سؤال عن ” طعام أهل الكتاب ” من مهتمة بالإسلام وتريد أن تسلم

السؤال

بعض الشيوخ في المسجد يقولون بأن أغلب العلماء يقولون بجواز أكل اللحم غير الحلال ( كمطاعم ماكدونالدز واللحوم التي يبيعها جزارون في بلاد غير مسلمة كبريطانيا ) والقليل منهم يحرم ذلك .

– ألا يعتبر الشخص الذي لا يتبع الجماعة خارجاً عنها؟

أنا راغبة في الإسلام وأؤمن بأن الله هو الرب ولكنني لم أقل كلمة التوحيد بعد ، أتحدث مع الكثير من المسلمات وهذا الأمر لفت نظري حين سمعته إحدى صديقاتي المسلمات من الشيخ في المسجد . فأرجو أن توضح هذا الأمر لي . شكراً لك.

الجواب

الحمد لله

أولاً :

قبل الإجابة على سؤالك واستفسارك فإننا نتمنى من أعماق قلوبنا أن يوفقك الله تعالى لقول كلمة التوحيد ، فمثلكِ حريٌّ أن يكمل دينه كما أكمل عقله ، وإننا لنرى في سؤالك وفي ختامه ما يدل على قربك من بلوغ ما يحبه الله ويرضاه للناس ، وهو الذي من أجله خلق الله الناس وأرسل الرسل وأنزل الكتب ألا وهو إقامة التوحيد نطقاً وعملاً .

وإننا لنرجو أن تزيني رغبتك بالإسلام بكلمة التوحيد التي تفصل بين المحبوب لله والمبغوض ، والتي تفصل بين العاقل وضده ، والتي تفصل بين السعداء والأشقياء ، والتي تفصل بين أهل الجنة وضدهم .

ولا يمنعك الخجل ولا الخوف ولا كلام الناس من دخولك في الإسلام فالناس هم من سيتخلى عنكِ يوم ينشر الله صحائف أعمال الناس يوم القيامة ، وسيفر منكِ الأخ والأب والزوج والصديقة وسيكون لكل واحد منهم شأن يغنيه ، فعلى العاقل التفكر في مآل أمره وفي مصيره الأخروي قبل الدنيوي ، وهنيئاً لمن وفقه الله للدخول في طائفة الموحدين أتباع الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم .

هذا ما نسأل الله لكِ بصدق ، وإننا لنرجو أن نسمع ما تقر به أعيننا وينشرح به صدرنا من النطق بكلمة التوحيد ودخولك في الإسلام .

ثانياً :

وأما بالنسبة لسؤالك فنقول :

إن ثبت أن اللحم غير حلال – عند القائل – : فلا يقول أحدٌ من العلماء ولا من هو أقل منهم بجواز أكله ، لكن بعض العلماء يرى أن ذبح أهل الكتاب – اليهود والنصارى – حلال حتى لو لم يوافقوا شرع الإسلام في ذبحهم ، وهذا قول شاذ مرجوح لا يدل عليه آية ولا حديث ، وليست الأقوال في الإسلام واحدة ليس بينها اختلاف ، فقد خلق الله الناس متفاوتين في الفهم وقوة الاستنباط لذا يوفق بعضهم لإصابة الحق ويخطئ آخرون ، وللمخطئ نصيب من الأجر على اجتهاده وهو أجر واحد ، ومن أصاب فله أجران .

والصواب : أن الشروط الشرعية في ديننا ينبغي أن تطبَّق على ذبح أهل الكتاب ، من حيث كون الذبيحة مما يباح أكلها ، ومن حيث التسمية ، وإنهار الدم .

فإن تبيَّن أن شيئاً من هذه الشروط قد اختل فإنها الذبيحة تحرم ، سواء كان الذابح مسلماً أم كتابيّاً  ، وقد وسَّع الله تعالى على المسلمين بأن أباح لهم ذبح أهل الكتاب لا أنهم يذبحون ما يشاؤون وبأي طريقة أرادوا ، بل لا بدَّ لهم من التقيد بما ذكره الله من شروط حتى تحل الذبيحة .

قال الحافظ ابن كثير – رحمه الله – في تفسير هذه الآية ما نصه :

لما ذكر تعالى ما حرمه على عباده المؤمنين من الخبائث وما أحله لهم من الطيبات قال بعده : { اليوم أحل لكم الطيبات } ثم ذكر حكم ذبائح أهل الكتابين من اليهود والنصارى فقال { وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم } ، قال ابن عباس وأبو أمامة ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة وعطاء والحسن ومكحول وإبراهيم النخعي والسدي ومقاتل بن حيان : يعنى ذبائحهم ، وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء أن ذبائحهم حلال للمسلمين ؛ لأنهم يعتقدون تحريم الذبح لغير الله ولا يذكرون على ذبائحهم إلا اسم الله وإن اعتقدوا فيه تعالى ما هو منزَّه عنه تعالى وتقدس ، وقد ثبت في الصحيح عن عبد الله بن مغفل رضي الله عنه قال : ” أدلي بجراب من شحم يوم خيبر فحضنته وقلت: لا أعطي اليوم من هذا أحداً والتفتُّ فإذا النبي صلى الله عليه وسلم يبتسم ” ، فاستدل به الفقهاء على أنه يجوز تناول ما يحتاج إليه من الأطعمة ونحوها من الغنيمة قبل القسمة ، وهذا ظاهر ، واستدل به الفقهاء الحنفية والشافعية والحنابلة على أصحاب مالك في منعهم أكل ما يعتقد اليهود تحريمه من ذبائحهم كالشحوم ونحوها مما حرم عليهم ، فالمالكية لا يجوزون للمسلمين أكله لقوله تعالى: { وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم } قالوا : وهذا ليس من طعامهم ، واستدل عليهم الجمهور بهذا الحديث ، وفي ذلك نظر ؛ لأنه قضية عين ، ويحتمل أن يكون شحما يعتقدون حله كشحم الظهر والحوايا ونحوهما ، والله أعلم .

وأجود منه في الدلالة ما ثبت في الصحيح أن أهل خيبر أهدوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاة مصلية فقد سموا ذراعها وكان يعجبه الذراع فتناوله فنهش منه نهشة فأخبره الذراع أنه مسموم فلفظه وأثر ذلك في ثنايا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي أبهره ، أكل معه منها بشر بن البراء بن معرور فمات فقتل اليهودية التي سمتها وكان اسمها زينب فقتلت ببشر بن البراء .

ووجه الدلالة منه : أنه عزم على أكلها ومن معه ولم يسألهم هل نزعوا منها ما يعتقدون تحريمه من شحمها أم لا ، وفي الحديث الآخر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أضافه يهودي على خبز شعير وإهالة سنخة ، يعني ودكا زنِخاً . انتهى.

ولما فهم أحد التابعين – وهو مكحول – إباحة عموم طعام أهل الكتاب حتى لو كانوا مخالفين للشرع في ذبحهم ردَّ عليه ابن كثير فقال :

وفي هذا الذي قاله مكحول رحمه الله نظر ؛ فإنه لا يلزم من إباحته طعام أهل الكتاب إباحة أكل ما لم يذكر اسم الله عليه ؛ لأنهم يذكرون اسم الله على ذبائحهم وقرابينهم وهم متعبدون بذلك ، ولهذا لم يبح ذبائح من عداهم من أهل الشرك ومن شابههم لأنهم لا يذكرون اسم الله على ذبائحهم ، بل ولا يتوقفون فيما يأكلونه من اللحم على ذكاة ، بل يأكلون الميتة بخلاف أهل الكتابين ومن شاكلهم من السامرة والصائبة … ” تفسير ابن كثير ” ( 2 / 20 ، 21 ) .

وقد سئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله – عن ذبائح أهل الكتاب فقال :

حكمها الحل والإباحة بالإجماع ما لم يعلم أنها ذبحت على غير الوجه الشرعي كالخنق ونحوه؛ لقول الله سبحانه : { الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ } [ المائدة / 5 ]  الآية من سورة المائدة …

– وقد نقل أكثر ما ذكرناه عن ابن كثير – . ” مجموع فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 4 / 268 ، 269 ).

وقد سئل الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله – :

ما حكم الشرع في نظركم في الدجاج المستورد ؟

فأجاب :

– إن كان قصدهُ الدجاج الذي يُستورد مذبوحاً :

فهذا إنْ جاء من دولة غير كتابية – دولة شيوعية أو وثنية أو غير ذلك من الدول الكافرة – فإنَّ هذه اللحوم من الدجاج وغيره تكون ميتة محرمة لأنها ذبائح كفار غير كتابيين فلا تحل .

أمّا إذا كانت هذه الذبائح مستوردة من بلاد كتابية من اليهود أو النصارى ، فالله سبحانه وتعالى قد أباح لنا ذبائح أهل الكتاب كما في قوله تعالى : { وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ } [ المائدة / 5 ] ، يعني : ذبائحهم ؛ لأنَّ الطعام غير الذبائح مُباح من أهل الكتاب وغيرهم فدلّ على أنّ المراد ذبائحهم بإجماع أهل العلم لكن بشرط أن يكونوا يذبحون على الطريقة الشرعية بأنْ يذبحوا في محل الذبح وبالطريقة الشرعية بأنْ يقطع من الأوداج والمري والحلقوم ما يكفي قطعه في الذكاة ، أمّا إذا كانوا يذبحون بغير الطريقة الشرعية كالصعق الكهربائي والتدويخ والضرب بالمسدسات والفؤوس وغير ذلك وماتت الحيوانات بهذه الوسائل فإنها حرام وميتة لا تحل ، ولو ذبحها مسلم على هذه الطريقة لم تحِل فكيف بالكتابي ؟ .

وقد اشتهر وكثر الخبر من جهات متعددة أنهم يذبحون بهذه الوسائل غير المشروعة فما دام الأمر كذلك فالأمر أقل أحواله أنه مشتبه وينبغي للمسلم أن يتجنب هذه اللحوم وأن يأكل مما تيقن أنه مذكى على الطريقة الشرعية فإنَّ ذلك أسلم لدينه وأبرأ لذمته والنبي صلى الله عليه وسلم  يقول : ” دَعْ ما يَرِيبُكَ إِلَى مَا لاَ يَرِيبُكَ ” .

” فتاوى نور على الدرب ” فتاوى الشيخ محمد بن صالح العثيمين .

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة