هل خُلقت الأنعام في الجنّة مع آدم؟ وما الفرق بين إنزال الحديد وإنزال الأنعام؟
السؤال
يقول الحق سبحانه وتعالى { وأنزلنا الحديد }، ونعلم مِن التفسير العلمي أن الحديد أُنزل إلى الأرض في بداية تكونها.
ويقول الحق سبحانه وتعالى { وأنزلنا الأنعام }، فأين خلقت الأنعام، هل في الأرض أم مع آدم في الجنة؟
الجواب
الحمد لله
الآية الأولى: قال الله تعالى: { لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز } [ الحديد / 25 ].
الآية الثانية: قال الله تعالى: { خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث ذلكم الله ربكم له الملك لا إله إلا هو فأنى تصرفون } [ الزمر / 6 ].
ومن تأمل لفظ ” النزول ” في القرآن الكريم وجد مجيئه متنوعًا، وقد وقع طوائف من الناس في البدعة والانحراف في التفسير لأنهم لم يتأملوا معنى النزول في كل جملة، وقد بيَّن شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – هذا الأمر أحسن بيان، وعقد له فصلًا كاملًا، ونحن نقتطف منه نتفًا ونحيل من أراد التوسع عليه.
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
ولفظ ” النزول ” حيث ذُكر في كتاب الله تعالى فإن كثيرًا من الناس فسروا ” النزول ” في مواضع من القرآن بغير ما هو معناه المعروف لاشتباه المعنى في تلك المواضع، وصار ذلك حجة لمن فسر نزول القرآن بتفسير أهل البدع، فمن ” الجهمية ” مَن يقول ” أنزل ” بمعنى ” خلق ” كقوله تعالى { وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد }، أو يقول: ” خلقه في مكان عال ثم أنزله من ذلك المكان ” …
” النزول ” في كتاب الله عز وجل ثلاثة أنواع: نزول مقيد بأنه منه، ونزول مقيَّد بأنه من السماء، ونزول غير مقيد لا بهذا ولابهذا.
- فالأول: لم يرد إلا في القرآن كما قال تعالى { والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق }، وقال تعالى: { نزله روح القدس من ربك بالحق } …
- وأما النزول المقيد بالسماء: فقوله: { وأنزلنا من السماء }، والسماء: اسم جنس لكل ماعلا، فاذا قيد بشىءٍ معيَّنٍ: تقيد به، فقوله في غير موضع { من السماء }: مطلق، أي: في العلو، ثم قد بيَّنه في موضع آخر بقوله: { أأنتم أنزلتموه من المزن }، وقوله: { فترى الودق يخرج من خلاله } أي: أنه منزل من السحاب.
ومما يشبه نزول القرآن: قوله { ينزِّل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده }، فنزول الملائكة هو نزولهم بالوحي من أمره الذي هو كلامه، وكذلك قوله { تنزَّل الملائكة والروح فيها } يناسب قوله: { فيها يفرق كل أمرٍ حكيمٍ أمرًا من عندنا إنا كنا مرسلين } فهذا شبيه بقوله: { قل نزَّله روح القدس } …
- وأما المطلق: ففي مواضع، منها: ما ذكره من إنزال السكينة بقوله { فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين }، وقوله { هو الذى أنزل السكينة في قلوب المؤمنين } إلى غير ذلك …
وذكر تعالى إنزال النعاس في قوله: { ثم أنزل عليكم من بعد الغمِّ أمنة نعاسًا يغشى طائفة منكم } هذا يوم ” أحد “، وقال في يوم ” بدر “: { إذ يغشيكم النعاس أمنة منه }، والنعاس: ينزل في الرأس بسبب نزول الأبخرة التي تدخل في الدماغ فتنعقد فيحصل منها النعاس …
وإذا كان كذلك فإنزاله تعالى ” العدل ” و ” السكينة ” و ” النعاس ” و ” الأمانة ” – وهذه صفات تقوم بالعباد – إنما تكون إذا افضى بها إليهم، فالأعيان القائمة توصف بالنزول كما توصف الملائكة بالنزول بالوحي والقرآن، فإذا نزل بها الملائكة قيل إنها نزلت، وكذلك لو نزل غير الملائكة كالهواء الذي نزل بالأسباب فيحدث الله منه البخار الذى يكون منه النعاس، فكان قد أنزل النعاس سبحانه بإنزال ما يحمله.
وقد ذكر سبحانه إنزال الحديد، والحديد يُخلق في المعادن، وما يذكر عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن آدم عليه السلام نزل من الجنَّة ومعه خمسة أشياء: من حديد السندان، والكلبتان، والمنقعة، والمطرقة، والإبرة “: فهو كذب لا يثبت مثله، وكذلك الحديث الذي رواه الثعلبى عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبى صلى الله عليه وسلم: ” أن الله أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض: فأنزل الحديد، والماء، والنار، والملح “: حديث موضوعٌ مكذوبٌ في إسناده: سيف بن محمد بن أخت سفيان الثوري – رحمه الله – وهو من الكذابين المعروفين بالكذب …
والناس يشهدون أن هذه الآلات تُصنع من حديد المعادن، فإن قيل: إن آدم عليه السلام نزل معه جميع الآلات: فهذه مكابرة للعِيان، وإن قيل: بل نزل معه آلة واحدة وتلك لا تعرف، فأي فائدة في هذا لسائر الناس؟ ثم ما يصنع بهذه الآلات إذا لم يكن ثم حديد موجود يطرق بهذه الآلات؟ وإذا خلق الله الحديدَ صنعت منه هذه الآلات، مع أن المأثور أن أول من خطَّ وخاط إدريس عليه السلام، وآدم عليه السلام لم يخط ثوبًا فما يصنع بالإبرة؟.
ثم أخبر أنه أنزل الحديد فكان المقصود الأكبر بذكر الحديد هو اتخاذ آلات الجهاد منه: كالسيف، والسنان، والنصل، وما أشبه ذلك الذي به يُنصر الله ورسولُه، وهذه لم تنزل من السماء.
فإن قيل: نزلت الآلة التي يطبع بها، قيل: فالله أخبر أنه أنزل الحديد لهذه المعاني المتقدمة، والآلة وحدها لا تكفي، بل لا بد من مادة يصنع بها آلات الجهاد.
لكن لفظ ” النزول ” أشكل على كثير من الناس حتى قال قطرب – رحمه الله -: معناه: جعله نُزُلًا، كما يقال أنزل الأمر على فلانٍ نزلًا حسنًا أي: جعله نزلًا، قال: ومثله قوله تعالى { وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج }، وهذا ضعيف.
فإن النُّزُل إنما يطلق على ما يؤكل لا على ما يقاتَل به، قال الله تعالى { فنزُل من حميمٍ }، والضيافة سمِّيت نزلًا لأن العادة أن الضيف يكون راكبًا فينزل في مكان يؤتى إليه بضيافته فيه، فسمِّيت نزلًا لأجل نزوله، ونزل ببني فلان ضيف، ولهذا قال نوح عليه السلام: { رب أنزلني منزلًا مباركًا وأنت خير المنزلين } لأنه كان راكبًا في السفينة، وسميت المواضع التى ينزل بها المسافرون ” منازل “؛ لأنهم يكونون ركبانًا فينزلون، والمشاة تبع للركبان، وتسمَّى المساكن ” منازل “.
وجعل بعضهم نزول الحديد بمعنى ” الخلق ” لأنه أخرجه من المعادن وعلمهم صنعته، فإن الحديد إنما يخلق في المعادن، والمعادن إنما تكون في الجبال، فالحديد ينزله الله من معادنه التي في الجبال؛ لينتفع به بنو آدم.
وقال تعالى: { وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج }، وهذا مما أشكل أيضًا، فمنهم من قال: جعل، ومنهم من قال: خلق؛ لكونها تُخلق من الماء، فإن به يكون النبات الذي ينزل أصله من السماء، وهو الماء، وقال قطرب: جعلناه نزلًا.
ولا حاجة الى إخراج اللفظ عن معناه المعروف لغة، فإن الأنعام تنزل من بطون أمهاتها، ومن أصلاب آبائها، تأتي بطون أمهاتها، ويقال للرجل قد أنزل الماء، وإذا أنزل وجب عليه الغسل، مع أن الرجل غالب إنزاله وهو على جنب، إما وقت الجماع وإما بالاحتلام، فكيف بالأنعام التي غالب إنزالها مع قيامها على رجليها وارتفاعها على ظهور الإناث، ومما يبين هذا أنه لم يستعمل ” النزول ” فيما خلق من السفليات فلم يقل: أنزل النبات، ولا أنزل المرعى، وإنما استعمل فيما يخلق في محل عال وأنزله الله من ذلك المحل كالحديد والأنعام.
وقال تعالى: { يابني آدم قد أنزنا عليكم لباسًا يواري سوآتكم وريشًا } الآية، وفيها قراءتان: أحدهما: بالنصب، فيكون { لباس التقوى } أيضًا منزلًا، وأما على قراءة الرفع فلا، وكلاهما حق، وقد قيل فيه: خلقناه، وقيل: أنزلنا أسبابه، وقيل: ألهمناهم كيفية صنعته، وهذه الأقوال ضعيفة.
فإن النبات الذي ذكروا لم يجىء فيه لفظ ” أنزلنا ” ولم يستعمل في كل مايصنع ” أنزلنا ” فلم يقل أنزلنا الدور، وأنزلنا الطبخ، ونحو ذلك، وهو لم يقل أنا أنزلنا كل لباس ورياش، …
والقرآن مقصوده: جنس اللباس الذي يلبس على البدن وفي البيوت كما قال تعالى: { والله جعل لكم من بيوتكم سكنًا } الآية، فامتن سبحانه عليهم بما ينتفعون به من الأنعام في اللباس والأثاث، وهذا والله أعلم معنى إنزاله؛ فإنه ينزله من ظهور الأنعام، وهو كسوة الأنعام من الأصواف والأوبار والأشعار، وينتفع به بنو آدم من اللباس والرياش، فقد أنزلها عليهم، وأكثر أهل الأرض كسوتهم من جلود الدواب فهي لدفع الحر والبرد، وأعظم مما يصنع من القطن والكتان …
فإذا كان اللباس والرياش ينزل من ظهور الأنعام، وكسوة الأنعام منزلة من الأصلاب والبطون كما تقدم: فهو منزلٌ من الجهتين؛ فإنه على ظهور الأنعام لا ينتفع به بنوا آدم حتى ينزل.
فقد تبين أنه ليس في القرآن ولا في السنة لفظ ” نزول ” إلا وفيه معنى النزول المعروف، وهذا هو اللائق بالقرآن؛ فإنه نزل بلغة العرب، ولاتعرف العرب نزولًا إلا بهذا المعنى، ولو أريد غير هذا المعنى لكان خطابًا بغير لغتها، ثم هو استعمال اللفظ المعروف له معنى في معنى آخر بلا بيان، وهذا لا يجوز بما ذكرنا، وبهذا يحصل مقصود القرآن واللغة الذي أخبر الله تعالى أنه بيَّنه وجعله هدى للناس، وليكن هذا آخره، والحمد لله وحده، وصلَّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وسلم تسليمًا كثيرًا. ” مجموع الفتاوى ” ( 12 / 246 – 257 ).
والله أعلم.


