حكم طباعة التفاسير ومعاني الكلمات ووضع الرموز والعلامات في هامش المصحف

السؤال

ما حكم الكتابة – التعليق – على هوامش صفحات المصحف، إذا كانت الكتابة عبارة عن:

  1. تفسير للآيات .
  2. تأملات – تدبر – .
  3. المتشابه من الكلمات ، والآيات .
  4. تحديد الكلمات ، باستخدام قلم التوضيح ” الفسفوري “؟.

الجواب

الحمد لله

اختلف العلماء في حكم كتابة شيء غير آيات القرآن في المصحف ، سواء مع الآيات ، تفسيراً لها ، أو على هامش المصحف ، كذكر أسباب النزول ، بل وصل المنع عند المتقدمين إلى المنع من وضع علامات تقسيم القرآن إلى أجزاء ، وأحزاب ، بل ووصل أمر المنع إلى المنع من التنقيط ، وكتابة علامات تشكيل الحروف ، كالضمة ، والفتحة.

وكل ذلك يدل على عظيم اهتمام السلف الصالح ، والأئمة العلماء ، بكتاب الله تعالى ، والمنع من اختلاط شيء بغيره ، وإبقاء شأن حروفه كما كتبها الصحابة الأجلاء رضي الله عنهم .

لكن لا يُنكر أنه وُجدت مصالح عظيمة في أكثر ما منعه أولئك الأجلاء ، فما رأوا فيه مصلحة عظيمة أجازوه – كالتنقيط والتشكيل – ، وما رأوا فيه ضرراً أبقوا المنع فيه – ككتابة التفسير مع الآيات – ، وهذا فقه جليل ، يدل على أن تعظيم القرآن غير مرتبط بعواطف مجردة عن النظر البعيد إلى المصلحة ، وكل ذلك يؤدي إلى الحفاظ على كتاب الله من أن يتطرق إليه التحريف والخطأ في النطق .

وفي ” حاشية ابن عابدين ” ( 6 / 386 ) :

ما روي عن ابن مسعود ” جرِّدوا القرآن ” : كان في زمنهم ، وكم من شيء يختلف باختلاف الزمان ، والمكان ، كما بسطه الزيلعي ، وغيره . انتهى.

ويمكننا ضبط مسألة الكتابة في المصحف بتقسيمين مجملين:

الأول: أن تكون الكتابة لرموز، وعلامات.

وهذا الأمر لا ينبغي التشدد في منعه ، بل ينظر فيه إلى المصالح المتحققة منه ، فإن وجدت : أُقرت ، وإلا منعت ، ولا يُشك في وجود مصالح كثيرة من وجود علامات تقسيم القرآن لأجزاء وأحزاب ؛ تسهيلاً لحفظه ، ومراجعته ، وكذا من وجود مصالح من وضع رمز يدل على أن هذه الآية فيها سجود تلاوة .

وإنما كان الأصل هو التساهل بالنقط ، والعلامات : لأنه ليس لها صورة الحروف ، التي توهم ما ليس قرآناُ أنه قرآن .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – :

المصاحف التي كتبها الصحابة لم يشكلوا حروفاً ، ولم ينقطوها ؛ فإنهم كانوا عرباً لا يلحنون ، ثم بعد ذلك في أواخر عصر الصحابة لمَّا نشأ اللحن صاروا ينقطون المصاحف ، ويشكلونها ، وذلك جائز عند أكثر العلماء ، وهو إحدى الروايتين عن أحمد ، وكرهه بعضهم ، والصحيح : أنه لا يكره ؛ لأن الحاجة داعية إلى ذلك ، ولا نزاع بين العلماء أن حكم الشكل ، والنقط حكم الحروف المكتوبة ؛ فإن النقط تميِّز بين الحروف ، والشكل يبين الإعراب؛ لأنه كلام من تمام الكلام . ” مجموع الفتاوى ” ( 12 / 576 ).

وقال السيوطي – رحمه الله – :

وأما النقط فيجوز ؛ لأنه ليس له صورة فيتوهم لأجلها ما ليس بقرآن قرآناً ، وإنما هي دلالات على هيئة المقروء ، فلا يضر إثباتها لمن يحتاج إليها . ” الإتقان في علوم القرآن ” ( 2 / 455 ).

ويدخل في هذه العلامات والرموز الجائزة : تنقيط كلمات القرآن ، ووضع علامات التشكيل ، وهذه إن لم تكن له مصلحة عظمى : فهي ضرورة توجبها الحاجة الماسة ، وهي داخلة في حفظ القرآن الذي تكفل الله تعالى بحفظه ، ويسَّر أسباب ذلك ، وهذا من الأسباب .

قال السيوطي – رحمه الله – :

قال النووي : نقط المصحف ، وشكلُه : مستحب ؛ لأنه صيانة له من اللحن ، والتحريف . ” الإتقان في علوم القرآن ” ( 2 / 456 ) .

ويدخل في الجواز : تلوين كلمات الآيات وفق أحكام التجويد ، بشرط العناية الفائقة في الأمر .

ولا يدخل في الجواز: ما يوضع من خطوط تشويهية تحت الآيات ، ولا يدخل – كذلك – تعليم بعض الكلمات أو الآيات باللون الفسفوري ؛ لما فيه من تشويه وعبث بأوراق المصحف ، من غير ضرورة ، ولا حاجة ، ولا مصلحة معتبرة .

والثاني: أن تكون لكلمات من جنس كلمات القرآن .

وهذا الثاني ينقسم إلى قسمين:

أ. أن تكون الكتابة داخل إطار الآيات ، ومعها .

وهذه مما ينبغي التشدد فيها ، المنع منها ، ولئن تشدد فيها السلف أول أمر تدوين المصحف : فلا تزال المصلحة من المنع قائمة .

قال السيوطي – رحمه الله – :

وقال الجرجاني – من أصحابنا – في ” الشافي ” : مِن المذموم كتابة تفسير كلمات القرآن بين أسطره . ” الإتقان في علوم القرآن ” ( 2 / 456 ) .

ب. أن تكون خارج إطار الآيات ، وفي هامش المصحف .

* وهذه مما منع منها بعض العلماء المعاصرين ، ومنهم علماء اللجنة الدائمة ، حيث قالوا :

الأصل الذي جرى عليه عمل الأمة : هو تجريد كتاب الله تعالى من أي إضافة إليه ، ويبقى تداول المصحف برسمه المتداول بين المسلمين ، دون إضافة أو نقص .

لهذا ننصحك بترك ما ذكر من التحشية على المصحف ، وبوسعك أن تكتب ما تحتاج إليه في أوراق خاصة تشير إلى اسم السورة ورقم الآية ، فتجمع بين المحافظة على كتاب الله تعالى ، وبين تقييد ما يفيدك ويعينك على فهمه .

الشيخ عبد العزيز بن باز ، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ ، الشيخ عبد الله بن غديان ، الشيخ صالح الفوزان ، الشيخ بكر أبو زيد . ” فتاوى اللجنة الدائمة ” المجموعة الثانية ( 3 / 53 ، 54 ) .

لكننا نرى أنه ليس ثمة مفسدة من كتابة ما يفيد من معاني الكلمات ، وشروح الآيات ، وذِكر أسباب النزول ، والقراءات ، وكتابة التأملات ، وكتابة المتشابه من الكلمات ، والآيات ، إذا كان ذلك على هامش المصحف .

وتنوع طرق الطباعة: يجعل الخلط بين القرآن والكتابة في هامشه بعيداً جدّاً ، فالآيات القرآنية لها خطها الخاص ، ولها تشكيلها ، وحولها إطارها الذي يفصلها عن الكتابة حوله ، والذي عادة ما يميَّز بخطٍّ وحجمٍ مختلفيْن عن خط وحجم حروف المصحف .

وقد طُبع في هامش المصحف كثير من التفاسير ، كتفسير البيضاوي ، والجلالين ، وزبدة التفسير ، وتفسير السعدي – وقد قدَّم له الشيخ العثيمين رحمه الله – ، وغيرها كثير ، كما طبع في هامشه أسباب النزول ، ومعاني الكلمات ، والقراءات ، وكل ذلك بكتابة وإشراف وعناية وإقرار علماء أجلاء ، وقد نفع الله بما كتبوه كثيراً ، ولم يختلط ما كتبوه بالمصحف على أحدٍ .

وعليه: فالذي نطمئن إلى القول به : هو جواز مثل تلك الكتابات العلمية النافعة في هامش المصحف ، بشرط جعلها خارج إطار الآيات ، وتمييزها بخط خاص .

سئل الشيخ عبد الله بن جبرين – رحمه الله – :

يقوم بعض مدرسي القرآن الكريم بوضع ملاحظات بالقلم الرصاص على مصحفهم ، أو مصاحف الطلاب لتنبيههم إلى أخطائهم بوضع خط تحت مواضع الغنة ونحوها من أحكام التلاوة ، وذلك بعد الفراغ من التلاوة ، فهل يجوز كتابة شيء من هذا القبيل على المصحف ؟ أفتونا مأجورين .

فأجاب:

أرى أنه لا بأس بوضع هذه الملاحظات لما ذكر من الأسباب ، سواء وضعت بالهامش أو الحاشية أو وضعت بين الأسطر ، إذا كانت تلك الملاحظات رموزا أو إشارات تشبه ما في المصاحف من حروف علامات الوقف وعلامات قراءة التحويد ، مثل الإخفاء والإظهار والإقلاب ، فمتى كانت هذه الملاحظات بأحرف صغيرة وبأقلام الرصاص بحيث يتمكن من محوها بعد انتهاء الغرض منها فلا بأس بوضعها لهذا السبب ، وإنما ورد النهي أن يكتب في المصاحف ما ليس منها إذا خيف التباس ذلك على القارئ ، وتوهمه أن تلك الكتابة من القرآن أو من بيان معاني القرآن ، أما إذا لم يخف من الالتباس : فلا نرى بأساً بوضعها لهذا الغرض بقدر الحاجة ، والله أعلم .

” فتاوى علماء البلد الحرام ” ( ص 395 ) .

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة