الرئيسية بلوق الصفحة 353

سؤال عن ” طعام أهل الكتاب ” من مهتمة بالإسلام وتريد أن تسلم

سؤال عن ” طعام أهل الكتاب ” من مهتمة بالإسلام وتريد أن تسلم

السؤال:

بعض الشيوخ في المسجد يقولون بأن أغلب العلماء يقولون بجواز أكل اللحم غير الحلال ( كمطاعم ماكدونالدز واللحوم التي يبيعها جزارون في بلاد غير مسلمة كبريطانيا ) والقليل منهم يحرم ذلك .

– ألا يعتبر الشخص الذي لا يتبع الجماعة خارجاً عنها؟

أنا راغبة في الإسلام وأؤمن بأن الله هو الرب ولكنني لم أقل كلمة التوحيد بعد ، أتحدث مع الكثير من المسلمات وهذا الأمر لفت نظري حين سمعته إحدى صديقاتي المسلمات من الشيخ في المسجد . فأرجو أن توضح هذا الأمر لي . شكراً لك.

 

الجواب

الحمد لله

أولاً :

قبل الإجابة على سؤالك واستفسارك فإننا نتمنى من أعماق قلوبنا أن يوفقك الله تعالى لقول كلمة التوحيد ، فمثلكِ حريٌّ أن يكمل دينه كما أكمل عقله ، وإننا لنرى في سؤالك وفي ختامه ما يدل على قربك من بلوغ ما يحبه الله ويرضاه للناس ، وهو الذي من أجله خلق الله الناس وأرسل الرسل وأنزل الكتب ألا وهو إقامة التوحيد نطقاً وعملاً .

وإننا لنرجو أن تزيني رغبتك بالإسلام بكلمة التوحيد التي تفصل بين المحبوب لله والمبغوض ، والتي تفصل بين العاقل وضده ، والتي تفصل بين السعداء والأشقياء ، والتي تفصل بين أهل الجنة وضدهم .

ولا يمنعك الخجل ولا الخوف ولا كلام الناس من دخولك في الإسلام فالناس هم من سيتخلى عنكِ يوم ينشر الله صحائف أعمال الناس يوم القيامة ، وسيفر منكِ الأخ والأب والزوج والصديقة وسيكون لكل واحد منهم شأن يغنيه ، فعلى العاقل التفكر في مآل أمره وفي مصيره الأخروي قبل الدنيوي ، وهنيئاً لمن وفقه الله للدخول في طائفة الموحدين أتباع الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم .

هذا ما نسأل الله لكِ بصدق ، وإننا لنرجو أن نسمع ما تقر به أعيننا وينشرح به صدرنا من النطق بكلمة التوحيد ودخولك في الإسلام .

ثانياً :

وأما بالنسبة لسؤالك فنقول :

إن ثبت أن اللحم غير حلال – عند القائل – : فلا يقول أحدٌ من العلماء ولا من هو أقل منهم بجواز أكله ، لكن بعض العلماء يرى أن ذبح أهل الكتاب – اليهود والنصارى – حلال حتى لو لم يوافقوا شرع الإسلام في ذبحهم ، وهذا قول شاذ مرجوح لا يدل عليه آية ولا حديث ، وليست الأقوال في الإسلام واحدة ليس بينها اختلاف ، فقد خلق الله الناس متفاوتين في الفهم وقوة الاستنباط لذا يوفق بعضهم لإصابة الحق ويخطئ آخرون ، وللمخطئ نصيب من الأجر على اجتهاده وهو أجر واحد ، ومن أصاب فله أجران .

والصواب : أن الشروط الشرعية في ديننا ينبغي أن تطبَّق على ذبح أهل الكتاب ، من حيث كون الذبيحة مما يباح أكلها ، ومن حيث التسمية ، وإنهار الدم .

فإن تبيَّن أن شيئاً من هذه الشروط قد اختل فإنها الذبيحة تحرم ، سواء كان الذابح مسلماً أم كتابيّاً  ، وقد وسَّع الله تعالى على المسلمين بأن أباح لهم ذبح أهل الكتاب لا أنهم يذبحون ما يشاؤون وبأي طريقة أرادوا ، بل لا بدَّ لهم من التقيد بما ذكره الله من شروط حتى تحل الذبيحة .

قال الحافظ ابن كثير – رحمه الله – في تفسير هذه الآية ما نصه :

لما ذكر تعالى ما حرمه على عباده المؤمنين من الخبائث وما أحله لهم من الطيبات قال بعده : { اليوم أحل لكم الطيبات } ثم ذكر حكم ذبائح أهل الكتابين من اليهود والنصارى فقال { وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم } ، قال ابن عباس وأبو أمامة ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة وعطاء والحسن ومكحول وإبراهيم النخعي والسدي ومقاتل بن حيان : يعنى ذبائحهم ، وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء أن ذبائحهم حلال للمسلمين ؛ لأنهم يعتقدون تحريم الذبح لغير الله ولا يذكرون على ذبائحهم إلا اسم الله وإن اعتقدوا فيه تعالى ما هو منزَّه عنه تعالى وتقدس ، وقد ثبت في الصحيح عن عبد الله بن مغفل رضي الله عنه قال : ” أدلي بجراب من شحم يوم خيبر فحضنته وقلت: لا أعطي اليوم من هذا أحداً والتفتُّ فإذا النبي صلى الله عليه وسلم يبتسم ” ، فاستدل به الفقهاء على أنه يجوز تناول ما يحتاج إليه من الأطعمة ونحوها من الغنيمة قبل القسمة ، وهذا ظاهر ، واستدل به الفقهاء الحنفية والشافعية والحنابلة على أصحاب مالك في منعهم أكل ما يعتقد اليهود تحريمه من ذبائحهم كالشحوم ونحوها مما حرم عليهم ، فالمالكية لا يجوزون للمسلمين أكله لقوله تعالى: { وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم } قالوا : وهذا ليس من طعامهم ، واستدل عليهم الجمهور بهذا الحديث ، وفي ذلك نظر ؛ لأنه قضية عين ، ويحتمل أن يكون شحما يعتقدون حله كشحم الظهر والحوايا ونحوهما ، والله أعلم .

وأجود منه في الدلالة ما ثبت في الصحيح أن أهل خيبر أهدوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاة مصلية فقد سموا ذراعها وكان يعجبه الذراع فتناوله فنهش منه نهشة فأخبره الذراع أنه مسموم فلفظه وأثر ذلك في ثنايا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي أبهره ، أكل معه منها بشر بن البراء بن معرور فمات فقتل اليهودية التي سمتها وكان اسمها زينب فقتلت ببشر بن البراء .

ووجه الدلالة منه : أنه عزم على أكلها ومن معه ولم يسألهم هل نزعوا منها ما يعتقدون تحريمه من شحمها أم لا ، وفي الحديث الآخر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أضافه يهودي على خبز شعير وإهالة سنخة ، يعني ودكا زنِخاً . انتهى.

ولما فهم أحد التابعين – وهو مكحول – إباحة عموم طعام أهل الكتاب حتى لو كانوا مخالفين للشرع في ذبحهم ردَّ عليه ابن كثير فقال :

وفي هذا الذي قاله مكحول رحمه الله نظر ؛ فإنه لا يلزم من إباحته طعام أهل الكتاب إباحة أكل ما لم يذكر اسم الله عليه ؛ لأنهم يذكرون اسم الله على ذبائحهم وقرابينهم وهم متعبدون بذلك ، ولهذا لم يبح ذبائح من عداهم من أهل الشرك ومن شابههم لأنهم لا يذكرون اسم الله على ذبائحهم ، بل ولا يتوقفون فيما يأكلونه من اللحم على ذكاة ، بل يأكلون الميتة بخلاف أهل الكتابين ومن شاكلهم من السامرة والصائبة … ” تفسير ابن كثير ” ( 2 / 20 ، 21 ) .

وقد سئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله – عن ذبائح أهل الكتاب فقال :

حكمها الحل والإباحة بالإجماع ما لم يعلم أنها ذبحت على غير الوجه الشرعي كالخنق ونحوه؛ لقول الله سبحانه : { الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ } [ المائدة / 5 ]  الآية من سورة المائدة …

– وقد نقل أكثر ما ذكرناه عن ابن كثير – .

” مجموع فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 4 / 268 ، 269 ).

وقد سئل الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله – :

ما حكم الشرع في نظركم في الدجاج المستورد ؟

فأجاب :

– إن كان قصدهُ الدجاج الذي يُستورد مذبوحاً :

فهذا إنْ جاء من دولة غير كتابية – دولة شيوعية أو وثنية أو غير ذلك من الدول الكافرة – فإنَّ هذه اللحوم من الدجاج وغيره تكون ميتة محرمة لأنها ذبائح كفار غير كتابيين فلا تحل .

أمّا إذا كانت هذه الذبائح مستوردة من بلاد كتابية من اليهود أو النصارى ، فالله سبحانه وتعالى قد أباح لنا ذبائح أهل الكتاب كما في قوله تعالى : { وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ } [ المائدة / 5 ] ، يعني : ذبائحهم ؛ لأنَّ الطعام غير الذبائح مُباح من أهل الكتاب وغيرهم فدلّ على أنّ المراد ذبائحهم بإجماع أهل العلم لكن بشرط أن يكونوا يذبحون على الطريقة الشرعية بأنْ يذبحوا في محل الذبح وبالطريقة الشرعية بأنْ يقطع من الأوداج والمري والحلقوم ما يكفي قطعه في الذكاة ، أمّا إذا كانوا يذبحون بغير الطريقة الشرعية كالصعق الكهربائي والتدويخ والضرب بالمسدسات والفؤوس وغير ذلك وماتت الحيوانات بهذه الوسائل فإنها حرام وميتة لا تحل ، ولو ذبحها مسلم على هذه الطريقة لم تحِل فكيف بالكتابي ؟ .

وقد اشتهر وكثر الخبر من جهات متعددة أنهم يذبحون بهذه الوسائل غير المشروعة فما دام الأمر كذلك فالأمر أقل أحواله أنه مشتبه وينبغي للمسلم أن يتجنب هذه اللحوم وأن يأكل مما تيقن أنه مذكى على الطريقة الشرعية فإنَّ ذلك أسلم لدينه وأبرأ لذمته والنبي صلى الله عليه وسلم  يقول : ” دَعْ ما يَرِيبُكَ إِلَى مَا لاَ يَرِيبُكَ ” .

” فتاوى نور على الدرب ” فتاوى الشيخ محمد بن صالح العثيمين .

 

والله أعلم.

هل يجوز الذبح بنية ” الفدو “؟

أرجو من فضيلتكم الإجابة على سؤالي والمتعلق بموضوع ( الفدو )

السؤال:

أنا متزوج منذ أربع سنوات ولم أرزق بأطفال ، والحمد لله تلقيت مؤخراً خبراً أن زوجتي حامل ، فقمت وبناءً على نصيحة والدي بذبح ذبيحتين ( فدو) وتوزيعهم على المحتاجين من المسلمين خالصاً لوجه الله تعالى عني وعن زوجتي ، فما حكمه في الشرع ؟ وجزاكم الله خيراً.

 

الجواب:

الحمد لله

إذا كان ذبحُك هذا شكراً لله تبارك وتعالى : فإنه يجوز ، والذبح من العبادات العظيمة ، وخاصة إذا أضيف إليه توزيع لحمه على الفقراء والمساكين .

وإذا كان ذبحك هذا دفعاً للسوء وجلباً للخير : فإنه لا يجوز ، وهذا هو المشهور عند عامة الناس من كلمة ( الفدو ) فهم يظنون أن في فعلهم هذا دفعاً للسوء ، وهم يفعلونه في حال حدوث الحوادث أو الأمراض التي تصيبهم أو تصيب بعض أفرادهم .

– وما كان الذبح في الشرع مانعاً من وقوع المقدور خيراً كان أم شرّاً .

* وقد سئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله – عن الذبح عند اكتمال البناء أو انتصافه فقال:

فهذا التصرف فيه تفصيل ، فإن كان المقصود من الذبيحة اتقاء الجن أو مقصداً آخر يقصد به صاحب البيت أن هذا الذبح يحصل به كذا وكذا كسلامته وسلامة ساكنيه فهذا لا يجوز ، فهو من البدع ، وإن كان للجن فهو شرك أكبر ؛ لأنها عبادة لغير الله .

أما إن كان من باب الشكر على ما أنعم الله به عليه من الوصول إلى السقف أو عند اكتمال البيت فيجمع أقاربه وجيرانه ويدعوهم لهذه الوليمة : فهذه لا بأس بها ، وهذا يفعله كثير من الناس من باب الشكر لنعم الله حيث منَّ عليهم بتعمير البيت والسكن فيه بدلاً من الاستئجار ، ومثل ذلك ما يفعله بعض الناس عند القدوم من السفر يدعو أقاربه وجيرانه شكراً لله على السلامة ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قدِم من سفر نحر جزوراً ودعا الناس لذلك عليه الصلاة والسلام .

” مجموع فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 5 / 388 ) .

وقال الشيخ محمد الصالح بن عثيمين – رحمه الله – :

ما يفعله بعض الناس إذا نزل منزلاً جديداً ذبح ودعا الجيران والأقارب : هذا لا بأس به ما لم يكن مصحوباً بعقيدة فاسدة ، كما يُفعل في بعض الأماكن إذا نزل منزلاً فإن أول ما يفعل أن يأتي بشاة ويذبحها على عتبة الباب حتى يسيل الدم عليها ، ويقول : إن هذا يمنع الجن من دخول البيت ، فهذه عقيدة فاسدة ليس لها أصل ، لكن من ذبح من أجل الفرح والسرور : فهذا لا بأس به .

” الشرح الممتع ” ( 7 / 550 ، 551 ) .

 

والله أعلم.

حكم تناول الأطعمة الضارة كالبيض النيئ، وحكم أكل العظام المسحوقة

حكم تناول الأطعمة الضارة كالبيض النيئ، وحكم أكل العظام المسحوقة

السؤال:

إذا أثبت الطب خطر نوع معين من الغذاء : فهل يحرُم شرعاً ؟ فأنا أدرس في مجال طبي ، ودرسنا أن البيض النيئ يسبِّب مرض ” السلمونيلا ” ، وكذلك قرأتُ أنه يسبِّب أمراضاً أخرى ، ويجب أن يُطبخ جيداً حتى تموت البكتيريا الموجودة فيه ، فهل بذلك يحرُم أكله ؟ وماذا بالنسبة لـ ” المايونيز ” : فيدخل في صناعته بيض نيئ .

وأيضاً : قرأتُ وشاهدتُ طريقة صنع ” النقانق ” ، فالذبيحة كلها تطحن بلحمها ، وعظامها ، ثم يصنع منها ” النقانق ” ، فهل يحرم أكله ؟ .

 

الجواب:

الحمد لله

أولاً:

مما لا شك فيه أن الشريعة الإسلامية المطهرة جاءت بما فيه صلاح الناس في دينهم ودنياهم ، ومن تأمل في الأوامر والنواهي ، وعموم أحكام الشرع وآدابه : تبين له صدق القول ، ومطابقته للواقع .

– وكما حرَّمت الشريعة المطهرة كلَّ خبيث : فإنها حرَّمت تناول كل ما يضر الإنسان ، أو يضر غيره ، وفي هذا المعنى جاء الحديث المشتهر ( لاَ ضَرَر وَلاَ ضِرَار ) رواه ابن ماجه ( 2340 ) ، وحسَّنه الألباني في ” صحيح ابن ماجه ” .

سئل علماء اللجنة الدائمة :

ما معنى قول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( لا ضرر ولا ضرار ) ؟ أريد شرح هذا الحديث ، وما يستفاد منه .

فأجابوا :

نهى النبي صلى الله عليه وسلم المكلَّف أن يضرَّ نفسه ، أو يضر غيره ، ففيه دلالة على منع الإنسان من التعدي على نفسه ، أو غيره ، وهذا الحديث وإن كان فيه مقال : إلا أنه جاء من طرق ، يقوي بعضها بعضاً ، وله شواهد ، فينهض إلى درجة الحسن لغيره ، ويصلح للاستدلال به.

ونوصيك بمراجعة كتاب ” جامع العلوم والحِكَم ” للحافظ ابن رجب في شرح هذا الحديث .

الشيخ عبد العزيز بن باز ، الشيخ عبد الرزاق عفيفي ، الشيخ عبد الله بن غديان .

والأطعمة الضارة تدخل في المنع الذي جاءت به الشريعة المطهرة ، سواء تناولها المسلم بنفسه ، أو قدَّمها لغيره ليأكلها .

قال النووي – رحمه الله – :

لا يحل أكل ما فيه ضرر من الطاهرات ، كالسم القاتل ، والزجاج ، والتراب الذي يؤذى البدن ، وهو هذا الذي يأكله بعض النساء ، وبعض السفهاء ، وكذلك الحجَر الذي يضر أكله ، وما أشبه ذلك ، ودليله في الكتاب ، قال إبراهيم المروذي : وردت أخبار في النهي عن أكل الطين ، ولم يثبت شيء منها ، قال : وينبغى أن نحكم بالتحريم إن ظهرت المضرة فيه .

وقد جزم المصنف – أي : الشيرازي الشافعي – وآخرون بتحريم أكل التراب ، وجزم به القاضي حسين في ” باب الربا ” .

” المجموع النووي ” ( 9 / 37 ) .

* وللشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله منظومة سمَّاها ” منظومة القواعد والأصول  ” قال فيها :

الـديـن جــاء لسـعادة البشر   ولانتـفاء الشـر عنـهم والضرر
وكــل أمـر نـافع قـد شـرع   وكــل مـا يضرنـا قـد منـع

ثم شرح ما نظمه – رحمه الله – فقال :

هذه القاعدة في الشريعة الإسلامية أنها جاءت ” لسعادة البشر ، ولانتفاء الشر عنهم والضرر ” ، هذان الأمران اللذان تدور عليهما شريعة النبي صلى الله عليه وسلم ، وهي تحصيل المصالح كاملة ، أو وافرة ، وتقليل المفاسد ، أو إعدام المفاسد .

ولهذا قال الله عز وجل في كتابه العظيم : ( كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ) ، وقال تعالى : ( لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ) ، وقال تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا ) ، والآيات في هذا المعنى كثيرة .

إن الدين إنما جاء لسعادة البشر في الدنيا وفي الآخرة ، ولانتفاء الشر عنهم ، والضرر في الدنيا ، وفي الآخرة أيضاً ، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لا ضرر ولا ضرار ) ، يعني : أنه ليس في دين الإسلام ضرر ، وليس فيه أيضا مضارَّة ، بل هو الدين الكامل الذي بُعث به محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، هذا هو ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الدين .

إنه جاء لسعادة البشر ، ولانتفاء الشر عنهم والضرر ، ثم فرع على هذا القول قوله :

وكل أمر نافع قد شرع     وكل ما يضرنا قد منع

جميع ما شرعه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، بل جميع ما شرعه الله عز وجل على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم نافع ، لكن منه ما يظهر نفعه ، ويأتي بَيِّنًا لكل أحد ، ومنها ما لا يظهر نفعه للخلق إلا بعد حين ، لكن النهاية يظهر أنه نافع .

كذلك أيضا ما يضر قد منعه الله عز وجل والضرر ، قد يكون معلوماً حاضراً ، وقد يكون منظوراً في العاقبة . انتهى.

وأعظم من هذا : أن الأمر لو كان فيه منفعة ومضرة متساويتين : كان المنع منه هو الحكم الموافق للشرع المطهَّر .

قال الشيخ العثيمين – رحمه الله – متمماً ما سبق من النظم والشرح – :

ومـع تسـاوي ضـرر ومنفعـه   يكون ممنوعا لدرء المفسده

هذا أيضا من القواعد ، إذا كان في الشيء ضرر ، ونفع على وجه السواء : فإنه يجب أن يكون ممنوعاً ؛ وذلك درءًا للمفسدة ، وفي هذا يقول العلماء : ” درء المفاسد أولى من جلب المصالح ” ؛ وذلك لأن المفسدة المساوية للمصلحة ، والمضرة المساوية للمنفعة : قد تغلب ، وتزيد على المصلحة في المستقبل ؛ لأن خبثها قد يؤثر على القلب ، وعلى العمل ، فيحصل بذلك الشر للفتى . انتهى.

ومن الأخطاء الشائعة عند كثيرين أن تناول البيض نيئاً فيه فوائد للجسم ! ، وهو خطأ شائع ، وقد ثبت بالأدلة العلمية عظيم ضرر تناوله نيئاً ، وأنه مسبب للتسمم بـ ” السالمونيلا ” ، وللقضاء على البكتريا المتسببة بهذا المرض يستلزم الأمر طهو البيض ، وتعريضه للحرارة .

وليس هذا في الأطعمة فحسب ، فقد ذكر أهل العلم أن ” الصيام ” يحرم على من كان يضره صومه ، ويحرم ” الاغتسال ” بالماء على من كان يضر اغتساله به ، وهكذا في سائر العبادات ، فإنها وإن كانت واجبة في الأصل : لكنها تصير محرَّمة إن كان فاعلها يضر ببدنه ، وهذا من أعزم ما يؤيد ما قلناه سابقاً من منع الشريعة لتناول ، أو فعل كل ما هو ضار بالمسلم نفسه ، أو يكون مضرّاً لغيره .

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – :

واعلموا أن من قواعد الشريعة : أنه لا يجوز للإنسان أن يتناول شيئاً مضرّاً في بدنه ؛ لأن الشريعة جاءت لحماية الأبدان : فلا يجوز للإنسان أن يتناول شيئاً يضر ببدنه إطلاقاً ، حتى لو رضي وقال : أنا راضٍ بالضرر ، قلنا : الأمر ليس إليك ، أنت مربوب ، وربك الله عز وجل هو الذي قال : ( وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً ) النساء/ 29 ، والنهي عن قتل النفس ليس معناه : أن رجلاً يأخذ سكيناً ويذبح نفسه ، لا .

هو لا شك يتناول هذا ، لكن أيضاً يتناول كل ضرر يصيب الإنسان ؛ فإن الإنسان منهي عنه ، والدليل على هذا : أن عمرو بن العاص رضي الله عنه كان في سريَّة – طائفة تقاتل ، لكنها ليست جيشاً – فأجنب ذات ليلة – أصابته جنابة – ، والإنسان إذا أجنب : يجب عليه أن يغتسل ، لكن الماء بارد ، خاف على نفسه إذا اغتسل ، فتيمم ، وصلَّى بأصحابه ، فلما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم قال له : ( أصليت بأصحابك وأنت جنب ؟ قال : يا رسول الله ! ذكرت قول الله تعالى : ( وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً ) النساء/ 29 ، فتيممت ، فضحك النَّبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه أو أنيابه ) إقراراً ، ولهذا جاء في الحديث عن الرسول عليه الصلاة والسلام أنه قال : ( لا ضرر ولا ضرار ) ، فإذا كان المريض يضره الصوم : فإنه لا يجوز له أن يصوم ، حتى لو قال : أنا ضاغط على نفسي ، وسوف أصوم ، وقال : لست جالساً من بين عباد الله ، نقول: اجلس ، الذي أوجب عليك أن تصوم في حال الصحة : أوجب عليك أن تفطر في حال الضرر . انتهى.

والخلاصة :

أنه إن ثبت ضرر تناول طعام أو شراب مباح في أصله ، لكنه ضار في طريقة تناوله : حرم تناوله ، ومن فعل ذلك : كان واقعاً في الإثم ، ومثله يقال لو كان الضرر يقع عليه وحده ، أو على من هو في مثل حاله ، كمن يكون مصاباً بداء معيَّن – كالسكري أو الضغط – ويضرع تناول طعام على حال معينة لا تضر غيره : فإنه إن تناوله وضرَّه كان آثماً .

والعمدة في معرفة ما هو ضار من الأطعمة والأشربة هم أهل الخبرة من أهل الشأن ، وليس إشاعات الناس ، ولا كلام العامة .

 

ثانياً:

وأما حكم أكل العظام المسحوقة مع اللحوم : فيُعرف حكمها من جهتين :

الأولى : إذا كانت عظام حيوانٍ غير مباح ، أو مباح لكنه لم يذكَّ ذكاة شرعية : فحكم العظام حكم لحمها ، فلا يجوز أكلها .

والثانية : إذا كانت عظام لحم مباح : فإنه يُنظر إلى نفعها ، وضررها ، فإن ثبت أن فيها ضرراً : فلا يحل أكلها ، وإن لم يثبت ضررها : فيجوز أكلها ، والمرجع في ذلك : أهل الاختصاص .

 

والله أعلم.

أحكام اللحوم في الغرب

السؤال:

من المؤسف أن الكثير من الأخوة المسلمين عندما يأتون للبلاد الغربية كالولايات المتحدة وبريطانيا فإنهم لا يهتمون بالطعام الحلال والحرام لأنه قد تم لهم غسيل دماغ بواسطة البلاد الغربية .  الكثير منهم يقولون إذا قلنا بسم الله فسيكون الطعام حلالاً وأنا أرفض هذا المبدأ وحاولت أن أشرح لهم بأن هذا فقط عند الذبح .

– أرجو أن تؤكد هذا وكيف نستطيع أن نوضح للإخوة من الشرق الأوسط ليكونوا على علم بهذا.

 

الجواب:

الحمد لله

– لابدَّ لحلِّ أي ذبيحة من توافر شروط تتعلق بأشياء ثلاثة : ( الذابح و المذبوح و طريقة الذبح ).

– وبعد تحقق الشروط الشرعية في كل ما سبق ، يعلم المرء حكم كثير من المسائل المتعلقة بهذا الموضوع .

أولاً : الذابح

ويشترط أن يكون مسلماً ، ثم رخَّص لنا الله تعالى في أهل الكتاب اليهود والنصارى، قال عز وجل { وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم }  [ المائدة / 5 ].

قال الإمام ابن كثير رحمه الله :

وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء أن ذبائحهم حلال للمسلمين ….وقد ثبت في الصحيح عن عبد الله بن مغفل قال : أدلى بجراب من شحم يوم خيبر فحضنته وقلت لا أعطي اليوم من هذا أحدا والتفت فإذا النبي صلى الله عليه وسلم يبتسم . ” تفسير ابن كثير ” (2/20 ) .

قلت : الحديث رواه البخاري (3153) ومسلم (1772) .

وكذا ثبت في البخاري (2474) ومسلم (2190) أكل النبي صلى الله عليه وسلم الشاة المسمومة عند اليهود.

ثانياً : المذبوح

وهي ولله الحمد كثيرة ، وقد حرَّم الله تعالى بعض الحيوانات ومنها الخنزير وكل ذي ناب من السباع ، وكل ذي مخلب من الطير .

فهذه محرمة ولا تحلها الذكاة .

ثالثاً : طريقة الذبح

وحتى تحل الذبيحة ينبغي أن تكون طريقة الذبح شرعية ، وهي إنهار الدم وذكر اسم الله عليها ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : ” ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا ” . رواه البخاري (2356) ومسلم (1968).

وأما إذا كانت الذبيحة منخنقة أو متردية من أعلى أو موقوذة – مضروبة بعصا أو حديدة – أو نطيحة أو مصعوقة : فإنها لا تحل .

قال الله تعالى { حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب ..} [ المائدة /3].

وإذا لم يذكر اسم الله عليها أو ذكر غيره سبحانه ، أو ذبحت لغيره كالذبح للأوثان والأولياء والموتى : فلا تحل الذبيحة .

* وعليه :

فإنه حتى تحل ذبائح أهل الكتاب ، فلا بد لهم مِن أن يكونوا كتابيِّين ، ولا بد لهم مِن أن ينهروا الدم عند الذبح ، ولا بد لهم من ذكر اسم الله تعالى .

وقد قال بعض التابعين مثل مكحول أن آية { وطعام الذين ..} ناسخة لقوله تعالى { ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه } [ الأنعام /121 ]، وقد ردَّ عليه الإمام ابن كثير فقال : وفي هذا الذي قاله مكحول رحمه الله نظر ، فإنه لا يلزم من إباحته طعام أهل الكتاب إباحة أكل ما لم يذكر اسم الله عليه لأنهم  يذكرون اسم الله على ذبائحهم وقرابينهم وهم متعبدون بذلك ولهذا لم يُبح ذبائح مَن عداهم مِن أهل الشرك ومَن شابههم لأنهم لا يذكرون اسم الله على ذبائحهم بل ولا يتوقفون فيما يأكلونه من اللحم على ذكاة بل يأكلون الميتة بخلاف أهل الكتابين ومن شاكلهم …….. أ.هـ ” التفسير ” (2/20،21 ) .

وقال قبلها : لأنهم يعتقدون تحريم الذبح لغير الله ، و لا يذكرون على ذبائحهم إلا اسم الله ، وإن اعتقدوا فيه تعالى ما هو منـزه عنه تعالى وتقدس .أ.هـ (2/20).

والأصل في الذبائح  : الحل ، لحديث عائشة رضي الله عنها ، أَنَّ قَوْمًا قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ قَوْمًا يَأْتُونَنَا بِاللَّحْمِ لَا نَدْرِي أَذَكَرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ أَمْ لَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : “سَمُّوا اللَّهَ عَلَيْهِ وَكُلُوهُ ” . رواه البخاري (1952) .

لكن اختلفت الأمور الآن ، فعندما كان الذبح لا يكون إلا بإنهار الدم وذكر اسم الله – كما قال ابن كثير – أصبحت دول الكفر الآن تمنع الذبح الشرعي وتدَّعي أنه مخالف للرفق بالحيوان ، والمصانع تذبح العشرات من الآلاف كل يوم من الطيور والبهائم ، وهو ما لا يمكن معه أن تكون الطريقة في ذبحها شرعية .

وقد ذهب كثير من الباحثين إلى مسالخ متعددة في دول كافرة كثيرة ، وبعضها كان يمنعهم من الاطلاع على طريقة الذبح ، والبعض الآخر يحتال فيريه مسلخاً آخر غير الذي تخالف فيه الشريعة ، حتى احتال على بعضهم فرأى العجب في ذبحهم ، وقد رأى هو – وغيره – كثيراً من الطيور قد نسي الرأس أن يقطع فبقي كما هو مما يدل على أنه قد مات بالصعق .

 

 وعلى كل حال :

فالخلاصة : أنه لا يوثق بذبائح الكفار الآن ، إلا إن علمنا أنهم يذبحون وفق الشرع ، أو أن المستورد منهم يوثق بدينه وأمانته فيتحمل هو المسئولية .

 

والله أعلم .

 

ما حكم الأكل من طعام الهندوس؟

ما حكم الأكل من طعام الهندوس؟

السؤال:

هل يجوز الأكل في بيت الهندوس ؟ فقد قرأت بأنه لا يجوز مشاركة الإناء مع الكفار ولدي بعض أصدقاء الدراسة يدعونني لبيوتهم وأشعر بالخجل حين أرفض دعوتهم .

 

الجواب

الحمد لله

لا مانع من الأكل عند الهندوس وغيرهم من الكفار الوثنيين والمشركين بشرط أن لا يكون الطعام من ذبائحهم ؛ لأن الله تعالى أباح لنا ما في الأرض جميعاً وفصَّل ما حرَّم علينا ، ومما حرَّمه علينا أكْل ذبائح المشركين  – ما عدا أهل الكتاب إذا طبَّقوا الشروط الشرعية في ذبحهم – .

قال السرخسي :

ولا بأس بطعام المجوس , وأهل الشرك ما خلا الذبائح , فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يأكل ذبائح المشركين , وكان يأكل ما سوى ذلك من طعامهم , فإنه كان يجيب دعوة بعضهم تأليفا لهم على الإسلام , فأما ذبائح أهل الكتاب , فلا بأس بها لقوله تعالى { وطعام الذين أوتوا الكتاب حلٌّ لكم } …” المبسوط ” ( 24 / 28 ) .

وقال ابن قدامة :

قال –  أي : الخرقي – : ( ولا يؤكل صيد المجوسي وذبيحته , إلا ما كان من حوت فإنه لا ذكاة له ) .

أجمع أهل العلم على تحريم صيد المجوسي وذبيحته , إلا ما لا ذكاة له , كالسمك والجراد , فإنهم أجمعوا على إباحته , غير أن مالكاً , والليث , وأبا ثور , شذُّوا عن الجماعة , وأفرطوا ; فأما مالك والليث فقالا : لا نرى أن يؤكل الجراد إذا صاده المجوسي ، ورخَّصا في السمك ، وأبو ثور أباح صيده وذبيحته ; لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ” سنُّوا بهم سنَّة أهل الكتاب ” ، ولأنهم يقرون بالجزية , فيباح صيدهم وذبائحهم , كاليهود والنصارى ، واحتج برواية عن سعيد بن المسيب ، وهذا قول يخالف الإجماع , فلا عبرة به .

قال إبراهيم الحربي : خرق أبو ثور الإجماع ، قال أحمد : هاهنا قوم لا يرون بذبائح المجوس بأساً , ما أعجب هذا يعرض بأبي ثور .

وممن رويت عنه كراهية ذبائحهم : ابن مسعود , وابن عباس , وعلي , وجابر , وأبو بردة , وسعيد بن المسيب , وعكرمة , والحسن بن محمد , وعطاء , ومجاهد , وعبد الرحمن بن أبي ليلى , وسعيد بن جبير , ومرة الهمداني , والزهري , ومالك , والثوري , والشافعي , وأصحاب الرأي ، قال أحمد : ولا أعلم أحداً قال بخلافه , إلا أن يكون صاحب بدعة ؛ ولأن الله تعالى قال : { وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم } فمفهومه تحريم طعام غيرهم من الكفار , ولأنهم لا كتاب لهم , فلم تحل ذبائحهم كأهل الأوثان . … ولا خلاف في إباحة ما صادوه من الحيتان ، حكي عن الحسن البصري , أنه قال : رأيت سبعين من الصحابة يأكلون صيد المجوسي من لا يختلج في صدورهم شيء من ذلك ، رواه سعيد بن منصور .

والجراد كالحيتان في ذلك ; لأنه لا ذكاة له , ولأنه تباح ميتته , فلم يحرم بصيد المجوسي , كالحوت .

وحكم سائر الكفار , من عبدة الأوثان والزنادقة وغيرهم , حكم المجوسي , في تحريم ذبائحهم وصيدهم , إلا الحيتان والجراد وسائر ما تباح ميتته , فإن ما صادوه مباح ; لأنه لا يزيد بذلك عن موته بغير سبب ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ” أُحلَّت لنا ميتتان ; السمك , والجراد ” ، وقال في البحر : ” هو الطهور ماؤه , الحلُّ ميتته ” .

قال أحمد : وطعام المجوس ليس به بأس أن يؤكل , وإذا أُهدي إليه أن يقبل , إنما تكره ذبائحهم , أو شيء فيه دسم – يعني : من اللحم – ولم ير بالسمن والخبز بأساً .

” المغني ” ( 9 / 314 ، 315 ) .

وننبه إلى أن حديث ” سنُّوا بهم – أي : المجوس – سنَّة أهل الكتاب ” حديث ضعيف ، وقد رواه مالك في ” الموطأ ” ( 617 ) وغيره ، لكنه منقطع ، وقد ضعفه ابن كثير في ” التفسير ” ( 2 / 21 ) وابن حجر في ” فتح الباري ” ( 6 / 261 ) وغيرهما.

وننبه كذلك إلى الحذر من كثرة مخالطة أهل الكفر خشية الفتنة بدينهم ، وعليك أن تدعوهم إلى الإسلام ، وتنوي أن تكون استجابتك لدعوة الطعام عندهم هي تأليفهم ودعوتهم إلى الإسلام .

 

والله أعلم.

حكم شرب العصير المسمَّى ” سوبيا ” ؟

حكم شرب العصير المسمَّى ” سوبيا ” ؟

السؤال:

ماحكم شرب ” السوبيا ” المصنوعه من الشعير في رمضان ؟ قيل إنها مكروه شربها في رمضان لأنها مخمَّرة ، هل هذا صحيح ؟ .

 

الجواب:

الحمد لله

أولاً:

– ” السوبيا ” – وتكتب ” سوبية ” – عصير يطلق على أكثر من صفة ومكوِّن ، ومن أشهره :

  1. ” سوبيا ” مكة – وهو المراد بالسؤال – وهو عصير زبيب ، أو شعير ، ويخلط معهما : خميرة ، وهال ، وقرفة ، وسكَّر .
  2. ” سوبيا ” مصر ، وهو مكوَّن من لبَن ، وجوز الهند ، وسكَّر .

 

ثانياً:

لو ثبت المنع من شرب شيء لكونه محرَّماً : فلا يكون التحريم في شهر رمضان دون غيره ، بل يحرم شربه في الشهور كلها .

 

ثالثاً:

وأما بخصوص حكم شرب عصير السوبيا المنتج في ” مكة ” – أصلاً – : فالظاهر حلُّه ، وعدم المنع منه ، بشرط أن لا يشتد فيتخمر ، وإلا صار حكمه التحريم .

وحكم هذا النوع من العصير نجده في كتب أهل العلم في الكلام على ” النبيذ ” ، وقد كان يفعله النبي صلى الله عليه وسلم ، فكان يُنقع له التمر ، أو الزبيب ، في ماء ، ثم يشربه بعد ذلك ، وقد يستمر النقع إلى ثلاثة أيام .

ومما نبَّه عليه النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب :

  1. أن لا يستمر النقع إلى أكثر من ثلاثة أيام .

عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُنْقَعُ لَهُ الزَّبِيبُ فَيَشْرَبُهُ الْيَوْمَ وَالْغَدَ وَبَعْدَ الْغَدِ إِلَى مَسَاءِ الثَّالِثَةِ ثُمَّ يَأْمُرُ بِهِ فَيُسْقَى أَوْ يُهَرَاقُ .

رواه مسلم ( 2004 ) .

  1. أن لا يصل النبيذ إلى حد الغليان – وهو الاختمار – .

عن بُرَيْدَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ( نَهَيْتُكُمْ عَنِ النَّبِيذِ إِلاَّ فِى سِقَاءٍ فَاشْرَبُوا فِى الأَسْقِيَةِ كُلِّهَا وَلاَ تَشْرَبُوا مُسْكِراً ) . رواه مسلم ( 1999 ) .

  1. أن لا يُخلط نوعان يؤثِّر بعضهما على بعض .

عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِىِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُنْبَذَ التَّمْرُ وَالزَّبِيبُ جَمِيعًا ، وَنَهَى أَنْ يُنْبَذَ الرُّطَبُ وَالْبُسْرُ جَمِيعًا . رواه مسلم ( 1968 ) .

وأما أقوال العلماء والمذاهب فقد اختلفت تبعاً لاختلافهم في الاستدلال ، وصحته ، وفهمه :

  1. فالحنابلة أجازوا شرب النبيذ ما لم يختمر ، أو ما دام دون ثلاثة أيام .
  2. والمالكية والشافعية لم يعتبروا المدة ، ولا التخمير ، بل جعلوا الجواز مستمرّاً ما لم يصل إلى حد الإسكار .
  3. وذهب المالكية إلى تحريم أي خليطين يقبلان الانتباذ ، وإن لم يكن الشراب مسكراً ؛ سدّاً للذريعة .
  4. وقال جمهور العلماء بكراهة الخليطين من الأشياء المنصوصة ، وشبهها ؛ لأن الإسكار يسرع إلى الخليطين أكثر من الأنواع إذا انتبذت وحدها ، وقد يظنه الشارب ليس مسكراً ، ويكون مُسكِراً .

وتنظر مذاهب العلماء وأقوالهم في ” الموسوعة الفقهية ” ( 5 / 20 ) ، و ” شرح مسلم ” للنووي ( 13 / 154 ) .

* والراجح من تلك الأقوال – إن شاء الله – جواز انتباذ جميع ما أباحه الله من الأطعمة ، كالتمر ، والزبيب ، والشعير ، وجواز خلط الأنواع جميعاً في إناء واحد ، وعدم التقيد بأيام معينة لذلك النقع ، وكل ذلك الجواز مشروط بعدم التخمير ، ومن هنا نعلم الحكمة في إباحة الانتباذ في الأسقية دون الأوعية – كجرار الفخار ، والقرع ، والإناء المطلي بالزفت – ؛ وذلك لمعرفة اشتداد النبيذ بحل وكاء السقاء ، فقد روى مسلم ( 1997 ) عن ابن عمر رضي الله عنه قال : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْجَرِّ وَالدُّبَّاءِ وَالْمُزَفَّتِ ، وَقَالَ : ( انْتَبِذُوا فِي الْأَسْقِيَةِ ) ، ثمَّ وسَّع الله تعالى على الأمة في جواز الانتباذ في أي وعاء ، وأُبقي على المنع من شرب ما اشتد منه فصار مسكِراً ، وقد روى مسلم ( 1999 ) عن بريدة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : ( كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنِ الأَشْرِبَةِ فِى ظُرُوفِ الأَدَمِ فَاشْرَبُوا فِى كُلِّ وِعَاءٍ غَيْرَ أَنْ لاَ تَشْرَبُوا مُسْكِراً ) .

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – :

هل يَحْرُم عصير العنب ، وعصير البرتقال ، وما أشبه ذلك ، أم لا ؟ .

الجواب :

هذا حلال ليس فيه شك ، إلا إذا غلا – أي : تخمر – بأن يكون فيه زَبَد : صار حراماً ، أو إذا أتى عليه ثلاثة أيام على المشهور من المذهب ، وإن لم يغلِ : فإنه يكون حراماً ؛ قالوا : لأن ثلاثة الأيام يغلي فيها العصير غالباً ، ولما كان الغليان قد يخفى : أنيط الحكم بالغالب لظهوره ، وهو ثلاثة أيام .

والصحيح : خلاف ذلك ، فالصحيح : أنه لا يحرم إذا أتى عليه ثلاثة أيام ، لا سيما في البلاد الباردة ، أما إذا كان في البلاد الحارة : فإنه بعد ثلاثة أيام ينبغي أن يُنظر فيه ، والاحتياط أن يُتجنب ، وأن يُعطى البهائم ، أو ما أشبه ذلك ؛ لأنه يخشى أن يكون قد تخمر ، وأنت لا تعلم به .

” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 14 / 305 ، 306 ) .

 

 

والخلاصة :

جواز شرب ” السوبيا ” ما لم يشتد ، ويصل لحد الغليان – وهو التخمير – ، فحينئذٍ يصير حراماً ؛ لوجود علة الإسكار ، وقد قال صلى الله عليه وسلم ( كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ ) رواه البخاري ( 239 ) ومسلم ( 2001 ) ، ولا فرق حينئذٍ بين قليل وكثير ؛ لقوله صلى الله ( مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ ) رواه الترمذي ( 1865 ) وأبو داود ( 3681 ) والنسائي ( 5607 ) وابن ماجه ( 3393 ) وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي ” .

 

والله أعلم.

من هو الضيف الذي يجب إكرامه؟

من هو الضيف الذي يجب إكرامه؟ وحكم اجتماع طائفة على طعام كلٌّ يُحضر معه منه شيئاً؟

السؤال:

انتشر في الآونة الأخيرة عادة في أوساط المسلمين لا أدري من أين منشؤها ، لكن على ما يبدو أنها جُلبت من الكفار ، هذه العادة تسمَّى حفلة الطبق الواحد ، خلاصة هذه الحفلة : أن رب البيت – أو المضيّف – يطلب من كل شخص من الضيوف أن يحضر طبقاً مطبوخاً معه إلى الحفلة ، فيشترك الجميع في الأكل منه ، والغرض من ذلك : أن رب المنزل – أو صاحب الحفلة – لا يبقى عليه إلا الأشياء اليسيرة ، وأن لا يُشغَل بالطبخ وغيره ، ما جعلني أستنكر هذا النوع من الحفلات : أن ذلك مخالف لسنَّة النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان يُطعم ضيفه من أحسن ما لديه ، وكان يحث على إكرام الضيف ، والإكرام لا يتأتى إلا عن طريق الطبخ لهم ، وإعطائهم أفضل الأطعمة ، لا أن يُطلب من الضيف أن يحضر طعامه معه ، فما رأي الشرع في مثل هذه الحفلات ؟ وهل ترون أنه من المناسب الذهاب والتواصي على الحضور والمشاركة في مثل هذه الحفلات ؟ .

 

الجواب:

الحمد لله

أولاً:

إن إطعام الطعام من مكارم الأخلاق ، ونبل النفوس ، وقد حث عليه الشرع ، وفي الحديث عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلاَمٍ قَالَ : لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْمَدِينَةَ انْجَفَلَ النَّاسُ إِلَيْهِ وَقِيلَ : قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، فَجِئْتُ فِى النَّاسِ لأَنْظُرَ إِلَيْهِ فَلَمَّا اسْتَبَنْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ وَكَانَ أَوَّلَ شَىْءٍ تَكَلَّمَ بِهِ أَنْ قَالَ : ( أَيُّهَا النَّاسُ أَفْشُوا السَّلاَمَ وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نِيَامٌ تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِسَلاَمٍ ). رواه الترمذي ( 2485 ) وصححه، وابن ماجه ( 3251 ).

وقد أوجب الإسلام إكرام الضيف ، والقيام بحقه ، والدليل عليه : ما جاء في الحديث عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزاعِي قَالَ : سَمِعَتْ أُذُنَايَ وَأَبْصَرَتْ عَيْنَايَ حِينَ تَكَلَّمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ : ( مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ جَائِزَتَهُ ) قَالَ : وَمَا جَائِزَتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : ( يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ ، وَالضِّيَافَةُ ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ ، فَمَا كَانَ وَرَاءَ ذَلِكَ فَهْوَ صَدَقَةٌ عَلَيْهِ ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ ) . رواه البخاري ( 5673 ) ومسلم ( 48 ).

وفي لفظ لمسلم ( 48 ) :

( الضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ ، وَجَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ مُسْلِمٍ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَ أَخِيهِ حَتَّى يُؤْثِمَهُ ) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ يُؤْثِمُهُ؟ قَالَ: يُقِيمُ عِنْدَهُ وَلَا شَيْءَ لَهُ يَقْرِيهِ بِهِ ).

– ( حتى يؤثمه ) معناه: لا يحل للضيف أن يقيم عنده بعد الثلاث حتى يوقعه في الإثم ؛ لأنه قد يغتابه لطول مقامه ، أو يعرض له بما يؤذيه ، أو يظن به مالا يجوز .

– (  يَقريه ) أي: يضيِّفه .

قال الخطابي – رحمه الله – :

قوله ( جائزته يوم وليلة ) سئل مالك بن أنس عنه فقال : يُكرمه ، ويتحفه ، ويخصه ، ويحفظه ، يوماً وليلة ، وثلاثة أيام ضيافة .

قلت : يريد أنه يتكلف له في اليوم الأول بما اتسع له من بِر ، وألطاف ، ويقدِّم له في اليوم الثاني والثالث ما كان بحضرته ، ولا يزيد على عادته ، وما كان بعد الثلاث : فهو صدقة ، ومعروف ، إن شاء فعل ، وإن شاء ترك .

وقوله ( لا يحل له أن يثوي عنده حتى يحرجه ) يريد : أنه لا يحل للضيف أن يقيم عنده بعد الثلاث من غير استدعاء منه ، حتى يضيق صدره فيبطل أجره ، وأصل الحرج : الضيق  .” معالم السنن ” ( 4 / 238 ) .

وقال ابن القيم – رحمه الله – :

إن للضيف حقّاً على مَن نزل به ، وهو ثلاث مراتب : حق واجب ، وتمام مستحب ، وصدقة من الصدقات ، فالحق الواجب : يوم وليلة , وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم المراتب الثلاثة في الحديث المتفق على صحته من حديث أبي شريح الخزاعي – وساق الحديث السابق – . ” زاد المعاد ” ( 3 / 658 ) .

وقال ابن قدامة – رحمه الله – :

والواجب يوم ليلة ، والكمال ثلاثة أيام ؛ لما روى أبو شريح الخزاعي – وساق الحديث – .

قال أحمد : جائزته يوم وليلة ، كأنه أوكد من سائر الثلاثة ، ولم يُرد يوماً وليلة سوى الثلاثة ؛ لأنه يصير أربعة أيام ، وقد قال : وما زاد على الثلاثة : فهو صدقة ، فإن امتنع من إضافته : فللضيف بقدر ضيافته . ” المغني ” ( 11 / 91 ) .

 

 

ثانياً:

ويخلط كثيرون بين ” الضيف ” ، و ” الزائر ” ، فينزلون أحاديث الضيافة على الزائر ، وهذا خطأ ، بل مراد النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي شريح – وما في معناه – : هو ضيف السفَر ، وهو القادم من بلد آخر ، وليس الزائر له من جيرانه ، أو أصدقائه ؛ فإنه غير داخل قطعاً في الحديث السابق ، وإكرام هذا الثاني يدخل في عمومات الشريعة الحاثة على فعل الخير ، أو في الأحاديث الخاصة بإطعام الطعام ، كحديث عبد الله بن سلام الذي ذكرناه أولاً .

والضيف المسافر هو الذي له حق في طعام المضيف ، ويجب على من مروا به أن يطعمهم ، وإن لم يفعل فلهم حق في ماله ، وهذا لا ينطبق على الزائر الذي يمكن أن تقول له ” ارجعوا ” أصلاً ، كما قال تعالى : ( وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ) النور/ من الآية 28 .

* ومما يدل على ما قلناه : ما يوجد في بعض الأحاديث من التصريح بذلك ، وأن الحق للضيف إنما هو للمسافر ، وليس للمقيم ، ومنه :

عن عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قال : قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ : إنَّك تَبْعَثُنَا فَنَمُرُّ بِقَوْمٍ لَا يَقْرُونَنَا ، فَمَاذَا تَرَى ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم : ( إِنْ أَمَرُوا لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ فَاقْبَلُوا فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيْفِ الَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ ) . رواه البخاري ( 2329 ) ومسلم ( 1727 ) .

* وقد اختلف العلماء في حكم الضيافة، وعلى من تجب، ففي “الموسوعة الفقهية” ( 28 / 316، 317 ):

وقد ذهب الحنفية والمالكية والشافعية إلى أن الضيافة سنَّة ، ومدتها ثلاثة أيام ، وهو رواية عن أحمد  .

والرواية الأخرى عن أحمد – وهي المذهب – أنها واجبة ، ومدتها يوم ليلة ، والكمال ثلاثة أيام . وبهذا يقول الليث بن سعد  .

ويرى المالكية وجوب الضيافة في حالة المجتاز الذي ليس عنده ما يبلغه ويخاف الهلاك  .

والضيافة على أهل القرى والحضر ، إلا ما جاء عن الإمام مالك ، والإمام أحمد – في رواية – أنه ليس على أهل الحضر ضيافة ، وقال سحنون : الضيافة على أهل القرى ، وأما أهل الحضر فإن المسافر إذا قدم الحضر وجد نزلاً – وهو الفندق – فيتأكد الندب إليها ولا يتعين على أهل الحضر تعينها . انتهى.

والراجح – والله أعلم – أن ضيافة المسافر المجتاز – لا المقيم – واجبة ، وأن وجوبها على أهل القرى ، والأمصار ، دون تفريق .

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – في شرح قول الماتن ” وَتَجِبُ ضِيَافَةُ المُسْلِمِ الْمُجْتَازِ بِهِ فِي الْقُرَى يَوْماً وَلَيْلَةً – :

قوله : ” وتجب ضيافة المسلم ” : ” تجب ” هذا بيان حكم الضيافة ، والضيافة أن يَتلقَّى الإنسان مَن قدم إليه ، فيكرمه ، وينزله بيته ، ويقدم له الأكل ، وهي من محاسن الدين الإسلامي ، وقد سبقنا إليها إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، كما قال الله تعالى : ( هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ ) الذاريات/ 24 ، أي : الذين أكرمهم إبراهيم ، ولا يمتنع أن يقال : والذين أكرمهم الله عزّ وجل بكونهم ملائكة .

فحكم الضيافة واجب ، وإكرام الضيف – أيضاً – واجب ، وهو أمر زائد على مطلق الضيافة ، قال النبي عليه الصلاة والسلام : ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ) ، أي : من كان يؤمن إيماناً كاملاً : فليكرم ضيفه …. .

قوله : ” المجتاز به ” يعني : الذي مرَّ بك وهو مسافر ، وأما المقيم : فإنه ليس له حق ضيافة ، ولو كان المقيم له حق الضيافة : لكان ما أكثر المقيمين الذين يقرعون الأبواب ! فلا بد أن يكون مجتازاً ، أي : مسافراً ومارّاً ، حتى لو كان مسافراً مقيماً يومين ، أو ثلاثة ، أو أكثر : فلا حق له في ذلك ، بل لا بد أن يكون مجتازاً .

قوله : ” في القرى ” دون الأمصار ، والقرى : البلاد الصغيرة ، والأمصار : البلاد الكبيرة ، قالوا : لأن القرى هي مظنة الحاجة ، والأمصار بلاد كبيرة فيها مطاعم ، وفنادق ، وأشياء يستغني بها الإنسان عن الضيافة ، وهذا – أيضاً – خلاف القول الصحيح ؛ لأن الحديث عامّ ، وكم من إنسان يأتي إلى الأمصار وفيها الفنادق ، وفيها المطاعم ، وفيها كل شيء ، لكن يكرهها ويربأ بنفسه أن يذهب إليها ، فينزل ضيفاً على صديق ، أو على إنسان معروف ، فلو نزل بك ضيف – ولو في الأمصار – : فالصحيح : الوجوب . ” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 15 / 48 – 51 ) باختصار .

ثالثاً:

وعليه : فما فعله أولئك المشار إليهم في السؤال ليس مخالفاً للشرع الذي أوجب إكرام الضيف ؛ لعدم انطباق الوصف على أولئك الزائرين ومعهم طعامهم .

وأما حكم فعلهم : فنراه موافقاً للشرع ، ليس فيه ما يخالف نصّاً ، ولا يناقض مروءة ، بل هذا يدل على ترابطهم ، وقوة صلتهم ، بعضهم ببعض .

 

 

* وإنما يجب تنبيههم على أمور ينبغي مراعاتها في مثل تلك الاجتماعات ، منها :

  1. أن لا تكون اجتماعاتهم لمناسبات بدعية ، كالمولد النبوي ، ولا محرَّمة ، كأعياد الميلاد .
  2. أن لا يحتوي طعامهم وشرابهم على ما حرَّمه الله تعالى عليهم .
  3. أن لا يكون الاجتماع على الطعام للرجال والنساء ، بل يجب الفصل بينهما .
  4. أن لا يكون الاجتماع فيه سماع لموسيقى ، أو مشاهدة لأفلام أو محرمات .

وما عدا ذلك : فلا نرى في اجتماعهم ، وإحضار كل واحد منهم طعامه : أي حرج ، ويتعين ذلك الفعل في حال كانت ظروف الناس المادية فيها ضعف ، فيكون تعاونهم ذاك فيه رفع الحرج عن صاحب المنزل بالمشاركة معه في الضيافة .

وننبهك :

– أن قولك ” ما رأي الشرع ” : عبارة خطأ ، وانظر جواب السؤال رقم : ( 72841 ) لتقف على وجه خطئها .

– ونحن نشكر لك غيرتك على السنَّة ، ونسأل الله أن يفقهنا وإياك في دينه ، وأن يثبتنا على الحق .

 

والله أعلم .

اقتناء الكلاب ونجاسة لعابها

اقتناء الكلاب ونجاسة لعابه

السؤال:

قرأت الكثير من الأحاديث عن أن ترك الكلب في البيت يذهب البركة من الرجل وأنه يحرم تركه في البيت إلا إذا كان الكلب يستعمل في الصيد .

لماذا لا يجوز الاحتفاظ بالكلب في البيت كحيوان أليفٍ ولماذا يعتبر لعابه نجساً ؟

جزاكم الله خيراً

 

الجواب

الحمد لله

أولاً :

أذنَ الشرع باقتناء الكلاب لغايات متعددة ومنها : الصيد ، وحراسة الماشية ، وحفظ الزرع ، وقد قيس عليها ما هو مثلها أو أولى منها ، كحفظ البيوت في الخلاء من اللصوص ، ومثل استعمالها للكشف عن المخدرات واللصوص ، وما عدا ذلك فإن مقتنيه معرَّض للوعيد بأن يُنقص من أجره في كل يوم قيراط أو قيراطان من الأجر .

قال الشيخ يوسف بن عبد الهادي الحنبلي – ناقلاً عن بعض العلماء – :

لا شك أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم أذِن في كلب الصيد في أحاديثَ متعدِّدَةٍ ، وأخبر أنَّ متَّخذَه للصيد لا ينقص مِن أجره ، وأذِن في حديثٍ آخر : في كلـبِ الماشية ، وفي حديثٍ : في كلب الغنم ، وفي حديثٍ : في كلب الزرع ، فعُلم أنَّ العلَّة المقتضية لجواز الاتخاذ: المصلحة، والحُكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، فإذا وُجدت المصلحة:

جاز الاتخاذ ، حتى إنَّ بعضَ المصالح أهمُّ وأعظمُ مِن مصلحة الزرع ، وبعض المصالح مساوية للتي نصَّ الشارع عليها ، ولا شك أنَّ الثمار هي في معنى الزرع ، والبقر في معنى الغنم ، وكذلك الدجاج والأوز – لدفع الثعالب عنها – هي في معنى الغنم ، ولا شك أنَّ خوفَ اللصوص على النَّفس ، واتخاذه للإنذار بـها والاستيقاظ لها :

أعظم مصلحة من ذلك ، والشارع مراعٍ للمصالح ودفع المفاسد ، فحيث لم تكن فيه مصلحةٌ ففيه مفسدة …  ” الإغراب في أحكام الكلاب ” ( ص 106– 107  ).

وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :

وعلى هذا فالمنـزل الذي يكون في وسط البلد لا حاجة أنْ يتخذ الكلب لحراسته ، فيكون اقتناء الكلب لهذا الغرض في مثل هذه الحال محرَّماً لا يجوز وينتقص من أجور أصحابه كل يوم قيراط أو قيراطان ، فعليهم أنْ يطردوا هذا الكلب وألا يقتنوه ، وأما لو كان هذا البيت في البر خالياً ليس حوله أحدٌ فإنَّه يجوز أنْ يقتني الكلب لحراسة البيت ومَن فيه ، وحراسةُ أهلِ البيت أبلغُ في الحفاظ مِن حراسة المواشي والحرث.

” مجموع فتاوى ابن عثيمين ” ( 4 / 246 ) .

ثانياً :

والشرع لا يأمر ولا ينهى إلا ما فيه مصلحة للمكلفين وحكمة عظيمة علمها من علمها وجهلها من جهلها ، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإراقة الإناء الذي ولغ الكلب فيه ، وما ذاك إلا لنجاسة لعابه ، وقد أثبت الطب الحديث وجود أضرار متعددة في الماء الملوغ فيه من الكلب ، والمسلم الذي يتبع الأمر الشرعي ليس له إلا أن يستجيب للأمر ويكف عن النهي ولو لم يعلم الحكمة فيهما ، ولا مانع من تلمسها لكن لا يعلق الاستجابة على معرفته بها .

وبعض هذه الأمراض تنتقل بسبب مخالفة الشرع والأكل والشرب من آنية الكلاب ، وبعضها ينتقل بسبب حمل الكلاب للجراثيم التي تسبب هذه الأمراض .

وعلى كل حال : فالمسلم يسمع ويطيع ، والخير في الاستجابة للشرع بفعل الأوامر واجتناب النواهي .

 

والله أعلم.

 

والدها متعلق بها تعلقاً محرماً فماذا تفعل؟

والدها متعلق بها تعلقاً محرَّماً فماذا تفعل؟

السؤال:

أنا فتاة عمري 19 سنة ووالدي منجذب لي جنسيّاً ، حاول إغوائي مرة وواجهته ولكنه لا زال يفعل ، أخبرت والدتي ولكنها تصرفت وكأنها لا تدري عن الموضوع مع أنه لدي شعور بأنها تدري ، أظن بأنها لا تستطيع أن تفعل شيئاً لأننا نعيش في كندا وهي بلد جديدة بالنسبة لنا ونعتمد ماليّاً على والدي ونريده بجانبنا .

– أرجو أن تخبرني بطريقة التصرف مع والدي ، وكيف أعامله ، وهل أمتنع عن الكلام معه تماماً؟. جزاكم الله خيراً.

 

الجواب

الحمد لله

إنا لله وإنا إليه راجعون ، وهذا – والله – من المبكيات ، فهل وصلت الحال بأن تنتكس الفطرة وتتلوث بالسوء من الوالد تجاه ابنته ؟! .

وهذا الوالد لا شك أنه مريض بانحراف نفسي وجنسي ، وهو يحتاج للعلاج المكثف والسريع لقلبه وعقله ونفسه وجوارحه .

أما أنتِ فعليكِ أن تحمدي الله تعالى على أن التحرش والإغواء لم يمتد للمعاشرة كما يحدث في بعض الحالات ، وعليكِ أن تتخذي من التدابير ما يصعب على والدكِ فرصة أن يجد وقتا أو إمكانية للإغواء والتحرش ، فلا تكوني وحدكِ معه في البيت ، وأغلقي الباب عندما تكونين في غرفتك ، ولا تسمحي له بالدخول عليكِ وحده ، وهذا كله سيقلل من فرص التحرش ، أما وقف هذه الممارسة بالكلية : فلن يكون إلا بعلاج الأب أو فضحه ، وانتبهي أن عليكِ أن تستعدي لما يترتب على فضحه وكشف أمره من آثار عليكِ وعلى الأسرة كاملة ، لكن هذا خير من بقاء الأمر على ما هو عليه الآن .

ولا بدَّ لأمك أن تتقي الله تعالى ، وعدم مبالاتها لما يفعله زوجها أمر تحاسب عليه ، وهي تعتبر شريكة له في جرمه ؛ لأن بإمكانها أن تصده وتردعه عن فعله القبيح .

ويمكنكِ الاستعانة بأحد أقربائكِ الحكماء ليتدخل في الموضوع للحد من انحرافات هذا الأب المريض .

وهذه الأفعال القبيحة من الآباء لا شك أن لها أسباباً ، وأنه لا يمكن لأحدٍ أن يعالج مشكلة دون أن يقف على الأسباب ويعالجها ، وهذه الأسباب بعضها يرجع للأب وبعضها الآخر من البنت نفسها ، وأسباب أخرى تعود للبيئة المكانية والزمانية.

 

 

ومن الأسباب التي تؤدي بالأب لهذا الانحراف الخطير :

  1. ضعف الإيمان ، وقلة الخوف من الله ، وانعدام مراقبة الله .
  2. الإدمان على الخمور والمخدرات .
  3. مرض عقلي أو نفسي .
  4. مشاهدة المثيرات الجنسية في القنوات الفضائية ، ورؤية الصور الإباحية ، وبخاصة تلك الشاذة منها والواقعة من الشاذين في الشرق والغرب كمثل ممارسة الجنس مع المحارم أو مع البهائم .
  5. الفراغ والبطالة .

وأما الذي يكون من أسباب من البنت :

  1. التساهل في اللباس ، فكثير من البنات يلبسن الضيق والقصير أمام آبائهن وأشقائهن ، وفي ذلك مخالفة للشرع بيِّنة ، وفيها استثارة لقبائح الشهوات الكامنة في النفوس المريضة والتي تستثيرها من قبلُ القنوات الفضائية والصور الإباحية .
  2. التساهل في بعض الأفعال ، كمثل التقبيل من الفم ، أو المماسة المثيرة ، أو النوم على سرير واحد أو في لحاف واحد مع أبيها أو أخيها ، وهو مخالف للشرع – أيضاً – ومثير لكوامن الشر .

* وإذا أردنا العلاج لمثل هذه الأفعال المخالفة للفطرة والشرع ، فينبغي القضاء على تلك الأسباب التي تؤدي لمثل هذه الانتكاسات ، ويكون ذلك بـ :

  1. العمل على نشر الفضيلة والأخلاق بين أفراد الأسرة ، وتقوية جانب الإيمان بالله ومراقبته والخوف منه ، وذلك بالحفاظ على الصلاة والطاعات ، والابتعاد عن المنهيات ومساوئ الأخلاق .
  2. الابتعاد بالكلية عن رؤية وسماع وقراءة المثيرات من البرامج والقصص .
  3. الابتعاد عن صحبة السوء ، والتي لا تدل أصحابها إلا على الشر والسوء .
  4. ابتعاد البنت عن لبس المخالف للشرع من اللباس كلبس الضيق والقصير والشفاف ، والابتعاد عن المماسة المثيرة والتقبيل من الفم .
  5. الحرص على المسكن الواسع والذي لا تكون فيه البنت مع والدها أو أشقائها في غرفة واحدة أو في لحاف واحد .
  6. ينبغي للأم أن يكون له دورها في مثل هذه المشاكل وذلك بعدم الغفلة وعدم التساهل مع ما تراه أو تسمعه مما يخالف الشرع ولا تنتظر على الأمور حتى تسوء ولا يمكن إصلاحها ، بل عليها أن تكون متيقظة من أول الأمر ، فلا تسمح لابنتها في التساهل ، ولا لزوجها في أن يفعل ما يشاء .
  7. وينبغي إعلام الأقرباء الحكماء بمثل هذه الأفعال لوضع الأمور في نصابها ، فإن لم ينفع هذا مع الأب فيجب عليكم تقديم شكوى للقضاء الشرعي والجهات الأمنية لكف شرِّه عنكم .
  8. وعلى أختنا السائلة أن تتشدد في الأمر ولا تتراخى في علاجه ، وننصحها بالدعاء ولتتحرَّ أوقات الإجابة كالثلث الأخير من الليل أن يهدي والدكِ وأن يكف شرَّه عنكِ .
  9. ويحرم عليكِ التساهل مع أفعال والدك ويجب عليك دفعه بكل ما أوتيتِ من قوة ، وارفعي صوتك في طلب المساعدة ، ولو أدى هذا إلى فضيحته أو سجنه .
  10. فإن لم تنفع تلك الحلول فلا ننصحكِ بالبقاء في البيت ، وننصحك بالسكن مع أخوات مستقيمات أو مع أقربائكِ ممن تتوفر عندهم الظروف الشرعيَّة لسكنك معهم .

– ونسألك الله تعالى أن يفرج كربكِ ، وأن يزيل همَّك ، وأن يهدي والدكِ ، وإن لم يهده أن يريحكم منه .

 

والله الموفق.

منعها والدها من التزوج برجل فوقعت في الزنا معه!

منعها والدها من التزوج برجل فوقعت في الزنا معه!

السؤال:

أواجه مشكلة عويصة ، منذ عام تقريباً ، فأنا فتاة تركية ، أبلغ من العمر 21 عاماً ، وأعيش بألمانيا ، وبالرغم من عدم تدين أسرتي : فإني أحاول – والحمد لله – التمسك بتعاليم الإسلام ، ومع هذا : فهناك مشكلات كثيرة تنشأ بيني وبين أسرتي ، لأنهم يرفضون تمسكي بأمور الدين ، كالحجاب ، وما إلى ذلك ، وأريد الآن أن أتزوج من أفغاني ، متدين ، أيضاً ، وقد أخبرت والدي بذلك ، لكنه وطني ، متعصب ، ويرفض هذا الزواج ، وقد ضربني لهذا السبب ، ولم يعد بوسعي التحمل ، ولا تستطيع والدتي مساعدتي ؛ لأنها تخاف من والدي كثيراً ، ونحن ننتظر منذ عام ، ولم يوافق على الزواج بعدُ ، وفى أثناء هذه المدة وقعنا في الزنا ، ولا ندري ماذا نفعل ، ونحن محطمون داخليّاً ، ونريد الزواج ، لكنَّا لا نستطيع دون موافقة والدي ، ولهذا فأنا لا أدري ماذا أفعل ، فهل يجوز الزواج دون موافقة والد الفتاة ؟ .

 

الجواب:

الحمد لله

أولاً:

نعجب منكِ حين تقولين إنك تحاولين التمسك بتعاليم الإسلام ، ثم نراك تفرطين في أغلى ما تملكه الفتاة بعد دينها ، وهو عفتها ، وشرفها ! فكيف رضيتي لنفسك الدون ، والسوء ؟! وكيف أسلمتِ عرضك لأجنبي لينتهكه ؟! وهل عدم موافقة أهلك على زوج بعينه يبيح لك الوقوع في الزنا ، وارتكاب تلك الكبيرة البشعة ؟! .

والواجب عليك الآن : التوبة الصادقة مما وقعتِ به ، ويلزم من ذلك : الندم على ما حصل منك ، والعزم على عدم العوْد لمثل تلك المعصية ، وقطع العلاقة بالكلية بذلك الفاجر الأثيم ، ولا ندري كيف تطلقين عليه لفظ ” متدين ” ! وهو ينتهك العرض ، ويرتكب كبيرة من كبائر الذنوب ؟! فاقطعي علاقتك به ، ولا يحل لك محادثته ، أو مراسلته ، فضلاً عن اللقاء به ، وهذا مقتضى التوبة الصادقة التي أمر الله تعالى بها المذنبين في قوله ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ) التحريم/ من الآية 8 .

ثانياً:

واعلمي أن فعلكما هذا قد جعل زواجكما محرَّماً حتى وإن وافق والدك على الزواج ؛ ذلك أن الله تعالى لم يحل نكاح الزاني ، والزانية ، إلا أن يتوبا .

 

 

قال ابن قدامة – رحمه الله – :

وإذا زنت المرأة : لم يحلَّ لمن يعلم ذلك نكاحها إلا بشرطين :

أحدهما : انقضاء عدتها ، فإن حملت من الزنا فقضاء عدتها بوضعه ، ولا يحل نكاحها قبل وضعه … .

والشرط الثاني : أن تتوب من الزنا …

وقال :

وإذا وُجد الشرطان : حلَّ نكاحها ، للزاني ، وغيره ، في قول أكثر أهل العلم ، منهم : أبو بكر ، وعمر ، وابنه ، وابن عباس ، وجابر ، وسعيد بن المسيب ، وجابر بن زيد ، وعطاء ، والحسن ، وعكرمة ، والزهري ، والثوري ، والشافعي ، وابن المنذر ، وأصحاب الرأي . ” المغني ” ( 7 / 108 ، 109 ) .

ثالثاً:

وأما وصيتنا للأولياء عموماً : أن اتقوا الله في مولياتكم ، ولا تُقدموا على فعلٍ تندمون على آثاره طوال عمركم ، وليس الندم بنافعكم ، ( فإذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه ) ، هذه وصية نبيكم صلى الله عليه وسلم ، ( فإن لم تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير )  كما في تكملة الحديث ، فمن جاءكم راغباً بالتزوج من بناتكم أو أخواتكم فلا تضعوا العراقيل أمام تزوجه ، ولا تقدموا اللغة ، والجنس ، والعرق ، واللون ، على الدِّين ، ولا تدعوا فرصة للشيطان لأن يوقع مولياتكم في شباكه وشراكه ، واحذروا من تسويل الشيطان لهنَّ بفعل أمرين خطيرين ، وإثمين عظيمين ، وهما : الزنا ، أو الزواج من المتقدم لها والمرفوض من قبلكم بغير ولي ، وهو ما يجعل العقد فاسداً ، وها أنتم الآن أمام قصة واقعية جاءت في هذا السؤال ، فها هي الفتاة وقعت في الزنا مع المتقدم لها ، وها هي تسأل عن التزوج بغير إذن وليها ، وليس هذا بعذر لها ، لكن أنتم ما هو عذركم عند خالقكم عندما يحاسبكم على الأمانة التي توكلتم بحفظها ؟ فهل سيكون عذركم عند الله عندما تردون صاحب الدِّين إذا أراد التزوج ببناتكم ، أو أخواتكم ، وفق الكتاب والسنَّة ؟! .

ونحن لا تختلق أعذراً لتلك الفتاة ، فقد وقعتْ في إثم عظيم ، وإن هي تزوجت بغير إذن وليها فنكاحها فاسد ، ولكننا في الوقت نفسه نلوم الأولياء الذين لا يتقون ربهم تعالى ، ويفرطون في الأمانة المودعة عندهم .

ونقول للفتاة أيضاً : قد يكون من الخير لك أن يرد أهلك بعض المتقدمين لك إن رأوا مصلحة لك في دينك ودنياك ، فلا ينبغي الإصرار على شخص بعينه ، والأولياء الذين يمنعون تزوج مولياتهم بالكلية هم آثمون ، وللمرأة أن ترفع أمرها لقاضٍ شرعي ، أو من يقوم مقامه ، لينقل الولاية لغير ذلك الولي الرافض تزويجها ، فإن لم يوجد أحد يستحق الولاية غيره : كان القاضي الشرعي ، أو من يقومه مقامه : في حكم الولي ، ويزوجها هو بنفسه ، وأما أن تعقد المرأة لنفسها بغير ولي مطلقاً : فعقدها فاسد .

– وقد تم بيان أدلة فساد العقد إن كان بغير موافقة الولي ، وفوائد أخرى في أجوبة الموقع فلتنظر.

 

والله أعلم.