ وَهُوَ كَذَلِكَ: «لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى اليَهُودِ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا. البخاري ومسلم

وعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ: «لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسْجِدًا»، قَالَتْ: وَلَوْلاَ ذَلِكَ لَأَبْرَزُوا قَبْرَهُ غَيْرَ أَنِّي أَخْشَى أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا . البخاري ومسلم

وعَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ، أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ، وَأُمَّ سَلَمَةَ ذَكَرَتَا كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِالحَبَشَةِ فِيهَا تَصَاوِيرُ، فَذَكَرَتَا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «إِنَّ أُولَئِكَ إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ، بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، فَأُولَئِكَ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيَامَةِ» البخاري ومسلم

قال الشافعي : وَأَكْرَهُ هَذَا لِلسُّنَّةِ، وَالْآثَارِ، وَأَنَّهُ كُرِهَ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ أَنْ يُعَظَّمَ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَعْنِي يُتَّخَذُ قَبْرُهُ مَسْجِدًا، وَلَمْ تُؤْمَنْ فِي ذَلِكَ الْفِتْنَةُ، وَالضَّلَالُ عَلَى مَنْ يَأْتِي بَعْدُ فَكُرِهَ .

الأم (1/317)

وقال النووي : وَاتَّفَقَتْ نُصُوصُ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ عَلَى كَرَاهَةِ بِنَاءِ مَسْجِدٍ عَلَى الْقَبْرِ سَوَاءٌ كَانَ الْمَيِّتُ مَشْهُورًا بِالصَّلَاحِ أَوْ غَيْرِهِ لِعُمُومِ الْأَحَادِيثِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ .

المجموع شرح المهذب (5/316)

ومعلوم أن الكراهة في عرف المتقدمين يراد بها التحريم

قال ابن القيم : وَقَدْ غَلِطَ كَثِيرٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَتْبَاعِ الْأَئِمَّةِ عَلَى أَئِمَّتِهِمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ، حَيْثُ تَوَرَّعَ الْأَئِمَّةُ عَنْ إطْلَاقِ لَفْظِ التَّحْرِيمِ، وَأَطْلَقُوا لَفْظَ الْكَرَاهَةِ، فَنَفَى الْمُتَأَخِّرُونَ التَّحْرِيمَ عَمَّا أَطْلَقَ عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ الْكَرَاهَةَ، ثُمَّ سَهُلَ عَلَيْهِمْ لَفْظُ الْكَرَاهَةِ وَخَفَّتْ مُؤْنَتُهُ عَلَيْهِمْ فَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى التَّنْزِيهِ، وَتَجَاوَزَ بِهِ آخَرُونَ إلَى كَرَاهَةِ تَرْكِ الْأَوْلَى، وَهَذَا كَثِيرٌ جِدًّا فِي تَصَرُّفَاتِهِمْ.

إعلام الموقعين (1/32)

وقال ابن بطال : فيه نهى عن اتخاذ القبور مساجد، وعن فعل التصاوير. قال المهلب: وإنما نهى عن ذلك، والله أعلم، قطعًا للذريعة ولقرب عبادتهم الأصنام واتخاذ القبور والصورة آلهة .

شرح البخاري لابن بطال (2/82)

وقال ابن دقيق العيد : وَقَوْلُهُ – عَلَيْهِ السَّلَامُ – «بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا» إشَارَةٌ إلَى الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ. وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ الْحَدِيثُ الْآخَرُ «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» «اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ».

إحكام الأحكام (1/372)

وقال ابن رجب : مقصود البخاري بهذا الباب: كراهة الصلاة بين القبور واليها، واستدل لذلك بان اتخاذ القبور مساجد ليس هو من شريعة الإسلام، بل من عمل اليهود، وقد لعنهم النبي – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – على ذلك.

فتح الباري لابن رجب (3/193)

وقال القاضي عياض : وتغليظ النبى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فى النهى عن اتخاذ قبره مسجداً؛ لما خشيه من تفاقم الأمر وخروجه عن حدِّ المبرَّة إلى المنكر، وقطعاً للذريعة، وقد نبه عليه – عليه السلام – فى قوله: ” لا تتخذوا قبرى وثناً يعبد ” ، ولأن هذا كان أصل عبادة الأصنام، فيما يذكر .. .

إكمال المعلم (2/450)

وقال القرطبي : فَاتِّخَاذُ الْمَسَاجِدِ عَلَى الْقُبُورِ وَالصَّلَاةُ فِيهَا وَالْبِنَاءُ عَلَيْهَا، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا تَضَمَّنَتْهُ السُّنَّةُ مِنَ النَّهْيِ عَنْهُ مَمْنُوعٌ لَا يَجُوزُ، لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَرَوَى الصَّحِيحَانِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ ذَكَرَتَا كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِالْحَبَشَةِ فِيهَا تَصَاوِيرُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:” إن أولئك ذا كان فيهم الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ أُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ”. لَفْظُ مُسْلِمٍ. قَالَ عُلَمَاؤُنَا: وَهَذَا يُحَرِّمُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَتَّخِذُوا قُبُورَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْعُلَمَاءِ مَسَاجِدَ.

تفسير القرطبي (10/380)

وتأمل قول القرطبي

ثانيا : أما الاستدلال بقول الله تعالى { قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا } فليس في مكانه ! .

قال ابن كثير : حَكَى ابْنُ جَرِيرٍ فِي الْقَائِلِينَ  ذَلِكَ قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إِنَّهُمُ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ. وَالثَّانِي: أَهْلُ الشِّرْكِ مِنْهُمْ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ .

ثم قال : وَالظَّاهِرُ أَنَّ الَّذِينَ قَالُوا ذَلِكَ هُمْ أَصْحَابُ الْكَلِمَةِ وَالنُّفُوذِ. وَلَكِنْ هَلْ هُمْ مَحْمُودُونَ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ” يُحَذِّرُ مَا فَعَلُوا. وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ لَمَّا وَجَدَ قَبْرَ دَانْيَالَ فِي زَمَانِهِ بِالْعِرَاقِ، أَمَرَ أَنْ يُخْفَى عَنِ النَّاسِ .

تفسير ابن كثير (5/147)

وقال ابن رجب : واستدلَّ لذلكَ بأن اتَّخاذَ القبورِ مساجدَ ليسَ هو من شريعةِ الإسلامِ، بل من عملِ اليهودِ، وقد لعنَهُمُ النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – على ذلكَ.

وقد دلَّ القرآنُ على مثلِ ما دلَّ عليه هذا الحديثُ، وهو قولُ اللَّهِ عزَ وجلَّ

في قصةِ أصحابِ الكهفِ:{قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهم مَسْجِدًا} ، فجعل اتخاذَ القبورِ على المساجدِ من فعلِ أهلِ الغلبةِ على

الأمورِ، وذلك يشعرُ بأنَّ مستندَهُ القهرُ والغلبةُ واتباعُ الهوى، وأنَّه ليس من

فعلِ أهلِ العلم والفضلِ المتبعينَ لما أنزلَ اللهُ على رسلِهِ من الهُدَى.

تفسير ابن رجب (1/642)

المسألة الثالثة : قولهم بجواز التعبد والتبرك والدعاء عند قبور الصالحين

فقرروا جواز طلب الدعاء عندها .

التعليق : وهذه أعظم المسائل المذكورة في هذه الحلقة , وهي الوسيلة التي من أجلها حذر  النبي صلى الله عليه وسلم من اتخاذ القبور مساجد لأنها وسيلة لصرف العبادة لغير الله .

وقد تقدم قول الشافعي: وَأَكْرَهُ هَذَا لِلسُّنَّةِ، وَالْآثَارِ، وَأَنَّهُ كُرِهَ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ أَنْ يُعَظَّمَ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَعْنِي يُتَّخَذُ قَبْرُهُ مَسْجِدًا، وَلَمْ تُؤْمَنْ فِي ذَلِكَ الْفِتْنَةُ، وَالضَّلَالُ عَلَى مَنْ يَأْتِي بَعْدُ  .

الأم (1/317)

ونص مالك في رواية أنه يسلم ويمضي ولا يدعو : فقال مالك في المبسوط: لا أرى أن يقف  عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم يدعو، لكن يسلم ويمضي ” .

قال شيخ الإسلام : أما مالك رضي الله عنه فقد قال القاضي عياض: وقال مالك في «المبسوط»: لا أرى أن يقف عند قبر النبي صلى الله عليه وسلّم يدعو، لكن يسلّم ويمضي.

وهذا الذي نقله القاضي عياض ذكره إسماعيل بن إسحاق في «المبسوط» قال: وقال مالك: لا أرى أن يقف الرجل عند قبر النبيّ صلى الله عليه وسلّم يدعو، ولكن يسلّم على النبي صلى الله عليه وسلّم وعلى أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ثم يمضي. وقال مالك رضي الله عنه ذلك لأن هذا هو المنقول عن ابن عمر أنه كان يقول: «السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبت- أو يا أبتاه-». ثم ينصرف، ولا يقف يدعو.

الرد على الإخنائي (118)

 ورواية ابن عمر في مصنف ابن أبي شيبة بلفظ : عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَصَلَّى، ثُمَّ أَتَى قَبْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَبَا بَكْرٍ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَبَتَاهُ»، ثُمَّ يَأْخُذُ وَجْهَهُ وَكَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ يَفْعَلُ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ مَنْزِلَهُ .

مصنف ابن أبي شيبة (3/28)

وقال القاضي عياض : وتغليظ النبى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فى النهى عن اتخاذ قبره مسجداً؛ لما خشيه من تفاقم الأمر وخروجه عن حدِّ المبرَّة إلى المنكر، وقطعاً للذريعة، وقد نبه عليه – عليه السلام – فى قوله: ” لا تتخذوا قبرى وثناً يعبد ” ، ولأن هذا كان أصل عبادة الأصنام، فيما يذكر .. .

إكمال المعلم (2/450)

وفي المنتقى شرح الموطأ لأبي الوليد الباجي (1/296) : وَأَمَّا الدُّعَاءُ عِنْدَ الْقَبْرِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَبْسُوطِ لَا أَرَى أَنْ يَقِفَ الرَّجُلُ عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَدْعُو وَلَكِنْ يُسَلِّمُ ثُمَّ يَمْضِي .انتهى

-وقد استدل العلماء على منع التعبد عند القبر بقوله عليه الصلاة والسلام : لا تجعلوا بيوتكم قبورا .

قال ملا علي القاري : (ولا تجعلوها) أي بيوتكم (قبوراً) أي كالقبور خالية من العبادة .

شرح مسند أبي حنيفة (193)

وعن علي بن حسين: أنه رأى رجلا يجئ إلى فرجة كانت عند قبر النبي صلى الله عليه (كذا الأصل) فيدخل فيها فيدعو، فدعاه فقال: ألا أحدثك بحديث سمعته من أبي عن جدي رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم -؟ قال: «لا تتخذوا قبري عيدا ولا بيوتكم قبورا وصلوا علي فإن صلاتكم وتسليمكم تبلغني حيثما كنتم» .

ويقويه ما أخرجه ابن أبي شيبة أيضا وابن خزيمة في «حديث علي ابن حجر» (ج 4/رقم 48) وابن عساكر (4/ 217/1) (2) من طريقين عن سهيل بن أبي سهيل أنه رأى قبر النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – فالتزمه ومسح قال: فحصبني حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب فقال: قال رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم -: «لا تتخذوا قبري عيداً ولا تتخذوا بيوتكم مقابر، [وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني]»

تحذير الساجد (85)

وهذه سنة هاشمية في منع تحري الدعاء عند القبر

ثانيا : ذكر الدكتور في حادثة حدثت له  أنه قصد هو ومفتي أربد في سنة من السنوات صلاة ليلة القدر في مقام معاذ بن جبل وأنه قال : شممنا رائحة أطيب من المسك تفوح من القبر … إلى آخر كلامه .

التعليق : تأمل أن هذا الكلام فتح باب شر سيما أن العوام يتعلقون بمثل هذه القصص وربما أدى ذلك إلى غلو في هؤلاء الأموات وما يصاحب هذا الغلو في صرف شيء من العبادات لغير الله كما هو الحال عند الشيعة وقد قال الله تبارك وتعالى : {لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ} .

ولما نسمع مثل هذا الكلام من أناس ينتسبون للعلم لا نستغرب أن يتبع الدجال الأعظم , خلق عظيم , فالدجال يقول للسماء أمطري فتمطر وللأرض أنبتي فتنبر ووتبعه كنوز الأرض كيعاسيب النحل كما جاء في الأحاديث .

والناس تتعلق بأدنى من ذلك , وقد كنا مرة مع بعض الإخوة في منطقة الأغوار قريبا من مقام أبي عبيدة فذكر بعض العوام على سبيل القطع والجزم أنهم كانوا يستودعون السمن والعسل وغيرها – يستودعونها لأبي عبيدة – ويحفظها لهم !! .

فقلنا : إذا كان له هذه المقدرة , هذه بيت المقدس وهذه فلسطين  قاب قوسين ألا يهب لنجدة المسلمين ويدحر اليهود !! . فسكت ولم يجب .

هذا آخر التعليق والتعقيب والحمد لله رب العالمين .

وكتبه / الدكتور أبو عبدالرحمن ذو القعدة 1442 هجرية

لتحميل المادة العلمية :

بيان رابطة علماء المسلمين حول المجازر المروعة للمسلمين في أفريقيا الوسطى ( بلغات عِدّة)

🔴بيان رابطة علماء المسلمين حول المجازر المروعة للمسلمين في أفريقيا الوسطى باللغة العربية
https://www.facebook.com/124165877691309/posts/3988723481235510/

🔴بيان رابطة علماء المسلمين حول المجازر المروعة للمسلمين في أفريقيا الوسطى باللغة الإنجليزية
https://www.facebook.com/124165877691309/posts/3999523243488867/

🔴بيان رابطة علماء المسلمين حول المجازر المروعة للمسلمين في أفريقيا الوسطى باللغة التركية
https://www.facebook.com/124165877691309/posts/3999517883489403/

🔴بيان رابطة علماء المسلمين حول المجازر المروعة للمسلمين في أفريقيا الوسطى باللغة الساحلية
https://www.facebook.com/124165877691309/posts/3999504750157383/

🔴بيان رابطة علماء المسلمين حول المجازر المروعة للمسلمين في أفريقيا الوسطى باللغة الفرنسية
https://www.facebook.com/124165877691309/posts/3999506330157225/

🔴بيان رابطة علماء المسلمين حول المجازر المروعة للمسلمين في أفريقيا الوسطى باللغة الألمانية
https://www.facebook.com/124165877691309/posts/3992557797518745/

🔴مشاهد مؤلمة للمجازر بحق المسلمين في أفريقيا الوسطى
https://fb.watch/v/NjdirC5P/

🔴رسالة لعموم الأمة الإسلامية من الأمين العام لرابطة علماء المسلمين
https://fb.watch/v/19Ml5__Rw/

حديث الافتراق رواية ودراية

حديث الافتراق رواية ودراية

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله:

فقد كانت ليلة أمس (7 ذو القعدة 1424 هـ ) – بفضل الله وتوفيقه – عرساً لأهل السنة ، فرحت فيها قلوبهم ، وقرت بها أعينهم ، فقد كان اللقاء الشهري في محافظتنا – إربد في شمال الأردن – مع مجموعة كبيرة من أهل الخير والفضل من الدعاة والعاملين للإسلام من جميع الاتجاهات والجماعات ، وقد غصَّ بهم المسجد ، ولم يجد بعضهم مجالاً للصلاة فيه إلا عندما خرج بعض من كان فيه ممن صلى قبلُ.

وقد كان في تلك الليلة محاضرتان ، وكانت الأولى للدكتور الشيخ أحمد المناعي وكانت بعنوان ” الائتلاف والاختلاف في القرآن “، وقد أبدع فيها أيما إبداع.

وكانت المحاضرة الثانية لي ، وكانت بعنوان ” حديث الافتراق رواية ودراية ” ، وأحسب أنني أتيتُ على أبرز الشبهات التي طُعن فيها متن الحديث – وكانت حوالي عشر شبهات – فبينتُ خواءها ووكاءها.

ويمكنني عرض ملخص للمحاضرة في النقاط الآتية:

1. التفريق بين الاختلاف والافتراق ، وبينت أن الاختلاف أهون من الافتراق ، وأن الافتراق مذموم ، والاختلاف منه ما هو محمود ومنه ما هو مذموم.

ثم بينت ألفاظ الحديث ومنها : ” عن أبي عامر الهوزني عن معاوية بن أبي سفيان أنه قام فينا فقال : ألا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فينا فقال ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهي الجماعة “. رواه أحمد وأبو داود.

ومنها من حديث عبد الله بن عمرو: ” … قالوا ومن هي يا رسول الله قال ما أنا عليه وأصحابي “.

2. وبينت أن العلماء المحققون على صحة الحديث ، ومنهم الترمذي والعراقي وابن تيمية والشاطبي.

3. ورددت على الشبهات التي طُعن فيها متن الحديث ، وفيها بيان : أن لفظ ” الأمة ” في الحديث المقصود به ” أمة الإجابة ” ، وأن هذا هو أغلب استعمال اللفظ في السنَّة ، وذكرت أدلة على هذا.

4. وبينتُ أن الحديث لا ينافي رحمة الله لأمة النبي صلى الله عليه وسلم لأمور منها :

أ. أن اختلافها لا يؤدي بها إلى الخلود في النار ، بل استحقاق العذاب ، ولا يعني أنها مرحومة أنها لن تعذب، بل لن تخلد.

وهم مُدركون : برحمة الله تعالى ، وبشفاعة نبيها ، وشفاعة الصالحين.

ب. أن نجاة الفرقة الناجية لا يلزم منه عدم تعذيبها ، فهم نجوا بعقائدهم ، لكنهم سيحاسبون على أعمالهم ، والمخالف منهم والعاصي مستحق للعذاب.

5. وبينتُ أن الصحابة قد عصمهم الله من الوقوع في البدعة والضلالة ، وفيه رد على من زعم أن الحديث لا يصح وخاصة في قوله ” ما أنا عليه وأصحابي “، أن الخلاف الذي وقع بينهم ليس له علاقة بتوحيد ولا عقيدة.

6. ثم ذكرتُ بعض الأحاديث الدالة على ذم التفرق ، والناهية عنه ، ومنها : حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً خطاً ثم قال: ” هذه سبيل الله ” ثم خط خطوطاً عن يمينه، وخطوطاً عن يساره ثم قال: ” هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعوا إليه ” ثم قرأ هذه الآية: { وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السُّبُل فتفرق بكم عن سبيله } “.

7. ثم ذكرتُ أن التفرق قد وقع في هذه الأمة ، وأنه سيقع كما دل عليه حديث الافتراق ، وحديث ابن مسعود السابقيْن ، وغيرهما.

وقد ذكرنا أكثر من دليل على وقوعه ، وأنه لا داعي لنفي وقوعه ، أو الزعم بأن خطبة أو درساً أو جماعة هي التي فرَّقت المسلمين!

8. ثم ذكرتُ أسباب تفرق الأمة ، وهي كثيرة ، من أبرزها : كيد الكائدين ومكر الماكرين من أهل الديانات المحرَّفة والشرائع الأرضية ، وكذا الأهواء والعصبيات الشعوبية والحزبية والقبلية ، وكذا الخلل في منهج التلقي ، وقد توسعت في هذا وبيَّنت أن أكثر الأهواء وقعت لهذا السبب ، وأنهم قد أخذوا العلم من غير أهله ، فقد تركوا الكبار الأكابر ، ورضوا بالصغار الأصاغر ، وأن هذه الرؤوس المنحرفة طعنت في العلماء وأسقطت هيبتهم – بل وقد كفَّرهم بعضهم – وذلك حتى يخلو الجو لهؤلاء الأصاغر فيُضلوا بعد أن ضَلُّوا.

ومن الأسباب : عدم الرجوع إلى أهل العلم في المسائل الكبيرة والمهمات ، مما فتح الباب للأهواء أن تدخل إلى قلوبهم ثم أصلوا لها ونظروا ، ووقعوا في مخالفات شرعية ، ولذا ادعى بعضهم ” المهدية ” بأدلة واهية ، ومنهم بالرؤى والمنامات دون الرجوع إلى أهل العلم وإيقافهم على الشبهة من أولها.

ومن الأسباب كذلك : دعاوى التجديد في الدين سواء في أصول الفقه أو في أصول الحديث أو في التفسير ؛ وذلك لقطع الطريق بين الأمة وسلفها.

ومن الأسباب كذلك : التهاون والتساهل في حرب أهل البدع والتحذير منهم ، وأنه عندما طُلب من بعض رموز المسلمين أن يحذِّر من الأحباش في بلده ويحاربهم لم يرضَ هذا ، وقال : ” دعوهم فسيموتون من حيث بدأوا ” ، وما زال الأحباش في ازدياد وقوة حتى أخذوا مساجد جماعة تلك الرموز ، بل وقتلوا بعض أهل السنة.

وبيَّنت أن هذا لم يكن هدي السلف ، فهذا ابن مسعود يحذر ويطرد أهل البدع من المسجد وكانوا يذكرون الله تعالى بطريقة بدعية ، وهذا ابن عمر يتبرء من القدرية ، وهذا مالك يطرد من سأله عن ” كيفية الاستواء ” ، وهذا الحسن البصري يطرد واصل بن عطاء ويحذر منه ، وأخيراً – وهذا لم أتذكره – هؤلاء علماء اللجنة الدائمة يحذرون من الإرجاء الدخيل على أهل السنة والذي حاول أهله إلصاقه بهم ، فضربوا بيدٍ من حديد وكثرت فتاواهم وتحذيراتهم من رؤوسهم وكتبهم ومقالاتهم.

وبيَّنت أن ” الشرك والبدعة ” هما من فرَّق الناس ، فالشرك فرَّق البشرية فقد كانوا من آدم إلى نوح عشرة قرون على التوحيد ففرقهم الشرك ، والبدعة هي التي فرَّقت المسلمين ، فعلى كل داعية الانتباه لهذا والعمل على محاربة ما يفرق المسلمين وهما الشرك والبدعة.

9. ثم ذكرت تاريخ الافتراق في الإسلام ، وأن أوله : ” التشيع – وتحوَّل إلى رفض – والخارجية ” وهما أخبث الفرق التي فرَّقت المسلمين بعقائد خربة حتى أدت هذه الفتن إلى تكفير خير الناس بعد الأنبياء ، وحمل السلاح على المسلمين.

10. ثم بينت أن معنى قوله صلى الله عليه وسلم ” كلها في النار ” لا يعني الخلود فيها ، بل هو التوعد بالعذاب ، والحكم بالضلال.

11. وبيَّنت أن الفرقة الناجية نجت من البدع والضلال والانحراف في الدنيا ، وهي ناجية من عذاب الله تعالى في الآخرة بهذا الاعتقاد ، ولا يعني هذا نجاتها مطلقاً ، فهم معرضون للعذاب بسبب تركهم للواجبات وفعلهم للمحرمات.

12. وبيَّنت أن ذِكر التفرق والافتراق إنما هو للحذر منه وسلوك طريقه ، فلينتبه المسلم لطريق الذي يسير عليه ، وليتذكر حديث ابن مسعود فقد يكون سائراً على إحدى السبل التي خطها النبي صلى الله عليه وسلم ذات اليمين وذات الشمال ، وقد يكون من الثنتين وسبعين فرقة التي حكم النبي صلى الله عليه وسلم بأنها في النار.

وأن المسلم يجب عليه حتى ينجو أن يسير على الخط المستقيم في حديث ابن مسعود لا عوج فيه ولا انحراف ، وعليه أن يكون من الفرقة الناجية.

وأن الطريق الذي ينجي صاحبه واحد وهو طريق الصحابة رضي الله عنهم في الإيمان والقرآن والأسماء والصفات خاصة ، وباقي مسائل التوحيد والعقيدة عامة.

13. وبينت من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عدم جواز تعيين فِرقة بأنها من الثنتين والسبعين إلا بدليل ، فكيف تُجعل الجماعات الإسلامية منها!؟.

قال ابن تيمية :
وأما تعيين هذه الفرق فقد صنف الناس فيهم مصنفات وذكروهم في كتب المقالات ، لكن الجزم بأن هذه الفرقة الموصوفة هي إحدى الثنتين والسبعين لا بد له من دليل ، فإن الله حرم القول بلا علم عموما وحرم القول عليه بلا علم خصوصا، فقال تعالى : { قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون } ، وقال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} ، وقال تعالى : { ولا تقف ما ليس لك به علم }. انتهى.

14. وذكرتُ أنه لا يجوز ادعاء فِرقة أنها هي الناجية حتى يوافق مخبرها مظهرها ، وحتى تكون حقائقها كادعاءاتها ، وليس لأحد أن ينصِّب شيخاً ويجعل من يحبه ويواليه هو من الفرقة الناجية ، ومن خالفه كان من الهالكين ، بل الصحيح أن من زعم هذا وادعاه فهو الضال ، وهو من أهل البدع والتفرق!!.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية :
فمن جعل شخصاً من الأشخاص – غير رسول الله – مَن أحبه ووافقه كان من أهل السنة والجماعة ، ومن خالفه كان من أهل البدعة والفرقة – كما يوجد ذلك في الطوائف من اتباع أئمة في الكلام في الدين وغير ذلك – كان من أهل البدع والضلال والتفرق. انتهى.

ومما ذكرته هنا : ادِّعاء بعض الفِرق بل الجماعات الإسلامية أن دعوتهم مثل ” الثلاجة ” ! من خرج منها فسد ! ، وآخرون يزعمون أنهم ” جماعة المسلمين ” ، وآخرون يزعمون أنهم هم ” الفِرقة الناجية ” دون غيرهم ، وهذا ليس بمقبولٍ من كل زاعم ، وخاصة إذا أنكر على غيره هذا الادِّعاء ، فمن أين له أنه يجوز له ما لا يجوز لغيره؟.

15. وبينت أن أولى الناس بأن يكون من الفرقة الناجية هو من ليس متبوع يتعصب له إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأن أهل الحديث والسنة هم أولى الناس بهذا ؛ لأنهم أعلم الناس باعتقاده وهديه وسنته ، ويميزون بين صحيح السنة وضعيفها ، وبينتُ وجوب الاهتمام بالتضعيف والتصحيح للأحاديث ليقف المسلم على صحة الحديث فيعمل به ، ويعرف ضعفه فيحذر من العمل به واعتقاده ، وكثير من العقائد كان مستندها أحاديث ضعيفة وموضوعة.

وذكرت هنا : أن الفِرق والمذاهب المنحرفة لو سألتَهم ” متى بدأتم ” ؟ و ” من رأس طائفتكم ” ؟ لما أنكر عليك هذين السؤالين ولأجابك عنهما ، أنهم بدأوا في تاريخٍ معين ورأسهم هو فلان ، وأهل السنة والجماعة – الفرقة الناجية – يجيبان بأنهم بدأوا من بعثة النبي صلى الله عليه وسلم ، ورأسهم هو النبي صلى الله عليه وسلم نفسه ، لا أحمد ولا ابن تيمية ولا محمد بن عبد الوهاب ولا الألباني ولا ابن باز.

وأنه إذا دعي يوم القيامة الناس بإمامهم فإن كل فرقة وجماعة يكون لهم رأس يقودهم إلا الفرقة الناجية فإن إمامهم النبي صلى الله عليه وسلم ، ويكفيهم هذا فخراً وشرفاً.

16. وبيَّنت أننا لا يهمنا الاشتغال ببيان عدد وأوصاف الفرقة الهالكة وبيان أسمائها ، فلم يبيِّن لنا صلى الله عليه وسلم إلا بعضها كالمرجئة ! والقدرية وهم مجوس هذه الأمة ، والخوارج وهم أصحاب التكفير وحمل السلاح على المسلمين.


ويكفينا أننا نعلم وصف الفرقة الناجية واعتقادها ، وهو الذي بيَّنه صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي نحن بصدد بيانه وشرحه ، فطرق الضلال لا حد لها ولا عد ، وهذا بخلاف الفرقة الناجية التي ترك لنا النبي صلى الله عليه وسلم هديها وعقائدها بيضاء نقية.

17. ثم بيَّنت أن الفرق التي ذكر عددها النبي صلى الله عليه وسلم ليست خارجة من الإسلام ، بل هي ضالة منحرفة ، وأنه قد أخطأ من جعلها خالدة في النار كما أخطأ من لم يرهم متوعدين بالعذاب ، وأن الصواب أنهم متوعدون غير خالدين ، ونقلت عن شيخ الإسلام رحمه الله وعن الذهبي ما يؤيد هذا.

قال شيخ الإسلام :
فمن كفَّر الثنتين والسبعين فِرقة كلَّهم : فقد خالف الكتاب والسنَّة وإجماع الصحابة والتابعين لهم بإحسان … وليس قوله ” ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة ” بأعظم من قوله تعالى { إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا } ، وقوله { ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوق نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا } ، وأمثال ذلك من النصوص الصريحة بدخول من فعل ذلك النار.

” منهاج السنة ” ( 5 / 249 ، 250 ).

18. ثم بيَّنت العلامات الإجمالية لفِرق الضلال ، وهي : التفرق ، الزيغ ، الهوى.

19. ثم بيَّنت أن الجماعات الإسلامية كالإخوان والتبليغ ليست من الفرق الثنتين والسبعين ، وأن هذا لا يعني أن أفراد الجماعات ناجون من كونهم منهم ، لكن الحكم إنما يكون على أفرادهم لا على عمومهم ، ومن قال بغير هذا فقد أخطأ وخالف الواقع ، وأن ما قلناه في الجماعات ينطبق كذلك على ” السلفيين ” ! وقد رأينا كيف أن بعض من ينتسب إليهم قد دخل عليه الإرجاء ، فلا ينجو أحد بالنسبة حتى يكون الواقع لحاله كادعائه.

ونقلت عن الشيخين ابن باز والألباني ما يؤيد هذا.

أ. سئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:
إذاً يا شيخنا الكريم ، الذي يقول : بأن هذه الجماعات الإسلامية من الفرق التي تدعو إلى جهنم والتي أمر النبي باعتزالها فهمه على كلامكم غير صحيح؟

أجاب :
الذي يدعو إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ليس من الفرق الضالة ، بل هو من الفرق الناجية المذكورة في قوله صلى الله عليه وسلم : ” افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة وافترقت النصارى على اثنين وسبعين فرقة وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة قيل ومن هي يا رسول الله؟ قال من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي ” وفي لفظ : ” هي الجماعة “.

والمعنى : أن الفرقة الناجية : هي الجماعة المستقيمة على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم . من توحيد الله ، وطاعة أوامره وترك نواهيه ، والاستقامة على ذلك قولا وعملا وعقيدة ، هم أهل الحق وهم دعاة الهدى ولو تفرقوا في البلاد ، يكون منهم في الجزيرة العربية ، ويكون منهم في الشام ، ويكون منهم في أمريكا ، ويكون منهم في مصر ، ويكون منهم في دول أفريقيا ، ويكون منهم في آسيا ، فهم جماعات كثيرة يعرفون بعقيدتهم وأعمالهم ، فإذا كانوا على طريقة التوحيد والإيمان بالله ورسوله ، والاستقامة على دين الله الذي جاء به الكتاب وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فهم أهل السنة والجماعة وإن كانوا في جهات كثيرة ، ولكن في آخر الزمان يقلون جدا.

فالحاصل: أن الضابط هو استقامتهم على الحق ، فإذا وجد إنسان أو جماعة تدعو إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وتدعو إلى توحيد الله واتباع شريعته فهؤلاء هم الجماعة ، وهم من الفرقة الناجية ، وأما من دعا إلى غير كتاب الله ، أو إلى غير سنة الرسول صلى الله عليه وسلم فهذا ليس من الجماعة ، بل من الفرق الضالة الهالكة ، وإنما الفرقة الناجية : دعاة الكتاب والسنة ، وإن كانت منهم جماعة هنا وجماعة هناك ما دام الهدف والعقيدة واحدة ، فلا يضر كون هذه تسمى : أنصار السنة ، وهذه تسمى : الإخوان المسلمين ، وهذه تسمى : كذا ، المهم عقيدتهم وعملهم ، فإذا استقاموا على الحق وعلى توحيد الله والإخلاص له واتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم قولا وعملا وعقيدة فالأسماء لا تضرهم ، لكن عليهم أن يتقوا الله ، وأن يصدقوا في ذلك ، وإذا تسمى بعضهم بـ : أنصار السنة ، وتسمى بعضهم بـ : السلفيين ، أو بالإخوان المسلمين ، أو تسمى بعضهم بـ : جماعة كذا ، لا يضر إذا جاء الصدق ، واستقاموا على الحق باتباع كتاب الله والسنة وتحكيمهما والاستقامة عليهما عقيدة وقولا وعملا ، وإذا أخطأت الجماعة في شيء فالواجب على أهل العلم تنبيهها وإرشادها إلى الحق إذا اتضح دليله.

والمقصود: أنه لا بد أن نتعاون على البر والتقوى ، وأن نعالج مشاكلنا بالعلم والحكمة والأسلوب الحسن ، فمن أخطأ في شيء من هذه الجماعات أو غيرهم مما يتعلق بالعقيدة ، أو بما أوجب الله ، أو ما حرم الله نبهوا بالأدلة الشرعية بالرفق والحكمة والأسلوب الحسن ، حتى ينصاعوا إلى الحق ، وحتى يقبلوه ، وحتى لا ينفروا منه ، هذا هو الواجب على أهل الإسلام أن يتعاونوا على البر والتقوى ، وأن يتناصحوا فيما بينهم ، وأن لا يتخاذلوا فيطمع فيهم العدو. ” مجموع الفتاوى ” ( 8 / 181 – 183 ) .

ب. قول الشيخ الألباني:
قال السائل : ” هل الإخوان والتبليغ من الفِرق التي أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم ؟ “

قال الشيخ الألباني : لا لا الإخوان المسلمون فيهم من جميع الطوائف فيهم سلفيون ، فيهم خلفيون ، فيهم شيعة ، فيهم كذا وكذا ، فلا يصح أن يُطلق عليهم صفةٌ واحدة .

وإنما نقول : من تبنى منهجا خلاف الكتاب والسنة من ” أفرادهم ” فهو ليس من الفرقة الناجية بل هو من الفرقة الهالكة .

أما جماعة : والله أنا بقول السلفيين , أنا ما بقول عنهم أنهم من الفرقة الناجية ، السلفيين إيش رأيكم ؟ .

قال أحد الحاضرين : ولا نقول منهج السلف ؟ .

الألباني : ” إيه طبعا ” .

السائل : يعني ” كأفراد )) يا شيخ ؟ .

الألباني : ” نعم ” .

السائل : الحكم على ” الأفراد ” ؟ .

الألباني : ” الحكم على ” الأفراد ” أحسنت ” .

شريط ” البدعة والمبتدعة ” .

20. وأخيراً ذكرتُ الأسباب التي تُسلك حتى يتوقى المسلم الافتراق ، ومنها : الاعتصام بالكتاب والسنة ، والسير على نهج السلف الصالح ، والالتفات حول علماء الأمة ، والحذر من التعالي على العلماء ، أو الشذوذ عنهم .

الأسئلة:

وقد أجبتُ عما تيسر من الأسئلة ومنها :

أ. ذِكر قاعدة أهل السنة والجماعة في الأسماء والصفات ، وهي : إثبات ما أثبته الله ورسوله ، ونفي ما نفاه الله ورسوله ، والتوقف فيما لم يرد إثباته أو نفيه حتى نستفصل من القصد والمعنى ، فإن كان معنى ثابتاً أثبتناه دون لفظه ، وإن كان مخالفاً نفيناه ولفظه.

ب. بيان معنى ” نسوا الله فنسيهم ” وأن النسيان له معنيان في اللغة ، وهما : ضد الذاكرة ، والترك ، والأول منفي بقوله تعالى { لا يضل ربي ولا ينسى } ، والثاني هو المقصود في الآية وهو جزاء تركهم لشرع الله ، فكان الجزاء من جنس العمل ، والترك ثابت من أفعاله تعالى كما في قوله تعالى { وتركهم في ظلمات لا يبصرون }.

ت. التحذير من نشر الأحاديث الضعيفة فضلا عن الموضوعة ، وأنه لا يعذر بذلك الخطيب والمحاضر والكاتب وعندهم سعة من الوقت للنظر في كتب السنة الصحيحة ، وقد يسر الله تعالى لنا الطريق لمعرفة ذلك.

ج. وحذرت من التكفير بغير حق ، وقلت إن الأحوط للمسلم والأبرء لذمته أن لا يكفر إلا من ورد فيه النص أو أجمع عليه أهل العلم ، وأنه حيث رأى خلافاً في وصف أو فعل أو شخص فالأحوط هو عدم الذهاب للكفر ، وترك ذلك لكبار أهل العلم لأنهم يملكون الآلات للحكم.

ومن قواعد التكفير التي ذكرتها :

1. من أسلم بيقين فلا يخرج منه إلا بيقين مثله .

2. الخطأ في عدم التكفير أهو من الخطأ في التكفير .

3. من أخطأت في تكفيره وهو مسلم فإن له حقا يستوفيه منك ، ومن أخطأت فلم تكفره فليس له حق عندك ليطالبك به.

وأخيراً :

نحمد الله تعالى أننا أوصلنا للناس على اختلاف توجهاتهم وأفكارهم حقيقة الفرقة الناجية ، وحقيقة الفرق الضالة الهالكة ، وبينا رحمة الله بالخلق في إرسال الرسل وإقامة الحجة على الناس ، وأنه ليس من هدي السلف الغلظة والجفاء فضلاً عن اتهامهم بما ليس فيهم ، وخاصة للعاملين للإسلام ، ونزَّهنا الأئمة والعلماء أن يكونوا ظالمين لهم بإدخالهم جميعاً في الفِرق الضالة ، وحذَّرنا ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً من تنكب طريق السلف ومخالفته ، وبيَّنا أن المسلم لا يرضى إلا أن يكون إمامه ومتبوعة النبي صلى الله عليه وسلم.

وكانت ليلة أمس – بفضل الله تعالى – عرساً لأهل السنَّة ، نرجو الله أن يتقبل أعمالنا ، وأن يغفر لنا زللنا ، وأن يجزي خيراً من ساهم في ترتيبه وإنجاحه ، ونسأله تعالى أن يعلي راية السنة ، وأن يهدي ضال المسلمين إلى الحق.

وقد استفدت في إعداد المحاضرة من كتاب الصنعاني ” حديث افتراق الأمة ” وتحقيقه للشيخ سعد السعدان ، ومن كتاب الشيخ ناصر العقل في ” الافتراق ” ، وغيرهم ممن نحن عالة عليهم من سلفنا الصالح وأئمتهم رحمهم الله ورضي عنهم.

والله الموفق.

تثبيت المسلمين فيما يجري في فلسطين

تثبيت المسلمين فيما يجري في فلسطين

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه، ومن اقتفى أثره، واستن بستنه، إلى يوم الدين، أما بعد:

فقد بات اليوم واضحًا أمام العالم أجمع أن الكيد لدين الله مراد، وأن ما يجري منذ عقود بعيدة من تغيرات وانقلابات في مزاج العالم الإسلامي ومجتمعاته ليس إلا لتمسّكهم بالدين وأنهم أبناء هذا التوحيد الخالص، والدين الخالد، ولا أدلّ على هذا ما يمارسه أعداء الله ورسوله من أولئك الشرذمة من اليهود ضد أخوة لنا في الدين والعقيدة، فانتهكوا حرمات الله ومقدساته، بل ومسلمات الفطرة، وحتى قوانين العالم البشرية، فصدق الله عز من قائل: (إنْ هم إلا كالأنعام بل هم أضل ). [الفرقان / الآية 44].

وعليه، كان لزامًا على هذه الأمة أن تنهض لنصرة إخوانهم، وأن تقف معهم كالجسد الواحد، وأن تصطفّ إلى جانبهم كالبنيان المرصوص، استجابة لأمر خالقها وسنة نبيها -صلى الله عليه وسلم-.

 قال جل في علاه: (إنما المؤمنون إخوة). [الحجرات / الآية 10]، وقال عليه الصلاة والسلام: (مثل المؤمنين في توادهم، وتراحمهم، وتعاطفهم، مثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)[1]، وعلى هذا مضت أصول الشريعة.

ومن هنا فإنّنا نهيب بإخواننا من كافة شرائح المجتمع المسلم، بتحقيق الصدق والإخلاص لنصرة إخوانهم هناك ومن قبلها المسجد الأقصى، بكافة ما يستطيعون، ابتداء بالعودة إلى الله، والتزام حدوده، والتوجه بصدق الدعاء والإلحاح إليه، والوقوف معهم معنويًّا وماديًّا، وإحياء قضيتهم على كافة الصعد، من الجهات الشرعية، واللجان المعنية، وأن تتوجه لذلك عقول وأقلام صناع القرار، ومن دونهم كل بحسبه، (لا تكلف نفس إلّا وسعها)، وبثّ هذه العقيدة في نفوس الأجيال جيلًا بعد جيل.

وختامًا وفي هذه الليالي المباركة، نسأله سبحانه صدق التوجه إليه، وحسن التوكل عليه، بأن يصلح حال المسلمين، في مشارق الأرض ومغاربها، وأن يرفع عنهم ابتلاءه، ويكشف عنهم ما أهمّهم وأغمّهم، وأن يكبت عدوّهم ويردّهم على أعقابهم خاسرين، خائبين، مدحورين، وأن يبرم لهذه الأمة أمر رشد، يُعزّ فيه أهل طاعته، ويُهدَى فيه أهل معصيته.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

إحسان بن محمد العتيبي

الأردن

إربد- بيت رأس

ليلة: 30 من رمضان / 1442 هـ

الموافق: 11/5/2021 م

———————–

(إدارة موقع)

www.ihsan-alotibie.com

[ob_field “fQuestion”]


[1] ) أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب: تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم، حديث رقم (2568)، (4/1999)، من حديث النعمان بن بشير – رضي الله عنه -.