الرئيسية بلوق الصفحة 68

هل سبب القحط هو المعاصي والآثام؟ أم الأحوال الجوية؟!

هل سبب القحط هو المعاصي والآثام أم الأحوال الجوية؟!

السؤال:

أحد الزملاء قال لي: سبب عدم نزول المطر هو المناخ، والحالة الجوية للمنطقة، ولا علاقة للذنوب بهذا الأمر!، فقلت له: قول الله على لسان نوح ( فقلت استغفروا ربكم … ) الآيات، لكنه لم يقتنع بالدليل الشرعي، ورد بدليل عقلي قائلا: مكة، والمدينة، تعانيان من القحط، بينما ” أبها “، ودول الشام لا ينقطع عنها المطر، ولا أظن أن أهل الشام أقل ذنوبًا من مكة، والمدينة، أما قصة نوح فربما لها تأويل آخر.

السؤال: كيف أرد على زميلي بدليل عقلي؟ وهل هو على خطر؟.

أرجو إرسال الإجابة على البريد بأسرع وقت، وجزاكم الله خيرًا.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نشكرك يا أخي الفاضل على اهتمامك بأصحابك، وزملائك, وعلى حرصك على نصيحتهم، وتذكيرهم؛ فالدين النصيحة.

نعم، يا أخي كما ذكرتَ لزميلك أن سبب حبس المطر هو بسبب الذنوب، والمعاصي؛ فإنه ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا يُرفع إلا بتوبة، وهذا قد قرره الله تعالى في القرآن الكريم كثيرًا, ومن ذلك:

– قوله تعالى: ( ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) الروم/ 41.

– وقال تعالى: ( وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا ) الجن/ 16.

– وقال تعالى: ( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) الأعراف/ 96.

* قال ابن كثير – رحمه الله في تفسير -:

( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا ) أي: آمنت قلوبهم بما جاءتهم به الرسل، وصدَّقت به، واتبعته، واتقوا بفعل الطاعات، وترك المحرمات:  ( لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ ) أي: قطر السماء، ونبات الأرض.

قال تعالى: ( وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) أي: ولكن كذبوا رسلهم، فعاقبناهم بالهلاك على ما كسبوا من المآثم، والمحارم.

” تفسير ابن كثير ”  ( 3 / 451 ).

 

 

ومن السنَّة:

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَال: أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: ( يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ: لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلاَّ فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلاَفِهِمُ الَّذِينَ مَضَوْا، وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلاَّ أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَؤُنَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلاَّ مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ، وَلَوْلاَ الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا، وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلاَّ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلاَّ جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ ).

رواه ابن ماجه ( 4155 )، وحسَّنه الألباني في ” صحيح ابن ماجه “.

* ومن أقوال السلف:

* قال أبو هريرة رضي الله عنه: 

إن الحباري – نوع من الطيور – لتموت في وكرها من ظلم الظالم .

* وقال مجاهد رحمه الله: 

إن البهائم تلعن عصاة بني آدم إذا اشتدت السَنَة – أي: القحط- وأمسك المطر, وتقول: هذا بشؤم معصية ابن آدم.

* وقال عكرمة رحمه الله:

دواب الأرض وهوامها، حتي الخنافس، والعقارب يقولون: مُنعنا القطر بذنوب بني آدم.

– انظر ” الجواب الكافي ”  لابن القيم ( ص 38 ).

* ومن أقوال المعاصرين:   

قال الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله – يذكِّر المسلمين بتأخر نزول المطر وسبب ذلك -:

فقد رأيتم الواقع، وهو تأخر نزول الغيث عن إبانه، وقحوط المطر وعدم مجيئه في أزمانه، ولا ريب أن سبب ذلك هو معاصي الله، ومخالفة أمره، بترك الواجبات، وارتكاب المحرمات.

فإنه ما من شرٍّ في العالم، ولا فساد، ولا نقص ديني، أو دنيوي: إلا وسببه المعاصي، والمخالفات، كما أنه ما من خيرٍ في العالم، ولا نعمة دينية، أو دنيوية: إلا وسببها طاعة الله تعالى، وإقامة دينه. ….

فيا عباد الله: التوبة، التوبة! تفلحوا، وتنجحوا، وتستقيم أحوالكم، وتصلحوا، قال الله تعالى: ( وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ ) هود/ 52.

وارجعوا إلى ربكم، بالتجرد، والتخلص من حقوق الله التي له قبَلكم، واخرجوا من جميع المظالم التي عند بعضكم لبعض، وأكثروا من الاستغفار، بقلب يقظان حاضر، معترف بالذنوب، مقر بالتقصير والعيوب، وأديموا التضرع لرب الأرباب: يُدرَّ عليكم الرزق من السحاب. ” فتاوى الشيخ ابن إبراهيم ” ( 3 / 128 – 131 ) باختصار شديد، وانظرها في: ” الدرر السنية في الكتب النجدية ” ( 20 / 390 – 396 ).

ثانيًا: 

ومما اتفق عليه العقلاء من جميع الأمم: أن المعاصي لها تأثير على واقع حياتهم، وسبُل رزقهم, ومما يدل على ذلك: أن هؤلاء العقلاء يوصون باجتناب الظلم؛ لما يعلمون من سرعة تعجيل عقابه, بل حتى العرب قبل الإسلام كانوا يحذرون عاقبة بعض المعاصي، كالبغي، والغدر، والظلم.

ثالثًا:

والعقل يدل على مجازاة الفعل الحسن بالإحسان, وعلى مجازاة الفعل السيئ بالعقاب، والحرمان، ومثال ذلك: أنك تجد المعلِّم في المدرسة يثيب الطلبة المجتهدين بالجائزة، والثناء, ويكون عكس ذلك للمقصرين, وهكذا صاحب العمل في عمله يشجع العامل المجتهد، ويزيد له في أجره, وعلى عكس ذلك يكون الحال مع العامل المقصر.

ولله المثل الأعلى، فهو سبحانه وتعالى ينبِّه عباده إلى الرجوع إليه، والتوبة، بمثل هذه السنن، كالجفاف، وتأخر المطر، وضيق الرزق؛ ليرجعوا إليه، ويتركوا ما هم من معاصٍ وآثام، ولو حصل شيء من الرزق من السماء: فلأجل البهائم! كما مرَّ في الحديث.

* قال القرطبي – رحمه الله -:

وقد استسقى نبيُّنا محمد صلى الله عليه وسلم، فخرج إلى المصلَّى متواضعًا، متذللًا، متخشعًا، مترسِّلًا، متضرعًا، وحسبك به، فكيف بنا، ولا توبة معنا، إلا العناد، ومخالفة رب العباد، فأنَّى نُسقى؟! لكن قد قال صلى في حديث ابن عمر: ( وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِم إِلاَّ مُنِعُوا القَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ، وَلَوْلاَ البَهَائِم لَمْ يُمْطًروا ) الحديث.

” تفسير القرطبي ” ( 1 / 418 ).

رابعًا:

وإن الإسلام لينظر إلى ربط الأسباب بمسبباتها, فتأخر المطر مثلًا سببه الحالة الجوية، والمناخ, ولكن المسبِّب لذلك هو الله، الذي جعل من أسباب تأخر المطر، وسوء المناخ : المجاهرة بالذنب، والمعصية.

فمن الذي يسيِّر الرياح لتسوق السحاب؟ ومن الذي يقدِّر لذلك السحاب أن ينزل الأمطار؟ فهذه أسباب دنيوية هي من فعل الله تعالى، وأمره، قال تعالى: ( أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ النمل/ 63، وقال تعالى: ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ ) النور/ 43.

* قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -:

أي: ألم تشاهد ببصرك عظيم قدرة الله، وكيف ( يُزْجِي ) أي: يسوق ( سَحَابًا) قطعا متفرقة، ( ثُمَّ يُؤَلِّفُ ) بين تلك القطع، فيجعله سحابًا متراكمًا، مثل الجبال.

( فَتَرَى الْوَدْقَ ) أي: الوابل، والمطر، يخرج من خلال السحاب، نقطًا متفرقةً، ليحصل بها الانتفاع من دون ضرر، فتمتلئ بذلك وتتدفق الخلجان، وتسيل الأودية ، وتنبت الأرض من كل زوج كريم، وتارة ينزل الله من ذلك السحاب برَدًا يتلف ما يصيبه.

( فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ ) بحسب ما اقتضاه حُكمه القدري، وحكمته التي يُحمد عليها.

( يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ ) أي: يكاد ضوء برق ذلك السحاب، من شدته ( يَذْهَبُ بِالأبْصَارِ ).

أليس الذي أنشأها، وساقها لعباده المفتقرين، وأنزلها على وجه يحصل به النفع، وينتفي به الضرر: كامل القدرة، نافذ المشيئة، واسع الرحمة؟.

” تفسير السعدي ” ( ص 570 ).

وهكذا يقال في الزلازل، والبراكين، وكل ما يقال في أسبابهما المادية: فيُقال: إن الله تعالى هو من يقدر تلك الأسباب، وهو سبحانه يقدرها وقت يشاء، على من يشاء.

ومن هنا فإن صاحبك على خطر عظيم إذا اعتقد بأنه لا تعلق لأمر الله بنزول المطر، وانحباسه، بل علينا أن نكون أكثر وضوحًا بأن إثمه قد يكون خروجًا من الملَّة!، ودليلنا على ذلك:

عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِىِّ قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَلاَةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ فِي إِثْرِ سَمَاءٍ – أي: مطر – كَانَتْ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ بِوَجْهِهِ فَقَالَ: ( هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ )، قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: (قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ: فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي وَمُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ ). رواه البخاري ( 810 ) ومسلم ( 71 ).

سماء: أي: مطر.

نوْء: كوكب.

* قال ابن عبد البر – رحمه الله -:

وأما قوله حاكيا عن الله عز وجل ( أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر ) فمعناه عندي على وجهين:

أما أحدهما: فإن المعتقد أن النوء هو الموجب لنزول الماء، وهو المنشئ للسحاب دون الله عز وجل: فذلك كافر كفرًا صريحًا، يجب استتابته عليه، وقتله؛ لنبذه الإسلام، ورده القرآن.

والوجه الآخر: أن يعتقد أن النوء يُنزل الله به الماء، وأنه سبب الماء على ما قدَّره الله، وسبق في علمه، فهذا وإن كان وجهًا مباحًا: فإن فيه أيضًا كفرًا بنعمة الله عز وجل، وجهلًا بلطيف حكمته؛ لأنه يُنزل الماء متى شاء، مرة بنوء كذا، ومرة دون النوء، وكثيرًا ما يخوى النوء، فلا يَنزل معه شيءٌ من الماء، وذلك مِن الله، لا مِن النوء. ” التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد ” ( 16 / 286 ).

خامسًا:

وإن رغد العيش، ووفرة الماء، قد يكون لبعض الناس، والأمم، بلاء، واستدراجًا، كما هو مشاهد في بلاد الغرب, وهذا مبلغهم من النعيم، وقد عجلت لهم طيباتهم في الدنيا, وسيكون عليهم بسبب ذلك زيادة في العذاب في الآخرة.

قال تعالى: ( وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) آل عمران/ 180.

كما جاء ذلك مبيَّناً في حديث عُقْبَةَ بن عَامِرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( إِذَا رَأَيْتَ اللَّهَ يُعْطِي الْعَبْدَ مَا يُحِبُّ وَهُوَ مُقِيمٌ عَلَى مَعَاصِيهِ فَإِنَّمَا ذَلِكَ لَهُ مِنْهُ اسْتِدْرَاجٌ، ثُمَّ نَزَعَ هَذِهِ الآيَةَ: ( فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) الأنعام / 45.  رواه الطبراني في ” الكبير ” ( 17 / 330 )، وصححه الألباني في ” السلسلة الصحيحة ”    ( 413 ).

سادسًا:

فتحصَّل مما سبق:

أنَّ حبس المطر عن قوم، أو بلد: إنما هو بأمر الله تعالى، ومهما كان له من الأسباب المادية: فيقال: إن الله تعالى هو من قدَّرها، فإذا قدَّرها على قوم مؤمنين: فلحكَم جليلة، منها: تعبدهم ربهم تعالى بالدعاء، والخشية، والإنابة، أو لإحداث توبة مما عصوا به ربهم تعالى، وكلا الأمرين إن فعلوهما فهما محبوبان له تعالى، مع استغنائه عن خلقه.

وإذا قدَّر الله تعالى المطر والرزق لبلد، أو قوم عصاة غير تائبين، أو كفار غير مسلمين: فلحكَم جليلة، وأسباب عديدة، منها: استدرجهم بالخيرات لزيادة العذاب عليهم يوم القيامة، ومنها: أنه من أجل البهائم، لا من أجلهم هم، وإذا حصل ذلك: صارت البهائم حينئذٍ خيرًا منهم.

* قال المناوي – رحمه الله -:

أي: لم يُنزل إليهم المطر؛ عقوبةً، بشؤم منعهم للزكاة عن مستحقيها، فانتفاعهم بالمطر إنما هو واقع تبعاً للبهائم! فالبهائم حينئذ خيرٌ منهم! وهذا وعيد شديد على ترك إخراج الزكاة أعظِم به من وعيد.

” فيض القدير ” ( 5 / 378 ، 379 ).

 

هذا ملخَّص ما أردنا إيصاله للأخ السائل، فنرجو أن يكون ما ذكرناه نافعًا له، ولكل من قرأه من القراء الأفاضل.

 

والله أعلم.

ما حكم من يغتسل كل يوم؟ وحكم المنشفة والصابون والسواك وتجاوز المقدار الذي كان يستخدمه النبي؟

ما حكم من يغتسل كل يوم؟ وهل يجوز تجاوز مقدار الماء الذي استعمله النبي في وضوئه وغسله؟ وهل يُستعمل الصابون والمنشفة في الغسل؟ وهل كان الصحابة يغسلون ملابسهم؟

السؤال:

انتقدني بعض الأشخاص بسبب أنني لا أغتسل يوميًّا، وبفعلي هذا إنما أقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي لم يكن يغتسل يوميًّا, ولكن الناس في هذا الزمن ينظرون إلى هذا الأمر باستغراب، كذلك هل من الضروري استخدام الصابون والمنشفة طالما أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستخدم ذلك \؟ وماذا عن مقدار الماء الذي ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغتسل به، هل ينبغي التقيد بنفس الكمية؟ وهل كان الصحابة يغسلون ملابسهم؟ وكم مرة في الأسبوع؟ وماذا عن استخدام السواك، هل المحافظة عليه سنَّة مؤكدة؟ وكيف يمكن الجمع بين ما وصلنا إليه من تقدم، ورخاء، وتوفر الأشياء في جميع مناحي الحياة، وبين التأسي، والاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم؟.  أرجوا التوضيح في كل ما سبق.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

اعلم أخي السائل الموفق أن الاغتسال يوميًّا ليس فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم نهي، ولا أمر، ولا فعل، والذي أوجبه صلى الله عليه وسلم في هذا الباب: الغسل مرة كل سبعة أيام.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( حَقٌّ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَغْتَسِلَ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَجَسَدَهُ ).رواه البخاري ( 856 ) ومسلم ( 849 ).

وهذا عام، يشمل النساء، والرجال.

كما أنه صلى الله عليه وسلم أوجب الغسل على من قدم المسجد لصلاة الجمعة، من النساء والرجال.

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( الْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ ). رواه البخاري ( 820 ) ومسلم ( 846 ).

فمن اغتسل لصلاة الجمعة: فقد أدى الواجب الذي عليه في هذا الحديث، والحديث الذي قبله، ومن لم يكن من أهل الوجوب، أو كان معذورًا عن الذهاب لصلاة الجمعة: فلا بدَّ له من غسل لمرة واحدة في كل سبعة أيام.

وأما الحكم الشرعي لمن اغتسل كل يوم: فيُنظر، فإن كان الغسل لحاجة، أو ضرورة، كمن يعمل عملًا يتطلب منه خروج عرق بغزارة، أو رائحة كريهة: فهذا يغتسل كل يوم – ولو أكثر من مرة – ليُذهب هذه الرائحة، فهذا مطلب شرعي، وهو أن يكون الإنسان بهيئة حسنة، ورائحة طيبة.

عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُمَّالَ أَنْفُسِهِمْ وَكَانَ يَكُونُ لَهُمْ أَرْوَاحٌ فَقِيلَ لَهُمْ لَوْ اغْتَسَلْتُمْ.

رواه البخاري ( 1965 ) ومسلم ( 847 ).

أرواح: روائح كريهة.

ولفظ مسلم:

” كَانَ النَّاسُ أَهْلَ عَمَلٍ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ كُفَاةٌ فَكَانُوا يَكُونُ لَهُمْ تَفَلٌ فَقِيلَ لَهُمْ لَوْ اغْتَسَلْتُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ “.

تفَل: رائحة كريهة.

وهذا الحديث قبل أن يشرع وجوب الغسل لكل من قدم الجمعة، سواء كان له رائحة، أو لم يكن، كما دلَّ عليه حديث أبي سعيد الخدري السابق.

* قال الشافعي – رحمه الله – بعد أن ذكر مواضع يستحب فيعها الغسل عنده -:

وأستحب الغسل بين هذا: عند تغير البدن بالعرَق، وغيره؛ تنظيفًا للبدن، وكذلك أحبُّه للحائض، وليس من هذا واحد واجب. ” الأم ” ( 2 / 146 ).

وأما الاغتسال كل يوم لغير ضرورة، أو حاجة، كحب التنظف: فليس ثمة ما يمنع منه، والإسلام حض على التطهر، والنظافة، وليس هو من الإسراف، إلا أن يزيد في استعمال الماء من غير داعٍ، كمن يغتسل في حوض الاستحمام الذي يملؤه لمجرد الاستمتاع، ثم تضيع المياه في المجاري، وأما من اغتسل، وأكثر من استعمال الماء، وكان لماء الاغتسال تصريف نافع، كسقي زرع، أو إعادة تكرير: فلا بأس بفعله.

وقد ثبت عن بعض السلف أنه كان يغتسل كل يوم، وقد بوَّب ابن أبي شيبة في ” مصنفه ” بابًا بعنوان ” مَن كان يحب أن يغتسل كل يوم “، وروى ذلك عن: عثمان بن عفان، وعروة بن الزبير، ومحمد بن سيرين.

– انظر ” مصنف ابن أبي شيبة ” ( 1 / 198، 190 ).

ثانيًا:

وأما استخدام المنشفة والصابون: فليس ثمة ما يمنع منهما, والصابون لم يكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الهيئة, ولكن كانوا يستخدمون شيئًا يقوم مقامه، وهو ورق ” الأشنان “، فكان يقوم مقام الصابون في تنظيف الأيدي، والآنية، والملابس،  وكذا كان يُستعمل ” السدر ” في الغسل – للأحياء والأموات – لإعطاء رائحة طيبة بخلطه مع الماء.

* قال علماء اللجنة الدائمة:

يجوز لك أن تغتسل بالشامبو مع الماء، ولو كان مخلوطاً بليمون، أو بيض، وتغتسل بالصابون، والأشنان، ونحو ذلك، مع الماء، لمساعدته على إزالة الأوساخ

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 24 / 108 ).

والاكتفاء بالماء في الغسل هو الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن لا نعلم أحدًا من أهل العلم يمنع من استعمال الصابون، والمنظفات المباحة غير المضرة، في الغسل.

* سئل علماء اللجنة الدائمة:

هل الجنابة تغسل بالصابون، ولماذا؟

فأجابوا:

يجب الغسل من الجنابة بالماء، ولا يجب فيه استعمال المنظفات، كالصابون، ونحوه، وهذا هو الذي دلت عليه سنة النبي صلى الله عليه وسلم.

وإن استعمل الصابون، أو نحوه من المنظفات: فلا بأس.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 5 / 315 ).

وأما المنشفة: فالوارد في أنه صلى الله عليه وسلم كانت له منشفة يتنشف بها: لا يصح منه شيء، وهو أمر ليس بحاجة لسنَّة تُثبته؛ لأنه فعل جِبِليّ، وقد ثبت في الصحيحين أن ميمونة رضي الله عنه جاءت له بخرقة يتنشف بها، فلم يُردها، ولو كان فعلها منكرًا لأنكره عليها، ولذا فما قاله بعض العلماء من استحباب ترك التنشف من الوضوء والغسل: مرجوح، ومثله من قال بكراهة التنشف، سواء من الوضوء، أو من الغسل.

* قال النووي – رحمه الله -:

وقد اختلف الصحابة وغيرهم في التنشيف على ثلاثة مذاهب:

أحدها: أنه لا بأس به في الوضوء والغسل، وهو قول أنس بن مالك، والثوري.

والثاني: مكروه فيهما، وهو قول ابن عمر، وابن أبي ليلى.

والثالث: يُكره في الوضوء دون الغسل، وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما.

– ولمَّا نقل – رحمه الله – الخلاف بين الشافعية في التنشيف: قال:

والثالث: أنه مباح، يستوي فعله وتركه، وهذا هو الذي نختاره؛ فإن المنع، والاستحباب : يحتاج إلى دليل ظاهر. ” شرح مسلم ” ( 3 / 231 ).

وقال:

وقد احتج بعض العلماء على إباحة التنشيف بقول ميمونة في هذا الحديث ” وجعل يقول بالماء هكذا ” يعني: ينفضه، قال: فإذا كان النفض مباحًا: كان التنشيف مثله، أو أولى؛ لاشتراكهما في إزالة الماء. ” شرح مسلم ” ( 3 / 232 ).

* سُئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

هل يجوز تنشيف الأعضاء بعد الوضوء؟.

فأجاب:

نعم، يجوز للإنسان إذا توضأ أن ينشف أعضاءه، وكذلك إذا اغتسل يجوز له أن ينشف أعضاءه؛ لأن الأصل في ما عدا العبادات: الحِل، حتى يقوم دليل على التحريم .

وأما حديث ميمونة: رضي الله عنها أنها ” جاءت بالمنديل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعد أن اغتسل فردها، وجعل ينفض الماء بيده “: فإنَّ رده للمنديل لا يدل على كراهته لذلك؛ فإنها قضية عيْن يحتمل أن يكون المنديل فيه ما لا يحب النبي صلى الله عليه وسلم أن يتمندل به من أجله، ولهذا جعل النبي صلى الله عليه وسلم ينفض الماء بيده.

وقد يقول قائل: إن إحضار ميمونة المنديل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: دليل على أن ذلك أمر جائز عندهم، وأمر مشهور، وإلا فما كان هناك داعٍ لإحضارها للمنديل.

وأهم شيء أن تعرف القاعدة، وهي أن الأصل في ما سوى العبادات: الحل، حتى يقوم دليل على التحريم . ” فتاوى إسلامية ” ( 1 / 222، 223 ).

ثالثًا:

وأما عن مقدار الماء الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يغتسل به: فما بين الصاع إلى خمسة أمداد، والصاع: أربعة أمداد.

عن أنس رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ بالمُدِّ، ويغتسل بالصاع، إلى خمسة أمداد. رواه البخاري ( 198 ) ومسلم ( 325 ).

والأصل في صاع النبي صلى الله عليه وسلم: أنه أربع حفنات باليدين المعتدلتين.

ومقدار المد عند المالكية، والشافعية، والحنابلة: رطل وثلث، وعليه: فالصاع: خمسة أرطال وثلث. والرطل المعتمد عند الفقهاء هو الرطل البغدادي.

 

* قال الفيومي – رحمه الله -:

قال الفقهاء: وإذا أُطلق الرطل في الفروع: فالمراد به رطل بغداد.

” المصباح المنير ” ( ص 230 ).

وأما تقديره بالوزن: ففيه اختلاف بين العلماء، وقد حقق الشيخ عطية سالم رحمه الله الصاع النبوي بالنسبة للطعام، وبالنسبة للماء، فقال:

فكان وزن الصاع بعد هذا التأكيد هو بالعدس المجروش 600 , 2، كيلوين وستمائة جرام. وبالماء: 100  ,3 ثلاثة كيلوات ومائة جرام.

وأرجو أن يكون هذا العمل كافياً لبيان الوزن التقريبي للصاع النبوي في الزكاة.

” أضواء البيان ” التتمة ( 8 / 292 ).

وهذا المقدار من الماء كافٍ للوضوء، والغسل، ولكن هل لا يجوز الزيادة عليه؟ الظاهر هو الجواز، ونقل فيه الإجماع، ولا شك أن من توضأ، واغتسل، بما ثبت من مقدار الماء في وضوء، وغسل النبي صلى الله عليه وسلم: أنه فعل الأفضل، وله فيه أجر.

* ففي ” الموسوعة الفقهية ” (  4 / 179، 180 ):

اتفق الفقهاء على أن ما يجزئ في الوضوء، والغسل: غير مقدر بمقدار معين، ونقل ابن عابدين الإجماع على ذلك، وقال: إن ما ورد في الحديث: ” أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع “: ليس بتقدير لازم، بل هو بيان أدنى القدر المسنون، حتى إن من أسبغ بدون ذلك أجزأه، وإن لم يكفه: زاد عليه؛ لأن طباع الناس وأحوالهم مختلفة.

واتفقوا كذلك على أن الإسراف في استعمال الماء: مكروه، ولهذا صرح الحنابلة بأنه يجزئ المُد وما دون ذلك في الوضوء، وإن توضأ بأكثر من ذلك: جاز، إلا أنه يكره الإسراف.   انتهى.

رابعًا:

وأما غسل الملابس وكم مرة؛ فمرد ذلك إلى العرف والحاجة  فإن كانت تتسخ لطبيعة البيئة، أو العمل: فيغسلها على حسب ذلك؛ والمراد: أن يكون الإنسان في هيئة حسنة، وهذا مطلب شرعي.

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ، قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ ).

رواه مسلم ( 91 ).

خامسًا:

وأما عن سنية السواك، واستحبابه في بعض الحالات فراجع أجوبتنا الأخرى في الموقع.

سادسًا:

وأما عن سؤالك عن كيفية الجمع بين ما وصلنا إليه من تقدم، وبين التأسي، والاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم: فالجواب عليه: أنه ليس ثمة تعارض أصلًا بينهما، فيؤخذ بما وهبه الله لنا، وأنعم به علينا، بما لا يتعارض مع شرع الله تعالى، والإسلام لا يعارض وسائل الترفيه المعاصرة؛ لأن الأصل في الأمور الدنيوية: الإباحة، بل ربما تكون هذه الوسائل معينة على طاعة الله، كما هو الواقع في أمور كثيرة، كالطائرات، والبواخر، والفضائيات.

* قال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

نأخذ من الغرب والشرق ما ينفعنا، وندع ما يضرنا، إذا جاءنا من الغرب، أو الشرق شيء ينفعنا نأخذه، ونستفيد منه، كما نأخذ منهم ما أخذنا من سلاح، ومن طائرات، ومن سيارات، ومن بواخر، وغير ذلك، نأخذ منهم من الدواء، ومن غير الدواء، ومن وجوه الزينة ما ينفعنا، ولا يكون فيه مشابهة لغيرنا من أعداء الله، بل نأخذ الشيء الذي ينفع، وندع ما يضر.

” فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 21 / 223 ).

 

وجزاك الله خيرًا أخي السائل، وبارك فيك؛ على حبك لتطبيق سنة النبي صلى الله عليه وسلم؛ واعلم أن أولى الناس بالنبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة: أشدهم له اتباعًا، ونسأل الله أن يجعلك منهم.

 

والله أعلم.

 

 

أخوهم يصر على التزوج بأجنبية كتابية، ويرفض التزوج بغيرها، فماذا يصنعون؟

أخوهم يصر على التزوج بأجنبية كتابية، ويرفض التزوج بغيرها، فماذا يصنعون؟

السؤال:

أنا أعاني من مشكلات في إيجاد عروسة لأخي الأكبر، فكل فتاة يتقدم لخطبتها: ترفضه، دون إبداء للأسباب، وأمي قلقة عليه، فمؤخرًا أخبرنا أنه يريد الارتباط بفتاة أمريكية، وقال: إنها تريد أن تسلم، لكنها لا تؤدي شعائر الإسلام كما ينبغي، ويرى أخي أنه طالما أنها تذهب للمسجد: فإنها ستعتنق الإسلام لاحقًا، أم عاجلًا، كما أن هذا يدل على أنها فتاة صالحة، وأهلي على  خلاف كبير مع أخي، فنحن لا نريد فقط فتاة مسلمة، بل نريدها أن تكون موافقة لتقاليدنا، وهو يرى أن هذه عقلية منغلقة، ويرفض ذلك، ويصر على الزواج من هذه الفتاة لأنها تريد أن تسلم، فهل يمكن أن تنصحونا وتذكروا لنا أحاديث وآيات؟.

أرجو المساعدة.

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

إذا كان واقع أخيك كما تنقله عنه من أنه كلما تقدَّم لفتاة رفضته، ودون إبداء الأسباب: فإن هذا يدعوكم للتأمل جيِّدًا في حاله، وهو يحتمل – عندنا – أمرين:

  1. أن ظاهره يدل على باطنه عند من تراه من النساء، ولا يحتاج أهل المخطوبة للسؤال عنه حتى يوافقوا عليه زوجًا.
  2. أن يكون مسحورًا، وقد حصلت حالات مشابهة كثيرًا، للرجال، والنساء.

وأما علاج الحال الأولى: فهو إصلاح باطنه، وظاهره، ومن أصلح ما بينه وبين الله : أصلح الله ما بينه وبين الناس.

وأما علاج الحال الثانية: فهو بالرقية الشرعية، كقراءة الفاتحة وآية الكرسي والمعوذات على ماء، ثم يشرب منه، أو تتم القراءة عليه مباشرة من شيخ مختص موثوق بدينه، وعلمه.

ثانيًا:

ومن حيث إصراره على التزوج بتلك المرأة القريبة من الإسلام على حد زعمه: فإنه ثمة أمور يجدر التنبيه عليها:

  1. أن التزوج بالنصرانية جائز من حيث الأصل، إن كانت فعلاً نصرانية، وعفيفة.

* قال علماء اللجنة الدائمة:

يجوز للمسلم أن يتزوج كتابية – يهودية أو نصرانية – إذا كانت محصنة، وهي الحرة العفيفة؛ لقوله تعالى: ( الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ … ).

وترك الزواج بها أولى وأحوط للمؤمن؛ لئلا تجره وذريته إلى دينها.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 18 / 314, 315 ).

– انظر الشروط الواجب توفرها في الكتابية حتى يحل نكاحها في أجوبتنا الأخرى.

  1. قد يكون تزوج أخيك بتلك المرأة خيرًا له، ولها، ولكم، أما له: فلأن إصراره على التزوج بها قد يجعله يقع معها في الفاحشة، وقد يتزوجها في نهاية المطاف رغمًا عنه، فيخسركم، وأما لها: فإنه فعلًا قد يكون الأمر كما يقول، وقد تدخل في الإسلام بعد تزوجه بها، وأما لكم: فحتى لا تفقدوا أخاكم بإجباره على الزواج من يكره، فيخالفكم إلى ما لا ترغبون به، فيقاطعكم، وتفقدوه، فالأمر يحتاج لحكمة في التعامل، ومزيد من التعقل.
  2. يبحث كثير من الأهل عن زوجة متدينة، وعفيفة، وفاضلة، وجميلة، ويضعون المواصفات المبالغ بها لابنهم، ويغفلون عن أمر مهم، وهو أنه لا تتوفر في ابنهم ذاك من المواصفات ما يمكن أن يُقبل من الزوجة، وإذا قُبل: ما يمكن أن ينسجم معها في حياتهما الزوجية، فالذي ننبه عليه هنا: أنه ينبغي البحث عن زوجة قريبة المواصفات من الابن الراغب بالزواج؛ حتى لا تكون ثمة فوارق بينهما تؤدي في نهاية الأمر إلى الفراق، إلا أن يوجد – وهذا نادر – من تكون متدينة تقبل بمن هو أقل منها حتى تعينه على طاعة ربه، ويستقيم على أمر خالقه، والعادة أن تأثير الزوج هو الأقوى، ولذا فلا ننصح النساء المستقيمات بمثل هذه المخاطرة.

وملخص هذا التنبيه: أنه قد تكونون تبحثون عن زوجة بمواصفات لا يرغب بها أخوكم، وهو يرى أن هذا ” عقلية منغلقة ” منكم، فلا تتعبوا أنفسكم بالبحث عن شيء هو غير مقتنع به، والمهم الآن هو أن يعف نفسه من الوقوع في الحرام، وقد يكون سبباً في إسلامها، ولم لا تجعلوه يجرب حظه من الزواج بها وأنتم قريبون منه، فقد يحتاج إليكم عندما يرى الأمر بخلاف ما تصور، ثم تقع الفرقة بينه وبين من اختارها، وهنا يكون منه الاقتناع برأيكم، واختياركم.

  1. نحن نفرِّق في أجوبتنا بين السؤال الذي يرد من الشخص الراغب بالزواج، وبين كونه من أهله، فأما إن كان هو المراسل لنا والسائل: فإننا نحذره أشد التحذير من الزواج بكتابية تحمل جنسية دولة كافرة؛ لما في ذلك من مفاسد كثيرة، ونبذل جهدنا في تنفيره من ذلك الزواج، بخلاف ما إن كان السؤال من أهله – كحالتكم هذه – ويكون هو مقتنعًا برأيه واختياره، فنحن نبين لكم ما نراه صوابًا، وفي الوقت نفسه قد نحثكم على تزويجه بتلك المرأة؛ خشية من حصول علاقة محرمة، أو من وقوعهم في الفاحشة المنكرة، فلا شك أن الزواج بها هنا يكون هو الحل الأمثل.

فنرى: التلطف في منعه من التزوج بتلك المرأة، مع تبيين المفاسد من ذلك، ومحاولة إقناعه من غير طريقكم، واجعلوا ذلك من طريق من يثق هو به، وإن أصرَّ على الزواج بها: فقفوا معه، وآزروه، ولا تخسروه، فهو أحوج ما يكون للنصح، والتذكير حينئذ.

 

والله أعلم.

 

تفصيل القول في حكم تقبيل قدميْ الوالدين ومن في منزلتهم

تفصيل القول في حكم تقبيل قدميْ الوالدين ومن في منزلتهم

السؤال:

إنني مشوَّش حيال لمس قدم أشخاص آخرين، أو تقبيلها، فقد قرأت في مدونة بأن ” طاهر القدري ” قد أظهر أدلة من الأحاديث بأنه من الجائز لمس قدم الآخرين، أو تقبيلها، وأن البخاري كانت له رؤى حيال هذا الأمر، وقد كتب كتباً في صحة هذا الأمر، وأن طاهر القدري قد دعم رؤيته بأحاديث موضوعة، أو ضعيفة، فماذا يجب أن يكون موقفنا حيال طاهر القدري؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

أشهر ما يُستدل به على تقبيل الرِّجْلين: حديثان، وحادثة، أما الحديث الأول: ففيه تقبيل يهودييْن لرجلَي النبي صلى الله عليه وسلم، والثاني: فيه تقبيل وفد عبد القيس لرجل النبي صلى الله عليه وسلم، وأما الحادثة : ففيها تقبيل الإمام مسلم لرجليْ الإمام البخاري، رحمهما الله، ونحن نذكر تفصيل ذلك، وكلام العلماء حولها.

الحديث الأول:

عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ قَالَ: قَالَ يَهُودِيٌّ لِصَاحِبِهِ: اذْهَبْ بِنَا إِلَى هَذَا النَّبِيِّ، فَقَالَ صَاحِبُهُ: لَا تَقُلْ نَبِيٌّ إِنَّهُ لَوْ سَمِعَكَ كَانَ لَهُ أَرْبَعَةُ أَعْيُنٍ، فَأَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَاهُ عَنْ تِسْعِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَقَالَ لَهُمْ: ( لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا تَسْرِقُوا وَلَا تَزْنُوا وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا تَمْشُوا بِبَرِيءٍ إِلَى ذِي سُلْطَانٍ لِيَقْتُلَهُ وَلَا تَسْحَرُوا وَلَا تَأْكُلُوا الرِّبَا وَلَا تَقْذِفُوا مُحْصَنَةً وَلَا تُوَلُّوا الْفِرَارَ يَوْمَ الزَّحْفِ وَعَلَيْكُمْ خَاصَّةً الْيَهُودَ أَنْ لَا تَعْتَدُوا فِي السَّبْتِ ) قَالَ: فَقَبَّلُوا يَدَهُ وَرِجْلَهُ، فَقَالَا: نَشْهَدُ أَنَّكَ نَبِيٌّ، قَالَ: فَمَا يَمْنَعُكُمْ أَنْ تَتَّبِعُونِي؟ قَالُوا: إِنَّ دَاوُدَ دَعَا رَبَّهُ أَنْ لَا يَزَالَ فِي ذُرِّيَّتِهِ نَبِيٌّ وَإِنَّا نَخَافُ إِنْ تَبِعْنَاكَ أَنْ تَقْتُلَنَا الْيَهُودُ.

رواه الترمذي ( 2733 )، والنسائي ( 4078 )، وابن ماجه ( 3705 )، وضعفه الألباني في ” ضعيف الترمذي “، وصححه كثيرون، كالحافظ ابن حجر في ” التلخيص الحبير ” ( 5 / 240 )، وابن الملقن في ” البدر المنير ” ( 9 / 48 )، والنووي في ” المجموع ” ( 4 / 640 )، و” رياض الصالحين ” ( حديث 889 ).

* قال ابن كثير – رحمه الله -:

وهو حديث مشكل، وعبد الله بن سلِمة في حفظه شيء، وقد تكلموا فيه، ولعله اشتبه عليه التسع الآيات بالعشر الكلمات، فإنها وصايا في التوراة لا تعلق لها بقيام الحجة على فرعون. ” تفسير ابن كثير ” ( 5 / 125 ).

 

* وقال الزيلعي – رحمه الله -:

والحديث فيه إشكالان:

أحدهما: أنهم سألوا عن تسعة، وأجاب في الحديث بعشرة، وهذا لا يرِد على رواية أبي نعيم والطبراني؛ لأنهما لم يذكرا فيه ” السحر “، ولا على رواية أحمد أيضًا؛ لأنه لم يذكر ” القذف ” مرة، وشك في أخرى، فيبقى المعنى في رواية غيرهم: أي: ” خذوا ما سألتموني عنه وأزيدكم ما يختص بكم لتعلموا وقوفي على ما يشتمل عليه كتابكم “.

الإشكال الثاني: أن هذه وصايا في التوراة، ليس فيها حجج على فرعون وقومه، فأي مناسبة بين هذا وبين إقامة البراهين على فرعون؟! وما جاء هذا إلا من عبد الله بن سلمة؛ فإن في حفظه شيئًا، وتكلموا فيه، وأن له مناكير، ولعل ذينك اليهوديين إنما سألا عن العشر الكلمات، فاشتبه عليه بالتسع الآيات، فوهِم في ذلك، والله أعلم. ” تخريج الكشاف ” ( 2 / 293 ).

والحديث: بوَّب عليه الترمذي بقوله: ” باب ما جاء في قبلة اليد والرِّجل “.

* قال ابن بطَّال – رحمه الله -:

قال الأبهري: وإنما كرهها مالك إذا كانت على وجه التكبر، والتعظيم لمن فعل ذلك به، وأما إذا قبَّل إنسانٌ يدَ إنسانٍ، أو وجهه، أو شيئًا من بدنه – ما لم يكن عورة – على وجه القربة إلى الله، لدينه، أو لعلمه، أو لشرفه: فإن ذلك جائز.

” شرح صحيح البخاري ” ( 9 / 46 ).

* وقال المباركفوري – رحمه الله -:

والحديث يدل على جواز تقبيل اليد والرِّجْل.

” تحفة الأحوذي ” ( 7 / 437 ).

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

الحاصل: أن هذين الرجلين قبَّلا يدَ النبي صلى الله عليه وسلم، ورِجْله، فأقرهما على ذلك، وفي هذا: جواز تقبيل اليد، والرِّجْل، للإنسان الكبير الشرَف والعلم، كذلك تقبيل اليد، والرِّجْل، من الأب، والأم، وما أشبه ذلك؛ لأن لهما حقًّا، وهذا من التواضع. ” شرح رياض الصالحين ” ( 4 / 451 ).

* وسئل الشيخ عبد المحسن العباد – حفظه الله -:

أبي – أحيانًا – يأمرني بتقبيل رِجله مازحًا؟.

فأجاب:

لا مانع مِن أن تقبلها.

”  شرح سنن أبي داود ” ( 29 / 342 ).

 

 

ثانيًا:

الحديث الثاني:

عن أُمّ أَبَانَ بِنْتِ الْوَازِعِ بْنِ زَارِعٍ عَنْ جَدِّهَا زَارِعٍ – وَكَانَ فِي وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ – قَالَ: لَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ فَجَعَلْنَا نَتَبَادَرُ مِنْ رَوَاحِلِنَا فَنُقَبِّلُ يَدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَرِجْلَهُ. رواه أبو داود ( 5227 )، وجوَّد الحافظ ابن حجر إسناده في ” فتح الباري ” ( 11 / 57 )، وحسَّنه الألباني في ” صحيح أبي داود ” وقال: ” حسنٌ، دون ذِكر الرِّجْلين “.

والحديث بوَّب عليه أبو داود بقوله: ” بَاب فِي قُبْلَةِ الرِّجْلِ “.

 

ثالثًا:

وأما الحادثة:

فهي حوار حصل بين الإمامين مسلم والبخاري، وقد اشتهر على أن الإمام مسلمًا قبَّل رجليْ البخاري، وأثنى عليه بعلمه، والصحيح: أنه ليس في القصة إلا تقبيل ما بين عيني الإمام البخاري، وأن مسلمًا طلب من البخاري أن يقبِّل رجليه، وليس في القصة أنه فعل ذلك.

ففي ” تاريخ بغداد ” ( 13 / 102 ) عن أحمد بن حمدون القصار قال: سمعت مسلم بن الحجاج وجاء إلى محمد بن إسماعيل البخاري فقبَّل بين عينيه، وقال: دعني حتى أقبِّل رجليك، يا أستاذ الأستاذين، وسيد المحدثين، وطبيب الحديث في علله.

* وفي ” تاريخ دمشق ” ( 52 / 68 ):

فقبَّل بين عينيه، فقال : دعني حتى أقبِّل رجليك، يا أستاذ الأستاذين، وسيد المحدثين، وطبيب الحديث. انتهى.

وللفائدة:

فقد ضعَّف الحافظ العراقي رحمه الله القصَّة هذه، وردَّ عليه تلميذه الحافظ ابن حجر بأنها ثابتة وصحيحة.

* قال الحافظ العراقي – رحمه الله -:

والغالب على الظن: عدم صحتها، وأنا أتهم بها ” أحمد بن حمدون القصار ” راويها عن مسلم؛ فقد تُكلم فيه.

” التقييد والإيضاح شرح مقدمة ابن الصلاح ” ( ص 118 ).

* ورد الحافظ ابن حجر على العراقي فقال:

الحكاية صحيحة، قد رواها غير الحاكم على الصحة، من غير نكارة، وكذا رواها البيهقي عن الحاكم على الصواب، كما سنوضحه؛ لأن المنكَر منها إنما هو قوله  ” إن البخاري قال: لا أعلم في الدنيا في هذا الباب غير هذا الحديث الواحد المعلول “، والواقع: أن في الباب عدة أحاديث لا يخفى مثلها على البخاري “.

والحق أن البخاري لم يعبِّر بهذه العبارة، وقد رأيت أن أسوق لفظ الحكاية من الطريق التي ذكرها الحاكم وضعفها الشيخ، ثم أسوقها من الطريق الأخرى الصحيحة التي لا مطعن فيها، ولا نكارة، ثم أبيِّن حال الحديث، ومن أعلَّه، أو صححه لتتم الفائدة … ” النكت على كتاب ابن الصلاح ” ( 2 / 715 ، 716 ).

 

رابعًا:

وحيث نقول بجواز تقبيل الرجلين: فإنه لا بدَّ من ضوابط لهذا الجواز، ومنها:

  1. أن يكون هذا التقبيل للوالدين، وأهل العلم.

وقد سبق النقل على الشيخين العثيمين والعبَّاد ما يؤيد ذلك.

  1. أن يكون التقبيل قربة إلى الله، لا لدنيا يصيبها، ولا مع ذل يلحقه.

* قال النووي – رحمه الله -:

وأما تقبيل يده لِغِناه، ودنياه، وشوكته، ووجاهته عند أهل الدنيا بالدنيا ونحو ذلك: فمكروه شديد الكراهة، وقال المتولي: لا يجوز، فأشار إلى تحريمه.

” المجموع شرح المهذب ” ( 4 / 636 ).

وقال:

وتقبيل رأسه ورِجله: كيَده.

” المجموع شرح المهذب ” ( 4 / 636، 637 ).

  1. أن لا يُفعل هذا التقبيل مع من يحرص عليه، ومن حرص على أن يقبِّل الناس يده: لم يستحق تقبيلها، فكيف بتقبيل رجليه؟!.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وأما ابتداء مدِّ اليدِ للناس ليقبِّلوها، وقصده لذلك: فيُنهى عن ذلك، بلا نزاع، كائنًا من كان، بخلاف ما إذا كان المقبِّل المبتدئ بذلك.

” المستدرك على مجموع الفتاوى ” ( 1 / 29 ).

* وقال الشيخ العثيمين – رحمه الله -:

الذي يُنتقد من بعض الناس: أنه إذا سلَّم عليه أحد: مَدّ يده إليه، وكأنه يقول: قَبِّل يدي ! فهذا هو الذي يُستنكر، ويقال للإنسان عندئذ: لا تفعل.

” شرح رياض الصالحين ” ( 4 / 452 ).

  1. أن لا يكون هذا التقبيل إلا نادرًا، وحيث يقتضيه الفعل، لا في كل مرة يلقاه فيها.

 

 

 

* قال الشيخ العثيمين – رحمه الله -:

أما مَن يقبِّل يدك تكريمًا، وتعظيمًا، أو رأسك، أو جبهتك: فهذا لا بأس به، إلا أن هذا لا يكون في كل مرة يلقاك؛ لأنه سبق أن الرسول صلى الله عليه وسلم سئل عن ذلك إذا لاقى الرجل أخاه أينحني له؟ قال: ( لا ) قال: أيقبله ويعانقه؟ قال: ( لا )، قال: أيصافحه؟ قال: ( نعم ).

لكن إذا كان لسبب: فلا بأس للغائب.

” شرح رياض الصالحين ” ( 4 / 452 ).

 

خامسًا:

وأما بخصوص ” طاهر القدري “: فليس عندنا معلومات وافية عنه، وبكل حال: فمن استدل بالضعيف، أو الموضوع، من الأحاديث: ردَّ عليه ن ولم يُلتفت لقوله، وقد أغنانا الله تعالى بما ثبت في صحيح السنَّة.

 

والله أعلم.

 

يمر بأزمة مالية، ويقيم في بلاد غربية مع والديه، ومحرج من طلب رجوعهما لبلدهما

يمر بأزمة مالية، ويقيم في بلاد غربية مع والديه، ومحرج من طلب رجوعهما لبلدهما

السؤال:

يعيش كلٌّ من والداي وإخوتي البنات في بيتهم في الجزائر، وأعيش في لندن، وقد قمت مؤخرًا بامتلاك بيت جديد، وجاء كل من أبواي وإخوتي ليسكنوا معي منذ ذلك الحين، وقد تركوا البيت القديم لإخوتي الذكور – اثنين – ، والآن تغيرت الظروف ووجدت نفسي في ضائقة مالية صعبة، وقد أصبحت كبيرا أيضا.

وسؤالي هو: هل يمكنني أن أسال والداي العودة على بيتهم القديم في الجزائر الذي ما زالوا يملكونه، والذي يسكنه أخواي وزوجتاهما وأبناؤهما؟ كما أنه ليس لدي سوى خيارين إما أن أبيع البيت، أو أن أتزوج، وأعيش فيه مع زوجتي، وهذا ليس بالأمر الهين بالنسبة لي، على أية حال فلا أستطيع العيش وأنا أشعر بالإثم.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نشكر فيك أخي السائل حرصك على بر والديك، وخشيتك من الوقوع في الإثم فيما تسأل عنه من التصرف حيالهما، ونسأل الله أن يُعظم لك الأجر، وأن يوفقك لما فيه رضاه.

ثانيًا:

لا شك أنه من المؤلم أن تواجه والديك بضرورة خروجهما من بيتك، ورجوعهما إلى بلدهما، مع بقائك أنت فيهما، وخاصة إن كان السبب هو تزوجك، وإحضار تلك الزوجة لتحل محلهما ، ونحن نقدِّر ذلك ، ونشعر به ، ولكن ثمة خيار لم تذكره، ونحن نرى أنه الخيار الشرعي المطابق للشرع، والملائم لحالتك، وهو: رجوعك مع والديك إلى بلدكما الأصلي، وترك تلك الديار التي تسكنها، وتزوجك في بلدك من مسلمة، تقية، وشراء بيت جديد يسعك ووالديك، أو توسعة بيتهما القديم ليسع الأسرة جميعها.

* وفي هذا الحل عدة فوائد:

  1. ترك بلاد الكفر التي تسكنها، والتي أسكنتَ فيها والديك.
  2. عدم إيذاء والديك بخيار خروجهما من بيتك.
  3. تزوجك من امرأة من أهل دينك، وبلدك.
  4. تجميع الأسرة جميعها في مكان واحد، وعدم التسبب في تفرقها.
  5. بقاء أخويك في بيت والديك، وعدم خروجهما منه.

هذا ما نرى أنه الخيار الأسلم، لك، ولأهلك جميعا، فإن أبيتَه، وأبيت إلا البقاء في تلك الديار: فنرانا مضطرين لنصحك بالخيار الآخر، وهو أقل الشرَّيْن، وأهون الخطبيْن، وهو أن تبيع بيتك، ثم تنفق ثمنه في أمرين:

الأول: في إرجاع والديك لبلدهما، مع توسعة بيتهما ببناء يسعهما، ويكفيهما.

والثاني: في زواجك بذات دين، وإعفاف نفسك، والسكن في بيت مستأجَر، حتى يوسع الله عليك.

ونوصيك بالتأمل في الحكم الشرعي في بقائك في تلك الديار، فلعلك أن تستجيب لما نصحناك به، وأن تترك ذلك لله تعالى، وأنت موعود بأن يعوضك الله خيراً منه.

عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِنَّكَ لَنْ تَدَعَ شَيْئًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا بَدَّلَكَ اللَّهُ بِهِ مَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ مِنْهُ ). رواه أحمد ( 22565 ) ، وصححه الألباني في ” حجاب المرأة المسلمة ” ( ص 47 ) ، وصححه محققو مسند ” أحمد بن حنبل ” ( 23074 ).

قد ذكرنا في أجوبة كثيرة مسألة الإقامة في بلاد الكفر، والمفاسد المترتبة على ذلك، والشروط الواجب توفرها في المقيم إن أقام لعذر شرعي يبيح له تلك الإقامة، فانظر أجوبة تلك الأسئلة.

 

والله أعلم.

 

 

حال كثير من النشيد والمنشدين الآن، وكيف نعالج تعلق الناس بهما

حال كثير من النشيد والمنشدين الآن، وكيف نعالج تعلق الناس بهما

السؤال:

نريد خطة لمشروع مقاطعة النشيد (الايقاع):

نحن – يا شيخ – طالبات في الجامعة، وكما تعلمون: ازداد في الفترة الأخيرة الأناشيد التي تحتوي على الإيقاع، والموسيقى – والله المستعان -، وكما تعلمون: القليل من يقتنع بتحريم هذه الأناشيد، ونحن نريد حلاًّ، أصبح الوضع مبكيًا؛ لما نراه من حال المنشدين،  وبالأخص المسلمين، وكما تعلم – يا شيخ – نحن في ” غزة ” نعيش وضعاً صعبًا، وكان في الآونة الأخيرة الحرب على ” غزة “، ولعل من أسباب النصر التي يجب علينا أن نتبعها: الرجوع إلى الله، وهذه الأناشيد شبيهة بالأغاني، فيا شيخنا الفاضل نريد أن نعمل مشروع ” المقاطعة “، فهلا أكرمتنا بخطط، أو فوائد في ذلك؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا شك أن ما تذكرونه عن حال النشيد والمنشدين لم يعد خافيًا على أحد، وقد ظهرت نكارته التي حذَّر العلماء من الوقوع فيها، ولم يعد المشاهد والمستمع العادي يفرِّق بين ” منشد ” و ” مغنِّي ” لا في الكلمات، ولا في الألحان، ولا في المعازف، ولا في الجمهور، ولا في الهيئة، فتجد المنشد حليقًا أو شبه حليق، مع لبس بنطال ضيق، أو ثوب مسبل، وتجد جمهوره يصفِّق، ويصفِّر، وهو مختلط من النساء والرجال، وتجد آلات الطرب تصدح إما أمامه، أو خلف الكواليس، وتجد ألحان أناشيد فيها التمييع، والتطريب، والآهات، مع حركات أيدي، وتغميض عينين، وتجد كلماتها فيها تهييج مشاعر، أو وطنية عنصرية، أو توسل بالرسول صلى الله عليه وسلم، أو تغزل بالمدينة النبوية، هذا حال أكثر المنشدين وأناشيدهم هذه الأيام، وللأسف الشديد، فلا عجب بعدها أن تسمع عن ترك واحد منهم للاستقامة، وتخليه عن الهداية، ولا تعجب من تحول بعضهم إلى الغناء الصرف! وهو إمام مسجد في الأصل! ويقول بما نذكره عنهم ها هنا ومن قبل أنه لا فرق بينهم وبين المغنين، لذا فإنه كان ” صريحًا “! مع نفسه، و ” واضحًا” مع جمهوره، فالتحق بركب الغناء، وسار مع قافلة المغنين، والله المستعان.

البيان لأخطاء بعض الكتاب – ( ص 319، 320 ).

 

 

 

والعلماء لا ينكرون النشيد من حيث الأصل، وإنكارهم إنما هو لما أُدخل فيه من أمور مخالفة للشرع، وقد ذكرنا ملاحظات العلماء على هذه الأمور، وتحذيرهم منها، وخشيتهم من وجود الأسوأ، فانظر هذا كله في أجوبتنا الأخرى.

وبعد أن ذكر الشيخ صالح الفوزان حفظه الله خشيته من حصول ما هو أسوأ مما هو موجود الآن: علَّق على ذلك فيما بعد، فقال:

ولقد حصل ما خشينا منه من التطور، فيما يسمَّى بـ ” النشيد الإسلامي “، فقد أخبرني بعض الإخوة من طلاب العلم عن انتشار أشرطة كثيرة جدّاً في بلاد الشام اليوم ، يصاحب المنشدَ فيها الآلة ، حتى أصبحت أقرب إلى الغنا ؛ من أمثال أشرطة ” السرميني “، و ” الترمذي “، و ” أبي راتب “، و ” البراعم المؤمنة ” … وغيرها من الأسماء التي لا يحصرها عدد،  والتي تعمل مراكز الأشرطة، والفيديو، عندهم ليل نهار عليها، وبأرباح تفوق أرباحها من الغناء الماجن ، حتى إن بعض دور النشر في ” عمَّان ” قد فرغت نفسها لنشر هذه الأشرطة على أنه عمل إسلامي دعوي! والذين يتتبعون هذه الأشرطة من شباب المسلمين من الأحزاب المختلفة لا يقبلون أي غمز، أو اتهام في شأنها؛ فهي عندهم حل إسلامي ضروري، وملحّ، ويكاد يكون جزءًا من الدِّين، وكل من يتناول هذه الأشرطة بسوء: فهو متحجر، ومتشدد، وأصولي ، ولا يعيش واقع عصره! وأشد من ذلك: أنه قد حدثني أحد المشايخ أنه سمع شريطًا قد لحنت فيه بعض سور القرآن مع الموسيقى على شكل ” أناشيد ”  نعوذ بالله من هذا العمل، ومن أهله . ” البيان لأخطاء بعض الكتَّاب ” ( ص 319 ).

ثانيًا:

وحتى تثمر جهودكم في الحد من الظاهرة المؤسفة المنتشرة باسم الدين: فإننا ننصحكم بما يلي:

  1. التلطف في الإنكار على المخالف؛ فإنه من المعلوم تعلق قلوب كثيرين، وكثيرات! بالنشيد، والمنشدين، فليس من السهل عليهم ترك ذلك إذا استخدمت الشدة في الإنكار عليهم.
  2. إبراز فتاوى العلماء بتحريم هذه الأناشيد التي وقعت فيها مخالفات شرعية.
  3. إظهار البديل الجاد، الذي لم تقع فيها مخالفات شرعية.
  4. بيان أهمية العلم الشرعي، وبذل المزيد من الجهود والأوقات في تحصيله، والتركيز على حفظ القرآن، وبيان فضل وأجر حفظه، والمشتغل في حفظ القرآن والعلم الشرعي لا يجد وقتاً يلهو به بهذه الأناشيد، ويضيع وقته في سماعها، على حساب واجب شرعي، وهو طلب العلم.
  5. ذِكر أثر النشيد على قلوب مستمعيه، وخاصة المكثر منها، وقد تعدى أثر ذلك إلى التعلق بذات المنشدين، كما هو معروف من خلال المنتديات، ومن خلال أصحاب التسجيلات، وكثير من الناس لا ينتبه لأثر ما يفعله حتى يقع في الفتنة، فتحذير هؤلاء الناس من التمييع الحاصل في الأناشيد، ومن التمايل، وغير ذلك من المخالفات – وخاصة في ” الفيديو كليب ” – هو من المهم بمكان، حتى يؤدي المسلم واجب النصيحة المؤتمن عليها.

 

– ونسأل الله أن يعينكم على أداء رسالتكم، وأن يسددكم، ويوفقكم لما فيه رضاه.

 

والله أعلم.

 

 

هما على علاقة هاتفية محرَّمة ويخيرها بين قبوله زوجًا أو رجوعه للمعاصي!

هما على علاقة هاتفية محرَّمة ويخيرها بين قبوله زوجًا أو رجوعه للمعاصي!

السؤال:

أنا بنت، أخاف الله كثيرًا، تعرفت على شاب عبر الهاتف بقصد الزواج، وهو كذلك ، لكن هناك مشكلة، هو يتكلم في ” الحب “، و ” الغرام ” ، إنه يقول: ” قولي لي ” أحبك “، وإلا  لن أتزوج بك، أنتِ لا تحبيني “، وهو لا يعرف عن الدّين، ويريد أن يتوب، يسألني أيضًا عن العلاقات الجنسية بين الرجل فيما تجوز وما لا تجوز، وأنا هذا الشيء رفضته، لكن في مرات أجيب عليه! لأني أحبه، هل يجوز أن أستمر معه وهو في هذا يتكلم معي في حبه؟ وكان له علاقات جنسية مع بنات، وعندما عرفني تاب عنها، وقال: إن لم تتزوجي بي سأرجع إليها، وتكوني أنتِ السبب، وأنا خائفة إن تركته أن يذهب، ويرجع إلى المعاصي، وأكون مذنبة في ذلك، وهل أضحي وأتزوجه؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نشكر لك مراسلتك لنا، وحرصك على معرفة الصواب مما ستتخذينه من قرار، ونسأل الله أن يوفقنا لدلالتك على ما ينفعك في قبرك، وعند لقاء ربك.

ثانيًا:

نعتب عليك في البداية وقوعك في معصية العلاقات المحرمة عبر الهاتف مع أجنبي عنك، وهو ما جرَّك للكلام في الحب، والغرام، واستثارة الشهوات الكامنة عند الطرفين، وقد كانت مثل هذه العلاقات المحرمة سببًا لوقوع كثير من الناس في فاحشة الزنا، وإنما نهينا عن اتباع خطوات الشيطان من أجل أن لا نقع في المحذور العظيم من كل ذنب من الذنوب.

وبما أنك قلت عن نفسك ” إنك تخافين الله “: فكان الواجب عليك تفعيل ذلك الخوف في تلك العلاقة الآثمة، واستشعار رقابة الله تعالى عليك، والخوف من ارتكاب الذنوب، والخوف من الموت على تلك المعاصي قبل التوبة والاستغفار.

والخوف من الله من أعظم ما يدفع به المسلم عن نفسه الإمارة بالسوء فعل المعاصي، ومن أمثلة ذلك وأدلته:

  1. قال تعالى عن ابن آدم مخاطباً أخاه: ( لَئِنْ بَسَطْتَّ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ) المائدة/ 28.
  2. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ … وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ إِلَى نَفْسِهَا قَالَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ ). رواه البخاري ( 6421 ) ومسلم ( 1031 ).

ولا يؤدي الخوف من الله للكف عن المعصية فحسب، بل يؤدي إلى أداء الواجبات، والقيام بالنوافل والمستحبات، بل ولترك الفضول في كل شيء مما لا ينفع صاحبه عند ربه.

* قال ابنُ رَجَب الحنبلي – رحمه الله -:

والقدرُ الواجبُ مِن الخَوفِ: مَا حَمَلَ عَلَى أداء الفَرائضِ، وَاجتنابِ المَحَارمِ، فَإنْ زَادَ عَلَى ذَلكَ بحيث صَارَ بَاعِثاً للنّفوسِ عَلَى التشميرِ في نوافل الطاعاتِ، وَالانكفافِ عَنْ دقائق المكروهاتِ، وَالتبسطِ في فُضولِ المُبَاحاتِ: كَانَ ذَلكَ فَضْلًا مَحْمودًا. ” التخويف من النار ” ( ص 20 ).

ولعل رسالتك هذه أن تكون خطوة مباركة، متقدمة، في سلوك طريق التوبة الصادقة، والكف عن هذا الذنب، وغيره.

ثالثًا:

وأما النصيحة المباشرة في الموضوع: فهو الترك الفوري للمحادثات الهاتفية مع أي رجلٍ أجنبي عنك، والكف الفوري عن الرجل الذي هو موضع سؤالك، ونرجو أن لا تترددي في ذلك، ولنا أسبابنا لنصحك بذلك، ومنها:

  1. قد ثبت بما لا مجال للشك فيه: أن الزواج عن طريق الهاتف، والإنترنت، بل وعموم العلاقات المحرمة قبل الزواج: أن مصيره إلى الفشل، وأنه سبب للهموم، والغموم، والشكوك، التي تصاحب الزوجين، إن لم يحصل طلاق، وأنتِ قد أغناك الله باستقامتك على دينه، فلا تتورطي فيما تندمين عليه في قابل الأيام.
  2. أن هذا الرجل الذي يتجرأ على فعل المحرمات الآن، ولا يبدو منه أثر توبة، وخوف من الله: ليس بالذي يصلح زوجاً لك، يرعاك، ويؤدبك، ويربي أولادك، فلا تجعلي من حياتك محط تجربة لشيء فاسد ترينه أمام ناظريك، وفي الخلق من أهل الاستقامة، والدِّين، من هو أليق وأفضل بأن يكون زوجًا لك، ومثل هذا لا يؤسف عليه، وعنده من النساء غيرك ما يتسلى به عنك، ولا تظني للحظة أنه يريدك زوجة عفيفة، مصونة، مكرمة، بل يريد هذا وأمثاله العبث، والتسلية، وعند إرادة الزواج حقيقة يبحث عمن ليس لها ماضٍ، ولا تخاطب الرجال الأجانب، وباختصار يبحث عن غيرك!.
  3. تهديده بأن يرجع لفعل المعاصي إن لم تقبلي به زوجًا: يؤكد ما قلناه سابقًا عنه، ويؤكد أنه ليس بالحريص على التوبة الصادقة، بل هو ليس بصادق أصلًا، ولو أراد التوبة من معاصيه، ولو خاف من ذنوبه أن تلحق به نارها، أو أن يرجع إليها: لما جعلك بينه وبينها، بل لبادر إلى التوبة بينه وبين الله، ولخاف على نفسه الوقوع فيما يُغضب ربه، وليس الصادق في التوبة من يقول لغيره: إن لم تفعل لي كذا: سأعصي ربي، وأغضبه! بل هذا حال العابثين، والمستهزئين بشرع الله، والراغبين بفعل الموبقات.

 

فالحذر الحذر من المكالمات الهاتفية معه، ومع غيره، والحذر الحذر من الاغترار بكلامه، وتحميل نفسك مسئولية هدايته، والحذر الحذر من قبوله زوجًا.

هذه نصيحتنا، وهذه وصيتنا، ونسأل الله أن يهدي قلبك لعقلها، وفهمها، وتنفيذها.

 

والله أعلم.

 

مسائل في أصل خلق الجنين، وفي كونه ذكَرًا أو أنثى، وفي شبهه بأبيه أو أمه

مسائل في أصل خلق الجنين، وفي كونه ذكَرًا أو أنثى، وفي شبهه بأبيه أو أمه

السؤال:

قرأت بعض الأحاديث عن تكون الجنين، والتي أوردها ابن القيم في كتابه ” التبيان في أقسام القرآن “، ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا سبق ماء الرجل ماء المرأة كان الجنين ذكرًا وإذا سبق ماء المرأة الرجل كان الجنين أنثى … ) ثم ذكر حديثًا آخر أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل من ماذا خُلق الإنسان؟ فأجاب صلى الله عليه وسلم قائلًا ( من ماء الرجل والمرأة معًا، فماء الرجل تُخلق منه العظام والأعصاب لأنه غليظ ، وماء المرأة يُخلق منه الدم واللحم لأنه ليّن )، هل من الممكن شرح وتوضيح هذه الفكرة على ضوء هذين الحديثين؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الحديث الثاني المذكور في السؤال، وهو موضع الإشكال عند الأخ السائل – كما يظهر : لا يصح، وهذا لفظه، وكلام الأئمة عليه:

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُود قَالَ : مَرَّ يَهُودِيٌّ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُحَدِّثُ أَصْحَابَهُ فَقَالَتْ قُرَيْشٌ يَا يَهُودِيُّ إِنَّ هَذَا يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ فَقَالَ لَأَسْأَلَنَّهُ عَنْ شَيْءٍ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا نَبِيٌّ قَالَ فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ ثُمَّ قَالَ يَا مُحَمَّدُ مِمَّ يُخْلَقُ الْإِنْسَانُ قَالَ يَا يَهُودِيُّ مِنْ كُلٍّ يُخْلَقُ مِنْ نُطْفَةِ الرَّجُلِ وَمِنْ نُطْفَةِ الْمَرْأَةِ فَأَمَّا نُطْفَةُ الرَّجُلِ فَنُطْفَةٌ غَلِيظَةٌ مِنْهَا الْعَظْمُ وَالْعَصَبُ وَأَمَّا نُطْفَةُ الْمَرْأَةِ فَنُطْفَةٌ رَقِيقَةٌ مِنْهَا اللَّحْمُ وَالدَّمُ فَقَامَ الْيَهُودِيُّ فَقَالَ هَكَذَا كَانَ يَقُولُ مَنْ قَبْلَكَ. رواه أحمد في ” مسنده ” ( 7 / 437 ).

* قال الشيخ أحمد شاكر – رحمه الله -:

إسناده ضعيف؛ لضعف حسين بن الحسن، وهو الأشقر، كما بينا ضعفه في (888 ). والحديث في ” مجمع الزوائد ” ( 8 / 241 )، وقال: ” رواه أحمد والطبراني والبزار بإسنادين، وفي أحد إسناديه عامر بن مدرك، وثقه ابن حبان، وضعفه غيره، وبقية رجاله ثقات، وفي إسناد الجماعة عطاء بن السائب، وقد اختلط “.

” مسند أحمد ” تحقيق الشيخ أحمد شاكر ( 6 / 199 ).

وكذا ضعفه محققو المسند ( 7 / 437 ) طبعة الرسالة، وقالوا:

إسناده ضعيف؛ لضعف حسين بن الحسن، وهو الأشقر، وعطاء بن السائب اختلط بأخرة، ولم نقف على سماع أبي كدينة – وهو يحيى بن المهلب – منه، هل كان قبل الاختلاط أم بعده، وعبد الرحمن والد القاسم – وهو ابن عبد الله بن مسعود – لم يثبت سماعه لهذا الحديث من أبيه، فهو إنما سمع من أبيه شيئًا يسيرًا.  انتهى.

ومع ضعف سند الحديث: فإن في متنه إشكالًا، حيث ذُكر فيه أن لحم الجنين يكون من نطفة الأم، وعظمه من نطفة الأب، وظاهر النصوص أن اللحم والعظم من مجموع النطفتين.

* ونقل محققو المسند عن نور الدين أبي الحسن السندي رحمه الله قوله:

قوله ( وَأَمَّا نُطْفَةُ الْمَرْأَةِ فَنُطْفَةٌ رَقِيقَةٌ مِنْهَا اللَّحْمُ وَالدَّم ): قلت: ظاهر القرآن، وهو قوله تعالى ( ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً ) الآية – المؤمنون/من الآية 14 -: يدل على أن مجموع النطفتين يصير عظامًا. انتهى.

ثانيًا:

وأما خلق الجنين، وكونه ذكرًا أو أنثى، وشبهه بأبيه، أو أمه: فكلها مسائل لها ما يدل عليها من الكتاب والسنَّة، وفيها خلاف بين العلماء، ونحن نذكر ذلك مختصرًا:

  1. خلق الجنين:

قال تعالى: ( فَلْيَنظُرِ الإنسان مِمَّ خُلِقَ . خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ . يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرَائِبِ ) الطارق/ 5 – 7.

وقد اختلف العلماء في معنى هذه الآية، ورجحنا قول طائفة من المفسرين والعلماء أن ” الصلب ” – وهو الظهر -، و ” الترائب ” – وهي عظام الصدر -: هي للرجل نفسه.

  1. الذكورة والأنوثة، والشبه:

وفي هذا خلاف كبير بين العلماء المتقدمين والمعاصرين، ونحن نذكر طائفة من الأحاديث في المسألة، ثم نختار أشهر أقوال العلماء فيها.

  1. عن أَنَسٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلاَمٍ بَلَغَهُ مَقْدَمُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الْمَدِينَةَ، فَأَتَاهُ يَسْأَلُهُ عَنْ أَشْيَاءَ، فَقَالَ إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ ثَلاَثٍ لاَ يَعْلَمُهُنَّ إِلاَّ نَبِيٌّ: مَا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ؟ وَمَا أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ؟ وَمَا بَالُ الْوَلَدِ يَنْزِعُ إِلَى أَبِيهِ أَوْ إِلَى أُمِّهِ؟ قَالَ: ( أَخْبَرَنِى بِهِ جِبْرِيلُ آنِفًا ، قَالَ ابْنُ سَلاَمٍ: ذَاكَ عَدُوُّ الْيَهُودِ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ، قَالَ: ( أَمَّا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ فَنَارٌ تَحْشُرُهُمْ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ، وَأَمَّا أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ، فَزِيَادَةُ كَبِدِ الْحُوتِ، وَأَمَّا الْوَلَدُ، فَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ الْمَرْأَةِ نَزَعَ الْوَلَدَ، وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الْمَرْأَةِ مَاءَ الرَّجُلِ نَزَعَتِ الْوَلَدَ )، قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ. رواه البخاري ( 3723 ).

– ومعنى ( ينزع ): يذهب إليه – أو إليها – بشبهه.

  1. عن ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: كُنْتُ قَائِمًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَاءَ حِبْرٌ مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ … قَالَ: جِئْتُ أَسْأَلُكَ عَنْ الْوَلَدِ، قَالَ: ( مَاءُ الرَّجُلِ أَبْيَضُ وَمَاءُ الْمَرْأَةِ أَصْفَرُ فَإِذَا اجْتَمَعَا فَعَلَا مَنِيُّ الرَّجُلِ مَنِيَّ الْمَرْأَةِ أَذْكَرَا بِإِذْنِ اللَّهِ، وَإِذَا عَلَا مَنِيُّ الْمَرْأَةِ مَنِيَّ الرَّجُلِ آنَثَا بِإِذْنِ اللَّهِ ) قَالَ الْيَهُودِيُّ: لَقَدْ صَدَقْتَ.

رواه مسلم ( 315 ).

  1. عن أُمِّ سُلَيْمٍ أَنَّهَا سَأَلَتْ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْمَرْأَةِ تَرَى فِي مَنَامِهَا مَا يَرَى الرَّجُلُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِذَا رَأَتْ ذَلِكِ الْمَرْأَةُ فَلْتَغْتَسِلْ ) فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ – وَاسْتَحْيَيْتُ مِنْ ذَلِكَ – قَالَتْ: وَهَلْ يَكُونُ هَذَا؟ فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( نَعَمْ فَمِنْ أَيْنَ يَكُونُ الشَّبَهُ، إِنَّ مَاءَ الرَّجُلِ غَلِيظٌ أَبْيَضُ وَمَاءَ الْمَرْأَةِ رَقِيقٌ أَصْفَرُ فَمِنْ أَيِّهِمَا عَلَا أَوْ سَبَقَ يَكُونُ مِنْهُ الشَّبَهُ ). رواه مسلم ( 311 ).
  2. عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ تَغْتَسِلُ الْمَرْأَةُ إِذَا احْتَلَمَتْ وَأَبْصَرَتْ الْمَاءَ؟ فَقَالَ: ( نَعَمْ )، فَقَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ تَرِبَتْ يَدَاكِ وَأُلَّتْ، قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( دَعِيهَا، وَهَلْ يَكُونُ الشَّبَهُ إِلَّا مِنْ قِبَلِ ذَلِكِ إِذَا عَلَا مَاؤُهَا مَاءَ الرَّجُلِ أَشْبَهَ الْوَلَدُ أَخْوَالَهُ وَإِذَا عَلَا مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَهَا أَشْبَهَ أَعْمَامَهُ ).

رواه مسلم ( 314 ).

قولها ( وأُلَّت ) هو بضم الهمزة، وفتح اللام المشددة، وإسكان التاء، ومعناه: أصابتها الأَلَّة، بفتح الهمزة، وتشديد اللام، وهي الحرْبة، كذا قاله النووي في ” شرح مسلم ” ( 3 / 225 ).

ونذكر هنا قولين لأهل العلم في معنى تلك الأحاديث السابقة، ومرجع الكلام إنما هو في فهم معنى ” السبق “، و ” العلو “.

أ. * قال ابن القيم – رحمه الله – :

إن سبق أحد الماءين سبب لشبه السابق ماؤه، وعلو أحدهما: سبب لمجانسة الولد للعالي ماؤه، فها هنا أمران: سبق، وعلو، وقد يتفقان، وقد يفترقان، فإن سبق ماءُ الرجل ماءَ المرأة، وعلاه: كان الولد ذكرًا، والشبه للرجل، وإن سبق ماءُ المرأة، وعلا ماءَ الرجل: كانت أنثى، والشبه للأم، وإن سبق أحدُهما، وعلا الآخر: كان الشبه للسابق ماؤه، والإذكار، والإناث لمن علا ماؤه.

” تحفة المودود بأحكام المولود ” ( ص 278 ).

ب. * وقال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

ووقع عند مسلم من حديث عائشة ( إذا علا ماء الرجل ماء المرأة أشبه أعمامه، وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل أشبه أخواله ) ونحوه للبزار عن ابن مسعود وفيه  ( ماء الرجل أبيض غليظ وماء المرأة أصفر رقيق فأيهما أعلى كان الشبه له )، والمراد بالعلو هنا: السبق؛ لأن كلَّ مَن سبق: فقد علا شأنه، فهو علوٌّ معنوي.

وأما ما وقع عند مسلم من حديث ثوبان – رفعه – ( ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر فإذا اجتمعا فعلا منيُّ الرجل منيَّ المرأة أذكرا بإذن الله، وإذا علا منيُّ المرأة منيَّ الرجل آنثا بإذن الله ): فهو مُشكل من جهة أنه يلزم منه اقتران الشبه للأعمام إذا علا ماء الرجل، ويكون ذكرًا، لا أنثى، وعكسه، والمشاهد خلاف ذلك؛ لأنه قد يكون ذكرًا ويشبه أخواله، لا أعمامه، وعكسه، قال القرطبي: يتعين تأويل حديث ” ثوبان ” بأن المراد بالعلو: السبق، قلت: والذي يظهر: ما قدمتُه، وهو تأويل العلو في حديث عائشة، وأما حديث ثوبان: فيبقى العلو فيه على ظاهره، فيكون السبق علامة التذكير والتأنيث، والعلو علامة الشبه، فيرتفع الاشكال، وكأن المراد بالعلو الذي يكون سبب الشبه: بحسب الكثرة، بحيث يصير الآخر مغمورًا فيه، فبذلك يحصل الشبه، وينقسم ذلك ستة أقسام:

الأول: أن يسبق ماءُ الرجل، ويكون أكثر، فيحصل له الذكورة، والشبه.

والثاني: عكسه.

والثالث: أن يسبق ماءُ الرجل، ويكون ماء المرأة أكثر، فتحصل الذكورة، والشبه للمرأة.

والرابع: عكسه.

والخامس: أن يسبق ماءُ الرجل، ويستويان، فيذكر، ولا يختص بشبَه.

والسادس: عكسه. ” فتح الباري ” ( 7 / 273 ).

 

* فتلخص مما سبق:

أ. أن ابن القيم رحمه الله يرى في تفسير ” السبق “، و ” العلو ” إلى أن سبق أحد الماءيْن: سبب لشبه السابق ماؤه، وعلوُّ أحدهما: سببٌ للتذكير والتأنيث.

ب. وذهب ابن حجر رحمه الله إلى أن السبق علامة التذكير والتأنيث، والعلو علامة الشبه.

والأمر محتمل، ولعلَّ الحقائق – لا النظريات – الطبية الحديثة أن تقوي أحد القولين، ويمكن الرجوع إلى الكتب المتخصصة في الموضوع لزيادة المعرفة.

 

والله أعلم.

يعترض على مغفرة الله لسيئات الكافر إن هو أسلم، ومحاسبة الله للمسلم العاصي!

السؤال:

يعترض على مغفرة الله لسيئات الكافر إن هو أسلم، ومحاسبة الله للمسلم العاصي!

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

قبل الإجابة لا بد من التنبيه على أمرٍ جلل، وهو أنه يحرم الكلام في دين الله تعالى بغير علم وهدى.

قال تعالى: ( قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ) الأعراف/ 33.

كما وأنه يحرم الاعتراض على شرع الله في أحكامه، بل يجب التسليم، ولا مانع من السؤال عما خفي حكمه، أو حكمته، لكن ليس أن يبدأ بالاعتراض والرد.

قال تعالى: ( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) النساء/ 65.

فنحن وإن كنا فرحين بمراسلتك لنا، واستفسارك عن المسألة، لكن قد أحزننا ذلك الكلام، وذلك الحوار بينك وبين صاحبك، وكان يسعكما الوقوف في المسألة، والتحاكم عند واحد من أهل العلم قبل ذلك الخوض، والأخذ والرد، والاعتراض، وعسى الله أن يرحمنا وإياكم، وأن يغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا.

 

ثانيًا:

أيها الأخ السائل:

لنا مع كلامك الذي سطرته آنفاً وقفات، نرجو تأملها، والتفكر بها:

  1. ما كان ينبغي لك الاعتراض على رحمة الله، وفضله، وكرمه، وأنت أحوج ما تكون لذلك؛ لأنه لا بدَّ أن يقع منك تقصير في حق الله، ما تحتاج معه لرحمة ربك تعالى، واعلم أن ما تقدمه من أعمال لا يؤهلك لدخول الجنة به، ولا يدخل أحدٌ الجنَّة – حتى النبي محمد صلى الله عليه وسلم – إلا برحمته عز وجل.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لَنْ يُنَجِّيَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ . قَالُوا: وَلا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: وَلا أَنَا، إِلا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ). رواه البخاري ( 6098 ).

 

 

  1. واعلم أن فضل الله تعالى على الناس عظيم، فهو يغفر الذنب مهما عظم، ويقبل التوب من التائب، بل ويفرح بتوبة عبده – مع استغنائه عز وجل عن جميع خلقه -، ليس هذا فحسب، بل ويبدل سيئاته حسنات! ولا فرق في هذا بين كافر أسلم، وبين عاصٍ تاب.

قال تعالى: ( وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا. يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا. إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ) الفرقان/ 68 – 70.

ومما لا شك فيه أن أمر التوبة من المعصية أهون من إسلام الكافر، فأنت تتقلب في نعم الله تعالى، والتوفيق للتوبة والاستغفار توجد له أسبابه الكثيرة وأنت في دائرة الإسلام، وأنَّى يكون مثل هذا لكافر يحتاج أولًا أن يتخلى عن دينه، ثم يدخل في الإسلام؟! ولعظم أمر التخلي عن التدين بغير الإسلام، وعظم التخلي عن المعصية: وعد الله تعالى جميع هؤلاء بمغفرة ذنوبهم، وإبدالها حسنات إن هم فعلوا الصواب، فأسلم الكافر، وتاب العاصي، وهذا من عظيم فضل الله تعالى ورحمته.

فاعتراضك على أن الله يسألك عن ذنوبك، ولا يسأل الكافر إذا أسلم: في غير محله؛ لأنه جاء بما يمحو ذنوبه كلها، فبماذا جئت أنت؟ وما هو مطلوب منك أنت أيسر مما هو مطلوب منه، فمن يقال له: دع دينك الذي أنت عليه: يُغفر لك ذنبك: أتساويه بمن يقال له من المسلمين: تب من معصيتك : يُغفر لك ذنبك؟! فمن جاء بما يمحو به ذنبه من إسلام، أو هجرة، أو توبة، أو حد يقام عليه: غفر له ذنبه، ومن لم يأت من ذلك بشيء فهو إلى الله إن شاء غفر له، وإن شاء عذَّبه، إلا أن يلقى الله تعالى بالكفر، فمثله لا يغفر الله له.

قال تعالى: ( إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا ) النساء/ 48.

وهذا وجه آخر في الرد على كلامك: وهو أن لقاء المسلم ربه بذنوبه لا يعني الجزم بتعذيبه عليها، بل قد يغفرها الله له، بخلاف الكافر فإنه مهما جاء به من أعمال حسنة فإنه إن لم يتب منها بدخوله في الإسلام: فإنه غير معرَّض للمغفرة، بل هو خالد في نار جهنم أبدًا.

  1. وهل تظن الأمر بهذه السهولة حتى تعترض عليه؟! فهل كل من جاء بالكفر، والمعاصي الكبيرة والصغيرة هل تظن مثل هؤلاء يوفق للإسلام قبل وفاته؟ وهل يعلم أحد متى تأتيه منيته؟ وهل يجزم أحد بتوبته قبل لقاء ربه؟ هذا أبو طالب مثال، فقد كان مدافعًا عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومقتنعًا بصدقه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم هو بنفسه الداعي له للدخول في الإسلام بكلمة واحدة، فهل قالها؟ هل وُفِّق لقولها؟ وهل انتفع والد إبراهيم بدعوة ابنه عليه السلام؟ وهل انتفعت امرأة نوح وولدها بدعوة نبي الله نوح عليه السلام؟ ليس الأمر كما ظننته أخي السائل بهذه السهولة، أن يكفر الكافر ثم يسلم وقتما شاء، أو يعصي العاصي ثم يتوب وقتما شاء، بل ليته كذلك، وهو أمر لا يزعجنا، ولا نحزن له، بل المسألة متعلقة بتوفيق الله، وهدايته، وبما تكنه صدورهم من حب الخير لأنفسهم، والبحث عن الحق.
  2. وكما أن الله تعالى يقبل توبة العاصي، وإسلام الكافر، قبل موتهما – ما لم يغرغرا – : فإنه يُحبط عمل المسلم إذا ختم حياته بردة ، ولو قضى عمر كله في الطاعة، فعاد الأمر إلى صدق الباطن وكذبه عند الطرفين، ولا علاقة لحياة الأول المليئة بالكفر والمعاصي، ولا حياة الثاني المليئة بالطاعة، بل العبرة بالخواتيم، ولا تغتر بما يظهر لك من نفسك، ومن الناس، واحرص على صلاح الباطن، فالأمر بما يعلمه الله بما في بواطن الناس لا بما ظهر لنا منها.

عَنْ سَهْل بنِ سَعْد رَضِيَ الله عَنْه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَإِنَّهُ لَمِنْ أَهْلِ النَّارِ وَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ). رواه البخاري (2742) ومسلم (112).

وفي رواية للبخاري ( 6233 ) بزيادة في آخره: ( وَإِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالْخَوَاتِيمِ ).

* قال ابن رجب الحنبلي – رحمه الله -:

وقوله ( فيما يبدو للناس ) إشارة إلى أن باطن الأمر يكون بخلاف ذلك، وأن خاتمة السوء تكون بسبب دسيسة باطنة للعبد، لا يطلع عليها الناس، إما من جهة عمل سيّء، ونحو ذلك، فتلك الخصلة الخفية توجب سوء الخاتمة عند الموت، وكذلك قد يعمل الرجل عمل أهل النار وفي باطنه خصلة خفية من خصال الخير، فتغلب عليه تلك الخصلة في آخر عمره، فتوجب له حسن الخاتمة.

” جامع العلوم والحِكََم ” ( 1 / 57 ).

فتأمل أخي السائل حكمة الرب الجليل من هذا التشريع، فالطائع لا ينلغي له أن يغتر بعمله، ولا يُدرى بم يُختم له، والعاصي لا يقنط من رحمة ربه، وإذا علِم أن الله يقبل منه توبته سارع إليها، وأنت بكلامك في السؤال تريد تقنيط العاصي من التوبة، والأعظم من ذلك تقنيط الكافر من قبول توبته بإسلامه!.

* قال النووي – رحمه الله – في فوائد الحديث الأخير -:

ففيه التحذير من الاغترار بالأعمال، وأنه ينبغى للعبد أن لا يتكل عليها، ولا يركن إليها؛ مخافة من انقلاب الحال للقدر السابق، وكذا ينبغى للعاصي أن لا يَقنَط، ولغيره أن لا يقنِّطه من رحمة الله تعالى.

” شرح مسلم ” ( 2 / 126 ، 127 ).

  1. واعلم أخيرًا: أن ما ذكرناه من قبول الله تعالى لإسلام الكافر، وتوبة العاصي: إنما هو في حال أن يكون ذلك منهم قبل حضور الموت، وقبل الغرغرة.

قال تعالى: ( وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً ) النساء/ 18.

وعَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ العَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ. رواه الترمذي ( 3537 ) وابن ماجه ( 4253 )، وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

ومن رحمة الله تعالى بعباده أنه يقبل التوبة حتى ممن جهزت الحجارة لرجمه، وجهز السيف للقصاص منه، وأصيب بمرضٍ أيس من شفائه  – كما بيناه في جواب السؤال رقم: ( 1807 ) – وكل ذلك لا يصدق عليه أنه في حال الغرغرة، ولا حضره الموت، وهذا من لطف الله تعالى، ورحمته، وعظيم فضله، وبالغ كرمه، وقد سبقت رحمته تعالى غضبه، وادخر تعالى للخلق تسعًا وتسعين رحمة في الآخرة، فهذا الرب تعالى الذي آمنَّا به، وعلمنا أسماءه وصفاته، ونرجوه أن يغفر لنا زلاتنا، ويستر علينا ذنوبنا، ويتجاوز عنها، ونرجوه عظيم فضله، وواسع جنانه يوم نلقاه.

ونرجو أن نكون وفقنا بدلالتك على الحق، وبحسن توضيحه وتبيينه، والمسألة التي ذكرتها في سؤالك جليلة القدر، فحسبنا في بيانها ما ذكرناه، وفيما أحلنا عليه من مراجع تجد زيادة في البيان.

 

والله أعلم.

 

 

 

غضب من أهل المسجد فأنشأ مسجدًا بجانبه فأقام فيه الجمعة والعيد!

غضب من أهل المسجد فأنشأ مسجدًا بجانبه فأقام فيه الجمعة والعيد!

السؤال:

نحن نعيش في مدينة صغيرة في ” الولايات المتحدة الأمريكية “، عدد المسلمين فيها حوالي 5000 مسلم، والذين يداومون على حضور صلاة الجمعة حوالي 30، وعلى صلاة العشاء والفجر حوالي عشرة، سؤالي عن مشكلة حصلت بين إمام المسجد وعضو فعَّال في المجتمع، كلهم عرب، نتج عنها خروج هذا العضو عن الجماعة، واشتراء مبنى مجاور للمسجد لا يبعد إلا دقيقتين على الأقدام، وجعله مسجدًا آخر، وأصبح يرغِّب الناس في الصلاة بالمسجد الجديد عن طريق تجهيز الولائم، والنشاطات المختلفة، فانقسم الناس، وأصبح يقام في نفس الشارع جماعتان، ووصل الحد إلى أن أصبح هناك صلاتا عيد في نفس الشارع, فهل يعتبر فعله هذا بدعة وتفريق بين المجتمع؟ وما نصيحتكم لهذا الأخ؟ وهل يجوز لنا الصلاة معهم في المسجد الجديد، أو هذا يعتبر عوناً لهم على زيادة الفرقة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

لا شك ولا ريب أن هذا من التفرق المذموم، وإذا كان تفرق المسلمين في بلادهم منكَرًا: فإنه أشد نكارة إن كان بين ظهراني الكفار، ففيه إظهار الإسلام بصورة سلبيَّة، وإظهار المسلمين أنهم أصحاب أهواء شخصية، وليسوا أصحاب رسالة خالدة.

وإذا كان في إقامة أكثر من مسجد في البقعة الواحدة فيه تشجيع على الطاعة: فإن إقامة العيد والجمعة في ذات البقعة: هو من علامات الفرقة الواضحة البيِّنة، ولذا ذهب جمهور العلماء إلى تحريم تعدد الجمعة في القرية الواحدة! إلا أن تدعو لذلك حاجة شديدة: كضيق المسجد، أو تباعد أطراف القرية، أو ضرورة: كما إذا وُجد أهل قرية متفرقين، ولم يمكن اجتماعهم في مسجد واحد إلا مع مزيد فرقة ونزاع: جاز لهم أن يصلوا في مسجدين، وليس ذلك إلا دفعاً لتركهم الصلاة، وإلا فإنهم يؤاخذون على تفرقهم، وهذه فتوى جامعة في هذه المسألة، نسأل الله أن ينفعكم بها.

* سئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

ما حكم إقامة الجمعة في موضعين، أو أكثر، من المدينة، أو الحارة، مع بيان الدليل الشافي؟.

فأجاب:

اعلم وفقك الله أن الذي عليه جمهور أهل العلم: تحريم تعدد الجمعة في قرية واحدة، إلا من حاجة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يقيم في مدينته المنورة مدة حياته صلى الله عليه وسلم سوى جمعة واحدة، وهكذا في عهد خلفائه الراشدين، أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، رضي الله عنهم أجمعين، وهكذا في سائر الأمصار الإسلامية في صدر الإسلام، وما ذلك إلا لأن الجماعة مرغَّب فيها من جهة الشرع المطهر؛ لما في اجتماع المسلمين في مكان واحد حال إقامة الجمعة، والعيد، من التعاون على البرِّ، والتقوى، وإقامة شعائر الإسلام، ولما في ذلك – أيضًا – من الاختلاف بينهم، والمودة، والتعارف، والتفقه في الإسلام، وتأسي بعضهم ببعض في الخير، ولما في ذلك – أيضًا – من زيادة الفضل، والأجر، بكثرة الجماعة، وإغاظة أعداء الإسلام من المنافقين، وغيرهم، باتحاد الكلمة، وعدم الفُرقة.

وقد وردت النصوص الكثيرة في الكتاب والسنَّة في الحث على الاجتماع، والائتلاف، والتحذير من الفُرقة، والاختلاف، فمِن ذلك قول الله عز وجل: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا )، وقوله سبحانه: ( وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ )، وقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: ( إن الله يرضى لكم ثلاثا ويسخط لكم ثلاثا يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم ) – رواه مسلم ( 1715 ) -.

ومما تقدم يتضح لكم: أن الواجب هو اجتماع أهل المدينة، أو القرية، على جمعة واحدة، كما يجتمعون على صلاة عيد واحدة حيث أمكن ذلك، من دون مشقة؛ للأدلة المتقدمة، والأسباب السالفة، والمصلحة الكبرى في الاجتماع.

أما إن دعت الحاجة الشديدة إلى إقامة جمعتين، أو أكثر، في البلد، أو الحارة الكبيرة: فلا بأس بذلك، في أصح قولي العلماء، وذلك مثل: أن تكون البلد متباعدة الأطراف، ويشق على أهلها أن يجتمعوا في مسجدٍ واحدٍ: فلا بأس أن يقيموا الجمعة في مسجدين، أو أكثر، على حسب الحاجة، وهكذا لو كانت الحارة واسعة لا يمكن اجتماع أهلها في مسجدٍ واحدٍ: فلا بأس أن يُقام فيها جمعتان، كالقرية، ولهذا لما بُنيت ” بغداد “، وكانت واسعة الأرجاء: أقيم فيها جمعتان، إحداهما: في الجانب الشرقي، والثانية: في الجانب الغربي، وذلك في وسط القرن الثاني، بحضرة العلماء المشهورين، ولم ينكروا ذلك؛ لدعاء الحاجة إليه، ولمَّا قيل لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه حين خلافته: إن في الكوفة ضعَفة يشق عليهم الخروج إلى الصحراء لحضور صلاة العيد أمَر مَن يقيم لهم صلاة العيد بالبلد، وصلَّى رضي الله عنه بجمهور الناس في الصحراء.

فإذا جاز ذلك في العيد للحاجة: فالجمعة مثله؛ بجامع المشقة، والحاجة، والرفق بالمسلمين، وقد نصَّ الكثير من العلماء على جواز تعدد الجمعة عند الحاجة، قال موفق الدين أبو محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة رحمه الله في كتابه ” المغني ” (ص 184) الجزء الثاني، عند قول أبي القاسم الخرقي رحمه الله: ” وإذا كان البلد كبيرًا يحتاج إلى جوامع: فصلاة الجمعة في جميعها جائزة ” ما نصه: ” وجملته: أن البلد متى كان كبيرًا يشق على أهله الاجتماع في مسجد واحد، ويتعذر ذلك لتباعد أقطاره، أو ضيق مسجده عن أهله، كبغداد، وأصبهان، ونحوهما من الأمصار الكبار: جازت إقامة الجمعة فيما يحتاج إليه من جوامعها، وهذا قول عطاء، وأجازه أبو يوسف في بغداد، دون غيرها؛ لأن الحدود تقام فيها في موضعين، والجمعة، حيث تقام الحدود، ومقتضى قوله أنه لو وجد بلد آخر تقام فيه الحدود في موضعين: جازت إقامة الجمعة في موضعين منه؛ لأن الجمعة حيث تقام الحدود، وهذا قول ابن المبارك، وقال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، رحمهم الله: لا تجوز الجمعة في بلد واحد في أكثر من موضع واحد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يجمع إلا في مسجد واحد، وكذا الخلفاء بعده، ولو جاز: لم يعطلوا المساجد، حتى قال ابن عمر رضي الله عنهما: لا تقام الجمعة إلا في المسجد الأكبر الذي يصلِّي فيه الإمام “.

* ثم قال الموفق رحمه الله: ” ولنا: أنها صلاة شُرع لها الاجتماع، والخطبة، فجازت فيما يحتاج إليه من المواضع، كصلاة العيد، وقد ثبت أن عليًّا رضي الله عنه كان يخرج يوم العيد إلى المصلَّى، ويستخلف على ضعَفة النَّاس: أبا مسعود البدري، فيصلِّي بهم، فأما ترك النبي صلى الله عليه وسلم إقامة الجمعتين: فَلِغِنَاهُم عن إحداهما؛ لأن أصحابه كانوا يرون سماع خطبته، وشهود جمعته، وإن بعدت منازلهم؛ لأنه المبلغ عن الله، وشارع الأحكام، ولما دعت الحاجة إلى ذلك في الأمصار: صليت في أماكن، ولم يُنكر، فصار إجماعًا، وقول ابن عمر يعني: ” أنها لا تقام في المساجد الصغار ويترك الكبير “.

وأما اعتبار ذلك بإقامة الحدود: فلا وجه له، قال أبو داود: سمعت أحمد رحمه الله يقول: أي حدٍّ كان يُقام بالمدينة؟ قدِمَها مصعب بن عمير وهم مختبئون في دار، فجمع بهم، وهم أربعون، فأما مع عدم الحاجة: فلا يجوز في أكثر من واحد، وإن حصل الغنى باثنين: لم تجز الثالثة، وكذلك ما زاد، لا نعلم في هذا مخالفًا، إلا أن عطاء قيل له: إن أهل البصرة لا يسعهم المسجد الأكبر، قال: لكل قوم مسجد يجتمعون فيه، ويجزئ ذلك من التجمع في المسجد الأكبر، وما عليه الجمهور: أولى؛ إذ لم يُنقل عن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه أنهم جمعوا أكثر من جمعة واحدة، إذ لم تدع الحاجة إلى ذلك، ولا يجوز إثبات الأحكام بالتحكم بغير دليل ” انتهى كلامه رحمه الله.

* وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن صلاة الجمعة في جامع القلعة بدمشق، هل هي جائزة مع أن في البلد خطبة أخرى أم لا؟.

فأجاب: ” نعم، يجوز أن يصلى فيها جمعة؛ لأنها مدينة أخرى كـ ” مصر “، و ” القاهرة “، ولو لم تكن كمدينة أخرى، فإقامة الجمعة في المدينة الكبيرة في موضعين للحاجة: يجوز عند أكثر العلماء، ولهذا لما بنيت ” بغداد ” ولها جانبان: أقاموا فيها جمعة في الجانب الشرقي، وجمعة في الجانب الغربي، وجوز ذلك أكثر العلماء ” انتهى كلامه رحمه الله.

وبما ذكرنا يتضح للسائل جواز إقامة جمعتين فأكثر في بلد واحدة، إذا دعت الحاجة إلى ذلك، إما لضيق المسجد الواحد، وعدم اتساعه لأهل البلد، أو لسعة البلد، وتباعد أطرافها، والمشقة الشديدة عليهم في تجميعهم في مسجد واحد، ومثل ذلك لو كان أهل البلد قبيلتين، أو أكثر، وبينهم وحشة ونزاع، ويُخشى من اجتماعهم قيام فتنة بينهم، وقتال، فيجوز لكل قبيلة أن تجمع وحدها، ما دامت الوحشة قائمة، وهكذا ما يشبه ذلك من الأسباب. ” فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 12 / 351 – 356 ).

فعلى الأخ الذي تسبَّب في الفُرقة أن يتقي الله تعالى ربَّه، وأن يدع عنه تلك المسوغات لإنشاء مسجد ثانٍ، وإقامة جمعة أخرى، وبما أن المسجد قد أُقيم: فالمرجو من الأخ ترك إقامة الجمعة، والعيد، في المسجد الجديد، والعودة بنفسه، وبالمصلين معه إلى الجماعة الأم، والمسجد الأول؛ حتى تجتمع الكلمة، وينجو من إثم التسبب في تفرق المسلمين، خاصة وأنتم في بلاد غُربة، بين ظهراني قومٍ كافرين.

 

– ونسأل الله أن يصلح أحوالكم، ويهدي قلوبكم، وأن يجمع كلمتكم على الحق والهدى.

 

والله أعلم.