حكم تناول الأطعمة الضارة كالبيض النيئ، وحكم أكل العظام المسحوقة

السؤال

إذا أثبت الطب خطر نوع معين من الغذاء : فهل يحرُم شرعاً ؟ فأنا أدرس في مجال طبي ، ودرسنا أن البيض النيئ يسبِّب مرض ” السلمونيلا ” ، وكذلك قرأتُ أنه يسبِّب أمراضاً أخرى ، ويجب أن يُطبخ جيداً حتى تموت البكتيريا الموجودة فيه ، فهل بذلك يحرُم أكله ؟ وماذا بالنسبة لـ ” المايونيز ” : فيدخل في صناعته بيض نيئ .

وأيضاً : قرأتُ وشاهدتُ طريقة صنع ” النقانق ” ، فالذبيحة كلها تطحن بلحمها ، وعظامها ، ثم يصنع منها ” النقانق ” ، فهل يحرم أكله ؟ .

الجواب

الحمد لله

أولاً:

مما لا شك فيه أن الشريعة الإسلامية المطهرة جاءت بما فيه صلاح الناس في دينهم ودنياهم ، ومن تأمل في الأوامر والنواهي ، وعموم أحكام الشرع وآدابه : تبين له صدق القول ، ومطابقته للواقع .

– وكما حرَّمت الشريعة المطهرة كلَّ خبيث : فإنها حرَّمت تناول كل ما يضر الإنسان ، أو يضر غيره ، وفي هذا المعنى جاء الحديث المشتهر ( لاَ ضَرَر وَلاَ ضِرَار ) رواه ابن ماجه ( 2340 ) ، وحسَّنه الألباني في ” صحيح ابن ماجه ” .

سئل علماء اللجنة الدائمة :

ما معنى قول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( لا ضرر ولا ضرار ) ؟ أريد شرح هذا الحديث ، وما يستفاد منه .

فأجابوا :

نهى النبي صلى الله عليه وسلم المكلَّف أن يضرَّ نفسه ، أو يضر غيره ، ففيه دلالة على منع الإنسان من التعدي على نفسه ، أو غيره ، وهذا الحديث وإن كان فيه مقال : إلا أنه جاء من طرق ، يقوي بعضها بعضاً ، وله شواهد ، فينهض إلى درجة الحسن لغيره ، ويصلح للاستدلال به.

ونوصيك بمراجعة كتاب ” جامع العلوم والحِكَم ” للحافظ ابن رجب في شرح هذا الحديث .

الشيخ عبد العزيز بن باز ، الشيخ عبد الرزاق عفيفي ، الشيخ عبد الله بن غديان .

والأطعمة الضارة تدخل في المنع الذي جاءت به الشريعة المطهرة ، سواء تناولها المسلم بنفسه ، أو قدَّمها لغيره ليأكلها .

قال النووي – رحمه الله – :

لا يحل أكل ما فيه ضرر من الطاهرات ، كالسم القاتل ، والزجاج ، والتراب الذي يؤذى البدن ، وهو هذا الذي يأكله بعض النساء ، وبعض السفهاء ، وكذلك الحجَر الذي يضر أكله ، وما أشبه ذلك ، ودليله في الكتاب ، قال إبراهيم المروذي : وردت أخبار في النهي عن أكل الطين ، ولم يثبت شيء منها ، قال : وينبغى أن نحكم بالتحريم إن ظهرت المضرة فيه .

وقد جزم المصنف – أي : الشيرازي الشافعي – وآخرون بتحريم أكل التراب ، وجزم به القاضي حسين في ” باب الربا ” .

” المجموع النووي ” ( 9 / 37 ) .

* وللشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله منظومة سمَّاها ” منظومة القواعد والأصول  ” قال فيها :

الـديـن جــاء لسـعادة البشر   ولانتـفاء الشـر عنـهم والضرر
وكــل أمـر نـافع قـد شـرع   وكــل مـا يضرنـا قـد منـع

ثم شرح ما نظمه – رحمه الله – فقال :

هذه القاعدة في الشريعة الإسلامية أنها جاءت ” لسعادة البشر ، ولانتفاء الشر عنهم والضرر ” ، هذان الأمران اللذان تدور عليهما شريعة النبي صلى الله عليه وسلم ، وهي تحصيل المصالح كاملة ، أو وافرة ، وتقليل المفاسد ، أو إعدام المفاسد .

ولهذا قال الله عز وجل في كتابه العظيم : ( كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ) ، وقال تعالى : ( لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ) ، وقال تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا ) ، والآيات في هذا المعنى كثيرة .

إن الدين إنما جاء لسعادة البشر في الدنيا وفي الآخرة ، ولانتفاء الشر عنهم ، والضرر في الدنيا ، وفي الآخرة أيضاً ، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لا ضرر ولا ضرار ) ، يعني : أنه ليس في دين الإسلام ضرر ، وليس فيه أيضا مضارَّة ، بل هو الدين الكامل الذي بُعث به محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، هذا هو ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الدين .

إنه جاء لسعادة البشر ، ولانتفاء الشر عنهم والضرر ، ثم فرع على هذا القول قوله :

وكل أمر نافع قد شرع     وكل ما يضرنا قد منع

جميع ما شرعه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، بل جميع ما شرعه الله عز وجل على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم نافع ، لكن منه ما يظهر نفعه ، ويأتي بَيِّنًا لكل أحد ، ومنها ما لا يظهر نفعه للخلق إلا بعد حين ، لكن النهاية يظهر أنه نافع .

كذلك أيضا ما يضر قد منعه الله عز وجل والضرر ، قد يكون معلوماً حاضراً ، وقد يكون منظوراً في العاقبة . انتهى.

وأعظم من هذا : أن الأمر لو كان فيه منفعة ومضرة متساويتين : كان المنع منه هو الحكم الموافق للشرع المطهَّر .

قال الشيخ العثيمين – رحمه الله – متمماً ما سبق من النظم والشرح – :

ومـع تسـاوي ضـرر ومنفعـه   يكون ممنوعا لدرء المفسده

هذا أيضا من القواعد ، إذا كان في الشيء ضرر ، ونفع على وجه السواء : فإنه يجب أن يكون ممنوعاً ؛ وذلك درءًا للمفسدة ، وفي هذا يقول العلماء : ” درء المفاسد أولى من جلب المصالح ” ؛ وذلك لأن المفسدة المساوية للمصلحة ، والمضرة المساوية للمنفعة : قد تغلب ، وتزيد على المصلحة في المستقبل ؛ لأن خبثها قد يؤثر على القلب ، وعلى العمل ، فيحصل بذلك الشر للفتى . انتهى.

ومن الأخطاء الشائعة عند كثيرين أن تناول البيض نيئاً فيه فوائد للجسم ! ، وهو خطأ شائع ، وقد ثبت بالأدلة العلمية عظيم ضرر تناوله نيئاً ، وأنه مسبب للتسمم بـ ” السالمونيلا ” ، وللقضاء على البكتريا المتسببة بهذا المرض يستلزم الأمر طهو البيض ، وتعريضه للحرارة .

وليس هذا في الأطعمة فحسب ، فقد ذكر أهل العلم أن ” الصيام ” يحرم على من كان يضره صومه ، ويحرم ” الاغتسال ” بالماء على من كان يضر اغتساله به ، وهكذا في سائر العبادات ، فإنها وإن كانت واجبة في الأصل : لكنها تصير محرَّمة إن كان فاعلها يضر ببدنه ، وهذا من أعزم ما يؤيد ما قلناه سابقاً من منع الشريعة لتناول ، أو فعل كل ما هو ضار بالمسلم نفسه ، أو يكون مضرّاً لغيره .

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – :

واعلموا أن من قواعد الشريعة : أنه لا يجوز للإنسان أن يتناول شيئاً مضرّاً في بدنه ؛ لأن الشريعة جاءت لحماية الأبدان : فلا يجوز للإنسان أن يتناول شيئاً يضر ببدنه إطلاقاً ، حتى لو رضي وقال : أنا راضٍ بالضرر ، قلنا : الأمر ليس إليك ، أنت مربوب ، وربك الله عز وجل هو الذي قال : ( وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً ) النساء/ 29 ، والنهي عن قتل النفس ليس معناه : أن رجلاً يأخذ سكيناً ويذبح نفسه ، لا .

هو لا شك يتناول هذا ، لكن أيضاً يتناول كل ضرر يصيب الإنسان ؛ فإن الإنسان منهي عنه ، والدليل على هذا : أن عمرو بن العاص رضي الله عنه كان في سريَّة – طائفة تقاتل ، لكنها ليست جيشاً – فأجنب ذات ليلة – أصابته جنابة – ، والإنسان إذا أجنب : يجب عليه أن يغتسل ، لكن الماء بارد ، خاف على نفسه إذا اغتسل ، فتيمم ، وصلَّى بأصحابه ، فلما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم قال له : ( أصليت بأصحابك وأنت جنب ؟ قال : يا رسول الله ! ذكرت قول الله تعالى : ( وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً ) النساء/ 29 ، فتيممت ، فضحك النَّبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه أو أنيابه ) إقراراً ، ولهذا جاء في الحديث عن الرسول عليه الصلاة والسلام أنه قال : ( لا ضرر ولا ضرار ) ، فإذا كان المريض يضره الصوم : فإنه لا يجوز له أن يصوم ، حتى لو قال : أنا ضاغط على نفسي ، وسوف أصوم ، وقال : لست جالساً من بين عباد الله ، نقول: اجلس ، الذي أوجب عليك أن تصوم في حال الصحة : أوجب عليك أن تفطر في حال الضرر . انتهى.

والخلاصة :

أنه إن ثبت ضرر تناول طعام أو شراب مباح في أصله ، لكنه ضار في طريقة تناوله : حرم تناوله ، ومن فعل ذلك : كان واقعاً في الإثم ، ومثله يقال لو كان الضرر يقع عليه وحده ، أو على من هو في مثل حاله ، كمن يكون مصاباً بداء معيَّن – كالسكري أو الضغط – ويضرع تناول طعام على حال معينة لا تضر غيره : فإنه إن تناوله وضرَّه كان آثماً .

والعمدة في معرفة ما هو ضار من الأطعمة والأشربة هم أهل الخبرة من أهل الشأن ، وليس إشاعات الناس ، ولا كلام العامة .

ثانياً:

وأما حكم أكل العظام المسحوقة مع اللحوم : فيُعرف حكمها من جهتين :

الأولى : إذا كانت عظام حيوانٍ غير مباح ، أو مباح لكنه لم يذكَّ ذكاة شرعية : فحكم العظام حكم لحمها ، فلا يجوز أكلها .

والثانية : إذا كانت عظام لحم مباح : فإنه يُنظر إلى نفعها ، وضررها ، فإن ثبت أن فيها ضرراً : فلا يحل أكلها ، وإن لم يثبت ضررها : فيجوز أكلها ، والمرجع في ذلك : أهل الاختصاص .

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة