الرئيسية بلوق الصفحة 338

نصيحة لمن أسلمت جديدا , وشعرت بالابتعاد عن ربها

نصيحة لمن أسلمت جديدا , وشعرت بالابتعاد عن ربها

السؤال:

أنا أخت لكم وقد أسلمت منذ 11 عاما ، وكنت قبل ذلك أشعر بالفضول تجاه الإسلام وذلك لمتابعتي لمالكولم إكس ، كنت دائما أرى المسلمات وأكنُّ لهن الاحترام الشديد ؛ لأني كنت أرى فيهن الوقار والجمال إلى درجة كبيرة بسبب طريقتهن في اللبس ، وعندما غادرت البيت وأنا في السابعة عشرة من العمر انتقلت إلى مدينة أخرى يقطنها عدد كبير من المسلمين ، وقد تعرضت مرة أخرى للإسلام وأهديَ إليَّ القرآن ، كنت في غاية السعادة ، وكنت أشعر دائما في قلبي أن هناك شيئاً خاصّاً جدّاً حول هذا الطريق مع أني كنت جاهلة فيما يتعلق بتعاليمه ، على أية حال فقد حصل ذلك في وقت كنت أعاني فيه من ضعف شديد وكنت حينها في حاجة للتوجيه والمساعدة ، ولم يكن حولي أحد ، لا أهل ، ولا شيء آخر ، بل كنت محاطة بكل الأمور السيئة من بغاء ومخدرات وقمار وقتل وسرقة إلخ ،  كما أن جميع عماتي وأعمامي ( أو ربما خالاتي وأخوالي ) كانوا مدمني مخدرات ، وسرعان ما سار أبناؤهم على نفس خطاهم ، وبفضل الله لم أسمح مطلقا لنفسي بالانخراط في جميع الأشياء الفاسدة التي كانت تحدث من حولي ، ثم بدأت مع أختي نقرأ القرآن في المساء ما لامس قلبي على الفور بطريقة غير مسبوقة ، كنا نبكي عند قراءتنا للنصوص حول جهنم ؛ لأننا كنا نؤمن بالنار ولم نكن نرغب في دخولها ، ونحن نعلم دون أي شك أن هذا الكتاب كان حقّاً ، لقد شعرت أنه مشابه للكتاب المقدس في كثير من الجوانب لكنه كان الخطوة التالية ، وبعد مرور أسبوعين ذهبنا للمسجد وأعلنَّا الشهادة ، مرت الأعوام ومررت بمراحل لا يمكن تصديقها ، وها أنا الآن قد تزوجت ثلاث مرات من مسلمين ، كل واحد منهم عاملني بطريقة سيئة جدّاً وتُركت في النهاية ، أما أحدهم فقد طلب الطلاق وأنا حامل ، وعندما أخبرني أنه لا يحبني أخذت أنزف بغزارة حتى سقط الجنين ، أما الآخران فكانا يعانيان من اعتلالات عقلية لم أكن أعلم قبل أن أتزوج بأي منهما ، والآن ، وبعد أن أصبح كل ذلك قيد الماضي ، إلا أني تحطمت تماماً .  كنت في الماضي قويَّة جدّاً ، وقادرة على التكيف مع المستجدات ، إلا أني الآن أشعر وكأني أطفو على سحب من الضياع ، كيف فقدت ربي وهو قريب جدّاً ؟  كيف يمكن للواحد أن يستعيد ذلك ؟ لماذا تركت الله وأنا أعلم أنه يقول إنه سيبتلي من يحب ؟ أنا أشعر بضعف شديد وبالتحطيم ، وأنه لا قيمة لي أو جمال ، والآن وبعد كل هذا الوقت فقد تحطمت وأخذت أقع في أمور كنت قد قلت إني لن أعود لها البتة ، أنا أشرب ( الخمر ) يوميا في البيت بمفردي ، وأشرب السجائر ، أنا لا أريد فعلا أن أعيش كما لا أريد أن أموت لأني أعلم أني لست على طريق صحيحة ، وكل ما أتمناه هو لو أني كنت قد حُميت من كل هذه الفتن وبقيت مع الله بجواره ، أرجو أن تساعدني .

الجواب:

الحمد لله

أولاً :

نحمد الله تعالى أن هداكِ للإسلام ، ونسأله عز وجل أن يثبتك على هذا الدين ، وأن يرزقك علماً نافعاً ، وعملاً صالحاً .

ثانياً :

وتجارب زواجكِ من ثلاثة من المسلمين مما يؤسف له ، لكن ينبغي أن تعلمي أنه لا أحدَ يمثِّل الإسلام ؛ لأن البشر غير معصومين عن الخطأ والزلل ، والإسلام بأحكامه وتعاليمه السامية العالية لا يمكن أن ينازع أحدٌ فيه ، ولم توجَّه سهام إليه إلا وارتدت على أصحابها ، لكنَّ تطبيق المسلمين للإسلام هو الذي فيه الخلل ، وعليه : فما يصدر من المسلمين من أفعال وأقوال فهي إنما تمثلهم هم لا تمثِّل الإسلام .

ومن هنا نجد حرص الإسلام على أن يكون المسلم قدوة صالحة في بيته ومجتمعه ، وسواء كان بين ظهراني المسلمين أم بين الكفار ؛ وذلك ليقدِّم الصورة المثلى للمسلم المتبع لأحكام دينه ، وليكون داعية لهذا الدين الذي ارتضاه الله تعالى للعالَمين .

وكل الناس يعلمون أن مئات الملايين من الناس – بل قد صاروا مليارات – في صحيفة أعمال بعض التجار الصادقين في معاملاتهم ، وهم الذين دخل في الإسلام – بسبب صدق تعاملهم – دول كثيرة في آسيا وغيرها ، وهؤلاء كانوا تجاراً ولم يكونوا دعاة متفرغين ، ولا علماء متخصصين ، وهذا يدل على أن المسلم يجب أن يكون أنموذجاً ومثالاً في سلوكه ومعاملته ؛ لأنه سفير هذا الدين ، والمبلِّغ للعالَمين حقيقة تشريعات الإسلام .

والذي يُرجى من كل من أراد أن يدخل في دين الله تعالى ، أو كان في بداية دخوله أن لا ينظر إلى أفعال المسلمين على أنها هي الإسلام ، فالإسلام أمر بالصدق ، والعفاف ، والإحسان للجيران والأهل والزوجة والأبناء ، وأمر بصلة الرحم ، ونهى عن الظلم والكذب والغش ، وكل من يخالف ذلك فهو متبع لهواه ، ومخالف لتعاليم الإسلام .

ثالثاً :

وإننا لنأسف أن تكوني واحدة من أولئك المسلمين المخالفين لشرع الله تعالى ، فقد ذكرتِ من حالكِ اللاحقة ما تعلمين أنكِ تعصين الله تعالى به ، وتتسببين في غضبه ، وأنتِ التي ذكرتِ من حالكِ قبلُ أنك كنتِ تبكين عند قراءة القرآن ، وأنكِ تخافين من نار الآخرة ، فأين ذهب خوفك من الله تعالى ؟ وأين ذهب خوفك من النار ؟ وأنتِ تعلمين أن انتهاء حياة الإنسان مما لا يعلمه أحدٌ إلا الله عز وجل ، فهل ترضيْن أن تلقي ربك تعالى وأنتِ على هذه الحال ؟ وهل ستكون حجتكِ يوم القيامة أنه تزوجتِ من مسلمين بعضهم سيء وبعضهم مسلوب العقل ؟ هل هذه الحجة التي عندكِ لتلاقي بها ربك عز وجل ؟ .

إن الأمر جد خطير ، وهو يدعونا للقلق على حالكِ التي وصلتِ لها ، ووالله إننا لا نتمنى ذلك لمسلم ، فكيف رضيتيهِ أنتِ لنفسك ؟ هل فكرتِ في الموت ، وفي القبر ، وفي البعث ، وفي الحشر ، وفي موقف تطاير الصحف ونصب الموازين ؟ وهل فكرتِ في الصراط والجنة والنار ؟ .

تذكري أنك تركتِ ديناً كنتِ ترينه الحق ، وقد وفقك الله تعالى للإسلام ، وكان الواجب عليكِ أن تشكري ربك عز وجل أن هداك للدين الحق ، ومن ترك ديناً كان يعتقده حقا فهو قادر على ترك معاصٍ تغضب الله تعالى ولا تزيده إلا ضعفاً ووهناً ومرضاً ، وحسن ظننا بك يدعونا للتفاؤل أنكِ سترجعين إلى أحسن مما كنتِ عليه سابقاً ، وأن هذه التجربة المريرة في حياتك ستكون درساً بليغاً لكِ في التقرب إلى الله تعالى ، وبالشكر له أن يسَّر لك سبيل تركها بمراسلتنا ، وسماعك لما نقول ، والاستجابة – إن شاء الله – للحق الذي تعلمينه من الإسلام .

رابعاً :

– لا تصعِّبي على نفسك أمراً هو سهل في ذاته ، فالمطلوب منك الآن :

  1. التوبة الصادقة والندم على ما حصل منكِ من تنكب الصراط السوي المستقيم .
  2. الاستعانة بالله تعالى لكشف ما بكِ من ضر وبأس ، بالدعاء والالتجاء إليه .
  3. المواظبة على أوراد الصباح والمساء ، وعلى الواجبات .
  4. القيام بالطاعات من النوافل ، فهي طريق من طرق الحصول على محبة الله تعالى ، كما قال تعالى في الحديث القدسي الذي رواه البخاري ( 6137 ) : ( وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ ) ، واعلمي أنه إذا أحبك ربك تعالى فإنه سيسدد سمعك وبصرك ويدك ورجله ، فلا تسمعين الحرام بل ما يحبه الله ويرضاه ، ولا تنظرين إلى الحرام بل إلى ما يحبه الله ويرضاه ، ولا تستعملين يديك ورجلين إلا في طاعة الله تعالى ، واعلمي – أيضاً – أن الله سيستجيب دعاءك ويعيذك مما تعوذتِ منه ، وفي تتمة الحديث السابق يقول الله تعالى : ( فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ ) .
  5. ابحثي عن الرفقة الصالحة من بنات جنسك من النساء ، اسكني معهن ، وتعاوني معهن على الطاعة والعمل الصالح .
  6. احرصي على المشاورة والاستخارة قبل الإقدام على شئونك وبخاصة المهمة منها كالزواج والعمل والسكن ، ولعلَّ تجاربك السابقة لم يكن فيها شيء من ذلك .
  7. أشغلي نفسك في وقت فراغك بالمفيد من سماع الأشرطة وقراءة الكتب وطلب العلم ، فهو خير زادٍ لنفسك ، وسترين أثره عليكِ في القريب العاجل إن شاء الله .

ونسأل الله تعالى أن ييسر لك الخير ، وأن يعينك على ذِكره وشكره وحسن عبادته ، وأن يحبب إليك الإيمان ويزينه في قلبك ، وأن يكرِّه إليك الكفرَ والفسوق والعصيان .

 

والله الموفق.

هل يُطبع على قلب المسلم كما يطبع على قلب الكافر؟

هل قلب المسلم يُطبع عليه كما يطبع على قلب الكافر؟

السؤال:

– شيخنا الفاضل

من المعلوم أن الله يطبع على قلب الكافر فلا يرى الحق , أو يرى الباطل حق , ولكن هل يمكن أن يطبع الله عز وجل على قلب مسلم , وكيف يكون ذلك ,وما دلالاته , وهل لذلك علاج .

– بارك الله فيكم ونفعنا بكم وبعلمكم .

 

الجواب:

الحمد لله

أولاً:

الطبع على القلوب يكون على قلوب الكفار ، وعلى قلوب المسلمين العاصين ، فأما الطبع على قلوب الكفار : فهو طبعٌ على القلب كله ، وأما الطبع على قلوب المسلمين العاصين : فيكون طبعاً جزئيّاً ، بحسب معصيته ، وفي كل الأحوال ليس الطبع ابتداء من الرب تعالى ، بل هو عقوبة لأولئك المطبوع على قلوبهم ، أولئك بما كفروا ، والآخرون بما عصوا ، كما قال تعالى في حق الكفار : ( فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاء بِغَيْرِ حَقًّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ) النساء/ 155 .

ثانياً:

وما يقال في الطبع يقال مثله في الختم ، في حق الكفار ، وفي حق عصاة المسلمين .

قال ابن جرير الطبري – رحمه الله – في تفسير قوله تعالى ( خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) – :

فأخبر صلى الله عليه وسلم أنّ الذنوب إذا تتابعت على القلوب أغلقتها ، وإذا أغلفتها أتاها حينئذ الخَتْم من قبَل الله عز وجلّ ، والطبع ، فلا يكون للإيمان إليها مَسْلك ، ولا للكفر منها مَخْلَص ، فذلك هو الطَّبع ، والختم الذي ذكره الله تبارك وتعالى في قوله : ( خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ ) نظيرُ الطبع ، والختم على ما تدركه الأبصار من الأوعية ، والظروف ، التي لا يوصَل إلى ما فيها إلا بفضِّ ذلك عنها ، ثم حلّها ، فكذلك لا يصل الإيمان إلى قلوب من وَصَف الله أنه ختم على قلوبهم ، إلا بعد فضِّه خَاتمَه ، وحلِّه رباطَه عنها . ” تفسير الطبري ” ( 1 / 261 ) .

 

 

ثالثاً:

وأما الطبع الوارد في الشرع في حق عصاة المسلمين فنذكر منه :

  1. الطبع بسبب كثرة الذنوب والمعاصي على العموم .

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِنَّ العَبْدَ إِذَا أَخْطَأَ خَطِيئَةً نُكِتَتْ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ ، فَإِذَا هُوَ نَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ وَتَابَ سُقِلَ قَلْبُهُ ، وَإِنْ عَادَ زِيدَ فِيهَا حَتَّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ ، وَهُوَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ ( كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) ). رواه الترمذي ( 3334 ) وقال: حسن صحيح، وابن ماجه ( 4244 ).

قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله – :

عن مجاهد في قوله ( بل ران على قلوبهم ) قال : ثبتت على قلوبهم الخطايا حتى غمرتها . انتهى .

– والران ، والرين : الغشاوة ، وهو كالصدى على الشيء الصقيل .

– عن مجاهد قال : كانوا يرون الرين هو الطبع .

” فتح الباري ” ( 8 / 696 ) .

وقال ابن القيم – رحمه الله – :

الذنوب إذا تكاثرت : طُبع على قلب صاحبها ، فكان من الغافلين ، كما قال بعض السلف في قوله تعالى ( كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ) قال : هو الذنب بعد الذنب ، وقال الحسن : هو الذنب على الذنب حتى يعمي القلب ، حتى قال : وأصل هذا أن القلب يصدى من المعصية ، فاذا زادت : غلب الصدى حتى يصير راناً ، ثم يغلب حتى يصير طبْعاً ، وقفلاً ، وختماً ، فيصير القلب في غشاوة ، وغلاف ، فاذا حصل له ذلك بعد الهدى ، والبصيرة : انتكس / فصار أعلاه أسفله ، فحينئذ يتولاه عدوه ، ويسوقه حيث أراد . ” الجواب الكافي ” ( ص 139 ) .

  1. التعرض لفتن الشهوات ، والشبهات .

عن حُذَيْفَة قال : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا ، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ ، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ : عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتْ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ، وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ ) . رواه مسلم ( 144 ) .

– مرباداً : الذي في لون ربدة ، وهي بين السواد والغبرة .

– كالكوز مجخياً : كالإناء المائل عن الاستقامة والاعتدال .

قال النووي – رحمه الله – :

قال القاضي رحمه الله – أي : القاضي عياض – : شبَّه القلب الذى لا يعي خيراً : بالكوز المنحرف الذي لا يثبت الماء فيه .

وقال ” صاحب التحرير ” – وهو محمد بن إسماعيل الأصبهاني – : معنى الحديث : أن الرجل إذا تبع هواه ، وارتكب المعاصي : دخل قلبَه بكل معصية يتعاطاها : ظلمةٌ ، وإذا صار كذلك : افتُتن ، وزال عنه نور الإسلام ، والقلب مثل الكوز ، فإذا انكب : انصب ما فيه ، ولم يدخله شيء بعد ذلك .

” شرح مسلم ” ( 2 / 173 ) .

وقال ابن القيم – رحمه الله – :

والفتن التي تُعرض على القلوب هي أسباب مرضها ، وهي فتن الشهوات ، وفتن الشبهات ، فتن الغي والضلال ، فتن المعاصي والبدع ، فتن الظلم والجهل ، فالأولى : توجب فساد القصد والإرادة ، والثانية : توجب فساد العلم والاعتقاد .

” إغاثة اللهفان ” ( 1 / 12 ) .

  1. الطبع بسبب التخلف عن صلاة الجمعة .

أ. عَنْ أَبِي الْجَعْدِ الضَّمْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَنْ تَرَكَ ثَلَاثَ جُمَعٍ تَهَاوُنًا بِهَا طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ ) . رواه الترمذي ( 500 ) وأبو داود ( 1052 ) والنسائي ( 1369 ) وابن ماجه ( 1126 ) .

قال ابن الجوزي – رحمه الله – :

أَصْلُ الطَّبْعِ : الوَسَخُ ، والدَّرَنُ ، ويُحْتَمَلُ أَنْ يُراد به : الخَتْمُ عَلَى القَلْبِ ، حَتَّى لاَ يَفْهَمَ الصَّوابَ . ” غريب الحديث ” ( 2 / 26 ، 27 ) .

والمعني الثاني هو الأظهر عند عامة الشرَّاح .

قال السيوطي :

قال الباجي : معنى الطبع على القلب : أن يُجعل بمنزلة المختوم عليه ، لا يصل إليه شيء من الخير . ” تنوير الحوالك شرح موطأ مالك ” ( 1 / 102 ) .

وقال المباركفوري – رحمه الله – :

قوله ( تهاوناً بها ) قال العراقي : المراد بالتهاون : الترك عن غير عذر ، والمراد بالطبع: أنه يصير قلبُه قلبَ منافق. انتهى. ” تحفة الأحوذي ” ( 3 / 11 ).

ب. وعن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَأَبي هُرَيْرَةَ أَنَّهُمَا سَمِعَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمْ الْجُمُعَاتِ أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنْ الْغَافِلِينَ ) . رواه مسلم ( 865 ) .

قال الصنعاني – رحمه الله – :

( لينتهين أقوام عن وَدْعهم ) بفتح الواو وسكون الدال المهملة وكسر العين المهملة أي : تركهم الجمعات .

– ( أو ليختمن الله على قلوبهم ) الختم : الاستيثاق من الشيء بضرب الخاتم عليه ؛ كتماً له ، وتغطية ؛ لئلا يتوصل إليه ، ولا يطلع عليه ، شبهت القلوب بسبب إعراضهم عن الحق واستكبارهم عن قبوله وعدم نفوذ الحق إليها : بالأشياء التي استوثق عليها بالختم ، فلا ينفذ إلى باطنها شيء ، وهذه عقوبة على عدم الامتثال لأمر الله ، وعدم إتيان الجمعة من باب تيسير العسرى .

– ( ثم ليكونن من الغافلين ) بعد ختمه تعالى على قلوبهم ، فيغفلون عن اكتساب ما ينفعهم من الأعمال ، وعن ترك ما يضرهم منها .

– وهذا الحديث من أعظم الزواجر عن ترك الجمعة والتساهل فيها .

– وفيه إخبار بأن تركها من أعظم أسباب الخذلان بالكلية .

” سبل السلام ” ( 2 / 45 ) .

– ومعنى ” من باب تيسير العسرى ” : أي : أن التهاون بصلاة الجمعة : طريق مسهَّل ، يوصل إلى العسرى ! ويكون داخلاً في قوله تعالى : ( فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ) الليل/ 10 .

رابعاً:

والخلاصة النافعة المهمة :

أن الناس أربعة أصناف : كافر ، ومنافق ، ومؤمن ، ومسلم عاصٍ ، ولكل واحدٍ من أولئك قلبه الخاص به ، ومن طبع عليه من الكفار والمنافقين : فهو طبع كلي ، لا يدخل إليهم نور الإسلام ، ولا يخرج منهم إلا ظلمة الكفر ، وأما الطبع على قلب المسلم العاصي : فهو بحسب ما ارتكب من ذنوب يكون حاله ، وهو دائر بين قلبين ، وقد يصل حاله لقلب المنافق – أو الكافر – ، وذلك بحسب المادة المزودة لقلبه ، قوة وضعفاً ، وجوداً وعدماً .

قال ابن القيم – رحمه الله – :

وقد قسَّم الصحابة رضي الله تعالى عنهم القلوبَ إلى أربعة ، كما صح عن حذيفة بن اليمان : ” القلوب أربعة : قلب أجرد ، فيه سراج يُزهِر ، فذلك قلب المؤمن ، وقلب أغلف ، فذلك قلب الكافر ، وقلب منكوس ، فذلك قلب المنافق ، عَرفَ ثم أنكر ، وأبصر ثم عمى ، وقلبٌ تمدُّه مادتان : مادة إيمان ، ومادة نفاق ، وهو لما غلب عليه منهما ” .

فقوله : ” قلب أجرد ” أي : متجرد مما سوى الله ورسوله ، فقد تجرد وسلِم مما سوى الحق ، و ” فيه سراج يزهر ” وهو مصباح الإيمان ، فأشار بتجرده إلى سلامته من شبهات الباطل ، وشهوات الغي ، وبحصول السراج فيه إلى إشراقه ، واستنارته بنور العلم ، والإيمان .

وأشار بالقلب الأغلف : إلى قلب الكافر ؛ لأنه داخل في غلافه ، وغشائه ، فلا يصل إليه نور العلم ، والإيمان كما قال تعالى حاكياً عن اليهود : ( وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ ) البقرة/ 88 ، وهو جمع أغلف ، وهو الداخل في غلافه ، كقُلف وأقلف ، وهذه الغشاوة هي الأكنة التي ضربها الله على قلوبهم عقوبة له على رد الحق ، والتكبر عن قبوله ، فهي أكنة على القلوب ، ووقْر في الأسماع ، وعمًى في الأبصار ، وهي الحجاب المستور عن العيون في قوله تعالى : ( وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً . وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً ) الإسراء/ 45 ، 46 ، فإذا ذكر لهذه القلوب تجريد التوحيد وتجريد المتابعة ولى أصحابها على أدبارهم نفورا.

 وأشار بالقلب المنكوس ، وهو المكبوب : إلى قلب المنافق ، كما قال تعالى : ( فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا ) النساء/ 88 ، أي : نكسهم ، وردهم في الباطل الذي كانوا فيه بسبب كسبهم ، وأعمالهم الباطلة ، وهذا شر القلوب ، وأخبثها ؛ فإنه يعتقد الباطل حقّاً ، ويوالي أصحابه ، والحقَّ باطلاً ، ويعادي أهله ، فالله المستعان .

وأشار بالقلب الذي له مادتان : إلى القلب الذي لم يتمكن فيه الإيمان ، ولم يزهر فيه سراجه ، حيث لم يتجرد للحق المحض الذي بعث الله به رسوله ، بل فيه مادة منه ، ومادة من خلافه ، فتارة يكون للكفر أقرب منه للإيمان ، وتارة يكون للإيمان أقرب منه للكفر ، والحكم للغالب ، وإليه يرجع .

” إغاثة اللهفان ” ( 1 / 12 ، 13 ) .

 

والله أعلم.

ما هي واجبات الزوج تجاه والدي الزوجة النصرانيين؟

أسلمت منذ سنتين ووالديّ ما زالا نصرانيين. وأنا أتخاطب مع أخ مسلم وأرغب الزواج منه. ونظراً لأننا من بيئتين مختلفتين كان لا بد أن نتناقش في كل الأمور المهمة ، وخلال هذه المناقشات ظهر أنه لا يحترم عائلتي أما عائلته فلها الأولوية في حال الزواج ، بل وصل الحد إلى أن قال أنه لن يسمح لأمي بالمكث معي في المنزل أو في المستشفى إذا رزقنا بمولود لأن والدته هي الأولى بذلك . أنا أتفهم كون والدي نصرانيين ولكن لا بد أن أحترمهما.
سؤالي هو: ما هي مسئوليته وواجبه تجاه والدي ؟ هل يمكن أن تعطي أمثلة من السنة لمثل هذا الوضع؟

الحمد لله
أولاً :
الحمد لله الذي كتب لك الهداية للدخول في الإسلام ، وهذه من أعظم النعم التي ينعم الله بها على المسلم .
ثانياً :
ارتباطك برجل مسلم من أفضل القربات وأفضل الأعمال ، والزواج هو سنة الأنبياء .
قال تعالى :{ ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية } [ الرعد / 38 ] .
ثالثاً :
الواجب عليك اختيار زوج صالح في دينه وعقيدته وأخلاقه .
رابعاً :
يجب عليك أن تحرصي على نصيحة أهلك وعليك عدم الكلل والملل من ذلك وعليك بكثرة الابتهال إلى الله والدعاء بأن يهديهم .
خامساً :
إذا كان أبواك على غير دين الإسلام فلا يمنع ذلك من احترامهما وتقديرهما وصلتهما بل يجب عليك ذلك ولكن بشرط عدم التنازل عن الإسلام أو عن شريعة منه والله تعالى يقول :{ وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما } [ الإسراء / 23 ] .
وهذا نص عام يشمل المسلم والكافر ولكن بشرط عدم التنازل عن الإسلام وفي ذلك أدلة كثيرة من السنة :
فعن أسماء بنت أبي بكر- رضي الله تعالى عنهما- قالت : قدمت على أمي وهي مشركة في عهد قريش إذ عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومدتهم مع أبيها فاستفتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله إن أمي قدمت علي وهي راغبة أفأصلها ؟ قال: نعم صليها ” .
رواه البخاري ( 2620 ) ومسلم ( 1003 ) .
والنبي صلى الله عليه وسلم كان يصل عمه وهو مشرك وهذا معروف ومتواتر في السيرة .
وكذلك أبو بكر رضي الله عنه كان يصل أباه وهو مشرك .
وفي حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال : رأى عمر بن الخطاب حلة سيراء عند باب المسجد فقال : يا رسول الله لو اشتريتها فلبستها يوم الجمعة وللوفد ؟ قال : إنما يلبسها من لا خلاق له في الآخرة ، ثم جاءت حلل فأعطى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عمر منها حلة وقال: أكسوتنيها وقلت في حلة عطارد ما قلت ؟ فقال إني لم أكسكها لتلبسها فكساها عمر أخاً له بمكة مشركا “.
رواه البخاري ( 886 ) .
والشاهد من الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أقر عمر بن الخطاب على إعطائه الهدية للمشرك وهذه تعتبر صلة فمن باب أولى الوالدين إذا كانا غير مسلمين .
سادساً :
لا شك أن قول خطيبك خطأ ومن حق والدتك أن تحضر ولادتك وزواجك وأن تحضر لزيارتك وكذلك أنت أن تزوريها ولكن بشرط ما ذكرنا وقد يكون هذا الود والاحترام سبب لهدايتهما ودخولهما الإسلام بل عليك أن تعرضي عليهم الإسلام دائما وعلى خطيبك أن يساعدك على ذلك وأن يظهر حسن التقدير والاحترام لهما والنصيحة لهما لعل الله أن يهديهما.
وسابعاً :
نسأل الله أن يكتب الهداية لوالديك وأكثري من الابتهال إلى الله أن ينقذهما من النار .

والله أعلم

تفسير قوله تعالى ( وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة )

السؤال:

هل قوله تعالى { ليسوؤا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة } قد تحقق فيما مضى أو لا؟

 

الجواب:

الحمد لله

لا يمكن لمفسِّر أن يبيِّن ما أجمله الله تعالى إلا بنص من القرآن أو بنص من السنَّة ، وهذا ما ليس موجوداً هنا ، إذ يستحيل الجزم بمعرفة الإفساد الأول والثاني وأهلهما دون أن يكون ذلك عن طريق الوحي ؛ لأن هذا من الغيب ، وهو ما لم يبينه لنا نبينا صلى الله عليه وسلم ، وليس في بيانه أي فائدة تذكر ، فالاشتغال فيه نوع من تضييع الأوقات والبعد عن معاني القرآن وخاصة هنا وهو أن سبب الهلاك إنما هو الفساد والإفساد !

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي:

واختلف المفسرون في تعيين هؤلاء المسلطين ، إلا أنهم اتفقوا على أنهم قوم كفار ، إما من أهل العراق أو الجزيرة أو غيرها : سلَّطهم الله على بني إسرائيل لما كثرت فيهم المعاصي وتركوا كثيراً من شريعتهم وطغوا في البلاد .

” تفسير السعدي ” ( ص 405 (.

قال ابن كثير :

وقد اختلف المفسرون من السلف والخلف في هؤلاء المسلَّطين عليهم من هم ؟ فعن ابن عباس وقتادة : أنه جالوت الجزري وجنوده … وعن سعيد بن جبير : أنه ملك الموصل سنْحاريب وجنوده، وعنه أيضاً وعن غيره : أنه بختنصر ملك بابل .

وقال : وقد وردت في هذا آثار كثيرة إسرائيلية لم أر تطويل الكتاب بذكرها لأن منها ما هو موضوع من وضع بعض زنادقتهم ومنها ما قد يحتمل أن يكون صحيحا ونحن في غنية عنها ولله الحمد وفيما قص الله علينا في كتابه غنية عما سواه من بقية الكتب قبله ولم يحوجنا الله ولا رسوله إليهم وقد أخبر الله عنهم أنهم لما طغوا وبغوا سلط الله عليهم عدوهم فاستباح بيضتهم وسلك خلال بيوتهم وأذلهم وقهرهم جزاء وفاقا وما ربك بظلام للعبيد فإنهم كانوا قد تمردوا وقتلوا خلقا من الأنبياء والعلماء . ” تفسير ابن كثير ” ( 3 / 26  (.

وقد سئلت اللجنة الدائمة عن قوله تعالى: { فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ } [ الإسراء / 5 ] هل هي خاصة بالمؤمنين أم هي عامة ؟ وهل وقعت أم لم تقع ؟

فأجابوا: بظاهر الآية ولم يجزموا بمعنى لم تنص عليه الآية ، وأحالوا على ” تفسير ابن كثير ” . انظر ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 4 / 246 ، 247 ) .

وما قاله علماء اللجنة خير من كثير من كلام بعض المعاصرين الذين تكلفوا القول في تأويل الآية وحملها – جزماً ! – على معانٍ يحتاج معها صاحبها لوحي !

 

والله أعلم.

معنى قوله تعالى: ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ … ) والرد على الرافضة.

معنى قوله تعالى: ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ … ) والرد على الرافضة.

السؤال:

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

ما معنى تفسير قوله تعالى: ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ) ، قرأت تفسير الشيعة لهذه الآية ، وهم يرمون بها الصحابة رضوان الله عليهم ، فاحترت لعدم علمي بالتفسير الصحيح ، فما تفسير هذه الآية لدينا ؟ وهل كان أحد ارتد بعد وفاة الرسول ؟ ومن هم ؟ وكيف نرد على مهازلهم في ذلك ؟ وهل ذكر الحديث بقوله ” ما تدري ماذا فعلوا من بعدك ” يصلح تطبيقه على من ولدوا بعد عهد الرسول ، أي : الرسول لم يشهد صلاحهم ، فكيف يقال ” بعدُ “؟.

 

الجواب:

الحمد لله

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

أما قوله تعالى : ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ) آل عمران/ 144 : فإنها آية محكمة ، وللوقوف على معناها بتفصيل: نذكر الآتي:

  1. أن هذه الآيات أنزلها الله تعالى بعد غزوة ” أُحد ” ، وهي مقدمة ، وتهيئة لموت النبي صلى الله عليه وسلم ، ففيها التذكير بأن الإسلام لا ينقطع بموت أو قتل نبيكم ، كما فيها بيان ما حصل مع أنبياء سابقين حيث لم يؤثر قتلهم على أتباعهم ، ولم يستفد من هذا التنبيه والتذكير من ارتدَّ على عقبه ممن ذكرنا من القبائل ، فخسروا الدنيا والآخرة .

قال ابن القيم – رحمه الله – :

وقعةَ ” أُحُدٍ ” كانت مُقَدِّمَةً ، وإرهاصاً ، بين يدي موتِ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فثبَّتهم ، ووبَّخهم على انقلابهم على أعقابهم إنْ ماتَ رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أو قُتِلَ ، بل الواجبُ له عليهم أن يثبتُوا على دِينه ، وتوحِيدهِ ، ويموتوا عليه ، أو يُقتلُوا ، فإنهم إنما يعبدُون ربَّ محمد ، وهو حيٌّ لا يموت ، فلو ماتَ محمد أو قُتِلَ : لا ينبغي لهم أن يَصْرِفَهم ذلِكَ عن دينه ، وما جاء به ، فكلُّ نفسٍ ذائِقةُ الموت ، وما بُعِثَ محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيخلَّد ، لا هُوَ ، ولا هُم ، بل لِيمُوتُوا على الإسلامِ ، والتَّوحيدِ ، فإن الموت لا بُدَّ منه ، سواء ماتَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أو بَقِيَ ، ولهذا وبَّخَهُم على رجوع مَن رجع منهم عن دينه لما صرخ الشَّيْطَانُ : إنَّ محمَّداً قد قُتِلَ ، فقال : ( وَمَا مُحَمَّدٌ إلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإن مَّاتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِى اللهُ الشَّاكِرِينَ ) آل عمران/ 144 ، والشاكرون : هم الذين عرفوا قدر النعمة ، فثبتوا عليها ، حتى ماتوا ، أو قُتِلُوا ، فظهر أثرُ هذا العِتَابِ ، وحكمُ هذا الخطاب يومَ مات رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وارتدَّ مَن ارتدَّ على عقبيه ، وثبت الشاكِرُون على دينهم ، فنصرهم الله ، وأعزَّهم ، وظفَّرهم بأعدائهم ، وجعل العاقبة لهم .

ثم أخبر سبحانه أنه جعل لكل نفسٍ أجلاً لا بُدَّ أن تستوفيه ، ثم تلحَقَ به ، فيَرِدُ الناسُ كُلُّهم حوضَ المنايا مَوْرِداً واحِداً ، وإن تنوَّعت أسبابه ، ويصدُرونَ عن موقف القِيامة مصادِرَ شتَّى ، فريقٌ في الجنة ، وفريقٌ في السعير .

ثم أخبر سبحانه أن جماعةً كثيرةً من أنبيائه قُتِلُوا ، وقُتِلَ معهم أتباعٌ لهم كثيرون ، فما وَهَنَ مَنْ بقيَ منهم لِما أصابهم في سبيله ، وما ضَعُفُوا ، وما استكانُوا ، وما وَهَنُوا عندَ القتل ، ولا ضعفُوا ، ولا استكانوا ، بل تَلَقَّوا الشهادةَ بالقُوَّةِ ، والعزِيمةِ ، والإقْدَامِ ، فلم يُسْتَشْهَدُوا مُدَبِرِينَ ، مستكينين ، أذلةً ، بل استُشْهِدُوا أعزَّةً ، كِراماً ، مقبلينَ ، غير مدبرين ، والصحيح : أن الآية تتناول الفريقين كليهما.

” زاد المعاد في هدي خير العباد ” ( 3 / 224 ، 225 ) .

  1. هذه الآية تدل على تزكية أبي بكر الصدِّيق خاصة ، والصحابة الأجلاء عامة ؛ حيث وصف الله تعالى من يثبت في مثل هذه المصيبة ، ويعلم أن نبيه ما هو إلا بشر يبلغ ما أرسله الله تعالى به ، ثم يغادر هذه الدنيا ، وصفهم الله تعالى بـ ” الشاكرين ” ، وأما ما في الآية من تزكية الصدِّيق : فمن جهتين:

الأولى: استدلاله بها – مع قوله تعالى ( إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ) – عند موت النبي صلى الله عليه وسلم .

والثانية: أنه قاتل من ارتد على عقبه .

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله – :

وفي هذه الآية الكريمة إرشاد من الله تعالى لعباده أن يكونوا بحالة لا يزعزعهم عن إيمانهم ، أو عن بعض لوازمه فقدُ رئيسٍ ، ولو عظم ؛ وما ذاك إلا بالاستعداد في كل أمر من أمور الدِّين بعدة أناس من أهل الكفاءة فيه ، إذا فقد أحدهم قام به غيره ، وأن يكون عموم المؤمنين قصدهم إقامة دين الله ، والجهاد عنه ، بحسب الإمكان ، لا يكون لهم قصد في رئيس دون رئيس ، فبهذه الحال يستتب لهم أمرهم ، وتستقيم أمورهم .

وفي هذه الآية أيضاً أعظم دليل على فضيلة الصدِّيق الأكبر أبي بكر ، وأصحابه الذين قاتلوا المرتدين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنهم هم سادات الشاكرين . ” تفسير السعدي ” ( ص 150 ) .

وبمعرفة ما مضى يتبين أن الصحابة الأجلاء قد استفادوا من درس ” أحد ” ، وأن ما أصاب بعضهم من صدمة عند موت النبي صلى الله عليه وسلم ليست صدمة أعقبتها ردَّة ، بل لعدم تحملهم عظَم الخبر ، حتى ثبتهم الله تعالى بما تلاه على مسامعهم أبو بكر الصدِّيق من الآيات البينات ، وأخبرهم بثبات المؤمن ” فَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ ” فرجعوا إلى صوابهم ، وكأنهم لأول مرة تطرق هذه الآية مسامعهم ، وقد عصم الله تعالى المهاجرين والأنصار من الردة ، وسقط فيها طوائف من العرب تصدَّى لهم الصدِّيق وأصحابه ، فعاد من عاد ، وبقي منهم على الكفر جماعات .

 

والله أعلم.

 

من هم المترفون؟ ولم كان المترفون في القرآن أهل ضلال؟ وهل يدخل فيهم أغنياء المسلمين؟

من هم المترفون؟ ولم كان المترفون في القرآن أهل ضلال؟ وهل يدخل فيهم أغنياء المسلمين؟

السؤال:

لاحظت أن كلمة ” الترف ” – المقصود بها: شدة التنعم – أنها مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالمعاصي الكبرى ، كالإشراك بالله ، وتكذيب الرسل … !! كما قال الله تعالى : (وَقَالَ الْمَلأ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ) المؤمنون/ 34 ، ( وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ ) هود/ 116 ، ( وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ) سبأ/ 34 ، ( وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا ) الإسراء/ 16 ، ( حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ ) المؤمنون/ 64 .

وبالرغم من أن رغد العيش ، والتنعم بالدنيا ، أمور مقدّرة من رب العباد ، وهي مباحة إذا أُخذت من حلها ، وهذه هي طبيعة الحياة التي خلقها الله : إذن كيف نوفق بين الآيات الواردة أعلاه وبين قوله تعالى ( وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ ) الأنعام/ 165 ، أي : بالمال ، والجاه ، وغير ذلك من أمور الدنيا المعيشية ، وكذلك قوله تعالى : ( كُلاًّ نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ) الإسراء/ 20 .

أفتونا مأجورين.

 

الجواب:

الحمد لله

أولاً:

رغد العيش ، وسعة الرزق ، والجاه ، والملك ، والسلطان ، والرفعة في الدنيا : هي من القضاء الكوني الذي قدَّره الله وقضاه ؛ وهذا القضاء الكوني لا يتعلق بمحبة الله ورضاه سبحانه وتعالى ، فالله سبحانه لحكَم أرادها : يُفقر ، ويُغني ، ويُعطي ، ويَمنع ، ويُعز ، ويُذل ، ويَرفع ، ويُخفض ؛ وهذا النوع من القضاء يجري على كل الخلق ، مسلمهم ، وكافرهم .

فلا تدل سعة الرزق ، ورغد العيش ، والرفعة في الدنيا ، على محبةٍ من الله ، ورضا على العبد , ولا على عدم محبة ، وعدم رضا ، بل هي من القضاء الكوني – كما قدمنا – ، وهي  في الحقيقة للابتلاء ، والاختبار ، والامتحان ، كما قال تعالى : ( إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ) الكهف/ 7 ، وقال تعالى : ( وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى ) طه/ 131 .

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله – في تفسير الآية – :

أي : لا تمد عينيك معجباً ، ولا تكرر النظر مستحسناً إلى أحوال الدنيا ، والممتِّعين بها ، من المآكل ، والمشارب اللذيذة ، والملابس الفاخرة ، والبيوت المزخرفة ، والنساء المجملة ، فإن ذلك كله زهرة الحياة الدنيا ، تبتهج بها نفوس المغترين ، وتأخذ إعجاباً بأبصار المعرضين ، ويتمتع بها – بقطع النظر عن الآخرة – القوم الظالمون ، ثم تذهب سريعاً ، وتمضي جميعاً ، وتقتل محبيها وعشاقها ، فيندمون حيث لا تنفع الندامة ، ويعلمون ما هم عليه إذا قدموا في القيامة ، وإنما جعلها الله فتنةً ، واختباراً ؛ ليعلم من يقف عندها ويغتر بها ، ومن هو أحسن عملاً ، كما قال تعالى : ( إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلا * وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزاً ) .

– ( وَرِزْقُ رَبِّكَ ) العاجل ، من العلم ، والإيمان ، وحقائق الأعمال الصالحة ، والآجل من النعيم المقيم ، والعيش السليم في جوار الرب الرحيم .

– (  خَيْرٌ ) مما متَّعْنا به أزواجاً في ذاته وصفاته .

– ( وَأَبْقَى ) لكونه لا ينقطع ، أُكُلُها دائم ، وظلُّها ، كما قال تعالى ( بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ) .

” تفسير السعدي ”  ( ص 516 ، 517 ) .

 

ثانياً:  

الغالب على أهل الترف ، والنعيم الدنيوي : الغفلة ، والانغماس في الشهوات ، والملذات , والكِبْر , والإعراض عن أوامر الله تعالى ، كما قال تعالى : ( وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأرْضِ وَلَكِنْ يُنزلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ ) الشورى/ 27 .

قال ابن كثير – رحمه الله – :

أي : لو أعطاهم فوق حاجتهم من الرزق : لحملَهم ذلك على البغي ، والطغيان ، مِن بعضهم على بعض ، أشراً ، وبطراً . ” تفسير ابن كثير ” ( 7 / 206 ) .

وقد علَم النبي صلى الله عليه وسلم خطرَ فتنة النعيم ، ورغد العيش ، وخشي على أمَّته منها ، كما جاء في  الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إِنِّ مِمَّا أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِى مَا يُفْتَحُ عَلَيْكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا ) – رواه البخاري ( 1396 ) ومسلم ( 1052 ) – ، وربما يكون هذا النعيم – في الحقيقة – استدراج من الله للعبد ، إذا لم يستخدمه في طاعة الله ، كما جاء في الحديث عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : ( إِذَا رَأَيْتَ اللَّهَ يُعْطِى الْعَبْدَ مِنَ الدُّنْيَا عَلَى مَعَاصِيهِ مَا يُحِبُّ فَإِنَّمَا هُوَ اسْتِدْرَاجٌ ) ثُمَّ تَلاَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ( فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَىْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ) – رواه أحمد في ” مسنده ” ( 28 / 457 ) ، وصححه الألباني في ” السلسلة الصحيحة ” ( 413 ) .

 

ثالثاً:

يُفهم من معنى ” الترف ” في لغة العرب : زيادة الانغماس في ملذات الدنيا ، وشهواتها ، مع طغيان ، وليس مجرد التنعم بملذات الدنيا .

قال ابن منظور – رحمه الله – :

” الترَفُ ” : التَّنَعُّمُ ، والتُّرْفةُ : النَّعْمةُ ، والتَّتْريفُ : حُسْنُ الغِذاء ، وصبيٌّ مُتْرَفٌ : إذا كان مُنَعَّمَ البدنِ ، مُدَلَّلاً ، والمُتْرَفُ : الذي قد أَبْطَرَتْه النعمةُ وسَعة العيْشِ ، وأَتْرَفَتْه النَّعْمةُ : أَي : أَطْغَتْه … .

وقوله تعالى : ( إلا قال مُتْرَفُوها ) أَي : أُولو الترفةِ ، وأَراد : رؤساءَها ، وقادةَ الشرّ . ” لسان العرب ” ( 9 / 17 ) .

وهذه الصفة لا شك ولا ريب : أنها صفة الكفار من أهل الدنيا – ومن شابههم من المسلمين من أهل الدنيا – الذين هذا هو مبلغ شهواتهم ، ونعيمهم ، وملذاتهم , كما جاء في الحديث : ( أَوَفِى شَكٍّ أَنْتَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ أُولَئِكَ قَوْمٌ عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) – رواه البخاري ( 2336 ) ومسلم ( 1479 ) – .

وأما المُسْلِم:
فيعلم أنَّ رغَد العيش وسَعَة الرزق، والشهَوات والملذَّات، إنما هي: سبيل لتحقيق العُبُودية لله تعالى في الأرض، فلا يَبْطُر ولا يتكبَّر، ولا ينغمس في هذه الشهوات بلا ضابط أو تحديد، فهو ينطلق في ذلك وَفْق مرضاتِ الله تعالى وَلِتحقيق الغاية العُظْمى التي خُلِق لها، وهي: عبادة الله تعالى وحده، وذلك ليتحقق له الفوز بالجنة وتحصيل رضوانه تعالى, وهو يعلم أنَّ هذه الدنيا في حقيقتها سجنٌ، كما جاء في الحديث عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:
(الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ)
رواه مسلم (2956) .

قال النووي -رحمه الله- :
معناه: أنَّ كل مؤمنٍ مسجونٌ، ممنوع في الدنيا مِن الشهوات المُحرَّمة والمكروهة، مكلَّف بفِعْل الطَّاعات الشاقَّة، فإذا مات؛ استراح مِن هذا, وانقلبَ إلى ما أعدَّ الله تعالى له مِن النَّعيم الدائم والرَّاحة الخالِصة مِن النُّقْصان.
وأما الكافر: فإنَّما له مِن ذلك ما حصل في الدنيا مع قِلَّته وتكديره بالمُنغِّصات، فإذا مات صار إلى العذاب الدائم وشقاء الأبد.
”شرح مسلم” (18 / 93) .

فَبِناء على ما تقدَّم:
لا مُنافاة بين أنَّ الغالب على المُتْرَفين الغفلة والإعراض عن أوامر الله تعالى، وتكذيب الرسل، وغير ذلك, وبَيْن أنَّ رغَد العَيْش والتنعُّم بالدنيا أمور مقدَّرة مِن ربِّ العِباد، وهي مُباحَة لهم؛ لأنَّ الله أباحها لهم لتحقيق العبودية له، والاستعانة بها على طاعته, وليس لعصيانه ومُخالَفة أمره.

فمَن أحسن مثلًا: استعمال المال، وجعله في طاعة ربِّه، وكذا المباح له مِن الأشياء؛ فلن يكون المال وسيلة لطغيانه ولا لتَكبُّره، ولا يكون بذلك من المُترفين.
ومن أساء استعماله، وجعله في معصية ربِّه، وتحقيق شهواته وملذاته؛ أطغاه وأفسده وكان بذلك مِن المُترَفين.

* قال الدكتور عبد الكريم الخطيب – وفقه الله – في تفسير قوله تعالى ( وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ ) – :

المُترف: هو من أبطرته النعمة حتى خرجت به عن حد الاعتدال ، وأفسدته ، وقتلت فيه معاني الإنسانية ، والمترفون : هم آفة المجتمع في كل أمة ، وفي كل جيل ، إذ فيهم ينشأ الفسق ، والمجون ، وكل ما مِن شأنه أن يغذِّي العواطف الخسيسة ، و ( يقوِّي ) الغرائز البهيمية ، على حساب المطالب الروحية ، والعقلية .

فليس الغنى في ذاته – كما يبدو – هو الذي يفسد الأخلاق ، وإنما شأنه في هذا شأن الفقر ، قد يفسد وقد يصلح ، إنه خير وشر ، وداء ودواء .

فمَن أحسن سياسة المال ، وعرف قدره ، والمكان الذي يوضع فيه : صلح به أمره ، واستقام به شأنه ، ومن اتخذ من المال وسيلة يصطاد بها ما توسوس به نفسه ، وما يدعوه إليه هواه : فسد كيانه ، وتهدم بنيانه ، وتحول إلى كومة متضخمة من الشحم واللحم ، تهب منها كل ريح خبيثة ، تفسد المجتمع وتزعجه ، وحين تنجم دعوة من دعوات الخير : يكون المترفون هم أول من يَلْقَوْنها بالنكير ، ويرجمونها بكل ما يقدرون عليه ، وما جاء رسول من رسل اللّه يدعو قومه إلى الهدى حتى يتصدى له المترفون من قومه ، يعلنون الحرب عليه ، ويجمعون الجموع للوقوف معهم في وجهه ، واللّه سبحانه وتعالى يقول : ( وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً ) . ” التفسير القرآني للقرآن ” ( 11 / 828 ، 829 ) .

وفي جوابين سابقين بيَّنا أن للمسلم: أن يتمتع بالطعام ، والشراب ، واللبس الغالي الثمن ، وسكنى البيت الواسع ، ووضع الطيب غالي الثمن ، وأنها كلها من الطيبات التي أباحها الله لعباده ، ومن الزينة المباحة ، والمسلم لا يُعاقب عليها إذا اكتسب ثمنها من حلال ، ولم يقصد المفاخرة ، والمباهاة ، ولم تشغله عن طاعة ربِّه تعالى ، وهكذا يفهم المسلم الفرق بين تنعم المسلم بالطيبات من الرزق ، وبين الكافر ، والعاصي ، واللذين كان تنعمهما بملذات الدنيا ، وانغماسهما بشهواتها سبباً لطغيانهم ، وضلالهم .

 

وننصح من أراد الفائدة أن ينظر في الجوابين ؛ ففيهما قواعد علمية ، ونقولات نفيسة عن أهل العلم .

 

 

والله أعلم.

هل ما جاء في قصص القرآن على لسان أحد المذكورين فيها هو باللفظ أو بالمعنى؟

هل ما جاء في قصص القرآن على لسان أحد المذكورين فيها هو باللفظ أو بالمعنى؟

السؤال:

هل ما جاء في قصص القرآن على لسان أحد المذكورين فيها هو باللفظ أو بالمعنى؟

 

الجواب:

الحمد لله

ما يحكيه الله تعالى على لسان أحد المذكورين من الأمم السابقة إنما هو بمعناه لا بلفظه، وذلك لأسباب كثيرة، منها :

أ . أن لغات الأمم السابقة لم يكن أكثرها عربية ، والقرآن تكلم الله تعالى به بالعربية وهكذا أُنزل ، ومن المستحيل أن يكون نقل الكلام – لمن لا يتكلم بالعربية – باللفظ العربي .

ب . تعدد الألفاظ في القصة الواحدة ، فمرة – مثلاً – يقول : { قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ } [ الأعراف / 111 ] ، ومرة أخرى – في القصة نفسها – يقول : { قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ } ( الشعراء / 36 ).

ت . لو كان ما ذكره الله تعالى هو لفظهم لما كان الإعجاز في كلام الله بل في لفظهم ، ويتجلى الإعجاز في مثل ما ذكره الله تعالى باللفظ المعجز من كلامه هو سبحانه ، مع ملاحظة أن القرآن هو كلام الله ، ولو كان المنقول هو كلامهم لفظاً وعنى لما صحَّ أن يقال إنه ” كلام الله ” !.

قالت اللجنة الدائمة :

الكلام يطلق على اللفظ والمعنى ، ويطلق على كل واحد منهما وحده بقرينة ، وناقله عمن تكلم به من غير تحريف لمعناه ولا تغيير لحروفه ونظمه مخبر مبلغ فقط، والكلام إنما هو لمن بدأه ، أما إن غيَّر حروفه ونظمه مع المحافظة على معناه : فينسب إليه اللفظ حروفه ومعناه ، وينسب من جهة معناه إلى من تكلم به ابتداءً ، ومن ذلك ما أخبر الله به عن الأمم الماضية ، كقوله تعالى : { وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ } [ غافر / 27 ] ، وقوله : { وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ } [ غافر / 36 ] ، فهاتان تسميان قرآناً ، وتنسبان إلى الله كلاماً له باعتبار حروفهما ونظمهما ؛ لأنهما من الله لا من كلام موسى وفرعون ؛ لأن النظم والحروف ليس منهما ، وتنسبان إلى موسى وفرعون باعتبار المعنى ، فإنه كان واقعاً منهما ، وهذا وذاك قد علمهما الله في الأزل وأمر بكتابتهما في اللوح المحفوظ ، ثم وقع القول من موسى وفرعون بلغتهما طبق ما كان في اللوح المحفوظ ، ثم تكلم الله بذلك بحروف أخرى ونظم آخر في زمن نبينا محمد – صلى الله عليه وسلم – فنسب إلى كلٍّ منهما باعتبار .

الشيخ عبد العزيز بن باز ، الشيخ عبد الرزاق عفيفي ، الشيخ عبد الله بن قعود ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 4 / 6 ، 7 ).

 

والله أعلم.

حكم طباعة التفاسير ومعاني الكلمات ووضع الرموز والعلامات في هامش المصحف

حكم طباعة التفاسير ومعاني الكلمات ووضع الرموز والعلامات في هامش المصحف

السؤال:

ما حكم الكتابة – التعليق – على هوامش صفحات المصحف، إذا كانت الكتابة عبارة عن:

  1. تفسير للآيات .
  2. تأملات – تدبر – .
  3. المتشابه من الكلمات ، والآيات .
  4. تحديد الكلمات ، باستخدام قلم التوضيح ” الفسفوري “؟.

 

الجواب:

الحمد لله

اختلف العلماء في حكم كتابة شيء غير آيات القرآن في المصحف ، سواء مع الآيات ، تفسيراً لها ، أو على هامش المصحف ، كذكر أسباب النزول ، بل وصل المنع عند المتقدمين إلى المنع من وضع علامات تقسيم القرآن إلى أجزاء ، وأحزاب ، بل ووصل أمر المنع إلى المنع من التنقيط ، وكتابة علامات تشكيل الحروف ، كالضمة ، والفتحة .

وكل ذلك يدل على عظيم اهتمام السلف الصالح ، والأئمة العلماء ، بكتاب الله تعالى ، والمنع من اختلاط شيء بغيره ، وإبقاء شأن حروفه كما كتبها الصحابة الأجلاء رضي الله عنهم .

لكن لا يُنكر أنه وُجدت مصالح عظيمة في أكثر ما منعه أولئك الأجلاء ، فما رأوا فيه مصلحة عظيمة أجازوه – كالتنقيط والتشكيل – ، وما رأوا فيه ضرراً أبقوا المنع فيه – ككتابة التفسير مع الآيات – ، وهذا فقه جليل ، يدل على أن تعظيم القرآن غير مرتبط بعواطف مجردة عن النظر البعيد إلى المصلحة ، وكل ذلك يؤدي إلى الحفاظ على كتاب الله من أن يتطرق إليه التحريف والخطأ في النطق .

وفي ” حاشية ابن عابدين ” ( 6 / 386 ) :

ما روي عن ابن مسعود ” جرِّدوا القرآن ” : كان في زمنهم ، وكم من شيء يختلف باختلاف الزمان ، والمكان ، كما بسطه الزيلعي ، وغيره . انتهى.

 

 

 

ويمكننا ضبط مسألة الكتابة في المصحف بتقسيمين مجملين:

الأول: أن تكون الكتابة لرموز، وعلامات.

وهذا الأمر لا ينبغي التشدد في منعه ، بل ينظر فيه إلى المصالح المتحققة منه ، فإن وجدت : أُقرت ، وإلا منعت ، ولا يُشك في وجود مصالح كثيرة من وجود علامات تقسيم القرآن لأجزاء وأحزاب ؛ تسهيلاً لحفظه ، ومراجعته ، وكذا من وجود مصالح من وضع رمز يدل على أن هذه الآية فيها سجود تلاوة .

وإنما كان الأصل هو التساهل بالنقط ، والعلامات : لأنه ليس لها صورة الحروف ، التي توهم ما ليس قرآناُ أنه قرآن .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – :

المصاحف التي كتبها الصحابة لم يشكلوا حروفاً ، ولم ينقطوها ؛ فإنهم كانوا عرباً لا يلحنون ، ثم بعد ذلك في أواخر عصر الصحابة لمَّا نشأ اللحن صاروا ينقطون المصاحف ، ويشكلونها ، وذلك جائز عند أكثر العلماء ، وهو إحدى الروايتين عن أحمد ، وكرهه بعضهم ، والصحيح : أنه لا يكره ؛ لأن الحاجة داعية إلى ذلك ، ولا نزاع بين العلماء أن حكم الشكل ، والنقط حكم الحروف المكتوبة ؛ فإن النقط تميِّز بين الحروف ، والشكل يبين الإعراب؛ لأنه كلام من تمام الكلام . ” مجموع الفتاوى ” ( 12 / 576 ).

وقال السيوطي – رحمه الله – :

وأما النقط فيجوز ؛ لأنه ليس له صورة فيتوهم لأجلها ما ليس بقرآن قرآناً ، وإنما هي دلالات على هيئة المقروء ، فلا يضر إثباتها لمن يحتاج إليها .

” الإتقان في علوم القرآن ” ( 2 / 455 ).

ويدخل في هذه العلامات والرموز الجائزة : تنقيط كلمات القرآن ، ووضع علامات التشكيل ، وهذه إن لم تكن له مصلحة عظمى : فهي ضرورة توجبها الحاجة الماسة ، وهي داخلة في حفظ القرآن الذي تكفل الله تعالى بحفظه ، ويسَّر أسباب ذلك ، وهذا من الأسباب .

قال السيوطي – رحمه الله – :

قال النووي : نقط المصحف ، وشكلُه : مستحب ؛ لأنه صيانة له من اللحن ، والتحريف . ” الإتقان في علوم القرآن ” ( 2 / 456 ) .

ويدخل في الجواز : تلوين كلمات الآيات وفق أحكام التجويد ، بشرط العناية الفائقة في الأمر .

ولا يدخل في الجواز: ما يوضع من خطوط تشويهية تحت الآيات ، ولا يدخل – كذلك – تعليم بعض الكلمات أو الآيات باللون الفسفوري ؛ لما فيه من تشويه وعبث بأوراق المصحف ، من غير ضرورة ، ولا حاجة ، ولا مصلحة معتبرة .

والثاني: أن تكون لكلمات من جنس كلمات القرآن .

وهذا الثاني ينقسم إلى قسمين:

أ. أن تكون الكتابة داخل إطار الآيات ، ومعها .

وهذه مما ينبغي التشدد فيها ، المنع منها ، ولئن تشدد فيها السلف أول أمر تدوين المصحف : فلا تزال المصلحة من المنع قائمة .

قال السيوطي – رحمه الله – :

وقال الجرجاني – من أصحابنا – في ” الشافي ” : مِن المذموم كتابة تفسير كلمات القرآن بين أسطره . ” الإتقان في علوم القرآن ” ( 2 / 456 ) .

ب. أن تكون خارج إطار الآيات ، وفي هامش المصحف .

* وهذه مما منع منها بعض العلماء المعاصرين ، ومنهم علماء اللجنة الدائمة ، حيث قالوا :

الأصل الذي جرى عليه عمل الأمة : هو تجريد كتاب الله تعالى من أي إضافة إليه ، ويبقى تداول المصحف برسمه المتداول بين المسلمين ، دون إضافة أو نقص .

لهذا ننصحك بترك ما ذكر من التحشية على المصحف ، وبوسعك أن تكتب ما تحتاج إليه في أوراق خاصة تشير إلى اسم السورة ورقم الآية ، فتجمع بين المحافظة على كتاب الله تعالى ، وبين تقييد ما يفيدك ويعينك على فهمه .

الشيخ عبد العزيز بن باز ، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ ، الشيخ عبد الله بن غديان ، الشيخ صالح الفوزان ، الشيخ بكر أبو زيد .

” فتاوى اللجنة الدائمة ” المجموعة الثانية ( 3 / 53 ، 54 ) .

لكننا نرى أنه ليس ثمة مفسدة من كتابة ما يفيد من معاني الكلمات ، وشروح الآيات ، وذِكر أسباب النزول ، والقراءات ، وكتابة التأملات ، وكتابة المتشابه من الكلمات ، والآيات ، إذا كان ذلك على هامش المصحف .

وتنوع طرق الطباعة: يجعل الخلط بين القرآن والكتابة في هامشه بعيداً جدّاً ، فالآيات القرآنية لها خطها الخاص ، ولها تشكيلها ، وحولها إطارها الذي يفصلها عن الكتابة حوله ، والذي عادة ما يميَّز بخطٍّ وحجمٍ مختلفيْن عن خط وحجم حروف المصحف .

وقد طُبع في هامش المصحف كثير من التفاسير ، كتفسير البيضاوي ، والجلالين ، وزبدة التفسير ، وتفسير السعدي – وقد قدَّم له الشيخ العثيمين رحمه الله – ، وغيرها كثير ، كما طبع في هامشه أسباب النزول ، ومعاني الكلمات ، والقراءات ، وكل ذلك بكتابة وإشراف وعناية وإقرار علماء أجلاء ، وقد نفع الله بما كتبوه كثيراً ، ولم يختلط ما كتبوه بالمصحف على أحدٍ .

وعليه: فالذي نطمئن إلى القول به : هو جواز مثل تلك الكتابات العلمية النافعة في هامش المصحف ، بشرط جعلها خارج إطار الآيات ، وتمييزها بخط خاص .

سئل الشيخ عبد الله بن جبرين – رحمه الله – :

يقوم بعض مدرسي القرآن الكريم بوضع ملاحظات بالقلم الرصاص على مصحفهم ، أو مصاحف الطلاب لتنبيههم إلى أخطائهم بوضع خط تحت مواضع الغنة ونحوها من أحكام التلاوة ، وذلك بعد الفراغ من التلاوة ، فهل يجوز كتابة شيء من هذا القبيل على المصحف ؟ أفتونا مأجورين .

فأجاب:

أرى أنه لا بأس بوضع هذه الملاحظات لما ذكر من الأسباب ، سواء وضعت بالهامش أو الحاشية أو وضعت بين الأسطر ، إذا كانت تلك الملاحظات رموزا أو إشارات تشبه ما في المصاحف من حروف علامات الوقف وعلامات قراءة التحويد ، مثل الإخفاء والإظهار والإقلاب ، فمتى كانت هذه الملاحظات بأحرف صغيرة وبأقلام الرصاص بحيث يتمكن من محوها بعد انتهاء الغرض منها فلا بأس بوضعها لهذا السبب ، وإنما ورد النهي أن يكتب في المصاحف ما ليس منها إذا خيف التباس ذلك على القارئ ، وتوهمه أن تلك الكتابة من القرآن أو من بيان معاني القرآن ، أما إذا لم يخف من الالتباس : فلا نرى بأساً بوضعها لهذا الغرض بقدر الحاجة ، والله أعلم .

” فتاوى علماء البلد الحرام ” ( ص 395 ) .

 

والله أعلم.

يريد شرح حديث كمل من الرجال كثير

السلام عليكم،
هل لكم أن تزودوني بمعلومات إضافية عن الحديث التالي، جزاك الله خيرا،
“حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كمُل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء غير مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام.”
صحيح البخاري، المجلد 5 (كتاب 62)
ج 7181 الحمد لله
أولاً :- اختلف العلماء في معنى كمال النساء ، فقال بعضهم : يعني : كمال النبوة .
قال ابن حجر في ” الفتح ” :
لأن أكمل النوع الإنساني في الأنبياء ثم الأولياء ثم الصديقون والشهداء فلو لم تكونا نبيتين للزم ألا تكون في النساء وليَّة ولا صدِّيقة ولا شهيدة . والواقع أن هذه الصفات في كثير منهن فكأنه قال : لم ينبأ من النساء إلا فلانة وفلانة .
” الفتح ” ( 6 / 447 ) .
فيكون تخصيص النساء بالكمال للنبوة لأن الولاية موجودة في النساء والكمال خاص بهما فيكون فوق الولاية هي النبوة ! .
وهذا القول خطأ !
الرد على هذا القول :
أنه وقع في بعض الروايات ” وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد ” .
أخرجه الطبراني .

وعلم يقيناً أن خديجة وفاطمة ليستا نبيتين ، وهما ممن كمل من النساء ، فيكون المراد بـ ” كمل من النساء ” كمال الولاية وليس كمال النبوة .

قال النووي :
قال القاضي : هذا الحديث يستدل به من يقول بنبوة النساء ونبوة آسية ومريم !!
والجمهور : على أنهما ليستا نبيتين , بل هما صدِّيقتان ووليَّتان من أولياء الله تعالى .
ولفظة ( الكمال ) تطلق على تمام الشيء وتناهيه في بابه .
والمراد هنا : التناهي في جميع الفضائل وخصال البر والتقوى .
قال القاضي :
فإن قلنا : هما نبيتان , فلا شك أن غيرهما لا يلحق بهما .
وإن قلنا : وليتان لم يمتنع أن يشاركهما من هذه الأمة غيرهما .
هذا كلام القاضي , وهذا الذي نقله من القول بنبوتهما غريب ضعيف , وقد نقل جماعة الإجماع على عدمها . والله أعلم .
” شرح مسلم ” ( 15 / 198 ، 199 ) .

قال شيخ الإسلام :
وقد ذكر القاضي أبو بكر ، والقاضي أبو يعلى ، وأبو المعالي ، وغيرهم : الإجماع على أنه ليس في النساء نبيَّة .
والقرآن والسنة دلا على ذلك ، كما في قوله تعالى { وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم من أهل القرى } ، وقوله { ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبلبه الرسل وأمه صدِّيقة } .
ذكر أن غاية ما انتهت إليه أمه : الصدِّيقيَّة .
” مجموع الفتاوى ” ( 4 / 396 ) .

ثانياً:.حديث ” فاطمة سيدة نساء أهل الجنة إلا ما كان من مريم بنت عمران ” .
رواه احمد ( 11347 ) ، وحسَّن الحافظ ابن حجر إسناده في ” الفتح ” ( 7 / 111 ) .
فقد ثبت بهذا أن فاطمة خير من آسية ولو كانت آسية نبية : لما كانت فاطمة خيراً منها ؛ لاٌن فاطمة ليست نبيَّة .

ثالثاً : الراجح أن معنى كمال النساء كما قال الكرماني :
لا يلزم من لفظة الكمال ثبوت نبوتها لأنه يطلق لكمال الشيء أو تناهيه في بابه فالمراد بلوغها النهاية في جميع الفضائل التي للنساء .
” الفتح ” ( 6 / 447 ) .

رابعاً : فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام :
قال ابن القيم :
الثريد مركب من لحم وخبز واللحم سيد الآدام ، والخبز سيد الأقوات ، فإذا اجتمعا لم يكن بعدها غاية .
زاد المعاد ( 4 /271 ) .

وقال النووي :
قال العلماء : معناه أن الثريد من كل الطعام أفضل من المرق , فثريد اللحم أفضل من مرقه بلا ثريد , وثريد ما لا لحم فيه أفضل من مرقه , والمراد بالفضيلة نفعه , والشبع منه , وسهولة مساغه , والالتذاذ به , وتيسر تناوله , وتمكن الإنسان من أخذ كفايته منه بسرعة , وغير ذلك , فهو أفضل من المرق كله , ومن سائر الأطعمة وفضل عائشة على النساء زائد كزيادة فضل الثريد على غيره من الأطعمة . وليس في هذا تصريح بتفضيلها على مريم وآسية ; لاحتمال أن المراد تفضيلها على نساء هذه الأمة .
” شرح مسلم ” ( 15 / 199 ) .

قال ابن القيم – في مبحث التفضيل بين عائشة وفاطمة – :
فالتفضيل بدون التفصيل لا يستقيم ، فإن أريد بالفضل كثرة الثواب عند الله عز وجل : فذلك أمر لا يطلع عليه إلا بالنص ؛ لأنه بحسب تفاضل أعمال القلوب لا بمجرد أعمال الجوارح
وكم من عاملين أحدهما أكثر عملا بجوارحه والآخر أرفع درجة منه في الجنة .
وإن أريد بالتفضيل التفضيل بالعلم فلا ريب أن عائشة أعلم وأنفع للأمة وأدت إلى الأمة من العلم ما لم يؤد غيرها واحتاج إليها خاص الأمة وعامتها
وإن أريد بالتفضيل شرف الأصل وجلالة النسب : فلا ريب أن فاطمة أفضل فإنها بضعة من النبي صلى الله عليه وسلم وذلك اختصاص لم يشركها فيه غير أخواتها .

وإن أريد السيادة : ففاطمة سيدة نساء الأمة .
وإذا ثبتت وجوه التفضيل وموارد الفضل وأسبابه صار الكلام بعلم وعدل .
وأكثر الناس إذا تكلم في التفضيل لم يفصل جهات الفضل ولم يوازن بينهما فيبخس الحق وإن انضاف إلى ذلك نوع تعصيب وهوي لمن يفضله تكلم بالجهل والظلم .

” بدائع الفوائد ” ( 3 / 682 ، 683 ) .

وأما خصائص عائشة فكثيرة :

قال ابن القيم رحمه الله :
ومن خصائصها : أنها كانت أحب أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه كما ثبت عنه ذلك في البخاري وغيره وقد سئل أي الناس أحب إليك قال عائشة قيل فمن الرجال قال أبوها
ومن خصائصها أيضا : أنه لم يتزوج امرأة بكرا غيرها .
ومن خصائصها : أنه كان ينزل عليه الوحي وهو في لحافها دون غيرها .
ومن خصائصها : أن الله عز وجل لما أنزل عليه آية التخيير بدأ بها فخيرها فقال ولا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك فقالت أفي هذا أستأمر أبوي فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة فاستن بها بقية أزواجه صلى الله عليه وسلم وقلن كما قالت .
ومن خصائصها : أن الله سبحانه برأها مما رماها به أهل الإفك وأنزل في عذرها وبراءتها وَحْيا يتلى في محاريب المسلمين وصلواتهم إلى يوم القيامة وشهد لها بأنها من الطيبات ووعدها المغفرة والرزق الكريم وأخبر سبحانه أن ما قيل فيها من الإفك كان خيرا لها ولم يكن ذلك الذي قيل فيها شرا لها ولا عائبا لها ولا خافضا من شأنها بل رفعها الله بذلك وأعلى قدرها وأعظم شأنها وصار لها ذكرا بالطيب والبراءة بين أهل الأرض والسماء فيا لها من منقبة ما أجلها …….
ومن خصائصها رضي الله عنها : أن الأكابر من الصحابة رضي الله عنهم كان إذا أشكل عليهم أمر من الدين استفتوها فيجدون علمه عندها .
ومن خصائصها : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي في بيتها وفي يومها وبين سحرها ونحرها ودفن في بيتها .
ومن خصائصها : أن الملَك أَرى صورتَها للنبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يتزوجها في سرقة حرير فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن يكن هذا من عند الله يُمْضِه .
ومن خصائصها : أن الناس كانوا يتحرون بهداياهم يومها من رسول الله صلى الله عليه وسلم تقربا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فيتحفونه بما يحب في منزل أحب نسائه إليه صلى الله عليه وسلم رضي الله عنهن أجمعين . أ.هـ
” جلاء الأفهام ” ( ص 237 – 241 )

تنبيه :
الحديث رواه البخاري ( 3230 ) ومسلم ( 2431 ) .

والله أعلم

هل عبارة ” اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد ” حديث صحيح؟

السؤال:

هل عبارة ” اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد ” حديث صحيح؟

 

الجواب:

الحمد لله

هذه العبارة ليست بحديث صحيح ولا ضعيف ، ومن نسبها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقد أخطأ ، إذ لا أصل لها في شيء من كتب السنَّة.

وقد نسبها إلى النبي صلى الله عليه وسلم صاحب كتاب ” كشف الظنون ” ( 1 / 51 ) فأخطأ، وفي موضع آخر ( 1 / 46 ): لم ينسبه للنبي صلى الله عليه وسلم بل قال ” كما قيل “.

 

والله أعلم.