عندها إشكالات في حق المرأة في الإسلام
السؤال
أنا في حيرة من أمري، فقد عشت سنين عمري أتعامل وأعامل على كوني إنسانًا قبل أن أصنف إلى كوني أنثى [ وأمة ] الله قدر استطاعتي، من هذا المنطلق مَن عمل منكم من ذكر أو أنثى خيرًا فله أجره، ومن عمل إثما فعليه وزره، ولكن بعد زواجي فوجئت بأحكام تخرجني من نطاق الإنسانية لأكون مجرد متاع للرجل، فمثلا تلعنني الملائكة إن امتنعت عنه تحت أي ظرف، في حين أنه ليس عليه أي وزر إن هو امتنع عن جماع زوجته ولو من باب الإضرار بها، فهو له أجر صدقة إن جامعها وهو مستمتع بها وهي ليس لها أجر وإن لبَّت وهي كارهة، وإذا أغضبني وأهانني أمام الناس وامتهن كرامتي يجب عليَّ مصالحته واسترضاؤه وإلا لعنتني الملائكة، وأنا طبعًا لا يحق لي مخالفته في رأي ومراجعته ولا يغفر لي أي قدر من الانفعال، كما أنكم أفتيتم بأن ثواب صلاة الجماعة هو خاص بالرجال من دون النساء فهل هذا ما شرعه الله لنا؟ هل هذا هو قدر المرأة المسلمة إذا أحسنت وأدت ما عليها؟ فهي تجنبت الإثم وليس لها أي فضل وإن أخلت كانت من الملعونين المطرودين من رحمة الله أنا وإبليس اللعين سواء.
أرجو الاهتمام بهذا السؤال لأنني أفتن في ديني، وإن كان هذا هو شرع الله فسمعًا وطاعة ولا حول ولا قوة إلا بالله.
الجواب
الحمد لله
لم نزل متعجبين مما ورد في سؤال الأخت الفاضلة من ظنها ما ليس من دين الله منسوبًا إليه، واعتقادها لأحكام لم ينزل الله بها سلطانًا، ومن ذلك قولها ” ولكن بعد زواجي فوجئت بأحكام تخرجني من نطاق الإنسانية لأكون مجرد متاع للرجل”!.
وسنرتب الكلام معها من خلال هذه النقاط:
أولًا:
أكرم الله تبارك وتعالى المرأة غاية الإكرام، فقد أكرمها بنتًا وأمًّا وزوجة، وجعل لها من الحقوق والفضل ووجوب البر ما ليس للرجل في كثير من الأحيان.
ولم ينزع الإسلام عنها إنسانيتها، بل أعطاها حقها ورفع لها قدرها، وإنما كانت متاعًا وسلعة قبل أن يكرم الله الناس بالإسلام، فقد كانت تورث كما يورث المتاع، وكانت تُعلَّق فلا هي بالزوجة ولا هي بالمطلقة، وكانت تمكث سنة كاملة بعد وفاة زوجها لا تمس ماء ولا تخرج من بيتها حتى إن الطير والبهيمة ليموتان من شمهما رائحتها! وكانت تُحرَم من الميراث، فضلًا عن وأدها وهي حيَّة، وغير ذلك كثير.
فجاء الإسلام وحرَّم الوأد وجعله قتلًا للنفس وهو من كبائر الذنوب، وحرَّم تعليقها بيمين أو تحريمها بظهار، وأعطاها نصيبها من الميراث، وجعل عدتها من وفاة زوجها أربعة أشهر وعشرًا تغتسل وتلبس الثياب وترى النساء والمحارم، وأجاز لها البيع والشراء والتملك، ورغَّبها بالعلم والدعوة إلى الله تعالى، وأمر بإكرامها زوجة، وببرها أمًّا بل جعل حقها في البر ثلاثة أضعاف الأب، وغير ذلك كثير، وليس هذا مجال بسط ذلك، إنما أردنا التنبيه والتذكير.
ثانيًا:
– قالت الأخت الفاضلة: ” فمثلا تلعنني الملائكة إن امتنعت عنه تحت أي ظرف “!
– قلنا: ليس هذا بصحيح، بل لا تلعن الملائكة الزوجة الممتنعة عن فراش زوجها إلا أن تكون غير معذورة، فإن كانت معذورة بمرض أو حيض أو نفاس أو صوم واجب: فإنها لا تلعن، بل يأثم زوجها الذي يدعوها ويصر على دعوتها أو يكرهها وهو يعلم حالها.
وقد قلنا سابقًا:
ليس للمرأة أن تمنع نفسها من زوجها، بل يجب عليها أن تلبي طلبه كلما دعاها ما لم يضرها أو يشغلها عن واجب.
قال ابن حزم:
وفرض على الأمة والحرة أن لا يمنعا السيد والزوج الجماع متى دعاهما ما لم تكن المدعوة حائضًا أو مريضة تتأذى بالجماع أو صائمة فرض فإن امتنعت لغير عذر فهي ملعونة. ” المحلى ” ( 10 / 40 ).
ثالثًا:
وقالت الأخت الفاضلة: ” في حين أنه ليس عليه أي وزر إن هو امتنع عن جماع زوجته ولو من باب الإضرار بها “!
قلنا: ليس هذا بصحيح، وقد حرَّم الإسلام الإضرار بالآخرين ومنه إضرار الزوج زوجته بمنعها من إرضاع ولدها أو بمنعها من حقها في الجماع والاستمتاع.
وقد قلنا في في سياق بيان حقوق الزوجة على زوجها -:
عدم الإضرار بالزوجة: وهذا من أصول الإسلام، وإذا كان إيقاع الضرر محرمًا على الأجانب فأن يكون محرمًا إيقاعه على الزوجة أولى وأحرى.
عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى ” أن لا ضرر ولا ضرار ” رواه ابن ماجه ( 2340 ). والحديث: صححه الإمام أحمد والحاكم وابن الصلاح وغيرهم. انظر: ” خلاصة البدر المنير ” ( 2 / 438 ).
فلا يجوز للرجل أن يهجر امرأته إضرارًا بها إلا إذا ظهر منها النشوز والعصيان، ولكن لا يأثم إذا ترك الاضطجاع معها غير مُضارٍّ بها لأن الحاجة له وترجع إلى شهوته ولا يملك إثارة الشهوة فإن هجرها فهو آثم بذلك لأنه لا ضرر ولا ضرار، والله أعلم.
رابعًا:
قالت الأخت الفاضلة: “، فهو له أجر صدقة إن جامعها وهو مستمتع بها وهي ليس لها أجر وإن لبَّت وهي كارهة “!
قلنا: وليس هذا بصحيح، بل تؤجر الزوجة على الجماع من وجهين:
الأول: من كونها شقيقة الرجل في الأحكام والأجور، إلا ما استثناه النص، وبخاصة أن الحديث عام في لفظه، فينبغي أن يكون كذلك في حكمه وثوابه.
الثاني: أنها سبب أجر الزوج، ومن كان سببًا في ثواب غيره: شاركه في الأجر دون أن ينقص من أجره شيء.
والحديث هو:
عن أبي ذر أن ناسًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم، قال: أو ليس قد جعل الله لكم ما تصدقون؟ إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة, ونهي عن منكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة، قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر.
رواه مسلم ( 1006 ).
فالحديث واضح الدلالة على عمومه، والزوجة مأجورة كما هو حال زوجها، كما أنها تأثم على شهوتها لو وضعتها في الحرام كما هو حال زوجها.
خامسًا:
قالت الأخت الفاضلة: ” وإذا أغضبني وأهانني أمام الناس وامتهن كرامتي يجب عليَّ مصالحته واسترضاؤه وإلا لعنتني الملائكة “!
قلنا: ليس قولها بصحيح، فأما اللعن فليس هو إلا في امتناع الزوجة عن فراش زوجها من غير عذر – كما سبق بيانه -.
وأما إهانة الزوج لها وامتهان كرامتها: فهو آثم على فعله هذا ولا شك، وقد أجاز لها الشرع أن تستوفي حقها بالرد عليه بقدر ظلمه لها، أو أن تصبر على قوله وظلمه وتحتسب الأجر عند الله لتأخذ الثواب الأكمل والأفضل والأعلى.
والواجب عليه: هو أن يصالحك ويسترضيك لا العكس، فالذي ظلم هو الذي يجب عليه لتمام توبته أن يُرضي المظلوم بالاعتذار والكلام الحسن.
سادسًا:
قالت الأخت الفاضلة: ” وأنا طبعًا لا يحق لي مخالفته في رأي ومراجعته ولا يغفر لي أي قدر من الانفعال “!
قلنا: وليس هذا بصحيح، فيجوز للمرأة أن تراجع زوجها وأن تخالفه في الرأي، لكن ليس لها أن تمتنع عما يأمرها به – وإن كانت مخالفة له – إذا لم يأمرها بمعصية، فلا طاعة لأحد في معصية الخالق، وهذا إنما هو من منطلق القوامة الذي جعله الله تعالى للزوج.
وقد ثبت عن الصحابة رضي الله عنهم أن نساءهم كنَّ يراجعنهم في الأمر، بل كان هذا فعل أمهات المؤمنين مع نبينا عليه الصلاة والسلام، كما قال عمر بن الخطاب لابن عباس رضي الله عنهما: ” وكنا معشر قريش نغلب النساء فلما قدمنا على الأنصار إذا قوم تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يأخذن من أدب نساء الأنصار، فصخبتُ على امرأتي فراجعتني فأنكرتُ أن تراجعني قالت: ولم تنكر أن أراجعك؟ فوالله إن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ليراجعنه … ” – رواه البخاري ( 4895) ومسلم ( 1479 ).
قال الحافظ ابن حجر – في سياق فوائد الحديث -:
وفيه: أن شدة الوطأة على النساء مذموم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ بسيرة الأنصار في نسائهم، وترك سيرة قومه. ” فتح الباري ” ( 9 / 291 ).
سابعًا:
قالت الأخت الفاضلة: ” كما أنكم أفتيتم بأن ثواب صلاة الجماعة هو خاص بالرجال من دون النساء “!
قلنا: هذا غير صحيح، بل الذي قلنا – بناء على أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم – أن الرجال هم المخاطَبون بصلاة الجماعة دون النساء، وأنه يجوز للمرأة أن تشهد الصلاة في المسجد، ولا يحل للرجل أن يمنعها من الذهاب، فإن ذهبت وصلَّت معهم: شاركتهم في أجر صلاة الجماعة بلا أدنى ريب.
ومع هذا فإننا نجزم – بناء على الأحاديث الصحيحة – أنها لو صلَّت في بيتها: لأخذت أكثر من أجر صلاتها جماعة في المسجد.
عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” لا تمنعوا نساءكم المساجد، وبيوتهن خير لهن “. رواه أبو داود ( 567 ) وأحمد – واللفظ له – (5445).
قال شمس الحق العظيم آبادي – رحمه الله –:
” وبيوتهن خير لهن “: أي: صلاتهن في بيوتهن خير لهن من صلاتهن في المساجد لو علمن ذلك, لكنهن لم يعلمن فيسألن الخروج إلى المساجد ويعتقدن أن أجرهن في المساجد أكثر. ووجه كون صلاتهن في البيوت أفضل: الأمن من الفتنة, ويتأكد ذلك بعد وجود ما أحدث النساء من التبرج والزينة.
” عون المعبود ” ( 2 / 193 ).
ثامنًا:
قالت الأخت الفاضلة: ” هل هذا هو قدر المرأة المسلمة إذا أحسنت وأدت ما عليها؟ فهي تجنبت الإثم وليس لها أي فضل وإن أخلت كانت من الملعونين المطرودين من رحمة الله أنا وإبليس اللعين سواء “!
قلنا: وهذا من سوء الظن بالله، وكلامكِ ليس بصحيح إطلاقًا.
قال الله تعالى: { من عمل صالحًا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون } [ النحل / 97 ].
وقال تعالى: { فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابًا من عند الله والله عنده حسن الثواب } [ آل عمران / 195 ].
وقال تعالى: { إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرًا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرًا عظيمًا } [ الأحزاب / 35].
وفي هذا القدر من الآيات البينات كفاية في بيان خطأ قولكِ، ونسأل الله تعالى أن يفقهك في الدين، وأن يثبتك على الخير والهدى.
ونرجو أن نكون قد وُفقنا في إزالة اللبس عنكِ لتعلمي عِظم دين الله تعالى، وحكمة شرعه، وبالغ فضله على خلقه.
والله أعلم.


