كيف يتجنب سرعة الغضب؟

السؤال

أنا إنسان سريع الغضب، لا أملك نفسي عند النقاش مع جميع من أناقشه حتى أبواي. أرشدني إلى الطرق والأساليب التي أتجنب بها سرعة الغضب، جزاك الله خيرًا.

الجواب

الحمد لله

أوجب الله عليكَ بر والديك والإحسان إليهما بالقول والفعل، وحرَّم عليك إيذاءهما بالقول والفعل، حتى لو كان ذلك بأدنى شيء.

قال الله تعالى: { وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا . وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا } [ الإسراء / 23 ، 24 ].

وأوصى النبي صلى الله عليه وسلم بعدم الغضب، ومعناه: البعد الأسباب التي تؤدي إليه، والاحتراز مما يترتب عليه.

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أوصني، قال: ” لا تغضب “، فردد مرارا، قال: ” لا تغضب “.

رواه البخاري ( 5765 ).

والغضب للنفس ولغير الله من سوء الأخلاق، وهو مذموم، ويترتب عليه ما يندم عليه صاحبه إما في الدنيا وإما في الآخرة وإما في كليهما.

* قال ابن مفلح الحنبلي:

وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إنما يعرف الحلم ساعة الغضب، وكان يقول: أول الغضب جنون، وآخره ندم، ولا يقوم الغضب بذلِّ الاعتذار، وربما كان العطب في الغضب، وقيل للشعبي: لأي شيء يكون السريع الغضب سريع الفيئة، ويكون بطيء الغضب بطيء الفيئة؟ قال: لأن الغضب كالنار فأسرعها وقودًا أسرعها خمودًا. ” الآداب الشرعيَّة ” ( 1 / 183 ).

وإذا تملَّك الإنسانُ الغضبَ فليذكر وصية النبي صلى الله عليه وسلم وكأنه يوجه الحديث له مباشرة، وليتذكر إيجاب الله تعالى عليه الإحسان إلى والديه وتحريم الإيذاء لهما كأنه يسمعه منه مباشرة.

ولتسكين الغضب – إذا وقع – أسباب، يمكن لمن عمل بها أن يعالج نفسه منه ومن آثاره، وقد ذكر الإمام الماوردي جملة طيبة منها.

* قال الماوردي:

واعلم أن لتسكين الغضب إذا هجم أسبابا يستعان بها على الحلم منها:

  1. أن يذكر الله عز وجل فيدعوه ذلك إلى الخوف منه, ويبعثه الخوف منه على الطاعة له, فيرجع إلى أدبه ويأخذ بندبه، فعند ذلك يزول الغضب.

قال الله تعالى: { واذكر ربك إذا نسيت } قال عكرمة: يعني إذا غضبت، وقال الله تعالى: { وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله } ومعنى قوله { ينزغنك } أي: يغضبنك, { فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم } يعني: أنه سميع بجهل من جهل, عليم بما يذهب عنك الغضب.

وقال بعض الحكماء: من ذكر قدرة الله لم يستعمل قدرته في ظلم عباد الله، وقال عبد الله بن مسلم بن محارب لهارون الرشيد: يا أمير المؤمنين أسألك بالذي أنت بين يديه أذل مني بين يديك, وبالذي هو أقدر على عقابك منك على عقابي لما عفوت عني، فعفا عنه لما ذكَّره قدرة الله تعالى.

  1. ومنها: أن ينتقل عن الحالة التي هو فيها إلى حالة غيرها, فيزول عنه الغضب بتغير الأحوال والتنقل من حال إلى حال.

وكان هذا مذهب المأمون إذا غضب أو شتم، وكانت الفرس تقول: إذا غضب القائم فليجلس وإذا غضب الجالس فليقم.

  1. ومنها: أن يتذكر ما يئول إليه الغضب من الندم ومذمة الانتقام.

وكتب إبرويز إلى ابنه شيرويه: إن كلمة منك تسفك دمًا وأخرى منك تحقن دمًا, وإن نفاذ أمرك مع كلامك, فاحترس, في غضبك, من قولك أن تخطئ, ومن لونك أن يتغير, ومن جسدك أن يخف, فإن الملوك تعاقب قدرة, وتعفو حِلمًا، وقال بعض الحكماء: الغضب على من لا تملك عجز, وعلى من تملك لؤم، وقال بعض الأدباء: إياك وعزة الغضب فإنها تفضي إلى ذل العذر.

  1. ومنها: أن يذكر ثواب العفو, وجزاء الصفح, فيقهر نفسه على الغضب رغبة في الجزاء والثواب, وحذرًا من استحقاق الذم والعقاب، وقال رجاء بن حيوة لعبد الملك بن مروان في أسارى ابن الأشعث: إن الله قد أعطاك ما تحب من الظفر فأعط الله ما يحب من العفو، وأسمع رجل عمر بن عبد العزيز كلامًا فقال عمر: أردت أن يستفزني الشيطان لعزة السلطان فأنال منك اليوم ما تناله مني غدًا انصرف رحمك الله.
  2. ومنها: أن يذكر انعطاف القلوب عليه, وميل النفوس إليه, فلا يرى إضاعة ذلك بتغير الناس عنه فيرغب في التألف وجميل الثناء، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” ما ازداد أحدٌ بعفوٍ إلا عزًّا “، وقال بعض البلغاء: ليس من عادة الكرام سرعة الانتقام, ولا من شروط الكرم إزالة النعم.

” أدب الدنيا والدين ” ( ص 258 – 260 ) باختصار.

 

والله الموفق.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة